وقال شيخ الإسلام أيضًا في موضع آخر وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان أحدهما: أن لا نعبد إلا الله؛ والثاني: أن لا نعبده إلا بما شرع لا نعبده بعبادة مبتدعة، وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله الله وأن محمدًا رسول الله كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾، قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه، قالوا يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه.
قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة، وذلك تحقيق قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحدث في مرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي لفظ في الصحيح «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، ولهذا قال الفقهاء العبادات مبناها على التوقيف، والله سبحانه أمرنا باتباع الرسول وطاعته وموالاته ومحبته، وأن يكون الله ورسوله أحب إلينا مما سواهما، وضمن لنا بطاعته، ومحبته محبة الله وكرامته، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، وأمثال ذلك في القرآن كثير، ولا ينبغي لأحد أن يخرج في هذا عما مضت به السنة، وجاءت به الشريعة، ودل عليه الكتاب والسنة، وكان عليه سلف الأمة وما علمه قال به، وما لم يعلمه أمسك عنه، ولا يقفو ما ليس له به علم، ولا يقول على الله ما لا يعلم، فإن الله قد حرم ذلك كله، انتهى.
стр. 72
وقال شيخ الإسلام أيضًا في موضع آخر، وأصل الإسلام أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فمن طلب بعبادته الرياء والسمعة فلم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله، ومن خرج عما أمره به الرسول من الشريعة وتعبد بالبدعة فلم يحقق شهادة أن محمدًا رسول الله، وإنما يحقق هذين الأصلين من لم يعبد إلا الله، ولم يخرج عن شريعة رسول الله ﷺ التي بلغها عن الله فإنه قال: «تركتم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك»، وقال: «ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا قد حدثتكم به، ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به»، وقال ابن مسعود ﵁: «خط لنا رسول الله ﷺ خطًا وخط خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: هذا سبيل الله، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، فالعبادات والزهادات، والمقالات، والتورعات الخارجة عن سبيل الله وهو الصراط المستقيم الذي أمرنا الله أن نسأله هدايته، وهو ما دلت عليه السنة هي سبل الشيطان انتهى كلامه، فليتأمل من أوله إلى آخره ففيه رد على المفتونين ببدعة المولد، وليتأمل قوله أنه لا ينبغي لأحد أن يخرج عما مضت به السنة وجاءت به الشريعة ودل عليه الكتاب والسنة، وكان عليه سلف الأمة ففي هذه الجملة أبلغ رد على المفتونين ببدعة المولد».
الوجه الخامس: أن يقال إن الاحتفال بالمولد ليس من هدي النبي ﷺ ، ولا من عمل أصحابه، ولا التابعين، ولا أئمة العلم والهدي من بعدهم، وإنما هو من هدي سلطان إربل، فمن احتفل بالمولد فقد تأسى بسلطان إربل واتبع هديه شاء أم أبى.
стр. 73
الوجه السادس: أن يقال من أراد الاقتداء بالنبي ﷺ ، والتأسي بأعماله وهو صادق النية، فلا بد له من لزوم الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه؛ لأن النبي ﷺ قد أخبر عن الفرقة الناجية من الثلاث والسبعين فرقة بأنهم من كان على مثل ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، ولا بد له أيضًا من إنكار البدع كلها ومخالفة أهلها ومنها بدعة المولد؛ لأنها من المحدثات التي أحدثت بعد زمان النبي ﷺ بنحو من ست مائة سنة فهي داخلة فيما حذر منه رسول الله ﷺ وأخبر أنه شر وضلالة، فأما من يفعل بدعة المولد ويذب عنها وعن أهلها أو يفعل غير ذلك من البدع، ثم يدعي أنه يريد بذلك الاقتداء برسول الله ﷺ والتأسي بأعماله فإنه غير صادق في دعواه؛ لأن عمله يكذب دعواه.
وأما قول الرفاعي:
٧ - الاحتفال فرصة لأداء بعض حقه الكبير علينا؛ لأن الله تعالى هدانا به، وأنقذنا من النار، وأخرجنا من الظلمات إلى النور جزاه الله عنا ما هو أهله، وقد كان الشعراء يتقربون إليه ﷺ في حياته المنيفة بالقريض والقصائد مثل كعب بن زهير، وحسان بن ثابت فكان يرضى عملهم ويكافئهم على ذلك بالصلات والطيبات، فإذا كان يرضى عمن مدحه فكيف لا يرضى عمن جمع شمائله الشريفة مثل: «مولد البرزنجي» وغيره أو تلاه أو جمع الناس للاستماع إليه، ففي ذلك كل التقرب والتحبب إليه باستجلاب محبته ورضاه ﷺ .
стр. 74
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذا الكلام مأخوذ من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٦٩ من كتابه المسمى «بالذخائر المحمدية»، وقد غير فيه الرفاعي بعض التغيير وزاد فيه ونقص.
الوجه الثاني: أن يقال إن الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا ليس فيه أداء لشيء من حقوق النبي ﷺ ، وإنما هو في الحقيقة إساءة إلى النبي ﷺ من جهتين.
إحداهما: أن الذين يحتفلون بالمولد قد شرعوا عيدًا لم يأذن به الله ولم يأمر به رسول الله ﷺ ، وقد زعموا مع ذلك أن هذه البدعة بدعة حسنة، وزعم الرفاعي أنها سنة مباركة وبدعة حسنة محمودة، وقد تقدم في أول الكتاب (١) ما ذكره الشاطبي عن الإمام مالك -رحمه الله تعالى- أنه قال: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة؛ لأن لله يقول ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا. انتهى.
الجهة الثانية: معصيتهم للرسول ﷺ حيث نبذوا تحذيره من محدثات الأمور وراء ظهورهم، ولم يبالوا بقوله ﷺ في الأحاديث الثابتة عنه: «وشر الأمور محدثاتها»، وقوله أيضًا: «وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وقوله أيضًا: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».
стр. 75
الوجه الثالث: أن يقال إن أداء حق النبي ﷺ لا يتم إلا بطاعته، واتباع هديه، والتمسك بسنته، ونشر دعوته، والبعد عن كل ما خالف أمره، وليس لأداء حقه وقت مخصوص، بل هو واجب في جميع الأوقات، ومن زعم أنه يؤدي بعض حق النبي، ﷺ في ليلة المولد بخصوصها فلا شك أنه قد بخسه حقه.
الوجه الرابع: أن يقال من آكد حقوق النبي ﷺ كثرة الصلاة والسلام عليه، وقد أمر النبي ﷺ بإكثار الصلاة عليه في يوم الجمعة كما تقدم ذلك في حديث أوس بن أوس الثقفي ﵁ (١) ولم يأمر بذلك في ليلة مولده. فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم، وتشبهوا بالذين اتخذوا مولد المسيح عيدًا، وزعموا أن فعلهم هذا بدعة حسنة محمودة وسنة مباركة، وهذا مصداق ما جاء في عدة أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ أنه قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، ولو كان في إكثار الصلاة على النبي ﷺ في ليلة مولده زيادة فضل لبين ذلك النبي ﷺ ، فإنه لا خير إلا وقد دل أمته عليه ورغبهم فيه، ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه.
وأما قول الرفاعي: وقد كان الشعراء يتقربون إليه ﷺ بالقريض والقصائد مثل كعب بن زهير، وحسان بن ثابت فكان يرضى عملهم ويكافئهم على ذلك بالصلات والطيبات.
