ودُمْ على حالةٍ تَجْني عواقبَها ... أذكى من المِسكِ في أحلى من الضَّرَبِ
وعندَنا لكَ إيثار ومرتبةٌ ... تنحَطُّ عنها مزايا سائرِ الرُّتَبِ
وسوف تلقَى بعَوْنِ الله مَأْثُرةً ... تحظَى براحتِها من ذلك التّعبِ
فقال أبو عبد الله البَرنامَجُ يُجيبُه عنها (١):
نسَبْتَ شرَّ عَبيدِ العُجْم للعرَبِ ... جهلًا بفضلِ رسُولِ الله والنَّسَبِ
أصِخْ لتسمعَ أنسابَ الذين همُ ... شعارُكمْ في الخطوبِ السُّودِ والنُّوَبِ
كانت عَبيدَ العصا للقُرْمطيْ فإذا ... وافَى الموفَّقُ لاذتْ منه بالهَرَبِ
حَلَّت محُلَّأةً بيرًا وقد رحَلتْ ... عنها بنو جُشَمٍ من مائها الأَشِبِ
خالتْهمُ الخيلُ رِعيانَ الشِّياه لها ... فلم تَضِرْها وجَدَّتْ بعدُ في الطَّلبِ
لو أعلمَتْ وائلٌ يومًا بدعوتِها ... فيها لَما شربتْ ماءً من القُلُبِ
ونيطتِ الخُلَطُ الرَّذْلَى بهمْ نسبًا ... كأنّها القَبَسُ الصيفيُّ بالذَّنَبِ
فإن تكنْ في الوغَى من طلحةٍ سَلِمتْ ... فذا الموفَّقُ وَصْفًا ليس باللَّقبِ
وليس من رَهَبٍ يُنجيهمُ هَرَبٌ ... ما يَبعَدوا يَقْرُبوا للحَيْنِ والشَّجبِ
أمّا هلالٌ فقد حاقَ المَحاقُ بهِ ... لاقَى الوَبَالَيْنِ من حَرْبٍ ومن حَرَبِ
حلَّ الحضيضَ سقوطًا وهْو مُحترِقٌ ... تحتَ الشُّعاعِ بشُهْبِ الهندِ لا الشُّهُبِ
وغرَّهُ خُلَّبٌ من شاعرٍ مَلِقٍ ... فنال صاعقة لا واكفَ السُّحُبِ
وظلَّ من رُتَبِ العليا على عِدَةٍ ... فالتُّربُ يَعْلوهُ، ما يرقَى على الرُّتَبِ
وصار يطمَعُ في مالٍ وفي نشَبٍ ... فصار مُنتشِبًا في بَرْثَنِ النشَبِ
فقُلْ له: لو أراد الخيرَ فازَ بهِ ... الصَّيفَ ضيَّعْتَ جَهْلًا حافلَ الحَلَبِ
стр. 1857
لمّا أوَتْ عاصمٌ للدِّين واعتصمَتْ ... بحَبْلهِ نالتِ الدُّنيا بلا نصبِ
فإن يكنْ مُهتدٍ منها بكمْ فكما ... تُلْفَى خلالَ رمادٍ قطعةُ الذَّهبِ
ومَن عصَى منكمُ فالموتُ يَطلُبُهُ ... يُمسي ويُصبُح معدودًا من النَّهبِ
والحقُّ شمسٌ سَناها ليس يَحجُبُهُ ... وإنْ تَراكمَ غَيْمُ الزُّورِ والكذبِ
يحيى خليفةُ ربِّ العالمينَ ومن ... يَجْهَلْهُ يُعْلِمْهُ خطُّ السُّمْرِ والقُضُبِ
نال الخلافةَ عن خُبْرٍ وعن خَبَرٍ ... محقَّقٍ وبإرثٍ من أخٍ وأبِ
اختارَهُ اللهُ فاختارتْه صَفْوتُهُ ... من البَرِيّة، أهلُ الدِّين والحَسبِ
لم يَذْخُروا نُصحَهُمْ للدِّين واجتَهدوا ... ما كان عن رَهَبٍ منهمْ ولا رَغَبِ
ليست بنكثٍ ولا كُتْبٍ قد اختَلفَتْ ... ولا كتائبُ أهل البغيِ والصُّلُبِ
لم ينتصِرْ بالنَّصارى والبُغاةِ على الـ ... ـمُطهَّرِينَ من الأدناسِ والرِّيَبِ
خليفةٌ مرتضًى أنصارُ دعوتِهِ ... أنصارُ أمرِ الهدى الباقي على الحِقَبِ
طعنُ الصُّدورِ وضَرْبُ الهامِ عندَهمُ ... ماءُ الحيا شَبِمًا قد شُجَّ بالضَّرَبِ
قُبْحُ الوغَى عندَهمْ حُسْنٌ وراحتُهمْ ... ما نالهم في اعتلاءِ الدِّينِ من تعبِ
وحرُّ جاحمِها بَرْدُ العشيَّةِ في ... رَوْضٍ عليلٍ نَسيمًا غِبَّ مُنسكبِ
أيا إمامَ الهُدى إنَّ البلادَ لكمْ ... شَرْقًا وغربًا، فنائِيْها كمُقترِبِ
وإن يُجادِلْكَ بالمنصورِ ذو جَدَلٍ ... فنَجْلُ نوحٍ ثَوى في قسمةِ (١) العَطَبِ
وإن يقُلْ: هُو عمٌّ, فالجوابُ لهُ: ... عمُّ النبيِّ بلا شكٍّ أبو لهبِ (٢)
هل يَمُتُّ بشيءٍ لا تمُتُّ بهِ ... بل زِدتَ فخرًا، ملأتَ الدَّلوَ للكربِ
стр. 1858
إذا عصاكَ مُطيعٌ ليس مُنتفِعًا ... يومَ القيامةِ بالطاعاتِ والقُرَبِ
وُيرتَجى العفوُ للعاصي بطاعتِكمْ ... فإنّها سببٌ ناهيكَ من سببِ
أيُمْنَحُ المرءُ والقهّارُ يمنَعُه ... ويوهَبُ الأمرُ والوهّابُ لم يَهَبِ؟!
فدُمتَ للدِّينِ تحميهِ وتحفَظُهُ ... من كلِّ باغٍ وعادٍ عابدِ الصُّلُبِ
مولدُه بقُرطُبةَ سنةَ ستينَ وخمس مئة، وتوفِّي بتونُسَ ضَحْوةَ يوم الأربعاء لثلاثَ عشْرةَ ليلةً خَلَت من جُمادى الأخرى سنةَ تسع وثلاثينَ وست مئة، وصُلِّي عليه إثْرَ العصر ذلك اليوم بالجامع الأعظم، ودُفن بمقرُبة من المُصَلَّى بظاهرِ تونُس.
٧٧٤ - محمدُ بن عبد الله بن عُمرَ الفِهْرِيُّ، أبو بكر .
رَوى عن محمد بن أبي زَيْد.
٧٧٥ - محمدُ بن عبد الله بن عَمْرِو بن عبد الله بن [....] (١) بن سَعِيد بن الرّوح الأمويُّ، أبو بكر.
رَوى عن أبي عبد الله بن شِبرين في شعبانِ ثمان وتسعينَ وأربع مئة.
٧٧٦ - محمدُ (٢) بن عبد الله بن عيسَى بن عبد الرّحمن، وقيل: ابن محمد، ابن عبد المجيدِ التُّجيبيُّ، من أهل قَلْعة أيُّوب، أبو عبد الله القَبْرِيرِيُّ.
رَوى عنه أبو عبد الله بنُ سِيْدرَاي، وكان أحدَ حُفّاظ الفقهاءِ وجِلّةِ المُشاوَرين، بصيرًا بالمذهب المالِكيّ، أديبًا شاعرًا، وصنَّفَ كتابَ "الانتصار لإبن العَطّار في ما رَدَّه عليه أبو عبد الله ابنُ الفَخّار"، وله مسائلُ في الأذانِ والحضانة وغيرُ ذلك، مما يشهَدُ بتقدُّمِه في الحِفظ وجَوْدة نَظَرِه وحُسن استنباطِه.
стр. 1859
٧٧٧ - محمدُ (١) بن عبد الله بن عيسى بن محمد أبي زَمَنِين المُرِّيُّ، إلبِيريٌّ، أبو بكر، ابنُ أبي زَمَنِين.
رَوى عن أخيه أبي عبد الله وتفَقَّه به، وإليه ينتسبُ الراوِيةُ أبو بكر بنُ أبي خالد بن أبي زَمَنِين المتأخِّرُ، لا إلى أخيه أبي عبد الله الفقيه المصنِّف في الأحكام وغيرها؛ وكان محمدٌ المترجَمُ به من أهل العلم، وقدِ استقُضيَ بإلبِيرةَ، وله صنَّف أخوهُ الأحكامَ المشهورة حين وَليَ القضاءَ بإلبِيرة، وتوفِّي قاضيًا عليها سنةَ ثمانٍ وعشرينَ وأربع مئة.
٧٧٨ - محمدُ (٢) بن عبد الله بن عيسى بن نُعمانَ البَكْرِيُّ، بَلَنْسِيٌّ، أبو عبد الله.
أخَذ عن أبوَيْ بكر: ابن جُزَيّ وابن سَعْدِ الخَيْر عِلمَ الفرائض والحساب، وكان متحقِّقًا فيهما مؤدِّبًا بهما. سَمع منه أبو عبد الله ابنُ الأبّار بعضَ مُنشَداتِه، وكان من أهل الصَّلاح والعَدالة.
مَوْلدُه سنةَ إحدى وخمسينَ وخمس مئة، وتوفِّي في صَدْرِ ثِنتينِ وثلاثينَ وست مئة.
٧٧٩ - محمدُ بن عبد الله بن عيسى التُّجيبيُّ، إلبِيريٌّ، أبو عبد الله، ابنُ الناشي .
رَوى عن أبي عيسى اللَّيْثيِّ وغيره، رَوى عنه سَعِيدُ بن خَلَف بن جعفرٍ الكَلَاعيُّ، وكان فقيهًا جَليلًا ذا دِراية ورِواية، حيًّا بعدَ العشَرة وأربع مئة.
٧٨٠ - محمدُ (٣) بن عبد الله بن غَيّاث -بغَيْن معجَم مفتوح وياءٍ مَسْفولة مشدَّدة وألفٍ وثاءِ مثَلَّثة- الجُذَاميُّ، شَرِيشيٌّ، أبو عَمْرو.
стр. 1860
رَوى عن أبي إسحاقَ ابن مُلْكون، وآباءِ بكر: ابن أزهَرَ وابن الجَدّ وابن مالِك، وأبي الحَسَن بن لَبّال، وأبي عبد الله بن زَرْقُون، وأبي العبّاس بن سيّد الكِنَانيِّ، وأبوَي القاسم: ابن بَشْكُوال وابن المَوَاعِينيّ، وأبي محمد بن عُبيد الله.
رَوى عنه أبو إسحاقَ التونُسيُّ، وأبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ شيخُنا، وأبو عبد الله ابنُ إبراهيمَ بن محمد بن عبد الجَليل بن غالِب، وأبو القاسم المَلّاحي.
وكان أديبًا شاعرًا مجُيدًا، كاتبًا محُسِنَا، بارعَ التصرُّف في منظوم الكلام ومنثورِه، شهيرَ التعيُّنِ عندَ أهل بلدِه، معروفَ القَدْر عندَهم وعندَ سواهم، ديِّنًا فاضلًا حَسَنَ السِّيرة؛ وشِعرُه في أمداح الملوكِ والرؤساء وغير ذلك كثيرٌ جيِّد، ونَظَمَ الكُرّاسَةَ القُزوليّةَ (١) في رَجَزِ ينزلُ عن نمطِ شعرِه، وأدرَكَه خَرَفٌ واختلاط بأخَرةٍ من عُمُرِه، وكان قد كتَبَ في شَبِيبتِه عن الأمير إسماعيلَ بن عبد المُؤْمن وحَظِيَ عندَه كثيرًا؛ ووَرَدَ مَرّاكُش وامتدحَ أُمَراءها.
حدَّثني الشَّيخُ أبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ، ﵀، قال: لقِيتُه سنةَ خمسَ عشْرةَ وست مئةِ وأخَذْتُ عنه، ثم استَجَزْتُه سنةَ ستَّ عشْرةَ، فكتَبَ إليّ مُجِيزًا، وقال في أثناءِ مكتوبِه: قَسَمًا بما يكونُ به القَسَم، لقدِ استفتَحْتَ بابًا وإنه لَمغلقٌ مبهَم، واستنطَقْتَ أعجَميًّا ومن أينَ له أن يُفصحَ الأعجم؟! ونفَخْتَ حيث لا ضَرَم [البسيط]:
أُعِيذُها نَظَراتٍ منكَ صادقةً ... أن تحسَبَ الشَّحمَ فيمَن شَحْمُهُ وَرَمُ
ثم قال بعدَ ذِكْر مَنْ ذكَرَ من أشياخِه: ولقد تركْتُ منَ الأشياخ من لا ينبغي أن يُترَك، ويجبُ أن يُتيمَّنَ بذِكْرِه وُيتبرَّك، غيرَ أن القِدَمَ والهَرَمَ والألم صرفَتْني عن الإسهابِ والتطويل، وما يُطيلُ شيخٌ له بعدَ نَوْماتِ العيون باللّيل نظرةُ تخبيل، وكَتْبُه تخييل، وعَيْشُه تنكيل، وقدِ اتّضحَ له من السبعينَ إلى الثمانينَ السبيل؟!
