← Тараджим

Тараджим · id 17056

الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة

ابن عبد الملك المراكشي

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

ذَكَرَه الرُّشَاطيُّ عن عَرِيب في رَسْم اللَّجْلَاجِيِّ من حرفِ اللام، وقال فيه: وَلّاه الحَكَم قضاءَ الجماعة بقُرطُبة، نقَلتُه من خطِّه -ويعني بالحَكَم: ابنَ هِشام الرَّبَضيَّ- وذَكَرَهُ ابنُ حارِث، [١٧٣ و] وذَكَرَه أبو محمد بنُ حَزْم في "جَماهِرِه" (١) وزادَ في نَسَبِه عُمَيْرًا بينَ محمد وعُطارِد وذَكَرَ أنه والدُ بِشرٍ قاضي قُرطُبةَ؛ وذَكَرَ السالِميُّ بِشْرًا هذا وعَدَّه في قُضاة قُرطُبةَ للحَكَم، وقال الحكيمُ: إنه وَلِي قضاءَ جَيّان. ١١١٥ - قِنْدُ (٢) بن نَجْم، قُرطُبيٌّ، أبو القاسم. كان من طبقةِ مَسْلَمةَ بن أحمدَ المَجْرِيطيِّ في التحقُّق بالفلسفة، أخَذَ عنه أبو عبد الله بنُ الحَسَن الكَتّاني. ١١١٦ - قُومِس بن باسُه بن قُومس . رَحَلَ مُشرِّقًا؛ وكان من أهل العلم، حيًّا بمِصرَ سنةَ ستٍّ وخمسينَ وأربع مئة.

стр. 1437

الكاف (١) ١١١٧ - كريمُ بن إسماعيلَ العَبْدريُّ، بَلَغِيّ . كان من أهل العلم والتبريز في العدالة، حيًّا سنةَ أربع وثلاثينَ وأربع مئة. ١١١٨ - كمالُ بن عليّ (٢) بن أحمدَ بن محمد بن كمالٍ التَّميميُّ، مَرَوِيّ. كان عاقدًا للشُّروط عَدْلًا فقيهًا، من بيتِ جَلالة، حيًّا سنةَ إحدى عشْرةَ وست مئة. ١١١٩ - الكُمَيْتُ (٣) بن الحَسَن، سَكَنَ سَرَقُسْطةَ، أبو بكر. رَوى عنه أبو عبد الله الحُمَيْديُّ بعضَ شعرِه، وكان أحدَ شُعراءِ عمادِ الدولة أبي جعفرٍ ابن المُستعين بالله أبي أيّوبَ بن هُود. ١١٢٠ - كَوْثَرُ (٤) بن سُليمانَ بن الطُّفَيْل بن عبّاس بن مُعاويةَ بن المَضَاء ابن عبّاس بن عامِر بن الطُّفَيْل بن مالِك بن رَبيعةَ بن عَلْقَمة بن علافةَ (٥) بن عَوْف ابن الأحوَص بن جعفرِ بن الحارِث العَبْدريُّ البَكْريُّ؛ بَكْرَ وائل (٦)، إشبِيليّ. كان أحدَ الأئمة في القرآن. ١١٢١ - كَوْثَر بن يونُس بن خَلَف البَلَويُّ، أبو الحَسَن . رَوى عن أبي القاسم عبدِ الرّحمن بن خَلَف بن عَفِيفةَ، وكان مُقرِئًا نَحْويًّا.

стр. 1438

اللامُ ١١٢٢ - لاوي (١) بنُ إسماعيلَ بن رَبيع بن سُليمان، طَرْطُوشيٌّ، وأصلُه فيما قيل من غَرْب العُدوة. تَلا بالسَّبع على أبي داودَ الِهشَامي، وصَحِبَه عشْرَ سنينَ أوّلُها إحدى وثمانونَ، وأكثَرَ عنه بدانِيَةَ وغيرها، ورَوى أيضًا عن أبي عليّ الصَّدَفي مَقْدَمَهُ من المشرِق. ١١٢٣ - لُبُّ (٢) بن أحمدَ بن عبد الوَدودِ بن غالبِ بن زَنُّون، مُرْبَيْطريٌّ، أبو عيسى. رَوى عن أبي عبد الله بن سَعادةَ وغيرِه. وكان أديبًا بارعًا، شاعرًا مجُيدًا، كان أبو الرّبيع بنُ سالم يُكثرُ الثّناءَ عليه ويَشهَدُ بإبداعِه في نَظْمِه (٣). [١٧٣ ظ] ١١٢٤ - لُبُّ (٤) بن حَسَن بن أحمدَ التُّحيبيُّ، بَلَنْسيٌّ، أبو عيسى، ابنُ الخَصْم. تَلا بالسَّبع على أبي بكر بن نُمَارةَ، وأبي الحَسَن ابن النِّعمة، وأبي جعفر بن طارق، وبحَرْف نافع على أبي الحَسَن بن هُذَيْل. أخَذَ عنه أبو بكر بنُ مُحرِز، وأبو القاسم بن الوَليِّ، وأبو محمد بن مَطروح. وكان رجُلًا صالحًا معلِّمًا بالقرآنِ مُشارًا إليه بإجابةِ الدّعوة. توفِّي بدانِيةَ قبلَ عشْرٍ وست مئة.

стр. 1439

١١٢٥ - لُبُّ (١) بن حَسَن، أبو عيسى. رَوى عن أبي بحرٍ الأسَديّ سنة خمسَ عشْرةَ وخمس مئة. ١١٢٦ - لُبُّ (٢) بن خَلَف بن سَعِيد المَعافِريُّ، أندَلُسيٌّ. رَحَلَ حاجًّا، وعَلَّق عنه أبو الطاهرِ السِّلَفيُّ بعضَ فوائدِه. ١١٢٧ - لُبُّ بن سُليمانَ بن لُبِّ بن سُليمانَ بن محمد بن هُود الجُذَاميُّ، وَشْقيٌّ أبو عيسى . رَوى عن أبي محمد بن محمدِ بن سَعْدونَ بن مُجيب الضَّرير. ١١٢٨ - لُبُّ بن عبد الله بن أحمدَ، بَلَنْسيٌّ . كان من أهل العِلم، بارعَ الخَطّ، حيًّا سنةَ سبع وتسعينَ وخمس مئة. ١١٢٩ - لُبُّ (٣) بن عبد الله بن لُبِّ بن أحمدَ الرُّصَافىُّ؛ رُصَافةَ بَلَنْسِيَةَ، أبو عيسى. أخَذ النَّحوَ عن أبي الحَسَن ابن النِّعمة. رَوى عنه معظَمُ شيوخ بَلَنْسِيَةَ، وكان متحقّقًا بالنَّحو إمامًا فيه درَّسه كثيرًا. وتوفِّي في نحوِ التسعينَ وخمس مئة. ١١٣٠ - لُبُّ (٤) بن عبد الجَبّار بن عبد الرّحمن، شَنْتَمَريٌّ؛ شَنْتَ مَرِيّةِ الشَّرق، أبو عيسى، ابنُ وَرَهزن. سَمِعَ أباه، والقاضيَ أبا بكرٍ ابنَ العَرَبي، لقِيَه بكوليةَ: من الثّغورِ الشَّرقيّة، إذْ غَزاها معَ الأميرِ أبي بكر بن عليِّ بن يوسُفَ بن تاشَفين، في جُمادى الآخِرة سنةَ ثِنتينِ وعشرينَ وخمس مئة؛ وأبا مَرْوانَ بن غَرْدَى.

стр. 1440

رَوى عنه أبو عُمرَ بن عَيّاد؛ وكان فقيهًا واستُقضيَ بأخَرةٍ من عُمُرِه في بلدِه مُضافًا إلى البُونْت، وقد كان وَليَ الأحكامَ بشاطِبة، وتوفِّي سنةَ ثمانٍ وثلاثينَ وخمس مئةٍ وقد نَيَّف على السِّتين. ١١٣١ - لُبُّ (١) بن عبد الملِك بن أحمدَ بن محمد بن نَذير بن وَهْب بن نَذيرٍ الفِهْريُّ، شَنْتَمَريٌّ؛ شَنْتَ مَرِيّةِ الشرق، أبو عيسى. رَوى عن أبيه. رَوى عنه ابنُه أبو العطاءِ وَهْب، وكان فقيهًا واستُقضيَ ببلدِه وِراثةً عن أبيه، ثُم سُعيَ به إلى السُّلطان فغَرَّبَه وأسكَنَه بَلَنْسِيَةَ، إلى أن توفِّي بها بعدَ الأربعينَ وخمس مئة. ١١٣٢ - لُبُّ (٢) بن عليّ بن محمد الأنصاريُّ، أبو الحَسَن. رَوى عن أبي بكر بن أحمدَ بن عبّاس سنةَ ستٍّ وثمانينَ وخمس مئة [١٧٤ و]. ١١٣٣ - لُبُّ بن عليّ بن يوسُفَ بن عبد الوارِث بن أحمدَ بن محمد بن عبد الوارِث السُّلَميُّ، ابنُ صاحبِ الصلاة (٣).

стр. 1441

١١٣٤ - لُبُّ بن محمد بن إشكانةَ الأنصاريُّ، بَلَغمييّ . كان من أهل العِلم والعدالة، حيًّا سنةَ أربع وثلاثينَ وأربع مئة. ١١٣٥ - لُبُّ بن محمد بن الحُسَين بن سَعِيد بن الخَصِر، مَيُورْقيٌّ، أبو عيسى . رَوى عن أبيه، وله إجازةٌ من أبي زكريّا المُصَلِّي بمسجدِ العَيْثم من مِصرَ. ١١٣٦ - لُبُّ (١) بن محمد بن سِرْحانَ بن سيِّد الناس المَعافِريُّ، شاطِبيٌّ، أبو عيسى. رَوى عن عمِّه أبي الحَسَن عَبّاد. ١١٣٧ - لُبُّ (٢) بن محمد بن محمد، شاطِبيّ بَلَنْسيُّ الأصل، أبو عيسى البَلَنْسيُّ. صَحِبَ أبا عُمر بن عاتٍ، وأطال مُلازمتَه وأكثَرَ عنه، وأبا الخَطّاب بنَ واجِب وأبا عبد الله بنَ سَعادةَ المُعمَّرَ وغيرَهم (٣). وكان من أهل الثِّقةِ والعدالة ذاكرًا للحديثِ صاحبَ أُصولٍ عتيقة. توفّي بشاطِبةَ غُرّةَ جُمادى الأولى سنةَ إحدى وثلاثينَ وست مئة. ١١٣٨ - لُبُّ بن محمد بن وَهْب بن نَذيرٍ الفِهْرِيُّ، بَلَنْسيٌّ . كان من أهل العلم، حيًّا سنةَ سبع وتسعينَ وخمس مئة. ١١٣٩ - لُبُّ بن محمد . كان فقيهًا جَليلًا واستُقضىَ ببَلَغِي، وكان بها قاضيًا سنةَ ستٍّ وثلاثينَ وأربع مئة.

стр. 1442

١١٤٠ - لُبُّ بن أبي عامر بن نَذير الفِهْرِيُّ، بَلَنْسيٌّ، أبو عيسى . رَوى عن أبي الرَّبيع بن سالم، لعلّه الذي يليه قَبلَه. ١١٤١ - لُبُّ بن يوسُفَ الصَّدَفيُّ، أبو الوليد . رَوى عن شُرَيْح. ١١٤٢ - لوعاش بن محمد بن أبي الخَيْر، أبو الحَمْأة . رَوى عن أبي الخَطّاب بن واجِب. ١١٤٣ - لو عاش بن الحَسَن بن محمد اللَّخْميُّ، مَيُورْقيٌّ . كان عاقدًا للشُّروطِ عَدْلًا، حيًّا سنةَ ثَنْتينِ وتسعينَ وخمس مئة. ١١٤٤ - اللَّيثُ بن أحمدَ بن حُرَيْث العَبْدريُّ، قُرطُبيٌّ . كان من أهل العِلم والعدالة، بارعَ الخَطّ، حيًّا سنةَ سبع وثمانينَ وأربع مئة. ١١٤٥ - اللَّيثُ (١) بن أحمدَ بن محمد بن اللَّيث، قُرطُبيٌّ. رَوى عن أبيه أبي عَمْرو، وكان من أهلِ الأدبِ البارع، وهُو كان الأغلبَ عليه.