стр. 76
فجوابه أن يقال: لم يذكر عن أحد من شعراء الصحابة ﵃ أنه كان يتقرب إلى النبي ﷺ بإنشاد القصائد في ليلة مولده، وإنما كان إنشادهم في الغالب عند وقوع الفتوح، والظفر بالأعداء. وكان إنشاد كعب بن زهير ﵁ لقصيدته المشهورة حين قدم على النبي ﷺ وبايعه على الإسلام، وعلى هذا فليس في إنشاد كعب بن زهير وحسان بن ثابت وغيرهما من شعراء الصحابة ﵃ بين يدي النبي ﷺ ما يتعلق به الرفاعي في تأييد بدعة المولد.
وأما قول الرفاعي: فإذا كان يرضى عمن مدحه فكيف لا يرضى عمن جمع شمائله أو تلاه أو جمع الناس للاستماع إليه؟، ففي ذلك كل التقرب والتحبب إليه باستجلاب محبته ورضاه ﷺ .
فجوابه أن يقال إن الاحتفال بالمولد ليس من هدي النبي ﷺ ولا من عمل أصحابه ﵃ وإنما هو بدعة محدثة في الإسلام، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «وشر الأمور محدثاتها»، وثبت عنه أيضًا أنه قال: «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وثبت عنه أيضًا أنه قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وما كان بهذه المثابة فإن النبي ﷺ لا يحبه، ولا يرضاه، ولا يحب أهله، ولا يرضى عنهم، ولا عن محدثاتهم، ولا شك أن الإصرار على فعل البدع يجلب البغض، والمقت، والسخط، والبعد من الله تعالى ومن رسوله ﷺ ، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من رغب عن سنتي فليس مني» رواه الإمام أحمد،
стр. 77
والبخاري، ومسلم، والنسائي من حديث أنس بن مالك ﵁ وروى الإمام أحمد أيضًا عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ مثله وإسناده صحيح على شرط الشيخين، قال الشاطبي في كتاب «الاعتصام» على قوله ﷺ «من رغب عن سنتي فليس مني»: هذه العبارة أشد شيء في الإنكار، انتهى.
وسنة رسول الله ﷺ في ليلة مولده لا تختلف عن سنته في سائر الليالي فإنه لم يرو عنه أنه كان يخصها بشيء من الأعمال، ولا أنه كان يجمع الناس فيها لتلاوة مدائحه وشمائله والاستماع إلى ذلك، والخير كل الخير في لزوم هديه ﷺ والتمسك بسنته وترك ما أحدثه الناس من بعده.
وأما قول الرفاعي:
٨ - يؤخذ من قوله ﷺ في فضل يوم الجمعة وعد مزاياه (وفيه ولد آدم) تشريف الزمان الذي ثبت أنه يوم ميلاد نبي، فكيف باليوم الذي ولد فيه أفضل النبيين وأشرف المرسلين وأكرم الخلق أجمعين على رب العالمين؟، كما يؤخذ تكريم وتعظيم المكان المرتبط بنبي من قوله تعالى مخاطبًا هذه الأمة ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وكذلك من طلب جبريل ﵇ ليلة الإسراء والمعراج من النبي ﷺ بصلاة ركعتين ببيت لحم، ثم قال أتدري أين صليت قال لا. قال صليت ببيت لحم، حيث ولد عيسى ﵇.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذا الكلام مأخوذ من كلام
стр. 78
محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٧٠ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية"، وقد غير فيه الرفاعي بعض التغيير وزاد فيه ذكر الآية من سورة البقرة.
الوجه الثاني: أن يقال إن ابن علوي والرفاعي قد حرفا ما نقلاه من حديث أوس بن أوس الثقفي ﵁، فقد جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قُبض» الحديث، وقد تقدم إيراده قريبًا (١) فقال ابن علوي والرفاعي ما نصه (وفيه ولد آدم)، ثم زعما أنه يؤخذ من هذا تشريف الزمان الذي ثبت أنه يوم ميلاد نبي.
وإنا نسأل ابن علوي والرفاعي من هو أبو آدم، ومن هي أمه التي قد ولدته، وندعو بما دعا به نبي الله موسى ﵊، فقد أخبر الله عنه أنه قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، وأي جهل أقبح من القول بأن آدم مولود.
وإذا كان ابن علوي والرفاعي قد خفي عليهما أن الله تعالى قد خلق آدم بيديه من طين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة بالسجود له، فينبغي لكل منهما أن يعرف قدر نفسه، ولا يتكلف الكتابة فيما لا علم له به.
وأرجو أن لا يكون ابن علوي والرفاعي من أتباع داروين الذين يقولون بالنشوء والارتقاء، ويزعمون أن الإنسان متولد من القرود، وهذه المقالة الخبيثة من أقبح مقالات أهل الكفر والعناد الذين ينكرون
стр. 79
وجود الخالق جل وعلا، ويرون أن المخلوقات إنما تكونت من قبل الطبيعة، لا بفعل الرب الفاعل المختار الذي أوجد جميع المخلوقات بعد عدمها وصورها على غير مثال سابق، فقتل الله من قال بهذه المقالة الخبيثة ومن تلقاها بالقبول.
الوجه الثالث: أن يقال إن إبدال ابن علوي والرفاعي؛ لقول النبي ﷺ «فيه خلق آدم» بقولهما (وفيه ولد آدم) يعد من الكذب على رسول الله ﷺ ، وقد تواتر عنه ﷺ أنه قال: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار».
الوجه الرابع: أن يقال إن النبي ﷺ لم يكن يخص يوم الجمعة بشيء من نوافل الأعمال، وقد نهى عن تخصيصه بالصيام، وعن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم»، وروى الإمام أحمد عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ نحوه وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وإذا كان النبي ﷺ لم يخص يوم الجمعة بشيء من نوافل الأعمال من أجل أن آدم قد خلق فيه فأي متعلق لابن علوي والرفاعي في ذكر ذلك والاستدلال به على جواز الاحتفال بالمولد؟.
الوجه الخامس: أن يقال إن العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الرأي والابتداع، وإذا كان النبي - صلى الله عليه
стр. 80
وسلم -
لم يخص يوم مولده بشيء من الأعمال دون سائر الأيام فليس لأحد من الناس أن يبتدع فيه أعمالا لم يأذن بها الله ولم يفعلها رسول الله ﷺ .
وقد ذكرت في أول الكتاب (١) حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وهذا الحديث الصحيح هو الحجة القاطعة على رد ما أحدثه سلطان إربل وغيره في ليلة المولد.
وأما قول الرفاعي: كما يؤخذ تكريم وتعظيم المكان المرتبط بنبي من قوله تعالى مخاطبًا هذه الأمة ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
فجوابه أن أقول: قد ذكرت مرارًا أن العبادات مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الرأي والابتداع، فما عظمه الله ورسوله من زمان أو مكان فإنه يستحق التعظيم وما لا فلا، والله ﵎ قد أمر عباده أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، ولم يأمرهم أن يتخذوا يوم مولد النبي ﷺ عيدًا ويبتدعوا فيه بدعًا لم يؤمروا بها، وأما قياس المكان لمرتبط ببعض الأنبياء على الصلاة خلف مقام إبراهيم فهو من أفسد القيام، وهو من جنس قياس الذين قالوا إنما البيع مثل الربا، وتعظيم الأمكنة المرتبطة ببعض الأنبياء من أعظم الوسائل إلى الشرك، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن اتخاذ قبره عيدًا، وأنه نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وثبت عنه أنه لعن اليهود والنصارى الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وإنما
стр. 81
تركت إيراد الأحاديث في ذلك إيثارًا للاختصار. وقد تقدم (١) ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح إلى نافع أنه قال: بلغ عمر بن الخطاب ﵁ أن ناسًا يأتون الشجرة التي بويع تحتها، قال: فأمر بها فقطعت، وتقدم أيضًا (٢) ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن المعرور بن سويد، قال: خرجنا مع عمر ﵁ في حجة حجها، فلما قضى حجه ورجع رأى الناس يبتدرون، فقال ما هذا؟ فقالوا مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فقال: «هكذا هلك أهل الكتاب، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل»، فهذا قول الخليفة الراشد في الإنكار على الذين يعظمون الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ ، والذين يعظمون المكان الذي قد صلى فيه رسول الله ﷺ ، ولو كان تعظيم الأمكنة المرتبطة ببعض الأنبياء جائزًا لما قطع عمر ﵁ الشجرة التي بويع النبي ﷺ تحتها، ولما نهى الناس عن تحري الصلاة في المسجد الذي قد صلى فيه رسول الله ﷺ .
