وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (١).
وقال الكاتب المجهول: الثاني: أن المولد الشريف يبعث على الصلاة والسلام المطلوبين بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وما كان يبعث على المطلوب شرعًا فهو مطلوب شرعًا.
والجواب: أن يُقال هذا الكلام منقول بالنص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٦٩ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (٢).
وقال الكاتب المجهول: الثالث: أن المولد النبوي يشتمل على مولده الشريف ومعجزاته وسيرته والتعريف به وكلنا مأمورون بمعرفته والاقتداء به والتأسي بأعماله والإيمان بمعجزاته والتصديق بآياته، وكتب المولد تؤدي هذا المعنى تمامًا.
والجواب: أن يُقال هذا الكلام منقول من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص٢٦٩ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (٣).
стр. 177
وقال الكاتب المجهول: الرابع: أنه ﷺ كان يعظم يوم مولده ويشكر الله تعالى فيه على نعمته وفضله، وكان تعبيره ﷺ بالصيام فقد جاء في صحيح مسلم كتاب الصيام عن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «فيه ولدت وفيه أنزل عليه» وهذا يدل على أن معنى الاحتفال موجود.
والجواب: أن يُقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ﷺ ٢٦٧ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (١).
وقال الكاتب المجهول: الخامس: أن النبي ﷺ كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث العظيمة ودليل ذلك أنه ﷺ لما وصل المدينة ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء سأل عن ذلك فقيل له إنهم يصومونه لأن الله نجى نبيهم وأغرق عدوهم فهم يصومونه شكرًا لله على هذه النعمة فقال ﵊: «نحن أولى بموسى منكم» فصامه وأمر بصيامه.
والجواب أن يقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ﷺ ٢٦٨ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (٢).
стр. 178
وقال الكاتب المجهول: السادس: مدحه بالقصائد كان يفعل أمامه، ﷺ ويكافئ الشعراء على ذلك فكيف بمن جمع شمائله الشريفة.
والجواب أن يُقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص٢٦٩ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (١).
وقال الكاتب المجهول السابع: أن تعظيم الحبيب محمد ﷺ مطلوب ومشروع والفرح بيوم مولده من أفضل وأظهر مظاهر الابتهاج والسرور والشكر لله.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يُقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص (٢٧٠) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية".
الوجه الثاني: أن يُقال إن تعظيم النبي ﷺ واجب في جميع الأوقات على ممر الأزمان ومن لم يعظم النبي ﷺ إلا في ليلة مولده فقد بخسه حقه، وكذلك الفرح والسرور والابتهاج بإيجاد النبي ﷺ وبعثته وكوننا من أمته والشكر لله على ذلك يجب أن يكون على الدوام، ومن لم يكن فرحه وابتهاجه وسروره بالنبي ﷺ إلا في ليلة المولد فقد بخسه حقه.
стр. 179
الوجه الثالث: أن يُقال إن تعظيم النبي ﷺ لا يكون بفعل البدع التي حذر منها وأخبر أنها شر وضلالة وأنها في النار، وإنما يكون تعظيمه بطاعته واتباع هديه والتمسك بسنته وإحياء ما أميت منها ونشر ما بعثه الله به من الهدى ودين الحق والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، وهذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان فمن سلك سبيلهم فهو من المعظمين للنبي ﷺ ومن خالفها وسلك سبيلاً من سبل أهل البدع فهو في الحقيقة معظم للبدع وأهل البدع وليس معظمًا للنبي ﷺ ، وإن زعم أنه معظم له وهل يقول عاقل إن تعظيم النبي ﷺ يكون بفعل المحدثات التي قد حذر منها غاية التحذير؟ وأمر بردها وأخبر أنها شر وضلالة وأنها في النار، كلا لا يقول ذلك من له أدنى مسكة من عقل.
الوجه الرابع: أن يُقال إن تعظيم النبي ﷺ لا يجتمع مع مخالفة أمره وارتكاب نهيه، فمن عظم النبي ﷺ بشيء من البدع فتعظيمه له أشبه بالسخرية والاستهزاء منه بالتعظيم وقد تقدم قريبًا (١) ما ذكره الشقيري في كتابه المسمى "بالسنن والمبتدعات" عن ذوي العمائم وغيرهم من أشباه الأنعام من أنواع المنكرات والسخافات التي يفعلونها في بدعة المولد، فهل يقول عاقل أن تلك المخازي من التعظيم للنبي ﷺ كلا لا يقول ذلك من له أدنى مسكة من عقل.
стр. 180
وقال الكاتب المجهول: الثامن يؤخذ من قوله ﷺ في فضل يوم الجمعة وما فيه من المزايا وإنه فيه ولد آدم فكيف باليوم الذي ولد فيه، صلوات الله وسلامه عليه، ولا يختص هذا التعظيم بذلك اليوم بعينه، بل يكون له خصوصا ولنوعه عمومًا مهما تكرر كما هو الحال في يوم الجمعة.
والجواب: أن يُقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص (٢٧٠) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه مع التنبيه على قول ابن علوي والرفاعي "وفيه ولد آدم" فليراجع ما تقدم (١).
وقال الكاتب المجهول التاسع: قال تعالى: ﴿وَكُلاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ يظهر لنا من الآية أن الحكمة من قص أنباء الرسل تثبيت فؤاد المصطفى ﷺ ونحن اليوم أحوج إلى تثبيت أفئدتنا بأنبائه وأخباره وذكره.
والجواب: أن يُقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي لمالكي وهو في صفحة (٢٧١) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (٢).
وقال الكاتب المجهول: العاشر المولد النبوي ما هو إلا اجتماع
стр. 181
ذكر وصدقة ومدح وتعظيم للجناب النبوي وهذه الأمور مطلوبة شرعًا وممدوحة.
والجواب: عن هذا من وجهين أحدهما: أن يُقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص (٢٧١) من كتاب المسمى "بالذخائر المحمدية".
الوجه الثاني: أن يُقال إن النبي ﷺ لم يشرع الاجتماع للذكر في ليلة المولد ولم يشرع الصدقة والمدح والتعظيم لجنابه في ليلة المولد خاصة وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ وفي الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وفي هذه الآية والحديث دليل على أنه لا يجوز تخصيص ليلة المولد بشيء من الأعمال التي ذكرها الكاتب لأن تخصيصها بهذه الأعمال بدعة والنبي ﷺ قد حذر من البدع وأخبر أنها شر وضلالة.
وقال الكاتب المجهول: الحادي عشر: أن المولد أمر استحسنه العلماء والمسلمون في سائر البلاد وجري به العمل في كل صقع فهو مطلوب شرعًا للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود الموقوف (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح) أخرجه الإمام أحمد.
والجواب: أن يقال هذا الكلام منقول بالنص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص (٢٧٠) - (٢٧١) من كتابه المسمى "بالذخائر
стр. 182
المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (١).
