﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
وبعد فهل يقول ابن علوي إن ترك الصحابة، ﵃ للقيام للنبي ﷺ عند رؤيته قد يفسر بسوء الأدب أو قلة الذوق أو جمود الإحساس كما قد قال ذلك في ترك القيام عند ذكر ولادته ﷺ وخروجه إلى الدنيا؟ أم ماذا يجيب به عن كلامه الذين لم يتثبت فيه ولم ينظر إلى ما يلزم عليه من معارضة نهي النبي ﷺ عن القيام له وكراهيته لذلك وما يلزم عليه أيضًا من الطعن في الصحابة ﵃ من أجل تركهم القيام للنبي ﷺ عند رؤيته فابن علوي بين أمرين لا بد له من أحدهما: إما أن يرجع عن كلامه الذي لم يتثبت فيه وإما أن يبوء بما يلزم على كلامه من معارضة النبي ﷺ والطعن في الصحابة ﵃ وما أعظم ذلك وأشد خطره.
وفي ص (٢٩) إلى آخر ص (٣١) ذكر ابن علوي خمسة وجوه في استحسان القيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ الوجه الأول: أنه جرى عليه العمل في سائر الأقطار والأمصار واستحسنه العلماء شرقًا وغربًا، والقصد به تعظيم صاحب المولد الشريف ﷺ وما استحسنه المسلمون فهو عند الله حسن وما استقبحوه فهو عند الله قبيح كما تقدم في الحديث.
стр. 212
والجواب أن يقال: أما قوله إنه جرى عليه العمل في سائر الأقطار والأمصار فهو من مجازفاته ومن أين له العلم بأن سائر أهل الأقطار والأمصار يعملون بدعة المولد وإنهم يقومون عند ذكر ولادة النبي ﷺ فهذا القول مبني على اتباع الظن والقول بغير علم وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁، وهذه الجزيرة العربية التي هي من أكبر الأقطار والأمصار الإسلامية لا يعرف عن أهلها الاحتفال ببدعة المولد فضلاً عن القيام الذي ابتدعه الجهال زيادة على بدعة المولد.
وأما قوله واستحسنه العلماء شرقًا وغربًا.
فجوابه أن يقال وهذا أيضًا من المجازفات المردودة فإن القيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ لم يستحسنه أحد من العلماء المعتبرين وإنما يستحسنه الجهال وأمثالهم من الذين ينتسبون إلى العلم وليسوا من أهل العلم وقد تقدم (١) عن ابن حجر المكي ورشيد رضا أنهما صرحا بأن هذا القيام بدعة.
وأما قوله والقصد به تعظيم صاحب المولد الشريف ﷺ .
فجوابه من وجهين: أحدهما: أن يقال ليس في قيام الجهال عند
стр. 213
ذكر ولادة النبي ﷺ شيء من التعظيم المشروع في حقه ﷺ وإنما فيه ارتكاب نهيه ﷺ عن القيام له ومضاهاة الأعاجم بالقيام الذي يقصدون به التعظيم وهو الذي تسميه العامة الاحترام، وفيه أيضًا مخالفة هديه ﷺ في كراهة القيام له، وقد ذكرت قريبًا ما رواه أبو أمامة الباهلي وأنس بن مالك، ﵄ في ذلك فليراجع إلى الحديثين (١) ففيهما أبلغ رد على الذين زين لهم الشيطان أعمالهم السيئة وأوهمهم أن قيامهم المبتدع فيه تعظيم للنبي ﷺ وهو بضد ذلك ولو كان في هذا القيام المبتدع أدنى شيء من التعظيم المشروع في حق النبي ﷺ ؛ لكان الصحابة ﵃ أسبق إليه من غيرهم فإنهم كانوا أشد الأمة تعظيمًا للنبي ﷺ وأشدهم بعدًا عما كان يكرهه وينهى عنه من الأقوال والأفعال، وكذلك كان التابعون وتابعوهم بإحسان وهل يظن الذين يحتفلون بالمولد ويقومون عند ذكر ولادة النبي ﷺ أنهم قد بلغوا في تعظيم النبي ﷺ غاية لم يبلغها الصحابة ﵃ ولا التابعون وتابعوهم بإحسان إنه لا يظن ذلك إنسان له أدنى مسكة من عقل.
الوجه الثاني: أن يقال إنه لا ينبغي تعظيم النبي ﷺ إلا بما شرعه الله تعالى في حقه من التعظيم ولا يجوز أن يعظم بالبدع ولا بما كان يكرهه وينهى عنه من القيام الذي هو من فعل الأعاجم ولا شك أن تعظيم النبي ﷺ
стр. 214
واجب على كل مؤمن، وإنما يكون ذلك بطاعة أوامره واجتناب نواهيه واتباع هديه والتمسك بسنته وإحياء ما أميت منها ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بحسب الاستطاعة فهذا هو الغاية في تعظيم النبي ﷺ وهو الذي كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان فمن سلك سبيلهم فقد اهتدى ومن سلك سبيلا غير سبيلهم فقد ضل وهلك قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
وأما قوله وما استحسنه المسلمون فهو عند الله حسن وما استقبحوه فهو عند الله قبيح كما تقدم في الحديث.
فجوابه أن يقال قد روي الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁، أنه قال: «إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحاب خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيئ» وما ذكرت فيما تقدم أن قول ابن مسعود ﵁ فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، إنما أراد به أصحاب رسول الله ﷺ ولم يرد به من بعدهم فما رآه الصحابة ﵃ حسنًا فهو عند الله حسن وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيئ، فأما استحسان الجهال للبدع في الدين فليس بحسن عند الله، ولا عند
стр. 215
المؤمنين؛ لأن البدع في الدين من عمل الشيطان وتضليله. وما كان من عمل الشيطان فهو سيئ عند الله وعند المؤمنين والدليل على أن البدع في الدين من عمل الشيطان قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
وفي المسند بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «خط لنا رسول الله ﷺ خطًا ثم قال هذا سبيل الله ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله ثم قال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ورواه الحاكم في مستدركه وصححه والشاهد منه قوله في السبل إن على كل سبيل منها شيطانًا يدعو إليه والسبل هي البدع في الدين فمن دعا إلى شيء منها فلا شك أنه من إخوان الشياطين ومن استحسن شيئًا منها فهو على خطر عظيم، وقد ذكرت في أول الكتاب تشديد الإمام مالك على من يستحسن البدع في الدين فليراجع كلامه فإنه مهم جدًا».
وقال ابن علوي في ص (٢٩) الوجه الثاني أن القيام لأهل الفضل مشروع بالأدلة الكثيرة من السنة.
والجواب أن يقال بل القيام مكروه ومنهي عنه بالأدلة الصريحة من السنة، وسواء في ذلك القيام لأهل الفضل وغيرهم؛ لأن رسول الله ﷺ وهو سيد الخلق وإمام أهل الفضل على
стр. 216
الإطلاق كان يكره القيام له، وقد نهى أصحابه أن يقوموا له وقال لهم: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضا» وهذا الحديث مروي عن أبي أمامة الباهلي ﵁، وقد تقدم ذكره قريبًا وتقدم أيضًا حديث أنس ﵁ قال: «ما كان شخص أحب إليهم من النبي ﷺ وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك» وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي بأسانيد صحيحة عن أبي مجلز (١) قال: خرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير فقال معاوية لابن عامر اجلس فإن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار» وقد رواه البخاري في الأدب المفرد بإسنادين صحيحين على شرط مسلم وبوب عليه بقوله «باب قيام الرجل للرجل تعظيمًا» وبوب عليه أبو داود وعلى حديث أبي أمامة الذي تقدم ذكره بقوله باب الرجل يقوم للرجل يعظمه بذلك وبوب الترمذي على حديثي أنس ومعاوية ﵄ بقوله باب كراهية قيام الرجل للرجل.