وفي فعل عمر ﵁ وقوله أبلغ رد على ما رآه الرفاعي من القياس الفاسد، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه» رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح
стр. 82
غريب، قال: وفي الباب عن الفضل بن العباس وأبي ذر وأبي هريرة، انتهى.
ولفظه عند ابن حبان: «إن الله جعل الحق على لسان عمر يقول به»، وروى الإمام أحمد أيضًا، وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه»، وروي الإمام أحمد أيضًا، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم في مستدركه، عن أبي ذر ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به»، قال: الحاكم صحيح على شرط الشيخين، وقال الذهبي في تلخيصه صحيح على شرط مسلم. وروي الإمام أحمد أيضًا، والترمذي، وابن ماجه والبخاري في التاريخ، والحاكم في مستدركه عن حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر»، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه الحاكم، والذهبي.
وقد قال ابن وضاح في كتاب "البدع والنهي عنها": كان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار للنبي ﷺ ما عدا قباء وأحدًا، قال ابن وضاح: وسمعتهم يذكرون أن سفيان الثوري دخل مسجد بيت المقدس فصلى فيه ولم يبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها، وكذلك فعل غيره أيضًا ممن يقتدى به، وقدم وكيع أيضًا مسجد بيت المقدس فلم يعد فعل سفيان، قال ابن وضاح: فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين، فقد قال: بعض من مضى كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس
стр. 83
كان منكرا عند من مضى، ومتحبب إليه بما يبغضه عليه، ومتقرب إليه بما يبعده منه، وكل بدعة عليها زينة وبهجة، انتهى.
وأما قول الرفاعي تقليدًا لابن علوي: وكذلك من طلب جبريل ﵇ ليلة الإسراء والمعراج من النبي، ﷺ بصلاة ركعتين ببيت لحم، ثم قال: أتدري أين صليت قال: لا، قال: صليت ببيت لحم، حيث ولد عيسى ﵇.
فجوابه أن يقال: قد جاء ذكر الصلاة في بيت لحم في حديثين عن أنس بن مالك، وشداد بن أوس ﵃، وقد تكلم الحافظ ابن كثير في كل من الحديثين، فأما حديث أنس بن مالك ﵁، فقال فيه غرابة، ونكارة جدًا قلت: قد رواه النسائي في سننه عن عمرو بن هشام عن مخلد، وهو ابن يزيد القرشي عن سعيد بن عبد العزيز عن يزيد بن أبي مالك عن أنس بن مالك ﵁ وقد قال الحافظ ابن حجر في كل من يزيد ومخلد: إنه صدوق له أوهام، وقال الذهبي في "الميزان": يزيد بن أبي مالك صاحب تدليس وإرسال عمن لم يدرك، وقال يعقوب الفسوي: يزيد بن أبي مالك فيه لين، وقال الذهبي أيضًا في ترجمة مخلد بن يزيد القرشي: صدوق مشهور روى حديثًا في الصلاة مرسلا فوصله، قال أبو داود: مخلد شيخ، إنما رواه الناس مرسلا، وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة مخلد بن يزيد القرشي من "تهذيب التهذيب": قال الأثرم عن أحمد لا بأس به، وكان يهم، وقال الساجي: كان يهم، ثم ذكر ابن حجر من أوهامه حديثًا وصله وهو مرسل. قلت: وهذا مما يدعو إلى التوقف في قبول الحديث؛ لأنه يحتمل أن يكون قد وقع فيه وهم من أحد الرجلين، ولهذا قال الحافظ ابن كثير: إن فيه غرابة ونكارة جدًا.
стр. 84
وأما حديث شداد بن أوس ﵄ فرواه البيهقي في دلائل النبوة من طريق أبي إسماعيل الترمذي حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن الضحاك الزبيدي، قال: حدثنا عمرو بن الحارث، وساق بقية الإسناد ومتن الحديث، وقال بعد إيراده: هذا إسناد صحيح، قلت: وفي تصحيحه نظر؛ لأن في إسناده إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي المعروف بابن زبريق، قال الذهبي في "الميزان": قال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو داود: ليس بشيء وكذّبه محدث حمص محمد بن عوف الطائي. وقال الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب": روى الآجري عن أبي داود أن محمد بن عوف قال: ما أشك أن إسحاق بن زبريق يكذب، انتهى.
وقد أثنى عليه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وثناء ابن معين عليه، وما قاله أبو حاتم فيه لا يقاوم ما قيل فيه من الجرح الشديد، وهذا مما يدعو إلى رد الحديث وعدم قبوله، وقد أورده الحافظ ابن كثر في تفسير سورة الإسراء، ثم قال: ولا شك أن هذا الحديث أعني الحديث المروي عن شداد بن أوس مشتمل على أشياء منها ما هو صحيح كما ذكره البيهقي، ومنها ما هو منكر كالصلاة في بيت لحم وسؤال الصديق عن نعت بيت المقدس وغير ذلك والله أعلم انتهى كلام ابن كثير -رحمه الله تعالى- والمقصود هنا بيان أنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه صلى في بيت لحم؛ لأن الحديثين اللذين ذكر ذلك فيهما قد تكلم في كل منهما، والله أعلم.
وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي بإسناد صحيح عن حذيفة بن اليمان ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل،
стр. 85
فلم نزايل ظهره أنا وجبريل حتى انتهينا إلى بيت المقدس» الحديث، وقد رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضا ابن حبان، والحاكم، والذهبي.
وفي قوله: ﷺ «فلم نزايل ظهره أنا وجبريل حتى انتهينا إلى بيت المقدس» أبلغ رد على ما جاء في حديثي أنس، وشداد بن أوس ﵄ أن النبي ﷺ صلى بيثرب، وطور سيناء، وبيت لحم حين مر بهذه المواضع في ليلة الإسراء وهو ذاهب إلى بيت المقدس، ولو ثبت أن النبي ﷺ صلى ليلة الإسراء في بيت لحم لم يكن في ذلك ما يؤيد بدعة المولد ولا غيرها من البدع؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر أمته بتعظيم بيت لحم، ولم يأمرهم بالصلاة فيه، ولم يكن أحد من الصحابة ﵃ يعظم بيت لحم ويصلي فيه والخير كل الخير في اتباع ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، والشر كل الشر في مخالفتهم، والأخذ بالبدع وتعظيمها وتعظيم أهلها، وإطراح الأحاديث الصحيحة في ذم المحدثات والتحذير منها.
