الزُّهْريَّ، وأبوَي القاسم: عبدَ الرّحمن بن إسحاقَ المَزياتيَّ الفاسيَّ بها، وعامرَ بن هِشَام، والحاجَّ أبا يَخلُف حمَامةَ بن محمد بن عِمرانَ الزّمُوريَّ بها. ورأى أبا القاسم محمدَ بن عبد الواحِد المَلّاحيَّ بغَرْناطةَ ولم يتَعرَّفْ له، وأجازوا له.
وأجاز له ممّن لم يَذكُرْ لقاءه إيّاهم، وإن كان يَغلِبُ على الظنِّ أنه لقِيَهم أو أكثرَهم: أبو إسحاقَ ابنُ القُرطُبي، وأبَوا جعفر: ابنُ عليّ ابن الفَحّام وابنُ مَسْعود، وأبو الحَسَن القَسْطَليّ، وأبو زَيْدٍ القُمارِشيّ، وأبَوا عبد الله: ابنُ حَرِيرةَ وابنُ عِيَاض، وأبو عيسَى بن أبي السَّدَاد، وأبو محمدٍ الباهِليّ، وأبو المكارم قاصِدُ بن يَعمُر.
وكتَبَ إليه مُجيزًا ولم يَلْقَه من أهل الأندَلُس: أبو إسحاقَ الزَّوَاليّ، وأبو بكرٍ عبدُ الرّحمن بن دَحْمانَ، وآباءُ الحَسَن: ابنُ البَنّاد وثابتٌ الكَلَاعيُّ والشَّقُوريُّ وابن هِشَام الشَّرِيشيّ، وأبَوا الرَّبيع: ابنُ حَكِيم وابنُ سالم، وبَعَثَ إليه بجُملةٍ وافرة من مصنَّفاتِه، قال (١): وانتَفعتُ به رضيَ اللهُ [٩٨ ظ] عنه وإن كان في شَرْق البلادِ وكنتُ في غَرْبِها، واستَفَدتُ منه على بُعد الدارِ ما لم أستفِدْه من سِواه على قُربِها؛ وآباءُ عبد الله: ابن سَعادةَ والشَّوّاشُ وابنُ صاحبِ الأحكام وابنُ صَلَتَانَ وابنُ عبد البَرّ وابن المُناصِف، وأبو العبّاس بنُ يَزيدَ العُكّاشِيّ، وأبو عِمرانَ السَّخّانُ، وأبَوا عَمْرٍو: ابن بَشِير وابن عَيْشُون، وأبو القاسم الطَّرَسُوني، وأبَوا محمد: عبدُ الصَّمد اللَّبسيّ وابن المَلِيح؛ ومن أهل تِلِمْسينَ: أبو عبد الله بن عبد الحقّ، ومن أهل القاهرةِ: كمالُ الدِّين أبو البَرَكات عبدُ القويّ بن أبي المَعالي عبد العزيز بن الحُسَين بن عبد الله بن أحمدَ التَّميميُّ السَّعْديُّ الصِّقِلِّيُّ الأصل ابنُ الجَبَّاب (٢)، وخَطيبُها جمالُ الدِّين أبو الحَسَن عليُّ بن هبة الله بن سَلامةَ بن
стр. 1227
المُسَلَّم بن عليِّ بن هبة الله اللَّخْميُّ ابن الجُمَّيْزِي، وقاضي القُضاة بها زينُ الدِّين أبو الحَسَن عليُّ بن يوسُفَ بن عبد الله بن بُنْدارٍ الدِّمشقي، وحَيْدرُ بن محمودٍ الأنصاريُّ الشافعيُّ، وعبدُ القادر بن أبي عبد الله البغداديّ، وعبدُ القادر بن محمد ابن سَعِيد بن جَحْدَر الفارِسيُّ، ونَصْرُ بن محمد بن المُظفَّر بن أبي الفُنون (١) النَّحْويّ؛ ومن أهل مِصرَ: أبو الفَضْل أحمدُ بن أبي عبد الله محمد بن أبي المَعالي عبد العزيز ابنُ الجَبَّاب (٢) ابنُ أخي أبي البَرَكات المذكور، وبُرهانُ الدِّين أبو محمدٍ عبدُ العزيز بن سَحْنُون بن عليّ الغُمَاريُّ الخالِدي (٣)، وتَقيُّ الدِّين أبو الطاهِر إسماعيلُ بن ظافِر بن عبد الله العُقَيْليّ، وأبو [الوفاء] (٤) عَوَض بن محمودِ بن صَاف بن علي بن إسماعيلَ الحِمْريُّ البُوْشِيُّ، وأبو الحَسَن عليُّ بن عبد الصَّمد ابن محمد ابن الرَّمّاح، وأبو عبد الله محمد بن عُمرَ بن يوسُفَ الأنصاريُّ القُرطُبيّ؛ وذَكَرَ في شيوخِه الأندَلُسيِّين أبا محمد بنَ عَطِيّةَ المالَقيّ، وأبا مَرْوانَ بن سُليمانَ بن عيسى الأنصاريّ، ولم يُبيِّنْ كيف أخْذُهُ عنهما؛ وله شيوخٌ غير مَن ذُكِرَ، منهم: ابنُ عُفَيْر وأبو العبّاس ابنُ الرُّوميّة (٥) [....] (٦).