وقال الكاتب المجهول: الثاني عشر: ليس كل ما لم يفعله السلف ولم يكن في الصدر الأول بدعة منكرة سيئة يحرم فعلها ويجب الإنكار عليها، بل يجب أن يعرض ما أحدث على أدلة الشرع فما اشتمل على مصلحة فهو واجب أو على محرم فهو محرم أو على مكروه فهو مكروه أو على مباح فهو مباح أو على مندوب فهو مندوب، والعلماء قسموا البدعة إلى خمسة أقسام وهي ما ذكرناه آنفًا وممن قسم البدعة من العلماء الإمام العز ابن عبد السلام والإمام النووي وابن الأثير.
والجواب أن يُقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة (٢٧١)، (٢٧٣) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وزاد عليه وقد تقدم الجواب عنه فليراجع (٢).
وقال الكاتب المجهول: الثالث عشر: ليست كل بدعة محرمة ولو كانت كذلك لحرم جمع القرآن وكتبه في المصاحف خوفًا على ضياعه بموت الصحابة القراء ﵃ ولحرم جمع عمر بن الخطاب ﵁ الناس على إمام واحد في صالة القيام مع قوله "نعمت البدعة ولهذا قيد العلماء حديث كل بدعة ضلالة بالبدعة السيئة وعصرنا الراهن مملوء بأمور كثيرة لم يفعلها السلف كجمع الناس على إمام واحد في صلاة التهجد وختم المصحف ودعاء
стр. 183
ختم القرآن والمناداة لصلاة القيام، فهل كل هذه الأمور بدعة مع أن لها فضائل جمة كما لا يخفى.
والجواب أن يُقال هذا الكلام بعضه منقول من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص (٢٧٢) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وبعضه منقول من كلام يوسف بن هاشم الرفاعي الذي نشره في عدد ((٤٨٧٠)) من جريدة السياسة الكويتية وقد ذكر يوسف كلام ابن علوي أيضًا وتقدم الجواب عن ذلك كله فليراجع (١).
وقال الكاتب المجهول: الرابع عشر: قال إمامنا الشافعي ﵀، ما أحدث وخالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا أو أثرًا فهو البدعة الضالة، وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئًا من ذلك فهو المحمود.
والجواب أن يُقال: هذا الكلام منقول بالنص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص (٢٧٣) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (٢).
وقال الكاتب المجهول: الخامس عشر: كل ما تشمله الأدلة الشرعية ولم يقصد بإحداثه مخالفة الشريعة ولم يشتمل على منكر فهو من الدين وقد سمي الشارع بدعة الهدي سنة ووعد فاعلها أجرًا فقال ﵊: «من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء».
стр. 184
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يُقال هذا الكلام منقول بالنص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص (٢٧٣) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية".
الوجه الثاني: أن يُقال إن الاحتفال بالمولد النبوي لم يشمله شيء من الأدلة الدالة على الجواز وإنما شملته الأدلة الدالة على المنع من البدع والتحذير منها، وقد تقدم ذكرها في أول الكتاب فلتراجع (١).
الوجه الثالث: أن يُقال إن النبي ﷺ قد أنكر على الرجلين اللذين قال أحدهما أما أنا فأصلي الليل أبدًا وقال الآخر أنا أصوم ولا أفطر، وأنكر أيضًا على عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ لما كان يقوم الليل ولا ينام ويصوم ولا يفطر وعد رسول الله ﷺ أفعال هؤلاء من الرغبة عن سنته مع أنهم لم يقصدوا مخالفة الشريعة ولم تشتمل أفعالهم على منكر ومع هذا فلم يقرهم النبي ﷺ ولم يعتبر أفعالهم من الدين، وفي هذا أبلغ رد على القول الباطل الذي قرره الكاتب المجهول وابن علوي.
الوجه الرابع: أن يُقال إن الكاتب المجهول وابن علوي قد تقولا على النبي ﷺ حيث زعما أنه سمى بدعة الهدى سنة ووعد فاعلها أجرًا ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه سمى شيئًا من البدع باسم السنة إلا مع التقييد بأنها سنة
стр. 185
سيئة أو سنة شر، وفي الحديث الذي ذكره الكاتب المجهول وابن علوي كفاية في الرد عليهما فإن النبي ﷺ قال فيه: «من سن في الإسلام سنة حسنة» ولم يقل من ابتدع بدعة هدى.
وأيضًا فإن النبي ﷺ قد حذر من البدع على وجه العموم وأخبر أنها شر وضلالة ولم يستثن منها شيئًا وفي هذا أبلغ رد على قول الكاتب المجهول وابن علوي أن الشارع سمى بدعة الهدى سنة.
الوجه الخامس: قال الشاطبي في كتاب "الاعتصام" ذم البدع والمحدثات عام لا يخص محدثة دون غيرها ثم ذكر أن الأدلة حجة في عموم الذم من أوجه:
أحدها: أنها جاءت مطلقة عامة لم يقع فيها استثناء البتة ولم يأت فيها ما يقتضي أن منها ما هو هدي ولا جاء فيها كل بدعة ضلالة إلا كذا وكذا ولا شيء من هذه المعاني، فلو كان هنا محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان أو أنها لاحقة بالمشروعات لذكر ذلك في آية أو حديث، لكنه لا يوجد فدل على أن الأدلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية التي لا يتخلف عن مقتضاها فرد من الأفراد.
والثاني: أنه قد ثبت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلي إذا تكررت في مواضع كثيرة وأتي بها شواهد على معان أصولية أو فروعية ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص مع تكرره وإعادة تقررها فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم وما نحن بصدده من هذا القبيل إذ جاء في الأحاديث المتعددة والمتكررة في أوقات شتى وبحسب الأحوال مختلفة أن كل بدعة ضلالة وأن كل
стр. 186
محدثة بدعة، وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على أن البدع مذمومة ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية فيها، فدل دلالة واضحة على أنها على عمومها وإطلاقها.
والثالث: إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمها وتقبيحها والهروب عنها وعمن اتسم بشيء منها ولم يقع منهم في ذلك توقف ولا مثنوية فهو بحسب الاستقراء إجماع ثابت فدل على أن كل بدعة ليست بحق بل هي من الباطل إلى أن قال: ولما ثبت ذمها ثبت ذم صاحبها لأنها ليست بمذمومة من حيث تصورها فقط، بل من حيث اتصف بها المتصف، فهو إذا المذموم على الحقيقة، والذم خاصة التأثيم، فالمبتدع مذموم آثم وذلك على الإطلاق والعموم انتهى.
الوجه السادس: قال صاحب تحفة الأحوذي في قوله: «من سن في الإسلام سنة حسنة» أي أتى بطريقة مرضية يشهد لها أصل من أصول الدين «ومن سن سنة شر» وفي رواية مسلم «ومن سن في الإسلام سنة سيئة» أي طريقة غير مرضية لا يشهد لها أصل من أصول الدين انتهى.
قلت: والاحتفال بالمولد النبوي لم يشهد له شيء من أصول الدين بالجواز وإنما تشهد أصول الدين بعدم جوازه، وبيان ذلك من وجوه أحدها: أن الاحتفال بالمولد النبوي لم يكن من هدي النبي ﷺ ولا من عمل أصحابه ﵃ وإنما هو من هدي سلطان إربل وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ والتأسي
стр. 187
برسول الله ﷺ واتباع هديه من أعظم أصول الدين كما أن التأسي بغيره من أعظم أصول الشر والفساد قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾.