وقد فرق النووي وغيره من العلماء بين القيام لأهل الفضل والخير وبين القيام لغيرهم فجازوه لأهل الفضل والخير ولم يجيزوه لغيرهم وهذا التفريق لا دليل عليه وفي الأحاديث التي تقدم ذكرها عن أبي أمامة وأنس ومعاوية ﵃، أبلغ رد على من قال بهذا التفريق، وقد قال إسحاق بن إبراهيم خرج أبو عبد الله يعني
стр. 217
أحمد بن حنبل على قوم في المسجد فقاموا له فقال: لا تقوموا لأحد فإنه مكروه وقال أحمد أيضًا في رواية مثنى: لا يقوم أحد لأحد وقال حنبل: قلت لعمي: ترى للرجل أن يقوم للرجل إذا رآه قال لا يقوم أحد لأحد إلا الولد لوالده أو أمه، فأما لغير الوالدين فلا نهى النبي ﷺ عن ذلك.
وظاهر هذه الروايات عن أحمد أنه لا فرق بين القيام لأهل الفضل والخير وبين القيام لغيرهم ودليل ذلك ما تقدم عن أبي إمامة وأنس ومعاوية ﵃ وقد روي عن الإمام مالك نحو قول الإمام أحمد. قال ابن القاسم في المدونة قيل لمالك الرجل يقوم للرجل له الفضل والفقه قال أكره ذلك ولا بأس أن يوسع له في مجلسه قال وقيام المرأة لزوجها حتى يجلس من فعل الجبابرة وربما يكون الناس ينتظرونه فإذا طلع قاموا فليس هذا من فعل أهل الإسلام.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: أبو بكر والقاضي ومن تبعهما فرقوا بين القيام لأهل الدين وغيرهم فاستحبوا لطائفة وكرهوه لأخرى والتفريق في مثل هذا بالصفات فيه نظر قال وأما أحمد فمنع منه مطلقًا لغير الوالدين فإن النبي ﷺ سيد الأئمة ولم يكونوا يقومون له فاستحباب ذلك للإمام العادل مطلقًا خطأ وقصة ابن أبي ذئب مع المنصور تقتضي ذلك، وما أراد أبو عبد الله والله أعلم إلا لغير القادم من سفر فإنه قد نص على أن القادم من السفر إذا أتاه إخوانه فقام إليهم وعانقهم فلا بأس به، وحديث سعد يخرج على هذا وسائر الأحاديث فإن القادم يتلقى لكن هذا قام فعانقهم والمعانقة لا تكون إلا بالقيام وأما
стр. 218
الحاضر في المصر الذي قد طالت غيبته والذي ليس من عادته المجيء إليه فمحل نظر فما الحاضر الذي يتكرر مجيئه في الأيام كإمام المسجد أو السلطان في مجلسه أو العالم في مقعده فاستحباب القيام له خطأ بل المنصوص عن أبي عبد الله هو الصواب انتهى.
وقصة ابن أبي ذئب التي أشار إليها الشيخ قد ذكرت له مع المهدي وأنه لما حج دخل مسجد النبي ﷺ فقال المسيب بن أبي زهير لابن أبي ذئب قم هذا أمير المؤمنين فقال: ابن أبي ذئب إنما يقوم الناس لرب العالمين فقال المهدي: دعه فلقد قامت كل شعرة في رأسي، وقد ذكر هذه القصة الخطيب في تاريخه والذهبي في تذكرة الحفاظ.
وأما حديث سعد الذي أشار إليه الشيخ رحمه الله تعالى فالمراد به حديث سعد بن معاذ ﵁ حين جاء ليحكم في بني قريظة فقال النبي ﷺ للأنصار «قوموا إلى سيدكم» وسيأتي الكلام على هذا الحديث قريبًا إن شاء الله تعالى.
وإذا علم أن القيام مكروه ومنهي عنه لما فيه من التشبه بالأعاجم وأن النهي عام لأهل الفضل وغيرهم فليعلم أيضًا أن القيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ أولى بالكراهة والمنع لأنه من المحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ ووصفها بالشر والضلالة وأمر بردها.
وقد ذكرت الأحاديث في ذلك في أول الكتاب فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على ابن علوي وعلى غيره من
стр. 219
ذوي الغلو والإطراء ومجاوزة الحد فيما يزعمون أنه من تعظيم النبي ﷺ .
وقال ابن علوي في ص (٢٩) وص (٣٠) الوجه الثالث ورد في الحديث المتفق عليه قوله ﷺ خطابًا للأنصار قوموا لسيدكم وهذا القيام كان تعظيمًا لسيدنا سعد ﵁ ولم يكن من أجل كونه مريضًا وإلا لقال قوموا إلى مريضكم ولم يقل إلى سيدكم ولم يأمر الجميع بالقيام بل كان قد أمر البعض.
والجواب: أن يقال إما أمر النبي ﷺ الأنصار بالقيام إلى سعد بن معاذ ﵁ لينزلوه عن الحمار لأنه كان مريضًا بسبب الجرح الذي أصابه يوم الخندق، وقد جاء ذلك صريحًا في رواية عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى رواها بإسناد حسن من طريق محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه عن جده علقمة بن وقاص قال أخبرتني عائشة ﵂، قالت: خرجت يوم الخندق أقفوا آثار الناس فذكر الحديث مطولا في قصة الخندق وحصار بني قريظة وفيه أن بني قريظة نزلوا على حكم سعد بن معاذ فبعث إليه رسول الله ﷺ فأتي به على حمار قال: قال أبو سعيد فلما طلع على رسول الله ﷺ قال: «قوموا إلى سيدكم فانزلوه» فقال عمر سيدنا الله قال: «فانزلوه» الحديث قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري سنده حسن، وقال الهيثمي فيه محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات قال الحافظ ابن حجر: وهذه الزيادة يعني قوله "فانزلوه" تخدش في الاستدلال بقصة سعد على مشروعية القيام المتنازع فيه انتهى.
стр. 220
قلت: وفي هذه الزيادة أبلغ رد على من استدل بقصة سعد، ﵁ على جواز القيام المنهي عنه وهو ما قصد به التعظيم فأما الاستدلال بقصة سعد، ﵁ على استحسان القيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ ففي غاية البعد والتكلف والتعسف ومن قياس الضلالة على الأمور الجائزة، وهذا القياس الفاسدة مردود بتحذير النبي ﷺ من المحدثات وأمره بردها.
وقال ابن علوي في ص (٣٠) الوجه الرابع كان من هدي النبي ﷺ أن يقوم تعظيمًا للداخل عليه وتأليفًا كما قام لابنته فاطمة وأقرها على تعظيمها له بذلك وأمر الأنصار بقيامهم لسيدهم فدل ذلك على مشروعية القيام وهو ﷺ أحق من عظم لذلك.
والجواب عن هذا من وجهين أحدهما: أن يقال بل المعروف من هدي النبي ﷺ أنه كان يكره القيام وينهى عنه وقال: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضًا».
وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك قريبًا فلتراجع فما القيام للداخل عليه فلم يرو عنه أنه كان يفعل ذلك إلا مع ابنته فاطمة ﵂ كما في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن عائشة ﵂ قال: «ما رأيت أحدًا كان أشبه سمتًا وهديًا ودلا برسول الله ﷺ من فاطمة ﵂ كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه وكانت إذا دخل عليها قامت إليه وأخذت بيده وقبلته وأجلسته في
стр. 221
مجلسها» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وإنما كان النبي ﷺ يقوم إلى ابنته إذا دخلت عليه ليأخذ بيدها ويقبلها ويجلسها في مجلسه ومثل ذلك قيامها إليه إذا دخل عيها فإن المقصود منه أن تأخذ بيده وتقبله وتجلسه في مجلسها. وليس هذا من القيام المكروه وإنما هو من جنس القيام إلى القادم لتلقيه ومصافحته أو معانقته أو تقبيله أو إنزاله عن دابته كما تقدم في قصة سعد بن معاذ ﵁ حين جاء للحكم في بني قريظة ومن هذا الباب ما رواه الترمذي عن عائشة ﵂، قالت: «قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ﷺ في بيتي فأتاه فقرع الباب فقام إليه رسول الله ﷺ عريانًا يجر ثوبه والله ما رأيته عريانًا قبله ولا بعده فاعتنقه وقبله» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
قولها عريانًا تريد أنه ﷺ كان ساترًا ما بين سرته وركبته ولكن سقط رداؤه عن عاتقه فكان ما فوق سرته وما تحت ركبته عريانًا قال الطيبي وكان هذا من شدة فرحه حيث لم يتمكن من تمام التردي بالرداء حتى جره وكثيرًا ما يقع مثل هذا انتهى.
فأما ما بين السرة والركبة فإنه لم يكن يرى من النبي ﷺ والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم كلهم بإسناد واحد عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره فقال له العباس عمه: يا ابن أخي لو حللت إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة قال: فحله فجعله على منكبيه فسقط مغشيًا عليه فما رئي بعد ذلك اليوم عريانًا.
стр. 222
ومن هذا الباب أيضًا ما رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب أن عكرمة بن أبي جهل ﵁ قدم على رسول الله ﷺ عام الفتح فلما رآه رسول الله ﷺ وثب إليه فرحًا وما عليه رداء حتى بايعه.
ومن هذا الباب أيضًا ما جاء في الصحيحين وغيرهما في قصة كعب بن مالك ﵁ لما تاب الله عليه قال: وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد وحوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني الحديث فهذا وما أشبهه من القيام جائز كما دلت عليه هذه الأحاديث وهو قيام إلى الشخص لتلقيه وليس من القيام له لأجل تعظيمه بالقيام. والقيام إلى الشخص من فعل العرب، والقيام له أو عليه من فعل العجم. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في «تهذيب السنن»: المذموم القيام للرجل، وأما القيام إليه للتلقي إذا قدم فلا بأس به انتهى.
الوجه الثاني: أن يقال لا يخفى ما في كلام ابن علوي من التقول على رسول الله ﷺ حيث زعم أنه كان يقوم تعظيما للداخل عليه ولو كان يفعل ذلك لكان يقوم لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ولو فعل ذلك لنقله عنه أصحابه، وما كان النبي ﷺ ليفعل شيئًا كان يكرهه لنفسه وينهى عنه ويشدد فيه؛ لأن هذا من التناقض الذي ينزه عنه آحاد العقلاء فيكف بالنبي ﷺ فهو أحق أن ينزه عن التناقض الذي يستلزمه كلام ابن علوي، فأما قيام
стр. 223
النبي ﷺ إلى ابنته فاطمة ﵂ وقيامه إلى زيد بن حارثة ﵁ حين قدم من السفر وقيامه إلى عكرمة بن أبي جهل ﵁ حين قدم مسلمًا فهو من القيام إلى الشخص لتلقيه وذلك جائز كما تقدم بيان ذلك في الوجه الأول وليس من القيام الذي يراد به التعظيم كما قد توهم ذلك ابن علوي.
وأما قوله وأمر الأنصار بقيامهم لسيدهم فقد تقدم الجواب عنه وفيه أن النبي ﷺ إنما أمرهم بالقيام إليه لينزلوه عن الحمار؛ لأنه كان مريضًا وفي حديث أبي سعيد الذي تقدم ذكره (١) أبلغ رد على من قال إن الأمر بالقيام إليه للتعظيم.
وأما قوله: فدل على مشروعية القيام.
فجوابه: أن يقال أما القيام الذي يراد به التعظيم فإن النبي ﷺ قد كرهه ونهى عنه وشدد فيه كما تقدم بيان ذلك فيما رواه أبو أمامة الباهلي وأنس ومعاوية ﵃ وأما القيام لتلقي القادم أو ليجلسه القائم إليه في مجلسه أو ليعانقه أو يقبله أو ينزله عن دابته فهذا جائز كما دلت على ذلك الأحاديث التي تقدم ذكرها في قصة فاطمة وسعد بن معاذ وزيد بن حارثة وعكرمة بن أبي جهل وليس هذا من القيام الذي يراد به التعظيم وقد تقدم بيان ذلك في الوجه الأول.
وأما قوله وهو ﷺ أحق من عظم لذلك.
стр. 224
فجوابه أن يقال: إن النبي قد كره القيام له ونهى أصحابه عن ذلك وقال لهم: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضًا» وشدد في ذلك كما تقدم في حديث معاوية، ﵁ وبهذا يعلم أنه ليس في القيام للنبي ﷺ تعظيم له وإنما فيه ارتكاب نهيه ومقابلته بما كان يكرهه، واستدلال ابن علوي بما ذكره في هذا الوجه على استحسان القيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ مردود بالأحاديث التي تقدم ذكرها وبقوله ﷺ أيضًا: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وهذا الحديث الصحيح ينقض كل ما لفقه ابن علوي وغيره في تأييد بدعة المولد وبدعة القيام عند ذكر ولادة النبي، ﷺ ويجتث أقوالهم الباطلة من أصلها وليس لأحد قول مع النبي ﷺ .
وقال ابن علوي في ص (٣٠) الوجه الخامس قد يقال إن ذلك في حياته وحضوره، ﷺ وهو في حالة المولد غير حاضر ثم أجاب ابن علوي عن ذلك بقوله في ص (٣١) إن قارئ المولد الشريف مستحضر له، ﷺ بتشخيص ذاته الشريفة فهو ﵊ قادم في العالم الجسماني من العالم النوراني من قبل هذا الوقت بزمن الولادة الشريفة وحاضر عند قول التالي فولد ﷺ بحضور ظلي هو أقرب من حضوره الأصلي ويؤيد هذا الاستحضار التشخيص والحضور الروحاني أنه ﵊، متخلق بأخلاق ربه وقد قال عليه الصلاة
стр. 225
والسلام في الحديث القدسي (أنا جليس من ذكرني) وفي رواية (أنا مع من ذكرني) فكان مقتضى تأسيه بربه وتخلقه بأخلاقه أن يكون ﷺ حاضر مع ذاكره في كل مقام يذكر فيه، بروحه الشريفة ويكون استحضار الذاكر ذلك موجبًا لزيادة تعظيمه ﷺ .
والجواب أن يقال: إن كلام ابن علوي في هذا الموضع قد اشتمل على بلايا شنيعة وطامات فظيعة الأولى منها زعمه أن النبي ﷺ حاضر عند قول التالي فولد ﷺ بحضور ظلي هو أقرب من حضوره الأصلي.