ولمّا وَرَدَ أبو عبد الله بنُ عابِد الأندَلُسَ وتعرَّضَ فيها للتلبُّس بالكتابة عن بعض رؤسائها، خاطَبَه أبو عبد الله ابنُ الجَنّان برسالةٍ التزَمَ العينَ في كلماتِه جُمَع، وهي هذه [٩٩ و] [الكامل]:
يا ظاعنًا عنَّا ظعَنْتَ بعِصمةٍ ... ورجَعْتَ معتمِدًا بعزٍّ صاعدِ
البازغةُ تَسطُع، وآياتُ بَراعتِه بالحِكَم البالغة تصدَع، كتَبَ مقتبِسُ أنوارِ إفادتِه، وملتمِسُ الزُّلفى بأداءِ حقِّ سيادتِه، المؤثَرُ المبتدَر لتمشيةِ إشارتِه وتوفيةِ إرادتِه فلان؛ وقد وافاني أيها العَلَمُ الذي سحَرتْ نفائسُ أنفاسِه، وتفخَرُ الطُّروسُ بلطوخ أنقاسِه، من قِبَلِكم كتابان (١) استبَقَا على نَسَق، بل شِهابانِ ائتلَفا في غَسَق، أمّا أحَدُهما فأشار إلى تقدُّم خطابٍ لم أحظَ لعَدَم البَخْت بتَلاق، وأثار بذكْرِ الرسالة النُّونيّةِ النُّورِيّة كوامنَ أشواق، ومَن لي أن تسمحَ الأيامُ بلقائها، أو تسنَحَ سانحة قَبولٍ من تِلقائها، حتى أتوسَّم مشرقَّ محُيَّاها، وأتنسَّمَ عبَقَ رَيّاها، وأتنعَّمَ بإدالةِ قُربِها من نَواها، وأتعلَّمَ إعجازَ الصدورِ والإعجاز من فَحْواها؛ ليتَها ورَدَت فسَرَدت جوامعَ البيان، وبهَرَت مداركَ السَّمع والعِيَان، فلقد قَضَتْ للنُّون بالشُّفوف، وأحظَتْها بالمَزِيّة على سائرِ الحروف، فطار ذكْرُها في الآفاق، وفاق قَدْرُها في الأعلاق، وترفَّعت عن الميم وهي مُؤاخيتُها في الجَهْرِ والغُنَّة، وادَّعَتْ فما نُوزعتْ أنّ لها في [١٠٦ و] ذواتِ الإعجام حَوْزَ الزعامة وقَوَدَ الأعِنّة؛ وبالتفاتِ سيِّدي إياها فازَت بهذا الشَّرف وحُقَّ لها؛ وامتازتْ عن نظائرِها من الأحرُف حين استعمَلَها؛ وأمّا الآخَرُ فإنه جَلا صُوَرًا تُحرزُ الجمالَ والحُسن، وتلا سُوَرًا تُعجِزُ المصافعَ اللُّسْن، وأهدى دُرَرًا يحِقُّ لها الادّخارُ والخَزْن، وكسا حِبْرًا لم يُخلَعْ مثلُها على الرَّوض المُزْن؛ حقًّا! إنّ سيِّدي وله الفَضْلُ والمنّ، ألقَى عليّ حُلى نفاستِه التي بمثلِها يُنْفَسُ ويُضَنّ، وعَزَا إليّ علا رياستهِ التي على غير أعطافِه لا تُسَنّ، فلو حَسُنْتُ بنفسي ظنًّا، وانتَحَلْتُ ما عليّ خَلَعَهُ ممتنًّا، لقيل: "بكَى الخَزُّ من رَوْح" (٢)، وشَدَا الحَمامُ في غير دَوْح، ومَنْ لي بمجاراةِ مَنْ حَوى مدى الحَلبةِ متوهِّلًا فلم يُدْرَك، ومساماةِ من تبوَّأ عليَّ الرُّتبةِ متأهلًا فلم يُشرَك؟ أمَا إنّ الفِكرَ دونَ مُداناة أدنى
стр. 1248
عَفوهِ لَطليح، وإنّ الاعترافَ بالعجز لَمريح وحَسْبي وقد بلَّحْتُ، وصرَّحتُ من قُصوري بما صَرَّحت، عهدٌ صحيح، ووُدٌّ صريح، وثناءٌ لا أُرِيمُه ما طلَعَتْ شمسٌ وهبَّت ريح، إن شاء اللهُ تعالى؛ وأستنهضُ سيِّدي اقتضاءَ جوابِ المقام الإماريِّ المتوكِّلي -أيَّده اللهُ تعالى- عن كتابَيْه المُوافيَيْنِ بالتهنِيَة، الوافيَيْنِ لشكرِ الله على ما أَوْلى في مُستجلَى صُنعهِ الجميل من التيسيرِ والتَّسنِية، وقد انتهَيْتُ إلى العمل بتلك الإشارة، وأدَّيتُ المعنى وإن قَصَّرتُ في العبارة، وأبدَيْتُ في حقِّه ما يجبُ لدى مَثابةِ الإمارة، والجوابُ واصلٌ إلى سيِّدي صُحبةَ هذا المكتتِب، وقادمٌ من جَنابِه الرَّحْبِ على مَعْلمِ العلم ومُنتْدَى الأدب، بحولِ الله تعالى، وهو سبحانه يَزِينُ السيادةَ بطُولِ بقائه، ويَزيدُ الإفادة بحُسنِ لقائه، بمنِّه وفَضْلِه.
وكتَبَ أبو المُطَرِّف بن عَمِيرةَ، وهو قاضٍ برِباطِ الفَتْح، إلى شيخِنا أبي الحَسَن الرُّعَيْنيِّ وهُو بسَبْتةَ [الكامل]:
قلبي على شَرْع الصَّفاءِ أبا الحَسَنْ ... لكَ طائعًا فَرْضَ الهوى والمدحَ سَنّ
ووحقِّ مَن جمَعَ المحاسنَ فيك ما ... أبصَرتُ بعدَك ما يقالُ له: حَسَنْ
كتابي إلى شيخي الذي بإسنادِه أعلو، وعِمادي الذي عن ذكْرِه لا أخْلو، وأنا على ما عَلِمَه من حبٍّ فيه، وتعظيم على قَدْر معرفتي بحقِّه أُو فيه [١٠٦ ظ] والسؤالُ عنه ديونُ لساني، والشوقُ إليه دَيْدَني وشَاني، وما كنتُ أحسِبُ إلّا أنه وضَعَ عصا التَّسْيار، وأزمَعَ مُكْثًا في تلك الدِّيار، ولكنّي مرةً كنتُ أنسُبُه إلى المَرِيّة، وتارَةً كنت أحسِبُه في الجهةِ الأحمَريّة، وربّما قَدَّرتُ أنّ حِمصَ به استأثَرَتْ، وأشواقَه إليها تكاثَرت، فعاد إليها كما يعودُ إلى الجِيدِ الحُليّ، أو إلى الفقيدِ الوَليّ، إلى أنْ طلَعَ عليَّ خطُّهُ كالصُّبح في الغَسَق، أو السِّحرِ في نُجْلِ الحَدَق، فقلتُ: أفي عينيّ سِنةٌ أم هي يَقْظَى، وهذه رؤيةٌ لم أخَلْها بها تحظَى، ولمّا استبَنْتُ العِيَان، وتأمَّلتُ ذلك البيان، قلت: هذا بزٌّ يشهدُ لليدِ التي نسجَتْه، وبَزْرٌ لا تُجْهَلُ أرضٌ هي أخرجتَه، بل هو سَنَا يُشَهِّرُ كوكَبَه، وتركيبٌ يظهَرُ فيه أثرُ مَنْ ركَّبه، فكان
стр. 1249
عندي أحسَنَ من النارِ في عين المقرور، ومنَ الماء في كبدِ المحرور، وأعجَبَ من ضياءِ الصُّبح لاحَ لممنوع الكَرى، ومن سوادِ اللّيل أخفَى كَلِفًا بالسُّرى، وعجَبًا لسيِّدي! ضَنّ برُقعةٍ منه خاصّة، وحِصّةٍ فيه لَجناح الهمِّ حَاصّة، أفَتَرى قلَمَه اكتفَى بما فيه ناب، أم تذكَّر الخَطيئةَ فخَرَّ راكعًا وأناب؟ فللمُعترِض أن يقول: هذه الصُّورة، كما إذا حجَّ عن غيرِه الصَّرورة، فإنّ بعضَ من يحتَجُّ، يقول: إنه يقَعُ الحَجّ، ولكنَّ قلمَه أعرَبُ بالاستدلال، وأغوَصُ على حَلِّ الإشكال، فيدَّعي أنّ الكتابَ يقضي الواجبَيْن، ويقَعُ على الجانبَيْن، قيل لبعض الشافعيّة: أيُعيدُ السجودَ من ظَنَّ سهوًا فسَجَد، ثم تذَكَّر على الأثَر أن السَّهوَ ما وُجِد؟ فقال: أنا للإعادةِ ناف، وذلك السُّجودُ عن نفسِه وعن غيرِه كاف، فسألوهُ الدلّيلَ مُعنِّتِين، فقال: اعتبِروا حالَ الشّاةِ من الأربعين.