الوجه الثاني: إن رسول الله ﷺ قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وهذا الحديث من جوامع الكلم وهو أصل من أصول الدين فيدخل في عمومه جميع المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمر النبي ﷺ ومنها الاحتفال بالمولد؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر به ولم يفعله ولم يفعله أصحابه ﵃ وإنما حدث بعد النبي ﷺ بنحو من ست مائة سنة، وقد قال الشاطبي في كتاب «الاعتصام» هذا الحديث عده العلماء ثلث الإسلام لأنه جمع وجوه المخالفة لأمره ﵇، ويستوي في ذلك، ما كان بدعة أو معصية انتهى.
الوجه الثالث: أن رسول الله ﷺ قال: «من رغب عن سنتي فليس مني» وقد كانت سنة رسول الله ﷺ في ليلة مولده لا تختلف عن سنته في غيرها من الليالي ولم يكن يحتفل بها ويتخذها عيدًا ولا كان يخصها بشيء من الأعمال دون غيرها من الليالي، فمن رغب عن سنته ﷺ في ليلة المولد فهو داخل في عموم قوله: «من رغب عن سنتي فليس مني».
стр. 188
الوجه الرابع: أن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة».
قال الحافظ ابن رجب، رحمه الله تعالى قوله ﷺ : «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء وهو أصل عظيم من أصول الدين وهو شبيه بقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه انتهى.
قلت: ومن ذلك الاحتفال بالمولد النبوي فقد أحدثه سلطان إربل بعد زمان النبي ﷺ بنحو من ست مائة سنة وجعله مضاهيا لعيدي الفطر والأضحى، ولا شك أنه من المحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ وأخبر أنها شر وضلالة ومع هذا فقد زعم ابن علوي والرفاعي والكاتب المجهول أنه مطلوب شرعًا، وزعم ابن علوي والرفاعي أيضا أن الاحتفال بالمولد مشروع في الإسلام، هكذا قالوا وتجرءوا على الشريعة، حيث ألصقوا بها ما ليس منها ونسبوا إلى الدين ما هو بريء منه، وقد وصفوا بدعة المولد بأنها بدعة حسنة ووصفها الرفاعي أيضًا بأنها سنة مباركة وبدعة حسنة محمودة وهذه الصفات لا تنطبق عليها وإنما ينطبق عليه ما جاء في الحديث الثابت عن النبي ﷺ أنه قال: «وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار».
الوجه الخامس: أن الله تعالى شرع لهذه الأمة على لسان نبيها
стр. 189
- ﷺ ، سبعة أعياد في سبعة أيام وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم الأضحى ويوم عرفة وأيام التشريق، فمن زاد على هذه الأعياد السبعة عيدًا غيرها فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، والاحتفال بالمولد النبوي من الأعياد الزائدة على الأعياد المشروعة فيدخل في عموم قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾.
الوجه السادس: قال رشيد رضا في ص (٩٣) من الجزء الأول من فتاويه، وأما السنة الحسنة والسنة السيئة في الحديث الآخر أي في قوله ﷺ «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» فهي تشمل كل ما يخترعه الناس من طرق المنافع والمرافق الدنيوية أو طرق المضار والشرور فمن اخترع طريقة نافعة كان مأجورًا عند الله تعالى ما عمل الناس بسنته وله مثل أجر كل عامل به لأنه السبب فيه، وكذلك حكم مخترعي طرائق الشرور والمضار كالضرائب والغرامات والفواحش عليهم وزرها ما عمل الناس بها وقولهم بدعة حسنة وبدعة سيئة يصح في البدعة اللغوية أو الدنيوية، ومن قال من العلماء إن البدعة لا تكون إلا سيئة أراد البدعة الشرعية أي الابتداع في الدين. وقد ذكر نحو هذا ابن حجر في الفتاوى الحديثية، انتهى.
وقال الكاتب المجهول: السادس عشر: كل ما ذكر آنفًا إنما هو في المولد الذي خلا من المنكرات المذمومة التي يجب الإنكار عليها أما إذا كان هناك اختلاط أو ارتكاب محرمات فهذا ولا شك محرم شرعًا أي إنه خرج عن نطاق البدع إلى التحريم.
стр. 190
والجواب: عن هذا من وجهين أحدهما: أن يقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص (٢٧٤) من كتاب المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد غير الكاتب المجهول في آخره بعض التغيير.
الوجه الثاني: أن يُقال إن الاحتفال بالمولد منكر وإن لم يكن فيه اختلاط ولا غيره من المحرمات لأنه لم يكن من هدي رسول الله ﷺ ولا من عمل الصحابة ﵃ ولا من عمل التابعين وتابعيهم بإحسان، وإنما هو من البدع التي أحدثت في الإسلام وقد حذر النبي ﷺ من المحدثات على وجه العموم وأخبر أنها شر وضلالة وإنها في النار وأمر بردها من غير استثناء شيء منها فقال ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود. فالمحتفلون بالمولد قد خالفوا هدي رسول الله ﷺ وخالفوا ما كان عليه سلف الأمة وأئمتها ومن خالف هدي رسول الله ﷺ واتبع غير سبيل المؤمنين فهو على خطر عظيم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
وإذا اشتمل الاحتفال بالمولد على شيء من المنكرات كان أعظم لخطره وأشد في تحريمه، وقد ذكر ابن الحاج في كتابه المسمى «بالمدخل»
стр. 191
والشقيري في كتابه المسمى "بالسنن والمبتدعات" أشياء كثيرة من العظائم والمهازل التي تفعل في بدعة المولد ومن له عقل وإيمان لا يرضى بشيء منها.
وأما قول الكاتب المجهول والآن نذكر رأي علمائنا الأجلاء والأئمة الأعلام الذين قالوا رأيهم صراحة في الاحتفال بالمولد النبوي وسأذكر كتبهم المؤلفة في هذا الشأن وذلك للرجوع إليها والتأكد من حكم الاحتفال به ﷺ .
فجوابه من وجوه أحدها: أن يُقال إن الأحكام الشرعية لا تؤخذ من آراء العلماء وإنما تؤخذ من الكتاب والسنة والإجماع وقد ذكرت في أول الكتاب جملة من أدلة الكتاب والسنة على المنع من بدعة المولد فلتراجع ففيها أبلغ رد على الكاتب المجهول وعلى أمثاله من المتكلفين الذين يعتمدون على الآراء في تأييد بدعة المولد ويعرضون عن أدلة الكتاب والسنة على ذم البدع والتحذير منها على وجه العموم.
الوجه الثاني: أن يقال إن الله تعالى قد أمر المؤمنين بالرد إلى كتابه وسنة نبيه ﷺ فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً﴾.