والجواب أن يقال: هذا من الشطحات التي يتوهمها غلاة الصوفية وأتباعهم من الهمج الرعاع الذين قد لعب الشيطان بعقولهم وزين لهم أعمالهم السيئة وأوهمهم حضور الروح النبوية عند بدعهم في المولد وهؤلاء ينطبق عليهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ والنبي ﷺ منزه غاية التنزيه عما يتوهمه الجاهلون من حضور روحه عند بدعهم التي قد حذر منها ﷺ وأمر بردها وأخبر أنها شر وضلالة.
ويقال أيضا إن الحضور الظلي تابع لحضور الذات فلا يتصور حضور ظل بدون حضور الذات التي ينبعث عنها الظل فيلزم على قول ابن علوي أن يكون النبي ﷺ حاضرًا عند بدعة المولد بذاته التي قد انبعث عنها الظل وقد رد ابن علوي في
стр. 226
ص (٢٤)، وص (٢٥) على الذين يظنون أن النبي ﷺ يدخل إلى مجالسهم في بدعة المولد بجسده الشريف عند ذكرهم لولادته وقيامهم من أجله، وقد بالغ ابن علوي في الرد عليهم وتبرأ من هذا الظن، وصرح أنه من الجراءة على مقام رسول الله ﷺ والحكم على جسده الشريف بما لا يعتقده إلا ملحد مفتر وأنه افتراء محض وفيه من الجراءة والوقاحة والقباحة ما لا يصدر إلا من مبغض حاقد أو جاهل معاند. قال والنبي ﷺ أعلى من ذلك وأكمل وأجل من أن يقال في حقه أنه يخرج من قبره ويحضر بجسده في مجلس كذا في ساعة كذا، هذا كلام ابن علوي وهو كلام جيد جدًا لو أنه اقتصر عليه لكنه نقضه بقوله في ص (٣١) إن النبي ﷺ حاضر عند قول التالي فولد ﷺ بحضور ظلي هو أقرب من حضوره الأصلي.
وأقول لا يخفى على عاقل أن الحضور الظلي لا يكون إلا بعد حضور الجسد الذي ينبعث عنه الظل فإذا لم يكن الجسد حاضرًا فإن الظل يكون معدومًا، وهذا معلوم بالضرورة عند كل عاقل، ومن عارض في هذا فإنما يبرهن على كثافة جهله ونقصان عقله.
الثانية: من البلايا والطامات زعمه أن النبي ﷺ متخلق بأخلاق ربه، وهذه كلمة بشعة جدًا من حيث إطلاقها على الله تعالى ومن حيث إطلاقها على النبي ﷺ فأما بشاعتها من حيث إطلاقها على الله تعالى فلأنه شبه الخالق بالمخلوقين ووصفه بصفاتهم وذلك في زعمه أن الرب ﵎ له أخلاق قد تخلق بها النبي ﷺ والأخلاق من
стр. 227
صفات المخلوقين التي لا تطلق على غيرهم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وقال تعالى مخبرًا عن قوم هود إنهم قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ والأحاديث في مدح الأخلاق الحسنة وذم الأخلاق السيئة كثيرة جدًا قال ابن الأثير في النهاية وابن منظور في لسان العرب الخلق بضم اللام وسكونها الدين والطبع والسجية وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها انتهى.
وإذا علم هذا فليعلم أيضا أنه لم يأت في الكتاب ولا في السنة الثابتة عن النبي ﷺ إطلاق الأخلاق على الله تعالى ولم يأت ذلك عن أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان وعلى هذا فإطلاق الأخلاق على الله تعالى بدعة وتشبيه له بخلقه والله ﵎ له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وكما أن له ذاتًا لا تشبه ذوات المخلوقين فكذلك له صفات لا تشبه صفات المخلوقين قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقد قال نعيم بن حماد شيخ البخاري من شبه الله بخلقه كفر ومن جحد شيئًا مما وصف الله به نفسه كفر، وهذا الذي قاله نعيم بن حماد هو مذهب هل السنة والجماعة لا خلاف بينهم في ذلك.
وأما بشاعتها من حيث إطلاقها على الرسول ﷺ فلكونه قد جعله شريكًا لله في صفاته وأفعاله لأن قوله إن الرسول متخلق بأخلاق ربه معناه أنه متصف بصفاته وفاعل مثل أفعاله ويلزم على هذا التشريك والتسوية بين الله وبين رسوله ﷺ أن يكون الرسول ﷺ يخلق
стр. 228
ويرزق ويحيى ويميت ويدبر الأمر ويفعل كل ما هو من خصائص الرب ﵎، وهذا أعظم من شرك أهل الجاهلية لأن أهل الجاهلية كانوا يفردون الرب ﵎ بأفعال الربوبية وإنما كانوا يشركون به في توحيد الألوهية.
الثالثة: من البلايا والطامات قوله فكان مقتضى تأسيه بربه وتخلقه بأخلاقه أن يكون ﷺ حاضرًا مع ذاكره في كل مقام يذكر فيه بروحه الشريفة.
والجواب: أن يُقال إن هذه الكلمة من الشرك الأكبر لأن معنى التأسي بالغير هو الاقتداء به حتى يكون مثله ومعنى التخلق بأخلاقه هو أن يتصف بصفاته حتى يكون مثله، قال ابن منظور في لسان العرب الأسوة القدوة ويقال ائتنس به أي اقتد به وكن مثله، وذكر عن الليث أنه قال فلان يأتسي بفلان أي يرضى لنفسه ما رضيه ويقتدي به وكان في مثل حاله، والقوم أسوة في هذا الأمر أي حالهم فيه واحدة والتأسي في الأمور الأسوة وكذلك المواساة، وقال الهروي تأسى به اتبع فعله واقتدى به انتهى.
وإذا علم معنى التأسي في لغة العرب وأنه اتباع فعل الغير والاقتداء به حتى يكون مثله فليعلم أيضًا أن التأسي والاقتداء إنما يكون من المخلوقين بعضهم لبعض قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ الآية إلى قوله ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ
стр. 229
مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» فأما الرب ﵎ فإنه لا يقدر أحد من المخلوقين أن يتأسى به ويقتدي به حتى يكون مثله قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي هل تعلم له نظيرًا أو مثلا أو شبيهًا مأخوذ من المساماة وهي المماثلة، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ فمن زعم أن أحدًا من المخلوقين يقدر على أن يتأسى بالله ويقتدي به حتى يكون مثله فقد جعله ندًا لله تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
وقد أنكر النبي ﷺ ما هو دون ما زعمه ابن علوي من تأسي النبي ﷺ بربه وتخلقه بخلاقه فأنكر على الذين قالوا له أنت سيدنا وأنكر على الذين قالوا له ما شاء الله وشئت فأما إنكاره على الذين قالوا له أنت سيدنا فقد رواه أبو داود بإسناد صحيح عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه ﵁، قال انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا أنت سيدنا فقال: السيد الله ﵎» قلنا وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا فقال «قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان» وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلا قال يا محمد يا سيدنا وابن سيدنا ويا خيرنا وابن خيرنا فقال رسول الله ﷺ «يا أيها الناس عليكم بتقواكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله » وفي رواية «قولوا بقولكم ولا يستهوينكم
стр. 230
الشيطان» وفي رواية: «ولا يستجرينكم الشيطان» وفي رواية قال «والله ما أحب أن ترفعوني فوق ما رفعني الله ».