стр. 1861
وأنشَدتُ على شيخِنا أبي الحَسَن الرُّعَيْنيِّ ﵀، قال: أنشَدَنا أبو عَمْرِو ابن غيَّاث لنفسِه فيما أذِنَ لي فيه [الطويل]:
صَبَوْتُ وهل عارٌ على الحُرِّ إنْ صبا ... وقِيدَ بِعَشْرِ (١) الأربعينَ إلى الصِّبا؟!
يرى أنَّ حبَّ الحُسنِ في الله قُربةٌ ... لمَن شاء بالأعمالِ أن يتقرَّبا
وقالوا: مَشِيبٌ، قلتُ: واعجبًا لكمْ ... أيُنكَرُ نُورٌ قد تخَلَّل غَيْهَبا؟!
وليس مَشِيبَا (٢) ما تَرَوْنَ وإنّما ... كُمَيْتُ الصِّبا مما جَرى عادَ أشهَبا
وشعرُه كثير رقيقٌ جيِّد، وكانت بينَه وبينَ جماعةِ من أُدباءِ عصره مُكاتَباتٌ ظهَرَت فيها إجادتُه. مَوْلدُه سنةَ ستٍّ وثلاثينَ وخمس مئة، وتوفِّي في ذي الحجّة سنةَ تسعَ عشْرةَ، وقيل: في العَشْرِ الأُوَل من المحرَّم، عشرينَ وست مئة.
٧٨١ - محمدُ (٣) بن عبد الله بن فَرْتُون، سَرَقُسْطيٌّ، أبو عبد الله.
وَليَ قضاءَ الجماعة ببلدِه، وهُو الذي انتَصرَ لأبي عُمرَ الطَّلَمَنْكيِّ من الشُّهداءِ عليه بأنه حَرُوريٌّ سَفّاكٌ للدِّماء يَرى وَضْعَ السُّيوف على صالحي المسلمين، فأسقَطَ شهادتَهم وكانوا خمسةَ عشَرَ من فقهاءِ سَرَقُسْطةَ ونُبهائها، وأسجَلَ بذلك على نَفْسِه سنةَ خمسِ وعشرينَ وأربع مئة.
٧٨٢ - محمدُ بن عبد الله بن فَرْتُون .
رَوى عن أبي عبد الله بن عَتّاب.
٧٨٣ - محمدُ (٤) بن عبد الله بن فُطَيْس، قُرْطُبيٌّ، أبو عامر.
стр. 1862
رَوى عن القاضي يونُس بن عبد الله، رَوى عنه أبو الحَسَن يونُسُ بن محمد ابن مُغيث.
٧٨٤ - محمدُ بن عبد الله بن فُطَيْس، مالَقيٌّ .
ويقال: إنه من بني فُطَيْس الإلْبِيريِّينَ المُنتقلينَ منها إلى مالَقةَ. كان طبيبًا ماهرًا وأديبًا شاعرًا، وكان في أيام بني حَسُّون حَظِيًّا لديهم خفيفًا عليهم، وله فيهم أمداحٌ كثيرة.
٧٨٥ - محمدُ (١) بن عبد الله بن محمدِ بن أحمدَ بن عبد الله بن خَلَف بن إبراهيمَ بن أبي عيسى لُبّ بن بيَطَيْر بن خالد (٢) بن بكرٍ التُّحيبيُّ، قُرطُبيٌّ، أبو الحَسَن، ابنُ الحاجّ.
رَوى عن أبي بكرٍ غالب بن أبي القاسم الشَّرّاط، وأبي جعفر بن يحيى، وأبي العبّاس يحيى المَجْرِيطيِّ، وأبي القاسم بن بَقِيّ، وأبي محمد بن حَوْطِ الله وغيرِهم.
وأجاز له أبو جعفر بنُ مَضَاء، وأبو عبد الله بن زَرْقون، وأبو القاسم الشَّراطُ، وأبَوا محمد: ابنُ عُبيد الله وعبدُ المُنعم ابن الفَرَس، وأبو الوليد يَزيدُ بن بَقِيّ، وغيرُهم. حدَّثنا عنه أبو عليّ ابنُ الناظِر.
وكان عالمًا مُبرّزًا مُتفنِّنًا، مُقرِئًا مُجوِّدًا، نَحْويًّا متحقِّقًا، وقَفْتُ على مجموع له في النَّحو بخطِّه على مَنْحَى الزَّمخشَريِّ في "مُفصلِه"، وكأنه مختصَرٌ منه. وكان بارعَ الخَطّ حَسَنَ المنزع فيه، نظيفَ الملبَس بهيَّ المنظر، استُقضيَ بغَرناطةَ والجزيرةِ الخَضْراء، فشُكِرت سِيرتُه وشُهَر بالنَّزاهةِ والعدالة، واستدعاهُ الرَّشيدُ من بني عبد المُؤْمن إلى تعليم وَلَدِه وتأديبِه لِمَتَاتٍ كان له إليه، فقَدِم مَرّاكُشَ وتلبَّس بما دُعيَ إليه مُدّةً يسيرة.
стр. 1863
وتوفِّي بمَرّاكُشَ (١) عامَ أحدِ وأربعينَ وست مئة، ومَوْلدُه يومَ الثلاثاء لأربَع عشْرةَ ليلةَ بقِيَتْ من شَعْبانِ أربع وسبعينَ (٢) وخمس مئة. وهو والدُ صاحبِنا الفقيه الفاضل الوَرع أبي محمدِ عبد الله، ﵀، وهو من بيتِ عِلم وجَلالة.
٧٨٦ - محمدُ (٣) بن عبد الله بن محمد بن أحمدَ بن قاسم بن هلال، قُرطُبيٌّ.
رَوى عن أبيه وغيره، وكان من أهل النَّباهة والعَدالة، وأحدَ الشُّهود على أبي إسحاق الشَّرَفِّي برَدِّ أبي عبد الله ابن العَطّار إلى خُطّة الشُّورى وإماطةِ السُّخْطة عنه في صَفَرِ سبع وثمانينَ وثلاث مئة.
٧٨٧ - محمدُ (٤) بن عبد الله بن محمد بن أحمدَ المَعافِريُّ.
كذا وقَفْتُ على نَسَبِه بخطّه في غيرِ موضع، وكذلك ذَكَرَه غيرُ واحدِ من الآخِذينَ عنه منهم: أبو بكر بنُ أحمد بن سيِّد الناس وشيخُنا أبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ وأبو القاسم ابنُ الطَّيْلَسان وأبو محمدٍ طلحةُ، وغيرُهم، وقَلَبَ أبو عبد الله ابنُ الأبّارِ بعضَ نَسَبِه فقال فيه: محمدُ بن عبد الله بن أحمدَ بن محمد، وقال فيه ابنُ الزُّبَيْر: محمدُ بن عبد الله بن أحمدَ بن محمد بن محمد ابن العَرَبيِّ المَعافِريّ، وذلك كلُّه وَهمٌ منهما لا مَحالةَ، وهو إشبِيليٌّ، أبو بكر، ابنُ العَرَبي، من ذَوي قَرابةِ القاضي أبي بكرٍ ابن العَرَبيّ.
стр. 1864
تلا بالأندَلُس على أبي محمدٍ قاسم ابن الزَّقّاق، ثم رَحَلَ إلى المشرِق رِحلتَه الأُولى سنةَ ثِنْتينِ وسبعينَ وخمس مئةٍ وحجَّ، ورَوى بالإسكندَريّة عن أبوَي الطاهر: ابن عَوْف والسِّلَفيّ، وأجازا له، وعاد إلى الأندَلُس، ثم رَحَلَ إلى المشرِق رحلتَه الثانيةَ، وفَصَلَ عن إشبيلِيَةَ لها غُرةَ ذي قَعْدةِ ستٍّ وتسعينَ وخمس مئة، ولقِيَ فيها جماعةً من بقايا الشُّيوخ بمكّةَ، شرَّفَها الله، وجُدّةَ وبغدادَ والمَوْصِل ومصرَ والإسكندَريّة، وقيَّدَ مَناقلَ أحوالِه فيها، وذكَرَ بعضَ ما عايَنَه بتلك البلاد، وبعضَ مَن لقِيَ بها من الفُضَلاءِ والزّهّاد، وقَفْتُ عليها بخطِّه؛ فلقِيَ بمكّةَ شرَّفَها الله: أبا الحَسَن عليَّ بن عبد الله الفُرِّيانيَّ، بضمِّ الفاء وتشديدِ الراء المكسورة وياءٍ مسفولة وألِف ونونٍ منسوبًا، والزاهدَ المُتبتِّلَ ربيعَ بن محمودٍ المارْدِينيَّ، وأبا شُجاع زاهرَ بن رُسْتُم، وأبا عبد الله بنَ أبي الصَّيْف، وأبا محمدٍ يونُسَ بن محمد الهاشميَّ؛ وبجُدّةَ: أبا بكرٍ محمدَ بن عليّ بن محمد القُشَيريَّ الحاتِميَّ ابنَ العَرَبي؛ وببغدادَ ضياءَ الدِّين أبا أحمدَ عبدَ الوهّاب بن عليّ بن عليّ بن سُكَيْنةَ، وأبا عبد الله إسماعيلَ بنَ أبي تراب عليِّ بن عليّ بن وَنّاس القَطّان، وأبا العبّاس أحمدَ بنَ الحَسَن بن أبي البقاءِ العاقُوليَّ، وأبا عليٍّ ضياءَ بنَ أحمدَ بن أبي عليّ بن الخُرَيْف -بضمِّ الخاءِ المعجَم وراءٍ وياءِ تصغيرٍ وفاء- وأبوَيْ محمد: عبدَ الله بن دَهْبَل -بفَتْح الدال الغُفْل وهاءٍ ساكن وفتح الباءِ بواحدةٍ ولام -ابن كارَة- بكافٍ وألِف وراءٍ مفتوح وهاء (١) - وعبدَ السّلام بنَ [المبارك] (٢) بن أحمدَ بن صَبُوخا (٣)، ومَكِينَ الدِّين عبدَ الواحد بن عبد السّلام بن سُلطان.
стр. 1865
وحضَرَ بها مجالسَ ثلاثةً من مجالِس وَعْظ الإِمام أبي الفَرَج ابن الجَوْزيّ، وكانت آخرَ مجالِس وَعْظِه، وبعدَ خمسةَ عشَرَ يومًا من آخِر مجلسٍ منها توفِّي أبو الفَرَج، عفا اللهُ عنه، ليلةَ الجُمُعة الثانيةَ عشْرةَ من رَمَضانِ سبع وتسعينَ وخمس مئة، وقال: وسنُّه سبعٌ وتسعونَ سنةً على ما أخبَرَه به بعضُ تلامذتِه المختصِّينَ به العارفينَ بأخبارِه.
قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: أرى، واللهُ أعلم، أنه جَرَى عليه الوَهمُ في ذكْرِ تسعينَ في سنِّه، واراها ثمانين؛ لِما تقَرَّرَ من أنّ مَولدَه في حدودِ العَشْر وخمس مئة (١)، ولِما استقرَيْتُه من أوقاتِ سَماعِه على شيوخِه، وأحوالِه في أخْذِه عنهم، حسْبَما تضمَّنَه معجَمُه في ذكْرِهم، وأرى مَغْلَطَه في ذلك وقوعُ بصَره أوّلَ على تسعينَ المذكورةِ في وفاتِه، فهي مُجاورتُها على ما وقَفْتُ عليه في خطِّ ابن العَرَبيِّ كما ذَكَرَ، فوَهِمَ في ذلك حالَ النَّقل، واللهُ أعلم.
رجَعْنا إلى ذكْرِ الحاجِّ أبي بكرٍ ابن العَرَبيّ: ثم حضَرَ بعدَه مجلسَ ابنِه الملقَّب بمُحيي الدِّين، وكان أصغرَ وَلَدِه -قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: وأرى اسمَه يوسف (٢) - وحضَرَ بها مجلسَ شِهابِ الدِّين أبي حَفص السُّهَرَوْرِدي؛ ولقِيَ بالمَوْصِل خطيبَه أبا القاسم عبدَ المُحسِن بن عبد الله بن أحمدَ بن محمد بن عبد القاهِر الطُّوسيَّ، وبمِصرَ أبا الحُسَين ابنَ الخَليليّ، وعندَه عايَنَ التوقيعَ الكريمَ النَّبَويَّ الذي أقطَعَ به النبيُّ ﷺ تمَيمًا الدَّارِيَّ وإخوتَه حَبْرونَ والمرطوم وبيتَ عينُون وبيتَ إبراهيم وما فيهِنّ، وكان بخطِّ عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ وشَهادتِه وشهادةِ الخُلفاءِ الثلاثةِ قبلَه، وهم فيه على ترتيبِهم في الخلافة،
стр. 1866
أوّلُهم: عَتيق ابن بوقُحافة (١)، وآخِرُهم: علي ابنُ بو (٢) طالب، وقد وقَفْتُ على نُسخةِ هذا التوقيع الكريم بخطِّ أبي بكرٍ ابن العَرَبيِّ وقد حاكَى فيه خطوطَهم، ووضْعَ المكتوبِ وعِدّة أسطارِه وأوائلها وأواخرِها. ولقِيَ بالإسكندَريّة أبا الحَسَن عليَّ بن المُفضَّل المَقْدِسيَّ، والزاهدَ الفاضِل أبا العبّاس الصِّقِلِّيَّ، وقَفَلَ منها إلى الأندَلُس سنةَ أربع وست مئة، وفي هاتَيْن الرِّحلتَيْنِ حَجَّ سبعَ حِجَج، وجاوَرَ بالحرمَيْنِ الشريفَيْنِ خمسَ سنين. وسَمِع بعدَ هذه العَوْدة على أبي القاسم، ويقال: أبو جعفر، أحمدَ بن محمد بن جُرْج سنةَ إحدى عشْرةَ وست مئةٍ بقُرطُبة، وبها في التاريخ على أبي الحَسَن محمد بن عبد العزيز الشَّقُوريِّ، وبإشبيلِيةَ في التاريخ على أبي الحَسَن عبد الرّحمن بن عليّ الزُّهْريِّ، ثم عاد إلى المشرِق رحلتَه الثالثةَ، ومن قُرطُبةَ فَصَلَ إليها يومَ الاثنين لعَشْرٍ بقِينَ من ربيعٍ الأوّل عامَ اثنَيْ عشَرَ وست مئة، وأقام هنالك فلم يعُدْ إلى الأندَلُس بعدُ.