قال مجاهد وغير واحد من السلف في قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي إلى كتاب الله وسنة رسوله وقال البغوي: أي إلى كتاب الله وإلى رسوله ما دام حيًا وبعد وفاته إلى
стр. 192
سنته قال والرد إلى الكتاب والسنة واجب إن وجد فيهما فإن لم يوجد فسبيله الاجتهاد انتهى.
قلت: وحكم الاحتفال بالمولد موجود في الكتاب والسنة فلا يعدل عنهما إلى كتب الناس وآرائهم وقد ذكرت جملة من أدلة الكتاب والسنة على المنع من بدعة المولد وغيرها من البدع فلتراجع في أول الكتاب (١).
الوجه الثالث: أن يقال إن الكاتب المجهول قد جمع بين أربعة أمور خطيرة، أحدها: أنه قد قضي ما ليس له به علم وذلك في جميع الأدلة التي استدل بها على جواز الاحتفال بالمولد وتحسين بدعته.
ثانيها: مصادمته للكتاب والسنة بالآراء والأقوال التي ما أنزل الله بها من سلطان.
ثالثها: إلصاقه بالشريعة ما ليس منها وذلك في زعمه أن الاحتفال بالمولد مطلوب شرعًا ومن بلغت به الجراءة إلى هذه الغاية السيئة فإنه يخشى عليه أن يكون ممن عناهم الله تعالى بقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ وقد اشترك في هذه الأمور الثلاثة كل من الرفاعي والكاتب المجهول وابن علوي.
رابعها: تقوله على بعض العلماء الذين قال عنهم أنهم يؤيدون بدعة المولد وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
الوجه الرابع: أن يقال إذا كان الاحتفال بالمولد مطلوبًا شرعًا على حد زعم الكاتب المجهول وأمثاله من المتكلفين كابن علوي والرفاعي فلم لم يفعله رسول الله ﷺ وأصحابه، ﵃ مع أنه لم يكن هناك مانع يمنعهم من فعله فهل
стр. 193
يظن الكاتب المجهول وغيره من المتكلفين أن الذين يحتفلون بالمولد كانوا أتقى لله تعالى من رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ وأحرص على الخير منهم أم يظنون أن رسول الله ﷺ وأصحبه كانوا يتهاونون ببعض الأمور المطلوبة شرعًا ويتركونها عمدًا ولا يبالون بتركها، فالكاتب المجهول وابن علوي والرفاعي بين أمرين لا بد لهم من أحدهما. إما أن يظنوا ظنون السوء برسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، وإما أن يرجعوا عن زعمهم أن الاحتفال بالمولد مطلوب شرعًا ولا يحرفوا كلام ابن مسعود ﵁ عن مواضعه ولا يتأولوه على غير تأويله.
وأما قول الكاتب المجهول: رأي الإمام الشيخ ابن تيمية في المولد النبوي (يقول في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم، فتعظيم المولد واتخاذه موسمًا قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله ﷺ كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد.
فجوابه أن يقال: إن الكاتب المجهول قد سلك فيما نقله عن شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى مسلك التلبيس والتضليل فأوهم من لا علم عندهم أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يرى جواز الاحتفال بالمولد والواقع في الحقيقة أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يرى خلاف ذلك وقد ذكرت كلامه في ذلك قريبًا مع التنبيه على ما وقع فيه من العبارات الموهمة وهي التي قد تعلق بها الكاتب المجهول وغيره من المفتونين ببدعة المولد. فليراجع
стр. 194
كلامه (١) مع التنبيه على ما وقع فيه من العبارات الموهمة وليراجع (٢) أيضًا ما نقلته عنه من التصريح بأن اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال إنها ليلة المولد أنها من البدع التي لم يسحبها السلف ولم يفعلوها.
وقال الكاتب المجهول الإمام السيوطي ألف كتابًا في المولد النبوي سماه "حسن المقصد في عمل المولد" وكتابه "الحاوي للفتاوي" يبين في أحد فصول الكتاب حكم الاحتفال بالمولد النبوي ويرد فيه على من قال بأن المولد بدعة مذمومة.
الإمام الحافظ ابن كثير (٧٧٧) - (٨٤٢) هـ ألف في المولد النبوي كتبًا عدة ذكر صاحب كشف الظنون في أسامي الكتب والفنون (٣١٩) أن الحافظ ابن كثير قد صنف في المولد الشريف أجزاء عديدة، منها "جامع الآثار في مولد النبي المختار" في ثلاث مجلدات و"اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق" وهو مختصر وقال ابن فهد إن لابن كثير كتابًا يسمى "مورد الصادي في مولد الهادي".
ومنهم الإمام الحافظ العراقي، صنف هذا الإمام كتابًا في المولد الشريف سماه "المورد الهني في المولد السني".
ومنهم الإمام الحافظ السخاوي له كتاب في المولد يسمى "التبر المسبوك في ذيل السلوك".
стр. 195
ومنهم الإمام ملا علي قاري له كتاب في المولد سماه "المورد الروي في المولد النبوي"
والجواب أن يقال أما الحافظ ابن كثير، رحمه الله تعالى، فإنه قد ذكر الآثار الواردة في المولد النبوي في كتابه «البداية والنهاية» ولم يتعرض لذكر الاحتفال بالمولد إلا في ترجمة سلطان إربل الملك المظفر فإنه ذكر عنه أنه كان يعمل المولد في ربيع الأول ويحتفل به احتفالا هائلا، ولم يصرح بجواز ذلك ولا عدم جوازه، ولابن كثير أيضًا رسالة في المولد مختصرة ذكر فيها الآثار الواردة فيه ولم يتعرض فيها لذكر الاحتفال به.
وقد أخطأ الكاتب المجهول عدة أخطاء فيما ذكره عن ابن كثير الأول زعمه أنه من الذين قالوا رأيهم صراحة في لاحتفال بالمولد النبوي الثاني زعمه أن ابن كثير قد ولد في سنة سبع وسبعين وسبع مائة وأنه توفي في سنة اثنتين وأربعين وثمان مائة من الهجرة، الثالث زعمه أنه قد ألف في المولد النبوي كتبًا عدة الرابع ما ذكره عن صاحب كشف الظنون أنه ذكر عن الحافظ ابن كثير أنه قد صنف في المولد أجزاء عديدة منها «جامع الآثار في مولد النبي المختار» في ثلاث مجلدات و «اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق» وهو مختصر الخمس ما ذكره عن ابن فهد أنه قال إن لابن كثير كتابًا يسمى "مورد الصادي في مولد الهادي"
والجواب عن هذه الأخطاء أن أقول. أما زعم الكاتب المجهول أن ابن كثير قد قال رأيه صراحة في الاحتفال بالمولد النبوي، فهو من أوهامه وتقوله على ابن كثير، وأما زعمه أن ابن كثير قد ولد في سنة
стр. 196
سبع وسبعين وسبع مائة وأنه توفي في سنة اثنتين وأربعين وثمان مائة فهو خطأ واضح.