стр. 1443

الميم ١١٤٦ - محمدُ بن أحمدَ بن أحمدَ الأنصاريّ، قُرطُبيّ . كان من أهل العلم [١٧٥ ظ] والتبريز في العَدالة، حيًّا سنةَ ثمانينَ وثلاث مئة. ١١٤٧ - محمدُ (١) بن أحمدَ بن أَبَانٍ الشَّعْبانيُّ، رُنْديٌّ، أبو عبد الله. تَلا القرآن على أبي مَرْوانَ بن الطُّفَيْل. تَلا عليه بالسَّبع أبو عليّ الرُّنْديُّ وعندَه تأدَّب بالقرآن، وكان مُكْتِبًا محمودًا عارِفًا بالقراءاتِ ضابِطًا لها متصدِّرًا للإقراءِ ببلدِه، مذكورًا بفَضْلٍ ودينٍ مَتِين. وتوفِّي في حدود سبع وستينَ وخمس مئة. ١١٤٨ - محمدُ بن أحمدَ بن إبراهيمَ بن أسد الجُذَاميُّ، غافِقيٌّ (٢)، أبو بكر. رَوى عن أبوَي الحَسَن: شُرَيْح وابن [....] (٣) الزُّهْري، ولعلّه الغَرْناطيُّ المذكورُ بعدُ قريبًا من آخِر المحمَّدِينَ من بني أحمدَ، واللهُ أعلم. ١١٤٩ - محمدُ بن أحمدَ بن إبراهيمَ بن عبد الله الأنصاريُّ، إشبِيليٌّ فيما أحسِب . رَوى عن أبي العبّاس بن مُنذِر بن جَهْوَر، وكان مُقرِئًا مجوِّدًا، حيًّا في صَفَرِ ثلاثينَ وست مئة. ١١٥٠ - محمدُ بن أحمدَ بن إبراهيمَ بن عبد الرّحمن الضَّبِّيُّ، أبو عبد الله . رَوى عن أبي الحُسَين بن مَعْدَان، وأبي عليّ بن سُكّرةَ.

стр. 1444

١١٥١ - محمدُ (١) بن أحمدَ بن إبراهيمَ بن عيسى بن هِشَام بن جامع بن جَرّاح ابن لواءٍ الأنصاريُّ الخَزْرَجيّ، من وَلَد زُريق بن عبد حارِثة بن مالكِ بن غَضْبِ ابن جُشَم بن الخَزْرج، أو مِن وَلَد زُريق بن عامر بن زُرَيقٍ المذكور، جَيَّانيّ، أبو عبد الله، البغداديُّ؛ لطُولِ سُكناهُ إيّاها، وإليه يُنسَبُ مسجدُ البغداديِّ بجَيّانَ. رَوى ببلدِه عن مَشْيَختِه، وبقُرطُبةَ عن أبي عبد الله بن فَرَج، وأبي عليّ الغَسّاني، وأبي محمد بن عَتّاب، وأبي الوليدِ هِشام بن العوّاد. ورَحَلَ إلى المشرِق، فسَمِعَ بالإسكندَريّة أبا بكر بنَ الوليد الطَّرْطُوشيَّ، وبمكَّةَ شرَّفَها اللهُ أبا عبد الله الحُسَين بنَ عليّ الشَّيْبانيَّ الطَّبَريَّ [....] (٢) عن جماعة من جِلّة عُلمائها كأبي بكرٍ محمد بن أحمدَ الشاشِيّ، وأبي الحَسَن عليِّ بن محمد بن عليّ الطَّبَري المعروفِ بإلكيَا هَرّاس (٣)، ولزِمَه طويلًا وتفَقَّه به، وأبي طالبٍ الحُسَين بن محمد الزَّيْنَبي، وأبي عبد الله، ويقال فيه: أبو بكر، محمدِ بن أبي بكر بن محمد بن أبي نَصْر التَّميميِّ القَيْرَوانيِّ البارع في معرفةِ الأصُول، وأبي عليّ الحُسَين بن [١٧٦ و] أحمدَ بن عليِّ بن جعفرٍ الشَّقَّاق، وأبي [عبد الله محمد بن عتيق] (٤) بن أبي كُدْيةَ، وغيرهم بمِصرَ والشام والمَوْصل. ثُم قَفَلَ إلى بلادِ المغرِب، وذلك في حدودِ خمسةَ عشَرَ وخمس مئة. رَوى عنه أبو بكر بنُ مُؤمن، وآباءُ الحَسَن: ابنُ خَلَف بن غالب، وابن الضَّحّاك وابن مُؤمن ومحمدٌ الشَّقُوريّ، وأبو الخَليل مُفرِّجُ بن سَلَمةَ، وآباءُ عبد الله: ابن أحمدَ بن الصَّيْقَل وابن أحمدَ بن حَمِيد والنُّمَيْريّ، وأبو العبّاس بن

стр. 1445

عبد الرّحمن بن الصَّقْر، وأبو عليّ الحَسَن بن عبد الرّحمن بن عبد رَبِّه، وأبو القاسم عبدُ الرّحيم ابن المَلْجُوم، وأبَوا محمد: ابن عُبَيد الله وابن عليّ بن خَلَف، وغيرُهم. وكان فقيهًا حافظًا مُشاوَرًا عارِفًا بأُصُولِ الفقه، وصَنَّفَ في مسائل الخلاف "تعليقته" المشهورَة في سبعة أسفار؛ وذَكَرَ أنهُ بَعَثَ حينَ قَدِمَ إلى المغرِب ونَزلَ مدينةَ فاسَ بشيءٍ منها إلى أبي موسى عيسى بن يوسُفَ ابن المَلْجُوم فقال: هذه شِعْرا (١)، يعني استحسانًا لها واستعظامًا لِما احتَوَتْ عليه. ومن مصنَّفاتِه: كتابُ "أسرارِ الإيمان" في سِفر، وقد كان استَظهَرَ في صِغَرِه قبلَ خروجِه منٍ بلدِه "تهذيبَ المُدوَّنة" لأبي القاسم البَرَاذِعيّ، وعُنِي بحفظِ مسائل الفقه عنايةً تامّة، وهُو كان مُعظَمَ علمِه. وكان أوّلَ قدومِه من المشرِق إلى المغرِب (٢) نَزلَ مدينةَ فاسَ وقَعَدَ بغَرْبيِّ جامع القَرَوِّيينَ منها يدرِّسُ الفقهَ، وأقام بها مُدّة، ثم تحوَّل إلى بلدِه جَيّان، فجلسَ فيها بمسجدِه المنسُوبِ إليه للوَعْظ والقَصَص وإيرادِ حكاياتِ الصالحين، ونَحا مَنْحَى الزُّهد، وكانت العامةُ تنتابُ مجلسَه، واستمرَّ على ذلك من حالِه إلى عام تسعةٍ وثلاثينَ، أو أربعينَ، وخمس مئة، فخَرَجَ من بلدِه للفتنةِ الدَّهْماءِ التي اجتاحَتْه وأزعَجَت أهلَه عنهُ حتّى لم يَبْقَ بها إلا عاجزٌ عن النُّقْلة لضَعْفٍ أو هَرَم أو مَن لا يُؤبَهُ له، نعوذُ بالله من الفِتَن، وما تجُرُّه من ضروب المِحَن؛ فقَصَدَ مدينةَ فاسَ ونَزلَها عامَ أربعةٍ وأربعين، وأقام بها يدرِّسُ الفقهَ وأُصولَه ومسائلَ الخلاف، وأُخِذ عنه مصنَّفاتُ شيخِه أبي [١٧٦ و] الحَسَن إلكِيَا هَرّاس، وسُئل عن معنى هذا اللفظِ فقال: معنى إلكِيَا: الحبر (٣)، وكان لأبيه عَبِيدٌ يعمَلونَ الهَرِيسةَ فنُسِب إلى ذلك. ولم يزَلْ أبو عبد الله البغداديُّ بفاسَ مُقبِلًا على نَشْر العلم وإفادتِه إلى أن توفِّي بها يومَ الجُمُعة لخمسٍ بقِينَ من ذي الحِجّة عامَ ستةٍ وأربعينَ وخمس مئة،

стр. 1446

قاله أبو القاسم ابنُ المَلْجُوم. قال: وأخبَرَني أنّ مولدَه يومُ الخميس ثاني عيدِ الأضحى عامَ سبعينَ وأربع مئة، وقال ابنُ الزُّبَيْر: إنّ وفاتَه كانت في ذي القَعْدة، ووافَقَ في سائرِه؛ وقال أبو العبّاس بنُ الصَّقْر: إنه توفِّي سنةَ ثمانٍ وأربعينَ، واليدُ بما قالهُ ابنُ المَلْجُومِ أوثَقُ؛ لضَبْطِه وحضورِه إيّاه، واللهُ أعلم. ١١٥٢ - محمدُ بن أحمدَ بن إبراهيمَ الكَلْبيُّ، أبو بكر . رَوى عن شُرَيْح. ١١٥٣ - محمدُ (١) بن أحمدَ بن إبراهيم، أبو بكر. كتب عنه أبو القاسم ابن بَشْكُوال. ١١٥٤ - محمدُ (٢) بن أحمدَ بن أبي بكر بن فَرْح -بسُكون الراءِ والحاءِ الغُفْل- الأنصاريُّ الخَزْرَجيُّ، قُرطُبيٌّ استَوطَنَ مُنْيَةَ ابن خَصِيب من أرض مِصر.