إيهِ يا سيِّدي! كيف أنتم بَعدي، وهل عندَكم على النَّأي وَجْدٌ كوَجْدي؟ وما عندَكم في رَسيسِ الحُبّ، وأشواقِ المحبِّينَ بحِسْبِ البُعدِ والقُرب؟ فذلك معنًى تنازعَتْه الشُّعراء، واختَلَفتْ فيه الآراء، وقد دبَّرتُم الأمرَيْن، وذُقتُم الطَّعمَيْنِ المُرَّيْن، وما رأيُكم في المقام هنالك، فإنّ له غُصّة، أو التقدُّم وهل تمُكنُ فيه فُرصة؟ والبَنُونَ والجُملة، كيف حالُهم تفصيلًا؟ فالجُملةُ معلومة، وحياةٌ مطلَقة فإنّ الطِّيبةَ منها معدومة، وما فعَلَتْ أبياتُ ازُمّور؟ [١٠٧ و] وهل وَجَدَ نَقْرُها زَمْرًا، أم لقِيَ زَيْدُها عَمْرًا، أم هي بالعراء، تنادي بالوَيْلِ على الشِّعرِ والشُّعراء؟ وقد نَفَثَ الخاطرُ بأبيات، لها صوتٌ لمعناها مُوات، وهي [المنسرح]:
صاحَ بهمْ صائحُ الرحيلِ فما ... منهمْ على البَيْن واحدٌ سَلِما
وجاشَ بالرَّوْع عُقْرُ دارِهمُ ... منْ بَعْدِ ما كان سرْ بهمْ حُرِما
فهمْ عباديدُ في البلادِ ولا ... شَمْلَ لفَلِّ الخطوبِ منتظِما
قد أقسَمَ الدهرُ أن يمزِّقَهُمْ ... وجَنَّبَ الحِنْثَ ذلك القَسَما
يا سائلي عن بُكايَ بعدَهُمُ ... بكَيْتُ دمعًا حتى بَكيتُ دَمَا
стр. 1250
سيدي، حالُ أخيكم هنا على ما يُرضي كمالَكُمْ عافية، ونعمةً شافية، وأنا إلى جوابِكمْ ناظر، وبه إذا وَقَعَ إلي طائر، واللهُ يُطيلُ بقاءكم، ويحرُسُ إخاءكم.
فأجابَه شيخُنا بهذه الرِّسالة [الكامل]:
وافى الكتابُ وقد تقَلَّد جيدُهُ ... ما أنت مُحْسِنُ نَظْمِه ومجيدُهُ
من كلِّ معنًى ضِمْنَ لفظٍ في حُلى ... خطٍّ يَزينُ طُلى الطُّروسِ فريدُهُ
أأبا المُطَرِّف دعوةً من خالصٍ ... لعُلاكَ غائبُ وُدِّهِ وشهيدُهُ
أنت الوحيدُ بلاغةً وبَراعةً ... ولك البيانُ طريفُهُ وتَليدُهُ
فالنَّثرُ أنت بديعُهُ وعمادُهُ ... والنظمُ أنتَ حبيبُه ووليدُهُ (١)
إيه أيها السيد الذي جلَّتْ سيادته، وحلّت صميمَ الفؤادِ ودادته، دامت سعادته، وهامت بما ينفع الناس عادته، أُلقي إليَّ كتاب كريمٌ خَطَّتْه تلك اليُمنى التي اليُمنُ فيها تَخُطُّه، ونُسِقَتْ جواهرُ بيانِه التي راقَ بها سِمْطُه، فلا تسألوا عن ابتهاجي بأعاجيبِه، وانتهاجي لأساليبِه، وشِدّةِ كَلَفي بالتماح وسيمِه، وجِدّةِ شَغَفي باسترواح نسيمِه، فإنهُ قَدِمَ وأُنسُ النفسِ راحلٌ فاستعادَه، وسَجْمُ ورَوْضُ الفِكرِ ماحِلٌ فجادَه، لا جَرَمَ أنه بما حَوى من حُرَق النَّوى، ورَوى من طُرُق الهوى، وبكَى للرَّبع المُحِيل، وشكا من صائح الرَّحيل، هيَّجَ لواعجَ الأشواق وأثارَها، وحرَّك للنفسِ حوارَها، فحَنَّت (٢)، واستوهَبَ العَيْنَ مِدرارَها، فما ضَنَّت، فجاشَتْ لوعةٌ استكَنَّت [١٠٧ ظ] وتلاشَت سَلْوةٌ عنَّتْ، ووَكَفَ دمعٌ كَفّ، وثَقُلَ عَذْلٌ خَفّ، واشتَدَّ الحنين، وامتدَّ الأنين، وعلا النَّحيبُ، وعَرَا الوَجِيب، والتقَى الصب والحين، ودَرَى المُحبُّ قَدْرَ ما جناه البَيْن، وطالما أعمَلَ في احتمال المشاقِّ عزيمَه، وشدَّ لاجتيابِ الآفاق حيَازيمَه [المنسرح]:
стр. 1251
ودعًّ مَثْوى المقامِ معتزِما ... ألَّا يُرى للغرامِ مُلْتَزما
وأزمَعَ النأْيَ عن أحبَّتِهِ ... والبينَ عن دارِه التي رَئما
وما دَرى أنه بعزمتهِ ... أشعَلَ للبينِ في الحشَا ضرَما
وهل جَرى ذاك في تصوُّرِهِ ... فربّما أحدَثَ الهوى لَمما
إنْ هيَ إلّا نَوًى مُشتِّتةٌ ... شَمْلًا من العيشِ كان منتظِما
وعاذلٍ قال لي يُعَنِّتُني ... لا تُبْدِ فيما فعلتَه نَدَما
قلتُ له: هل رأيتَ قَبْليَ مَنْ ... فارَقَ أوطانَهُ فما نَدِما
لا حيلةٌ في يدِي فأُعمِلَها ... عَدْلٌ من الله ما بهِ حَكَما
أمَا إنّ القلبَ لو فهِمَ حقيقةَ البَيْن قبِلَ وقوعِه، وعَلِم قَدْرَ ما نفَثَ من الرَّوع في رُوعِه، لَبالغَ في اجتنابِه، واعتَقدَ المُعفَى عنه من قَبِيل المعتنَى به، ولَحا اللهُ الأطماعَ فإنّها تَستدرِجُ المرءَ وتَستجِرُّه، وتَستخرجُ حين تُعرِبُه ما يَسُرُّه، ما زالت تَفتِلُ في الذِّروة والذِّروة، وتختِلُ بالترغيب في الجاهِ والثروة، حتّى أنأَتْ عن الأحبابِ والحبائب، ورَمَتْ بالغريبِ أقصَى المغارب، فيا لَوحشةٍ ألوتْ بإيناسِه، ويا لَغُربَةٍ أحلَّتْه في غيرِ وطنِه وناسِه، ويا عَجَبًا للأيام وإساءتِها، وقُربِ مسَرّتِها من مساءتِها، كأنّها لم تُتحِفْ بوِصَال، ولم تُسعِفْ باتصال، ولم تُمتِّعْ بشباب، ولم تَفتَحْ لقضاءِ أو طارِ النفس كلَّ باب [الخفيف]:
عجَبًا للزّمانِ عَقَّ وعاقا ... وعَدِمْنا مسَرّةً ووِفاقا
أين أيامُهُ وأين ليالٍ ... كلآلٍ تلألؤًا واتّساقا
كم نعمْنا بظِلِّها فكأنّا ... مدَّ منها الصِّبا علينا رُوَاقا
كم بغَرْناطةٍ وحِمصٍ وصلْنا ... باصطباحٍ من السرورِ اغتباقا
[١٠٨ و] في رُبَي نَجْدِ تلك أو نهرِ هذي ... والأماني تَجري إلينا اشتياقا
стр. 1252
في رياضٍ راقَتْ رُواءً ولكنْ ... حين رَقَّ الحَيا لها فأراقا
رَقَّ فيها النَّسيمُ فهْو نَسيبٌ ... قد سَبَى رِقّةً نفوسًا رِقاقا
وثَنَى للغُصونِ منها قُدودًا ... فتلاقَى تصافُحًا واعتناقا
كلَّما هَبّ من صِباهُ عليلٌ ... وتداوَى بها العليلُ أفاقا