والصواب: أنه قد ولد في سنة إحدى وسبع مائة من الهجرة وتوفي في سنة أربع وسبعين وسبع مائة وأما زعمه أن ابن كثير قد ألف في المولد النبوي كتبًا عدة، فهو قول لا صحة له وإنما ألف في المولد رسالة مختصرة وذكر الآثار الواردة فيه أيضًا في كتابه «البداية والنهاية» ولم يتعرض في الرسالة ولا في "البداية والنهاية" لحكم الاحتفال بالمولد وأما زعمه أن صاحب "كشف الظنون" ذكر عن الحافظ ابن كثير أنه صنف في المولد أجزاء عديدة منها «جامع الآثار في مولد النبي المختار» في ثلاث مجلدات و «اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق» فهو من أوهامه على صاحب «كشف الظنون» والذي ذكره صاحب «كشف الظنون» أن هذين الكتابين للحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي. وذكر صاحب «كشف الظنون» أيضًا عن الحافظ السخاوي أنه ذكر في "الضوء اللامع" جماعة ممن ألف في مولد النبي ﷺ منهم الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي له فيه «جامع الآثار في مولد النبي المختار» في ثلاث مجلدات و «المورد الصادي في مولد الهادي» في كراسة و «اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق» وهو أخصر من الذي قبله.
وأما زعمه أن ابن فهد قال: إن لابن كثير كتابًا يسمى «مورد الصادي في مولد الهادي» فهو من أوهامه على ابن فهد. والذي ذكره ابن فهد في كتابه «لحظ الألحاظ» بذيل طبقات الحفاظ أن «مورد الصادي في مولد الهادي» للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي، وذكر أيضًا أنه صنف في المولد النبوي ثلاثة أسفار، وذكر أيضًا من مصنفاته «اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق» وهذا يوافق ما ذكره صاحب «كشف
стр. 197
الظنون» وهذه المؤلفات لم أر شيئًا منها فلا أدري هل كان ابن ناصر الدين يقول بجواز الاحتفال بالمولد أم أنه قد مشي على طريقة ابن كثير في جمع الآثار الواردة في لمولد من غير تعرض لحكم الاحتفال به هل هو جائز أم غير جائز؟ , وكذلك الحافظ العراقي لا أدري هل كان يقول بجواز الاحتفال بالمولد أم لا؟ فإني لم أر كتابه في المولد.
وأما السيوطي فقد صرح بتحسين بدعة المولد، وكذلك السخاوي وملا علي قاري قد نقل عنهما القول بتحسين بدعة المولد وهؤلاء ومثالهم محجوجون بالنصوص الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من المحدثات على وجه العموم وأنها شر وضلالة وأنها في النار، وبقوله ﷺ في الحديث المتفق على صحته: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك في أول الكتاب فلتراجع ففيها أبلغ رد على الذين أجازوا بدعة المولد واستحسنوها وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي يأمر الله فيها بطاعة الرسول ﷺ واتباعه والتي يحذر الله فيها من
стр. 198
معصية الرسول ﷺ ومخالفته وقد ذكرت جملة من أقوال العلماء الذين ذموا بدعة المولد ونهوا عنها فلتراجع أقوالهم ففيها أبلغ رد على الذين أجازوا بدعة المولد واستحسنوها.
فصل
وعند مقاربة الانتهاء من الرد على الكاتب المجهول الذي نشر مقاله في مجلة المجتمع الكويتية وقفت على رسالة في المولد لمحمد بن علوي المالكي سماها "حول الاحتفال بالمولد النبوي" لم يبدأ فيها ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ولا بالحمد لله فكانت لذلك بتراء جذماء قطعاء، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله فهو أبتر أو قال أقطع» ورواه أبو داود ولفظه: «كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله أقطع» ورواه ابن ماجه بنحوه قال السندي: الحديث قد حسنه ابن الصلاح والنووي.
وروى الطبراني في الكبير عن كعب بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أجذم أو أقطع» قال الخطابي: قوله «أجذم» معناه المنقطع الأبتر الذي لا نظام فيه انتهى.
وقال ابن علوي في ﷺ إنه يقول بجواز الاحتفال بالمولد.
والجواب أن يقال هذا القول مردود على قائله لمصادمته للنصوص الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من
стр. 199
البدع والأمر بردها وقد تقدم ذكرها في أول الكتاب فلتراجع ففيها أبلغ رد على ابن علوي وعلى كل من جاز شيئًا من البدع.
وقال ابن علوي في ص (٤) أيضًا إننا لا نقول بسنية الاحتفال بالمولد المذكور في ليلة مخصوصة، بل من اعتقد ذلك فقد ابتدع في الدين لأن ذكره ﷺ والتعلق به يجب أن يكون في كل حين.
والجواب أن يقال إن هذه الجملة من كلام ابن علوي قد اشتملت على أمرين عظيمين مع ما فيها من التناقض الأمر الأول: زعمه أن الاحتفال بالمولد سنة، فجعل البدعة التي أحدثها سلطان إربل من السنة وهذا من الاستدراك على الله وعلى رسوله ﷺ لن الله تعالى يقول ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ومن زعم أن الاحتفال بالمولد سنة فقد جعله من مكملات الدين ويلزم على قوله أن يكون الدين ناقصًا إلى أكمله سلطان إربل بعيد المولد الذي قد أحدثه وسن الاحتفال به وما الاستدراك على النبي ﷺ فلأن النبي ﷺ إنما حث على الأخذ بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين لا غير فما ما سوى ذلك من المحدثات في لدين فقد حذر منها رسول الله ﷺ غاية التحذير وأمر بردها وأخبر أنها شر وضلالة وأنها في النار، وما كان الأمر فيه هكذا فلا يقول عاقل إنه من السنة، ومن كابر وزعم أنه من السنة فلازم قوله أن يكون النبي ﷺ قد قصر في البيان والتبليغ حيث ترك سنة سلطان إربل في المولد فلم يذكرها ولم يأمر بالأخذ بها مع سنته وسنة الخلفاء الراشدين.
стр. 200
الأمر الثاني: قوله إنه يجب التعلق بالنبي ﷺ في كل حين وهذه لكلمة من الشرك بالله تعالى لأن التعلق إنما يكون بالله وحده فهو الذي يتعلق به جميع الخلائق في جلب النفع ودفع الضر وقال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ وفي هذه الآية والآية قبلها أبلغ رد على ابن علوي وعلى غيره ممن يتعلق بالنبي ﷺ ويرجو الإمداد منه كما سيأتي ذلك في كلام ابن علوي وإذا كان النبي ﷺ لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًا فماذا يستفيد المتعلقون به والراجون للإمدادات منه؟.
وأما التناقض في كلام ابن علوي ففي زعمه أن الاحتفال بالمولد سنة، ثم نقض ذلك في الخامس من أدلته على جواز الاحتفال بالمولد فصرح فيه أن الاحتفال بالمولد بدعة قال ولكنها حسنة، وكما أن الجملة الأولى من كلام ابن علوي تستلزم الاستدراك على الله وعلى رسوله ﷺ ، فالجملة الثانية من كلامه تستلزم مناقضة النصوص الثابتة عن النبي ﷺ في ذم البدع والتحذير منها والأمر بردها، وقد ذكرتها في أول الكتاب فلتراجع (١) وليراجع أيضًا (٢) ما نقله الشاطبي عن ابن الماجشون قال: سمعت مالكًا يقول من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة لأن الله يقول ﴿الْيَوْمَ
стр. 201
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا انتهى.
