على أبي نَصْر الطُّفَيْل بن محمد بن عَظِيمة (١)، وبعضَ القرآن بها على أبي العبّاس بن محمد بن مِقْدام، وبرِواية قالُونَ عن نافع خَتَماتٍ على أبي العبّاس بن أبي عبد الله ابن المُجاهِد.
ورَوى عن آباءِ بكرٍ: صِهرِه ابن تَمِيمٍ ولازَمَه نحوَ ثلاثينَ عامًا، وابنِ طلحةَ، وابنَيْ عبد الله: ابن العَرَبي الحاجّ وابن قَسُّوم، وابن يحيى النَّيّار، وآباءِ إسحاقَ: ابن أحمدَ ابن المَدِينيّ وابن خَلَف السَّنْهُوريِّ، وابنَيْ عبد الله: ابن قَسُّوم وخَلَفَه بعدَ وفاتِه بمسجدِه إلى أنْ خرَجَ من إشبيلِيَةَ، أعادها الله للإسلام، واليابُريّ، وأبي جعفر بن إبراهيمَ بن فَرْقَد، وآباءِ الحَسَن: ابن إبراهيمَ ابن الفَخّار، وابنَي المحمّدَيْن: البَلَويِّ وابن خَرُوف، وسَمِع كلامَه على بعض المسائلِ النَّحْويّة ولم يقرَأْ عليه، وابن قَيْطُون ولا أعرِفُه عند غيره، ولعله مُصَحَّف من منظورٍ، واللهُ أعلم، وإن كُنْتُ لا أعرِفُه في بني منظور، وأبي الحُسَين محمد بن محمد بن زَرْقُون، وترَدَّد إليه أزيَدَ من عَشْرِ سِنين، وأبي الحَكَم عبد الرّحمن بن عبد السّلام بن بَرَّجَان، وأبي الرَّبيع بن موسى بن سالم، وأبي الصَّبر أيوبَ بن عبد الله الفِهْرِي، وآباءِ عبد الله: ابن إسماعيلَ بن خَلْفُون وابن حَسَن بن مُجبر وابن عيسى ابن المُناصِف وابن قَسُّوم وابن مغْنِين وتفَقَّه به، وآباءِ العبّاس: ابن إبراهيمَ القنجايريّ
стр. 1507
وابن طَلْحةَ وابنٍ عبد المجِيد الجَيّار وابن محمد ابن الرُّوميّة، ولازَمَه نحوَ ثِنتَيْنِ وثلاثينَ سنة، قال: واستجازَ لي ولأبي ولأخوَيَّ جميعَ شيوخِه بالمشرِق، وأبوَيْ عليّ العُمَرَيْن: ابنِ أحمدَ الزَّبّار، ولازَمَه نحوَ خمس وثلاثينَ سنةً، وابن محمد الشَّلَوْبِين ولازَمَه نحوَ أربع وثلاثينَ سنة، وأبي عُمرَ أحمدَ بن هارُونَ بن عاتٍ، وأبي عِمرانَ ابن حُسَين المارْتُليِّ الزاهد، وأبوَي القاسم: أحمدَ ابن يَزيدَ بن بَقِيّ ومحمد بن عامِر بن فَرْقَد، وآباءِ محمد: ابن أحمدَ البِجَائيِّ ابن الخَطيب وابن سُليمانَ بن حَوْطِ الله وعبد الرّحمن بن علي الزُّهْريّ وعبد الكبيرِ، واختَلَفَ إليه مُدّةً، وأبي مَرْوانَ محمد بن أحمدَ الباجِيِّ الخَطيب، وأبي المُطَرِّف عبد الرّحمن بن عبد الله الزُّبَيْديِّ وجالَسَه مُدّةً، وأكثَرَ عن أكثرِهم، وكلُّهم أجاز له مُطلَقًا.
وأجازَ له ولم يَلْقَه من أهل الأندَلُس وما والاها من بَرِّ العُدْوة: أبو العبّاس صِهرُه ابنُ تَمِيمٍ بن هشام، قال: واستجازَ لي في رحلتِه سنةَ ثلاثٍ وست مئة جميعَ من لقِيَ وأخَذَ عنه ببلادِ المشرِق جَزَاهُ اللهُ خيرًا؛ وابنُ محمد العَزَفيُّ، وأبو البقاءِ يَعيشُ بن عليّ، وأبو بكر بن عليّ بن حَسْنُون، وآباءُ جعفر: ابنُ عبد الله بن شَرَاحِيل وابنُ عليٍّ الحَصّارُ وابن محمد بن يحيى، وأبو الحَجّاج بن محمد ابن الشَّيخ، وأبو الحَسَن بن أحمدَ الشَّقُوري، وأبو الحُسَين محمدُ بن أحمدَ بن جُبَيْر، وأبو حَفْص بنُ عبد الله بن عُمرَ، وأبو الحَكَم عبدُ الرّحمن بن أبي عُمرَ بن حَجّاج، وأبو الخَطّابِ أحمدُ بن محمد بن واجِب، وأبو ذَرّ مُصعَبٌ الخُشَنيُّ، وأبو سُليمانَ بن سُليمانَ بن حَوْطِ الله، وآباءُ عبد الله بنو الأحامد: ابن سَعادةَ وابن الشَّوّاش وابن صاحبِ الأحكام وابن أيّوبَ بن نُوح وابن عبد العزيز بن سَعادةَ، وأبو عليّ عُمرُ بن عبد المجِيد الرُّنْديّ، وآباءُ القاسم الأحمدَانِ: ابنُ عبد الودودِ بن سَمَجُونَ وابن محمد بن أبي هارُونَ، وعبدُ الرّحيم بن عيسى ابن المَلْجُوم ومحمدُ ابن عبد الواحِد المَلّاحي، وآباءُ محمد: ابن الحَسَن ابن القُرطُبيّ وعبدُ العزيز بن عليّ بن رَيْدانَ وغَلْبُون.
стр. 1508
ومن أهل المشرِق: الأحامدُ: أبو العبّاس بنُ أبي السَّعاداتِ أحمدَ البَنْدَنِيجيّ وابن سُليمانَ بن سَلامةَ (١) المَوْصِليّ وأبو عبد الله بنُ أبي الغنائم محمد ابن المُهتَدي وأبو القاسم بن عبد الله بن عبد الصَّمد السُّلَميّ، وبَدَلُ بن المُعمَّر (٢) التّبريزيّ أبو الخَيْر، وداودُ بن أحمدَ بن مُلاعِب أبو البَرَكات، وزاهرُ بن رُستُم أبو شُجاع وأبو اليُمْن زَيْدُ بن الحَسَن الكِنْديّ، وعبد الرّحمن بن عبد الله بن عَلْوانَ الأسَديُّ أبو محمد، وعبدُ الصَّمد بن محمد الحَرَسْتَانيُّ أبو القاسم، وعبدُ العزيز بن محمد ابن الأخضَر أبو محمد، وعبدُ المُحسِن بن الفَضْل الطُّوسيُّ أبو القاسم خَطيبُ المَوْصل وابنُ خطيبِه، وعبد الوهّاب بنُ عليّ ابن سُكَيْنةَ أبو أحمد، وعثمانُ بن عبد الرّحمن أبو عَمْرٍو ابنُ الصَّلاح، وعليّ بن أبي الفَتْح ابن ماسُويَةَ الواسِطيُّ أبو الحَسَن، وعُمرُ بن محمد بن (٣) طَبَرْزَد أبو حَفْص، ومحمد بن أحمدَ بن صَالح أبو المعالي، ومنصورُ بن عبد المُنعِم الفُرَاوِيُّ أبو الفَتْح، والمؤيَّدُ بن محمد الطُّوسيُّ أبو الحَسَن، ويونُسَ بن أبي البَرَكات الهاشِميُّ أبو محمد، وقال: في طوائفَ من مُسنِدي العراق والشام ومِصرَ وغيرِها يتَعذَّرُ إحصاؤهم، ويدعو إلى السَّآمةِ استقصاؤهم؛ وقد تقَدم قولُه استجازةَ أبوَي العبّاس: صِهره ابن تَمِيمٍ وابن محمد ابن الرّوميّة جميعَ شيوخِهم بالمشرِق؛ ولَخَّصتُ ذكْرَ مشايخِه هؤلاءِ من إجازةٍ (٤) كتَبَ بها إلى بني الفقيه الرئيسِ الأوحَد أبي القاسم العَزَفيِّ، وذكَرَ فيها أنّ له "برنامَجًا" يتضمَّنُ رواياتِه، ولم أقِفْ عليه.
رَوى عنه صِهرُه أبو محمد بنُ محمد بن كَبِير، وأبو بكر محمدُ بن محمد بن عبَّاس اللَّخْميُّ، وأبو عبد الله بن صَالح الكِنَانيُّ الشاطِبيُّ نَزيلُ بِجَايةَ بها، وأبو العبّاس بن عثمانَ بن عَجْلان.
стр. 1509
وكان حافظًا للقرآنِ العظيم منسُوبًا إلى تجويدِه وإتقانِ أدائه، ذا حَظٍّ من التفسير وروايةِ الحديثِ واشتغالٍ برواييه وتشبُّع بمعرفةِ الرُّواة، ومُشارَكةٍ في العربيّة وقَرْض الشِّعر، أكتَبَ بحِصن القَصْر من نَظَر إشبيلِيةَ مُدّةً، وفي الإكتابِ أذهَبَ مُعظَمَ عُمُرِه بالأندَلُس، ثُم فَصَلَ عنها وأكتَبَ القرآنَ بقريةٍ خاملة من قُرى شَرِيش تُدعَى بَوْنِينَهْ -بباءٍ بواحدة معقودة مفتوحة وواو ساكنة ونونَيْنِ أُولاهما مكسورةٌ وأُخراهُما مفتوحة وبينَهما ياءٌ مسفولة وهاءِ سَكْت- وهي مجُاوِرةُ كرَنانَه: إحدى مشاهيرِ قُرى شَرِيش، وفَصَلَ عنها إلى سَبْتةَ ثُم إلى بِجَايةَ بعدَ الأربعين، فذُكِرَ هنالك بجَوْدةٍ وخَيْر وفَضْل ودِين، فقُدِّم إلى الإمامة والخُطبة بجامعِها، ثُم استُدعيَ مُنَوَّهًا في حدود أربعةٍ وخمسينَ وست مئة إلى تونُس وقُدِّم للخُطبة بجامعِها الجديدِ والصّلاة به، وتصَدَّى لإسماع الحديثِ وغيره متظاهرًا بسَعة الرِّواية والإكثارِ عن الشّيوخ، حسْبَما تقَدَّمتِ الإشارةُ إليه في سَرْدِ شيوخِه، فأنكَرَ كثير من الناس عليه ذلك، ونَسَبوه إلى ادّعاءِ ما لم يَرْوِه ولقاءِ من لم يَلْقَه على الوَجْه الذي زَعَمَه.
وعلى الجُملة، فكان قاصِرًا عمّا تعاطاهُ من ذلك شديدَ التجاسُرِ عليه متأيِّدًا بما نالَهُ منَ الجاهِ والحُظْوة عندَ الأمير بتونُسَ الَّذي وَلّاه الخُطبةَ والإمامةَ بجامعِه، والحقُّ وراء ذلك.
وقد وقَفْتُ على جوابه بخطِّه لمَن سألَه عن موضع سَلَفِه بالأندَلُس، وسببِ حلولِهم بإشبيلِيَةَ، أَعادها اللهُ للإسلام، رأيتُ إثباتَه هنا، وإن كان فيه بعضُ طُول؛ لتَعلَمَ منهُ بعضَ أحوالِه، ونصُّه:
"أمّا أصلُنا فمن مَنْبجِ الشام وخَرَجَ سَلَفُنا غَزاةً في طالعةِ بَلْج، واستَوطَنوا أبّذَة جَيّان، ويقالُ: إنّها شبيهةٌ ببلدِهم في خِصبِها واتّساع خَيْرِها، كذا رأيتُهم وسَمِعتُهم يتلفَّظونَ بها، بالذالِ المعجَمة، وفي أخبارِها ما يدُلُّ على أنّ العرَبَ إذْ ذاك تكلَّموا فيها بالدّال المهمَلة، يقالُ: إنّ بَلْجًا مَرَّ بها أو غيرُه فشَبَّهها بمَنْبِج، فقال: ما اسمُ هذه البلدة؟ قالوا: أُبَّدَة، قال: أَبَّدُوها على يَعمُر، فنزَلتْها يَعْمُرُ وبَقُوا
стр. 1510
بها إلى غَلَبةِ الرُّوم عليها، ومَن لم يكنْ يَعْمُرِيَّا فهُو طارئٌ عليها؛ وللكلام على أشياءَ من هذه الجُملة مكانٌ غيرُ هذا. ولم يزَلْ سَلَفي بها إلى سنة نيِّفٍ وخمسين".
قال المصنّفُ عَفَا اللهُ عنه: يعني وخمس مئة.