وأما إنكاره على الذين قالوا له ما شاء الله وشئت فقد رواه الإمام أحمد بأسانيد حسنة عن ابن عباس ﵄ أن رجلا قال للنبي ﷺ ما شاء الله وشئت فقال له النبي ﷺ : «أجعلتني لله عدلا، بل ما شاء الله وحده» وروى ابن ماجه بإسناد صحيح عن حذيفة بن اليمان ﵄ أن رجلاً من المسلمين رأى في النوم أنه لقي رجلا من أهل الكتاب فقال نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشاء محمد وذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «أما والله إن كنت لأعرفها لكم، قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد» ورواه أيضا بإسناد صحيح من حديث الطفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها عن النبي ﷺ بنحوه، ورواه الإمام أحمد بإسناد صحيح من حديث الطفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها بأطول من حديث حذيفة، ﵁، ورواه الدارمي في مسنده بإسناد صحيح عن الطفيل أخي عائشة ﵄، قال: قال رجل من المشركين لرجل من المسلمين نعم القوم أنتم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد فسمع النبي ﷺ فقال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد» ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث جابر بن سمرة، ﵄ بنحو حديث الطفيل بن سخبرة ﵁.
ومن هذا الباب أيضًا ما رواه الطبراني عن عبادة بن الصامت، ﵁ قال كان في زمن النبي ﷺ منافق
стр. 231
يؤذي المؤمنين فقال بعضهم قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق فقال النبي ﷺ «أنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله».
ومن هذا الباب أيضًا ما رواه الإمام أحمد والبخاري والدارمي عن ابن عباس ﵄ أنه سمع عمر ﵁ يقول على المنبر سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله».
فهذا كله من حماية النبي ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك بالله تعالى، وما جاء في كلام ابن علوي من الغلو والإطراء للنبي ﷺ فليس ببعيد من غلو النصارى في عيسى بن مريم وإطرائهم له.
وأما قول ابن علوي إنه ﷺ يكون حاضرًا مع ذاكره في كل مقام يذكر فيه بروحه الشريفة.
فجوابه أن يقال هذا من توهمات الجهال وشطحاتهم.
وقد قال النبي ﷺ فيما رواه عنه عبد الله بن مسعود ﵁: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام» رواه الإمام أحمد والنسائي والدارمي بأسانيد صحيحة على شرط مسلم. ورواه أيضًا ابن حبان في صحيحه وفيه رد على من توهم أن النبي ﷺ يكون حاضرًا مع ذاكره في كل مقام يذكر فيه بروحه الشريفة؛ لأنه لو كان الأمر على ما زعمه هذا المتكلف القائل بغير علم لكان النبي ﷺ يسمع سلام
стр. 232
الذين يسلمون عليه في الأقطار البعيدة والقريبة ولا يحتاج إلى التبليغ من الملائكة.
وقد نقل الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله تعالى، في «شرح التوحيد» عن «الفتاوى البزازية» من كتب الحنفية أن المؤلف قال: قال علماؤنا من قال أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر، قال الشيخ سليمان فإن أراد بالعلماء علماء الشريعة فهو حكاية للإجماع على كفر معتقد ذلك وإن أراد علماء الحنفية خاصة فهو حكاية لاتفاقهم على كفر معتقد ذلك انتهى.
وإذا علم ما ذكره صاحب "الفتاوى البزازية" عن العلماء فليعلم أيضًا أنه لا فرق بين من زعم أن النبي ﷺ يكون حاضرًا مع ذاكره في كل مقام يذكر فيه بروحه الشريفة، وبين من قال إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم، فليتأمل ابن علوي ما ذكره صاحب "الفتاوى البرازية" عن العلماء وليراجع الحق فإن الرجوع إلى الحق خير له من التمادي في الباطل.
وفي ص (٣٢) إلى ص (٤٠) ذكر ابن علوي عددًا من الذين صنفوا في المولد وذكر منهم الحافظ ابن كثير، وقد ذكرت في آخر الرد على الكاتب المجهول الذي قد نشرت مقالته في مجلة المجتمع الكويتية أن ابن كثير قد ألف في المولد رسالة مختصرة وقد ذكرها ابن علوي في ص (٣٩) وكل ما ذكره ابن كثير فيها فالظاهر أنه قد ذكره في "البداية والنهاية" ولكنه لم يتعرض في "البداية والنهاية" ولا في الرسالة لحكم الاحتفال بالمولد. وأما ابن ناصر الدين والعراقي فلا أدري هل كانا يقولان بجواز الاحتفال بالمولد أم لا فإني لم أر شيئًا مما كتباه في المولد.
стр. 233
وأما الذين قالوا بجواز الاحتفال بالمولد وقالوا إنها بدعة حسنة فهم محجوجون بقول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» ومحجوجون أيضًا بتحذير النبي ﷺ من المحدثات ونصه على إنها شر وضلالة وأنها في النار، ولا قول لأحد مع النبي ﷺ .
فصل: وأما المقام الثاني وهو ما يتعلق بسياقة النساء للسيارات
فقد كثر الخوض والجدال فيه من ذوي القلوب المريضة وأدعياء الأدب والثقافة وأكثروا من الدعاوي الباطلة في معارضة القائلين بمنع النساء من السفور وسياقة السيارات وغير ذلك من أسباب الشر والفساد وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
ومن هذا الباب قول يوسف بن هاشم الرفاعي في سياقة النساء للسيارات إنه جائز ومباح، قال وباب سد الذرائع في هذه المسألة تجاوزه الوقت.
كذا قال الرفاعي ولم يأت بدليل على ما ادعاه من الجواز والإباحة وتجاوز الوقت لباب سد الذرائع، وقد قال النبي ﷺ : «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عباس ﵄ وقال الشاعر:
стр. 234
والدعاوي ما لم يقيموا عليها ... بينات أبناؤها أدعياء
والجواب عن دعاوي الرفاعي من وجوه:
أحدها: أن يقال إن المرأة عورة بنص رسول الله ﷺ كما سيتي في حديث ابن مسعود ﵁ والعورة يجب سترها ولا يجب كشفها إلا لمن يباح لهم النظر إليه، وسياقة المرأة للسيارة يستدعي كشف الوجه واليدين منها عند الرجال الأجانب وذلك غير جائز كما سيأتي بيان ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني: أن يقال إن المرأة إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان كما سيأتي النص على ذلك في حديث ابن مسعود ﵁، ومعناه أن الشيطان يتعرض لها بالفتنة فيفتنها بالرجال ويفتن الرجال بها، وسياقة المرأة للسيارة وذهابها حيث شاءت من البلد وخارج البلد فيه أعظم تعريض للفتنة، وما كان سببًا للفتنة فإنه يجب المنع منه، وقد روى الطبراني في الكبير عن عبد الله بن مسعود، ﵁، أنه قال: «إنما النساء عورة وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها بأس فيستشرفها الشيطان، فيقول إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبته، وإن المرأة لتلبس ثيابها فيقال أين تريدين فتقول أعود مريضًا أو أشهد جنازة أو أصلي في مسجد وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها» قال المنذري: إسناده حسن وقال الهيثمي: رجاله ثقات.
الوجه الثالث: إن النبي ﷺ رغب المرأة في لزوم بيتها فقال فيما رواه عنه ابن مسعود، ﵁: «المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وإنها أقرب ما تكون إلى الله وهي في
стр. 235
قعر بيتها» رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والطبراني في الكبير والأوسط، وروى الترمذي أوله وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وفي ترغيب النبي ﷺ المرأة في لزوم بيتها دليل على أنه ينبغي لها أن تقلل الخروج من بيتها فلا تخرج منه إلا لحاجة لا بد منها وسياقة المرأة للسيارة تستدعي كثرة خروجها من بيتها وهو مخالف لما رغبها فيه رسول الله ﷺ .