وأما قول الرفاعي:
٩ - إن الاحتفال بالمولد كما أسلفنا استحسنه العلماء والمسلمون من السلف والخلف في جميع البلاد والأصقاع وجري به العمل، فهو مطلوب شرعًا للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح) أخرجه الإمام أحمد.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذا الكلام مأخوذ من كلام
стр. 86
محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٧٠، وصفحة ٢٧١ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية"، وقد غير فيه الرفاعي بعض التغيير.
الوجه الثاني: أن يقال إن الاحتفال بالمولد بدعة في الإسلام أحدثها سلطان إربل في آخر القرن السادس من الهجرة، أو في أول القرن السابع، والمحدثات كلها شر وضلالة بنص رسول الله ﷺ ، وسواء في ذلك بدعة المولد وغيرها من البدع؛ لأن ألفاظ الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في ذم البدع والتحذير منها ووصفها بصفة الشر والضلالة كلها على العموم وليس فيها استثناء لشيء من البدع.
وقد جاء ذم المحدثات والنص على أنها شر وضلالة في ثلاثة أحاديث صحيحة عن العرباض بن سارية، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن مسعود ﵃ وقد ذكرتها في أول الكتاب فلتراجع، وذكرت في أول الكتاب أيضًا حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحدث في مرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وهذا الحديث الصحيح يعم كل بدعة وهو الحكم القاطع في بدعة المولد وغيرها من البدع فكلها مردودة بنص حديث عائشة ﵂ ومن توقف في هذا فهو إما جاهل أو مكابر معاند.
الوجه الثالث: أن يقال: ما زعمه ابن علوي والرفاعي من استحسان العلماء والمسلمين من السلف والخلف في جميع البلاد
стр. 87
والأصقاع لبدعة المولد فهو من مجازفاتهما التي كتباها من غير تثبت، ولا يخفى ما في هذه المجازفة من التقول على الصحابة وجميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها منذ زمن الصحابة ﵃ إلى آخر القرن السادس من الهجرة؛ لأن هؤلاء لم يكونوا يعرفون بدعة المولد، ولا كانت تفعل في زمانهم، فكيف يستحسنونها وهم لا يعرفونها؟.
وأما من كان بعد القرن السادس من الهجرة إلى زماننا في أول القرن الخامس عشر من الهجرة، فالمتمسكون منهم بالكتاب والسنة كلهم ينكرون بدعة المولد أشد الإنكار وينهون عن فعلها عملاً بتحذير النبي ﷺ من البدع، ووصفه إياها بأنها شر وضلالة من غير استثناء شيء منها، وعملاً أيضًا بقول النبي ﷺ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وأما المتساهلون الذين استحسنوا بدعة المولد وقالوا بجوازها فلا شك أنهم قد خالفوا النصوص الدالة على ذم البدع والتحذير منها والأمر بردها، وهؤلاء على خطر عظيم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، ويقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا﴾، ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، ويقول تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، ويقول تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية.
﴿فَلَا وَرَبِّكَ
стр. 88
لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
الوجه الرابع: أن يُقال إنه يلزم على استحسان بدعة المولد والعمل بها أن يكون الدين ناقصا، وأن يكون العمل بهذه البدعة من مكملات الدين. وهذا اللازم لا محيد عنه، وقد قال الشاطبي -رحمه الله تعالى- في أول كتاب "الاعتصام": إن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان؛ لأن الله تعالى قال فيها ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، وفي حديث العرباض بن سارية وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها الأعين، ووجلت منها القلوب فقلنا: يا رسول الله إن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا قال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» الحديث.
وثبت أن النبي ﷺ لم يمت حتى أتى ببيان جميع ما يحتاج إليه في أمر الدين والدنيا، وهذا لا مخالف عليه من أهل السنة، فإذا كان كذلك فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله أن الشريعة لم تتم وأنه بقي منها أشياء يجب، أو يستحب استدراكها؛ لأنه لو كان معتقدًا لكمالها وتمامها من كل وجه لم يبتدع ولا استدرك عليها، وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم، قال ابن الماجشون: سمعت مالكًا يقول من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا، ثم قال الشاطبي: إن المبتدع معاند للشرع ومشاق له؛ لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقًا خاصة على وجوه خاصة، وقصر الخلق عليها بالأمر
стр. 89
والنهي والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها وأن الشر في تعديها إلى غير ذلك؛ لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، وأنه إنما أرسل الرسول ﷺ رحمة للعالمين، فالمبتدع راد لهذا كله فإنه يزعم أن ثم طرقًا أخر ليس ما حصره الشارع بمحصور ولا ما عينه بمتعين، كأن الشارع يعلم ونحن أيضًا نعلم، بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع أنه علم ما لم يعلمه الشارع، وهذا إن كان مقصودًا للمبتدع فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود فهو ضلل مبين، وإلى هذا المعنى أشار عمر بن عبد العزيز ﵀ إذ كتب له عدي بن أرطاة يستشيره في بعض القدرية فكتب إليه «أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه ﷺ ، وترك ما أحدث المحدثون فيما قد جرت سنته وكفوا مؤنته، فعليك بلزوم السنة فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق، فارض لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ قد كفوا، وهم كانوا على كف
الأمور أقوى، وبفضل كانوا فيه أحرى، فلئن قلتم أمر حدث بعدهم ما أحدثه بعدهم إلا من اتبع غير سنتهم، ورغب بنفسه عنهم إنهم لهم السابقون، فقد تكلموا منه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم مقصر وما فوقهم محسر، لقد قصر عنهم آخرون فضلوا وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم»، انتهى.
فليتأمل كلام عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وما قبله من كلام الشاطبي وما نقله عن الإمام مالك -رحمه الله تعالى- ففي ذلك أبلغ رد على من استحسن بدعة المولد وعلى من عمل بها.
الوجه الخامس: أن يقال ظاهر كلام ابن علوي والرفاعي أن
стр. 90
الاحتفال بالمولد قد جري به العمل في زمن السلف، وهذا لا أساس له من الصحة، وقد ذكرت في الوجه الثالث أن الصحابة الذين هم خيرة السلف وصفوتهم لم يكونوا يعرفون الاحتفال بالمولد، ولم يكن معروفا في زمن التابعين وتابعيهم ومن كان بعد ذلك إلى آخر القرن السادس من الهجرة، وبهذا يتضح لكل عاقل ما في كلام ابن علوي والرفاعي من التهور والتلبيس على ضعفاء البصيرة.
وأما قول ابن علوي والرفاعي فهو مطلوب شرعًا للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح).
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال إن المطلوب شرعًا هو ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله محمد ﷺ ، وكذلك ما سنه الخلفاء الراشدون وهم: أبو بكر، وعمر وعثمان، وعلي ﵃؛ لأن رسول الله ﷺ قد حث على الأخذ بسنته وسنتهم والتمسك بها والعض عليها بالنواجذ، وما سوى ذلك من المحدثات في الدين، فهي من الشرع الذي لم يأذن به الله، وما كان من هذا القبيل فهو مردود؛ لقول النبي ﷺ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» أي مردود، وهذا الحديث عام لجميع المحدثات في الدين فيدخل فيه الاحتفال بالمولد، واتخاذه عيدًا، وكذلك غيره من الأعياد المبتدعة والأمور المحدثة في الدين.