حَكَمَ السَّعدُ بالأحبّةِ فيه ... بكؤوسِ الوِصالِ أنْ تتساقَى
ثم كرَّتْ للدهرِ عادةُ سَوْءٍ ... شقَّ فيها خَطْبُ النَّوى حينَ شاقا
شتَّتَ الشمْلَ بعدَ طُولِ اجتماعٍ ... وسَقَى للفراقِ كأسًا دِهاقا
وأعادَ الأوطانَ قَفْرًا ولكنْ ... قد أعاد القُطّانَ منها الرِّفاقا
ليتَ شِعري والعِيسُ تَطوي الفَيافي ... أشَآمًا تَنوي بنا أم عِراقا
يا حُداةَ الحَمُول رِفقًا بصَبٍّ ... بلَغَتْ نفْسُه السياقَ اشتياقا
آهِ من شجْوهِ وآهٍ لبَيْنٍ ... ألزمَ النفسَ لوعةً واحتراقا
هذه يا سيِّدي استراحةٌ من فؤاد وَقَذَتْهُ الفُرْقَةُ والقَطيعة، واستباحةٌ لحِمَى الوَقار بما لم تَحْظُرْهُ الشريعة، فقديمًا تُشوكيتِ الأحزان، وتُبوكيتِ الأوطان، وحَنَّ المشتاق، وعنَّ له من الوَجْد ما لا يُطاق، فاستَوقفَ الرَّكبَ لشكوى البلابل، واستوكفَ السُّحبَ لسُقْيا المنازل، وفدَّى الركبَ وإن زادَه كَرْبًا (١)، ومَنْ له أن يُكِبَّ لائمًا له تُربًا، حسبُه دموعٌ تَفيضُ مجاريها، ونجومٌ يُساهرُها ويُساريها [الكامل]:
ألِفَ السُّهادَ فشأنُهُ إدمانُهُ ... واستَغْرقَتْ أحيانَهُ أَشجانُهُ
وشكا جَفاءَ الطَّيفِ إذْ لم يأتِهِ ... هل مُمكنٌ مالم ينَمْ إتيانُهُ
واستعبَدتْه صَبابةٌ وكذا الهوى ... في حُكمِه أحرارُهُ عِبدانُهُ
стр. 1253
كم رامَ كتمانَ المحبَّةِ جَهْدَهُ ... ودموعُهُ يبدو بها كتمانُهُ
وإذا المُحِبُّ طَوى حديثَ غرامِهِ ... طيَّ الضلوع وَشَتْ به أجفانُهُ
سيّدي، قد مدَدْتُ أطنابَ الإطالة في غيرِ طائل، واستَمدَدْتُ (١) طبعًا غيرَ معينٍ ولا سائل، ولستُ أمتَري في أنّي أُسْئم سَمْعَكم وأُمِلُّه، وأُقدِمُ [١٠٨ ظ] من هذا الهَذْرِ عليه بما أنزِّهُه عنه وأُجِلُّه، وعلى ذلكم فلا بدَّ أن أعودَ إلى ذكْرِ خطابِكم الذي حَلَّأ الخَطْب، وحلّى اللؤلؤَ الرَّطْب؛ وتجَلَّى بينَ سيّئاتِ الزّمان حَسَنة، وتَحلَّى من محَاسنِ البيان ما لا يُوفي في المادحَ ببعضِه ولو أعمَلَ المدحَ سَنة، فقد تضمَّن أصُولًا وجَبَتْ إجابتُها، وإن حَجَبَتْ مَهابتُها، وتعيَّنَ التقصِّي عن عُهَدِها، وإن تبيَّنَ العَجْزُ عن تقصِّي أمَدِها، منها: أنكم عَجِبتُم منِّي حيث ضَنَنْتُ برُقعة أقرِنُها بالمخاطَبة الخَلاصيّة العَلِيّة، وأُودُعها ما تعورِفَ بينَ الأصفياءِ من إنهاءِ المودّةِ وإهداءِ التحيّة، فطَوْرًا خِلتُموني مكتفِيًا بالنِّيابة، ولو ابتَدأتُم بنافلةِ الكتابِ لَقُلتُ بفَرْض الإجابة، وتارةً عَرَضَتِ التأويلاتُ الفِقْهيّة، وفُرِضَتِ المسألتانِ: الحُجِّيةُ والسَّهويّة، فرأيتُم أولًا: أنّ الكتابَ يُجزئُ عن متولِّيهِ من الجانبَيْن، وتوهَّمتُم ثانيًا: أنّي أردتُ قضاءَ الواجبَيْن، وصَيَّرتُه كالعامل يعملُ عمَلَيْن، أو الفاعلِ يتَعدَّى فعلُه إلى اثنَيْن، أو اللّفظِ يقَعُ باشتراك على معنيَيْن، وكلُّ ذلكم -وَصَلَ اللهُ نَفاسةَ كمالِكم- لم يكنْ، وإهمالُ حقِّكم الأكيدِ الوُجوب لم يَسْهُلْ قطُّ عليَّ ولم يَهُنْ، ولكنّي ابتَدرتُ الخِطاب، وآثَرتُ الاقتضاب، فانزَعجَ الرَّقّاصُ (٢) قبلَ أن يقتضيَ كتابي في سَيْرِه، وضمِنَتْ هذه الوِزارةُ أن يتوجَّهَ بعدُ معَ غيِره، ولو ذهَبْتُ إلى ما أشَرتُم إليه من الاجتزاءِ والاقتصار، لأثبَتُّ تحيّتي عقِبَ تلك الأسطار، مُقترنةً بالاعتذار، ولكنّكم عجَّلتُم عليَّ بالعَتْب، ونسَبْتُم إليّ ما لم أَجْنِهِ من الذنب، ولا تثريبَ فقد حصَلَ المطلوب، وكل ما يفعلُ المحبوبُ
стр. 1254
محبوب؛ وأمّا سؤالُكم -حفِظَكم الله- كيف أنا بعدَكم، وهل وجَدتُ في فُرقةِ الوطنِ والأحبّة وَجْدَكم، فلم تشكُّوا أنّي متحمِّلُ من ذلك ضِعفَيْن، ومُفارِقٌ دونَ الأبوَيْنِ والبنينَ إلفَيْن، أمّا غَرْناطيُّها فقد سَنَّى اللهُ به الاجتماع، وأسألُه تعالى أن لا يجعَلَ موقِفًا منه الوداع، وأمّا إشبيلِيُّها فإنّي أحاولُ انتظامَ الشَّمل به وأَرومُه، وأرجو أن يتكيَّفَ بفضل الله على قربٍ قدومُه، وأمّا استعلامُكم قولي في الحبِّ وأطوارِه، واستفهامُكم عن رأيي في الشوق ومَثارِه، [١٠٩ و] وأنّ الشُّعراءَ تنازَعَتْ هذا المعنى فكلٌّ شرَّقَ بغرامِه، ونَطَقَ عن مقامِه، وأخبَرَ عن ذَوْقه، وعبَّرَ عن ما رجَحَ نَأْيًا أو خَفَّ قُربًا من شوقِه، والأشواقُ بحار، والخواطرُ فيها تَحار، وأجرى الأقوالِ عندي في ذلك معَ القَصْد (١) [الطويل]:
بكلٍّ تداوَيْنا فلم يُشْفَ ما بنا ... على أنَّ قُربَ الدارِ خيرٌ من البُعدِ
وأمّا سؤالُكم عن رأي في المقام بهذه البُقعة، فسأورِدُ الجوابَ عليكم بما يقفُ عليه العَزْمُ في هذه الرُّقعة، واختياري على الجُملة أن آخُذَ عند لَحاقِ الجُملة الإشبيليّة في الرِّحلة ثم لا أدري ما تجيءُ به الأقدار، وربُّك يَخلقُ ما يشاءُ ويختار؛ وأمّا قِطعتُكمُ التي أجَدتُم بأَزمُّورَ تأسيسَها، وأفدتُم مُنعِّمين نفيسَها، فكنتُ وإن لم أدرِكْ شَأْوَها، فقد حَذَوْتُ في الجوابِ حَذْوَهَا، وعلَّقتُه بمقلوبِها، وإن قَصَّر عن أسلوبِها، وكان من أمَلي أن أُجَدِّدَ معَكم في رِباط الفتح عهدًا بالقُرب، وقدَّرتُ أنْ يُتاحَ هنالكم تلاقي السَّفينِ والرَّكْب، فأخْلَفَ التقدير، وأعجَلَ عن اللَّحاق المَسِير، وضاعتِ الرُّقعةُ أثناءَ شواغلِ الأسفار وشغوبِها، وذَهَلتْ عنها النفْسُ بما مسَّها من لُغوبِها، وشاهدي في صدق هذه الدعوى والتي قَبلَها، عِلمُ هذه الوِزارة العَلِيّة التي أفاضَت فضلَها (٢)، وأعجَزَت الزّمانَ أن يُوجِدَ مثلَها، فكلُّ هذا كان منها بمرأًى ومَسْمع، وبمحضرٍ من عِيانِها ومطلَع،