رَجْعٌ: "وقد ثار بها بل بجَيّانَ بَلْدتِها ابنُ هَمْشَك فغَرَّبَهم منها احتياطَا -زَعَمَ- على استيساقِ إمْرتِه بها، فنَقَلَ منها جَدِّي الأعلى الشّيخَ الفقيهَ أبا عبد الله محمدَ بنَ يحيى بن محمد وبَنِيه الأربعةَ الفقهاءَ الأنباهَ أبا عليّ الحُسَينَ بن محمد وأبا الحَجّاج يوسُفَ بن محمد وأبا محمدٍ عبدَ الله جَدّي أبا أبي وأبا بكرٍ يحيى بنَ محمد وكان أصغَرَهم، واحتُبِسَ الشِّيخُ عندَه في منزِلي مُكرَّمًا إلا أنه محجورٌ عليه التصَرُّفُ دونَ بَنيه، فتحيَّلَ بَنوهُ وخرَجوا عنه وقد أُخِيفوا ولم تسَعْهِم طاعة، وكرِهوا التوجُّهَ إلى مُرْسِيَةَ لنقيضِهِ ابن مُرْدَنيس (١) لمّا تخوَّفوا مِن لَحاقِ معَرّةِ أميرِهم بأبيهم، فلَحِقوا بإشبيلِيَةَ، وقدِ استَوْسَقَ بها ملِكُ المُؤمنيّة، فرَفَعَ أمرَهم لواليها إذْ ذاك -أظُنُّه ابنَ الجَبْر أو غيرَه- فرَفَعَهم إلى العُدْوة حتّى بايَعَ ابنُ هَمْشَك ورَغِبوا في العَوْدة إلى أندَلُسِهم فأُسعِفوا بذلك على أن يَسكُنوا إشبيلِيَةَ، فكان ذلك؛ وأُمِرَ أبوهم باللَّحاقِ بهم فاجتَمَعوا بها، فمِن هذا كان أصلُ موقعِنا بإشبيلِيَةَ في حدودِ سنة ثمانِ وخمسينَ وخمس مئة، فتأهَّلوا بها ووُلدَ لهمُ الأولادُ إلّا من كان منهم وُلدَ له قبلَ ذلك، وهم معلومونَ بتواريخِهم، وبَقِيَتْ أملاكُنا ببلدِنا أُبَّذةَ إلى تغلّبِ العدُوِّ عليها، واتَّخَذْنا أملاكَا أُخَرَ بعِمالات إشبيلِيةَ داخلَها وخارجَها وما يرجعُ إليها، ولم تزَلْ عامّتُها بأيدينا إلى تغلُّبِ العدُوِّ عليها سنةَ ستٍّ وأربعينَ وست مئة، نفَعَ اللهُ بذلك.
مولدُ جَدِّي الفقيه أبي محمدٍ بأُبَّذةَ سنةَ إحدى عشْرةَ وخمس مئة، وتوفِّي بإشبيلِيَةَ عامَ الأرك سنةَ إحدى وتسعينَ، ومَولدُ أبي بإشبيلِيَةَ في جُمادى الآخِرة سنةَ إحدى وتسعينَ، وتوفِّي بها في منتصَف جُمادى الأُولى سنةَ ثمانِ عشْرةَ وست مئة؛
стр. 1511
ومَوْلدي بقريةٍ من قُرى إشبيلِيَةَ عَمل حِصْن القَصْر بالشَّرَف تُسمَّى الحُجَيْرةَ، خرَجَ أَبَواي لها في غَلّةِ الزّيتون لضَمِّ فائدِ أملاكِهم، وكانا متحابَّيْنِ لا يَصبِرُ أحَدُهما عن الآخَر، فخَرَجا جميعًا إليها، فكانت ولادتي بها لعَشْرِ ليالٍ بقِيَتْ من شهرِ أكتوبَر الأعجَميِّ، ولا أدري ما وافَقَ من الأشهرِ العربيّة؛ لتَلَفِ تقييداتي وتقييداتِ سَلَفي في ضَيْعة كُتُبي، إلّا أنّ والدتي كانت تقول: كُنْتُ ليلةَ موسم يَنّيرَ من أربعينَ ليلةً، وإلّا ما تحقَّقتُه بأخَرةٍ من وجوه: أنّ ذلك كان في صَدْرِ سنة سبع وتسعينَ، قبلَ السَّيلِ الكبيرِ بإشبيلِيَةَ بأشهُر".
انتهَى نَقْلُ ما قصَدتُ إليه من جوابِه، وكان بخطِّه كما ذكَرْتُه، وقد اشتَملَ على كثيرٍ يدفَعُه أهلُ المعرفة من أهل بلدِه إشبيلِتةَ بمَنْشئِه وحالِه وانتحالِه وخُمولِه بها وإقلالِه. وذَكَرَ أحدُ بَنيهِ أنه وُلد في صَدْرِ محرَّمِ سبع وتسعينَ، وتوفِّي بتونُسَ لثمانٍ، وقيل: لسبع بَقِينَ من جُمادى الآخِرة سنة تسع وخمسينَ وست مئة.
قال المصنِّف عَفَا اللهُ عنه: كان هذا السَّيلُ الَّذي ذَكَرَه الخَطيبُ أبو بكرٍ من أكبرِ السُّيول وأعظمِها عِبرةً وأشدِّها آثارًا، وقد ذَكَرَهُ التأريخيُّ أبو العبّاس بنُ عليِّ بن هارونَ فنقَلتُ من خطِّه فُصولًا في ذِكْرِه، منها: "كان السَّيلُ بإشبيلِيَةَ يومَ الاثنين بعدَ صَلاة الظّهر، وفيه وقَعَ السُّور، وكان المتهدِّمُ مسافتينِ منه ما بينَ باب أَطْرَيانَةَ وباب المؤذِّن وبناحيةِ الدَّقّاقِينَ حيثُ البركةُ هنالك، وأطار الماءُ الشُّقّةَ من السُّور نحوَ الأربعين باعًا، وكان هذا اليومُ يومًا هائلًا، ولو كان هذا الحادثُ باللّيل لهَلَكَ فيه آلافٌ من الناس، وذلك في التاسعَ عشَرَ لجُمادى الآخِرة عامَ سبعةٍ وتسعينَ وخمس مئة، ووافَقَه من العجَميِّ السادسُ والعشرونَ من مارْس؛ وكان انتهاؤه يومَ الأربعاء، وعايَنْتُ في هذا السَّيل القواربَ تُعَدّي بباب سَابَاطَ النساءَ بباب العَطّارِين، وكان دخولُها وخروجُها على باب المؤذِّن، ولم يَكنْ أحدٌ من المُعَدِّينَ يُعَدّي إلّا في القوارب القُرطُبيّة؛ لعِظَم الماءِ وجَفائه". ومنها: "وعايَنْتُ قواربَ المُعَدِّينَ تُعَدّي بأَوّلِ دربِ الدَّبّاغِين بقُرب جامع العَدَبَّس وبأوّل القَصْر الذي بقُرب سُوق باب الحديد". ومنها: "وصارت إشبيلِيَةَ ما بينَ
стр. 1512
المياه كأنّها جزيرةٌ، وكان من لُطف الله تعالى أنْ لم يَمُتْ في هذه الكائنة أحدٌ إلّا نحوَ خمسةِ أنفُس". انتهى ما قَصَدتُ نقْلَه.
١٢٤٦ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الله بن محمد الأُمَويُّ، غَرْناطيٌّ، ابنُ الغاسِل .
رَوى عن أبي القاسم المَلّاحي.
١٢٤٧ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الله بن مَطْروح، لَبْلِيّ، أبو عبد الله .
رَوى عن شُرَيْح، وكان مُقرِئًا مجوِّدًا.
١٢٤٨ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الله بن وَهْب .
رَوى عن أبي القاسم ابن بَشْكُوال.
١٢٤٩ - محمدُ (١) بن أحمدَ بن عبد الله بن هِشَام الفِهريُّ، لُوْرْقيٌّ، أو مَرَوِيٌّ، مُرْسِيُّ الأصل، أبو عبد الله الشَّوّاش.
رَوى عن أبوَيْ بكر: ابن خَيْر وابن أبي ليلى، وأبوَي الحَسَن: ابن النِّعمة وابن فَيْد، وآباءِ عبد الله: ابن إبراهيمَ ابن الفَخّار وابن حَمِيد وابن عبدِ الرّحيم وابن يوسُف بن سَعادةَ، وأبوَي القاسم: ابن حُبَيْش والسُّهَيْليِّ، وأبوَيْ محمد: الحَجْريّ والقاسم بن دَحْمان، وأبي موسى القُزوليّ، وأكثرُهم بالإجازة.
رَوى عنه أبو إسحاقَ بن محمد البَلَّفِيقيّ الصَّغير، وأبَوا بكرٍ المحمّدان: ابنُ الطيِّب وابنُ غَلْبون، وأبو الحَسَن بن أحمدَ ابنُ الغَزّال، وأبو عبد الله بنُ لُبّ ابن الصائغ، وأبو عُمرَ بن حَوْطِ الله، وأبو القاسم قاسمُ ابنُ الأصفَر، وأبو محمد بن عبد الرّحمن بن بُرْطُلُّهْ. وحدَّثنا عنهُ شيخُنا أبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ ﵀.
وكان مُقرِئًا مجوِّدًا مُتصدِّرًا، راوِيةً للحديث عَدْلًا، أُستاذًا متقدمًا في النَّحوِ واللّغةِ والأدب، أنجَب مَنْ تخرَّج بالمَرِيّة على أبي موسى القُزوليِّ أيامَ كونِه بها،
стр. 1513
معروفَ الفَضْل كثيرَ التواضُع، من أبرَع الناس خطًّا وأتقَنِهم تقييدًا، وتردَّد مِرارًا على مُرْسِيَةَ فأسمَعَ بها وأُخِذ عنه واستُفيدَ منه.
توفِّي بالمَرِيّة سنةَ تسعِ عشْرةَ وست مئة، ودُفنَ بمقبُرة الأحرَش من رَبَضِها. وقال أبو القاسم بن فرْقَد: توفِّي سنةَ ستَّ عشْرةَ، والأوّلُ أصَح.
١٢٥٠ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الله بن يحيى بن خَلاص بن يَبقَى الخَوْلانيُّ .
١٢٥١ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الله بن فَرْح ابن الجَدِّ الفِهْرِيُّ، إشبِيليُّ، لَبْليّ الأصل، أبو بكر .
رَوى عن عمِّه الحافظِ أبي بكرٍ ابن الجَدّ، وأبي الحَجّاج المكلاتي.
وكان أديبًا ظَريفًا حَسَنَ المشارَكة في فنونٍ من العِلم، من بيتِ نَباهة ورياسةٍ بالعلم، استُقضيَ بحِصن القَصْر من شَرَفِ إشبيلِيَةَ، ولم تَطُلْ مُدّتُه في ذلك، ودَخَلَ مَرّاكُش مرَّتَيْنِ أُخراهُما في وَفْد إشبيلِيَةَ القادمينَ على أبي محمد عبد الواحِد ابن أبي يعقوبَ بن عبد المُؤمن، وهو الَّذي كتَبَ لأبي مَرْوانَ الباجِيّ: "الحسَبُ والوِزارة، أعزَّكُم الله، قد خُلقا بالابتذال، وصارا من لِباس الأنذال، فرأيتُ الاقتصارَ على الاختصار، وتَرْكَ التشطيط في التخطيط". وكان كثيرًا ما يختلِفُ بينَ إشبيلِيَةَ ولَبْلَةَ إلى أنْ توفِّي بلَبْلةَ سنةَ ثلاثينَ وست مئة.
١٢٥٢ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الله الألْهانيُّ .
١٢٥٣ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الله الأنصاريُّ، غَرْناطيُّ، أبو عبد الله، ابنُ الحَلّاء .
لهُ روايةٌ عن أهل بلدِه، وحَجَّ، وكان فقيهًا وَرِعًا فاضلًا، توفِّي بعدَ العشرينَ وخمس مئة.
١٢٥٤ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الله الأنصاريُّ، أبو عبد الله .
رَوى عن عليِّ بن عبد الله بن عبد الملِك الباجِيّ، وكان مُقرِئًا ضابِطًا مُتقِنًا.
стр. 1514
١٢٥٥ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الله المرِّيّ .
وأخشَى أن يكونَ مصحَّفًا من المريِّي نِسبةً إلى المَرِيّة على غيرِ قياس. رَوى عنه أبو إسحاقَ البَلَّفِيقيُّ الأكبر.
١٢٥٦ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الله الغَسّانيّ .
رَوى عن أبي عليّ الرُّنديّ سنةَ خمسَ عشْرةَ وست مئة.
١٢٥٧ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الله الكَلاعيُّ، قُرطُبيٌّ، أبو عبد الله .
رَوى عن أبي بكرٍ محمد بن عبد الرّحمن الأَزْديّ الفَخّار، وأبوَي الحَسَن: ابن حَمْدونَ (و) ابن القَصّار الهَوّاريّ، وأبي الحُسَين يحيى بن عليّ القُرَشيّ رَشِيد الدِّين العَطّار، وأبي زكريّا يحيى بن عبد المَجِيد، وأبي محمد بن عبد الرّحمن ابن بُرطُلّه وغيرِهم.