الوجه الثاني: أن يقال لا يخفى ما في كلام ابن علوي والرفاعي من التهور والجراءة على الله تعالى حيث زعم كل منهما أن الاحتفال
стр. 91
بالمولد مطلوب شرعًا فزادا في شرع الله ما ليس منه، أما يخشى ابن علوي والرفاعي أن يكونا ممن عناهم الله بقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أما يخشى كل منهما أن يكون داخلا في عموم قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
الوجه الثالث: أن يقال إن رسول الله ﷺ كان أشد الناس قيامًا بالأمور المشروعة وأشد الناس محافظة عليها، وكذلك كان أصحابه من بعده، ومع هذا فلم يكن رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ يحتفلون بالمولد ولا يخصون ليلته بشيء من الأعمال دون غيرها من الليالي، وعلى هذا فهل يقول ابن علوي والرفاعي إن الذين يحتفلون بالمولد كانوا أشد قيامًا بالأمور المشروعة من النبي ﷺ وأصحابه وأشد منهم محافظة عليها، أم ماذا يجيبان به عن التهور والجراءة على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ ، وعلى الشريعة المطهرة.
الوجه الرابع: أن يقال إنه يلزم على قول ابن علوي والرفاعي لوازم شنيعة جدًا.
أحدها: أن النبي ﷺ قد قصر في البيان والتبليغ حيث لم يخبر أمته أن الاحتفال بمولده مطلوب شرعًا.
الثاني: أن النبي ﷺ قد ترك العمل بأمر مطلوب شرعًا.
стр. 92
الثالث: تكذيب قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.
الرابع: أن الدين كان ناقصًا منذ زمن رسول الله ﷺ إلى أن أُقيم الاحتفال بالمولد في آخر القرن السادس من الهجرة، أو في أول القرن السابع.
الخامس: الطعن في الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى آخر القرن السادس من الهجرة بأنهم قد تركوا العمل بمر مطلوب شرعًا.
السادس: تكذيب ما أخبر به رسول الله ﷺ عن القرون الثلاثة المفضلة حيث قال: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» وما لزمت عليه هذا اللوازم السيئة فهو قول سوء لا يصدر من رجل له عقل ودين.
الوجه الخامس: أن يقال إن الاحتفال بالمولد من شرع سلطان إربل الملك المظفر أبي سعيد كوكبوري التركماني فهو أول من ابتدع هذه البدعة وشرعها للجهال وقد أمر الله ﵎ باتباع الشرع الذي أنزله في كتابه وعلى لسان رسوله محمد ﷺ ونهى عن اتباع ما سوى ذلك فقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾.
الوجه السادس: أن يقال قول ابن مسعود ﵁: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئًا فهو عند الله سيئ» إنما أراد به أصحاب رسول الله ﷺ ولم يرد به كل من هب ودب من المسلمين والمنتسبين إلى الإسلام وكلامه صريح في ذلك وهذا لفظه عند الإمام أحمد، رحمه
стр. 93
الله تعالى، قال: «إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد، ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقتلون على دينه فما رأي المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيئ».
وروى ابن عبد البر في كتاب «جامع بيان العلم وفضله» بإسناده عن قتادة قال. قال ابن مسعود ﵁: «من كان منكم متأسيًا فليتأس بأصحاب محمد ﷺ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا وأقومها هديًا وأحسنها حالا قومًا اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم» إسناده منقطع لأن قتادة لم يدرك ابن مسعود ﵁، ولكن هذا الأثر مشهور عن ابن مسعود، ﵁ وقد ذكره ابن الأثير في جامع الأصول ونسب في بعض النسخ منه إلى رواية رزين. وقد روى أبو نعيم في الحلية نحوه عن عبد الله بن عمر، ﵄، وهذا الأثر والأثر قبله قد تطابقا على شيء واحد وهو الحث على اتباع الصحابة ﵃ والتأسي بهم وأن ما رآه الصحابة ﵃ حسنًا فهو حسن وما رأوه سيئًا فهو سيئ فما من بعد الصحابة ﵃ فقد تفرقت بالأكثرين منهم الأهواء والملل وظهر مصداق قول النبي ﷺ «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة» وفي رواية ملة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة وفي رواية أنهم قالوا وما هي تلك الفرقة قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي».
стр. 94
وإذا علم هذا فليعلم أيضًا أن كل فرقة من فرق أهل الأهواء والبدع تستحسن بدعتها وتدعو إليها وترى أنها هي التي على الحق ومن سواها فهم على الباطل، فإذا كان ابن علوي والرفاعي ومن كان يرى رأيهما قد زعموا أن الاحتفال بالمولد حسن ومطلوب شرعًا فإن الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم من أهل الأهواء والبدع لا يتوقفون عن استحسان بدعهم وعن الدعوى أنها مطلوبة شرعًا وسواء قالوا ذلك بلسان الحال أو بالمقال، وليس أحد من أهل البدع ومنها بدعة المولد، إلا وهو مبطل فيما يدعيه من تحسين بدعته ومشروعيتها.
الوجه السابع: أن يقال إن ابن علوي والرفاعي قد حرفا في آخر كلام ابن مسعود، ﵁ حيث قالا: «وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح» وقد ذكر ابن علوي والرفاعي أن الإمام أحمد أخرجه والذي في مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى هو ما ذكرته في الوجه السادس ولفظه «وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيء».
الوجه الثامن: أن يقال إن استدلال ابن علوي والرفاعي على تحسين بدعة المولد ومشروعيتها بقول ابن مسعود ﵁ ليس بمطابق وإنما هو في الحقيقة من تحريف الكلم عن مواضعه، ومن تأمل كلام ابن مسعود ﵁، عرف أنه إنما أراد به الصحابة ﵃، ولم يرد به من بعدهم، وذلك لأن الصحابة ﵃ قد أجمعوا على بيعة أبي بكر الصديق ﵁ ورأوا ذلك حسنًا وأجمعوا على بيعة عمر بن الخطاب ﵁ بعد أبي بكر ﵁، ورأوا ذلك حسنًا وأجمعوا على تسمية عمر ﵁، ومن بعده من الخلفاء بأمير
стр. 95
المؤمنين وروا ذلك حسنًا وأجمعوا على العمل بالتاريخ والابتداء به من الهجرة ورأوا ذلك حسنًا، وأجمعوا على الاجتماع على إمام واحد في قيام رمضان ورأوا ذلك حسنًا، وأجمعوا على وضع ديوان العطاء في زمان عمر، ﵁، ورأوا ذلك حسنًا وأجمعوا على بيعة عثمان بن عفان ﵁ ورأوا ذلك حسنًا وأجمعوا على كتابة المصاحف على العرضة الأخيرة ورأوا ذلك حسنًا، إلى غير ذلك مما رآه الصحابة ﵃ حسنًا وكل ما رأوه حسنًا فلا يشك المسلم العاقل في حسنه.
وأما ما رآه الصحابة ﵃ سيئًا، فمنه التحلق والاجتماع على عد التسبيح والتحميد والتكبير، وقد أنكر ذلك ابن مسعود وأبو موسى ﵄ على الذين فعلوا ذلك وقال لهم ابن مسعود ﵁: «ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم» وقال لهم أيضًا: «والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ أو مفتتحوا باب ضلالة» وفي رواية أنه قال لهم «لقد جئتم ببدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علمًا عليكم بالطريق فالزموه ولئن أخذتم يمينًا وشمالا لتضلن ضلالا بعيدًا» وقد ذكرت هذه القصة في أول الكتاب من عدة طرق فلتراجع ولم يذكر عن أحد من الصحابة ﵁ أنه خالف ما جاء عن ابن مسعود وأبي موسى، ﵄ من الإنكار على الذين يجتمعون للتسبيح والتحميد والتكبير ويعدونه بالحصى فكان كالإجماع على أنه عمل سيئ.