стр. 1255
ثم شَرَدتُ عن حِفظي تلك القطعةَ وما قيَّدتُ من جَوابِها، ووجَبَ لتذكيرِكم الآنَ استئنافُ هذه وإن كنتُ لا أرضى بها [الكامل]:
لبيكَ ها أنا للصفاءِ مُديمُ ... وعلى الوفاءِ مدى الحياةِ مقيمُ
وإليك من خَلَدي صميمَ مودّةٍ ... ليَ في اعتقادِ خلوصِها تصميمُ
وإذا تنازَعَتِ الحديثَ فمَنزِعي ... أنّ المنازعَ في عُلاك مُليمُ
اعزِزْ على الخُطَط التي بكَ فَخْرُها ... أن يَستبدَّ بها عليك لئيمُ
تَعْسًا لأقلام الكتابةِ ليتَها ... لم يَعتمِدْها البَرْيُ والتقليمُ
لهِجَت بتأخيرِ السَّبوقِ وقدَّمتْ ... مَن لا يحِقُّ لذاتِه التقديمُ
قعَدتْ وقامت في اغتصابِ حقوقِهمْ ... ومنَ الحَسادةِ مُقعِدٌ ومُقيمُ
أيفوتُ مثلَ أبي المُطرِّف حظُّهُ ... وينالُ قومٌ بالفهاهةِ ذيمُ؟!
[١٠٩ ظ] ما ضَرَّها أنْ لو توَلَّى أمرَها ... منه كفيلٌ بالبيانِ زعيمُ
ومحمِّلٌ منها اليمينَ يراعةً ... تَروي الطُّروسَ بمُزْنِها وتسيمُ
يا سابقَ البُلغاءِ غيرَ مُدَافعٍ ... لكَ دونَ غيرِك ينبغي التسليمُ
قَسَمًا بمَجْدِك لا يزالُ مُساوِقًا ... للدّهرِ ما لك في بنيهِ قَسيمُ
أنَّى وأنت وحيدُ عصرِكَ سُؤدَدًا ... ولك المناقبُ كُلُّهنَّ كريمُ!
ومَآثرٌ سَلَفيّةٌ زكَّى بها ... شَرَفًا حديثًا من عُلاك قديمُ
أولَيْتَ إذْ والَيْتَ فضلَك كلَّ ما ... يَقضي بهِ لك في الجلالِ الخِيمُ
وحَبوْتَ إذ ناديتَني وأنلتَني ... جاهًا وأحداثُ الزمانِ تضيمُ
وخَلعتَها حُللًا عليَّ بمثلِها ... [.........................] (١)
стр. 1256
هذا الزمانُ كما عَلِمتَ حظوظُهُ ... شتّى وعهدُ بنيهِ فيه سليمُ
قد يُحْرَمُ الليثُ الهصورُ حظوظَهُ ... منه ويدركُها لديه الريمُ
وإذا عجَزتُ فإنّ حسبيَ واقيًا ... رَبٌّ بأسرارِ العبادِ عليمُ
لازلتَ محميَّ الجوانبِ ماتلا ... مِصراعَ بيتٍ في القريض قَسيمُ
سيِّدي، ﵁، يسمَحُ في ما يَلْمَح، ويُغضي عن ما لا يرتضي، فلم أتعاطَ المعارضةَ ولو سامَنِيها ما نَطَقْت، ولم أَدَّع المُساجَلةَ ولو رامَني عليها ما أطَقْت؛ إنّما أنا قَطرةٌ من سحابِه، وفَلْذةٌ من سِخَابِه، ومُنفقٌ من فضلٍ سخا به، وإن سَخِط والله المعيذ، فماذا يقولُ للأستاذِ التلميذ؟ أسألُ اللهَ له بقاءً سعيدًا، وارتقاءً يُدرِكُ به من العزّةِ القعساءِ شَأْوًا بعيدًا، بمنِّه.
قال المصنِّف عَفَا اللهُ عنه: قد وقَعَتْ إليّ القصيدةُ التي ذكَرَ شيخُنا أبو الحَسَن ﵀ أنّ الرُّقعةَ التي تضمَّنتها ضاعت له، وهي هذه [الكامل]:
يا صاحبي والدهرُ لولا كرّةٌ ... منهُ على حفظِ الذِّمام ذميمُ
أمُنازعي أنت الحديثَ فإنهُ ... ما فيه لا لغوٌ ولا تأثيمُ
ومُروِّضٌ مَرْعى مُنايَ فنبتُهُ ... من طولِ إخلافِ الغيوم هشيمُ
طالَ اعتباري بالزّمان وإنّما ... داءُ الزمانِ كما علمتَ قديمُ
[١١٠ و] مَجْفُوُّ حظٍّ لا يُنادى ثم لا ... ينفَكُّ عنه الحذفُ والترخيمُ
وأرى إمالَتَه تدومُ وقصرَهُ ... فعَلامَ يُلْغَى المدُّ والتفخيمُ؟
وعَلامَ أدعو والجوابُ كأنّما ... فيه بنصٍّ قد أتَى التحريمُ؟
لم ألقَ إلامُقْعِدًا، غيرَ الأسى ... فلديَّ منه مُقْعِدٌ ومُقيمُ
وشرابيَ الهمُّ المعتَّقُ خالصًا ... فمتى يساعدُني عليه نديمُ؟
стр. 1257
غاراتُ أيامي عليّ خَوارجٌ ... قَعَدِيُّها في طبعِه التحكيمُ (١)
ولواعجٌ يحتاجُ صالي حرِّها ... أمرًا به قد خُصَّ إبراهيمُ
ولقد أقولُ لصاحبٍ هُوَ بالذي ... أدركتُ من عِلمِ الزمانِ عليمُ
لا يأسَ من رَوْحِ الإله وإن قَسَتْ ... يومًا قلوبُ الخَلقِ فهْوَ رحيمُ
ولعلَّ مَيْتَ رجائنا يُحييهِ مَن ... يُحيي عظامَ المَيْتِ وهْي رميمُ
قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: وكلامُ شيخِنا أبي الحَسَن نظمًا ونثرًا بارع، ولضروبِ الإحسان جامع، وقد رأيتُ أن أختِمَ رَسْمَه بقطعةٍ وقصيدة حِجازيتَيْن، وقصيدتَيْنِ رَبّانيتَيْن؛ وهذه القصيدةُ الحِجَازّية أنشدتُها عليه [الطويل]:
حنيني إلى البيتِ العَتيقِ شديدُ ... وشوقي إلى وادي العقيقِ يزيدُ
فيا ليت شعري هل يُبَاحُ إليهما ... وصولٌ فيحظى بالوصال عميد؟
ومَنْ ليَ أنْ أُدعى إلى حَرَمَيْ هدًى ... وهل لي على تلك البقاعِ وفود؟
وهل ناقعٌ لي ماءُ زمزمَ غُلّةً ... لها بين أحناءِ الضلوعِ وَقود؟
وهل أنثني نحو الرسولِ لِطَيْبَةٍ ... فيدنو لقلبي مِنْ مُناهُ بعيد؟
وألصقُ خدّي من ضريحِ محمدٍ ... بحيثُ تلاقتْ في ثراه خدود
وحيث استهلتْ بالدموعِ نواظرٌ ... لها في سوى تلك الربوع جمود؟
فما ليَ لا أسعى إليها مُبادرًا ... بقيةَ عُمرٍ تنقضي وتبيد!