الوجه الرابع: أن يقال إن سياقة النساء للسيارات تكون في الغالب وسيلة إلى أشياء محرمة، وما كان وسيلة إلى شيء محرم فهو محرم لأن الوسائل لها حكم الغايات والمقاصد، فمن ذلك كشف الوجوه عند الرجال الأجانب وهو من أعظم أسباب الفتنة ولا سيما إذا كانت المرأة شابة وجميلة، وقد قال رسول الله ﷺ «ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه من حديث أسامة بن زيد ﵄ ورواه مسلم أيضًا والترمذي من حديث أسامة بن زيد وسعيد بن عمرو بن نفيل، ﵄، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وروى الإمام أحمد ومسلم أيضًا عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» وروى الترمذي بعضه في حديث طويل، ورواه ابن ماجه مختصرًا أيضًا وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على مشروعية التستر
стр. 236
للنساء في جميع أبدانهن إذا كن بحضرة الرجال الأجانب، وجاء عن الصحابة ﵃ آثار كثيرة في ذلك وحكى بعض العلماء الإجماع على ذلك كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى فأما الأدلة من الكتاب ففي ثلاث آيات منه: إحداهن قول الله تعالى في سورة الأحزاب ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال الجوهري: الجلباب الملحفة وقال ابن حزم الجلباب في لغة العرب التي خاطبنا بها رسول الله ﷺ : هو ما غطى جميع الجسم لا بعضه، وقال ابن الأثير: الجلباب ما يتغطى به الإنسان كله من ثوب أو إزار، وقال البغوي: هو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، وقال ابن كثير في تفسيره: هو الرداء فوق الخمار قاله ابن مسعود وعبيدة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وعطاء الخراساني وغير واحد.
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس، ﵄ في هذه الآية قال أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة، وروى الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة السلماني عن قول الله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فرفع ملحفة كانت عليه فتقنع بها وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين وغطى وجهه وأخرج عينه اليسرى.
وقال الواحدي قال المفسرون: يغطين وجوههن ورؤوسهن إلا
стр. 237
عينًا واحدة فيعلم أنهن حرائر فلا يعرض لهن بأذى وبه قال ابن عباس ﵄.
وقال الزمخشري في الكشاف: ومعنى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن، يقال إذا زل الثوب عن وجه المرأة أدنى ثوبك على وجهك وذلك أن النساء كن في أول الإسلام على هجيراهن في الجاهلية متبذلات تبرز المرأة في درع وخمار لا فصل بين الحرة والأمة وكان الفتيان وأهل الشطارة يتعرضون إذا خرجن بالليل إلى مقاضي حوائجهن في النخيل والغيطان للإماء وربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة يقولون حسبناها أمة فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرءوس والوجوه ليحتشمن ويهبن فلا يطمع فيهن طامع وذلك قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ أي أولى وأجدر بأن يعرفن فلا يتعرض لهن ولا يلقين ما يكرهن انتهى.
وقال أبو حيان في تفسيره: كان دأب الجاهلية أن تخرج الحرة والأمة مكشوفتي الوجه في درع وخمار وكان الزناة يتعرضون إذا خرجن بالليل لقضاء حوائجهن في النخيل والغيطان للإماء وربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة يقولون حسبناها أمة فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرءوس والوجوه ليحتشمن ويهبن فلا يطمع فيهن، وقال السدي تغطى إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين، وكذا عادة بلاد الأندلس لا يظهر من المرأة إلا عينها الواحدة، والظاهر أن قوله ونساء المؤمنين يشمل الحرائر والإماء لأن الفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح و "من" في جلابيبهن للتبعيض
стр. 238
وعليهن شامل لجميع أجسادهن أو عليهن على وجوههن لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه انتهى.
وقال ابن جزي الكلبي: في تفسيره المسمى "كتاب التسهيل لعلوم التنزيل" كان نساء العرب يكشفن وجوهن كما تفعل الإماء وكان ذلك داعيًا إلى نظر الرجال لهن فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن ويفهم الفرق بين الحرائر والإماء والجلابيب جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار، وقيل هو الرداء، وصورة إدنائه عند ابن عباس ﵄ أن تلويه على وجهها حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها انتهى.
الآية الثانية: قول الله تعالى في سورة النور: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ الآية.
الآية الثالثة: قوله تعالى في سورة النور ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقد ذكرت كلام العلماء على هذه الآية والآية التي قبلها في كتاب "الصارم المشهور على هل التبرج والسفور" فليراجع هناك.
فصل: وأما الأدلة من السنة على مشروعية استتار النساء عن الرجال الأجانب
ففي أحاديث كثيرة منها حديث عائشة، ﵂ قالت: رأيت رسول الله ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد متفق عليه.
стр. 239
ومنها حديث مسلمة ﵂، قالت كنت عند رسول الله ﷺ وعنده ميمونة فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب فقال النبي ﷺ «احتجبا منه» فقلنا يا رسول الله أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا فقال النبي ﷺ : «أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه» رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال النووي هو حديث حسن. وقال الحافظ ابن حجر إسناده قوي، ورد النووي وابن حجر على من تكلم فيه بغير حجة وبوب الترمذي عليه بقوله: باب ما جاء في احتجاب النساء من الرجال" وهذا التبويب مفيد بما فهمه الترمذي من عموم الحكم لجميع نساء هذه الأمة وأنه ليس خاصًا بأزواج النبي ﷺ والخطاب وإن كان قد وقع معهن فغيرهن تبع لهن.
ومنها حديث فاطمة بنت قيس، ﵂، أن رسول الله ﷺ أمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال: «تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك» الحديث رواه مالك والشافعي وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي، وفي رواية لمسلم فإنك إذا وضعت ثيابك لم يرك.
وفي رواية لأحمد نحوه، وفي رواية للنسائي أن النبي ﷺ قال لها: «انطلقي إلى أم شريك» وأم شريك امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله ينزل عليها الضيفان قلت سأفعل قال: «لا تفعلي فإن أم شريك كثيرة الضيفان فإني أكره أن يسقط منك خمارك أو ينكشف الثوب عن ساقيك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين» الحديث. وفيه دليل على أنه لا يجوز
стр. 240
للمرأة وضع ثيابها عند البصير من الرجال الأجانب وذلك يقتضي ستر وجهها وغيره من أعضائها عنهم.
ومنها حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين» رواه الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن إلا ابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى هذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن انتهى.
ومنها حديث عائشة ﵂ قالت «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه» رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والدراقطني.
ورواه ابن ماجة أيضًا عن عائشة، ﵂ عن النبي ﷺ بنحوه وبوب عليه أبو داود بقوله: «باب في المحرمة تغطي وجهها» وبوب عليه ابن ماجه بقوله «باب المحرمة تسدل الثوب على وجهها» وهذا التبويب مفيد بما فهمه أبو داود وابن ماجه من عموم الحكم لجميع نساء المؤمنين.
ومنها حديث أم سلمة ﵂ قالت كنا نكون مع رسول الله ﷺ ونحن محرمات فيمر بنا الراكب فتسدل المرأة الثوب من فوق رأسها على وجهها، رواه الدارقطني.