روى عنه آباءُ محمد: ابنُه والرُّعَيْنيُّ شيخُنا وابنُ قاسم الحَرّار، وأبَوا بكر: ابنُ سيِّد الناس وابنُ عبد النُّور، وأبو جعفر بنُ كُوزانةَ، وأبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ شيخُنا، وأبو العبّاس ابنُ الرُّوميّة، وأبو المعالي سَعْدٌ ابنُ الجُعَيْديِّ وأبو الوليد ابنُ الحاجّ (٣).
وكان خيِّرًا فاضلاً، متصوِّفًا متواضِعًا، بارًّا بأصحابِه وإخوانِه، مشهورَ التعيُّن والأصالة، من بيتِ علم وجَلالة، صحيحَ اليقين ليِّنَ الجانب وَطِيءَ الأكناف حَسَنَ الخُلُق.
حدَّثني الشّيخُ أبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ ﵀ قراءةً منّي عليه ونَقْلًا من خطِّه، قال: ذَكَرَ لنا -يعني أبا بكر ابنَ العَرَبيِّ هذا- بمحضَرِ شيخِنا أبي بكر بن
стр. 1867
عبد النُّور، أنّ الشّيخَ الزاهدَ المُتبتِّل ربيعَ بنَ محمود المارْدِينيَّ، ﵀، أخبَرَه بمكّةَ زادَها اللهُ تشريفًا، ليلةَ الثلاثاء الخامسةَ والعشرينَ من جُمادى الآخِرة سنةَ تسع وتسعينَ وخمس مئة، بعدَما سألَه وهو مُستقبِلٌ الكعبةَ المُعظَّمة، أنه وَصلَ إلى قَلْعة مارْدِينَ شيخٌ ممّن صحِبَ النبيَّ ﷺ ، [وصافَحَه النبيُّ ﷺ ] (١) ودَعَا له بطُول العُمُر، فقال الشَيخُ: وَصَلتُ إلى هنا منذُ مئةِ سنة، وليس حوْلَ القلعة بناءٌ، ثم غِبتُ سنينَ كثيرةً وعُدتُ ورأيتُ خانًا بخارج القلعة، ثم غِبتُ وعُدتُ هذه الكَرّة، وكان الشّيخُ ﵁ وعن أصحابِ رسُول الله ﷺ ورضيَ عنهم (٢) قد تدَلَّت حاجباهُ على عينيه من كِبَرِ سِنَّه. قال شيخُنا أبو الحَسَن ﵀: قال شيخُنا أبو بكرٍ ابنُ العَرَبي: فسألتُ الشّيخَ ربيعًا المذكورَ عن سنِّه في ذلك الوقتِ فقال: من ستةِ أعوام إلى سبعة، فقلتُ له: صافِحْني كما صافَحَك صاحبُ رسُولِ ﷺ ، فوَضَعَ يدَه اليُمنى على يدي اليُمنى وشدَّ عليها وقال: هكذا صافَحَني صاحبُ رسُولِ الله ﷺ ، قال شيخُنا أبو الحَسَن: عايَنّا هذا الخبرَ مكتوبًا عندَ أبي بكرٍ ابن العَرَبيِّ شيخِنا حسَبَ ما ذكَرَه، وصافَحْناهُ عليه تبرُّكًا كما ذَكَرَ، واللهُ ينفَعُ بالنِّية في ذلك؛ قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: وصافَحتُ الشّيخَ أبا الحَسَن ﵀ تيمُّنًا بذلك، واللهُ يُجازي على القَصْدِ فيه.
وُلدَ الحاجُّ أبو بكرٍ ابنُ العَرَبي بإشبيلِيَةَ في جُمادى الآخِرة من عام اثنينِ وأربعينَ وخمس مئة، وقال ابنُه الفقيهُ المحدِّثُ أبو محمد: إنه اتّصلَ به وصَحَّ عندَه أنه توفِّي بالإسكندَريّة عام سبعةَ عشَرَ وست مئة، وذَكَرَ الأستاذُ أبو محمدٍ طلحةُ أنه توفِّي سنةَ إحدى أوِ اثنتَيْنِ وعشرينَ وست مئة، والأخْذُ بقول ابنهِ أوْلى وأحَقّ، واللهُ أعلم.
٧٨٨ - محمدُ (٣) بن عبد الله بن محمد بن أبي زاهِر، بَلَنْسِيٌّ، أبو عبد الله.
стр. 1868
تَلا بالسَّبع على أبي الحَسَن بن هُذَيْل، ورَوى عن أبي الحَسَن ابن النِّعمة. رَوى عنه ابنُه أبو حامدٍ محمدٌ. وكان مَتينَ الدّين تامَّ الفضل، صادقَ الوَرَع معروفَ الصّلاح، أقْرَأَ القرآن حياتَه وكان حَسنَ القيام على تجويدِه، وأسمَعَ كُتُبَ الرَّقائقِ والمَواعظ. وخَطَبَ ببعضِ جِهاتِ بَلَنْسِيَة، وتوفِّي بها مستهلَّ ربيع الأوّل سنةَ تسعينَ وخمس مئةٍ ابنَ ثلاثٍ وستينَ سنةً، واحتَفلَ الناسُ لشهود جَنازته فلم يتخلَّفْ عنها كبيرُ أحد.
٧٨٩ - محمدُ (١) بن عبد الله بن محمد بن أبي الفَضْل السُّلَميُّ، مُرْسِيٌّ، أبو عبد الله ابنُ أبي الفَضْل.
رَوى بالأندَلُس عن غير واحد من مَشْيَختِها، منهم: أبو القاسم بنُ حُبَيْش، وبسَبْتةَ قديمًا عن أبي محمد بن عُبَيد الله، ورَحَلَ إلى المشرق، ولقِّب هنالك شَرَفَ الدِّين، وأطال التجوُّلَ ببلادِه، وأخَذَ بنيسابورَ عن أبي الحَسَن المؤيَّد ابن محمد الطُّوسي، وأخَذَ أيضًا عن منصُور بن عبد الله بن عبد المُنعم بن محمد بن الفَضْل الفُرَاويّ، وبمكّةَ، شرَّفَها اللهُ، عن أبي محمدٍ يونُسَ بن يحيى الهاشِميّ.
رَوى عنه جماعةٍ من أهل الأندَلُس وغيرِهم هنالك، منهم: أبو عبد الله بنُ زكريّا الإلْشِيُّ وأبو العبّاس بنُ المُزَيّن، وأبَوا محمد: ابنُ عَطِيّةَ وعيسى بن
стр. 1869
سُليمانَ المالَقيّانِ، ومن أهل العُدْوة: أبو محمد بنُ محمد بن أحمدَ ابن الحَجّام؛ ومن أهل المشرِق: أبوا الحَسَن: عليُّ بن أحمدَ بن عبد المُحسِن بن أبي العبّاس بن محمد بن عليِّ بن الحَسَن الحُسَيْنيُّ الغَرّافيُّ، وعليُّ بن محمد بن منصُور ابن المُنَيِّر، وشمسُ الدِّين أبو محمدٍ عبدُ الواسع بنُ عبد الكافي بن عبد الواسع بن عبد الجليل الأَبْهَرِيُّ الفقيهُ الصُّوفيُّ شيخُنا، وأبو القاسم بنُ أبي بكرٍ التَّميميُّ ثم التونُسيُّ ابنُ زَيْتون؛ وحَدَّث عنه بالإجازة أبو عبد الله ابنُ الأبّار.
وكان شيخاً (١) محدِّثًا راوِيةً مُكثِرًا عَدْلًا ثقةً، تردَّد بينَ مكّةَ والمدينةِ، كرَّمَهما اللهُ، والشامِ وغيرِها من البلاد نحوَ خمسينَ سنةً، فحَجَّ كلَّ سنة، واستمرَّ على هذه الأعمالِ المبرورة حتّى شُهِرَ ذكْرُه وعَظُمَ صِيتُه، وكان كلّما قَدِمَ على بلدٍ احتَفلَ الوُلاةُ والأكابرُ من الوزراءِ وغيرِهم للقائه، متبرِّكينَ به راغبينَ إليه في قضاءِ ما يَعِنُّ له من مَآربه، فلم يتعرَّضْ إلى أحدٍ من الناس على طبقاتِهم لاستقضاءِ حاجة، إلا الاطَّلاع على ما في خزائنِهم من الكُتُب، فيغتنمونَ المُبادرةَ إلى مُرادِه، فيستعيرُ منها ما لهُ فيه غَرَض، ويعكُفُ على انتساخِه أو تعليقِ ما اختار منه، أو المعارضةِ به، ويَصرِفُهُ إلى ربِّه، حتى اجتَمعَ له من الفوائدِ ما لم يجتمعْ عندَ غيره، وكثيرًا ما كانت تُعرَضُ عليه نفائسُ الكُتُبِ التي لهُ فيها غَرَضٌ على حُكم الهِبة أو الهَدِيّة، فلا يُسعِفُ أحدًا بقَبُولِ شيءٍ من ذلك، ولم يزَلْ فضلُه يتزيَّد، وذكْرُه بالعلم والفَضل والدِّين يُشتهَر، ومكانُه من الجلالةِ والعبادة والاجتهادِ في الأعمال الصّالحة يُشتهَر، إلى أنْ تَوفِّي بالزَّعقة (٢): من رَمْلةِ الشام فيما ذَكَرَ ناصرُ الدِّين الفقيه المُدرِّسُ أبو عليٍّ منصُورُ بن محمد الزّواويّ
стр. 1870
المشداليُّ مقيمُ بِجَايةَ، وقال: إنه حضَرَ وفاتَه حيث ذَكَرَ، فلا ينبغي أن يُلتفَتَ إلى قولِ مَن قال: إنه توفِّي بالحَرَم الشّريف، وأنهَى خبَرَه الفقيهُ الحاجُّ أبو عثمانَ سعيدُ بن عليّ ابن يبطاسنَ المَغْرِبيُّ، وتُعُرِّفَ ذلك ببِجَايةَ غُرّةَ رجبِ ثمانٍ وأربعينَ وست مئةٍ ابنَ تسعينَ أو نحوِها، واللهُ أعلم.
٧٩٠ - محمدُ بن عبد الله بن محمد بن أصبَغَ .
رَوى عن أبي الحَسَن شُرَيْح.
٧٩١ - محمدُ بن عبد الله بن محمد بن ثَعْلبةَ اللَّخْميُّ، إشبِيليٌّ .
٧٩٢ - محمدُ بن عبد الله بن محمد بن جعفرٍ الأَزْديُّ .
رَوى عن شُرَيْح.
٧٩٣ - محمدُ بن عبد الله بن محمد بن حَسّانَ الكَلْبيُّ .
رَوى عن شُرَيْح.
٧٩٤ - محمدُ (١) بن عبد الله بن محمد بن حَجّاج، أبو عبد الله بن محمد بن حَجّاج.
رَوى عنه أبو الرّبيع بنُ سالم.
٧٩٥ - محمدُ (٢) بن عبد الله بن محمد بن خَلَف بن عليّ بن قاسم الأنصاريُّ، بَلَنْسِيٌّ، أبو عبد الله، أصلُه من قَلْعة أَيُّوب، ويقال: إنه من بيتِ أبي محمد بن قاسم قاضيها.
تَلا بالسَّبع على أبي عبد الله بن نُوح واختَصَّ به وأطال مُلازمتَه، وأخَذَ عنه العربيّةَ والآداب، ورَوى عن أبي الخَطّاب بن واجِب، وأبي العطاء بن نَذِير.
стр. 1871
رَوى عنه أبو جعفر بنُ إبراهيمَ بن محمد بن حَسَن، وشَيْخانا: أبو الحَجّاج ابن حَكَم وأبو عليّ ابنُ الناظر، وأبو عبد الله ابنُ الأبار، وأبو القاسم بن نَبيل، وأبو محمد بن عبد الرّحمن بن بُرْطُلُّه.
وكان عارفًا بالتفسير شديدَ العنايةِ به، وتصَدَّر لإلقائه والإفادةِ به وقتًا في جامع بَلَنْسِيَة، مُقِلًّا من الرِّواية متشدِّدًا فيها, لا يكادُ يُجيبُ إليها ولا يسمَحُ بها إلا على عُسر، ماهرًا في أُصولِ الفقه، ذا حظٍّ من النَّظْم والنثر، زاهدًا وَرِعًا شهيرَ الفَضْل، عُنيَ أوّلَ طلَبِه بعَقْدِ الشُّروط ثم رفَضَهُ زُهدًا في الدُّنيا، وإيثارًا للعُزْلة، وانقطاعًا إلى الاجتهاد في التماسِ العلم، ومن مُنشآتِه: "بُغْيةُ النفوسِ الزَّكيّة في الخُطَب الوَعْظيّة" و"نَسيمُ الصَّبا" على مَنْحَى أبي الفَرَج ابن الجَوْزيّ. ودُعي إلى الخُطَبة بعدَ وقوع الفتنة وقُرِّرَ عندَه مَسِيسُ الحاجة إليه في ذلك، فأجابَ، ثم استَعْفَى فأُعفِيَ، وأقام بشاطِبةَ حالَ حصارِ بَلَنْسِيَة؛ لأنه كان قد وَجَّه إلى مُرْسِيَةَ لاستمدادِ أهلِها، وخَطَبَ بأُورِيُولةَ، وبها توفِّي عصرَ يوم الخميس لليلتَيْنِ بقِيَتا من رجب ستٍّ وثلاثينَ وست مئة، ودُفن لصلاة الجُمُعة، وحَضَرَ جَنازتَه الخاصّةُ والعامَّة، وازدَحَموا على نَعْشِه حتى كسَروه متبرِّكينَ به، وقال أبو محمد بنُ عبد الرَّحمن بن بُرطُلُّه: إنه توفِّي سنةَ أربعين، ولم يَضبِطْه (١)، ومَولدُه يومَ الاثنينِ لثمانٍ بقِينَ من رمضانِ أربعٍ وسبعينَ وخمس مئة.