تحثّ ركابي نحوها عزمةُ امرئ ... بمحْياهُ في ذات الإله يجود
يَهُمُّ فيُلقي بين عينَيْهِ عزمةً ... ويمضي مضاءَ السّهمِ حيث يُريدُ
стр. 1258
فأقضي ذَماءَ النفْسِ في عرصاتِها ... غريبًا لدَيْها والغريبُ شهيدُ
[١١٠ ظ] وإنّ امرءًا يقضي فريضةَ ... وزَوْرةَ قبرِ المصطفى لَسعيدُ
وقد فاز بالحُسنى ونال زيادةً ... سعيدٌ يُواريه هناك صعيدُ
سلامٌ على البيتِ الحرام وطيبةٍ ... يكُرُّ على رَبْعيهِما ويعودُ
سلامَ محُبٍّ كلّما ذكْرُ [أرضِها] (١) ... تبادَرتِ الأجفانُ منهُ تجودُ
والقطعةُ الحِجَازيّة ختَمَها ببيت من بيتَيْ بلالِ ابن حَمامةَ ﵁ (٢)، وقد أنشَدتُها عليه، وهي [الطويل]:
ألا هل إلى البيتِ العَتِيقِ سبيلُ؟ ... وهل ليَ في وادي الأراكِ مَقيلُ؟
وهل لصَدٍ من ماءِ زمزمَ نغبةٌ (٣) ... يُفَلُّ بها بينَ الضلوع غليلُ؟
ومَن لي أتاح اللهُ سُؤليَ أَنْ أرى ... دُموعيَ في بطن المَسِيل تَسيلُ؟
فيا نجدُ أنجِدْني بهَبَّةِ نَفْحةٍ ... تمُرُّ بعِطْفِ الروضِ وهْو بَليلُ
ففي نَفَسٍ منها عليلُ عُلالةٍ ... لقلبي وهل يَشفي العليلَ عليلُ؟
ويا كعبةً رَصَّ الخليلُ بناءَها ... أمَا مُسعِدي يومًا إليكِ خليلُ؟
ثكِلتُ فؤادي يومَ أنساكِ أو أرى ... إلى الصبرِ والسُّلوانِ عنكِ سبيلُ
فلا زال بي شوقٌ إليكِ مبرِّحٌ ... ولا فاتَني وَجْدٌ عليكِ طويلُ
стр. 1259
وقَبْلي بلالٌ قال يشكو غرامَهُ ... وقد شاقَهُ ظلٌّ هناك ظليلُ:
"ألا ليتَ شِعري هل أبيتَنَّ ليلةً ... بوادٍ وحولي إذْخِرٌ وجَليلُ"
وهذه القصيدةُ الرَّبّانيّة، وأنشَدتُها عليه [الطويل]:
هُياميَ ما بينَ الجوانحِ ثائرُ ... وداءُ غرامي للفؤادِ مخُامرُ
وطيُّ ضُلوعي بالأَسى ما أَقَلُّهُ ... تكلُّ القُوى عن حملِهِ والمرائرُ
وقد جدَّ بي وَجْدٌ وبَرَّح بي جوًى (١) ... وغَصَّتْ بأسرابِ الدموعِ المحاجرُ
سَكِرتُ وما دارتْ عليَّ مُدامةٌ ... ولا فتَنَتْ عقلي عيونٌ فواترُ
وجاوزتُ أوطارَ الغرام تخَطِّيًا ... إلى حيثُ لا تُلفَى خَواطٍ خواطرُ
وجاد حيَا دَمْعي رياضَ رياضتي ... فأزهارُها ممّا سَقاها نواضرُ
فَنائيَ في وَجْدٍ وجودٍ ومِيتَتي ... حياةٌ وخَوْفي الأمرَ (٢) ممّا أُحاذرُ
وكلُّ هوًى لابدَّ من غايةٍ لهُ ... وغاياتُ حبِّي ما لهنَّ أواخرُ
[١١١ و] مَرامي مرامي أعجَزَتْ كلَّ عاشقٍ ... فما رامَها إلّا انثَنى وهْوَ قاصرُ
وقد ذَهَلتْ عن عُروةٍ بي عُذْرَةٌ ... وقد نَسِيتْ مجنونَها بيَ عامرُ
ورَدَّت وقد حامتْ على الوردِ فانثَنَتْ ... نفوسٌ صَوادٍ عن ظَماها صوادرُ
تَصرَّفَ بي هذا الهوى تحتَ حُكمِهِ ... وسُلطانُهُ مذْ كان للخَلْق (٣) قاهرُ
ومَلَّكْتُهُ نفسي فَصالَ عليَّ بي ... وضافَرَه قلبٌ وسَمْعٌ وناظرُ
دَعاني فلبَّيتُ ائتمارًا وإنّني ... ولو لم يكنْ يدعو مبادٍ مُبادرُ
стр. 1260
فمنهُ لقلبي بالصّبابةِ آمِرٌ ... ومنه عن السُّلوانِ ناهٍ وناهرُ
وما اقتادني إلّا إلى حُبِّ واحدٍ ... تقدَّسَ أن تُعزَى إليه النظائرُ
فوافَى جَناني وهْوَ بالوَجْدِ عامرٌ ... وألفَى لساني وهْو بالجُودِ شاكرُ
تبارَكَ مَنْ آياتُهُ تبهرُ الوَرَى ... وأنوارُه تَعْنو إليها البصائرُ
تَتيهُ عقولُ الخلقِ في مَلَكوتِهِ ... وترجِعُ أبصارٌ وهُنَّ حَواسرُ
هُو الله هادي مَنْ يشاءُ لسُبْلِهِ ... إذا جارَ عن مُثْلى الطريقة جائرُ
هُو الله كلٌّ ماخلا اللهَ باطلٌ ... وكلٌّ سواهُ غائبٌ وهْو حاضرُ
إلى ظلِّ رُحماهُ أوَيْتُ وفَضْلَهُ ... قصدتُ ومنه لي وليٌّ وناصرُ
رَجَوْتُك ياربِّي لسدِّ مَفاقِري ... وسترِ هَناتي يومَ تُبْلى السرائرُ
فكنْ لرجائي يا إلهي محقِّقًا ... إذا غيَّبَتْني في ثَراها المقابرُ
وهذه القصيدةُ الثانية، وأنشَدتُها عليه [الطويل]:
جمالُ حبيبي للغرامِ دَعاني ... فيا عاذلَيْ قلبي عليه دَعاني
بصُرْتُ بما لم تَبصُرا أنتما بهِ ... بعينِ فؤادي لا بعينِ عِيَاني
وأدركتُ ما لم تُدرِكا منْ بهائهِ ... فوَجْدي به غيرُ الذي تَجِدانِ
فإنْ شئتُما أن تَعرِفا ما أُكِنُّهُ ... وأنْ تعلَما سرَّ الهوى فسَلاني