رَوى عنه [....] (١)، وكان شيخًا صالحًا زاهدًا فاضلًا مُقرِئًا مجوِّدًا، مَولدُه سنةَ ستٍّ وعشرينَ وست مئة.
١٢٥٨ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الله اللَّخْميُّ، أبو عبد الله .
رَوى عن أبي القاسم بن محمد بن بَقِيّ.
١٢٥٩ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الله، بَلَنْسِيٌّ، أبو عبد الله، ابنُ الفَخّار .
رَوى عن أبي جعفر أحمدَ بن محمد بن وَهْب، وأبي الحَسَن أحمدَ بن محمد بن واجِب، وأبي عبد الله بن يوسُفَ ابن الدَّبّاغ، وأبي عامرٍ نَذير بن نَذير، وأبي محمد عبد الكريم بن عَمّار، والحَسَن بن محمد بن الحَسَن؛ وكان مُقرِئًا مجوِّدًا شديدَ العناية بالقرآنِ العظيم وإتقانِ أدائه.
١٢٦٠ - محمدُ بن أحمدَ بن عُبَيد الله بن بَشْتَغير الألْهانيُّ، أبو بكر .
رَوى عن شُرَيْح.
стр. 1515
١٢٦١ - محمدُ (١) بن أحمدَ بن عُبَيد الله بن عبد الرّحمن بن موسى الأنصاريُّ، إشبِيليُّ، أبو عبد الله، ابنُ المُجاهِد.
شُهرةٌ عرِف بها أبوه إذْ كان لا يَسمَعُ بغُزاةٍ ولا سَرِيّة إلّا تجهَّز لها وسارَعَ إليها وبادَرَ نحوَها.
قرَأَ أوّلَا على أبي العبّاس القَرَمُوني، ورَوى الحديثَ عن أبي مَرْوانَ الباجِي، وتفَقَّه به على أبي عُمر أحمدَ بن مُبَشّر، وأبي القاسم محمد بن إسماعيلَ الرَّنْجانيّ، وأبي يوسُفَ الزّنَاتيّ؛ ولازَمَ مجلسَ أبي بكرٍ ابن العَرَبي نحو ثلاثةِ أشهر، ثُم ترَكَ التردُّدَ إليه فقيل له في ذلك، فقال: كان يُدرِّسُ وبَغْلتُه عند البابِ ينتظرُ الركوبَ إلى السُّلطان، وتأدَّبَ بأبي الحَسَن ابن الأخضَر.
رَوى عنه أبَوا بكر: ابنُ خَيْر (٢) وعَتِيقُ ابن قَنْتَرال، وأبَوا الحَسَن: البَلَويُّ وابن خَرُوف النَّحوي، وأبو الخَطّاب عُمرُ ابن الجُمَيِّل وأبو الصَّبر السَّبْتي، وآباءُ عبد الله: ابن قَسُّوم الزاهِد وابن هارُونَ وابن يوسُفَ بن عبد الله بن محمد بن عامُور، وأبو العَبّاس بن مُنذِر، وأبو عُمرَ محمدُ بن أحمدَ بن عبد الملِك الباجِيّ، وأبو عَمْرِو عبدُ الرّحمن بن مغْنِين، وأبو عِمرانَ المارْتُليُّ، وآباءُ محمد: ابن أحمدَ بن جُمْهُور والشَّنْتَرِينيُّ وابن عُبَيد الله الباجِيُّ، وأبو مَرْوانَ بنُ أحمدَ أبي عُمرَ الباجِيُّ المذكور.
وكان واحدَ وقتِه زُهدًا في الدّنيا واجتهادًا في العبادة وتمكُّنِ الورَعُ الصَّحيح وتوَقِّي الشُّهرةِ والرّغبة في الخُمول والإيثار بما عندَه، معدودًا في الأولياءِ ذَوي الكراماتِ الشَّهيرة والبَراهينِ الصّالحة والمُكاشَفاتِ وإجابة الدَّعَوات ممّن بَعُدَ العهدُ بمِثلِه، ولم يكنْ يسمَحُ لأحدٍ في التعرُّض إليه بهديّة أو تُحفة قلَّتْ أو
стр. 1516
كثُرت، لا منَ الملوكِ ولا من غيرِهم، على اختلافِ طبقاتِ الناس، إلّا من آحادٍ من بعضِ خُلْصانِه ممّن قد تحقَّق طِيبَ مكسَبِهم، وذلك في النَّزْرِ اليسيرِ والنادرِ من الأوقات. وكتَبَ الكثيرَ من العلم بخطِّه، وكان مُثابِرًا على طَلَبِه مُرغِّبًا فيه كلَّ من يَغْشاهُ من أصحابِه، وافرَ الحَظِّ من علم القراءاتِ والفقه، وعُرِضَتْ عليه أوانَ طَلَبِه ولايةُ القضاء بشَرِيش فنَفَرَ من ذلك وامتَنعَ حتى أُعفِيَ؛ وكان مُقتصِدًا في أحوالِه: اقتَصرَ في إجراءِ معيشتِه على نَسْخ المصاحف بعدَ طُول تردُّدِه في التماسِ حِرفةٍ ليَسلَمَ من تَبِعاتِها فلم يَجِدْها.
واستدعاهُ أبو يعقوبَ بنُ عبد المُؤمن فأجابَه وقرَّرَ لديه من أعذارِه في إعفائه من العَوْدِ إليس ما اقتَضَى عندَه قَبولَه، فأسعَفَه في ذلك عملًا على مساعدتِه،
وعَرَضَ عليه مالًا فأبَى من قَبولِه، فتَرَكَه لرأيِه مُوافقةً عليه ووقوفًا عند مَرْضاتِه.
وكان تلميذُه الأخصُّ به أبو عِمرانَ المارْتُليُّ، إذا جَرى ذكْرُه بينَ أصحابِه يقول: لو رأيتُموهُ رأيتُم فردًا من أفرادِ الزّمان وبَدَلًا من الإبدالِ لا يُقدَّرُ ولا يُمثَّلُ إلّا بالصدر الأوّل والسَّلَفِ الصالح.
ومما يؤْثَرُ عنه من كراماتِه وحمايةِ الله إيّاه: أنّ أبا العبّاس الشهيرَ بالبُرَيْرَق ويُعرَفُ أيضًا بأبي رَقِيقةَ -وكان أحدَ أصحابِه- كان يُهدي إليه أوّلَ طِيبِ العنبِ كلَّ سنةٍ شيئًا من عِنَبِه الَّذي يَجنيه من موضعِه الصائرِ إليه بالإرثِ عن آبائه عن أجدادِه منذُ زمن الفَتْح، فكان دَأْبُ أبي عبد الله قَبولَ هديّتِه؛ لتحقُّقِه طِيبَ أصلِها، ولمّا كان في بعض الأعوام رَدَّها عليه وأبَى قَبولَها، فرابَ ذلك أبا العبّاس وشَقَّ عليه وغاب عنه السببُ فيه، فعَمَدَ إلى أبي عبد الله وسألَه عن مُوجِب رَدِّ هديّتِه ومخالفةِ ما عوَّدَه من قَبولِها، فقال له: إنّما صرَفْتُها عليك؛ لأنّها ليست من مالِك، فابحَثْ عنها. فرَجَعَ أبو العبّاس إلى منزلِه وسألَ أهلَه فأُخبِرَ أنّ ذلك العنبَ من جَنّة أحدِ جِيرانِهم، وقيل له: إنّا رأينا عنبًا أكحَلَ طيِّبًا ليس لنا مثلُه، فرأينا أنْ نُهديَه إلى الشّيخ أبي عبد الله ونؤْثرَه به، فسُرِّيَ عن أبي العبّاس ما كان قد وَجَدَ في نَفْسِه من ذلك وعَلِمَ أن اللهَ سبحانَه قد وَقَى
стр. 1517
وَليَّه من تناوُلِ شُبهة. وكراماتُه ومَآثرُه كثيرةٌ أثيرة، وقد دَوَّنَ منها الزاهدُ الفاضلُ أبو بكر بنُ قَسّوم جُملةً صالحه في كتابِه: "محاسنِ الأبرار في معاملةِ الجَبّار".
حدَّثني الشَّيخُ السَّنِيّ أبو الحَسَن الرُّعَيْنيّ ﵀ قراءةً منِّي عليه قال (١): "أخبَرَني الشّيخُ الصّالح أبو محمد الشَّنْتَرِينيُّ الفقيهُ، قال: كان عندَنا بإشبيلِيَةَ شاعرٌ يُعرَفُ بأبي عبد الله البَراذِعيّ، وكان يعمَلُ أبدًا على زيارةِ أبي عبد الله ابن المُجاهِد ﵀، فكان يُعطيه في اليوم الَّذي يأتيه فيه نصفَ القُرصة التي كانت قُوتَهُ في يومَيْنِ اثنَيْن، فإنهُ كان يَدفَعُ لي درهمًا فيَستنفِقُ منه ستةَ عشَرَ يوفا قُرصة في يومَيْن، والقُرصةُ حينَئذ (٢) من أربع وعشرينَ أُوقيّة، وأنه زارَه في أحدِ الأيام فأعطاه قَلَنْسُوةً وخُبزًا وعُنقودَ عنبٍ ودِرهمَيْنِ اثنَيْن، فقال أبو عبد الله البَراذِعيُّ المذكور: ما رأيتُ أكرمَ من ابن المُجاهدِ وزُرتُه (٣) فأعطاني كُسوتَه وقُوتَه ودْراهمَه، ثم قال فيه هذه الأبيات (٤) [الطويل]:
لكلِّ بني الدُّنيا نصيبٌ (٥) منَ امِّهِ ... يُلاحظُهُ ذو اللُّبِّ لحظَ المُشاهدِ
فأمّا بنو الأُخرى فإنّ نصيبَهمْ .... منَ امِّهمُ مُسْتَدرَكٌ بالشواهدِ
وفُرْقانُ بينَ الحالِ والحالِ مُدْرَك .... لذي نُهْيَةٍ في هذه الدارِ زاهدِ
فتًى طلَّقَ الدّنيا ثلاثًا فبَتَّها .... ليَظفَرَ في الأُخرى بحَوْراءَ ناهدِ
له خَلَدٌ في جنّةِ الخُلْدِ راتعٌ .... وظاهرُ شخصٍ منه بين المَشاهدِ
فإنْ يَكُ منهمْ بينَ أظهُرِنا فتًى .... فإنّي لأرجو أنهُ ابنُ المُجاهدِ
стр. 1518
له عندَنا عهدٌ كريمٌ ذِمامُهُ .... حَمِيد إذا ذُمَّتْ لئامُ المعاهدِ
فيا ربِّ مَتِّعْنا بتشديدِ (١) عهدِهِ .... وجَدِّدْ له من بِرِّكَ المتعاهِدِ
قال المصنِّف عَفَا اللهُ عنه: هذه الأبياتُ لُزوميّة، وهي شاهدةٌ بإجادةِ ناظمِها، أعظَمَ اللهُ أجرَه.
مولدُه سنةَ ثلاثِ وثمانينَ وأربع مئة. قال أبو الرَّبيع بنُ سالم: كان إذا سُئل عن مولدِه يقول: وُلدتُ سنةَ ثلاثٍ وثمانينَ وأربع مئةِ قبلَ أن يَسلُبَ اللهُ ابنَ عَبّاب مُلكَه بعام. وتوفِّي -قَدَّس اللهُ روحَه- عَصْرَ يومَ الاثنين لثمانٍ بَقِينَ من شوّالِ أربعٍ وسبعينَ وخمس مئة، ودُفنَ ضُحى يوم الثلاثاءِ برَوْضة قُبور سَلَفِه بمقبُرةِ المطْخَشيليّ.
١٢٦٢ - محمدُ بن أحمدَ بن عُبَيد الله بن محمد بن سابِق .
رَوى عن شُرَيْح.
١٢٦٣ - محمدُ (٢) بن أحمدَ بن عُبَيد الله الرُّعَيْنيُّ، قُرطُبيٌّ، أبو عبد الله المَشّاط.
كان من أهل المعرِفة والنَّباهة، وتقَلَّد النظَرَ في أحباسِ جعفرِ الفتَى الحاجِب، وتوفِّي ابنُه صاحب الشّرطة أبو المُطرِّف عبد الرّحمن في حياتِه فتوَلَّى الصَّلاةَ عليه، وتأخَّرتْ عنه وفاتُه بنحوِ سنتَيْنِ إلى حدودِ أربع مئة.
١٢٦٤ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الرّحمن بن أحمدَ بن عبد الرّحمن بن يَعيشَ بن حَزْم بن يَعيشَ بن إسماعيلَ بن زكريّا بن محمد بن عبسى بن حَبيب بن إسحاقَ بن إبراهيمَ بن عبد الجَبّار الداخِل إلى الأندَلُس ابن أبي سَلَمةً الفقيهِ عبد الله بن عبد الرّحمن بن عَوْف الزُّهْريّ، إشبِيليٌّ .