стр. 1447

تَلا بالسَّبع في بلدِه على أبي جعفر بن أبي حُجّة، ورَوى عن أبي عامر بن رَبيع وأكثَرَ عنه، ورَحَلَ إلى المشرِق ورَوى هنالك عن أبي العبّاس أحمدَ بن عُمرَ الأنصاريِّ القُرطُبي، وأبوَيْ محمد: عبد المُعطي بن محمد بن عبد المُعطي اللَّخْميِّ الإسكندَرانيّ وعبد الوهّاب بن ظافِر بن عليِّ بن فُتُوح بن أبي الحَسَن القُرَشيّ ابن رَوَاج، وأكثَرَ عنه. حدّثنا عنه أبو جعفر بنُ الزُّبَيْر، كتَبَ إليه من مِصرَ، وكان من أهل العلم بالحديثِ والاعتناءِ التامّ بروايتِه، حيًّا سنةَ ثمانٍ وخمسينَ وست مئة. ١١٥٥ - محمدُ بن أحمدَ بن أبي بكرٍ العَبْدريّ، أبو عبد الله . رَوى عن أبي الرَّبيع بن سالم. ١١٥٦ - محمدُ (١) بن أحمدَ بن أبي صُوفةَ الحَجْريُّ، قُرطُبيٌّ سكَنَ الجزيرةَ الخَضْراءَ، أبو عبد الله. رَوى عنه أبو عبد الله القَبَاعيُّ. وكان مُقرِئًا مجوِّدًا مُفْتِيًا راوِيةً للحديث منسُوبًا إلى العلم به، فقيهًا حافظًا عارِفًا بالنّوازل بَصِيرًا بطُرُقِ الفَتْوى، نَحْويًّا

стр. 1448

ماهرًا، وَرِعًا زاهدًا، شُووِرَ بقُرطُبةَ، ووَليَ قضاءَ الجزيرةِ الخَضْراء، وكان حيًّا سنةَ ثلاثَ عشْرةَ وخمس مئة. ١١٥٧ - محمدُ بن أحمدَ بن أبي طالب [١٧٧ و] اللَّخْميُّ . رَوى عن أبي الحَسَن بن هشام الشَّرِيشيّ. ١١٥٨ - محمدُ بن أحمدَ بن أبي العافية الإيَاديّ، قُرطُبيّ [ ...] (١). كان رجُلًا فاضلًا من أهل العِلم والصَّلاح، أَمَّ (٢) في الفريضة بمسجدِ أُمّ هشام، واستَأْدبَه المأمونُ ابنُ المُعتمِد بن عَبّاد لوَلَدِه، وكان حيًّا سنةَ ثلاثٍ وثمانينَ وأربع مئة. ١١٥٩ - محمدُ بن أحمدَ بن أبي عامر، قُرطُبي . كان حيًّا سنةَ ستَّ عشْرةَ وخمس مئة. ١١٦٠ - محمدُ بن أحمدَ بن أبي العَيْش بن فُرَيْخ -تصغيرَ فَرْخ بالخاءِ المعجَم- إشبِيليٌّ، أبو عبد الله . رَوى عن أبي إسحاقَ بن مُلْكُون. رَوى عنه أبو الأصبَغ عبدُ العزيز بن محمد بن فَرَج، وأبو الحَسَن بن يحيى بن عَمْرِيلَ، وأبو بكر بن يوسُفَ أبو العافية، وإبراهيمُ بن عليّ بن محمد العَبْدريُّ، وعليُّ بن إبراهيمَ الأرْكَشيّ، ومحمدُ بن أحمدَ بن شَجَرةَ (٣) ومُفرِّج بن محمد بن مُفرِّج. ١١٦١ - محمدُ بن أحمدَ بن أبي غالب العَبْدريُّ [....] (٤) أبو عبد الله. رَوى عنه أبو محمد بن إبراهيمَ التُّطيليّ، وكان فقيهًا حافظًا نَحْويًّا ماهرًا، وقَفْتُ له على "شَرْح الجُمَل" من تأليفه بخطِّه، وسَمّاه بـ "المُنتخَل"، وهو مختصَرٌ مفيد، واستُقضيَ.

стр. 1449

وتوفِّي بمَرّاكُشَ صَدْرَ يوم الأربعاءِ لتسع خَلَوْنَ من رَمَضانِ ستٍّ وعشرينَ وست مئة، وصَلّى عليه أبو أُمَيّةَ إسماعيلُ بن سَعْدِ السُّعود بن عُفَيْر بمقبُرةِ تَامَر اكُشْت. وذَكَرَ أبو جعفر بنُ الزُّبَيْر ما نَصّه: محمدُ بن أبي العبّاس أحمدَ بن أبي غالب، من أهل مالَقةَ ومن بيتِ علم وأدب، يُكْنَى أبا عبد الله؛ كان أديبًا كاتبًا وشاعرًا مطبوعًا، رَوى عنه أخوه أبو داودَ سُليمانُ بعضَ شعرِه، وذَكَرَه أبو عَمْرو بنُ سالم، وتوفِّي بمَرّاكُشَ سنةَ ستٍّ وعشرينَ وست مئة. فيظهَرُ من بعض ما ذَكَرَه به أنه المترجَمُ به. وقد كان ذَكَرَ قبلُ بينَ من توفِّي في محرَّم ومَن توفِّي آخرَ رجَب، وكلاهما من سنة ستَّ عشْرةَ وست مئة -ما نصُّه: محمدُ بن أبي العبّاس أحمدَ بن أبي غالب العَبْدريّ، يُكْنَى أبا عبد الله؛ كانت له مُشاركةٌ في فنونٍ من العلم كالفقه وأُصُولِه والعربيّة وغيرِ ذلك، ووُلوعٌ بالمنطِق حتى شَرَحَ كتاب "المُستصفَى" فما زادَ على أنْ أرى في مسائلِه كيفيّةَ الإنتاج بإظهارِ المُقدِّمتَيْنِ في كلِّ مسألةٍ مسألة وما تُنتجُه ورَدِّها إلى ضُروبِها من الأشكال [١٧٧ ظ] المَنطِقيّة على مَراتبِها، وقلّما تعَرَّضَ لغيرِ هذا وما سَئِم منه ولا كَلَّ على طُول الكتاب. وألّف في العربيّة تأليفًا مختصَرًا لا بأسَ به، أمّا شَرْحُه فأقلُّ شيءٍ فائدة، ووَلِيَ القضاءَ، وكذلك أبوه أبو العبّاس، وَقَفْتُ على ما ذكَرْتُه من تأليفِه. انتهى. ويظهَرُ من بعضِ ما ذَكَرَه به أيضًا أنه المترجَمُ به، ويُقطَعُ بأنّهما عندَه رجُلانِ؛ لذِكْرِه إيّاهما في طبَقتَيْنِ، وشارحُ "المُستصفَى" و"الجُمَل" هو الذي ترجَفنا به، لا محالةَ، وهُو المتوفَّى بمَرّاكُش حسبَما ذكَرْناه، وفيما وَقَعَ عندَ ابن الزُّبَيْر نظَر، واللهُ أعلم. ١١٦٢ - محمدُ بن أحمدَ بن أبي الفَتْح بن منصُور البَكِّيُّ، بواحدة، ابنُ الرائس . رَوى بمَرّاكُشَ عن أبي العبّاس أحمدَ بن محمد بن عبد العزيز القَيْسيِّ، وأبي عيسى يوسُفَ بن عيسى الشَّرِيشي.

стр. 1450

١١٦٣ - محمدُ (١) بن أحمدَ بن أبي القاسم الأنصاريّ، خَضْراويّ شَرِيشيُّ الأصل، أبو عبد الله السُّمَاتيُّ الشَّرِيشيّ. تَلا بالسَّبع على أخيه عليّ وأبوَيْ عَمْرٍو: ابن عَظِيمةَ، وهو آخِرُ الرُّواةِ عنه، والرطنداليِّ، وشارَكَ فيهما (٢) أخاه كبيرَه أبا الحَسَن، ورَوى عن أبي زَيْد السُّهَيليَّ وأبي محمد بن حَوْطِ الله، ولقِيَ أبا السُّعود الطيَّب. تَلا عليه بالسَّبع أبو القاسم محمدُ بن عبد الرّحيم بن الطيِّب. وكان خاتمةَ المُقرِئينَ المجوِّدين، شديدَ الحياءِ شهيرَ الزُّهد، طويلَ الصَّمت لا يتكلَّمُ إلا فيما يَعْنيه، لم يتَصدَّرْ للإقراءِ منفرِدًا به، وإنّما ثابَرَ على الإكتاب وتأديبِ النّساءِ لرُؤيا رآها إثْرَ وفاةِ أخيه أبي الحَسَن: فإنهُ سُئل منه التصَدُّرُ للإقراءِ والقعودُ له موضعَ أخيه، فامتَنعَ من ذلك ثم أسعَفَ فيه؛ فرَأى ليلةَ عَزَمَ على التصَدُّر في صَبيحتِها لذلك كأنه خرَجَ من منزلِه قاصدًا موضعَ أخيه، فاكتنَفَه شخصانِ عن اليمينِ وعن الشِّمال وقالا له: اقرَأ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] , قال: فجعَلْتُ أقرأُها، وهما يَسيرانِ بي إلى أن انتهَيْنا إلى موضعِ تعليمي للصِّبْيان، وأنا حينَئذٍ قد بلَغْتُ قولَ الله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] فقالا لي: إلى أين تذهب؟ لا سبيلَ لك إلى مُفارقةِ هذا الشَّأن، فنقَضَ عَزْمَه ذلك واقتصَرَ على تعليم الصِّبْيان إلّا مَن قصَدَه للتجويد [١٧٨ و] عليه فإنه كان يسمَحُ له بذلك؛ ولم يزَلْ على حالِه السَّنِيِّ من الفَضْل ومَتانةِ الدِّين إلى أن توفِّي بالجزيرةِ الخَضْراءِ سنةَ ثلاثٍ وخمسينَ وست مئة وقد أربَى على التسعين (٣). ١١٦٤ - محمدُ بن أحمدَ بن إدريسَ الحَضْرَميّ، أندَلُسيٌّ، أبو عبد الله . له رحلةٌ رَوى فيها بمكّةَ شرَّفَها اللهُ عن الحَسَن بن عبد الله بن عُمرَ المُقرِئ.

стр. 1451

١١٦٥ - محمدُ (١) بن أحمدَ بن إسحاقَ بن طاهِر، مُرْسِيّ، أبو عبد الرّحمن. رَوى عنه أبو عَمْرِو زيادٌ ابنُ الصَّفّار وأبو نَصْر الفَتْحُ بن محمد بن عُبَيد الله. وكان أحدَ المتقدّمينَ في البلاغة بارعَ الكتابة فَصيحًا خَطيبًا أفضَتْ إليه حِينًا رئاسةُ تدبر بلدِه فسارَ فيه أحسَنَ سِيرة، وكانت أيّامُهُ أيامَ عَدْلٍ وإفضال، ودَفْعَ بَأْسٍ وتسويغَ آمال، ثُم أنحَتْ (٢) عليه حوادثُ الأيام بما أدَّى إلى اعتقالِه، ولم تَخْلُ الاَمالُ من التعلُّق باستقلالِه، وعَوْدِه إلى أفضلِ ما عُهِد من أحوالِه، وفي مثل ذلك يقولُ أبو جعفرٍ البَتّي (٣) من قصيدة (٤) [الطويل]: أترْضى عن الدنيا فقد تَتَشَوَّفُ ... لَعَمْرُ المعالي إنّها بك تَكْلَفُ يقولونَ: لَيْثُ الغابِ فارَقَ غيلَهُ ... فقلتُ لهم: أنتُم له الآنَ أخوَفُ

стр. 1452

ولن تَرهَبوا الصَّمصامَ إلّا إذا غَدا ... لكمْ بارِزًا من غِمدِه وهْو مُرهَفُ ستَفرُغْ يمناه لتَكتُبَ أسطُرًا ... يرى الموتُ في أثنائها كيف يَدْلِفُ إذا غَضِبتْ أقلامُهُ قالتِ القَنَا: ... فَدَيْناكَ إنّا بالمَقاتل (١) أعرَفُ فتكشِفُ عن سرِّ الكتيبةِ مثلَما ... رأيناكَ عن سرِّ البلاغةِ تكشِفُ وَيعتزُّ (٢) لي هذا الزّمانُ بجَوْلةٍ ... على مَن به دونَ الوَرَى كان يُشرِفُ رُوَيْدًا قليلًا يا زمانُ فإنّهُ ... يُغِصُّك منه بالذي أنت تَعرِفُ (٣) ولم يزَلْ أبو بكر بنُ عبد العزيز صاحبُ بَلَنْسِيَةَ يُعمِلُ الحِيلةَ في تسريحِه إلى أن سُرِّح، فتوَجَّه إلى بَلَنْسِيَةَ، فلمّا انتهَى إلى جزيرةِ شُقْر أوّلَ عمَلِ أبي بكر بن عبد العزيز كتَبَ إليه (٤): كتابي وقد طَفَلَ العَشِيّ، وسال (٥) بِنا إليك المَطِيّ، لها من ذِكْراكَ حاد، ومن رجاءِ لُقْياكَ (٦) هاد، وسنُوافيكَ المساء، فنَغفِرُ للزمانِ ما أساء (٧)، ونَرِدُ ساحةَ الأمن [١٧٨ و] ونشكرُ عظيمَ ذلك المَنّ، فهذه النفْسُ أنت مُقيلُها، وفي بُرْدِ ظلِّك يكون مَقيلُها، فلله مَجْدُك وما يأتيه، لا زِلتَ للوفاء تُحييه، ودانَتْ لك الدُّنيا، ودامَتْ بك العُليا. فبادَرَ ابنُ عبد العزيز إلى لقائه، [وأنزَلَه في قَصْر مجُاوِر لقصرِه، وأشرَكَه في أمرِه ونَهيِه] (٨)، فكتَبَ إليه (٩):