فليتأمل ابن علوي كلام إمام المذهب الذي ينتمي إليه ولا ينس قول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾. وفي ص (٤) زعم ابن علوي أن الاجتماعات يعني في المولد وسيلة للدعوة إلى الله.
والجواب أن يقال: هذا من مغالطات ابن علوي وتأييده لبدعة المولد بما لا حقيقة له في الواقع، والذي يعرفه أهل العلم عن الاجتماعات في المولد أنها وسيلة إلى الافتتان ببدعة المولد واستحسانها وعدم المبالاة بتحذير النبي ﷺ من المحدثات وأمره بردها، فهذا هو الذي يشهد به الواقع من حال الذين يحتفلون بالمولد من العوام وأشباه العوام من الذين ينتسبون إلى العلم وليسوا من أهله، وهي أيضًا وسيلة إلى فتن ومفاسد كثيرة، وقد ذكر ابن الحاج في كتابه المسمى "بالمدخل" والشقيري في كتابه المسمى "بالسنن والمبتدعات" كثيرًا من المنكرات التي تفعل في بدعة المولد، وقد ذكرت كلامهما في ذلك قريبًا فليراجع ففيه أبلغ رد على المغالطة التي موه بها ابن علوي على من لا علم عندهم بمفاسد الاحتفال بالمولد.
وفي آخر ص (٥) إلى أثناء صفحة (١٩) ذكر ابن علوي أدلة على جواز الاحتفال بالمولد وهي عشرون دليلا وقد ذكرها في كتابه المسمى «بالذخائر المحمدية» وهي في ص (٢٦٧) إلى صفحة (٢٧٤)
стр. 202
وقد اعتمد عليها يوسف بن هاشم الرفاعي ونقل أكثرها في مقاله المنشور في عددين من جريدة السياسة الكويتية واعتمد عليها أيضًا صاحب لمقال المنشور في مجلة المجتمع الكويتية فنقل أكثرها، وقد تقدم الرد على كل من المقالين في هذا الكتاب ولله الحمد، وفي ضمن الرد على المقالين رد على ابن علوي أيضًا إلا أن يكون في مقاله زيادة تحتاج إلى التنبيه فسوف أنبه عليها إن شاء الله تعالى.
وفي آخر ص (٩) وأول ص (١٠) قال ابن علوي فكم للصلاة عليه أي على النبي ﷺ من فوائد نبوية وإمدادات محمدية يسجد القلم في محراب البيان عاجزًا من تعداد آثارها ومظاهر أنوارها.
قلت: وهذه الجملة من كلام ابن علوي مذكورة في ص (٢٦٩) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية".
والجواب أن يقال هذه لجملة مشتملة على الشرك بالله تعالى لأن الله تعالى هو الذي يتفضل على من شاء من عباده بالهداية والتوفيق والإمداد بأنواع الخير قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿كُلاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾.
وقال تعالى مخبرًا عن خليله إبراهيم ﵊ أنه قال لقومه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ *
стр. 203
وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ وقال تعالى مخبرًا عن نوح ﵊ أنه قال لقومه ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾، وقال تعالى مخبرًا عن هود ﵊ أنه قال لقومه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ﴾ وقال تعالى مخبرًا عن أهل الجنة ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ فأما النبي ﷺ فإنه لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًا كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾.
وإذا علم هذا فليعلم أيضًا أن الفوائد والإمدادات التي ترجى من الصلاة على النبي ﷺ إنما ترجى من الله وحده لا شريك له فهو الذي يجزي من صلى على نبيه ﷺ خير الجزاء ويصلي عليه بكل صلاة عشر صلوات ويسلم عليه بكل تسليمة عشر تسليمات ويكتب له عشر حسنات ويمحو عنه عشر سيئات ويرفع له عشر درجات وقد جاء في ذلك أحاديث صحيحة وليس هذا موضع ذكرها.
وقال ابن علوي في ص (١٠) الثامن: التعرض لمكافأته بأداء
стр. 204
بعض ما يجب له علينا ببيان أوصافه الكاملة وأخلاقه الفاضلة.
قلت: هذه الجملة من كلام ابن علوي مذكورة في صفحة ... (٢٦٩) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية"
والجواب أن يقال إن حق النبي ﷺ على المؤمنين أعظم من حقوق آبائهم وأمهاتهم عليهم، وقد روى الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا يجزي ولد، والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه» قال النووي في شرح مسلم يجزي يفتح لأوله أي لا يكافئه بإحسانه وقضاء حقه إلا أن يعتقه انتهى.
وإذا كان الولد لا يكافئ إحسان والده عليه ولا يقضي حقه إلا بالعتق إذا وجده مملوكًا فلا ينبغي لأحد منا أن يتوهم أنه يقدر على مكافأة النبي ﷺ وإنما الله تعالى هو الذي يكافئه عنا، وحسبنا أن نحرص على طاعته واتباع هديه والتمسك بسنته ورد ما خالفها من البدع والضلالات وينبغي أيضًا أن نحرص على الإكثار من الصلاة والسلام عليه في كل وقت وحين ولا نجعل ذلك من خصائص ليلة المولد فإن ذلك بخس لحقه ﷺ مع ما فيه من ارتكاب نهيه عن المحدثات ومخالفة أمره بردها.
وفي أثناء ص (١٩) إلى آخر ص (٢١) نقل ابن علوي جملا من كلام شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" وهي العبارات الموهمة التي إذا سمعها من لا علم عنده ظن أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يرى جواز الاحتفال بالمولد، مع أنه قد صرح إن الاحتفال بالمولد بدعة، وقد ذكر
стр. 205
الكاتب المجهول الذي نشرت مقالته في مجلة المجتمع الكويتية بعض ما ذكره ابن علوي عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وتقدم الرد عليه قريبًا فليراجع (١) ففيه رد على ابن علوي أيضًا.
وذكر ابن علوي في ص (٢٢) مفهوم المولد في نظره، ثم قال: فلو اجتمعنا على شيء من المدائح التي فيها ذكر الحبيب ﷺ وفضله وجهاده وخصائصه ولم نقرأ قصة المولد النبوي التي تعارف الناس على قراءتها واصطلحوا عليها، ثم استمعنا إلى ما يلقيه المتحدثون من مواعظ وإرشادات وإلى ما يتلوه القارئ من آيات أقول لو فعلنا ذلك فإن ذلك داخل تحت المولد النبوي الشريف ويحقق به معنى الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وأظن أن هذا المعنى لا يختلف عليه اثنان ولا ينتطح فيه عنزان.