رَوى عن أبي محمد بن عَتّاب.
стр. 1519
١٢٦٥ - محمدُ (١) بن أحمدَ بن عبد الرّحمن بن أبي العَيْش اللَّخْميُّ، طَرْطُوشيٌّ، نشَأَ بالمَرِيّة وسَكَنَ شاطِبةَ، أبو عبد الله، ابنُ الأصِيلي.
عُنيَ بالتجَوُّل في طلَبِ العلم فتَلا بالسَّبع على أبي عليّ منصورِ ابن الخَيْر، ورَوى عن أبي الحَجّاج بن يَسْعُونَ، وآباءِ عبد الله: ابن الحاجّ وابن أبي الخِصال وابن أُختِ غانم، وأبي محمد البَطَلْيَوْسيّ. رَوى عنه أبو الحُسَين محمدُ بن أحمدَ بن جُبَيْر وأبو عُمر يوسُفُ بن عَيّاد.
وكان مُقرِئًا مجوِّدًا ضابطًا مُتقِنًا نَحْويًّا ماهرًا موصُوفًا بجَوْدةِ الفَهْم وتمكُّن المعرِفة، تصدَّر بشاطِبةَ لإقراءِ القرآن وتدريس العربيّةِ فانتَفعَ به الناسُ، وكان ضعيفَ الخَطّ.
مَولدُه بطَرْطُوشةَ سنةَ ستًّ وتسعينَ وأربع مئة، وتوفِّي سنةَ ستٍّ وستينَ وخمس مئة، قاله ابنُ سُفيانَ؛ وقال محمد بن عَيّاد: توفِّي سنة سبع وستينَ، فاللهُ أعلم.
١٢٦٦ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الرّحمن بن حَسَن بن حَزْم المَذْحِجيّ .
وقد تقَدَّم ذكْرُ محمدِ بن أحمدَ بن حَزْم المَذْحِجيّ (٢)، ولعلّه هذا، واللهُ أعلم.
١٢٦٧ - محمدُ (٣) بن أحمدَ بن عبد الرّحمن بن سَعْد الفِهْرِيُّ، مُرْسِيٌّ، أبو عبد الله، ابنُ الصَّيْقَل، ويُلقَّبُ أبا هُريرةَ؛ لتتبُّعِه الآثارَ وروايتِه إيّاها وعنايتِه بها.
رَوى عن أبي بكرِ ابن أبي ليلى، وأبي الحَجّاج القُضَاعيّ، وآباءِ الحَسَن: طارِق بن موسى وعَبّاد بن سِرْحان وابن مَوْهَب، وأبي الحَكَم عُمرَ الصُّوفيِّ الشَّهيد، وآباءِ عبد الله بني الأحامد: ابن إبراهيمَ وابن موسى -وأظُنُّه ابنَ وَضّاح-
стр. 1520
وابن الحاجِّ وابن عليّ بن محمد ابن المُغِيرةِ، وأبي عامرٍ محمد بن حَبِيب، وأبوَي العبّاس: الأُقْلِيجيِّ وابن العَرِيف، وأبي محمد بن محمد الخُشَنيّ بن أبي جعفر، وأبي مَرْوانَ بن هِبة الله القُرَشيِّ، وأبي الوليد ابن الدَّبّاغ ولازَمَه وأكثَرَ عنه، وأجازوا لهُ. وكذلك أجازَ له مُكاتَبةً آباءُ بكر: ابنُ أسوَدَ وابنُ طاهر وابنُ العَرَبي، وأبو الحَجّاج بن يَسْعُونَ، وأبَوا الحَسَن: شُرَيْح ويونُسُ بن مُغيث، وأبو عبد الله الحَمْزيّ وأبو الفَضْل عِيَاضٌ، وأبو القاسم بنُ بَقِيّ، واسلوا محمد: الرُّشَاطيُّ وابنُ عَطِيّةَ؛ ومن أهل المشرِق: أبو الطاهِر السِّلَفيُّ، وأبو محمد العُثمانيُّ الدِّيباجيُّ وأبو المظفَّر محمدُ بن عليٍّ الشَّيْبانيُّ الطَّبَريّ، وحَيْدرُ بن يحيى الجِيلي.
رَوى عنه أبو بكر بن سُفيانَ. وكان ذا عِنايةٍ بالعلم وروايتِه، وكتَبَ الكثيرَ على ضَعْفِ خطِّه، وجَمَعَ فوائدَ جمّة، وصنَّف في أنواع من عِلم الحديث (١) وتاريخ رِجالِه وغيرِهم، وقد ضُعِّف، وتوفِّي بمُرْسِيَةَ بعد الخمسينَ وخمس مئة.
١٢٦٨ - محمدُ (٢) بن أحمدَ بن عبد الرّحمن بن سُليمانَ بن محمد الزُّهْريُّ، بَلَنْسِيُّ، أبو عبد الله، ابنُ القُحِّ وابنُ مُحرِز.
وليس محُرِزٌ أبًا لهم، وإنّما هو اسمٌ لحِقَ بهم فشُهِروا بالنِّسبة إليه. رَوى عن آباءِ الحَسَن: صِهرِه ابن هُذَيْل، وصَحِبَه نحوَ ثلاثينَ سنةً، وابنِ سَعْدِ الخَيْر وابن النِّعمة وطارقٍ، وأبي بكر بن خَيْر، وأبي عبد الله بن يوسُف بن سَعادةَ، وأبي القاسم بن حُبَيْش لقِيَهم وأكثَرَ عنهم. رَوى عنه ابنُه أبو بكر، وهو أبو عبد الله بنُ أبي البَقاء.
стр. 1521
وكان مجوِّدًا للقرآنِ العظيم عارِفًا بوجوهِ القراءات، ضابطًا لها، حافظًا للحديثِ ثقةً فيما يَأثُرُه، ثَبْتًا فيما يُسنِدُه، ذا حظٍّ صالح منَ الفقه، مُجيدًا في النَّظم، ومنه في ترتيبِ حروفِ "العين" وما أشبَهَه [الطويل]:
عَلِقْتُ حبيبًا هِمْتُ خيفةَ غَدْرِهِ ... قليلٌ كَرَى جَفْني شكا ضُرَّ صَدِّهِ
سَبَا زَهْوُه طفلًا ديانةَ تائبٍ ... ظلامتُهُ ذنبٌ ثَوى رَبْعَ لَحْدِهِ
نَواظرهُ فتّاكةٌ بعميدِهِ ... مَلاحتُه أجرَتْ ينابيعَ وَجْدِهِ
مولدُه سنةَ سبعٍ أو ثمانٍ وعشرينَ وخمس مئة، وتوفِّي ببَلَنْسِيَةَ سَحَر ليلة يوم الجُمُعة الثانية من جُمادى الأُولى سنةَ خمس وست مئة.
١٢٦٩ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الرّحمن بن عُبَيد الله بن العاص اللَّخْميُّ، إشبِيليٌّ استَوطَنَ بأخَرةٍ مالَقةَ، أبو بكر .
تَلا في بلدِه بالسَّبع على أبي بكرٍ عَتِيق بن خَلَف ابن قَنْتَرال، وأبي الحُسَين ابن عَظِيمةَ، وأبي القاسم بن أبي هارُون، وأخَذَ عن أبي الحَكَم عبد الرّحمن بن حَجَّاج، وأبي العبّاس بن مِقْدام "كافيَ" ابن شُرَيْح، وله شيوخٌ غيرَ هؤلاء.
تَلا عليه أبو بكرٍ أحمدُ المدعوُّ بحميد ابن أبي محمد ابن القُرطُبيّ، وأبو جعفر بنُ الزبير، وحدَّثنا عنه.
وكان مُقرِئًا مجوِّدًا حافظًا للحديثِ راوِيةً لهُ ضابطًا لِما يحدِّثُ به، من أهل الطَّهارةِ والزّكاءِ والفَضْل والتعيُّن الشّهير، فَصَلَ عن إشبيلِيَةَ حين تغَلَّبَ الرُّومُ عليها، دمَّرَهم اللهُ ورَجَعَها، فسَكَنَ مالَقةَ، وعرَفَ مكانَه الأستاذُ أبو بكرٍ حميد، فأقعَدَه معه في مجلس إقرائه وتَلا عليه ورغَّبَه في إقراءِ الناس، فتَصدَّى لذلك ولم يكنْ تعرَّضَ إلى شيء من ذلك ببلدِه، فاشتُهِرَ فَضْلُه وانثالَ الناسُ للأخذ عنه وعَلَا صِيتُه بتلاوةِ الأستاذ أبي بكرٍ حميدٍ عليه، وأخْذِ الطَّلبة بالأخْذِ عنه، وعُمّر كثيرًا وأسَنَّ وخَطَبَ برابِطة البَتِّي من مالَقةَ دهرًا، ثُم أقعدَتْه
стр. 1522
الكَبْرةُ عن التصرُّف فلزِمَ دارَه إلى أن توفِّي بمالَقةَ سنةَ ستٍّ وستينَ وست مئة، ومَولدُه سنةَ ستِّ وسبعينَ وخمس مئة.
١٢٧٠ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الرّحمن بن عُبَيد الله بن محمدٍ النَّفْزِيّ، شاطِبيّ، أبو عبد الله وأبو الوليد، ابنُ قَبُوج، بفَتْح القافِ وضمِّ الباءِ وواوِ مدٍّ وجيمٍ مُشرَبةٍ صوتَ الشِّين .
تَلا على أبي الحَسَن بن هُذَيْل، ورَوى عنه وأجازَ له، وتفَقَّه بأبوَيْ محمد: عاشِر وهارُونَ بن عاتٍ، ورَوى عنهما، رَوى عنه ابنُه أبو الحُسَين عُبَيدُ الله وأبو محمد بنُ خِيَرة. وكان وافرَ الحظّ من الفقه دَرَّسَه مُدّةً، وشُهِرَ بالحِفظِ للمسائل والرأي، وعُرف بالعدالةِ والثِّقة. توفِّي بعدَ ستَّ عشْرةَ وست مئة؛ نَسَكَ بأَخَرةٍ، وكان على طريقةٍ حسَنة وهَدْي صالح، وله في ذكْرِ ما انقَطعَ هو إليه من الزُّهد في الدُّنيا (١) [الطويل]:
غنِيتُ بما عندي وما ليَ لا أغْنَى؟! ... وأعرَضْتُ في قَصْدي عن العَرَضِ الأدنى
إلى العالَمِ الأعلى عَلَوْتُ بهمَّتي ... فوافَقْتُ ما يَبْقَى وفارقتُ ما يفنَى
ترَكْتُ للَذَّاتِ البهائم أهلَها ... وهِمتُ بما يُعْنَى به عالمُ المعنى
توفِّي بعد ستَّ عشْرةَ وست مئة؛ مولدُه بشاطبةَ سنةَ إحدى وسبعينَ وخمس مئة، وتوفِّي (٢) ببِجَايةَ يومَ الخميس لليلةٍ خَلَتْ من جُمادى الأُولى سنةَ ثِنتَيْنِ وأربعينَ وست مئة.
стр. 1523
١٢٧١ - محمدُ (١) بن أحمدَ بن عبد الرّحمن بن عيسى بن إدريسَ التُّجِيبيّ، مُرْسيّ، أبو القاسم.
رَوى عن أبيه، وأبوَيْ بكر: ابن خَيْر وابن أبي ليلى، وأبوَي الحَسَن: ابن النِّعمة وابن فَيْد، وآباءِ عبد الله: ابن حَمِيد وابن يوسُفَ بن سَعادةَ وابن عبد الرّحيم ابن الفَرَس، وهو كان يُمْسِكُ أصُولَه على السامعينَ عليه عندَ كسَلِه اعتمادًا على ثقتِه ورُكونًا إلى أمانتِه، وابن أبي حُبَيْش وأبي محمدٍ عاشرٍ وأبي الوليد بن رُشْد، لازَمَه بقُرطُبةَ وأخَذَ عنه علمَه؛ وأجاز له أبو القاسم ابن بَشْكُوال.
رَوى عنه ابنُ أختِه أبو بحرٍ صَفْوانُ بن إدريسَ، وأبو الرَّبيع بنُ سالم، وأبو محمد بن أبي بَكْرٍ الدانيّ، وحدَّث عنه بالإجازةِ أبو بكرٍ محمدُ بن غَلْبُون.
وكان فقيهًا حافظًا مُتقِنًا أديبًا ذا حظٍّ من قَرْض الشِّعر ومُشارَكة في الكتابة؛ قال فيه أبو الرَّبيع بنُ سالم: فاضلٌ على الإطلاق، متقدِّمٌ في نَزاهةِ النفْس وكرَم الأخلاق؛ واستَقضاهُ ابن رُشد في غير جِهةٍ من جِهات قُرطُبة، ولم يزَلْ يُرشِّحُه وينهَضُ به حتى استُقضيَ بالجزيرةِ الخَضراءِ ثم بشاطِبَةَ، فحُمِدَتْ سِيرتُه، ثم صُرِفَ عنها وقتَ مِحنةِ أبي الوليد بن رُشْد وتتبُّعِ أصحابِه، ثم استُقضيَ بدانِيَة.