стр. 1453

"مَنْ ذا يُضاهيك، وإلى النَّجم مَرامِيك، فشَأْوُكَ لا يُدرَك، وشِعبُك لا يُسلَك، أُقسم لأعقِدَنَّ (١) على عُلاك منَ الثناءِ إكليلًا، يذَرُ اللَّحظَ من سناهُ كليلًا، ولأُطوِّقَنّهُ شَرْقَ البلاد وغَرْبَها، ولأُحمِّلَنّه عُجْمَ الرجالِ وعُربَها، وكيف لا وقد نَصَرْتَني نَصْرًا مؤزَّرًا، وصَرَفْتَ عنّي الضَّيمَ عقيرًا معفَّرًا، وألبَسْتَني البَأْوَ بُردًا مُسهِّمًا، وأولَيْتَني البِرَّ فضلًا مُتمِّمًا". وله في أعلام رُؤساءِ الأندَلُس بخَلاصِه من ثِقافِه وشكرِ ابن عبد العزيز على السَّعي في تخليصِه رسائلُ كثيرةٌ بارعةٌ ضمَّنها معَ سِواها من رسائلِه أبو الحَسَن بنُ بَسّام في كتابٍ ترجَمَه بـ "سِلْكِ الجَواهر من نوادرِ ترسيلِ ابن طاهر" (٢) -وبَقِيَ عندَه معروفَ الفضلِ مُعظَّمًا إلى أن توفّي ابنُ عبد العزيز، ثُم تغَلَّب على بَلَنْسِيَةَ طاغيةُ الرُّوم (٣)، فأسَرَه فيمَن أَسَر، ثم كيَّفَ الله إنقاذَه، فخَلَصَ إلى شاطِبةَ؛ ولمّا انتَزَعَ اللَّمتُونيُّونَ بَلَنْسِيَةَ من يد المتغلِّب عليها (٤) عاد ابنُ طاهر إليها، ولزِمَ بيتَه بنفْسِه خاليًا، وعلى ما يخُصه من شُؤونِه مُقبِلًا. ومن إنشائه صَكٌّ بتقديم صاحبِ أحكام على بعض جِهات مُرْسِيَةَ إذ كانت إلى نظرِه (٥): "قَلَّدت فلانًا وفَّقه اللهُ النَّظرَ في أحكام فلانة، وتخيَّرتُه لها بعدَما خَبِرتُه، واستَخْلفتُه [عليها وقد عَرَفتُه، وقَلَّدتُه] (٦) واثقًا بدينِه، راجِيًا لتحصينه؛ لأنه احتاطَ فَعلِم، وإن أضاع أثِم، فلْيُقمِ الحقَّ على أركانِه، ولْيَضَع العَدْلَ في ميزانِه، ولْيُساوِ بين خصومِه، ولْيَأخُذْ منَ الظالم لمظلومِه، فقِفْ (٧) في الحُكم عندَ اشتباهِه، ونفِّذْه

стр. 1454

عندَ اتّجاهِه، ولا تَقبَلْ غيرَ المَرْضي في شَهادتِه، ومن (١) لا تَعرِفُ سوى الاستقامةِ من عادتِه، ولْتَعْلَمْ أنّ اللهَ مُطَّلعٌ على خَفِيّاتِه، وسائلُهُ يومَ مُلاقاتِه". توفِّي ببَلَنْسِيَةَ، وصُلِّي عليه بها، وحُمِلَ إلى مُرْسِيَةَ فدُفنَ بها، وقد جاوَزَ التسعينَ من عُمُرِه سنةَ ثمانٍ، وقيل: سنةَ سبع، وخمس مئة. ١١٦٦ - محمدُ بن أحمدَ بن [١٧٩ و] إسماعيلَ بن الصّميل بن إسماعيلَ بن عَمْرٍو القَيْسيّ، بَطَلْيَوْسيُّ الأصل، نَزَلَ إشبيلِيَةَ، أبو بكرٍ وأبو عبد الله . رَوى عن أبوَيْ بكر: ابن الجَدّ وابن خَيْر، وأبي جعفر بن مَضَاء، وأبوَي الحَسَن: عبد الرّحمن بن محمد بن مَسْلَمةَ ونَجَبةَ، وأبي زَيْد وأبي العبّاس وأبي محمد عبد الحقِّ بني خليل، وآباءِ عبد الله: ابنَي الأحمدَيْن: ابن عَرّاق وابن المُجاهِد، وابن إبراهيمَ ابن الفَخّار وابن سَعِيد بن زَرْقُون وابن عبد الملِك ابن بَشْكُوالَ، وأبي القاسم ابن بَشْكُوالَ، وأبوَيْ محمد: ابن أحمدَ بن مَوْجُوال وعبدِ الجَبّار بن طاهِر؛ وشيوخُهُ يُنيفونَ على سبعينَ وقَفْتُ على خطوطِ جماعةٍ منهم. رَوى عنه أبو الخَطّاب بنُ خليل وأبو الوليد إسماعيلُ ابن الأديب؛ وكان محدِّثًا مُتقِنًا ضابِطًا عُني بضَبْطِ أصُول كُتُبِه الأَعلاق وجَوَّد تقييدَها حتّى كان معتمَدًا فيها عليه ومَرجوعًا في إتقانِها إليه، وكتَبَ بخطِّه الكثيرَ، وكان جيِّدَ الخَطّ، وتوفِّي سنةَ ستٍّ مئةٍ أو بعدَها بقليل. ١١٦٧ - محمدُ بن أحمدَ بن إسماعيلَ بن قَرِيّةَ -بفَتْح القافِ وكسرِ الراء وتشديدِ الياص المسفُولة- بَلَنْسيٌّ فيما أحسِب، أبو القاسم . رَوى عن أبي الحَسَن ابن النِّعمة. ١١٦٨ - محمدُ بن أحمدَ بن الأشَجّ، بَلَنْسيٌّ فيما أظُنّ، أبو بكر . رَوى عن أبي عبد الله بن [....] (٢) القَرَويّ.

стр. 1455

١١٦٩ - محمدُ بن أحمدَ بن أصبَغَ بن هَيْثَم التَّغلَبيّ، غَرْناطيٌّ، أبو عبد الله . رَوى عن شيوخ بلدِه، وكان فقيهًا حافظًا، وتوفِّي بالمُنكَّب في صَفَرِ ثلاثٍ وأربعينَ وست مئة. ١١٧٠ - محمدُ بن أحمدَ بن باقِ بن أحمدَ الأنصاريُّ، إسْتِجِيٌّ فيما أرى . أخَذَ السَّبعَ عن الحاجِّ أبي محمد بن محمد الإسْتِجيِّ ابن الفَخّار؛ وكان مُقرِئًا متصدَرًا مُلتزِمَ الإقراءِ إلى أن توفِّي بإستِجَةَ بعدَ الأربعينَ وست مئة. ١١٧١ - محمدُ (١) بن أحمدَ بن برد، مَوْلى بني شُهَيْد، قُرطُبيٌّ سكَنَ المَرِيّة. رَوى عن أبيه أبي حَفْص، وأبي الحَسَن عبد الملِك بن مَرْوانَ بن شُهَيْد وغيرِهما. وكان من بيتِ كتابةٍ ونَباهة، ومحمد هذا هُو والدُ أبي حَفْص بن برد الأصغَر (٢)، وفي حياتِه توفِّي ابنُه بالمَرِيّة وثَكِلَه سنةَ خمس وأربعينَ وأربع مئة. ١١٧٢ - محمدُ (٣) بن أحمدَ بن جُبَيْر بن محمد بن جُبَيْر بن سَعِيد بن جُبَيْر بن [١٧٩ ظ] سَعِيد بن جُبَيْر بن سعِيد بن جُبَيْر بن محمدِ بن مَرْوانَ بن عبد السّلام بن مَرْوانَ بن عبد السّلام بن جُبَيْر الكِنَانيّ الداخِل إلى الأندَلُس في طالعةِ بَلْج بن بِشْر بن عِيَاضٍ القَيْسيّ القُشَيْريّ، وفي محرَّم ثلاث وعشرينَ ومئة، وكان نزولُه

стр. 1456

بكُورةِ شذُونة، وهو من وَلَد ضَمْرةَ بن كِنَانةَ بن بكرِ بن عبد مَنَاةَ بن كِنَانةَ بن خُزَيْمةَ بن مُدرِكة بن إلياسَ بن مُضَرَ بن نِزَار بن مَعَدِّ بن عَدْنان؛ بَلَنْسيٌّ نزَلَ أبوه شاطِبةَ، ثم استَوطنَ هو جَيّانَ ثم غَرْناطةَ ثم فاسَ ثم الإسكندَريّة، وأقام أثناءَ ذلك بسَبْته ومالَقةَ وغيرِهما حسبَما اقتَضَتْه الأحوال، أبو الحُسَين، وهُو سِبطُ أبي عِمرانَ بن عبد الرّحمن بن أبي تَليدٍ الشاطِبيّ. رَوى أبو الحُسَين بالأندَلُس عن أبيه، وأبي الحَسَن بن محمد بن أبي العَيْش، وأبوَيْ عبد الله: ابن أحمدَ بن عَرُوس وابن الأصِيليّ، وأخَذَ العربيّةَ عن أبي الحَجّاج بن يبقى بن يَسْعُون، وبسَبْتَةَ عن أبي عبد الله بن عبد الله بن عيسى التَّميميّ السَّبْتِيِّ؛ وأجازَ له أبو الوليد يوسُفُ بن عبد العزيز ابن الدَّبّاغ. وله رِحَلٌ ثلاثٌ من الأندَلُس إلى المشرِق حَجَّ في كلِّ واحدةٍ منها. وفَصَلَ عن غَرْناطةَ للرِّحلة الأولى أوّلَ ساعةٍ من يوم الخميس لثمانٍ خَلَوْنَ من شوّالِ ثمانٍ وسبعينَ وخمس مئة صُحبةَ أبي جعفر بن حَسّان، وحَجَّ سنةَ تسع وسبعينَ، وعاد إلى وَطَنِه غَرْناطةَ فوَصَلَ إليها يومَ الخميس لثمانٍ بَقِينَ من محرَّم إحدى وثمانينَ، ولقِيَ في هذه الرِّحلة جماعةً من أعلام العلماءِ وأكابرِ الزُّهّاد والفُضَلاء، منهم بمكّةَ، شرَّفها اللهُ: ضِياءُ الدِّين أبو أحمدَ عبد الوهّاب (١) بن عليّ بن عليّ ابن سُكَيْنةَ، وأبو إبراهيمَ إسحاقُ بن إبراهيمَ بن عبد الله الغَسّانيُّ التونُسيُّ وأبو حَفْص عُمرُ بن عبد المجِيد بن عُمرَ القُرَشيُّ المَيَانجِيُّ نَزيلا مكّةَ، وأبو جعفرٍ أحمدُ بن عليّ القُرطُبيُّ الفَنَكِيُّ وأبو محمد عبدُ اللّطيف بن محمد بن عبد اللّطيف الخُجَنْديُّ رئيسُ الشافعيّةِ بأصبَهانَ، وببغدادَ العالِمُ الواعظُ المُستبحِر أبو الفَرَج -وكَنَاه أبا الفضائل (٢) - ابنُ الجَوْزي، وحَضَرَ بعضَ مجالسِه الوَعْظيّة،