والجواب أن يقال إن تخصيص ليلة المولد بالاجتماع على سماع المدائح التي ذكر فيها رسول الله ﷺ بدعة لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك ولم يأمر به أمته ولم يفعله الصحابة ولا التابعون وتابعوهم بإحسان ولو كان ذلك خيرًا لسبقوا إليه وقد حث النبي ﷺ أمته على الأخذ بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وأمرهم بالتمسك بها والعض عليها بالنواجذ وحذرهم من محدثات الأمور وبالغ في التحذير وأخبرهم أن شر الأمور محدثاتها وأن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وأمرهم برد المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمره، وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك في أول الكتاب فلتراجع ففيها أبلغ
стр. 206
رد على ما قرره ابن علوي في هذه الجملة من كلامه وظن أنه لا يختلف عليه اثنان، وهذا الظن مردود بقول النبي ﷺ «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁.
وفي ص (٢٤) إلى آخر ص (٣١) ذكر ابن علوي ما يفعله المفتونون ببدعة المولد من القيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ ورد على الذين يظنون أن الناس يقومون معتقدين أن النبي ﷺ يدخل إلى المجلس في تلك اللحظة بجسده الشريف، وقد تبرأ ابن علوي من هذا الظن ورد على الذين يعتقدونه ثم نقض بعض ما تبرأ منه فزعم في آخر ص (٢٥) أن روح النبي ﷺ جوالة سياحة في ملكوت الله ويمكن أن تحضر مجالس الخير ومشاهد النور والعلم وقرر نحو ذلك في ص (٣١).
والجواب: أن يقال أما القيام في الاحتفال بالمولد النبوي عند ذكر ولادة النبي ﷺ وخروجه إلى الدنيا فهو من المحدثات الداخلة في عموم قول النبي ﷺ «وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وفي قوله ﷺ أيضًا: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقد نهى رسول الله ﷺ عن القيام له وأخبر أن ذلك من فعل الأعاجم قال أبو أمامة الباهلي ﵁: خرج علينا رسول الله ﷺ متوكئًا على عصا فقمنا إليه فقال: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضًا» رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وقال المنذري في
стр. 207
«الترغيب والترهيب» إسناده حسن، وروى البخاري في "الأدب المفرد" بإسناد صحيح على شرط مسلم عن أنس ﵁ قال: «ما كان شخص أحب إليهم من النبي ﷺ وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك» ورواه الإمام أحمد والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
وإذا كان النبي ﷺ قد كره القيام له ونهى عنه وأخبر أنه من فعل الأعاجم فكيف بالقيام عند ذكر ولادته وخروجه إلى الدنيا، فهذا أولى بالنهي لجمعه بين البدعة والتشبه بالأعاجم وقد تقدم كلام رشيد رضا في هذا القيام المبتدع وتصريحه أنه من جملة البدع وما نقله عن ابن حجر المكي من التصريح بأنه بدعة فليراجع ما تقدم عنها (١).
وأما قول ابن علوي في ص (٢٥) أن روح النبي ﷺ جوالة سياحة في ملكوت الله.
فجوابه أن يقال إثبات مثل هذا يحتاج إلى دليل من الكتاب أو السنة ولا دليل على ذلك، فأما التخرص واتباع الظن فليس بدليل لقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ وفي الحديث الصحيح: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁.
وأما قوله في ص (٢٥)، ص (٢٦) ويمكن أن تحضر مجالس الخير ومشاهدة النور والعلم، وكذلك أرواح خلص المؤمنين من أتباعه.
стр. 208
فجوابه أن يقال هذا من شطحات الصوفية وأتباعهم من ذوي الجهل المركب. والعاقل ينزه نفسه عن الإصغاء إلى هذه الشطحات والدعاوي الباطلة، وقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ فالأنفس المرسلة هي أنفس الأحياء وهي التي تجول مع أصحابها فيما شاءوا من الأرض، وأما الأنفس التي قد أمسكها الله تعالى وهي أنفس الموتى فهذه لا يعلم بحالها إلا الله تعالى، ومن زعم أنها أو بعضها يجول ويسبح في ملكوت الله تعالى فقد تكلف ما لا علم له به وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾.
وفي ص (٢٦) شرع ابن علوي يوجه القيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ بتوجيهات باطلة، وذكر في ص (٢٧) أنه قد استحسنه من استحسنه من أهل العلم. ونقل عن البرزنجي ما ذكره عن بعضهم من استحسان القيام وأن أهل العلم والفضل والتقي قد سنوه إلى أن قال في آخر ص (٢٨) أن من لم يقم قد يفسر موقفه ذلك بسوء الأدب أو قلة الذوق أو جمود الإحساس.
والجواب: أن يقال كل ما ذكره ابن علوي في الصفحات الثلاث وما نقله عن البرزنجي فهو مردود بقول النبي ﷺ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود وبقوله أيضًا: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وبقوله أيضًا: «وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» فهذه الأحاديث الصحيحة تقضي على كل ما جاء في
стр. 209
كلام ابن علوي والبرزنجي من التوجيه والترغيب في بدعة القيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا﴾.
وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وأما ما نقله ابن علوي عن البرونجي أنه قال إن أهل العلم والفضل والتقى قد سنوا القيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ .
فجوابه أن يقال لا شك إن هذه السنة من سنن الشر التي يترتب عليها عظيم الوزر لما فيها من المعارضة لنهي النبي ﷺ عن القيام له وكراهيته لذلك كما تقدم في حديثي أبي إمامة الباهلي وأنس بن مالك ﵄ وقد قال النبي ﷺ «ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيء» رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث جرير بن عبد الله ﵁، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وعن أبي هريرة وحذيفة بن اليمان وأنس بن مالك وأبي جحيفة وعمرو بن عوف المزني وواثلة بن الأسقع ﵃ نحو ذلك، وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول كتابي "فصل الخطاب في الرد على أبي تراب" فلتراجع هناك.
стр. 210
وإذا علم ما يترتب على سنن الشر من كثرة الأوزار فليعلم أيضًا أن الذين سنوا بدعة القيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ ليسوا بأهل أن يوصفوا بالعلم والفضل والتقى، وإنما يوصفون بالجهل وسوء الأدب مع النبي ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين الذين كانوا لا يقومون للنبي ﷺ لما يعلمون من كراهيته لذلك.
وأما قول ابن علوي إن من لم يقم قد يفسر موقفه ذلك بسوء الأدب أو قلة الذوق أو جمود الإحساس.
فجوابه أن يقال إن سوء الأدب على الحقيقة وقلة الذوق وجمود الإحساس إنما هو في استحسان البدع وتأييدها والرغبة عن هدي رسول الله ﷺ ومخالفة الأحاديث الثابتة عنه في ذم البدع والتحذير منها والأمر بردها ومخالفة ما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان، فإن هؤلاء لم يكونوا يعرفون الاحتفال بالمولد فضلا عما ابتدعه الجهال فيه من القيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ وقد تقدم في حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ أن رسول الله ﷺ نهاهم عن القيام له وقال: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضًا».