ومن نَظْمِه: ما أنشَدَه أبو عبد الله ابنُ الأبّار، قال: أنشَدَني له صاحبُنا أبو محمد بنُ أبي بكرِ الدّانيُّ عنه (٢) [مخلع البسيط]:
يا مُوقظَ النفسِ عَلّمَنْها ... ولا تَكِلْها إلى الجَهالهْ
فالنَّفْس بدرٌ والعلمُ شمسٌ ... والجهلُ فيها سوادُ هالَهْ
قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: هذانِ البيتانِ لُزوميّان، ولا يصِحُّ في ثانيهِما أن يكونَ مُخلَّعًا؛ لوقوع "مفعولُن" في صَدْرِه موقعَ "فاعِلن" ومخرَجُه عندي من
стр. 1524
المُنسرح على رأي لي فيه قرَّرتُه في غير هذا الموضِع، ليس هذا الكتابُ موضعَ بَسْطِه، وإذا كان كذلك استَجَرَّ الأوّلَ إليه، فاعلَمْه.
مولدُه سنةَ خمسٍ وخمس مئة، وتوفِّي بدانِيَةَ وهو يتَولَّى قضاءها في شهرِ ربيعٍ الأوّل سنةَ إحدى وست مئة.
١٢٧٢ - محمدُ (١) بن أحمدَ بن عبد الرّحمن بن محمدٍ الأنصاريُّ، غَرْناطيٌّ، أبو عبد الله، ابنُ الفَرّاء.
رَوى عن أبوَيْ جعفر: ابن الباذِش والبِطْرَوْجيِّ، وأبي عبد الله النُّمَيْريِّ، وأبي القاسم أحمدَ بن محمد بن بَقِيّ.
رَوى عنه أبو القاسم محمدُ بن عبد الواحِد المَلّاحي؛ وكان محدِّثًا راوِيةً حافظًا وَرّاقًا نَبيلًا بارعَ الخَطّ جميلَ المنزِع فيه مُتقَنَ التقييد.
١٢٧٣ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الرّحمن بن مُحرِز السُّمَاتيّ إلْشِيّ، أبو بكرٍ وأبو عبد الله .
رَوى عن أبي بكر ابن العَرَبي، وأبي عُمرَ أحمدَ بن يحيى ابن الحَدّاد، وأبي محمد بن عَتّاب، وأبي [....] (٢) بابْشَاذ، وأبي القاسم خَلَف ابن الحَصّار وابن مُزاحِم، ولقِيَ أبا عليّ الصَّدَفيَّ. رَوى عنه أبو بكر بنُ أبي زَمَنِين، وأبو الحَسَن نَجَبةُ.
ذَكَرَه ابنُ فَرْتُون، وذكَرَه أبو جعفر بنُ الزُّبَير فقال فيه: الأُمَويُّ السُّمَاتيُّ، من أهل الثَّغرِ، لقِيَ أبا عليّ بنَ سُكّرةَ الصَّدَفيَّ، وأبا بكرٍ ابنَ العَرَبي ولازَمَه، ورَوى معَهما عن ابن عَتّاب، وأبي القاسم خَلَف بن إبراهيمَ ابن الحَصّار، وأبي عُمرَ أحمدَ بن يحيى الحَدّاد، وقرَأَ بقُرطُبةَ على أبي مَرْوانَ بن سِرَاج، وغيرِ
стр. 1525
هؤلاء؛ قال ابنُ خَيْر: سألتُه عن مولدِه فقال لي: وُلدتُ سَحَرَ ليلة الاثنينِ لعَشْرٍ خَلَوْنَ من جُمادى الأُخرى سنةَ تسع وسبعينَ وأربع مئة، قبلَ كائنة الزَّلّاقة بشهرٍ. وتوفِّي صَبِيحةَ يوم الثلاثاءِ أوّلَ يومٍ جُمادى الأخرى سنةَ تسع وستّينَ وخمس مئة، فكمُلَ له من العُمُر تسعونَ سنةً وعشرةُ أيام. رَوى عنه ابنُ خَيْر ونَجَبةُ بن يحيى والقاضي أبو بكر بنُ أبي زَمَنِين والحافظُ أبو محمدٍ القُرطُبيُّ، وهو آخِرُ من رَوى عنه، وذَكَرَه الشّيخُ في "الذَّيْل" وخَلَطَ في ذكْرِه واختَلَف عليه اسمُه فظنَّهما اسمَيْنِ وما تخَلَّص له منهُ شيءٌ.
قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: انتَهى ما ذكَرَه به ابنُ الزُّبَير مشتمِلًا على أوهامٍ؛ أحَدُها: جَعْلُه إيّاه أُمَويًّا (١) سُمَاتيًّا، وذلك لا يلتئمُ إلّا أن يكونَ أُمَويًّا بالولاء، وذلك لا يُعرَف؛ والثاني: جَعْلُه من أهل الثّغر، وأرى الثَّغرَ مصحًّفًا من إلْش؛ ومنها: عَدُّه أبا محمدٍ ابنَ القُرطُبيِّ في الرُّواة عنه، ولا يَصحّ، اللُّهمّ إلّا أن يكونَ أجازَ له، وذلك لا يُعلَم، وإنّما المُجِيزُ له ابنُ مُحرِز الإشبيليّ؛ ومنها: ما قالَهُ في ابن فَرْتُونَ من أنه خَلَطَ في ذكْرِه فظَنَّهما اسمَيْنِ وما تخلَّصَ لهُ منهُ شيءٌ، وذلك وَهَمٌ وتقصيرٌ في البحث، وهما رجُلان: هذا المذكورُ هنا والآخَرُ محمدُ بنُ أحمدَ بن مُحرِز بن عبد الله بن سَعِيد بن مُحرِز بن أُميّةَ، بَكّيّ، وقيل: بَطَلْيَوْسيٌّ، سكَنَ إشبيلِيَةَ، أبو بكر المَنْتَانَجشيُّ، وعن هذا الأخيرِ نقَلَ ابنُ خَيْر ما أخبَرَه به من مَولدِه كما تقَدَّم، فقد تبيَّن بعَمُودِ النسَب والبلد (٢).
١٢٧٤ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الرّحمن بن محمود، أبو عبد الله .
رَوى عن أبي داودَ الهشَاميِّ، وأبي عليّ الصَّدَفي.
стр. 1526
١٢٧٥ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الرّحمن بن موسى المُرادِيّ، أبو بكر .
له إجازةٌ من المُجاوِر بمكّةَ، شرَّفها اللهُ، الحَسَنِ بن عبد الله بن عُمرَ المُقرئ.
١٢٧٦ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الرّحمن بن موسى المُرادِي، أبو الوليد .
وهُو أخو الَّذي يَليهِ قبلَه؛ لهُ إجازةٌ من الحَسَنِ المذكور.
١٢٧٧ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الرّحمن بن نَصْر بن فَرَج، غَرْناطيٌّ، أو من ساكِنيها، أبو عبد الله .
رَوى عن شُيوخ غَرْناطةَ، وكان فقيهَا جَليلًا عاقدًا للشّروط، حيًّا سنةَ أربع وستين وخمس مئة، وتوفِّي عن سنٍّ عالية.
١٢٧٨ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الرّحمن بن يَزيدَ بن هاني اللَّخْميُّ، غَرْناطيٌّ، سكَنَ المُنكَّب، أبو عبد الله .
رَوى عن أبي عبد الله بن بُونُهْ، وأبي القاسم أحمدَ بن عبد الوَدود بن سَمَجُونَ، وأبوَيْ محمد: عبد الحقّ بن بُونُه وعبد الصَّمد الغَسّاني. وكان فقيهًا عاقِدًا للشّروط بَصيرًا بعِلَلِها، جيِّدَ الخَطّ.
توفِّي عَقِبَ أحدِ ربيعَيْ سنة تسعَ عشْرةَ وست مئةٍ وسنُّه نحوُ خمسينَ سنةً.
١٢٧٩ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الرّحمن الأنصاريّ، طُلَيْطُليُّ سكَنَ مدينةَ فاسَ، أبو عبد الله، ابنُ بُرِّ البيوت .
تَلا على أبي عبد الله بن عيسى المَغَامِّي في موضع إقرائه بالبَلاطِ الأوسَط من الجامع الأعظم بطُلَيْطُلةَ، أعادها اللهُ للإسلام، وبقُرطُبةَ على أبي الحَسَن العَبْسيّ، وأبي القاسم خَلَف ابن الحَصّار.
تَلا عليه أبَوا العبّاس: ابنُ عبد الرّحمن بن الصَّقْر وابنُ محمد بن خلوصٍ وأبو عليّ حَسَنٌ ابن الخَرّاز؛ وكان من جِلّة المُقرِئينَ المجوِّدين.
стр. 1527
١٢٨٠ - محمدُ (١) بن أحمدَ بن عبد الرّحمن الأنصاريُّ، طُلَيْطُليٌّ نزَلَ مدينةَ فاسَ، أبو عبد الله، ابنُ فُرْقاشَش، بضمِّ الفاء وسكونِ الراء وقافٍ وألفِ وشِينَيْنِ معجَمَيْنِ أوّلُهما مفتوح.
تَلا في بلدِه بالسَّبع على أبي الحَسَن ابن الإلبِيريِّ، وأبي عبد الله المَغَامِّي.
تَلا عليه أبو إسحاقَ الغَرْناطي؛ وكان مُقرِئًا ضابِطًا مُتقِنًا، وأقرَأَ بمسجد حمزةَ من غَرْناطةَ حين اجتازَ بها، وفيه تَلا عليه أبو إسحاقَ المذكورُ، وله "مختصَرٌ" نَبيل في اختلافِ القُرّاءِ السَّبعة.
١٢٨١ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الرّحمن الجُشَميُّ، إقليميٌّ، أبو عبد الله، ابنُ المَصْموديّ .
رَوى عن صِهرِه أبي جعفر بن صَدَقةَ، وكان من أهل المعرِفة التامّة بالفقه، ذا خَطٍّ حَسَن. توفِّي بقرية شلارسَ في حدود السبعينَ وخمس مئة.
١٢٨٢ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الرّحمن الزُّهْريُّ .
رَوى عن أبي عبد الله بن يوسُفَ بن سَعادةَ، وكان مُقرِئًا مجوِّدًا.
١٢٨٣ - محمدُ (٢) بن أحمدَ بن عبد الرّحمن العُبَيْديُّ، إشبِيليٌّ، أبو بكر، ابنُ البَنّاء.
تَلا القرآنَ على أبي الحَسَن بن عَظِيمةَ، ورَوى عن أبي بكر بن طَلْحةَ وأبوَي الحَسَن: ابن جابِر الدَّبّاج وابن عبد الله بن آمِنةَ، واختَصَّ به كثيرًا، وأبي الحَكَم بن بَرَّجَان، وأبي عليٍّ ابن الشَّلَوْبِينَ، وأبي محمد فُضَيْل، وأبي المتوكِّل الهَيْثَم، وأبي المَجْد هُذَيْل، وغيرِهم.
стр. 1528
وكان أديبًا كاتبًا شاعرًا، مُكثِرًا من الفنَّيْنِ على شدّة تكلُّفٍ منهُ لهما، فلذلك كان لا يوجَدُ على ما يَصدُرُ عنه نظمًا أو نثرًا رَوْنَقُ الانطباع ولا رِقّةُ الطِّباع (١)، وكان أحدَ من دارَ عليه تدبيرُ بلدِه بأخَرةٍ حتّى استَولَى عليها الرُّومُ، وقد جَمَعَ لهُ بعضُ خَواصِّه ترسيلَه في أربعةِ مجلَّدات ضخمة، فلما وقَفَ عليها كتَبَ بخطِّه على ظهرِ أوّلِها لنفسِه [السريع]:
إنّي تأمّلتُ فلم أستجِدْ ... أكثرَ ما فيه ولم أرْضَهُ
ورُمتُ بالإحسانِ فَوْزًا فلا ... سماءَهُ نِلتُ ولا أَرْضَهُ
وكان حَسَنَ الخَطّ أنيقَ الطريقة في الوِراقة متقَنَ التقييد، رَتَّب على نفسِه وظيفةً من النَّسخ في كلِّ يوم لم يكنْ يَترُكُها على حال إلّا أن يَعُوقَه عن الوفاءِ بها عائقُ مَرَض أو سَفَر سوى ما يُعلِّقُه من الفوائد ويَقيِّدُه من الغرائب المُنتقاة سائرَ أيامِه، فقد كان كثيرَ الولوع بذلك شديدَ الرَّغبةِ في الاستكثارِ منه، حتّى إنه لَيُقالُ: إنه أخرَجَ معَه بخروجِه من إشبيلِيَةَ نحوَ خمسِ مئة مجلَّد بخطِّه، وقد وقَفْتُ على نحوِ ستّينَ منها أو أزيَدَ.