٧٩٦ - محمدُ (٢) بن عبد الله بن محمد بن خَليل القَيْسيُّ، إشبِيليٌّ سَكَنَ فاسَ كثيرًا ثم مَرّاكُشَ بأَخَرةٍ، أبو عبد الله.
стр. 1872
وقال أبو عبد الله ابنُ الأبّار: إنه لَبْليٌّ، وأرى أنّ مُوهِمَه في ذلك ظَنُّه بعضَ بني خليلٍ اللَّبْلِيِّينَ، وليس منهم، وهو قَيْسيٌّ وأولئك سَكُونيُّون. رَوى عن أبي بحرٍ صَفْوانَ بن العاص، وآباءِ بكر: خازِم وابن العَرَبيّ وغالبِ بن عَطِيَّة ومحمد بن حَيْدَرةَ، وآباءِ الحَسَن: شُرَيْحٍ وابن الأخضَر وابن دُرِّي والعَبْسيِّ وابن مَوْهَب، وأبوي الحُسَين: ابن سِرَاج وابن الطَّراوة، وأبي الحَكَمِ بن بَرَّجَان، وآباءِ عبد الله: ابن أبي الخَيْر وابن أبي العافية وابن حَمْدِين وابن فَرَج مَوْلى ابن الطَّلّاع، ومالكِ بن وُهَيْبٍ ولازَمَه ستَّ سنين واستفاد منهُ كثيرًا، وأبي العلاءِ بن زُهْر، وأبوَيْ عليّ: ابن سُكّرةَ والغَسّانيِّ، وأبي عِمرانَ بن أبي تَلِيد، وآباءِ القاسم: أصبَغَ بن المُناصِف والخَلَف ابن الأبَرَش ومحمدٍ النَّخّاس وابن الزَّنْجاني، وآباءِ محمد: ابن أبي جعفرٍ وابن السِّيْد وابن يَربُوع وعبد الرّحمن بن عَتّاب وعبد المجِيد بن عَبْدون، وآباءِ الوليد: أحمد بن طَرِيف ومحمد بن رُشْد وهشام بن العَوّاد ومالكٍ العُتْبيِّ.
رَوى عنه أبو إبراهيمَ الطُّوسيُّ، وهو آخِرُ الرُّواة عنه، وأبو البقاءِ يَعِيشُ ابنُ عليّ وأبو زكريّا بن عبد العزيز بن عَزُّون الفاسيُّ، وآباءُ عبد الله: ابن أحمدَ الاندَرشِيُّ وابن حُبَاسةَ وابن عبد الحقِّ التِّلِمْسينيُّ، وأبو عليّ حَسَنُ بن محمد البَطَلْيَوْسيُّ، وأبو يحيى هانئُ بن هانئ، وأبو القاسم بن عبد البَرّ القَرْمُونيُّ، وأبو محمدٍ قاسمُ بن فِيرُّه الشاطِبيُّ.
وكان محدِّثًا عاليَ الرِّواية مُفتَنًّا في جُملةِ معارف، ماهرًا في كلِّ ما يَنتحلُ منها، عُني بلقاءِ المشايخ كثيرًا، واستَجاز مَن لمِ يلقَهُ منهم، فاتّسعَتْ روايتُه وأسَنَّ، فكان آخرَ الرُّواة عن أبي عبد الله بن فرَج وأبي عليّ الغسانيِّ موتًا، وكتَبَ عن بعضِ الرُّؤساء اللَّمْتُونيِّين، وكان بارعَ الخَطّ، ثم نَزَعَ عن ذلك، وكُفَّ بصَرُه أخيرًا، وتوفِّي بمَرّاكُش سنةَ سبعينَ وخمس مئة.
٧٩٧ - محمدُ بن عبد الله بن محمد بن سِرَاج الأمَويُّ، قُرطُبيٌّ .
стр. 1873
كان من أهل العِلم وجَوْدة الخَطِّ وجَلالةِ القَدْر، حيًّا سنةَ ثمانينَ وثلاث مئة.
٧٩٨ - محمدُ بن عبد الله بن محمد بن سَعِيد بن خَطّاب، أبو الحُسَين .
رَوى عن شُرَيْح، وكان بارعَ الخَطِّ متقِنَ الضَّبط.
٧٩٩ - محمدُ (١) بن عبد الله بن محمد بن عبدِ الله بن أحمدَ بن موسى الخُشنيُّ، مُرْسِيٌّ، أبو جعفر بنُ أبي جعفر.
رَوى عن أبيه الحافظ أبي محمد بن أبي جعفرٍ وتفَقَّه به، وتأدَّب بالعربيّة بأبي بكرٍ ابن الجَزّار، وأجاز له أبو الوليد ابنُ الدَّباغ ولقِيَه.
رَوى عنه أبو بكر بنُ أبي جَمْرةَ، وأبو محمدٍ هارونُ بن عاتٍ، وصَحِباه أعوامًا، وأبو عبد الله بن عبد السّلام الجَمَليّ، وأبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن طاهِر.
وكان فقيهًا حافظًا مُستبحِرًا في عِلم الرأي، حَسَنَ القيام على "المُدوَّنة"، يُلقي من حِفظِه مسائلَها، ذكيًّا جيِّد القريحة بارعَ الاستنباط، أصيلًا وجيهًا كاملَ المروءةِ مشهورَ الوفاء، رَصِينَ العقل جَزْلَ الرأي، أبيَّ النَّفْس سَرِيَّ الهمّة كريمَ الطَّبع، شديدَ التحريض على طلبِ العلم والترغيبِ فيه. كان أبو محمد القَلَنِّيُّ يُثني عليه ويقول: هو أفهمُ من أبيه.
وقال أبو محمد بنُ عاتٍ: كنتُ أيامَ دَرْسي عليه الفقهَ قد نزَلَ عليّ بعضُ مَعارفي من أهل شاطِبة، فشَغَلَني عن مطالعةِ دَوْلتي من "المدوَّنة"، فلمّا أصبَحْنا غَدَوْنا إلى الشّيخ فألقَى علينا المسائل، فأخطأَ الطّلبةُ في إيرادِ الجوابِ عنها حتى انتهَى إليّ فلم آتِ بالجواب على وجهِه، فألقَى الجُزءَ من يدِه وقام مُغضَبًا، قال أبو محمد بنُ عاتٍ: فاجتَزْتُ عليه وهُو في دِهْليز دارِه، فدعاني واشتَدَّ عليَّ في القولِ وقال: تركْتَ وطنك وأتيْتَ لطلبِ العلم ثم تُفرِّطُ ولا تجتهد؟ فاعتذَرْتُ له
стр. 1874
بضَيْفي الذي باتَ عندي، فقال: ما ينبغي لطالبِ العلم أن يَبِيتَ عندَه أحد، ولا أن يَبِيتَ عندَ أحد، ولا ينزِلَ عليه ضَيْف، ولا يشتغلَ بأحدٍ من مَعارفه، ولا يَصرِفَه شيءٌ عمّا هو بسبيله، فشكرتُه ونَفَعني نُصحُه، وما وقَعْتُ بعدُ في مثلِها.
ولم يكنْ له في حياةِ أبيه كبيرُ اجتهاد، فلمّا توفِّي أبوه وخَلَفَه في حلَقتِه كان كأفضلِ مَن أطال الاجتهادَ في الطّلب لذكائه وتوقُّد خاطرِه، ثم استُقضيَ ببلدِه عند خَلْع اللَّمْتُونيِّين، ثم قُلِّد رياستَه إلى ما والاهُ وعُدَّ من عملِه، فتقَلَّدها كارهًا، وكان يقول: لستُ لها بأهلٍ ولا تَصلُحُ لي، أريدُ أن أُمسِكَ الناسَ بعضَهم عن بعض حتى يجيءَ من يكونُ للأمرِ أهلًا.
وكان أوّلُ ظهورِه أنّ أباه أبا محمدٍ لمّا أُلزم أداءَ وظيفٍ كان الناسُ يؤدُّونَه على ضِياعِهم ورِباعِهم أَنِفَ من ذلك وأبى من أدائه، حتّى عُطِّلت عليه أملاكُه ومُنع من غَلّتِها، فكان يَختِمُ كلَّ يوم مجلسَه بالدُّعاء على الوالي الذي عَطَّلها عليه، ويُقسِمُ ألاّ يؤدِّيَ درهمَ مَغْرَمٍ بباطل أبدًا، فتوجَّه ابنُه أبو جعفرٍ هذا إلى القاضي أبي الوليد ابن رُشْد بقُرطبةَ طالبًا منه مُخاطبةَ أميرِ المسلمينَ بمَرّاكُش في ذلك؛ لِما اشتُهِرَ من مكانة أبي الوليدِ عندَ وُلاة الأمرِ اللَّمْتُونيِّين، واحترامِهم جانبَه وإجلالِهم إيّاه وقَبولِ شفاعاتِه، والوقوفِ عندَ آرائه وإشاراتِه، فكتَبَ له بما رَغِبَ فيه، وقَصدَ إلى مَرّاكُشَ وأنهى كتابَ القاضي أبي الوليد إلى أمير المسلمينَ، فكتَبَ له منشورَ تنويهٍ وإكرام، وكتَبَ إلى الوالي حينَئذٍ بمُرْسِيَةَ أنْ يَرفَعَ الطلبَ عنه بما ذَكَرَ، ويُحاشيَه من إلزام شيءٍ من تلك الوظائف، ولا يَعرِضَ له إلا بأحفلِ المَبرَّة، فأقبَلَ به، ولم يكنْ ذلك عن رأي أبيه ولا تعرَّض له، وإنّما كان ذلك امتعاضًا من أبي جعفرٍ هذا.
ولم يزَلْ أمرُه في الجلالةِ والظّهور يتَمادَى حتى انتهَتْ إليه رياسةُ بلدِه وأحوازِه كما ذُكِر، واستَصْرَخَه أهلُ غَرناطةَ فتلكَّأَ ثُم أجابَهم وفَصَلَ عن مُرْسِيَةَ لإحدى عشْرةَ ليلةً بقِيت من صَفَرِ أربعينَ وخمس مئة، فأقام بلُوْرْقةَ أيامًا، ثم بَلَغَ واديَ آش، فبولغَ في إكرامِه، ثم انتهَى إلى غَرْناطةَ فبرَزَ له اللَّمتُونيُّون، هذا قولُ
стр. 1875
السالمي، وقُتلَ أوّلَ عام أحدٍ وأربعينَ وخمس مئة بمقرُبة من غَرْناطةَ، وكان قد قَصَدَها في جيشٍ أزَيدَ من ألفِ فارس لأمرٍ اقتضَى ذلك، فهَزَموا جيشَه، وقُتِلَ هو وجماعةٌ معَه، وحُمِلت جُثّتُه إلى غَرْناطة فدُفنَ بها، ومَوْلدُه سنةَ خمسِ مئةٍ أو في حدودِها، وقيل: إنه لم يبلُغْ سِنُّه خمسًا وثلاثينَ سنةً، واللهُ أعلم.
٨٠٠ - محمدُ بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمدَ بن محمد بن عبد الله المَعافِريُّ، إشبِيليٌّ، أبو بكر، ابنُ العَرَبيّ .
رَوى عن جَدّه أبي بكرٍ ابن العَرَبيّ.
٨٠١ - محمدُ (١) بن عبد الله بن محمدِ بن عبد الله بن محمد بن عبد الملِك، غَرْناطيٌّ، أبو عبد الله، ابنُ الغاسِل.
وهُو ابنُ خالِ أبي عبد الله النُّمَيْريِّ. نَدَبَه ابنُ عمّتِه أبو عبد الله النُّمَيْريُّ هذا إلى طلبِ العلم، وحَرَّضَه على لقاءِ حَمَلتِه والأخْذِ عنهم، ورَحَلَ إلى بعضِهم فرَوى عن أبي إسحاقَ بن حُبَيْش، وآباءِ بكر: ابن بَرُنْجال وابن بِشْر وابن الخَلُوف وابن طاهِر وابن العَرَبيّ وابن فُورْتِش، وأبي جعفرٍ ابن الباذِش، وآباءِ الحَسَن: ابن الباذِش وابن ثابتٍ وابن لُبّ ومحمدٍ الوَزّان ويونُسَ بن مُغيث وشُرَيْح، وعليه اعتمَدَ في القراءات وأكثَرَ عنه من سَماع المصنَّفاتِ فيها، وأبوَيْ عبد الله: النُّمَيْريّ المذكور، وهو الذي علَّمه وأفادَه كما تقَدَّم، وجعفرٍ حفيدِ مكِّي، وأبوَي القاسم: ابن بَقِيّ وابن الفَرَس، وآباءِ محمد: ابن أيُّوبَ والنَّفْزيِّ المُرْسِيّ وعبد الحقّ بن عَطِيّةَ وأبي الوليد بن بَقْوةَ، سَمع على هؤلاءِ وقرَأَ وأجازوا له.