ومن ذلك بدعة الخوارج فقد أنكر الصحابة ﵃،
стр. 96
مذهبهم ورأوه سيئًا، ومن ذلك غلو الرافضة في علي ﵁ فقد أنكر ذلك علي، ﵁، وغيره من الصحابة، ﵃ ورأوا ذلك سيئًا ومن ذلك قول القدرية فقد أنكر ذلك ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة، ﵃ ورأوا ذلك سيئًا وأما غير ذلك من البدع والملل فإنما حدثت بعد زمان الصحابة ﵃ وقد أنكر علماء التابعين ما حدث في زمانهم منها وأنكر اتباع التابعين ومن بعدهم من علماء أهل السنة والجماعة ما حدث بعد ذلك من البدع وصنفوا المصنفات الكثيرة في الرد على أهل البدع والتحذير من بدعهم.
ومن ذلك بدعة المولد فقد أنكرها غير واحد من أكابر العلماء وعدوها من البدع، وسيأتي إيراد أقوالهم في ذلك في آخر الرد على ما يتعلق ببدعة المولد إن شاء الله تعالى
وقد تقدم في أول الكتاب قول النووي رحمه الله تعالى أن البدعة في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله ﷺ قلت: ويستثنى من ذلك سنة الخلفاء الراشدين وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ فإنها سنة بنص رسول الله ﷺ وليست ببدعة وقد تقدم التنبيه على ذلك وقال الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه «الاعتصام» في تعريف البدعة «إنها عبارة عن طريق في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه» ثم ذكر أن منها التزام الكيفيات والهيئات المعينة كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد واتخاذ يوم ولادة النبي - صلى
стр. 97
الله عليه وسلم - عيدًا وما أشبه ذلك ومنها التزام العبادات المعينة في وقات معينة لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة كالتزام صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته إلى أن قال إن صاحب البدعة إنما يخترعها ليضاهي بها السنة حتى يكون ملبسًا بها على الغير أو تكون هي مما تلتبس عليه بالسنة إذ الإنسان لا يقصد الاستتباع بأمر لا يشابه المشروع لأنه إذ ذاك لا يستجلب في ذلك الابتداع نفعًا ولا يدفع به ضررًا ولا يجيبه غيره إليه، ولذلك تجد المبتدع ينتصر لبدعته بأمور تخيل التشريع ولو بدعوى الاقتداء بفلان المعروف منصبه في هل الخير فأنت ترى العرب الجاهلية في تغيير ملة إبراهيم ﵇ كيف تأولوا فيما أحدثوه احتجاجًا منهم كقولهم في أصل الإشراك (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) وكترك لحمس الوقوف بعرفة لقولهم لا نخرج من الحرم اعتدادًا بحرمته وطواف من طاف منهم بالبيت عريانًا قائلين: لا نطوف بثياب عصينا الله فيها، وما أشبه ذلك مما وجهوه ليصيروه بالتوجيه كالمشروع، فما ظنك بمن عد أو عد نفسه من خواص أهل الملة فهم أحرى بذلك وهم المخطئون وظنهم الإصابة انتهى.
المقصود من كلام الشاطبي فليتأمل كلامه رحمه الله تعالى ففيه أبلغ رد على ما تخيله ابن علوي والرفاعي في بدعة المولد، حيث زعم كل منهما أن الاحتفال بهذه البدعة مطلوب شرعًا وأن ذلك مأخوذ من قول ابن مسعود ﵁: «وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» وقد قال الشاعر وأحسن فيما قال:
يقضي على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن
стр. 98
وأما قول الرفاعي:
١٠ - أن المولد اجتماع لإحياء ذكرى المصطفى، ﷺ وذلك أمر مشروع عندنا في الإسلام فإن ذلك قياس على أعمال الحج التي هي إحياء لذكريات مشهودة ومواقف محمودة فالسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والذبح بمنى كلها حوادث ماضية سابقة للأنبياء الكرام يحيي المسلمون كل عام ذكراها بتجديد صورتها وتجسيدها في الواقع.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذا الكلام منقول من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ﷺ ٢٧٣ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد غير فيه الكاتب بعض الكلمات وزاد فيه ونقص منه شيئًا يسيرًا.
الوجه الثاني: أن يقال ما زعمه ابن علوي والرفاعي من أن الاجتماع في المولد لإحياء ذكرى المصطفى، ﷺ أمر مشروع في الإسلام فهو من التقول على الله وعلى رسوله ﷺ فإن الله تعالى لم يشرع الاجتماع لإحياء ذكرى المصطفى لا في يوم المولد ولا في غيره من الأيام ولم يشرع ذلك رسول الله ﷺ لا بقوله ولا بفعله، وإن ابن علوي والرفاعي ومن كان على منوالهما لعلى خطر عظيم من تهجمهم على الشريعة وإلصاقهم بدعة المولد بها وزعمهم أن ذلك مشروع في الإسلام.
الوجه الثالث: أن يقال إن الله تعالى قد رفع ذكر نبيه، ﷺ بما شرعه لعباده من الشهادة له بالرسالة في الصلاة.
стр. 99
والأذان والإقامة والخطب في الجمعة والعيدين والاستسقاء وما شرعه أيضًا من الصلاة والسلام عليه في الصلاة والخطبة وبعد الأذان والدعاء وعند دخول المسجد والخروج منه وعند ذكره صلوات الله وسلامه عليه وكذلك قد رفع الله ذكر نبيه ﷺ في القرآن العظيم وعظم شأنه فيه غاية التعظيم اقرأ قول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾ وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي يعظم
فيها الرب ﵎ نبيه محمدًا ﷺ ولو تتبعتها لطال الكلام جدا وفيما ذكرته كفاية إن شاء الله تعالى ولا شك أن قراءة القرآن تشتمل على أعظم الإحياء لذكر النبي ﷺ وأعظم الشعور بتعظيم شأنه عند ربه وكذلك قراءة الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ فيها أعظم الإحياء لذكر النبي
стр. 100
- ﷺ
وأعظم الشعور بعظم شأنه عند الله تعالى وعند المسلمين.
وبالجملة فالمسلمون لم يزالوا محيين لذكر نبيهم ﷺ في كثير من أوقاتهم ولم يميتوا ذكره فيحتاجوا إلى إحيائه كما يفعل ذلك الجاهلون الذين لا يعرفون نبيهم إلا في ليلة المولد وعلى هيئة مبتدعة، ومن لم يتسع له في إحياء ذكر المصطفى ﷺ ما اتسع للصحابة ﵃، ومن سار على منهاجهم من المتمسكين بالكتاب والسنة فهو على خطر عظيم لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من الوقوع فيما جاء في هذه الآية الكريمة.
الوجه الرابع: أن يقال من أكبر الخطأ وأقبح الجهل قياس بدعة المولد على أعمال الحج، وهذا القياس من أفسد القياس لما فيه من التسوية بين الأعمال التي شرعها الله تعالى لعباده وبين البدعة التي شرعها الشيطان لأهل لجهل والضلال بواسطة سلطان إربل.
الوجه الخامس: أن يقال من أكبر الخطأ أيضًا زعم ابن علوي والرفاعي أن أعمال الحج هي إحياء لذكريات مشهودة إلى آخر كلامهما الذي تقدم ذكره، وهذا الخطأ مردود بقول النبي ﷺ «إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الحجار لإقامة ذكر الله» رواه أبو داود والترمذي من حديث عائشة ﵁، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
стр. 101
وأما قول الرفاعي:
١١ - إن الله ﵎ وجل شأنه قال: ﴿وَكُلاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ وهذا يشير أن الحكمة في قص أنباء الرسل وأخبارهم، ﵈ على النبي ﷺ كان لتثبيت فؤاده الشريف بذلك، ولا شك أننا اليوم محتاجون إلى تثبيت أفئدتنا بأنبائه وأخباره وسيرته العطرة وجهاده ﷺ أكثر وأشد من احتياجه هو ﷺ إلى ذلك والاحتفال السنوي بالمولد يحقق هذه الغاية العظيمة النبيلة.