стр. 241
ومنها حديث أم سلمة أيضًا، ﵂ قالت قال لنا رسول الله ﷺ : «إذا كان لإحداكن مكاتب فكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه» رواه الشافعي وأحمد وأهل السنن والحكم في مستدركه وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضًا الحاكم والذهبي.
ومنها حديث عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: «المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان» رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والطبراني في الكبير والأوسط وزادوا فيه «وإنها أقرب ما تكون إلى الله وهي في قعر بيتها» هذا لفظ الطبراني قال المنذري: ورجاله رجال الصحيح وقال الهيثمي: رجاله موثقون.
قال ابن الأثير: العورة هي كل ما يستحيا منه إذا ظهر، قال ومنه الحديث «المرأة عورة» جعلها نفسها عورة لأنها إذا ظهرت يستحيا منها انتهى.
وقال الراغب الأصفهاني: العورة أصلها من العار وذلك لما يلحق من ظهورها من العار أي المذمة ولذلك سمي النساء عورة انتهى.
وقال المناوي في قوله: «المرأة عورة» أي هي موصوفة بهذه الصفة، ومن هذه صفته فحقه أن يستر والمعنى أنه يستقبح تبرزها وظهورها للرجال انتهى.
وأما قوله: استشرفها الشيطان فمعناه أنه تطلع إليها وتعرض لها
стр. 242
بالفتنة قال الطيبي: والمعنى أنها ما دامت في خدرها لم يطمع فيها وفي إغواء الناس فإذا خرجت طمع وأطمع؛ لأنها حبائله وأعظم فخوخه انتهى.
وهذا الحديث يدل على أن جميع أجزاء المرأة عورة في حق الرجال الأجانب وسواء في ذلك وجهها وغيره من أعضائها وقد نقل أبو طالب عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال ظفر المرأة عورة فإذا خرجت من بيتها فلا تبن منها شيئًا ولا خفها فإن الخف يصف القدم وأحب إلي أن تجعل لكمها زرًا عند يدها حتى لا يبين منها شيء.
وظاهره هذه الرواية أن المرأة كلها عورة في حق الرجال الأجانب فلا يجوز لها أن تبدي عندهم شيئًا من جسدها حتى ولا الظفر، وقد ذكر الخطابي عن أحمد، رحمه الله تعالى أنه قال المرأة تصلي ولا يرى منها شيء ولا ظفرها، وذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية، رحمه تعالى عن أحمد رحمه الله تعالى أنه قال كل شيء منها عورة حتى ظفرها، قال الشيخ وهو قول مالك انتهى.
والأحاديث الدالة على مشروعية استتار النساء عن الرجال الأجانب كثيرة جدًا وقد ذكرت جملة منها في كتاب «الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور» فلتراجع هناك.
فصل
وأما الآثار عن الصحابة ﵃:
فكثيرة منها ما ذكره البغوي في تفسيره عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه
стр. 243
قال في قول الله : ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ قال: «ليست بسلفع من النساء خرّاجة ولاّجة ولكن جاءت مستترة قد وضعت كم درعها على وجهها استحياء» ورواه ابن أبي حاتم بإسناد صحيح والحاكم في مستدركه وقال صحيح: على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه.
قال الجوهري: السلفع من الرجال الجسور ومن النساء الجريئة السليطة، وقال ابن الأثير وابن منظور: السلفعة هي الجريئة على الرجال انتهى والولاجة الخراجة هي كثيرة الدخول والخروج.
ومنها ما رواه سعيد بن منصور حدثنا هشيم حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: «تسدل المرأة جلبابها من فوق رأسها على وجهها» إسناده صحيح على شرط الشيخين وقد رواه أبو داود في كتاب المسائل عن الإمام أحمد عن هشيم به مثله وقال فيه «تسدل المحرمة» بدل المرأة وروى وكيع عن شعبة عن يزيد الرشك عن معاذة العدوية قالت: سألت عائشة ﵂ ما تلبس المحرمة فقالت: «لا تنتقب ولا تتلثم وتسدل الثوب على وجهها» ذكره ابن القيم، رحمه الله تعالى في "إعلام الموقعين" ورجاله رجال الصحيح.
ومنها ما رواه أبو داود في كتاب "المسائل" حدثنا حمد يعني ابن محمد بن حنبل قال: حدثنا يحيى وروح عن ابن جريح قال أخبرنا عطاء قال: خبرنا أبو الشعثاء أن ابن عباس ﵄ قال: «تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به» قال روح في حديثه قلت: وما لا تضرب به فأشار لي كما تجلبب المرأة ثم أشار لي ما على خدها
стр. 244
من الجلباب قال: «تعطفه وتضرب به على وجهها كما هو مسدول على وجهها» إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ومنها ما رواه الحاكم في مستدركه عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر، ﵄ قالت: «كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام» قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه قال ابن القيم رحمه الله تعالى في "تهذيب السنن" ثبت عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة انتهى، وفي تعبير أسماء ﵂ بصيغة الجمع في قولها «كنا نغطي وجوهنا من الرجال» دليل على أن عمل النساء في زمن الصحابة ﵃ كان على تغطية الوجوه من الرجال الأجانب.
ومنها ما رواه مالك في الموطأ عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر قالت: «كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق، ﵂».
ومنها ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن عائشة ﵂ في قصة الإفك قالت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش فأدلج فصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني وكان قد رآني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي الحديث.
ومنها ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن صفية بنت شيبة قالت: حدثتنا أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول
стр. 245
الله يرجع الناس بنسكين وأرجع بنسك واحد فأمر أخي عبد الرحمن فأعمرني من التنعيم وأردفني خلفه على البعير في ليلة حارة فجعلت أحسر عن خماري فتناولني بشيء في يده فقلت هل ترى من أحد.
وهذه الآثار تدل على أن احتجاب النساء من الرجال الأجانب في حال الإحرام وغيره كان هو المعروف المعمول به عند نساء الصحابة فمن بعدهن، قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في تفسير سورة النور قد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ لما دخل بصفية قال أصحابه إن أرخى عليها الحجاب فهي من أمهات المؤمنين وإن لم يضرب عليها الحجاب فهي مما ملكت يمينه فضرب عليها الحجاب، وإنما ضرب الحجاب على النساء لئلا ترى وجوههن وأيديهن والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي ﷺ وخلفائه أن الحرة تحتجب والأمة تبرز وكان عمر ﵁ إذا رأى أمة مختمرة ضربها وقال أتتشبهين بالحرائر أي لكاع إلى أن قال: والأمة إذا كان يخاف بها الفتنة كان عليها أن ترخي من جلبابها وتحتجب ووجب غض البصر عنها ومنها انتهى.
فصل
وأما الإجماع على مشروعية احتجاب النساء عن الرجال الأجانب:
فقد نقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن ابن المنذر أنه قال: أجمعوا على أن المرأة المحرمة تلبس المخيط كله والخفاف وأن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها إلا وجهها فتسدل عليه الثوب سدلا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال الأجانب.
стр. 246
قلت: وهذا يقتضي أن غير المحرمة مثل المحرمة فيما ذكر بل أولى، ونقل الشوكاني في نيل الأوطار عن ابن رسلان أنه حكى اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ما ملخصه أن العمل استمر على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال ونقل عن الغزالي أنه قال: لم تزل النساء يخرجن منتقبات انتهى.