وأجاز له ولم يلْقَهُ: أبو إسحاقَ بنُ ثَبَات، وأبو بكرٍ الأَسَديُّ، وأبو بكر بن فَتْحُون، وأبَوا الحَسَن: ابن مَوْهَب وابن هُذَيْل، وآباءُ عبد الله: البُونْتيُّ والحَمْزيُّ وابن زُغَيْبةَ وابنُ عبد الرزّاق وابن عَفِيف وابن مَعْمَر وابن وَضّاح، وأبو القاسم
стр. 1876
ابنُ وَرْد، وأبَوا محمد: ابن السِّيْد وابن عَتّاب، وأبو مَرْوانَ الباجِيُّ، وأبَوا الوليد: ابنُ حَجّاج وابن طَرِيف.
وله شيوخٌ غيرَ من ذُكِر، ولا أعلمُ الآنَ كيفيّةَ روايته عنهم، منهم: أبو بكر بنُ الحَسَن بن بَرُنْجال، وأبَوا الحَسَن: طارقُ بن موسى وعبدُ الرّحمن بن عبد الله بن عَفِيف، وأبو عبد الله بنُ سُليمانَ البُونْتيُّ، وأبو الفَضْل عِيَاض، ومن أهلِ المشرِق: أبو الطاهرِ السِّلَفيُّ. حدَّث عنه بالإجازة أبو الحَسَن الفَهْميُّ الضَّرير.
وكان من جِلّة المُقرِئين وأئمّة المحدِّثين، حَسَنَ الخَطِّ متقِنَ الضَّبط، مشهورَ الفَضْل متينَ الدِّين معروفَ الصَّوْن والعفافِ والانقباض، أكتَبَ القرآنَ عُمُرَه إلى أن توفِّي ليلةَ الاثنينِ غُرّةَ جُمادى الأُخرى سنةَ سبع وسبعينَ وخمس مئة.
٨٠٢ - محمدُ (١) بن عبدِ الله بن محمد بن عبد الله بن مَسْلَمةَ بن أحمدَ بن محمد بن حَبَاسةَ الأَزْديُّ -كذا وقَفْتُ على نَسَبِه بخطِّه- شَرِيشيٌّ، أبو بكر وأبو عبد الله، وهي أشهرُهما.
رَوى عن أبيه، وأبي عبد الله بن خَليل. ورَحَلَ إلى المشرِق وحَجّ، ورَوى بالإسكندَريّة عن أبي الحُسَين يحيى بن أبي عبد الله الرّازي، وأبي طالبٍ التّنوخي، وأبوَي الطاهر: السِّلَفيِّ وابن عَوْف، وأبوَيْ عبد الله: الحَضْرَميِّ وابن عليٍّ الرَّحَبيِّ المقرئ، وأبوَي القاسم: عبد الرّحمن بن خَلَف بن محمد بن عَطِيّةَ التَّميميِّ وابن نَصْرون المؤذِّن ولعلّه التَّميميُّ المذكور (٢)؛ وأبي محمد الدِّيباجِيِّ؛ وقفَلَ إلى بلدِه بروايةٍ متّسِعة وفوائدَ جَمّة.
رَوى عنه أبو الحَسَن بنُ هشام الشَّريشيُّ، وأبو الخَطّاب بنُ الجُمَيّل، وأبو محمد بنُ يونُس الغافِقيُّ، وعليُّ بن محمد المُرادِيُّ، ومحمد بن عثمانَ، وعارَضَ معَه أبو بكر بنُ خَيْر "الأربعينَ حديثًا" للسِّلَفيِّ، وتوفِّي شهيدًا.
стр. 1877
٨٠٣ - محمدُ بن عبد الله بن محمد بن عبد الله الأنصاريُّ، بَلَنْسِيٌّ، البُونْتيُّ .
كان كاتبًا بارعَ الخَطِّ جيِّدَ التقييد، حيًّا بمَرّاكُشَ سنةَ ستٍّ وثمانينَ وخمس مئة.
٨٠٤ - محمدُ (١) بن أبي خالدٍ عبدِ الله بن محمد بن عبد الرّحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد بن إبراهيمَ بن محمد بن أبي زَمَنِين عدنانَ بن بَشِير بن كَثِير المُرِّيُّ.
كذا نقَلتُ نَسَبَهُ من خَطِّ صاحبِه المتحقّقِ به النَّسّابةِ أبي القاسم المَلّاحيِّ، وهُو غَرْناطيٌّ إِلبِيريُّ الأصل، أبو بكرِ وأبو عبد الله، وهي قليلةٌ.
ومحمدُ بن عبد الله بن عيسى المذكورُ في هذا النَّسَبِ هو القاضي أخو الفقيه الزاهدِ أبي عبد الله سمِّيَ به، ويُكْنَى أبا بكر، وقد تقَدَّم ذكْرُه في موضعِه من هذا المجموع (٢).
رَوى أبو بكر المترجَمُ به عن أبوَيْ إسحاق: ابنِ حُبَيْش وابن صَدَقةَ، وآباءِ بكر: ابن خَيْر وابن رِزْق، وانتَفَعَ بصُحبتهِ وطُولِ مُلازمتهِ، وابنِ العَرَبيِّ وابن مُحرِز، وآباءِ الحَسَن: شُرَيْح والزُّهْريّ وصالح بن عبد الملِك وابن الضَّحّاك، وأبي سُليمانَ داودَ بن يَزيدَ، وأبي عليٍّ الحَسَن بن عليّ الخُشَنيِّ، وأبي القاسم ابن بَشْكُوال، وأبوَيْ محمد: ابن مَوْجُوال والقاسم بن دَحْمانَ، وأبي مَرْوانَ بن قُزْمان.
وكتَبَ إليه أبو بكر بنُ نُمارةَ، وآباءُ الحَسَن: عبدُ الرّحيم بن قاسم الحِجَاريُّ وابن النِّعمة وابنُ هُذَيْل، وآباءُ عبد الله: ابنُ حَمِيد وابن الرّمامة وابنُ عبد الرزّاق وابن الفَوَس، وأبو العبّاس بنُ إدريسَ، وأبو العطاء بنُ نَذير، وأبو محمد عبدُ الحقِّ ابنُ الخَرّاط؛ ومن أهل المشرِق: من مكّةَ، شرَّفَها اللهُ: المُجاوِرانِ بها: أبو الحَسَن بن حَمُّود المِكْنَاسيُّ وأبو عليٍّ الحَسَنُ بن عليٍّ
стр. 1878
البَطَلْيَوْسيُّ، ومن الإسكندَريّة: أبو الطاهر السّلَفيُّ وابنُ عَوْف، وأبو محمدٍ العُثمانيُّ الدِّيباجيُّ، وغيرُهم.
ومن شيوخِه سوى مَن ذُكِر: آباءُ بكر: ابنُ أحمدَ بن نُمَارةَ وابنُ مُجاهد، وأظُنُّه أبا عبد الله ابنَ المُجاهد، ويحيى بنُ عبد الله بن عيسى، وآباءُ الحَسَن: ابنُ عُبَيد الله، وأظُنُّه الزَّوْقَ، وابنُ يحيى، وأظُنُّه الأطرَبيَّ، ومُخلصٌ، وآباءُ عبد الله: ابنُ الحَسَن الطَّرْسُوسيُّ وابنُ سَعِيد بن زَرْقُون وابنُ قاسم الهِلاليُّ، وأبو القاسم ابنُ حُبَيْش، وأبو العباس بن عبد الرّحمن، وأظُنُّه ابنَ مَضَاء، وأبو محمدٍ عبدُ السلام ابن أحمدَ التُّجِيبيُّ، وأظنُّه من أهلِ المشرقِ، وأبو علي حَسَنُ بن إبراهيمَ بن ثَبَات.
رَوى عنه أبَوا جعفر: الجَيّارُ وابنُ يوسُفَ ابن الدَّلال، وأبو الحَسَن ابنُ الجَنّان، وأبو الرَّبيع بنُ سالم، وأبو سُليمانَ بن حَوْطِ الله، وأبو عبد الله بنُ عبد الكريم الجُرَشيُّ، وأبو عُمرَ بن حَوْطِ الله، وأبو عَمْرو بنُ سالم، وأبو العبّاس المَوْرُوريُّ، وأبو القاسم المَلّاحيُّ، وآباءُ محمد: ابن الحَسَن ابنُ القُرطُبيِّ، ثم ترَكَه ولم يَذكُرْ لذلك علّةً، وابنا المُحمّدَيْن: ابنُ خَلَف بن اليُسْر والكَوّابُ، وأبو الوليد إسماعيلُ بن يحيى، وأبو يحيى بنُ عبد الرحيم.
وكان من أشدِّ الناس عِنايةً برواية الحديث وضَبْطِ الأسانيد، حَسَنَ الخَطِّ جيِّدَ الضَّبْط، فقيهًا بَصيرًا بالأحكام نافذًا فيها متقدّمًا في معرفتِها، مُشاركًا في فنونٍ من العلم، كاتبًا بارِعًا مُفوَّهًا فَصِيحًا، ذاكرًا تواريخَ من وَرَدَ الأندَلُس من العرَب قديمًا ومنازلَهم ومَراتبَهم وأخبارَهم، لا يُجارَى في ذلك، فصيحًا بليغًا يتكلَّمُ عندَ السّلاطين في محافلِ الوفود، حَسَنَ العِشْرةِ والمُلاقاة، وَلِيَ قضاءَ غَرناطةَ زمانًا ثم صُرِفَ عنها، واستُقضيَ بمالَقةَ، وشُهِرَ بالعَدْل والجَزالة وتمشِيةِ الحقّ، لا تأخُذُه في الله لَوْمةُ لائم.
وكان لا يُخبِرُ بمولدِه متى سُئلَ عنه إلى أنْ ألَحَّ عليه أحدُ طلبتهِ المختصِّينَ به في السُّؤال عن ذلك قبلَ وفاتِه بيسير، فقال: ليَ اثنانِ وسبعونَ عامًا، قال: وسمِعتُ أحدَ شيوخي يقول: ما سُئل أحدٌ عن مولدِه فكتَمَه ثم أخبَرَ به إلّا دَنَا
стр. 1879
أجَلُه، وأرى أجَلي قد حَضَر، واللهُ أعلم. وتوفِّي بغَرْناطةَ مصروفًا عن القضاءِ في الثُّلُثِ الأوّل من ليلةِ الجُمُعة الثالثة عشْرةَ من شهرِ ربيع الأوّل سنة ثِنْتينِ وست مئة، وقال أبو جعفرٍ ابنُ الزُّبَيْر: إنّ مولدَه سنةَ ثلاثٍ وثلاثينَ وخمس مئة، وحَكَاهُ أيضًا ابنُ الأبّار عن أبي جعفرٍ ابن الدَّلّال عن أبي القاسم ابن سَمَجُون، ويأبَى ذلك ما تقَدَّم من قولِه ووفاتِه، ويَظهَرُ أنّ مولدَه سنةَ ثلاثينَ، واللهُ أعلم.
٨٠٥ - محمدُ بن عبد الله بن محمدِ بن عبد الرّحمن بن محمد بن نَصْر، أبو الحَسَن .
حدَّث بالإجازةِ عن أبي محمد بن الحَسَن ابنِ القُرْطُبيّ.
٨٠٦ - محمدُ بن عبد الله بن محمد بن عليِّ بن أبي بكر بن خَمِيس الأنصاريُّ، أسطبونيٌّ نزَلَ الجزيرةَ الخَضْراءَ، أبو عبد الله، ابنُ خَمِيس .
نقَلتُ نَسَبَه من خطّه إلى الأنصاريّ (١)، ونَسَبَهُ أبو القاسم محمدُ بن عبد الرّحيم بن الطيِّب فقال فيه: محمدُ بن عبد الله بن محمد بن إبراهيمَ بن يحيى ابن يوسُفَ بن يحيى بن خَمِيسٍ الأنصاريُّ، وهو غَلَط.
رَوى عن قريبِه ابن عمِّ أبيه أبي عِمرانَ بن فَتْح بن خَمِيس، وأبي جعفرٍ ابن الفَحّام، وأبي عبد الله بن ثابِت، وأبي القاسم عبد الله بن يحيى بن أُبَيّ، وأبي موسى عِمرانَ السَّلَويّ.
رَوى عنه ابنُه أبو جعفرٍ، وأصحابُنا: قريبُه أبو بكر بنُ محمد القَللوسيُّ، وأبو إسحاقَ بن أحمدَ بن عليٍّ التّجِيبيُّ، وأبو عبد الله بنُ عُمر بن رُشَيْد؛ ولقِيتُه بالجزيرة الخَضْراء، وسمِعتُ منه بعضَ كلامِه، وأجاز لي ولمَن أدرَكَ حياتَه من وَلَدي، وأدرَكَها منهم محمدٌ وأحمد، كان اللهُ لهما.
стр. 1880
وكان حافظًا للفقه، حاضرَ الذِّكْر لجوابِ ما يُسألُ عنه من النّوازلِ فيه، دَمِثًا متواضِعًا حَسَنَ اللِّقاءِ ديِّنًا، ذا حظٍّ وافر من الأدب وقَرْض الشِّعر، بارعَ الخَطّ، أَمَّ طويلًا في الفريضة بالجامع الأعظم من الخَضْراء، وخَطَبَ فيه عَقِبَ وفاةِ خطيبِه أبي محمد بن موسى الرُّكَيْبيِّ بخُطبٍ كان يُنشئُها للجُمَع والأعياد، واستمرَّ على الإمامةِ والخَطابة إلى أن توفِّي، عَفَا اللهُ عنه، بعدَ وَهْنٍ، من ليلة السّبت الخامسةِ من صفَرِ (١) ثمانٍ وثمانينَ وست مئة بالجزيرة الخَضْراء، ودُفنَ عصرَ يوم السّبت المذكور بمقرُبةِ إلبِير التي على الطريق خارجَ بابِ المقبُرة، واحتَفلَ الناسُ لحضورِ جَنازته كثيرًا وأثنَوْا عليه صالحًا، وكان لذلك أهلاً، رحمةُ الله عليه. ومَوْلدُه -حسْبَما نقَلتُه من خطِّه- بأسطبونةَ عندَ الزّوال من يوم الأحد ثامنَ عشَرَ ذي قَعْدةِ ثلاثَ عشْرةَ وست مئة، بموافقة السادس والعشرينَ من فِبرَير، وانتَقلَ منها إلى الخَضْراءِ سنةَ خمس أو ستٍّ وثلاثينَ وست مئة.