وقد كَتَبَ عن وُلاة إشبيلِيَةَ من بني عبد المُؤمن واختَصَّ كثيرًا منهم بأبي عِمرانَ بن أبي عبد الله بن يوسُفَ بن عبد المُؤمن، وكان بينَه وبينَ أبي المُطَرِّف بن عَمِيرةَ وأبي عبد الله ابن الجَنّان وغيرهم من أُدباءِ عصرِه مُكاتَباتٌ [....] (٢).
توفِّي بسَبْتةَ بعدَ صَلاة العصرِ يومَ الجُمُعة لستٍّ خَلَوْنَ من شوّالِ ستٍّ وأربعينَ وست مئة ابنَ نحوِ خمسةٍ وستينَ عامًا.
стр. 1529
١٢٨٤ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الرّحمن، أُورِيُوليٌّ نزَلَ تونُس، ابنُ الأديب (١).
رَوى عن أبي بكر بن مُحرِز ابن القُحّ، وأبي العبّاس بن شُهَيْد.
١٢٨٥ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الرّحمن، باجِيٌّ، أبو بكر .
رَوى عن القاضي أبي بكر بن عبد الله العَرَبي.
١٢٨٦ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الأعلى، بَلَنْسيٌّ، أبو عبد الله، ابنُ فَرْغَلُوش، بفَتْح الفاءِ أُختِ القاف وإسكانِ الراء وفتح الغَيْن المعجَم وضمِّ اللام وواوٍ وشِين معجَم .
لهُ إجازةٌ من أبي عبد الله بن عبد الحقِّ التِّلِمْسينيّ (٢).
١٢٨٧ - محمدُ (٣) بن أحمدَ بن عبد الخالقِ بن مَرْزُوق بن عبد الله اليَحْصُبيُّ، خَضْراويٌّ، أبو عبد الله، ابنُ العُقَابيِّ، بضمِّ العَيْن الغُفْل وقاف وألفٍ وباءٍ بواحدةٍ منسوبًا.
رَوى عنه أبو عبد الله القُبَاعيُّ؛ وكان فقيهًا، حافظًا من أهلِ الحِذْق في العربيّة، وحضورِ الذِّكر في اللُّغات، شَهِيرَ التعيُّن ببلدِه، واستُقضيَ به.
стр. 1530
١٢٨٨ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الصَّمد، أبو عبد الله السُّنْدُسيُّ .
رَوى عن شُرَيْح، وكان مؤذِّنًا.
١٢٨٩ - محمدُ (١) بن أحمدَ بن عبد العزيز بن سَعادةَ النَّفْزِيُّ، شاطِبيٌّ، أبو عبد الله.
وهو ابنُ أخي أبي عبد الله بن عبد العزيز بن سَعادةَ. تَلا بالسَّبع على أبي إسحاقَ بن خَليفةَ، وأبوَيْ بكر: ابن سَيدُ بُونُهْ وابن نُمارة، وأبي الحَسَن بن هُذَيْل وغيرهم. ورَوى الحديثَ عن آباءِ عبد الله: عمِّه المذكور وابن بَرَكةَ وابن يوسُفَ بن سَعادةَ، وأبي الحَسَن عُلَيْم، وأبي محمد عاشِر، وتفَقَّه به. وأخَذَ علومَ اللِّسان نَحْوًا وأدبًا ولُغةً عن أبوَي الحَسَن: ابن سَعْدِ الخَيْر وابن النِّعمة، وأبي عبد الله بن حَمِيد، وأبي محمد عَبْدون وغيرهم، وأجازَ له جميعُهم.
رَوى عنه أبو إسحاقَ بنُ بَشْكُنال، وأبو بكر ابنُ المُرابط، وأبَوا عبد الله: ابنُ الأبار، وفاوَضَه في مسألةٍ من "جُمَل" الزَّجّاجي، وأَجازَ له، وابنُ عليّ ابن فَتْح، وأبو محمد بنُ عبد الرّحمن بن بُرْطُلُّهْ؛ وكان مُقرِئًا مجوِّدًا متصدِّرًا متحقِّقًا بالنَّحو ضابِطًا للُّغة حافظًا لها، درَّس ذلك كلَّه.
وتوفِّي بعدَ إقعادِه في إحدى جُمادَيَيْ أربعَ عشْرةَ وست مئة؛ وقال أبو محمد بنُ بُرْطُلُّهْ: توفّي سنةَ ثمانِ عشْرةَ وست مئة، ولم يَضبِطْ ذلك (٢).
١٢٩٠ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد العزيز بن محمد بن سَعْدونَ، أبو عبد الله وأبو عامرٍ .
стр. 1531
رَوى عن أبي بكر بن أبي زَمَنِين، وأبي الخَطّاب بن واجِب، وآباءِ عبد الله: الأنْدّرْشيّ والتُّجِيبيِّ نزيل تِلِمْسينَ، وابن يوسُفَ بن عَيّاد، وأبوَي العبّاس: ابن مَضَاءٍ ويحيى المَجْرِيطيّ، وأبي محمد عبد المُنعِم ابن الفَرَس. رَوى عنه أحمدُ ومحمدٌ ابنا أبي عبد الله بن نُوح.
١٢٩١ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد العزيز بن محمد بن سَعْدونَ، بَلَنْسيٌّ، أبو عبد الله .
رَوى عن أبي الخَطّاب بن واجِب وأبي عبد الله بن نُوح، وكان مُقرئًا نَبيلًا حَسَن الخَطّ.
١٢٩٢ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد العزيز الرُّعَيْنيُّ، جَزِيريٌّ، أبو عبد الله .
رَوى عن شُرَيْح.
١٢٩٣ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد العزيز، أبو عبد الله .
رَوى عن أبي عبد الله بن محمد الفَلَنْقِيِ، وأبي العبّاس بن محمد بن خلوصٍ، وأبي محمد قاسمٍ بن محمد الزَّقّاق. رَوى عنه أبو الحَسَن مُنذِرُ بن يحيى وتَلا عليه، وكان مُقرِئًا مجوِّدًا.
١٢٩٤ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد المجيد بن سالم بن تَمّام بن سَعِيد بن عيسى بن سَعِيدٍ الحَجْريّ، مالَقيّ، أبو عبد الله، ابنُ الجَيّار .
وهُو وَلَدُ الفاضل أبي جعفرٍ الجَيّار. رَوى عن آباءِ جعفر: أبيه والحَصّار وابن محمد بن عَيّاش الكِنَانيّ، وأبي الحَجّاج ابن الشَّيخ، وأبي محمد الخُشَنيّ، وأبي الرَّبيع بن سالم، وأبي سُليمانَ بن حَوْطِ الله. وأجازَ له المَشْرِقيُّونَ المذكورونَ في رَسْم أبي الطاهِر أحمدَ بن عليّ السَّبْتيّ باستدعاءِ أبي عبد الله بن إبرَاهيمَ بن حَرِيرةَ.
وكان من نُبلاءِ أقرانِه وأذكيائهم، بارعَ الخَطّ متقَنَ التقييد، عُني بالعلم ولقاءِ حَمَلتِه أتمِّ عناية، وانقَطعَ إلى خدمتِه إلى أن توفِّي دونَ الثلاثينَ من عُمرِه، وثَكِلَه أبوه، رحَمَهما الله.
стр. 1532
١٢٩٥ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الملِك بن بُونُه [ ....] (١).
لهُ إجازةٌ من أبي الحَسَن ابن الباذِش.
١٢٩٦ - محمدُ (٢) بن أحمدَ بن عبد الملِك بن صَخْر اللَّخْميُّ، شَرِيشيٌّ، أبو بكر.
رَوى عن أبي إسحاقَ بن مُلْكونَ، وأبي بكر بن عُبَيدٍ الأرْكَشيِّ وغيرِهما. رَوى عنه أبو بكر بن موسى بن فَحْلون. وكان شَيْخًا صالحًا من أهل العِلم، وله رحلةٌ حَجّ فيها.
١٢٩٧ - محمدُ (٣) بن أبي عُمرَ أحمدَ بن عبد الملِك بن عبد العزيز بن عبد الملِك ابن أحمدَ بن عبد الله بن محمد بن عليّ بن شَريعةَ بن رِفَاعةَ بن صَخْر بن سَمَاعةَ الداخِل إلى الأندَلُس، اللَّخْميُّ، إشبِيليٌّ, أبو عبد الله الباجِيّ.
وهو شقيقُ سَمِيِّه أبي مَرْوانَ المذكورِ بعدَه يَليه وأسَنُّهما؛ وأُمُّهما أُمُّ القاسم ابنةُ الوزير أبي بكرٍ محمد ابن الحاجِّ أبي القاسم جابِر ابن الراوِية أبي بكرٍ محمد بن مُغِيرةَ بن محمد بن المُغِيرةِ بن عبد الملِك بن مُغيرةَ بن مُعاويةَ بن المُؤمن الداخِل إلى الأندَلُس ابن الوليد بن يَزيدَ بن عبد الملِك بن مَرْوانَ بن الحَكَم بن أبي العاص بن أُمَيّةَ بن عبدِ شَمْس.
رَوى عن أبيه وأبي بكرٍ ابن الجَدّ، وتفَقَّه به، وأبي عبد الله ابن المُجاهِد، وتأدَّبَ في النَّحْو والآدابِ بأبي إسحاقَ بن مُلْكون. رَوى عنه أبو العبّاس بن محمد المَوْرُوري.
وكان دُرِّيَّ اللَّون أكحَلَ محُجَّبًا حالكَ الشَّعر حَسَنَ القَدّ والضَّرب، وَقُورًا ديِّنًا، مُنقبِضًا حَسَنَ السَّمتِ والصَّوت، وَلي الخُطبةَ ببلدِه واستُقضيَ به، ثم
стр. 1533
صُرف عن القضاءِ بأبي محمدٍ عبد الحقِّ بن عبد الله بن عبد الحقِّ سنةَ خمسٍ وست مئة؛ وقال عثمانُ بن العَوّام: إنه دامَ قاضيًا إلى أن توفِّي، والأوّلُ أصَحّ.
وكانت وفاتُه، ﵀، بإشبيلِيَةَ بعدَ صَلاة العشاءِ من ليلةِ الأحد التاسع والعشرينَ من شوّالِ ستٍّ وست مئة، ودُفنَ ضُحَى يوم الاثنينِ تاليهِ. وهُو أبو أبي مَرْوانَ أحمدَ المدعوّ بالمُعتضِد بالله مُدَبِّر إشبيلِيَةَ أيامَ خلافِ أهلِها على المدعوِّ بأميرِ المسلمينَ المتلقِّب بالمتوكِّلِ أبي عبد الله محمد بن يوسُف بن هُود، فقُتل أبو مَرْوانَ هذا خارجَ إشبيلِيَةَ في خبَرٍ يَطُولُ ذكْرُه، لثلاثٍ خَلَوْنَ من جُمادى الأولى سنةَ إحدى وثلاثينَ وست مئة، عصَمَنا اللهُ من الفِتن.
١٢٩٨ - محمدُ (١) بن أحمدَ بن عبد الملِك، وقد تقَدَّم رَفْعُ نَسَبِه آنفًا في رَسْم أخيه، إشبِيليّ، أبو مَرْوانَ الباجِي.
تَلا بالسَّبع وغيرها على أبي عَمْرٍو عَيّاش بن عَظِيمة، وسَمِعَ الحديثَ على الحافظَيْنِ أبوَيْ بكر: ابن الجَدّ، وأكثَرَ عنه، وابن عليّ، وبقراءةِ أبيه على أبي عبد الله بن أحمدَ بن المُجاهِد. وأخَذَ العربيّةَ واللُّغةَ والآدابَ على أبي إسحاقَ بن مُلْكون، وأبي بكر بن طَلْحةَ، وأجازوا له إلّا أبا إسحاقَ بن مُلكون.
وأجاز له أبوه، وأبو حَفْص بن عُمرَ، وأبو زيد السُّهَيْليّ وأبو عبد الله ابن الفَخّار، وأبو العبّاس بن مِقْدام، وأبو القاسم ابن بَشْكُوال، وأبو محمد بنُ عُبَيد الله. ورَحَلَ إلى المشرِق حاجًّا، وسَمِعَ بدمشقَ على نزيلِها المحدِّث الشهيرِ أبي عَمْرو عثمانَ [....] (٢) ابن الصلاح تأليفَه في علوم الحديث.
стр. 1534
وهذا الأصلُ الَّذي سَمِعَ فيه قد صارَ إليّ والحمدُ لله، وفيه خطُّ ابن الصَّلاح بتصحيح التّسميع وقد تضَمَّن إذْنَه في روايتِه عنه لكلِّ من حَصَّلَ منه نُسخة، فانتسَخَ منه جماعةٌ من جِلّة أهل العلم ونُبَلائهم، منهم: أبو الحَسَن الشارِّيُّ، وأبو عَمْرٍو عثمانُ ابنُ الحاجِّ، وأبو القاسم أحمدُ بن نَبيل وغيرُهم، ونَسَختُ منه نُسخةً لبعضِ الأصحابِ لأمرٍ اقتَضَى ذلك لم يَسَعْ خلافُه.