стр. 1457

وقال فيه (١): فشاهَدْنا رجُلًا (٢) ليس من عَمْرٍو ولا زَيْد، وفي جَوْف الفِرَا كلُّ الصَّيد؛ [١٨٠ و] وبدمشقَ: أبو الحُسَين أحمدُ بن حمزةَ بن عليّ بن الحُسَين بن الحَسَن بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس السُّلَميُّ ابنُ المَوازِينيّ، وأبو سعيدٍ عبدُ الله بن محمد بن أبي عَصْرونَ، وأبو الطاهر تركاتٌ الخُشُوعيُّ وسَمِعَ عليه، وعمادُ الدِّين أبو عبد الله محمدُ بن محمد بن حامدٍ الأصبَهانيُّ الكاتبُ ابنُ أُله، وأخَذَ عنه بعضَ كلامِه وغيره، وأبو القاسم عبدُ الرّحمن بن الحُسَين بن الخَضِر ابن عَبْدَانَ، وأربوا محمد: عبدُ الرزّاق بن نَصْر بن مُسَلَّم النَّجّار، والقاسمُ بنُ عليّ بن عَساكرَ وسَمِعَ عليه، وأبو الوليد إسماعيلُ بن عليّ بن إبراهيم، والحُسَين بنُ هِبة الله بن محفوظِ بن صِصْرَى الرَّبَعيُّ التَّغْلَبيُّ، وعبدُ الرّحيم بن إسماعيلَ بن أبي سَعْد الصُّوفي، وأجازوا له، وسَمِع على بعضِهم سوى من ذَكَرَ سَماعَه هو عليه منهم؛ والشّيخُ الفاضل أبو عبد الله المُرادِيُّ الإشبِيليُّ نَزيلُ دمشقَ؛ وبحَرَّان: المتكلّمُ الصُّوفيُّ العارِفُ أبو البَرَكات حيّان بن عبد العزيز، وابنُه الحاذي حَذْوَه أبو عليّ عُمر. وهذه الرِّحلةُ هي التي صنَّفَ وذَكَرَ مَناقلَه فيها وما شاهَدَ من عجائبِ البُلدان وغرائبِ المشاهد وبدائعِ المصانع، وهُو كتابٌ مُمتِع مُؤْنِس مُثيرٌ سواكنَ النفوسِ إلى الوِفادة على تلك المَعالِم المُكرَّمة والمشاهدِ المُعظَّمة، وكان أبو الحَسَن الشارِّيُّ يقولُ: إنّها ليست من تصنيفه وإنّما قَيَّد معانيَ ما تضمَّنَتْه، فتوَلَّى ترتيبَها ونَضْدَها بعضُ الآخِذينَ عنه بناءً على ما تَلقّاهُ منه. ولمّا وَرَدَ في هذه الرّحلة الإسكندَريّة، متوجِّهًا إلى الحاجِّ في رَكْب عظيم من المَغارِبة، أمَرَ الناظرُ على البلد بالبحثِ عمّا استَصْحَبوهُ من مال على اختلاف أنواعِه، وفُتِّشَ الرِّجالُ والنِّساء، وهُتِكت (٣) حُرمةُ الحُرم ولم يكنْ منهم إبقاءٌ

стр. 1458

على أحد، وأحلَفوهم بالأيْمان المُغلَّظة استبراءً لِما قَدَّروا غَيْبتَهم عليه، قال (١): فلمّا جاءَتْني النَّوبةُ وكانت معي حُرَم ذكَّرتُهم بالله ووعَظْتُهم فلم يُعرِّجوا على قولي ولا التفَتُوا إلى كلامي وفتّشُوني كما فتّشوا غيري، فاستخَرْتُ اللهَ تعالى ونظَمتُ هذه القصيدةَ ناصحًا لأميرِ المسلمينَ صلاح الدين بن أيّوبَ ومُذكِّرَا له بالله في حقوقِ المسلمينَ ومادِحًا له، فقلت (٢) [١٨٠ ظ] [المتقارب]: أطلَّتْ على أُفْقِكَ الزاهرِ ... سعودٌ من الفَلَكِ الدائرِ فأبْشِرْ فإنَّ رقابَ العِدا ... تُمَدُّ إلى سيفِكَ الباترِ وعمَّا قليلِ يحُلُّ الرَّدى ... بكُنْدِهُم (٣) الناكثِ (٤) الغادرِ وخصبُ الوَرى يومَ تَسْقي الثَّرى ... سحائبُ من دمِها الهامرِ فكم لكَ من فَتْكةِ فيهمُ ... حَكَتْ فتكةَ الأسَدِ الخادرِ كسَرْتَ صليبَهمُ عَنْوةَ ... فلله درُّكَ مِنْ كاسرِ وغَيَّرْتَ آثارَهمْ كلَّها ... فليس لها الدهرَ من جابرِ وأمضَيْتَ جِدَّك في غَزْوِهمْ ... فتَعْسَا لجَدِّهُم العاثرِ فأدبَرَ مُلكُهمُ بالشآمِ ... ووَلَّى كأمسِهمُ الدابرِ جنودُكَ بالرعبِ منصورةٌ ... فناجِزْ متى شئتَ أو صابرِ فكلُّهمُ غَرِقٌ هالكٌ ... بتيّارِ عَسْكرِك الزاخرِ ثأَرْتَ لدينِ الهدى في العِدا ... فآثَرَكَ اللهُ منْ ثائرِ

стр. 1459

وقُمْتَ بنصرِ إلهِ الورى ... فسمَّاكَ بالمَلِكِ الناصرِ وجاهَدتَ مجُتهِدًا صابِرًا ... فللهِ دَرُّكَ من صابرِ تَبِيتُ الملوكُ على فُرْشها ... وتَرفُلُ في الزَّرَدِ السابِري وتؤْثرُ جاهدَ عيشِ الجهادِ ... على طِيبِ عيشِهمُ الناضرِ وتُسْهِرُ جَفْنَكَ في حقِّ مَنْ ... سيُرضيكَ في جَفْنِك الساهرِ فتحتَ المقدَّسَ من أرضِهِ ... فعادتْ إلى وَصْفِها الطاهرِ وجئتَ إلى قُدْسِهِ المُرتضَى ... فخلَّصْتَهُ منْ يدِ الكافرِ وأعلَيْتَ فيه منارَ الهدى ... وأحيَيْتَ من رَسْمِهِ الداثرِ لكمْ ذَخَرَ اللهُ هذي الفُتوحَ ... منَ الزّمنِ الأوّلِ الغابرِ وخَصكَ من بَعْدِ ما زُرتَهُ ... بها لاصطناعِكَ في الآخرِ محبّتُكمْ أُلقِيَتْ في النفوسِ ... بذكرٍ لكمْ في الوَرى طائرِ فكمْ لهمُ عندَ ذكْرِ الملوكِ ... بمثلِكَ من مَثَلٍ سائرِ رفعتَ مَغارمَ أهلِ (١) الحجازِ ... بإنعامِكَ الشَّامِل الهامرِ [١٨١ و] فكمْ لكَ بالشَّرقِ من حامدٍ ... وكمْ لكَ بالغَرْبِ من شاكرِ (٢) وكمْ بالدُّعاءِ لكمْ كلَّ عامٍ ... بمكّةَ منْ مُعلنٍ جاهرِ وكمْ بَقِيَتْ حِسبةٌ في الظَّلومِ ... وتلك الذَّخيرةُ للذاخرِ

стр. 1460

يُعَنِّفُ حُجَّاجَ بيتِ الإلهِ ... ويَسْطو بهمْ سَطْوَةَ الجائرِ ويكشِفُ عمّا بأيديهِمُ ... وناهيكَ من مَوقفٍ صاغرِ وقد وَقَفوا بعدَما كوشِفوا ... كأنّهمُ في يدِ الآسِرِ ويُلْزِمُهُمْ حَلِفا باطلاً ... وعُقْبى اليمينِ على الفاجرِ وإنْ عَرَضَتْ بينَهمْ حُرمةٌ ... فليسَ لها عنهُ مِنْ ساترِ أليس يخافُ غدًا عَرْضَهُ ... على الملِكِ القادرِ القاهرِ؟! وليس على حُرَم المسلمينَ ... بتلك المشاهدِ من غائرِ ولا حاضرٌ نافع زَجْرهُ ... فيا ذِلَّةَ الحاضرِ الزاجرِ ألا ناصحٌ مُبْلِغٌ نُصْحَهُ ... إلى الملكِ الناصرِ الظافرِ ظَلومٌ تَضَمَّنَ مالَ الزكاةِ ... لقد تَعِسَتْ صَفْقَةُ الخاسرِ يُسِرُّ الخيانةَ في باطني ... ويُبدي النصيحةَ في ظاهرِ فأوقعْ به حادثا إنهُ ... يُقَبِّحُ أُحْدُوثَةَ الذاكرِ فما للمَناكرِ من زاجرٍ ... سِواكَ وبالعُرْفِ من آمِر وحاشاكَ إنْ لم تُزِلْ رَسْمَها ... فما لكَ في الناسِ من عاذرِ ورَفْعُكَ أمثالَها موسِعٌ ... رداءَ فَخارِكَ للناشرِ وآثارُكَ الغُرُّ تبقَى بها ... وتلك المآثرُ للآثر نذَرْتُ النصيحةَ في حقَّكمْ ... وحُقَّ الوفاءُ على الناذرِ وحُبُّكَ أَنطقني بالقريضِ ... وما أبتغي صِلَةَ الشاعرِ ولا كان فيما مضَى مَكسِبي ... وبئسَ البضاعةُ للتاجرِ إذا الشِّعرُ صار شعارَ الفتَى ... فناهيكَ من لَقَب شاهرِ

стр. 1461

وإنْ كان نَظْمي لهُ نادرًا ... فقد قيل: لا حُكْمَ للنادرِ ولكنَّها خَطَرَاتُ الهوى ... تَعِنُّ فتغلِبُ للخاطرِ [١٨١ ظ] وأمّا وقد زارَ تلك العُلا ... فقد فازَ بالشَّرفِ الباهرِ وإنْ كان منكَ قَبُولٌ لهُ ... فتلك الكرامةُ للزائر ويكفيه سَمْعُكَ من سامعٍ ... ويكفيه لَحْظُكَ من ناظرِ ويُزْهَى على الروضِ غبَّ الحَيَا ... بما حازَ من ذكْرِكَ العاطرِ (١) ومن شعره وقد شارَفَ المدينةَ المكرَّمةَ، على ساكنِها الصّلاةُ والسلام (٢) [المتقارب]: أقولُ وآنسْتُ بالليلِ نارا: ... لعلّ سِرَاج الهدى قد أنارا وإلّا فما بالُ أُفْقِ الدُّجَى ... كأنَّ سَنَا البَرْقِ فيه استطارا؟! ونحن من الليلِ في حِنْدسٍ ... فما بالهُ قد تجَلّى نهارا وهذا النَّسيمُ شَذَا المِسكِ قد ... أُعيرَ أَم المِسكُ منه استَعارا؟ وكانت رواحلُنا تشتكي ... وَجَاها فقد سابَقتْنا ابتدارا وكنَّا شكَوْنا عناءَ السُّرى ... فَعُدْنا نُباري سِراعَ المهارَى أَظنُّ النفوسَ قد استَشْعَرَتْ ... بلوغَ هوًى تَخِذَتْهُ شعارا بشائرُ صُبْحِ السُّرى آذنَت ... بأنَّ الحبيبَ تَدانَى مَزَارا جَرَى ذكْرُ طَيْبَةَ ما بينَنا ... فلا قلبَ في الرَّكْبِ إلّا وطارا حنينًا إلى أحمدَ المصطفى ... وشوقًا يَهِيجُ الضلوعَ استعارا