تجلّى لفِكري نورُ مَن أنا عبدُهُ ... فوُلِّهَ معقولي وجُنَّ جَنَاني
وأُشرِبَ قلبي هيبةً ومحبةً ... وصالت عليه شدَّةُ الخَفَقانِ
وحانَ فَنائي في وجودِ جلالِهِ ... فحَسْبيَ أنّي في المحبّةِ فانِ
حبيبٌ سَقاني مُنْعمًا كأسَ حُبِّهِ ... فلم أَصْحُ من حُبِّيهِ منذُ سَقاني
وثِقتُ به لا أرتجي لإقالتي ... سواهُ إذا زلَّتْ بيَ القَدَمانِ
стр. 1261
[١١١ ظ] رضا منى نَفْسي وغايةُ بغيتي ... ومالي بصَبْرٍ عن رضاهُ يدانِ
وحُبّيَ فيه لاعتزازي [....] (١) ... وكلُّ هوًى في غيرِه لَهواني
مُدامي مُدارٌ من إدامةِ ذكْرِهِ ... بتنزيهِهِ لا مِنْ مُدام قِيانِ
وراحُ ارتياحي أن تلوحَ لوائحٌ ... يَغيبُ بها عن فكريَ الثَّقَلانِ
سَماعي لِما يُتْلَى من الوَحْي مُؤْنِسي ... ومُبهجُ نَفْسي لا سَماعُ قِيَانِ
ولَذّةُ عَيْشي أن أفوزَ بخَلوةٍ ... أُجاري بها الأشجانَ ملءَ عِنَاني
وأنثُرُ خوفًا من دُموعي وخَشْيةً ... على الخدِّ من عَيْنيَّ نَظْمَ جُمانِ
وقد راع رَوْعي أن تكونَ محبّتي ... مُجرَّدَ دعوى غيرِ ذاتِ بيانِ
وإلّا فما بالي على الذنبِ عاكفًا ... وفي أسرِ إصرارِ اغتراريَ عانِ؟!
علامةُ حُبِّي أن أُطيعَ وأتَّقي ... وألّا يَراني اللهُ حيث نَهاني
مولدُه بإشبيلِيَةَ في شعبانِ اثنينِ وتسعينَ وخمس مئة، وتوفِّي بمَرّاكُشَ سَحَرَ ليلةِ الأربعاء الرابعةِ والعشرينَ من شهرِ رَمَضانِ ستٍّ وستينَ وست مئة، ودُفنَ عقِبَ ظُهرِه بجَبّانة الشيوخ مُقاربًا مقابلةَ بابِ السادة أحدِ أبوابِ قَصْر مَرّاكُش، وكان الحَفْلُ في جَنازتِه عظيمًا لم يتخلَّفْ عنها كبيرُ أحد.
٦٣٧ - عليُّ (٢) بن محمد بن عليُّ بن موسى الأنصاريّ، شَرِيشيّ، أبو الحَسَن، ابنُ الغَزّال.
رَوى عن أبي بكر بن عُبَيد وأبي الحَسَن بن لُبَّال.
стр. 1262
٦٣٨ - عليُّ (١) بن محمد بن عليّ بن هُذَيْل، بَلَنْسيٌّ أصِيليُّ الأصل -أصيلا العُدوة- أبو الحَسَن.
تَلا بالقراءات السَّبع وغيرِها على رابِّهِ (٢) أبي داود، ونشَأَ في حِجْرِه واختَصّ به وأكثَرَ عنه ولازَمَه أزيَدَ من عشرينَ سنة، وأبي الحُسَين ابن البَيَّاز. ورَوى عن أبي بكرٍ خازِم، وأبي الحَسَن طارقِ بن يَعيشَ، وأبوَيْ عبد الله: ابن سَعادةَ وابن عيسى (٣) بن يوسُفَ الكِنَانيِّ الطُلَيْطُلي، وأبوَيْ محمد: الرِّكْليِّ والسَرَقُسْطيِّ الحاجّ، وسَمِعَ "جامعَ التِّرمذي" على الحاجِّ الراوِية أبي عبد الله بن سَعادةَ لعُلوِّ سنَدِه فيه، وأجاز له أبو عليّ الصَّدَفيُّ وأكثرُ شيوخِه المُسَمَّيْنَ قبلُ.
رَوى عنه آباءُ بكر: ابنُه وابنُ خَيْر وابنُ رِزق وأبو جعفرٍ طارقُ بن موسى المَعافِريُّ، وأبَوا الحَسَن: القَسْطَليّ ومحمدُ بن [١١٢ و] أحمدَ بن سَلمونَ، وآباءُ عبد الله: ابنُ أحمدَ بن مَسْعود الشاطِبيُّ والأنْدَرْشيُّ وابن حَمِيد وابن خَلَف وابن نُوح وابن يوسُفَ ابنُ الخَبّاز، وأبو عُمرَ بن عاتٍ، وآباءُ محمد: عبدُ الحقِّ ابنُ الخَرّاط وعبدُ الكبير وعبدُ المُنعِم ابنُ الفَرَس.
وكان صَدْرَ المُقرِئينَ وإمام المجوِّدين، عُمِّرَ فانتَهت إليه رياسةُ الإقراء بشَرْق الأندَلُس في عصرِه، مُتقِنًا ضابطًا مجوِّدًا حَسَنَ الأخْذ على القُرّاء، مشهورَ الفضل والزُّهد والثِّقة والعَدالة، صالحًا متواضِعًا خيِّرًا كثيرَ الحَياءِ صَوّامًا قَوّامًا، واسعَ المعروفِ كثيرَ الصَّدَقة متقلِّلًا من الدُّنيا مُعرِضًا عن أهلِها، وكان متى توَجَّه إلى ضيعتِه لِمَليلةَ -من جُزْءِ الرُّصافة بغَرْبيِّ بَلَنْسِيَةَ- صَحِبَه طلَبةُ العلم إليها
стр. 1263
للقراءةِ عليه والسَّماع منه، فيَحمِلُ ذلك منهم طَلْقَ الوَجْه مُنشرحَ الصَّدر جميلَ الصَّبر، وينتابونَه ليلًا ونهارًا فلا يَسأَم من ذلك ولا يَضجَرُ على كُبرتِه حسبَما كان عليه أمرُه معَهم قبلَها، وأقرَأَ ببَلَنْسِيَةَ وأسمَعَ أزيَدَ من ستينَ سنة، وكان أثبتَ الناس في "أبي داود"، وإليه صارت أُصولُه العتيقةُ الكثيرةُ في فنونِ العلم بخطِّه، وانفرَدَ بالرِّواية عنهُ بلِقاهُ والسَّماع منه أزيَدَ من عشرينَ سنة.