فجوابه من وجهين أحدهما: أن يقال هذا الكلام منقول منن كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٧١ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد غير فيه الرفاعي وزاد الجملة التي في آخره وهي قوله: والاحتفال السنوي بالمولد يحقق هذه الغاية العظيمة النبيلة.
الوجه الثاني: أن يقال إن البدع كلها شر وضلال بنص رسول الله ﷺ وكلها مردودة بنص رسول الله ﷺ ولا فرق في ذلك بين بدعة المولد وغيرها من البدع، وما كان من الشر والضلالة والأمور المردودة فإنه لا خير فيه، ولا يرجى من ورائه تحقيق شيء من الغايات النبيلة، بل الفاعلون له متعرضون للوعيد الشديد على ارتكابهم لما حذر منه رسول الله ﷺ ووصفه بالصفات الذميمة ونص على رده قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ومن أراد الاطلاع على أخبار رسول الله - صلى الله عليه
стр. 102
وسلم -
وسيرته وجهاده فإنه يمكنه ذلك في غير ليلة المولد وحيث لا تكون بدعة.
وأما قول الرفاعي:
١٢ - ليس كل ما لم يفعله السلف ولم يكن في الصدر الأول فهو بدعة منكر سيئة يحرم فعلها ويلزم الإنكار عليها بل يجب أن يعرض ما أحدث على أدلة الشرع فما اشتمل على مصلحة فهو واجب أو على محرم فهو محرم أو على مكروه فهو مكروه أو على مباح فهو مباح أو على مندوب فهو مندوب، إذ للوسائل حكم المقاصد فقد قسم العلماء البدعة إلى خمسة أقسام، واجبة كالرد على أهل البدع وتعلم النحو، ومندوبة كإحداث الربط والمدارس والأذان على المنابر وصنع إحسان لم يع هد في الصدر الأول، مكروه كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف مباحة كالتوسع في المأكل والمشرب، ومحرمة وهي ما أحدث لمخالفة السنة ولم تشمله أدلة الشرع العامة ولم يحتو على مصلحة شرعية (خلاصة آراء الإمام الشافعي وسلطان العلماء العز بن عبد السلام والإمام النووي وابن الأثير) وعمل المولد وإن حدث بعد عهد النبي ﷺ وعهد صحابته رضوان الله عليهم ليس فيه مخالفة لكتاب الله ولا لسنة رسول الله ﷺ ولا لإجماع المسلمين فلا يقال بأنه مذموم فضلا عن كونه منكرًا وبدعة سيئة وكون السلف الصالح الأول لم يفعلوه ليس بدليل للمعترض وإنما هو عدم دليل، ويستقيم الدليل على كونه ممنوعًا أو منكرا لو نهى الله تعالى عنه في كتابه العزيز أو نهى عنه رسول الله ﷺ في سنته الصحيحة ولم ينه عنه فيهما.
стр. 103
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال إن بعض هذا الكلام منقول من كلام محمد بن علوي المالكي وهو من أول الكلام إلى قوله ولم يحتو على مصلحة شرعية، وقد ذكره ابن علوي في كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وهو في ﷺ ٢٧١، ٢٧٢.
الوجه الثاني: ن أقول قد ذكرت فيما تقدم قول شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية، رحمه الله تعالى إن العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع فإن الإسلام مبني على أصلين.
أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له.
والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله ﷺ لا نعبده بالهواء والبدع قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه على لسان رسوله ﷺ من واجب ومستحب، ولا يعبده بالأمور المبتدعة، انتهى. وقال أيضًا ولا ينبغي لأحد أن يخرج عما مضت به السنة وجاءت به الشريعة ودل عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الأمة انتهى.
وقد تقدم إيراده بأبسط من هذا فليراجع فإنه مهم جدًا.
وإذا علم أن العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع وأن من أصول الإسلام أن نعبد الله
стр. 104
بما شرعه على لسان رسوله، ﷺ ولا نعبده بالأهواء والبدع وأنه لا ينبغي لأحد أن يخرج عما مضت به السنة وجاءت به الشريعة ودل عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الأمة، فليعلم أيضًا أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته سوى سبعة أعياد في سبعة أيام وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم الأضحى ويوم عرفة وأيام التشريق فمن زاد على هذه الأعياد عيدًا غيرها فقد ابتدع في الدين وخالف الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ وقد ذكرت الأعياد المشروعة فيما تقدم وذكرت بعدها جملة من الأعياد المبتدعة ومنها: عيد المولد النبوي فليراجع ما تقدم (١) وليراجع أيضًا (٢) حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وهذا الحديث الصحيح أصل في رد المحدثات التي لم يأمر بها رسول الله ﷺ ، ولم تكن من هديه، ولا من سنة خلفائه الراشدين، وعيد المولد من الأمور المردودة بنص حديث عائشة ﵂؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر به، ولم يكن من هديه، ولا من سنة خلفائه الراشدين، ومن توقف في هذا فلا يخلو من أحد أمرين، إما الجهل بعموم حديث عائشة ﵂ لجميع البدع المحدثة في الإسلام، وإما المكابرة في رد الحق والجدال بالباطل لإدحاضه، وما أكثر المتصفين بهذه الصفة الذميمة من المنتسبين إلى العلم.
стр. 105
الوجه الثالث: أن يقال إذا عرضنا عيد المولد النبوي على أدلة الشرع وجدناه زائدًا على الأعياد التي شرعها الله على لسان رسوله ﷺ ، ووجدناه داخلا في عموم قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، وفي عموم قول النبي ﷺ «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وحينئذ فإنه يكون من الأعمال التي يجب إنكارها وردها.
الوجه الرابع: قد ذكرت في أول الكتاب إن الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا مبني على التشبه بالنصارى في احتفالهم بمولد المسيح واتخاذه عيدًا، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم»، وقد ذكرت كلام العلماء على هذا الحديث في أول الكتاب، ومنه قول شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية إن هذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، وقوله أيضًا موجب هذا تحريم التشبه بهم مطلقًا، فليراجع ما تقدم (١) ففيه أبلغ رد على الذين لا يبالون بالتشبه بأعداء الله.
وأما ما ذكره ابن علوي والرفاعي من تقسيم البدعة إلى خمسة أقسام فهو تقسيم لا دليل عليه ولا حاصل تحته. والجواب عنه من وجوه أحدها: أن يقال إن هذا التقسيم مناقض للنص على أن شر الأمور محدثاتها وأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وهذا النص عام فيدخل فيه جميع البدع ولا يخرج عنه شيء منها، وما ناقض النص
стр. 106
الثابت عن رسول الله ﷺ فإنه مردود على قائله كائنًا من كان.
الوجه الثاني: أن الشاطبي رحمه الله تعالى نقل في كتاب "الاعتصام" عن القرافي أنه قال: «اعلم أن الأصحاب فيما رأيت متفقون على إنكار البدع نص على ذلك ابن أبي زيد وغيره، والحق التفصيل وأنها خمسة أقسم» ثم ذكر الشاطبي كلام القرافي على الأقسام الخمسة وأتبعه بكلام شيخه عز الدين ابن عبد السلام عليها ثم قال انتهى محصول ما قال وهو يصرح مع ما قبله بأن البدع تنقسم بأقسام الشريعة فلا يصح أن تحمل أدلة ذم البدع على العموم، بل لها مخصصات.