стр. 1462

ولاحَ لنا أُحُدٌ مُشْرِقًا ... بنُورٍ من الشهداءِ استنارا فمِن أجلِ ذلك ظلَّ الدُّجَى ... يُحلُّ عقودَ النجوم انتثارا ومِن ذلك التُّرْبِ طابَ النَّسيـ ... ـم نَشْرًا وعمَّ الجَنابَ انتشارا ومنْ طَرَبِ الرَّكْبِ حَثَّ الخُطا ... إليها ونادى: البِدَارَ البِدارا ولمّا حَلَلْنا فِناءَ الرسولِ ... نزَلْنا بأكرمِ خَلْقٍ جِوارا وحين دنَوْنا لفَرْضِ السلامِ ... قَصَرْنا الخُطا ولزِمْنا الوَقارا فما نُرسلُ اللَّحظَ إلّا اختلاسًا ... ولا نرفَعُ الطَّرْفَ إلّا انكسارا ولا نُظْهِرُ الوَجْدَ إلا اكتتامًا ... ولا نلفُظُ القولَ إلّا سِرارا سوى أنّنا لم نُطِقْ أعيُنًا ... بأدمُعِها غلَبَتْنا انفجارا [١٨٢ و] وقَفْنَا برَوْضتِهِ للسّلامِ (١) ... نُعيدُ السلامَ عليه مِرارا ولولا مَهابتُهُ في النفوسِ ... لَثَمْنا الثَّرى والتزَمْنا الجِدارا قضَيْنا بزَوْرتنا حَجَّنا ... وبالعُمَرينِ (٢) ختَمْنا اعتمارا إليكَ إليكَ نبيَّ الهُدى ... ركِبتُ البحارَ وَجُبْتُ القِفارا وفارَقْتُ أهلي ولا مِنَّةٌ ... ورُبَّ كلامٍ يجُرُّ اعتذارا وكيف نمُنُّ على مَن بهِ ... نُؤَمِّلُ للسيِّئاتِ اغتفارا دَعاني إليكَ هوً ى كامنٌ ... أثارَ منَ الشوقِ ما قد أثارا فنادَيْمتُ: لبَّيْكَ داعي الهوى ... وما كنتُ عنكَ أُطيقُ اصطبارا ووطَّنْتُ نَفْسي لحُكْم الهوى ... عليَّ وقلتُ: رَضِيتُ اختيارا

стр. 1463

أَخُوضُ الدُّجَى وأَرُوضُ السُّرى ... ولا أطْعَمُ النومَ إلّا غِرارا ولو كنتُ لا أستطيعُ السَّبيلَ ... لَطِرتُ ولو لم أُصادِفْ مَطارا وأجدَرُ مَن نال منكَ الرِّضا ... مُحِبّ ذَراك على البُعدِ زارا عسى لحظةٌ منكَ لي في غدٍ ... تُمَهِّدُ لي في الجِنانِ القرارا فما ضَلَّ مَنْ بهُداكَ اهتدَى ... ولا ذلَّ مَنْ بِذَراكَ استجارا ولم يزَلْ دَأْبُه تمنِّيَ الحجِّ إلى بيتِ الله الحَرام وزيارر قبرِ المصطفى عليه أفضلُ الصّلاة والسلام؛ وفي ذلك يقول (١) [المتقارب]: هنيئًا لمَن حَجَّ بيتَ الهدى ... وحَطَّ عنِ النفسِ أوزارَها وإنَّ السعادةَ مضمونةٌ ... لمَن حَلَّ طَيْبَةَ أو زارها وفي مثلِه يقولُ (٢) [المتقارب]: إذابلَغَ المرءُ أرضَ الحجازِ ... فقد نالَ أفضلَ ما أمَّلَهْ وإنْ زار قبرَ نبيّ الهدى ... فقد أكملَ اللهُ ما أمَّ لهْ وله في هذا المعنى كلامٌ كثيرٌ نَظْما ونثرًا، وسيأتي بعضُ ذلك. ومنه مقالةٌ سَمَّاها: "رسالةَ اعتبارِ الناسِك في ذكْرِ الآثارِ الكريمةِ والمَناسِك" كتَبَ بها إلى وَليِّه أبي الحَسَن بن مَقَصَيْر من فاسَ عند عودتِه إلى المشرِق في ذي قَعْدةِ ثلاث وتسعينَ وخمس مئة. [١٨٢ ظ] ولمّا قَفَلَ من هذه الحَجّة ولاحَتْ له وهو على ظهرِ البحرِ جبال داييةَ من جزيرةِ الأندَلُس قال (٣) [البسيط]: لي نحوَ أرضِ المُنى منْ شَرْقِ أندَلُسِ ... شَوْقٌ يُؤَلّفُ بينَ الماءِ والقَبَسِ

стр. 1464

لاحتْ لنا من ذُراها الشُّمِّ شاهقةٌ ... تُدني لِزُهر الدّرَاري كفَّ مُلتمسِ وقدأغَذَّتْ بنافي اليمِّ جاريةٌ ... سَوداءُ لا تستطيعُ الجريَ في يَبَسِ كأنّها وعُبابُ الماءِ يُزعجُها ... تنُصّ جِيدَ مُراعي اللحظِ مختلسِ كأنّ بِيضَ نواحيها إذا انتشَرتْ ... لواءُ صبحٍ بدا في سُدْفَةِ الغَلَسِ تُنازعُ الريحُ منها صعبَ مِقوَدِها ... فتَرتمي بعِنانٍ مُسْمِحٍ سَلِسِ لولا حِذاريَ أن أُذكي لها لَهبًا ... زَجَّيتُها برياحِ الشوقِ من نَفَسي يا ليتَ شعريَ والآمالُ مُعوِزةٌ ... وربّما أَمكَنَتْ يومًا لمُختلسِ هل يُدْنُوَنَّ مَزارُ الشوقِ إنّ بهِ ... ما شئتَ من نُهَزٍ للأُنس أو خُلَسِ وهل تَعُودَنَّ أيامٌ رشَفْتُ بها ... سُلافةَ العَيْش أحلى من جَنَى اللَّعَسِ حيث انبسَطْنا مع اللّذاتِ تنقُلُنا ... أيدي المسَرّاتِ من عيدٍ إلى عُرُسِ ولمّا (١) شاعَ الخَبرُ المُبهجُ المسلمينَ جميعًا حينئذٍ بفتح بيتِ المقدِس على يدِ السُّلطان الناصِر صَلاح الدِّين أبي المظفَّر يوسُفَ بن أيّوبَ بن بُوري، ﵀، وكان يومُ فتحِه يومَ السّبت لثلاثَ عشْرةَ ليلةً بقِيَتْ من رجَبِ ثلاثٍ وثمانينَ وخمس مئة، كان ذلك من أقوى الأسبابِ التي بعثَتْه على الرِّحلة الثانية، فتحرَّك لها من غَرْناطةَ أيضًا يومَ الخميس لتسعٍ خَلَوْنَ من ربيع الأول من سنة خمسٍ وثمانينَ، قال: وقفَى اللهُ برحمتِه لي بالجَمْع بينَ زيارةِ الخليل ﵇ وزيارةِ المصطفى ﷺ غَرْناطةَ يومَ المساجدِ الثلاثة في عام واحد متوجّهًا وفي شهرٍ واحد مُنصرِفًا. ووَصلَ إلى غَرْناطةَ يومَ الخميس لثلاثَ عشْرةَ خَلَت من شعبانِ سبع وثمانين. وفي أثناءِ المُدّة التي بينَ قُفولِه من الرِّحلة الثانية ورحلتِه الثالثة سَكَنَ غَرْناطةَ ثم مالَقةَ ثم فاسَ ثم سَبْتةَ مُنقطِعًا إلى إسماع الحديثِ [١٨٣ و] والتصَوُّف وتَرْويةِ ما كان عندَه، وفَضلُه معَ ذلك يزيد ووَرَعُه يتحقَّقُ وأعمالُه الصّالحةُ تَزْكو.

стр. 1465

وكانت رحلتُه الثالثة من سَبْتةَ بعدَ وفاةِ زوجِه الفاضلة عاتِكةَ المَدْعوّةِ بأُمِّ المَجْد ابنةِ الوزير الحَسِيب أبي جعفبر أحمدَ بن عبد الرّحمن الوَقَّشيِّ بأيام، وكانت وفاتُها يومَ السبت -رحمها اللهُ- لعَشْر خَلَوْنَ من شعبانِ أحدٍ وست مئة، بعدَ زَمانةٍ طاوَلَتْها مُدّة، ودُفِنت يومَ الأحد بعدَه، وهُو اليومُ الحاديَ عشَرَ من الشّهر؛ قال: ومِن عجائبِ اتّفاقاتِ الأقدار الباعثة على الاعتبار، أنْ كان تجهيزُها إليَّ بجَيَّانَ في الحاديَ عشَرَ من شعبانِ سبعينَ وخمس مئة، فوافَقَ تجهيزُ الحياة تجهيزَ الممات، وليلةُ القبر تُنسي ليلةَ العُرْس، فيا لَها من لَوْعةٍ وحُرقة، ولكلِّ اجتماع من خليلَيْنِ فُرقة. قال: وكان مولدُها بمُرْسِيَةَ لاثنتَيْ عشْرةَ ليلةً بقِيَتْ من محرَّم ستٍّ وأربعينَ وخمس مئة. ووصَلَ إلى مكّةَ شرَّفَها اللهُ أثناء اثنتَيْنِ وست مئة، وجاوَرَ بحَرَم الله الشّريف طويلًا وبيتِ المقدس، ثُم تحوَّل إلى مِصرَ والإسكندَريّة، فأقام بها يحدِّثُ ويؤخَذُ عنه إلى أن لَحِقَ بربِّه. رَوى عنه أبَوا إسحاقَ: ابنُ مَهِيب وابنُ الواعِظ، وأبو تَمّام بن إسماعيل، وأبَوا الحَسَن: ابنُ أبي نَصْر فاتح بن عبد الله البِجَائي، مُقيمٌ ببعض بلاد المشرِق، وابنُ محمد الشارِّي، وأبو سُليمانَ بن حَوْطِ الله، وأبو زكريّا وأبو بكرٍ يحيى بن عبد الملِك بن أبي الغُصن وأبو عبد الله بن حَسَن بن مُجبر؛ وآباءُ العبّاس: ابنُ عبد المُؤمن والنَّبَاتيُّ وابن محمد بن (١) حَسَن اللَّوَاتيُّ ابن تامتيتَ وابن محمد المَوْرُوريّ، وأبَوا عَمْرو: ابن سالم وعثمانُ بن سُفيانَ بن عثمانَ بن الشّقر التَّميميُّ التونُسيّ؛ وممّن رَوى عنه بالإسكندَرّية: رَشيدُ الدِّين أبو محمدٍ عبدُ الكريم بن عطاءِ الله بن عبد الرّحمن بن عبد الله بن محمد بن عيسى بن الحُسَين الجُذَاميّ، واستجازَهُ أبو إسحاقَ ابنُ الواعِظ لجماعةٍ من أصحابِه برغبتِهم إليه في ذلك، منهم: شيخانا (٢): أبو عليّ الحَسَن بن أبي الحَسَن عليّ الماقريُّ الكَفِيف وأبو محمد