فصل
ومن الأمور المحرمة أيضًا سفر المرأة بدون محرم:
وإذا كانت المرأة تسوق السيارة وتذهب حيث شاءت فإنها حينئذ تكون على خطر عظيم وتكون مثارًا للفتنة ومطمعًا للفساق ولا بد أن تذهب إلى أي بيت أو مكان إرادته بدون رقيب وأن تخلو مع من شاءت من الرجال الأجانب بدون رقيب، ولا بد أيضًا أن تسافر بدون محرم وأن تخرج إلى التنزه في البرية بدون محرم وحينئذ تكون فريسة لذئاب الرجال وكلابهم وكما أن الشاة لا يؤمن عليها من الذئاب والكلاب إذا لم يكن معها راع يحميها منهن فكذلك المرأة لا يؤمن عليها من ذائب الرجال وكلابهم إذا كانت تسوق السيارة وتذهب وتجيء حيث شاءت وتسافر وتخرج إلى البرية بدون محرم، وقد نهى رسول الله ﷺ أن تسافر المرأة بدون محرم وأن تخلو مع الرجال الأجانب صيانة للنساء عن الوقوع فيما يدنس ويشين وحسمًا لمادة الشر والفساد.
والأحاديث في نهي النساء عن السفر بدون محرم كثيرة وقد ذكرت جملة منها في كتاب «الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور» فلتراجع هناك، وأعمها حديث ابن عباس ﵄ قال:
стр. 247
سمعت النبي ﷺ يخطب يقول: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» لحديث. رواه الشافعي وأحمد والبخاري ومسلم، والعمل على هذا الحديث عند أكثر العلماء قال النووي كل ما يسمى سفرًا تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يومًا أو بريدًا أو غير ذلك لرواية ابن عباس ﵄ المطلقة «لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم» وهذا يتناول جميع ما يسمى سفرًا انتهى، وهذا الذي قاله النووي موافق لما نقله الميموني عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى فإنه قال قلت لأحمد تحج المرأة من مكة إلى منى بغير محرم قال: لا يعجبني قلت لم. قال لأن مذهبنا لا تسافر امرأة سفرًا إلا مع ذي محرم وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري قد عمل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقييدات انتهى.
وقال النووي ليس المراد من التحديد ظاهره بل كل ما يسمى سفرًا فالمرأة منهية عنه إلا بالمحرم وإنما وقع التحديد عن أمر واقع فلا يعمل بمفهومه انتهى، ونقل الزرقاني عن الأبي أنه قال الفقه جمع أحاديث الباب فحق الناظر أن يستحضر جميعها وينظر أخصها فينيط الحكم به، وأخصها باعتبار ترتيب الحكم عليه يوم لأنه إذا امتنع فيه امتنع فيما هو أكثر ثم أخص من يوم وصف السفر المذكور في جميعها فيمنع في أقل ما يصدق عليه اسم السفر، ثم أخص من اسم السفر الخلوة بها فلا تعرض المرأة نفسها بالخلوة مع أحد وإن قل الزمن لعدم الأمن لا سيما مع فساد الزمن، والمرأة فتنة إلا فيما جبلت عليه النفوس من النفرة من محارم النسب انتهى.
وقال ابن العربي المالكي النساء لحم علي وضم إلا ما ذب عنه
стр. 248
كل أحد يشتهيهن وهن لا مدفع عندهن، بل ربما كان الأمر إلى التخلي والاسترسال أقرب من الاعتصام فحض الله عليهن بالحجاب وقطع الكلام ومباعدة الأشباح إلا مع من يستبيحها وهو الزوج أو يمنع منها وهم أولو المحرمية ولما لم يكن بد من تصرفهن أذن لهن فيه بشرط صحبة من يحميهن وذلك في مكان المخالفة وهو السفر مقر الخلوة ومعدن الوحدة انتهى.
وقال النووي المرأة مظنة الطمع فيها ومظنة الشهوة ولو كبيرة وقد قالوا لكل ساقطة لاقطة، ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطهم من لا يترفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته وقلة دينه ومروءته وحيائه انتهى.
فصل
ومن الأمور المحرمة أيضًا خلوة المرأة مع الرجل الأجنبي:
وسياقة النساء للسيارات من أعظم الأسباب لخلوتهن مع الرجال الأجانب في بيوتهم وفي المنتزهات والبرية، والخلوة بالأجنبية من أعظم الذرائع وأقرب الطرق إلى وقوع الفاحشة الكبرى وقد صرح القرطبي في تفسير سورة الممتحنة بأن الخلوة بغير محرم من الكبائر ومن أفعال الجاهلية وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ لا تخلو المرأة بالرجال ذكره البغوي في تفسيره وذكر أيضًا عن سعيد بن المسيب والكلبي وعبدا لرحمن بن زيد أنهم قالوا: لا تخلو برجل غير ذي محرم ولا تسافر إلا مع ذي محرم.
وقد نهى رسول الله ﷺ عن الخلوة بالأجنبية، وشدد في ذلك، والأحاديث في ذلك كثيرة، منها حديث ابن عباس
стр. 249
رضي الله عنهما قال سمعت النبي ﷺ يخطب يقول: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم» الحديث رواه الشافعي وأحمد والبخاري ومسلم.
ومنها حديث عمر بن الخطاب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» رواه الإمام أحمد والترمذي والحاكم في مستدركه وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومنها حديث جابر، ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان» رواه الإمام أحمد وإسناده حسن.
ومنها حديث عامر بن ربيعة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له فإن ثالثهما الشيطان إلا محرم» رواه الإمام أحمد وفي إسناده ضعف، والأحاديث الصحيحة تشهد له وتقويه.
ومنها حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس بينه وبينها محرم» رواه الطبراني في الكبير، ورواه أيضًا في الأوسط ولفظه «لا يدخل رجل على امرأة إلا وعندها ذو محرم» قال الهيثمي فيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات.
ومنها حديث أبي أمامة ﵁ عن رسول الله ﷺ -
стр. 250
قال: «إياك والخلوة بالنساء والذي نفسي بيده ما خلا رجل بامرأة إلا ودخل الشيطان بينهما ولأن يزحم رجل خنزيرًا متلطخًا بطين أو حمأة خير له من أن يزحم منكبه منكب امرأة لا تحل له» رواه الطبراني.
ومنها حديث عقبة بن عامر، ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والدخول على النساء» فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أفرأيت الحمو قال: «الحمو الموت» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، قال: وفي الباب عن عمر وجابر وعمرو بن العاص، وقال مسلم رحمه الله تعالى وحدثني أبو الطاهر أخبرنا ابن وهب قال: وسمعت الليث بن سعد يقول: الحمو أخو الزوج وما أشبهه من أقارب الزوج ابن العم ونحوه، وقال الترمذي: إنما معنى كراهية الدخول على النساء على نحو ما روي عن النبي ﷺ قال: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» ومعنى قوله الحمو يقال: الحمو أخو الزوج كأنه كره له أن يخلو بها، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري قوله: «إياكم والدخول» بالنصب على التحذير وهو تنبيه المخاطب على محذور ليحترز عنه كما قيل. إياك والأسد. وقوله إياكم مفعول بفعل مضمر تقديره اتقوا وتقدير الكلام اتقوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء والنساء أن يدخلن عليكم، وتضمن منع الدخول منع الخلوة بها بطريق الأولى، انتهى.
ومنها حديث عمرو بن العاص ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ «نهانا أن ندخل على المغيبات» رواه الإمام أحمد.