والجواب أن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي، بل هو في نفسه متدافع لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل ع ليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة ولكان العمل داخلا في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها، فالجمع بين كون تلك الأشياء بدعًا وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين، أما المكروه منها والمحرم فمسلم من جهة كونها بدعًا لا من جهة أخرى إذ لو دل دليل على منع أمر أو كراهته لم يثبت ذلك كونه بدعة لإمكان أن يكون معصية كالقتل والسرقة وشرب الخمر ونحوها، فلا بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم البتة إلا الكراهية والتحريم. فما ذكره القرافي عن الأصحاب من الاتفاق على إنكار البدع صحيح، وما قسمه فيها غير صحيح، ومن العجب حكاية الاتفاق مع المصادمة بالخلاف ومع معرفته بما يلزم في خرق الإجماع، انتهى المقصود من كلام الشاطبي وقد رد على
стр. 107
القائلين بتقسيم البدع إلى خمسة أقسام ردًا وافيًا شافيًا فليراجع في الجزء الأول من كتاب "الاعتصام".
الوجه الثالث: أن يقال إن ابن علوي والرفاعي قد أدخلا في مسمى البدعة أشياء ليست من البدع مثل الرد على أهل البدع وتعليم النحو وبناء المدارس والأذن على المآذن وصنع الإحسان الذي لم يعهد في الصدر الأول والتوسع في المأكل والمشرب، وهذه الأشياء ليست من البدع. ما الرد على أهل البدع فإنه من إنكار المنكر لأن البدع هي أعظم المنكرات بعد الشرك بالله، وهو أيضًا من الجهاد في سبيل الله ومن النصيحة للمسلمين. والآيات والأحاديث في الأمر بإنكار المنكر والحث على ذلك كثيرة جدًا وكذلك الآيات والأحاديث في فضل الجهاد. وكذلك الأحاديث في فضل النصيحة للمسلمين وقد أنكر النبي ﷺ على الثلاثة الذين قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا وقال آخر أنا أصوم ولا أفطر وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا فقال رسول الله ص: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي ورقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي من حديث أنس بن مالك ﵁، وروى الإمام أحمد أيضًا بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵄ قال أرسل إلى النبي ﷺ فأتيته فقال لي: «أتصوم النهار» قلت: نعم قال: «وتقوم الليل» قلت: نعم قال: «لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأمس النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» فهذه الأعمال التي كان يعملها عبد الله بن عمرو ﵄ والرجلان اللذان قال
стр. 108
أحدهما: أما أنا فأصلي الليل أبدًا وقال الآخر وأنا أصوم ولا أفطر كلها من أعمال الخير، ومع هذا فقد أنكرها النبي ﷺ وعدها من الرغبة عن سنته، وفي هذا أبلغ رد على الذين يحتفلون بالمولد لأن الاحتفال به لم يكن من سنة النبي ﷺ .
وقد أنكر الصحابة ﵃، ما ابتدع في زمانهم من البدع، فمن ذلك ما تقدم (١) عن ابن مسعود، وأبي موسى ﵄ أنهما أنكرا على الذين يجتمعون للذكر ويعدون التسبيح والتهليل والتكبير بالحصى، وقال لهم ابن مسعود ﵁: «ما أسرع ما ضللتم وأصحاب رسول الله ﷺ أحياء»، وفي رواية أنه قال لهم: «ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ ، أو مفتتحو باب ضلالة»، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير قال: «وكم من مريد للخير لن يصيبه»، وفي رواية أنه قال لهم: «والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علمًا، عليكم بالطريق فالزموه، ولئن أخذتم يمينًا وشمالا لتضلن ضلالاً بعيدًا»، وفي رواية فأمرهم أن يتفرقوا، وفي رواية أنه لم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد، وهو يقول: «لقد أحدثتم بدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علمًا».
ولما خرج الخوارج وأظهروا بدعتهم، أنكر ذلك أمير المؤمنين
стр. 109
علي بن أبي طالب ﵁ ومن معه من الصحابة وقاتلوهم، ولم يخالف أحد من الصحابة ﵃ في إنكار بدعتهم ووجوب قتالهم، وقد وردت الأحاديث الكثيرة في ذمهم والأمر بقتالهم إذا خرجوا، وليس هذا موضع ذكرها.
ولما أظهر الغلاة من الروافض بدعتهم، أنكر ذلك أمير المؤمنين علي ﵁ وحرقهم بالنار ولم يخالف أحد من الصحابة ﵃ في إنكار بدعتهم إلا أن ابن عباس ﵄ رأى أن يقتلوا قتلا ولا يحرقوا بالنار.
ولما أظهر القدرية بدعتهم أنكر ذلك ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة ﵃ وتبرءوا منهم.
وفيما ذكرته من الأحاديث والآثار عن الصحابة ﵃ دليل على مشروعية الرد على هل البدع، وفيه أيضًا أبلغ رد على من جعل الرد على أهل البدع داخلا في أقسام البدعة.
وأما علم النحو فإنه مهم جدًا إذ به يعرف الإعراب، ويجتنب الإنسان اللحن في كلام الله وكلام رسوله ﷺ .
وقد روي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ هو أول من تكلم فيه ووضع أصوله، وعلي ﵁ أحد الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمر النبي ﷺ بالأخذ بسنتهم، وعلى هذا فلا يجوز عد النحو مع البدع، ومن عده معها فقد أخطأ، وقد رد الشاطبي -رحمه الله تعالى- على من عده من البدع، فقال في أول كتابه الاعتصام بعد أن ذكر البدعة وأنها عبارة عن
стр. 110
طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله -سبحانه-: ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم، فمنها ما له أصل في الشريعة، ومنها ما ليس له أصل فيها، خص منها ما هو المقصود بالحد وهو القسم المخترع: أي طريقة ابتدعت على غير مثال تقدمها من الشارع، إذ البدعة إنما خاصتها: أنها خارجة عما رسمه الشارع، وبهذا القيد انفصلت عن كل ما ظهر لبادئ الرأي أنه مخترع مما هو متعلق بالدين: كعلم النحو، والتصريف، ومفردات اللغة وأصول الفقه وأصول الدين، وسائر العلوم الخادمة للشريعة، فأنها وإن لم توجد في الزمان الأول فأصولها موجودة في الشرع، إذ الأمر بإعراب القرآن منقول، وعلوم اللسان هادية للصواب في الكتاب والسنة، فحقيقتها إذًا أنها فقه التعبد بالألفاظ الشرعية الدالة على معانيها كيف تؤخذ وتؤدى.
وأصول الفقه إنما معناها استقراء كليات الأدلة حتى تكون عند المجتهد نصب عين، وعند الطالب سهلة الملتمس، وكذلك أصول الدين وهو علم الكلام، إنما حاصله تقرير لأدلتها في الفروع العبادية (فإن قيل) فإن تصنيفها على ذلك الوجع مخترع.
(فالجواب) أن له أصلاً في الشرع ففي الحديث ما يدل عليه، ولو سلم أنه ليس في ذلك دليل على الخصوص فالشرع بجملته يدل على اعتباره، وهو مستمد من قاعدة المصالح المرسلة، فعلى القول بإثباتها أصلاً شرعيًا لا إشكال في أن كل علم خادم للشريعة داخل تحت أدله التي ليست بمأخوذة من جزئي واحد فليست ببدعة البتة. وعلى القول بنفيها لا بد أن تكون تلك العلوم مبتدعات، وإذا دخلت في علم البدع كانت قبيحة؛ لأن كل بدعة