стр. 1466

حَسَنُ بن أبي الحَسَن عليّ ابن القَطّان [١٨٣ ظ] فأجاز لهم. ولم يزَلْ يُروَى عنه ويُسمَعُ منه ويُستجازُ من البلادِ حيثما حَلّ. وممّن رَوى عنه بمِصرَ: رَشيدُ الدِّين أبو الحُسَين يحيى بنُ عليّ بن عبد الله بن عليّ بن مُفرِّج القُرَشيّ ابنُ العَطّار وفَخْر القُضاة ابنُ الجَبَّاب وابنُه جمالُ القُضاة وعِزُّ القُضاة. وكان أديبًا بارِعًا كاتبًا بليغًا، شاعزا مُجِيدًا، سَنِيًّا فاضلًا، نزيهَ الهمّة، سرِيَّ النَّفْس، كريمَ الأخلاق، أنيقَ الطريقةِ في الخَطّ، كتَبَ في شَبِيبتِه عن أبي سعيدٍ عثمانَ بن عبد المُؤمن وعن غيرِه من ذوي قَرابتِه، وله فيهم أمداحٌ كثيرة، ثُم نزَعَ عن ذلك وتوَجَّه إلى المشرِق. وكذلك جَرَتْ بينَه وبينَ طائفةٍ كبيرة من أُدباءِ عصرِه مُخاطَباتٌ ظَهَرَت فيها بَراعتُه وإجادتُه. ونَظْمُه فائقٌ وقَفْتُ منه على مجلَّد متوسِّط يكونُ قدرَ ديوانِ أبي تَمّام حَبِيب ابن أَوْس جَمْعَ أبي بكرٍ الصُّوليِّ أو نحوَ ذلك، ومنه جُزءٌ سمّاه: "نتيجةَ وَجْدِ الجوانح في تأبينِ القَرينِ الصّالح" أودَعَه قِطَعًا وقصائدَ في مَراثي زوجِه أُمِّ المجدِ المذكورة بعدِ وفاتِها والتوجُّع لها أيامَ حياتِها تزيدُ بيوتُه على ثلاث مئة، سوى موشَّحاتٍ خمسٍ جعَلَها قريبًا من آخِرِه؛ ومنه جزءٌ سَمّاه: "نَظْمَ الجُمان في التشَكِّي من إخوانِ الزّمان" يشتملُ على أزيَدَ من مئتَيْ بيتٍ في قِطَع؛ وله ترسيلٌ بديع وحِكَم مستجادةٌ، دُوِّنَ ذلك كلُّه ونُقِل عنه. فمِن حِكَمِه: قولُه (١): إنْ شَرُفَ الإنسان، فبفضلٍ وإحسان، وإنْ فاق، فبتفَضُّل وإنفاق. ينبغي للإنسانِ أن يحفَظَ لسانَه (٢)، كما يحفَظُ الجَفْنُ إنسانَه، فرُبَّ كلِمةٍ تُقال، تُحدِثُ عَثْرة لا تُقال. كمْ كَسَت فَلَتاتُ الألسِنة الحِداد، مَن وراءَها مِن ملابِس الحِداد. نحن في زمنٍ لا يَحظَى فيه بنَفاق، إلّا مَن عامَلَ بِنِفاق. شُغِلَ الناسُ عن طريق الآخِرة بزَخارفِ الأعراض، فلّجُّوا في الصّدودِ عنها والإعراض،

стр. 1467

آثَروا دُنيا هي أضغاثُ أحلام، وكم هَفَتْ في حبِّها من أحلام، أطالوا فيها آمالَهم، وقصَّروا أعمالَهم، ما بالُهم لم يتَفرَّغْ لغيرِها بالُهم، ما لهم في غيرِ ميدانِها استنان، ولا [١٨٤ و] بسِوى هواها استنان، تالله لو كُشِفَت الأسرار، لَما كان هذا الإصرار؛ ولَسَهِرتِ العيون، وتفَجَّرتْ من شؤونِها العيون، فلو أنّ عينَ البصيرة من سِنَتِها هابّة، لَرَأَتْ أنّ جميعَ ما في الدُّنيا ريحٌ هابّة، ولكنِ استَولَى العمَى على البصائر، ولا يَعلَمُ المرءُ ما هو إليه صائر، أسألُ اللهَ هدايةً لسبيلِه، ورحمةً توردُ في نسيمِ الفِردَوْس وسَلْسَبيلِه، إنهُ الحَنّانُ المَنّان، لا رَبّ سواه. وقولُه (١): فَلَتاتُ الهِبات، أشبهُ شيءٍ بفَلَتاتِ الشَّهَوات، منها نافعٌ لا يُعْقِبُ نَدَمًا، ومنها ضارٌّ يُبقي في النفْس ألمًا، فضَرَرُ الهِبة وقوعُها عندَ من لا يعتقدُ لحقِّها أداءً، وربّما أثمرَتْ عندَه اعتداءً، وضرَرُ الشّهوة ألّا توافِقَ ابتداءً، فتعودَ لمُستعمِلها داءً، ومَثَلُها كمَثَل السُّكْر يلتَذّ صاحبُه بحُلوِ جَناه، فإذا صَحا تعرَّف قَدْرَ ما جَناه، ومنفعتُها بعكسِ هذه القضيّة، وهي الحالةُ المَرضيّة، فالأسلمُ للمرءِ أن يأتيَ أمرَه على بصيرةٍ من رُشْدِه، مستوضِحًا فيه سبيلَ قَصْدِه، وما التوفيقُ إلّا بالله، وما الخيرُ إلّا من عندِ الله، لا إلهَ إلا هو. ونَظَمَ معناه فقال [الطويل]: وكم فَلَتاتٍ للصنائعِ تُتَّقَى ... عواقبُها إنْ لم تقَعْ في محلِّها كذا شهَواتُ المرءِ إنْ لم تكنْ لهُ ... مُوافقةً عادَتْ عليها بِكَلِّها وقال (٢) [الكامل]: لصنائع المعروفِ فَلْتَةُ غافلِ ... إن لم تَضَعْها في محلٍّ قابلِ كالنفْسِ في شَهَواتِها إن لم تكنْ ... وفْقًا لها عادتْ بضرٍّ عاجلِ

стр. 1468

وقال يصفُ القلمَ من قصيدة [الكامل]: قلمٌ به الإقليمُ أصبحَ في حِمى ... بشَباتِه صَرْفُ الحوادثِ يُصرَفُ ولئن تقاصَرَ قَدُّه فلقدّهِ ... ظَلَّتْ لهُ الأسَلُ الطِّوالُ تَقَصَّفُ هل تُغنِيَنَّ المُرهَفاتُ غَنَاءَهُ ... وصَليلُها لصريرِهِ يُسْتَضعَفُ؟ حكَتِ الظُّبا والسُّمرَ فعلًا منه لو ... لاهُ لَعُطّلَ صارمٌ ومُثقَّفُ طَعْنٌ كمِثلِ النَّقْطِ منضافٌ إلى ... ضَرْبٍ كما شُكِلَتْ بنقطٍ أحرفُ [١٨٤ ظ] كل يَتيهُ بأنْ حَوَى شَبَهًا لهُ ... فانظُرْ إلى المحكيّ فهْو الأشرفُ يكفيه فَخْرًا أنَّ كلَّ مقدَّرٍ ... يَجري بما قد خطَّه ويُصرَّفُ وقال في تفضيل الشَّرق (١) [الكامل]: لايستوي شَرْقُ البلادِ وغربُها ... الشّرقُ حازَ الفضلَ باسترقاقِ (٢) انظُرْ لحالِ الشمسِ عند طلوعِها ... زهراءَ تصحَبُ بهجةَ الإشراقِ وانظُرْ لها عندَ الغروبِ كئيبةً ... صفراءَ تُعْقِبُ ظلمةَ الآفاقِ وكفَى بيومِ طلوعِها من غَرْبِها ... أنْ تؤذِنَ الدُّنيا بوَشْكِ فِراقِ وقال في ذمِّ الفلاسفة [مخلع البسيط]: قد ثَبَّتَ (٣) الغَيَّ في العبادِ ... طائفةُ الكونِ والفسادِ يلعَنُها اللهُ حيثُ كانتْ ... فإنّها آفةُ العبادِ

стр. 1469

دُهْريَّةٌ لا يَروْنَ رُسْلًا ... ولا يُقرُّونَ بالمَعادِ يعتقدونَ الأمورَ دَوْرًا ... والناسَ كالزَّرع والحَصادِ وفيه أيضًا [الوافر]: لأشياعِ الفلاسفةِ اعتقادٌ ... يَرَوْنَ به عن الشَّرعِ انحلالا أباحوا كلَّ محظورٍ حرامٍ ... ورَدُّوهُ لأنفُسِهمْ حلا لا وما انتَسَبوا إلى الإسلام إلّا ... لصوْنِ دمائهم أنْ لا تُسالا فيأتونَ المناكرَ في نشاطٍ ... ويأتونَ الصلاةَ وهُمْ كُسالى وفيه أيضًا [المجتث]: الدينُ يشكو بَلِيّه ... من فرقةٍ مَنْطِقيّهْ لا يشهَدونَ صلاةً ... إلّا لمعنى التّقِيّهْ ولا تَرى الشّرعَ إلّا ... سياسةً مدَنيّهْ ويؤْثِرونَ عليه ... مذاهبًا فَلْسَفيّهْ وفيه أيضًا [المجتث]: قُلْ للزَّناديقِ عنِّي ... قولًا هُوَ السيفُ أُمضيهْ أَرسلتُ شعريَ فيكمْ ... يَغزُوكمُ بقوافيهْ [١٨٥ و] صدَعتُ لله فيه ... بالحقّ والحقُّ يُرضيهْ كم ظامئ لكلامي ... يَرويهِ عُجْبًا فيُرْوِيهْ وكم غَليلِ فؤادٍ ... بصحّةِ القول يَشْفيهْ وراكبٍ لهواهُ ... عساهُ يومًا سيَثْنِيهْ لعلّكمْ أنْ تقولوا ... فإنّكمْ أهلُ تَمويهْ

стр. 1470

مَنْ كان جاهلَ شيءٍ ... فلا يزالُ يُعاديهْ هيهاتَ بُغْضيَ فيكمْ ... في الله واللهُ يَدريهْ وذلك العِلمُ عندي ... لاخيرَ فيكمْ ولا فيهْ ولهُ في هذا الغَرَض كثيرٌ، وسيأتي شيءٌ منه في رَسْم أبي الوليد محمد (١) بن أحمدَ بن رُشدٍ إن شاء الله. ومن وصاياهُ النافعة، وآدابِه الجامعة: قولُه (٢) [الطويل]: عليكَ بكتمانِ المصائبِ واصطبِرْ ... عليها فما أبقَى الزمانُ شفيقا كفاكَ من الشكوى إلى الناسِ أنه ... تَسُرُّ عدُوَّا أو تَسُوءُ صديقا وقولُه (٣) [لطويل]: منَ الله فاسأَلْ كلَّ شيءٍ تريدُهُ ... فما يملِكُ الإنسانُ نَفْعًا ولا ضَرّا ولا تتواضَعْ للوُلاةِ فإنّهمْ ... من الكِبْرِ في حالٍ تَموجُ بهمْ سُكْرا وإياكَ ان تَرضَى بتقبيلِ راحةٍ ... فقد قيل فيها: إنّها السَّجدةُ الصُّغرى وقال في الوُلاةِ وأحوالِهم [السريع]: مَنْ كَبُرَتْ عن قَدْرهِ خُطَّةٌ ... دَاخَلَهُ من أجلِها الكِبْرُ ومَنْ سمَتْ همَّتُهُ لم يكُنْ ... لخُطّةٍ في نفسِه قَدْرُ ولايةُ الإنسانِ سُكرٌ فما ... دامتْ له دامَ به السُّكرُ مَغَايظُ الدنيا وأربابِها ... ليس عليها لامرئ صبرُ دَعْهُمْ معَ الدهرِ وأحداثِهِ ... حتّى تَرى ما يصنَعُ الدّهرُ