وأخَذَ بدمشقَ أيضًا قراءةً منه عن أبي نَصْر محمد بن هِبة الله بن مُمِيل الشِّيرازيّ.
رَوى عنه حفيدُ أخيه أبي محمد، وآباءُ عبد الله: أبو بكر بنُ أحمدَ بن سيِّد الناس وابن أحمدَ الرُّنْديّ وابنُ أبي بكرٍ ابن المَوّاق وابن الخَضّار نَزيلُ سَبْتةَ، وصحِبَه في وِجهتِه المَشْرِقيّة وحَجَّ معَه ولزِمَه إلى أن فَرَّقَ الموتُ بينَهما، وأبو عَمْرٍو عثمانُ بن أحمدَ بن العوّام، وأبو القاسم عبدُ الكريم بن عِمرانُ وأبو محمد ابن قاسم الحَرّار، ورَوى عنه بدمشقَ جماعةٌ، منهم: أبو عبد الله البِرْزَاليُّ وأبو [الحسن] (١) القَسطار وابنُ يَريم الإشبِيليُّونَ؛ وأبو محمد بنُ محمد بن أحمدَ ابن الحَجّام.
وكان من ساداتِ بييه الأفاضل ببلدِهم، ذا خَلْقٍ وَسيم وخُلُق عظيم، دُرِّيَّ اللّون أسيلَ الوَجْه حسَنَ الضَّربِ والقَدّ إلى الطُّول، قد علا بأَخَرةٍ إحدى كريمتَيْه بَياضٌ لم يَشِنْها؛ وكان كريمَ النفْس حَسَنَ اللِّقاءِ بَرًّا بأصحابِه ومُنتابِيه، متواضعًا جميلَ السَّعي في حَوائج الناسِ عمومًا وخصُوصًا، مُبَخَّتًا في تيسيرِ قضائها، متواضعًا صَوّامًا قَوّامًا سَرِيَّ الهِمّة كاملَ أدواتِ الفَضْل، خطيبَ زمانِه، مُثابِرًا على تلاوة القرآن، حافظًا للحديث، من أحسنِ الناس صَوْتًا بهما وأطيَبِهم نَغَمةً في الرادِهما، جيِّدَ الخَطّ والضَّبْط ذاكرًا للفقه، استُقضيَ ببلدِه أيامَ إمارةِ أبي العلاءِ إدريسَ ابن المنصُور من آل عبد المُؤمن وبعدَها،
стр. 1535
فعُرِف بالعَدْل والنَّزاهة ووَطْأةِ الأكناف ولِين الجانبِ حتّى يقالُ: إنه ما سَجَنَ مُدّةَ قضائه أحدًا. وخَطَبَ بجامع بلدِه دهرًا طويلًا، وترَدَّد على حضرةِ مَرّاكُشَ مِرارًا، موفَدًا مبرورًا خَطيبًا (١) عندَ الأمراءِ بها مَقْضيَّ المآرِب.
وبعدَ الطارئ على أبي مَرْوانَ أحمدَ ابن شقيقِه أبي عُمرَ محمد -حَسْبَما تقَدَّمتِ الإشارةُ آنفًا إليه- عَزَم على الحجِّ، فباع جُلَّ أملاكِه بداخِل إشبيلِيَةَ وخارجَها، وفَعَلَ في سائرِها ما اقتضاهُ نَظره من تصييرٍ وتحبيس وصَدَقة وغيرِ ذلك من الوجوه، محُصِّنًا ذلك كلَّه بالإشهادِ عليه، وفَصَلَ من إشبيلِيَةَ يومَ [....] (٢) لثمانٍ خَلَوْنَ من ربيعٍ الآخِر سنةَ ثلاثٍ وثلاثينَ وست مئة قاصدًا سَبْتةَ من بَرِّ العُدوة، وأقلَعَ منها في مَرْكَب رُوميٍّ يوم الأربعاء، لسَبْع خَلَوْنَ من محرَّم أربع وثلاثينَ وست مئةٍ سائرًا معَ العوالي من بَرِّ الأندَلُس إلى مالَقةَ إلى المُنَكَّب إلى المَرِيّة إلى قَرْطاجَنَّةَ إلى لَقَنْتَ، وفارَقَ بَرَّ الأندَلُس إلى جزيرةِ يابِسةَ إلى جَزيرةِ مَيُورْقَةَ، فدَخَلَ مَرْساها ليلةَ الخميس الثالثةِ والعشرينَ من محرَّمٍ المذكور، وأقلَعَ منه ليلةَ الخميس التالي لها إلى جزيرةِ قَبْرَيْرةَ، فباتَ بها ليلةَ الجُمُعة، وأقلَعَ منها صُبحَ يوم الجُمُعة إلى مَرْسَى سَرْدانِيَةَ، فدَخَلَه يومَ الثلاثاءِ لأربعٍ خَلَوْن من صَفَر، وأقلَعَ منه يومَ الخميس لستٍّ خَلَوْنَ من صَفَر إلى صِقِلِّيَةَ، فجاوَزَها، ثم رَدَّته الرِّيحُ إلى مَرْسَى سرقُوسةَ: إحدى مُدُنِ الجزيرة، فدَخَلَه ليلةَ الأربعاءِ الثانيةَ عشْرةَ من صَفَر، وأقام به إلى عَشِيّة يوم السّبت لسبعٍ خَلَوْنَ من ربيعٍ الأوّل، ونَزلَ إلى سرقُوسةَ وأقام بها من ليلة الأحدِ الثامنةِ من ربيع الأوّل إلى يوم الاثنينِ لاثنتَيْ عشْرةَ ليلةً بقِيَتْ من جُمادى الآخِرة، وانتَقلَ إلى المركَب وأقام به رَيْثما تُساعدُه الريحُ على سَيْرِه، فأقلَعَ منها يومَ الأربعاءِ إلى جزيرةِ إقرِيطِشَ في ثمانيةِ أيام، ثُم إلى جَزيرةِ قُبْرُصَ في خمسةِ أيام، ثُم إلى عَكّا في ثلاثة أيام،
стр. 1536
وكان المَرْكَبُ يَسيرُ كلَّ يوم من سَرقُوسةَ إلى عَكّا مئةَ ميل، فدَخَلَ عَكّا يومَ الأربعاءِ لأربعَ عشْرةَ ليلةً بقِيَت من رجَب، وقَدِمَ دمشقَ غُدوةَ يوم [....] (١) لسبع خَلَوْنَ من رَمَضان، وأقام بها إلى مُنتصَفِ شوّال، فخَرَجَ منها معَ الرَّكْبِ الشاميِّ، وكان له سبعةُ أعوام لم يتَوجَّهْ إلى مكّةَ شرَّفها اللهُ، فصار إلى بُصْرَى في أربعةِ أيام إلى الأزرق إلى تَيْماءَ إلى خَيْبَرَ إلى مدينة النبيِّ ﷺ كرَّمَها اللهُ، وزارَ قبرَ النبيِّ ﷺ ، وأقام بها يومَيْنِ، وانفصَلَ على طريقِ الرَّكب إلى وادي العَقِيق وبئرِ عليّ وذي الحُلَيْفة ومنها أحرَمَ إلى شِعب عليّ إلى بَدْرٍ إلى رابِغَ إلى الجُحْفة إلى بطنِ مرّ إلى مكّة، شرَّفَها اللهُ، فقَدِمَها لأرَبعٍ خَلَوْنَ من ذي الحِجّة فنزَلَ بالأبطَح.
ولمّا قضَى فريضةَ الحجّ نَزلَ بدارِ إمام المالكيّة عندَ باب العُمرة، وكان من أمَلِه التوجُّهُ إلى العراق، فإذا الرَّكْبُ العراقيّ لم يَصِلْ إلى مكةَ تلك السَّنةَ خوفًا من عاديةِ الكافِر التُّركي، ثُم خَرَجَ من مكّةَ، زادَها اللهُ شَرَفًا، في محرَّمِ خمسٍ وثلاثينَ متوجِّهًا إلى مِصرَ، فسَرَى مُدلِجًا لشدّةِ الحَرِّ بالنّهار إلى حَدّةَ ومن حَدّةَ إلى جُدّةَ، ومنها رَكِبَ البحرَ، فمالت به الرِّيحُ إلى سُلَق في يوم وليلة، فسار منها مُصعِدًا إلى دبادبَ وخَرَجَ في البَرّ وسار منها ثمانيةَ أيام إلى عيذابَ في سَحْراءِ (٢) البُجَاة، وهم نصارى سُودٌ، وأقام بها نحوَ ثمانيةٍ وعشرينَ يومًا، وقَطَعَ سَحْراءَها (٢) في عشرينَ يومًا إلى قَنَا، وكان بهذه الرُّفقةِ في نحو سبعينَ رجُلًا، فلقِيَهم في تلك الصَّحراءِ قومٌ من النُّوبة دَخَلوها للغارة، فسَلَبوا الرُّفْقةَ، وسار من قَنَا إلى قُوصَ في يوم.
وكان الملِكُ الكاملُ قد توَجَّه إلى دمشقَ وجِهاتِها ذلك العام يُحاولُ رَدَّ البلاد التي كانت لأخيه الأشرفِ إلى طاعتِه، فوافاهُ وهُو بالورادةِ من طريق دمشقَ
стр. 1537
الخَبَرُ بأنهُ وَصَلَ إلى الحجِّ وإلى دمشقَ رجُل مغرِبيٌّ فاضلٌ يُعرَفُ بالباجِيّ، وأثْنَوْا عليه خَيْرًا عندَه، وقد كان صاحبَ المدارس بمِصرَ أبو الخَطّاب عُمرُ بن حَسَن ابن دِحْيَّةَ المذكورُ قبلُ بموضعِه من هذا المجموع (١)، توفِّي سنةَ ثلاثٍ وثلاثينَ وست مئة، حسْبَما ذُكِر هنالك، فتَولَّى النظَرَ فيها مَنْ لا يَصلُحُ لها. ولمّا أُثني على أبي مَرْوان الباجِيِّ عندَ الملِك الكامل أراد صَرْفَ النظَرِ في المدارِس المِصْريّة إليه، فسأل عنهُ فأُخبِرَ أنه قد نَهَضَ إلى الحَجّ، فأمَرَ بالبحثِ عنه في جميع بلادِه وتلقِّي الرُّكْبانِ في شأنه والإحسانِ إليه وإفادِهِ (٢) عليه، فطُيِّرتِ الحَمامُ من بلدٍ إلى بلدٍ في الوَصَاة به.
فبَيْنا أبو مَرْوان قد قَدِمَ على قُوص، كما ذُكِرَ آنفًا، خَرَجَ إلى الرَّكْب قومٌ من قِبَلِ والي المدينة يسألونَ عنه حسْبَما أُمِروا به، فأُخبِروا بأنهُ في تلك القافلة، فاجتمَعوا به وساروا معَه إلى والي قُوص، وكان يُدعَى بابن زَغْبُوش، فألقَى إليه أمرَ الملِك الكامل في حقِّه وبالَغَ في إكرامِه والحِفايةِ به، ودَفَعَ له خمسينَ دينارًا مِصريّةً وأثوابًا من لِباس أهل تلك البلادِ فيها حرير، فأبَى أبو مَرْوانَ قَبُولَ شيءٍ من ذلك، وبعدَ لَأْيٍ ومُراجعةٍ طويلة قَبِلَ الدَّنانير على كراهة، ورَدَّ الأثوابَ وقَبَضَ تلك الدنانيرَ بعضُ خَدَمتِه وكان يُدعَى بابن مَذْكور؛ وسَمِعَه حينَئذٍ بعضُ خواصِّه، وهُو أبو الحَجّاج الأُبَّدِيُّ، وكان ممّن حَجَّ معَه، يدعو بدُعاءٍ قال فيه: اللهُمَّ اقبِضْني إليك قبلَ الاجتماع به.
ثم سار من قُوصَ في النِّيل إلى إخمِيمَ إلى مُنْيَةِ ابن خَصِيب، ولها مسجدٌ جامعٌ حسَنٌ على شاطئ النّيل، فقال أبو مَرْوان: قد كنت سَمِعتُ بهذا الجامع، وأُريدُ الصّلاةَ به، فصار إليه، فإذا فيه جماعةٌ اجتَمَعوا لقراءةِ العلم، فصَلَّى به الظّهرَ والعصرَ والمغرِب، ولمّا هَمَّ بالانصرافِ تعرَّضَه بعضُ أولئك الحاضِرينَ
стр. 1538
وقد سألوا عنه فأُخبِروا به فأقبَلوا إليه مُسلِّمينَ عليه وراغبينَ منهُ في مَبِيتِه عندَهم، فباتَ معَهم وانصَرَفَ من الغَدِ إلى السَّفينةِ وبه شَكَاةٌ، وسُئل عن غذائه عندَ أولئك الذين أضافوهُ فقال: ما كان إلا يسيرَ تمرٍ وعَسَل.