٨٠٧ - محمدُ (٢) بن عبد الله بن محمد بن عليِّ بن عبد الله بن مَرْوانَ، لَبْليٌّ.
مَوْلدُه سنةَ سبع وخمسينَ وخمس مئة (٣)، لم يزِدْ في ذكْرِه ابنُ الأبّار على هذا، وذكَرَه أثناءَ مَن توفِّي بعدَ الأربعينَ وست مئة.
٨٠٨ - محمدُ بن عبد الله بن محمد بن عُمرَ القَيْسيُّ، ابنُ زُعَانَهْ، بضمِّ الزاي وعَيْنٍ غُفْل وألِف ونونٍ وهاءِ سَكْت .
٨٠٩ - محمدُ بن عبد الله بن محمد بن عيسى بن فُطَيْس، قُرطُبيٌّ، أبو عامر .
رَوى عن القاضي يونُسَ بن عبد الله، وكان منقبِضًا متخامِلًا جَوادًا بما يملِك، لا يتوجَّع لإنفاقِ ما وَجَد، وأدرَكَه آخِرَ عُمُرِه إقلالٌ، وكان أبو عبد الله
стр. 1881
ابنُ فَرَجٍ يقول: لم يبقَ بقُرطُبةَ ولا بغيرِها مَن سَمِع معي "الموطَّأَ" على القاضي يونُسَ ابن عبد الله غيرَ أبي عامر بن فُطَيْس. وتوفِّي تحتَ سَتْرٍ وصيانةٍ، ﵀، ليلةَ الأحد الرابعةَ أو الخامسةَ من ذي القَعْدة سنةَ إحدى وتسعينَ وأربع مئة، ودُفنَ بعدَ صلاة العصر من يوم الأحدِ المذكور في صَحْن مسجدِهم من محَلّتِهم برَبَض شِبْلار (١).
٨١٠ - محمدُ بن عبد الله بن محمد بن لُبّ القَيْسيُّ، أبو عبد الله .
رَوى عن أبوَيْ بكر: ابن زَيْدونَ وابن طاهرٍ المحدِّث، وأبي الحَسَن شُرَيْح.
٨١١ - محمدُ بن عبد الله بن محمد بن اللَّيث بن حَرِيش العَبْدَريُّ، قُرطُبيٌّ، أبو بكر .
كان من أهل العلم، حيًّا سنةَ ثلاثٍ وتسعينَ وأربع مئة.
٨١٢ - محمدُ (٢) بن عبد الله بن محمدِ بن عليّ بن مُفرِّج بن سَهْل الأنصاريُّ، بَلَنْسِيٌّ، أبو عبد الله، ابنُ غَطُّوْس، بغَيْن معجَم مفتوح وطاءٍ غُفْل مشدَّد وواوِ مدّ وسينٍ غُفْل.
رَوى عن أبي الحَسَن بن هُذَيْل، أخَذَ عنه أبو عبد الله بنُ الأبار بعضَ مرسُوم الخَطّ، وكان مُنقطِعًا إلى كتابةِ المصاحف، متقدِّمًا في بَراعةِ خَطِّها، إمامًا في جَوْدة ضَبْطِها، على غَفْلةٍ كانت فيه، وممّا شاع أنهُ نَسَخَ من كتابِ الله ألفَ نُسخة، وأنّ ذلك عن قَسَمٍ أنْ لا يَخُطَّ حرفًا من غيره تقرُّبًا إلى الله وتنزيهًا
стр. 1882
لتنزيلِه أن يَخلِطَه بسِواه، فسُعِدَ بالإعانة على بِرِّ هذا القَسَم، ودَأَبَ على هذا العمل المبرور عُمُرَه، وتنافَسَ الناسُ على طبقاتهم: الملوكُ فمَن دونَهم، فيما يوجَدُ من خطِّه، وخَلَفَ في ذلك أباه وأخاه، وكانوا كلُّهم آيةً من آياتِ الله في إتقانِ هذه الصَّنعةِ المباركة، إلى ما كان عليه من الانقباضِ عن الناس، والصّلاح والخَيْر.
وتوفِّي في حدودِ عشْرٍ وست مئة.
٨١٣ - محمدُ بن عبد الله بن مُحرِز (١)، قُرطُبيٌّ.
كان من أهل العلم والعدالة، حيًّا سنةَ خمس وعشرينَ وأربع مئة.
٨١٤ - محمدُ بن عبد الله بن محمد بن النّدا، قُرطُبيٌّ .
كان من أهل العلم، مُبرِّزًا في العدالة، حيًّا سنةَ إحدى وخمسينَ وأربع مئة.
٨١٥ - محمدُ (٢) بن عبد الله بن محمد بن وَقّاص اللَّمَطيُّ، مَيُورْقيٌّ.
رَوى بالأندَلُس عن أبي جعفرٍ عبد الرّحمن بن القَصِير، وله رحلةٌ حَجَّ فيها، وسَمِعَ من آباءِ الطاهر: الإسماعيلَيْنِ: ابنِ عُمرَ القُرَشيِّ الأندَلُسيِّ وابن عَوْف، وبَرَكاتٍ الخُشُوعيِّ، وأبي عبد الله المَسْعوديِّ. وقَفَلَ إلى بلدِه، وتوَلَّى الصلاةَ والخُطبَة بجامعِه، وخَطَبَ أيضًا بالعُدوة للأمير أبي زكريّا يحيى بن إسحاقَ أيامَ ظهورِه بها، وكان خَطيبًا مِصقَعًا، ذا حظٍّ نَزْرٍ من قَرْض الشِّعر.
توفِّي سنةَ ثمانٍ وست مئةٍ أو نحوِها.
٨١٦ - محمدُ بن عبد الله بن محمد بن يوسُفَ بن مُنعِم اللَّخْميُّ، أبو عبد الله الصَّبّاغُ (٣)، بَسْطيُّ الأصل، انتَقلَ أبوه منها، نشَأَ بغَرْناطةِ.
стр. 1883
رَوى عن أبي بكر بن أبي زَمَنينَ وأطال مُلازمَته وانتفَعَ به، وأبي سُليمانَ بن يَزيدَ، وأبي عبد الله بن عَرُوس، وأبي القاسم المَلّاحيِّ، وأبي محمدٍ عبد المُنعم ابن الفَرَس، وصَحِبَ القاضيَ أبا إسحاقَ البَلَّفِيقيَّ وانتفَعَ بصُحبتِه ولازَمَه إلى أن توفِّي.
وكان فقيهًا عارفًا عاقِدًا للشُّروطِ بارعًا في إتقانِها، أحْكَمَ صِناعتَها عندَ أبي بكر بن أبي زَمَنِين، وكان حَسَن الضَّبط سَهْلَ الكتابة مائلًا إلى الاختصار فيها، معَ إجادةِ توفِيةِ المعاني، ذا معرفةٍ بالنَّحو والأدب، مائلًا إلى التصوُّف، حَسَنَ الخُلقُ ذا مُروّةٍ وكرَم نَفْس. توفّي بإشبيلِيَةَ يومَ الجُمُعة لأربعَ عشْرةَ ليلةً بقِيَتْ من ذي قَعْدةِ سنةِ ستَّ عشْرةَ وست مئة وقد بَلَغَ ستةً وستينَ عامًا.
٨١٧ - محمدُ بن عبد الله بن محمد الجُذَاميُّ، شَلْطيشيٌّ سكَنَ مالَقة، أبو عبد الله .
كان فقيهًا حافظًا ذاكِرًا للمسائل ضابِطًا لقوانينِها، دَرَّسها بجامع مالَقةَ الأعظم، وكان نَزِهًا حَسَنَ السَّمت قَويمَ الهَدْي، رَكِبَ البحرَ منتقلًا عن مالَقةَ فاستُشهدَ غَرَقًا, ولفَظَه البَحْرُ بساحلِ مالَقةَ بعدَ يوم أو يومينِ من ركوبِه إياه، لثمانٍ خَلَوْنَ من صَفَرِ أربع وثلاثينَ وست مئة.
٨١٨ - محمدُ بن عبد الله بن محمد الخَوْلانيُّ .
رَوى عن شُرَيْح.
٨١٩ - محمدُ (١) بن عبد الله بن محمد القَحْطانيُّ، قُرطُبيٌّ سكَنَ تونُس، أبو عبد الله، ابنُ أبي دَرَقة.
رَوى عن أبي عبد الله ابن الرّمامة. رَوى عنه أبو عبد الله بن عيسى ابن المُناصِف؛ وكان فقيهًا جَليلاً، واستُقضيَ بتونُس. وتوفِّي في ذي الحجّة من سنة خمسٍ وتسعينَ وخمس مئة.
стр. 1884
٨٢٠ - محمدُ بن عبد الله بن محمدٍ الكُتَاميُّ، إشبِيليٌّ، أبو بكر، ابنُ مَغْنِين .
رَوى عن أبي عَمْرٍو عَيّاشِ بن محمد بن عبد الرّحمن بن عَظِيمةَ.
٨٢١ - محمدُ بن عبد الله بن محمد الكَلْبيُّ، مَوْرُوريٌّ سَكَنَ إشبيلِيَةَ .
رَوى عن أبي بكرٍ البِرْزَاليِّ واختَصَّ به، وأبي الحَسَن شُرَيْح.
٨٢٢ - محمدُ (١) بن عبد الله بن محمد المَذْحِجيُّ، أبو عبد الله، ابنُ الرّاهِب.
رَوى عن أبي عبد الله بن نَصْر الرُّنْديِّ، حدَّث بمربلةَ: من عملِ مالَقةَ، في حدودِ الخمسينَ وخمس مئة.
٨٢٣ - محمدُ بن عبد الله بن محمد، إشبيليٌّ, ابن الضِّرس .
رَوى عن شُرَيْح.
٨٢٤ - محمدُ بن عبد الله بن محمد، أبو الحَسَن البُشْكُلاريُّ .
رَوى عن أبي الوليد الباجِيّ.
٨٢٥ - محمدُ (٢) بن عبد الله بن محمد البُشْكُلاريُّ.
كان وَرّاقًا بارعَ الخَطّ، انتَسَخَ كثيرًا لإقبالِ الدّولة أبي الحَسَن ابن المُوفَّق مجاهد، وكان حيًّا سنةَ ستٍّ وخمسينَ وأربع مئة.
٨٢٦ - محمدُ بن عبد الله بن محمد، ابنُ الحَذّاء .
رَوى عن أبي محمد بن هارون، لقِيَه بسَرَقُسْطة.
٨٢٧ - محمدُ بن عبد الله بن محمد القاصرشيُّ .
رَوى عن شُرَيْح.
٨٢٨ - محمدُ بن عبد الله بن محمودٍ الأمويُّ، قُرطُبيٌّ .
كان من أهل العلم، مُبرِّزًا في العدالة، حيًّا سنةَ ثلاثٍ وتسعينَ وثلاث مئة.
стр. 1885
٨٢٩ - محمدُ (١) بن عبد الله بن مُرشِد مولى ابنِ طُمْلُس الوزير، قُرطُبيٌّ، أبو القاسم.
كان جامعًا لكثر من فنونِ العلم، متقدِّمًا في صَنْعه الكتابة، حَسَنَ المشارَكة في الرِّياضات، ذاكرًا للآداب، حافظًا للأشعارِ والأخبار، حاضرَ الذِّكْر لها.
مَوْلدُه سنةَ ستٍّ وخمسينَ وثلاث مئة، وتوفِّي للنِّصفِ من ذي حجّةِ سنة ثمانٍ وأربعينَ وأربع مئة.
٨٣٠ - محمدُ بن عبد الله بن مَرْغوب، قُرطُبيٌّ .
رَوى عن أبي عبد الله بن سُليمانَ ابن الحَنّاطِ واختَصَّ به، رَوى عنه عبدُ البَرِّ صاحبُ أبي شبيث (٢).
٨٣١ - محمدُ بن عبد الله بن مَسْعود بن عُمرَ المَعافِريُّ، أبو بكر .
رَوى عن أبي الحَسَن يونُسَ بن مُغيث، وأبي القاسم أحمدَ بن محمدِ بن بَقِيّ.
٨٣٢ - محمدُ بن عبد الله بن مُعاويةَ اللَّخْميُّ، أبو عبد الله .
رَوى عن شُرَيْح.
٨٣٣ - محمدُ (٣) بن عبد الله بن مُفوَّز بن غَفُول بن عبد رّبه بن صَوَابِ بن مُدرِك بن سَلَام بن جعفرِ, لداخِل إلى الأندَلُس، المَعافِريُّ، شاطِبيٌّ، أبو عبد الله.
رَحَلَ إلى قُرطُبةَ فأقام بها مُدّةً؛ فلذلك غَلِطَ فيه أبو القاسم ابنُ بَشْكُوالَ فجعَلَه من أهلِها. رَوى عن أبي الحَزْم وَهْب بن مسَرّةَ وأكثَرَ عنهُ ولازَمَه واختَصَّ
стр. 1886
به، ولمّا أراد وَداعَه منصرِفًا عنه قال له: أوْصِني، قال: أوصيكَ بتقوى الله العظيم، وحِزْبِك (١) من القرآن، وبِرِّ الوالدَيْن.