стр. 1471

وقال يُهنِّئُ حجّاجًا اجتمعَ بهم في مكّةَ شرَّفَها اللهُ ويَتشوَقُ إليهم (١) [الرمل]: يا وفودَ الله فُزتُمْ بالمُنَى ... فهنيئًا لكمُ أهلَ مِنى [١٨٥ ظ] قد عرَفْنا عرَفاتٍ معَكمْ ... فلهذا بَرّحَ الشّوقُ بنا نحن بالمغرِبِ نُجْري ذِكْرَكمْ ... فغروبُ الدمعِ تجري هُتَّنا أنتمُ الأحبابُ نشكو بُعدَكمْ ... هل شَكوْتُمْ بُعْدَنا من بَعْدِنا علَّنا نلقَى خَيالاً مِنكمُ ... بلذيذِ الذِّكْرِ وهْنًا علّنا لو حَنَا الدهرُ علينا لَقضَى ... باجتماعٍ بكم في المُنحَنى لاح بَرْقٌ مُوهِنًا من أرضِكمْ ... فلعَمْري ما هنَا العيشُ هُنا صَدَعَ اللّيلَ وَميضًا وسَنًا ... فأبَيْنا أن نَذوقَ الوَسَنا كم جنَى الشّوقُ علينا من أسًى ... عاد في مَرضاتِكمْ حلوَ الجَنى ولكمْ بالخَيْفِ من قلبٍ شَجٍ ... لم يزَلْ خوفَ النَّوى يشكو الضَّنى ما ارتضَى جانحةَ الصَّدرِ لهُ ... سَكَنًا منذُ به قد سَكَنا فيُناديهِ على شَحْطِ النَّوى ... مَنْ لنا يومًا بقلبٍ مَلَّنا سِرْ بنا يا حاديَ العيسِ عسى ... أنْ نُلاقي يومَ جَمْعٍ سِرْبَنا ما عَنى داعي النَّوى لمّا دَعَا ... غيرَ صبًّ شفَّهُ بَرْحُ العَنا شِمْ لنا البَرْقَ إذا هبَّ وقُلْ: ... جَمَعَ اللهُ بجُمْعٍ شَمْلَنا

стр. 1472

وقال وقد تذكَّر طَيبةَ على ساكنِها الصلاةُ والسلام [المجتث]: يا أهلَ طيْبةَ قلبي ... عَنْ منهجِ الصبرِ جارا أشكو إليكمْ زمانًا ... عليَّ بالبَيْنِ جارا وبعدَكُم لمستُ أرضى ... من البرّيةِ جارا ودمعُ عيني عليكُمْ ... لأدمُعِ المُزْنِ جارى وقال متشوقًا لأهل العقيق [مخلع البسيط]: سُكّانَ وادي العقيقِ شَوْقي ... إليكمُ في البِعادِ زادا ونَظْرةٌ منكمُ المُنى لو ... أهدَيْتُموها إليَّ زادا عهدٌ لنا عندَكمْ حميدٌ ... يا ليتَهُ بالوِصالِ عادا صادقَ فيه الكَرى جُفوني ... وبعدَكُمْ للجُفونِ عادى وقال في السَّماع من الصّوتِ الحَسَن [١٨٦ و] [الطويل]: زيادةُ حُسْنِ الصوتِ في الخَلْقِ زينةٌ ... يَروقُ بها لَحْنُ القريضِ المُحبَّرِ ومن لم يُحرِّكْهُ السَّماعُ بطَيبةٍ ... فذلك أعمى القلبِ أعمى التصوُّرِ تُصيخُ إلى الحادي الجِمالُ لَواغبًا ... فتُوضعُ في بَيْدائها غيرَ حُسَّرِ ولله في الأرواح عند ارتياحِها ... إلى اللَّحن سرٌّ للورى غيرُ مُظهَرِ وكلُّ امرئ عابَ السَّماعَ فإنهُ ... من الجَهْل في عَشْوائهِ غيرُ مُبصرِ وأهلُ الحِجا أهلُ الحجازِ وكلُّهمْ ... رأَوْ مباحًا عندَهمْ غيرَ مُنكرِ وهام به أهلُ التصوُّفِ رَغبةً ... لتهييج شَوْقٍ نارُهُ لم تُسعَّرِ (١)

стр. 1473

فإنّ رسُولَ الله قد قال: زيِّنوا ... بأصواتِكمْ آيَ الكتاب المطهَّرِ وزانَتْ لداودَ النبيِّ زَبُورَهُ ... مَزامِرُهُ بالنَّوحِ في كلِّ محضَرِ وفي الخُلدِ إسرافيلُ يُسْمِعُ أهلَهُ ... فيُسْلِيهمُ المسموعُ عن كلِّ منظرِ فإن أَكُ مُغْرًى بالسَّماع وحُسنِهِ ... فحَسْبي اقتداءً بالكريم ابنِ جعفرِ وقال في حبِّ النبى ﷺ ، وأهلِ بيتِه الكريم (١) وصَحْبِه ﵃ (٢) [الطويل]: أُحِبُّ النبيَّ المصطفى وابنَ عمِّهِ ... عليًّا وسِبْطَيْهِ وفاطمةَ الزَّهْرا هُمُ أهْلُ بيتٍ أَذْهبَ الرِّجْسَ عنهمُ ... وأطلَعَهم أُفْقُ الهُدى أنجُمًا زُهْرا مُوالاتُهمْ فرضٌ على كلِّ مسلمٍ ... وحبُّهمُ أسنَى الذخائِرِ للأُخرى وما أنا للصَّحبِ الكرام بمُبغِضٍ ... فإنّي أرى البَغْضاءَ في حقِّهم كُفْرا هُمُ جاهدوا في الله حقَّ جهادِهِ ... وهمْ نَصَروا دينَ الهدى بالظُّبا نَصْرا عليهمْ سلامُ الله ما دام ذكْرُهمْ ... لدى الملإِ الأعلى وأَكْرِمْ به ذِكْرا وقال يُحرِّضُ السُّلطانَ صَلاحَ الدِّين على النظرِ فيما ظَهَرتْ (٣) من البِدَع بالمدينة، على دَفِينِها الصّلاةُ والسلام [الوافر]: صلاحَ الدِّينِ أنت لهُ نظامُ ... فما يُخْشَى لعُروتهِ انفصامُ فأظهِرْ سُنَّةَ الله احتسابًا ... فقد ظهَرَت بها البِدَعُ العِظامُ وفي دينِ الهدى حدَثَت أُمور ... بها للدِّين حُزنٌ واغتمامُ جَديرٌ أن يُقامَ لها ارتماضًا ... مَآتمُ للورى فيها التِدامُ [١٨٦ ظ]

стр. 1474

وكيف يلَذُّ للأجفانِ نومٌ ... وللإسلام جَفْن لا ينامُ؟ وكيف تَطِيبُ في الدّنيا حياةٌ ... وطَيبةُ لا يَطِيبُ بها مُقامُ؟ بتُربتِها رسولُ الله ثاوٍ ... وليس لأهلِها منهُ احتشامُ لو احتَرَموهُ أو هابوهُ يومًا ... لكان لصَحْبِه معَه احترامُ وهل يَرضَى صلاتَهمُ عليهِ ... إذا سُبَّتْ صَحابتُهُ الكرامُ؟ بأُمِّ المؤمنينَ قدِ استَهانوا ... وللصِّدِّيقِ والفاروقِ ذاموا عَزَوْا بعدَ النبيِّ لهمْ ضلالًا ... لقد ضَلَّ الغُواةُ وما استقاموا وسُنَّتُهُ أضاعوها امتهانًا ... فما لهمُ بواجبِها اهتمامُ وليس يذِلُّ عندَهُم سوى مَنْ ... لهُ بجميلِ مذهبِها ارتسامُ وما يَرعَوْنَ ذِمَّةَ زائريه ... وللذِّمِّيِّ قد يُرعَى الذّمامُ ومسجدُهُ المبارَكُ عادَ سُوقًا ... لهمْ فيها على اللَّهوِ ازدحامُ يُعيدُ به الصّلاةَ مؤذِّنوهُ ... وما بإمامِهمْ لهمُ ائتمامُ إذا قاموا لها قاموا كُسَالَى ... على كُرْهٍ كأنهمُ نيامُ يُضيعونَ المواقيتَ اقتصادًا ... ليُعدَمَ للصّلاة به انتظامُ وأشنَعُ بِدعةٍ حدَثَت صلاةٌ ... لسُنِّيًّ بشِيعيًّ تُقامُ وروضتُهُ المقدَّسةُ استباحوا ... مهابَتَها فأدمُعُها سِجَامُ إذا حَفُّوا بها لعِبُوا ازدراءً ... وكان لهمْ بتُربتِها انتخامُ وقاموا للسّلام وفيه لَعْنٌ ... لقد ساءَ الهدى ذاك المقامُ ويَرقَى فوقَ مِنبَرِهِ خطيبٌ ... له في الدِّين خَطْبٌ لا يُرامُ هو القاضي وحَسْبُك من قضاءِ ... له بالجَوْرِ في الشَّرع احتكامُ

стр. 1475

يَعِيبُ على أئمّتِنا هُداها ... إمَاميُّونَ فُسَّاقٌ لئامُ يَغُرُّهمُ لفاطمةَ انتسابٌ ... وما لهمُ بحُرمتِها التئامُ وهل يُغني انتسابُهمُ إليها ... وعن دينِ الهُدى لهمُ انصرامُ؟! ونُوحٌ لابنِه لم يُغْنِ شيئًا ... ولا أَغناهُ بالجَبَلِ اعتصامُ أعزَّ اللهُ بالإسلام قومًا ... فليس له بغيرِهمُ قِوامُ [١٨٧ و] فذلَّتْ فرقةٌ طَعَنَتْ عليهمْ ... وهيلَ على أُنوفِهمُ الرَّغامُ وكيف يعِزُّ عند الله قولمٌ ... ودينُ الله بينَهُم يُضامُ؟ نقومُ إلى الصلاةِ وهم قعودٌ ... ويَعلو عندَها لهمُ الكلامُ بِلَعْنٍ صُمَّتِ الآذانُ منه ... وسَبٍّ للصّحابةِ يُسْتدامُ وتُقرَأُ بينَ أيديهمْ جِهارًا ... تَوالِفُ كلُّها زُورٌ سُخامُ ويَسعَى بينَ أيدينا اعتراضًا ... لقَطْع صَلاتِنا منهمْ طَغامُ فلا المأمومُ يَدري ما يُصلِّي ... ولا يَدري بما صَلّى الإمامُ تَراهمْ يسخَرونَ بنا احتقارًا ... وللأحقادِ عندَهُمُ احتدامُ ويعتقدونَنا نَجَسًا خبيثًا ... فليس لهمْ لجانبِنا انضمامُ يرَوْنَ الجَمْعَ للأُختينِ حِلًّا ... وتُعْطَى البنتُ ما يَرِثُ الغُلامُ وما التجميعُ عندَهُم بشَرْع ... لقد تاهُوا بباطِلِهم وهاموا يُقيمونَ الصّلاةَ وهُمْ فُرادى ... لقد شَرَدوا كما شرَدَ النَّعامُ وليسَ لهمْ من الإسلام حظٌّ ... ولو صَلَّوا مدى الدنيا وصاموا ومَن قد خالَفَ السَّلَفَ ابتداعًا ... أَتنفعُهُ الصلاةُ أو الصيامُ؟! لقد مَرَقوا من الدينِ اعتداء ... كما مَرَقَتْ من المَرْمى السِّهامُ
следующие страницы →