وتقدم في حديث أنس ﵁: «أنهم كانوا إذا رأوا النبي ﷺ لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك» فما فعله الصحابة ﵃ من ترك القيام للنبي ﷺ هو الأدب الحسن الذي أمر به رسول الله ﷺ أصحابه ورضيه لهم، وما خالفه فهو من سوء الأدب الذي نهى عنه رسول الله ﷺ ، وكرهه لأصحابه، وقد قال الله تعالى:
стр. 211
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
وبعد فهل يقول ابن علوي إن ترك الصحابة، ﵃ للقيام للنبي ﷺ عند رؤيته قد يفسر بسوء الأدب أو قلة الذوق أو جمود الإحساس كما قد قال ذلك في ترك القيام عند ذكر ولادته ﷺ وخروجه إلى الدنيا؟ أم ماذا يجيب به عن كلامه الذين لم يتثبت فيه ولم ينظر إلى ما يلزم عليه من معارضة نهي النبي ﷺ عن القيام له وكراهيته لذلك وما يلزم عليه أيضًا من الطعن في الصحابة ﵃ من أجل تركهم القيام للنبي ﷺ عند رؤيته فابن علوي بين أمرين لا بد له من أحدهما: إما أن يرجع عن كلامه الذي لم يتثبت فيه وإما أن يبوء بما يلزم على كلامه من معارضة النبي ﷺ والطعن في الصحابة ﵃ وما أعظم ذلك وأشد خطره.
وفي ص (٢٩) إلى آخر ص (٣١) ذكر ابن علوي خمسة وجوه في استحسان القيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ الوجه الأول: أنه جرى عليه العمل في سائر الأقطار والأمصار واستحسنه العلماء شرقًا وغربًا، والقصد به تعظيم صاحب المولد الشريف ﷺ وما استحسنه المسلمون فهو عند الله حسن وما استقبحوه فهو عند الله قبيح كما تقدم في الحديث.
стр. 212
والجواب أن يقال: أما قوله إنه جرى عليه العمل في سائر الأقطار والأمصار فهو من مجازفاته ومن أين له العلم بأن سائر أهل الأقطار والأمصار يعملون بدعة المولد وإنهم يقومون عند ذكر ولادة النبي ﷺ فهذا القول مبني على اتباع الظن والقول بغير علم وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁، وهذه الجزيرة العربية التي هي من أكبر الأقطار والأمصار الإسلامية لا يعرف عن أهلها الاحتفال ببدعة المولد فضلاً عن القيام الذي ابتدعه الجهال زيادة على بدعة المولد.
وأما قوله واستحسنه العلماء شرقًا وغربًا.
فجوابه أن يقال وهذا أيضًا من المجازفات المردودة فإن القيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ لم يستحسنه أحد من العلماء المعتبرين وإنما يستحسنه الجهال وأمثالهم من الذين ينتسبون إلى العلم وليسوا من أهل العلم وقد تقدم (١) عن ابن حجر المكي ورشيد رضا أنهما صرحا بأن هذا القيام بدعة.
وأما قوله والقصد به تعظيم صاحب المولد الشريف ﷺ .
فجوابه من وجهين: أحدهما: أن يقال ليس في قيام الجهال عند
стр. 213
ذكر ولادة النبي ﷺ شيء من التعظيم المشروع في حقه ﷺ وإنما فيه ارتكاب نهيه ﷺ عن القيام له ومضاهاة الأعاجم بالقيام الذي يقصدون به التعظيم وهو الذي تسميه العامة الاحترام، وفيه أيضًا مخالفة هديه ﷺ في كراهة القيام له، وقد ذكرت قريبًا ما رواه أبو أمامة الباهلي وأنس بن مالك، ﵄ في ذلك فليراجع إلى الحديثين (١) ففيهما أبلغ رد على الذين زين لهم الشيطان أعمالهم السيئة وأوهمهم أن قيامهم المبتدع فيه تعظيم للنبي ﷺ وهو بضد ذلك ولو كان في هذا القيام المبتدع أدنى شيء من التعظيم المشروع في حق النبي ﷺ ؛ لكان الصحابة ﵃ أسبق إليه من غيرهم فإنهم كانوا أشد الأمة تعظيمًا للنبي ﷺ وأشدهم بعدًا عما كان يكرهه وينهى عنه من الأقوال والأفعال، وكذلك كان التابعون وتابعوهم بإحسان وهل يظن الذين يحتفلون بالمولد ويقومون عند ذكر ولادة النبي ﷺ أنهم قد بلغوا في تعظيم النبي ﷺ غاية لم يبلغها الصحابة ﵃ ولا التابعون وتابعوهم بإحسان إنه لا يظن ذلك إنسان له أدنى مسكة من عقل.
الوجه الثاني: أن يقال إنه لا ينبغي تعظيم النبي ﷺ إلا بما شرعه الله تعالى في حقه من التعظيم ولا يجوز أن يعظم بالبدع ولا بما كان يكرهه وينهى عنه من القيام الذي هو من فعل الأعاجم ولا شك أن تعظيم النبي ﷺ
стр. 214
واجب على كل مؤمن، وإنما يكون ذلك بطاعة أوامره واجتناب نواهيه واتباع هديه والتمسك بسنته وإحياء ما أميت منها ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بحسب الاستطاعة فهذا هو الغاية في تعظيم النبي ﷺ وهو الذي كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان فمن سلك سبيلهم فقد اهتدى ومن سلك سبيلا غير سبيلهم فقد ضل وهلك قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
وأما قوله وما استحسنه المسلمون فهو عند الله حسن وما استقبحوه فهو عند الله قبيح كما تقدم في الحديث.
فجوابه أن يقال قد روي الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁، أنه قال: «إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحاب خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيئ» وما ذكرت فيما تقدم أن قول ابن مسعود ﵁ فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، إنما أراد به أصحاب رسول الله ﷺ ولم يرد به من بعدهم فما رآه الصحابة ﵃ حسنًا فهو عند الله حسن وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيئ، فأما استحسان الجهال للبدع في الدين فليس بحسن عند الله، ولا عند
стр. 215
المؤمنين؛ لأن البدع في الدين من عمل الشيطان وتضليله. وما كان من عمل الشيطان فهو سيئ عند الله وعند المؤمنين والدليل على أن البدع في الدين من عمل الشيطان قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
وفي المسند بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «خط لنا رسول الله ﷺ خطًا ثم قال هذا سبيل الله ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله ثم قال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ورواه الحاكم في مستدركه وصححه والشاهد منه قوله في السبل إن على كل سبيل منها شيطانًا يدعو إليه والسبل هي البدع في الدين فمن دعا إلى شيء منها فلا شك أنه من إخوان الشياطين ومن استحسن شيئًا منها فهو على خطر عظيم، وقد ذكرت في أول الكتاب تشديد الإمام مالك على من يستحسن البدع في الدين فليراجع كلامه فإنه مهم جدًا».
وقال ابن علوي في ص (٢٩) الوجه الثاني أن القيام لأهل الفضل مشروع بالأدلة الكثيرة من السنة.
والجواب أن يقال بل القيام مكروه ومنهي عنه بالأدلة الصريحة من السنة، وسواء في ذلك القيام لأهل الفضل وغيرهم؛ لأن رسول الله ﷺ وهو سيد الخلق وإمام أهل الفضل على