وأقلَعَ من مُنْيَة ابن خَصِيب إلى مِصرَ، وقَطَعَ تلك المسافةَ في سبعة أيامٍ والشَّكاةُ متزيِّدة؛ ولمّا وَرَدَ مِصرَ أراد دُخولهَا في خُفْيةٍ حتّى لا يَشعُرَ به أحَد، فدَخَلَها وقتَ العشاء ونزَلَ منها بخانِ المَلّاحِين، وُيعرَفُ بخان ابن الرَّصّاص، ولم يَعلَمْ أحدٌ بوصُولِه، فأقام به ليلتَه تلك ويومَها، وتوفِّي في ثُلُثِ اللّيلة القابلة، وهَوَّنَ اللهُ عليه الموتَ وَيسَّرَه تيسيرًا عجيبًا؛ ولمّا أصبحَ ميِّتًا أقبَلَ جماعةٌ من الصُّلَحاءِ والزُّهّاد في طائفة كبيرةٍ من لفيفِ الناس مغَلِّسينَ يقرَعُونَ بابَ الخان ويقولونَ لقيِّمِه: افتَحْ لنا نُصَلِّ على الفقيه أبي مَرْوانَ الباجِيِّ المتوفَّى الليلةَ هنا؛ وكان ممّن حضَرَ ذلك الجَمْعَ رجُلٌ صالحٌ فاضلٌ من أهل العلم والدِّين يُدعَى بعِزِّ القُضاة ويُعرَفُ بابن الجَبَّاب، من بيتِ جَلالةٍ وعِلم بمِصرَ، فتوَجَّه معَ حفيدِ أخي أبي مَرْوانَ وبعضِ خَواصِّه إلى العادل ابن الملِك الكامل الذي استنابَهُ أبوه على مِصرَ، فوافَوْه بقَصْرِه من القَلْعة بالجَبَل المُقَطَّم المُطِلِّ على القاهرةِ ومصرَ، فأعلَمَه بوصُول الفقيه أبي مَرْوانَ، فسُرَّ به وسأل عنه فقيل: وَصَلَ بارحةَ أمس وتوفِّي اللّيلة، فتأسَّفَ لذلك، وأمَرَ بتجهيزِه، فقال له حفيدُ أخيه وأصحابُه: عنده جِهَازُه، فشُرِعَ في غُسْلِه وتكفينِه، وأُلقِيَ في النَّعْش، ورُمِيَ عليه كساءٌ أخضر، ولُفَّ بشَريطَتيْ غمّ طويلتَيْنٍ لَفًّا مُحكَمًا متقارِبًا حتّى كان بينَ الشَّريطَتيْنِ غِلَظُ إصبَع، وصلّى عليه جُمهورُ الناسِ بالخان. ولمّا فَرَغَ الغاسلُ منه وخَرَجَ بالرِّداءِ الذي غَسَّلَه فيه تعَلَّق الناسُ بذلك الرِّداء وغَلَبُوهُ عليه حتّى لم يَبْقَ بيدِه منه إلّا قَدْرُ ما أمسَكَ بأناملِه، والسَّعيدُ منهم مَن صار إليه منه قَدْرُ فَتِيلٍ لكثرةِ تَرامي الناسِ عليه، وكان منهم مَن رَغِبَ من الغاسِل في بَيْع ما بقِيَ عندَه من الرِّداء، فباعَهُ منه ولم يكنْ بَقِيَ عندَه منهُ إلّا يسير.
стр. 1539
وحُمِلَ الفقيهُ على تلك الحالة وقتَ صَلاة العصرِ إلى المُصَلَّى بالشَّريعة، وسِيرَ به سَيْرًا حَثيثًا، فاستَبَقَ الناسُ إليه، فمنهم مَن يَرمي إليه عِمامتَه فإذا وصَلتْ إلى النَّعش وجَذَبَها اشتَركَ ناسٌ معه فيها فلا يبقَى لهُ منها إلّا قَدْرُ ما يُمسِكُ بيدِه، ومنهم من يُرسِلُ رداءَه فيَجري الحالُ فيه على ذلك، وصُلِّي عليه هنالك مرّة ثانيةً في جَمعْ عظيم، ثُم سِير به كذلك إلى مَدفِنةٍ بالقَرافةِ حيث قُبورُ الصّالحينَ والفُضَلاء، وإذا جماعةٌ كبيرةٌ من كُبَراءِ الناس وأعلامِهم ينتظرونَه هنالك، لم يكونوا صَلَّوْا عليه، فقالوا: لا بدَّ أن نُصلِّي عليه قبلَ دَفنِه، فصَلَّوْا عليه وهُو بشَفيرِ القَبْر مرّةً ثالثة، ووُريَ في قبرِه بمقبُرة الشُّهداءِ المنسوبة إلى سارِيَةَ، واختَطفَ الناسُ ترابَ قبرِه مرّةً ثم ثانيةً ثم ثالثة، وأقبَلَ عليهمُ اللَّيلُ وانفَصَلوا عنه، فلمّا كان من الغَدِ أصبح قبرُه مَبْنيًّا كأحسنِ ما يُبنَى من القبور، فتساءل الناسُ عمّن بناه، فلم يَجِدوا عنه مُخبِرًا، وجعَلَ حفيدُ أخيه وأصحابُه عندَ رأسِه تاريخًا. وكانت وفاتُه ليلةَ الجُمُعة الثامنةِ والعشرينَ من جُمادى الأولى من عام خمسةٍ وثلاثينَ وست مئة، ومولدُه بإشبيلِيَةَ سنةَ أربع وستينَ وخمس مئة.
١٢٩٩ - محمدُ بنْ أحمدَ بن عبد الملِك بن عيسى اليَحصُبيّ .
له إجازةٌ من أبي عُمرَ بن عبد البَرّ.
стр. 1540
سلسلة التراجم الأندلسية
الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة
تأليف
أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الملك الأنصاري الأوسي المراكشي
(٦٣٤ هـ - ٧٠٤ هـ)
حققة وعلق عليه
الدكتور إحسان عباس
الدكتور محمد بن شريفة
الدكتور بشار عواد معروف
[المجلد الرابع]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صَلّى اللهُ على سيِّدِنا ومولانا محمدٍ وعلى آلهِ وسَلَّم تسليمًا
١ - محمدُ (١) بن أحمدَ بن عبد الملِك بن موسى بن عبد الملِك بن وَليد بن محمد بن وَليد بن مَرْوانَ بن عبد الملِك بن أبي جَمْرةَ محمدِ بن مَرْوانَ بن خَطّاب ابن عبد الجَبّار بن خَطّاب بن مَرْوانَ بنَ يَزيدَ مَوْلى مَرْوانَ بن الحَكَم الأُمَويُّ، مُرْسِيٌّ، أبو بكر، ابنُ أبي جَمْرة.
وإلى جَدِّه عبد الجَبّار يُنسَبُ أحَدُ أبواب قُرطُبة، وجَدُّه عبدُ الملِك الأعلى ابنُ أبي جَمْرةَ كان قد سَمِعَ بالقَيْرَوانِ على سَحْنُونِ بن سَعِيد، ومن طريقِه بوَساطةِ آبائه على نَسَقِهم (٢) أبًا فأبًا يَروي "المُدوَّنةَ" عن سَحْنُون، وهذا من جِلّةِ أسانيدِ المعالي.
رَوى عن أبيه، وقريبِه أبي القاسم محمدِ بن هِشَام بن أحمدَ بن وليد -وفي وَليدٍ هذا، وهُو الأقربُ نَسَبًا، يجتمعُ معَه- وأبي بحرٍ سُفيانَ بن العاص، وأبوَي الحَسَن: ابن النِّعمة وابن هُذَيْل، وأبي عبد الله بن يوسُفَ بن سَعادةَ، وأبي عامرٍ محمد بن حَبِيب بن شرويَة، وأبي الفَضْل عِيَاض، وآباءِ محمد: ابن أبي جعفرٍ وعبدِ الحقِّ بن عَطِيّةَ وعاشِر، وأبي الوليد ابن الدَّباغ، سَمِعَ عليهم وأجازوا له إلّا ابنَ أبي جعفر.
стр. 1544
وأجاز له من أهل الأندَلُس: أبو بكرٍ ابنُ العَرَبي، وأبو الحَسَن شُرَيْح، وأبو القاسم بنُ وَرْد، وأبو محمدٍ الرُّشَاطيُّ، وأبو الوليدِ بن رُشْد، ومن أهل المشرقِ: أبو الطاهِر السِّلَفيّ وأبو عبد الله المازَرِي.
رَوى عنه قريبُه أحمدُ بن محمد بن أحمدَ بن محمد بن عبد الملِك بن أبي جَمْرةَ، وآباءُ بكر: ابنُ غَلْبون وابنُ مُحرِز وابنُ مَشَلْيُون (١)، وأبو جعفر بنُ زكريَّا بن مَسْعود، وأبو الحَسَن بن عبد الصَّمد ابنُ الجَنّان، وأبو الرَّبيع بن سالم، وأبو سُليمانَ بن حَوْطِ الله -وهو وأبو بكر بنُ مَشَلْيُونَ آخِرُ الرُّواةِ عنه- وأبو عَمْرٍو نَصْرُ بن بَشِير، وآباءُ محمد: ابن حَوْطِ الله وابن محمد الكَوّابُ وعبدُ الكبير.
وكان من بيتِ عِلم وجَلالة، وتعيُّنٍ شهيرٍ وأصالة، فقيهًا حافظًا، فصيحَ اللِّسانِ أديبًا بليغًا حَسَنَ المُشارَكة، ذاكرًا للتواريخ محدِّثًا عاليَ الرِّواية، آخِرَ من حدَّثَ عن واحدٍ عن أبي عَمْرٍو ابن الصَّيْرَفيّ والسامعينَ على أبي محمد بن جعفر، وكان إذْ سَمِعَ عليه ابنَ سبعةِ أعوام أو نحوِها. واستُقضيَ ببلدِه مرَّتَيْنِ وببَلَنْسِيَةَ سنةَ أربعينَ وخمس مئة، وعُرِف بالعَدْل في أحكامِه والجَزالةِ في قضائه، وقد ظَهَرَ في روايتِه بأخَرةٍ اضطرابٌ مُسَّ من أجلِه وتُكُلِّمَ فيه بسببِه، واللهُ أعلم. ومن مصنَّفاتِه: "شَرْحُ صحيح مُسلم" و"إقليدُ التقليد" و"الإعلام في التعريفِ ببني أبي جَمْرةَ الأعلام" (٢).
مولدُه عَشِيَّ يوم الأربعاءِ لخمسٍ خَلَوْنَ من ربيعٍ الآخِر سنة ثمانِ عشْرةَ وخمس مئة، وتوفِّي بمُرْسِيَةَ غُدوةَ يوم السّبت آخِرِ يوم من المحرَّم، وقيل: في العَشْر الوُسَط من صَفَرِ (٣) تسع وتسعينَ وخمس مئة.
стр. 1545
٢ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الملكِ الأنصاريُّ، مالَقيٌّ، أبو بكر، ابن الحَرَّار .
أجاز له المَشرِقيُّونَ المذكورونَ في رَسْم أبي الطاهِر أحمدَ بن عليّ. رَوى عنه أبو سُليمانَ بن حَوْطِ الله.
٣ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الملِك الجُذَاميُّ، أبو بكر .
رَوى عن شُرَيْح.
٤ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الوَدُود بن عبد الرحمن بن عليّ بن عبد الملِك بن إبراهيمَ بن عيسى بن صَالح الهِلَاليّ، مُنَكَّبيٌّ، أبو بكر .
وَلَدُ القاضي الأديب أبي القاسم بن سَمَجُون. روى عن أبيه. روى عنه أبو عمرو بن سالم؛ وكان حاذقًا نبيلًا مبرّزًا في معرفة فرائض المواريث، عفيفًا فاضلًا.
٥ - محمدُ (١) بن أحمدَ بن عبد الوَدُود البَكْريُّ، مَيُورْقيّ، أبو عبد الله.
رَوى عن أبي إسحاقَ بن شُعبةَ، وأبوَيْ عبد الله: الشّكاز وابن غَيْداء، وأبي محمد بن حَوْطِ الله.
وكان فقيهًا مُشاوَرًا حافظًا من أهل الفَضْل والدِّين، ذا مُشاركةٍ في النَّحو وقَرْض الشِّعر، واستُقضيَ بَميُورْقَةَ قبلَ تغلُّبِ الرُّوم عليها بشهرٍ أو نحوِه -وكان دخولهُم إيّاها عَنْوةً يومَ الاثنينِ لأربعَ عشْرةَ خَلَت من صَفَرِ سبع وعشرينَ وست مئة- وفي مثلِ هذين: اليوم والشهر من عام تسعةٍ كانت وَقيعةُ العِقاب.
٦ - محمدُ (٢) بن أحمدَ بن العاص، باجِيٌّ، أبو عبد الله الباجِيّ.
رَوى عن أبي جعفرٍ ابن صاحِبِ الصّلاةِ، وأبي العبّاس بن خاطِبٍ وغيرهما. رَوى عنه أبو الحَسَن بنُ إسماعيلَ الحَصّار (٣)؛ ورَوى المَلّاحيُّ عن محمد بن