ثُم رَحَلَ إلى المشرِق حاجًّا، فأخَذَ بالقَيْروانِ عن أبي العبّاس بن أبي العَرَب وغيره، ثم قَفَلَ إلى بلدِه فكان مُنقطعَ القَرين في الزُّهدِ والعبادة، متقلِّلًا من الدُّنيا، كثيرَ الصَّوم والصلاة، دَؤوبًا على التلاوة وذكْرِ الله تعالى، مُجابَ الدّعوة، قد اشتُهِرَ بذلك وعُرِف به.
توفِّي سنةَ عَشْرٍ أو أوّل إحدى عشْرةَ وأربع مئةٍ وقد قارَبَ المئة، وكانت جَنازتُه مشهودةً احتَفلَ لها الناسُ كثيرًا.
٨٣٤ - محمدُ بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن موسى، أبو الحَسَن .
رَوى عن أبي بحر بن العاص، وأبي محمد بن عَتّاب.
٨٣٥ - محمدُ بن عبد الله بن موسى بن نِزَارٍ الأمويُّ، قُرْطُبيٌّ .
كان فقيهًا عاقدًا للشُّروط بَصيرًا بعِلَلِها، مُبِرِّزًا في العدالة، حيًّا سنةَ تسع وعشرينَ وأربع مئة.
٨٣٦ - محمدُ (٢) بن عبد الله بن مَيْمونِ بن إدريسَ بن محمد بن عبد الله العَبْدَريُّ، قُرْطُبيٌّ استَوطَنَ مَرّاكُشَ، أبو بكر، ابنُ مَيْمون.
رَوى عن أبي بكرِ ابن العَرَبيّ، وآباءِ الحَسَن: شُرَيْح وعبد الرحمن بن بَقِيّ وابن الباذِش ويونُسَ بن مُغيث، وأبي عبد الله ابن الحاجّ، وأبي محمد بن عَتّاب، وأبي الوليد ابن رُشْدٍ ولازَمَه عشْرَ سنين، قرَأَ عليهم وسَمعَ وأجازوا له.
стр. 1887
وسَمع أبا بحرٍ الأَسَديَّ، وأبوَيْ بكر: عَيّاشَ بن عبد الملِك وابنَ أبي رُكَب، وأبا جعفرٍ ابنَ شانْجُه وأبا الحَسَن عبدَ الجليل، وآباء عبد الله: ابن خَلَف ابن الإِلبِيريِّ وابنَ المُناصِف وابنَ أُختِ غانم، ولم يَذكُرْ أنّهم أجازوا له. ورَوى أيضًا عن أبوَيْ عبد الله: جعفرٍ حفيدِ مكِّي وابن مَعْمَر، وأبي الوليد بن طَريف.
رَوى عنه أبو البقاءِ يَعيشُ ابنُ القديم، وأبو الحَسَن بن مُؤْمن، وأبو زكريّا المَرْجيقيُّ وأبو يحيى أبو بكرٍ (١) الضَّرير، واختَصَّ به.
وكان عالمًا بالقراءات، ذاكرًا للتفسير، حافظًا للفقهِ واللُّغةِ والآداب، شاعرًا مُحسِنًا، كاتبًا بليغًا، مُبرِّزًا في النَّحو، جميلَ العِشرةِ حسَنَ الخُلُق متواضِعًا، فكِهَ المحاضرة طَريفَ الدُّعابة، وصنَّف في غير فَنّ من العلم، وكلامُه نظمًا ونثرًا كثير مُدوَّن.
ومن مصنَّفاتِه: "مَشاحذُ الأفكار في مآخِذ النُّظّار"، وشَرْحاه: الكبيرُ والصَّغير على "جُمَل" الزَّجّاجي، و"شَرْحُ أبياتِ الإيضاح العَضُديّ"، و"مقاماتِ الحَرِيريّ"، و"شَرْحُ مُعشَّراتِه الغَزَليّة ومُكفِّرتِها الزُّهْديّة"، إلى غيرِ ذلك، وكلُّه مما أبانَ به عن وُفورِ علمِه، وغَزارة مادّتِه، واتّساع معارِفِه، وحُسن تصرُّفِه.
واستُقضيَ بمنتورَ: من عمل قُرطُبة، فحُمِدت سِيرتُه، ثم صُرِف عن ذلك، وآثَرَ التحوُّلَ إلى مَرّاكُش، وانتَصبَ لتدريسِ ما كان يَنتحلُه من فنونِ العلم، فقَلَّ مَن لم يأخُذْ عنه من طلبة العلم بها، وكان بنو عبد المُؤْمن وأتباعُه يتنافَسُونَ في القراءةِ عليه، ويتباهَوْنَ في إجزالِ أياديه، وكان يَحضُرُ مجلسَ عبد المُؤمن معَ أكابرِ من يَحضُرُه من العلماء فيَشِفُّ على أكثرِهم بما كان عليه من التحقُّق بالمعارف، إلى أن أنشَدَ عبدَ المُؤْمن أبياتًا كان قد نَظَمَها في أبي القاسم عبد المُنعم ابن محمد ابن تيسيتَ المذكورِ في مَوْضعِه من هذا الكتاب، وهي [من المتقارب]:
стр. 1888
أبا قاسمٍ والهوى جِنَّةٌ ... وها أنا من مَسِّها لم أُفِقْ
تقَّحمتَ جاحمَ نارِ الضُّلوعِ ... كما خُضتَ بحرَ دموعِ الحَدَقْ
أكنتَ الخليلَ أكنتَ الكليمَ ... أمِنتَ الحريقَ أمنتَ الغَرَقْ
فهجَرَه عبدُ المُؤمن، ومنَعَه من الحضورِ بمجلِسه، وصَرَفَ بَنيهِ عنِ القراءةِ عليه، وسَرَى ذلك في أكثرِ من كان يقرأُ عليه ويتردَّدُ إليه، على أنه كان في المرتبةِ العُليا من الطّهارةِ والعفافِ والذّكاء.
وفي أبي القاسم هذا، وكان أزرقَ، يقولُ وقد دَخَلَ عليه ومعَه أبو عبد الله بنُ أحمدَ بن محمد الشاطِبيُّ وأبو عثمانَ سعيدُ بن قوشترةَ المذكورانِ في موضِعَيْهِما من هذا "المجموع"، فقال ابنُ قوشترةَ [الكامل]:
عابوهُ بالزَّرَقِ الذي بجفونهِ ... والماءُ أَزرقُ والسِّنانُ كذلكا
فقال أبو عبدُ الله الشاطِبيُّ:
الماءُ يُهدي للنفوسِ حياتَها ... والرُّمحُ يَشرَعُ للمنونِ مَسالِكا
فقال أبو بكر بنُ مَيْمون:
وكذالثاني أجفانِه سبَبُ الرَّدى ... ولقد أرى طِيبَ الحياةِ هنالكا
وله في أبي القاسم هذا مُقَطَّعات غَزَليّةٌ كثيرة حُفِظت عنه وتناقَلَها الناسُ.
ومما استفاضَ من شعرِه: قولُه في صِباه [الكامل]:
لا تكترِثْ بفِراقِ أوطانِ الصِّبا ... فعسَى تنالُ بغرهنَّ سعودا
فالدُّرُّ يُنظَمُ عند فَقْدِ بحارِهِ ... بجميلِ أجيادِ الحِسانِ عقودا
وقال: أنشَدتُهما شَيْخيَ الأديبَ الكاتب أبا جعفر بنَ شانْجُهْ، فقال: والله يا بُنيّ لقد غُصْتَ في بحرِ الأدب فاختَرْتَ منه دُرّةً نفيسة.
стр. 1889
قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: معنى هذا البيتِ الأخير قد تداوَلَه الناسُ كثيرًا قديمًا وحديثًا، فلأبي الثناءِ حَمّادِ بن هبة الله الحَرّانيِّ [البسيط]:
قالوا: ترحَّلتَ عن دارٍ نشَأْتَ بها ... وليس للمرءِ إلّا دارُهُ شرَفُ
قلتُ: انظُروا الدُّرَّ في التِّيجانِ موضعُهُ ... لمّا تفتَّح من مكنونِهِ الصَّدَفُ
أنشَدتُهما على شيخِنا الراوِية الحافظ أبي عليٍّ الحَسَن بن عليّ الماقَريِّ عن أبي [....] (١) فيما أُذِنَ له فيه عن قائلِهما، وأنشَدتُ على شيخِنا أبي الحَسَن الرُّعَيْنيِّ لنفسِه [البسيط]:
فارِقْ ولا تَغْنَ بالأوطانِ تَعمُرُها ... ففي سواها تنالُ العزَّ والشَّرَفا
فالدُّرُّ لم يَعْلُ أجيادَ الحِسانِ ولا ... زانَ التّرائبَ حتى فارَقَ الصَّدَفا
وفيما أوردتُه من هذا كفاية، إذِ الإطالةُ في مثلِه تُخْرِج عن مقصودِ الكتاب، وله موضعٌ آخرُ، وإنّما اورِدُ من هذا وأشباهِه ما أورِد، لِما جُبِلَتْ عليه النفوسُ الزَّكيّة من المَيْل إلى هذه الطريقة الأدبيّة، إلى ما فيه من إجمامِها خوفَ الإملال، وإصلاحِها في تصريفها بالنَّقْل من حالٍ إلى حال.
ومن مشهورِ شعرِ الأستاذِ أبي بكر بن مَيْمونٍ: قولُه، نفَعَه اللهُ [الطويل]:
توسَّلتُ يا ربِّي بأنّيَ مؤمنٌ ... وما قلتُ: إنّي سامعٌ ومطيعُ
أيصْلَى بَحرِّ النارِ عاصٍ موحِّدٌ ... وأنت كريمٌ والرسُولُ شفيعُ؟!
وذيَّلَها بعضُ الأُدباء، فقال [الطويل]:
ومن يتَشفَّعْ بالنبيِّ محمدٍ ... عليه صلاةُ الله، كيف يَضيعُ؟!
شفاعتُه مقبولةٌ ومحلُّهُ ... لدى ربِّهِ في الأنبياءِ رفيعُ
стр. 1890
ولي بصريحِ الحُبِّ فيه وسيلةٌ ... بها جانبي مما أَخافُ منيعُ
وحُبِّ ضجيعَيْه بتُربةِ طَيبةٍ ... فلله مدفونٌ بها وضجيعُ
فيا ربِّ سوِّغْني رضاكَ بحبِّهمْ ... فأنت مُجيبٌ للدعاءِ سميعُ
وقولُه، وحضَرَتْه الوفاة، وآنسَه بعضُ أصحابِه بترَجِّي الشّفاءِ من مرَضِه وإطالةِ عُمُرِه [مخلع البسيط]:
أيرتجي الخُلْدَ مَنْ عليهِ ... دلائلٌ للرَّدى جَليّهْ
أوّلُه مُخبِرٌ بثانٍ ... ذاك مَنِيّ وذي مَنِيّهْ؟!
وقد قال في هذا المعنى الباخَرْزِيّ [الوافر]:
أرى أَولادَ آدمَ أطَرتْهم ... حُظوظُهمُ من الدُّنيا الدَّنِيّهْ
فلِمْ بَطِروا وأوّلُهمْ مَنِيٌّ ... إذا نُسِبوا وآخِرُهم مَنيَّهْ؟!
توفِّي الأستاذُ أبو بكر بنُ مَيْمونِ، عفَا اللهُ عنه، على خير عمل بمَرّاكُشَ يومَ الثلاثاءِ لاثنتَيْ عشْرةَ ليلةَ بقِيت من جُمادى الآخِرة سنةَ سبع وستينَ وخمس مئة، ودُفن بمقبُرة باب تاغزوتَ داخلَ مَرّاكُشَ وقد قارَبَ السّبعينَ أو بَلَغَها.
٨٣٧ - محمدُ بن عبد الله بن هارونَ بن عُمر .
له إجازةٌ من أبي العبّاس العُذْريّ.
٨٣٨ - محمدُ بن عبد الله بن هارون .
رَوى عن أبي مَرْوانَ عبدِ العزيز الباجِيِّ.
٨٣٩ - محمدُ بن عبد الله بن يَبْقَى بن عِصام .
رَوى عن أبي عليّ بن سُكّرة.
стр. 1891
٨٤٠ - محمدُ (١) بن عبد الله بن يحيى بن فَرْح بن الجَدِّ الفِهْريٌّ، إشبيليٌّ لَبْليُّ أصلِ السَّلَف، أبو بكر، ابنُ الجَدّ، بجيم مفتوح وقال، وفَرْحٌ في نَسَبِه: بفاءٍ مفتوح وراءٍ ساكن وحاءٍ غُفْل.
أخَذَ العربيّةَ والآدابَ واللُّغاتِ عن أبي الحَسَن بن الأخضَر، وسَمع الحديثَ على أبوَي القاسم: ابن منظور الهَوْزَنيِّ وأبي محمد بن عَتّاب، ولقِيَ أبا بحرٍ وشُرَيْحَا، ومالكَ بن وُهِيْبٍ واختَصَّ به، وأبوي الوليد: ابن رُشْد -وناوَلَه من مصنَّفاتِه: "البيانَ والتحصيل في شَرْح العُتْبِيّة" و"المقدِّماتِ على مسائل المُدوَّنة"- وابنَ طَرِيف، وأجازوا له. وجالَسَ أبا بكرٍ ابن العَرَبيّ، وأبا القاسم الزَّنْجانيَّ، وأبا مَرْوانَ الباجِيَّ.