قال أبو الحَسَن محمدُ بن سَلمون: كان يتَصدَّقُ على الأرامل واليَتامى بمالِه من دقيقٍ وأدم وغيرِ ذلك، فتقولُ له زَوجُه: إنك لتَسعَى بهذا العمل في فقرِ أبنائك، فيقولُ لها: لا والله بل أنا شيخٌ طَمّاعٌ أسعَى في غِناهم. وكنّا نقرَأُ عليه في مرَضِه الذي توفِّي منه، فكان لا يُسمَعُ منه كلامٌ في أيام الثلاثاءِ والأربعاءِ والخميس إلّا أن يُناديَ اللهَ سائلًا منه قَبْضَه يومَ الجمُعة، فإذا جاوَزَه رُؤيَ يومَ السبتِ أسِفًا سَيّئَ الحال نكِدَ البال، فيستمرُّ أمرُه كذلك إلى انقضاءِ يوم الاثنين، فإذا كان يومُ الثلاثاءِ ظهَرَ عليه سرورٌ وابتهاجٌ لطَمَعِه في الموتِ يومَ الجمُعة، وتكرَّر ذلك منه حتى عُرِفَ له ومَنّ اللهُ عليه بمطلوبِه (١) فقُبِضَ يومَ الخميس ودُفنَ يومَ الجمُعة كما كان يَسألُ ويدعو، ﵀.
وُلدَ سنةَ إحدى وسبعينَ وأربع مئة، قاله أبو عبد الله الأَنْدَرْشيُّ عنه، وقال أبو الخَطّاب بنُ واجِب عنه: إنّ مولدَه عامَ سبعينَ أو بعدَه بعام (٢)، لم يتحقَّقْ [١١٢ ظ] ذلك، وتوفِّي بعد صَلاة ظُهر يوم الخميس لثلاثَ عشْرةَ ليلةً بقِيَتْ من رجَبِ أربع وستينَ وخمس مئة، وصَلّى عليه أبو الحَسَن ابنُ النِّعمة، وحضَرَ جَنازتَه جَمْعٌ عظيمٌ من الناس، وشَهِدها سُلطانُ بَلَنْسِيَةَ يومَئذٍ أبو الحَجّاج بنُ سَعْد، وتزاحَمَ الناسُ على نَعْشِه متبرِّكينَ به باكِينَ فَقْدَه، وأتْبَعوهُ ثناءً حسَنًا وذِكْرًا جميلًا، ورَثاه أبو محمد بنُ واجِب بقصيدة حسَنة منها [البسيط]:
стр. 1264
لم أَنْسَ يومَ تهادتْ نَعْشَهُ أسفًا ... أيدي الوَرى وتراميها على الكَفَنِ
كزهرةٍ تَتهاداها الأكُفُّ فلا ... تُقيمُ في راحةٍ إلّا على ظَعَنِ
قال أبو الحَسَن بنُ سَلمون: كذلك كان هذا، فإنّ الناسَ كانوا يتعلَّقونَ بالنُّطُق والسُّقُف ليُدرِكوا النَّعْشَ بأيديهم ثم يمسَحوا بها وجوهَهم.
٦٣٩ - عليُّ (١) بن محمد بن عليّ بن يوسُفَ بن عَزيز بن زنُّون، إشبِيليّ، أبو الحَسَن.
كان أديبًا شاعرًا مجوِّدًا بارِعًا تجَوَّل بشَرْقِ الأندَلُس وغَرْبِها وأجاز البحرَ إلى بَرِّ العُدوة، وتطَوَّفَ على بلادِه وقَدِمَ مَرّاكُشَ وسِجِلْماسَةَ وغيرَها، ورَفَع للرَّشيد من بني عبدِ المؤمن أُرجُوزةً طويلةً على طريقةِ ابن سِيدة في "ما اسمُك يا أخا العَرَب" تتجزَّأُ منها أُرجوزةُ ابن سِيدة نحوَ الرُّبع، وأُرجوزةٌ ضمَّنَها أسماءَ خَيْل العرَب والمشاهيرِ من أهل الإسلام وشرَحَها مبيِّنًا قصصَها، ورَفَعَه إلى والي سِجِلْماسَةَ حينَئذٍ أبي (٢) محمد عبد الله بن أبي زكريّا بن أبي إبراهيمَ معَ أُرجُوزةٍ ضمَّنَها مَناقِلَه رحلةً فرحلة (٣): من بَلَنْسِيَةَ إلى سِجِلْماسَة، وقصائدَ بديعةً في مَدْح النبيِّ ﷺ ، وكان ذلك مما بَرَّز فيه وشُهِدَ بفضلِ إدراكِه وبراعةِ إنشائه ونُبل مَنازعِه وجَوْدة اختيارِه.
٦٤٠ - عليُّ بن محمد بن عليّ بن يوسُفَ الأنصاريُّ، بَلَنْسيٌّ .
كان من أهل العلم، حيًّا سنةَ سبع وتسعينَ وخمس مئة.
стр. 1265
٦٤١ - عليُّ (١) بن محمد بن عليّ بن يوسُفَ الكُتَاميُّ، إشبيليٌّ استوطَنَ غَرْناطةَ بعد استيلاءِ النصارى، قَصَمَهم الله، على إشبيلِيَةَ، رجَعَها اللَه، أبو الحَسَن، ابنُ الضّائع، بضادٍ معجَم.
أخَذ العربيّة عن أبي زكريّا بن ذي النُّون، وأبي عليّ ابن الشَّلَوبِين، وعلِمَ الكلام وأُصولَ الفقه على أبي عامرٍ يحيى بن رَبيع، وأبي الفُتُوح بن فاخِر، وأبوَيْ محمد: ابن ستاري والفاسِيّ. وأجازَ له [١١٣ و] أبو بكر بنُ محُرِز وأبو الحُسَين ابنُ السَّرَّاج، وأبو الخَطّاب بنُ خليل، وأبو زكريّا ابنُ المُرابِط، وأبَوا عبد الله: الأَزْديُّ السَّبْتيّ وابنُ جَوْبَر، وأبو العبّاس بن فرتُون.
رَوى عنهُ طائفةٌ من أهل غَرْناطة، وكتَبَ إليّ بإجازةِ ما كان عندَه مطلقًا؛ وكان نَحْويًّا ماهرًا حسَنَ التصَرُّف في علم الكلام وأصُولِ الفقه، وافرَ الحظِّ من الفقه، وله جَمْعٌ حسَن بيْنَ شَرْحَي السِّيرافيِّ وابن خَرُوف "كتابَ سِيبوَيْه"، إلى غيرِ ذلك من مصنَّفاتِه في العربيّة وما كان يَنتحلُه من العلوم.
وُلد بإشبيلِيَةَ سنةَ أربعَ عشْرةَ وست مئة، وتوفِّي بغَرْناطةَ في ربيع الآخِر سنةَ ثمانينَ وست مئة.
٦٤٢ - عليُّ بن محمد بن عليّ الغافِقيُّ، إشبِيليٌّ، أبو الحَسَن .
رَوى عن أبي الحَكَم عبد الرّحمن بن محمد بن حَجَّاج، وأبي سعيدٍ فَرَج (٢) ابن عبد الله.
٦٤٣ - عليُّ بن محمد بن عليٍّ الغافِقيّ، أبو الحَسَن، ابنُ قميت .