رَوى عنه أبو إسحاقَ بن عبد الله بن قَسُّوم، وآباءُ بكر: ابنُ أحمدَ بن كَبير وابنُ طلحةَ وابنُ أبي العبّاس بن خَليل وابنُ قَنْتَرال، وأبو جعفرٍ ابنُ السَّرّاج، وأَبو الحَسَن بن قُطْرال، وأبَوا الحَسَن: ابنُ عَظِيمةَ وهَمّامُ بن إبراهيم، وأبو الخَطّاب عُمرُ بن الجُمَيِّل، وأبو ذَرّ بن أبي رُكَب، وأبو الرَّبيع بن سالم، وأبو زَيْد بن خليل، وأبو سُليمانَ بن حَوْطِ الله، وأبو عبد الله بن خَلْفُون، وأبَوا العبّاس: ابنُ خَليل وابن الرُّوميّة، وأبو عليٍّ ابن الشَّلَوْبِين، وأبو عَمْرو بن غَيّاث، وآباءُ القاسم: ابنُ عبد الرّحيم بن إبراهيمَ ابن الفَرَس وابنُ المَلْجوم وابن يحيى بن حَكَم، وآباءُ محمد: ابن جُمهُور وابنُ حَوْطِ الله وابنُ القُرطُبيِّ وعبدُ الحقِّ بن إبراهيم، وأبو مَرْوانَ الباجِيُّ الخَطيبُ الحاجُّ وعبدُ الرّحمن بن يحيى بن عبد الرّحمن ابن حَكَم، وغيرُهم لا يُحصَوْنَ كثْرةً، وقد جَرَى ذكْرُ أكثرِهم في هذا الكتاب.
стр. 1892
وكان فقيهًا حافظًا، نَحْويًّا بارعًا، خَطيبًا مُفوَّهًا بليغًا، وكان أوّلَ طلبِه مائلًا إلى العربية راغبًا في الاقتصارِ عليها والتدريس لها, ولمّا رأى شيخُه أبو عبد الله مالكُ ابن وُهَيْب نفوذَه وإدراكَه وتحقّقَه بالنَّحو رَغَّبَهُ في الإكباب على العلوم الشَّرعية، وكذلك حَرَّضَه عليها أبو الوليد ابنُ رُشْد، فأقبَلَ على دَرْس فروع المذهبِ المالكيِّ، واشتَدَّت عنايتُه به حتى اتَّسعَ حِفظُه، وتُحُدِّثَ عنه بأشياءَ غريبةٍ في ذلك.
وقال فيه أبو القاسم ابنُ المَلْجوم -وقد ذكَرَه في شيوخه-: حافظُ أهل المغربِ غيرَ مُدافَع، بحرٌ يَغرِفُ من محيط. وكان الحاجُّ أبو بكر بنُ عليّ يقول: هو أحفَظُ منَ ابن القاسم صاحبِ مالك؛ وقال أبو محمد طلحةُ: سألتُ أبي عنه فقال: هو البَحْر.
وقُدِّم للشُّورى والفُتْيا معَ أبي بكرٍ ابن العَرَبيّ ونُظَرائه بإشبيلِيَةَ، وأبو القاسم بن وَرْد قاضٍ بها، سنةَ إحدى وعشرينَ وخمس مئة. ولم يُعْنَ بالتأليف على استبحارِ حِفظِه واضطلاعِه بالتحقُّق، والإشرافِ على الرَّقائق والخِلاف، ما خلا كتابًا مختصَرًا في الزّكاة أملاهُ في صِغَرِه (١).
ويُذكَرُ من حفظِهِ: أنه ما طالعَ شيئًا فما إلا حَفِظَه، ولا حَفِظَ شيئًا فنَسِيَه، وقال أبو الحُسَين بن زَرْقُون: ذكَرْتُ يومًا بمحضَرِه مسألةً من الفقه فقال لي: أين رأيتَها؟ فقلت: في كتاب "عُيون الأدلّة" لإبن القَصّار، تنقيح أبي محمدٍ عبد الوهّاب، فقال: ما رأيتُه قَطُّ، سُقْهُ إليّ حتى أراه، فحمَلتُه إليه ومَكَثَ عندَه ليلةً أو ليلتَيْن، ثم صَرَفَه إليّ، وبقِيَ بقيّةَ عُمرِه إذا أورَدَ المسائلَ وذكَرَ الأقوالَ ونَسَبَها على عادتِه يرُدُّ رأسَه إليّ متى حضَرتُ، ويقول لي: وقال صاحبُ كتابِك، هكذا في كلِّ الأحيان ما أُنسِي شيئًا منهُ بعدُ.
وكان معَ اتّساع حِفظِه للفروع، وحضورِ ذكْرِه لها، واقتدارِه على جميع مُفترِقاتِ الأقوالِ في المسائل، وبَصَرِه بالفَتْوى في مُعضِلاتِ النّوازل، ذاكرًا للآدابِ
стр. 1893
واللُّغاتِ والأنساب، تأريخيًّا حاضرَ الذِّكْر معَ الكَبْرة، متوقِّدَ الخاطِر سديدَ النظَر حارَّ التندير، عارفًا بأخبارِ أهل الأندَلُسِ عمومًا وبأخبارِ أهل بلدِه خصوصًا؛ وشاهَدَ عجائبَ من حوادثِ الدّولة اللَّمْتُونيّة وأحوالِها، فكان يَأثُرُها ويُجيدُ مَساقَها، وكان خَطيبًا عند ملوكِ عصرِه من اللَّمْتُونيِّينَ والمُؤْمنيِّين، وإن كان قد نالَتْه مِحنةٌ في كائنةِ لَبْلة، فقيِّد وسُجن ثم سُرِّح، وعرَفَه أبو يعقوبَ بنُ عبد المُؤْمن أيامَ إمارتِه بإشبيلِيَةَ، فكان يَبَرُّه ويُكرمُه وَيعرِفُ حقَّه ويؤْثرُه على غيره من طلبةِ مجلسِهِ، ثم استدعاهُ إلى مَرّاكُشَ لمّا صار الأمرُ إليه، فحَظِيَ عندَه وعَظُمَ جاهُه وأثْرى واتّسعت أحوالُه، وكان يُصغي إلى حديثِه ويَستحسنُ كلامَه وَيستطرفُ ما يأتي به في جميع ما يَشفَعُ فيه من أمورِ أهل بلدِه وسواهم، واستمرَّت كذلك حالُه عندَه في ترقِّي الرُّتبة ونَماءِ الحُظْوة إلى أن توفِّي أبو يعقوبَ وخَلَفَه ابنُه المنصُور، فزادت حُظْوتُه لديه وإحسانُه إليه وإجلالُه إياه.
وهَمَّ المنصورُ وهُو بإشبيلِيَةَ بانتزاع الأملاكِ التي بأيدي أهلِها بإقطاع أبيه وجَدِّه إيّاها لهم، وتقَدَّم إليهم في إحضارِ الصُّكوك التي تَسوَّغُوها بها، فاشتَدَّ قلقُهم لذلك، واستَشْعَروا خَلَلَ أحوالِهم؛ إذْ كانوا كلُّهم أو أكثرُهم قد عُنيَ بما صار إليه منها، فشَيَّدوا المبانيَ وأحكموا الغِراسات، ومنهم من صارت لهُ إرثًا عن بعض سَلَفِه، فقَصَدوا الحافظَ أبا بكرٍ ابنَ الجَدّ ورَغِبوا منه النظَر في دَفْع هذه النازِلة عنهم، فأشار عليهم بإحضارِ مَناشيرِهم بذلك، وجَمْعِها عندَه، والتفويضِ إليه في أمرِها، فبعضُهم وثقَ برأيِه وعمِل على إشارته، وبعضُهم توقَّف ولم يثقْ بباطن الحافظ، ثم أجمَعوا على التّسليم إليه فيما رآه، ودَفَعوا إليه صُكوكَهم -وكانت كثيرةً- فحَمَلَها من الغدِ إلى مجلس المنصُور للنّظَر في ذلك، فاستَدعى المنصُورُ تلك المكتوباتِ يتصفَّحُها أو تُتصفَّحُ بين يدَيْه، فوَضَعَها الحافظُ أمامَه، ثم قال المنصورُ مُستفهِمًا ابنَ الجَدّ والحاضِرينَ من أهل العلم: هل يجوزُ للإمام نَقْضُ حُكم مَن تقَدَّمَه من الأئمّة؟ فتوقَّف الفقهاءُ عنِ الجواب قليلاً، فأشار على الحافظ بالإجابة، فقال له: ذلك جائزٌ
стр. 1894
للإمام إذا سجَّل على نفسِه بتجويرِ من تقَدَّمه فيما فَعَلَه، فكفَّ المنصورُ عن النَّظرِ في ذلك، وأمَرَ بصَرْفِ تلك الظّهائرِ إلى أربابِها، وتمكينِهم من أملاكِهم، فدَفَعَ الحافظُ إلى كلِّ واحدٍ منهم ما كان هو قد دَفَعَ إليه منها.
ولمّا أخرَجَ المنصورُ -سنةَ إحدى وثمانينَ وخمس مئة- دينارَهُ الكبيرَ المنسُوبَ إليه، البخاري عليه اسمُ "اليعقوبيِّ" إلى الآنَ، وحضَرَ الحافظُ عندَه بعضَ مجالسِه بقصرِ مَرّاكُش، فلمّا انصَرفَ أتْبَعَه بعضَ فِتيانِه بقِرطاسٍ فيه مئتا دينارٍ منها، وقال للفتى: قل للحافظ: هذا من البركةِ التي خرَجَت في هذا الوقت، وقد أرَدْنا أن تكونَ أولَ موصُول بشيءٍ منها، فلمّا صارَ القِرطاسُ بيدِه أخَذَ طَرَفَ إحرامِه الذي كان عليه، وأفرَغَ القِرطاسَ فيه وصَرَفَه على الفتى وقال له: اردُدْه على سيِّدِنا وقيل لهُ: إنّ فلانًا -يعني نفْسَه- مبالِغٌ في شُكرِ إحسانِكم، وقد صَرَفَ هذا القِرطاسَ لِما اشتُهِر عند الناس وعلى ألسنةِ العامّةِ والخاصّة من قولِهم: "إمساكُ الظُّروف يقطع المعروف" (١)، فلمّا أنْهَى الفتى القِرطاسَ ومقالةَ الحافظ إلى المنصور تَبسَّم، واستَطْرَفَ ما صَدَرَ عنهُ في ذلك، وملأَ القِرطاسَ بمئتَيْ دينارٍ أُخْريَيْنِ، وأمَرَ الفتى أن يَلحقَه بالقِرطاسِ ويقولَ له: أمسِكْهُ، ولا يَليقُ بنا أن نَقطعَ معروفَنا عنك؛ وقد كان الحافظُ تباطَأَ في مَشْيِهِ ارتقابًا لِما يكونُ من المنصور على أثَرِ إلقاءِ الفتى إليه كلامَ الحافظ، فلَحِقَه الفتى وهُو لم ينفصلْ عن القَصْر، فدَفَعَ إليه القِرْطاسَ الثانيَ، وأبلَغَه مقالةَ المنصُور، فسُرَّ بها وشَكَرَ عليها وأخَذَ القِرطاسَ منه انصَرفَ. ولم يزَلْ جَليلَ المكانةِ عند المنصُور، كبيرَ القَدْر مسموعَ القول مقبولَ الشَّفاعة، إلى أن توفِّي بإشبيلِيَةَ ليلةَ الخميس رابعةَ عشْرةَ شوّالِ ستٍّ وثمانينَ وخمس مئة، ومولدُه بلَبْلةَ في ربيعٍ الأوّل سنةَ ستٍّ وتسعينَ وأربع مئة.
стр. 1895
٨٤١ - محمدُ (١) بن عبد الله بن يحيى بن فَرْح بن الجَدّ الفِهْرِيُّ، لبليٌّ سَكَنَ إشبيلِيَةَ، أبو القاسم، ابنُ الجَدّ.
أخو الحافظِ أبي بكرٍ ابن الجَدّ المفروغ الآنَ من ذكْرِه. كان من أهل التبريز في المعارفِ والتحقُّق بها، كاتبًا بليغًا موفورَ الحظّ من الفقه والتكلُّم على الحديث، شُووِرَ ببلدِه واستُقضيَ بإشبيلِيَةَ، وتوفِّي سنةَ خمسَ عشْرةَ وخمس مئة.
٨٤٢ - محمدُ بن عبد الله بن يَرِيم، إشبِيليٌّ أبو العاص .
رَوى عن شُرَيْح.
٨٤٣ - محمدُ بن عبد الله بن يَعْلَى الأنصاريُّ .
رَوى عن شُرَيْح.
٨٤٤ - محمدُ (٢) بن عبد الله الأشْجَعيُّ.
قَدَّمه الهيثمُ بن عُبَيد الكِلابيُّ والي الأندَلُس عند موته وتخيَّرَه لذلك، وكان فاضلًا، فصَلَّى بالنَّاس شهرَيْنِ حتى قَدِمَ عبدُ الرّحمن بن عبد الله الغافِقيُّ واليًا من قِبَل عبد الله الحَبْحَاب صاحب إفريقيّةَ والمغرب، فدخَلَها في صَفَرِ ثلاثَ عشْرةَ ومئة، وقال السالِميُّ: إنّ أهلَ الأندَلُس قدَّموهُ على أنفُسِهم بعد وفاةِ الهيثم، وقال السالِميُّ: إنّ ولايةَ عبد الرّحمن الغافِقيِّ في صَفَرِ اثنَيْ عشَرَ، قال: واستُشهدَ في أرض العدوِّ في شهر رَمَضانِ أربعَ عشْرةَ، فكانت ولايتُه سنتينِ وسبعةَ أشهر.
٨٤٥ - محمدُ بن عبد الله الأنصاريُّ، طَرْطُوشيٌّ، أبو عبد الله .
له رحلةٌ إلى المشرِق رَوى فيها بمِصرَ قديمًا عن أبي الطاهرِ السِّلَفيّ.