في بجميع ما يحمِلُه؛ وأما أبو بكر ابنُ الجَدّ، فقال: لقِيتُه بإشبيليَةَ، وحضَرتُ مجلسَه وسمِعتُ عليه أبوابًا من ["الموطَّإ"، وأجاز لي سائرَهُ] وجميعَ ما ألَّفه وجميعَ ما يحمِلُه، وأمّا أبو محمدٍ (١) بنُ جُمهور فلم يَذكُرْ [أبو الحَسَن لقاءهُ] إيّاه ولا أبعدَه، ولكنّ عُهدةَ لقائه على ابن الأبّار. وذكَرَ إجا [زتَه كذلك] (٢).
وأمّا أبو عبد الله بنُ حَمِيد فلم يُجرِ له أبو الحَسَن ذكْرًا في فِهرستِه، [وقد وقَفتُ على] ذكْرِه في شيوخِه بخطَه في مكتوبٍ آخَرَ، وأمّا أبو العبّاس المَجْرِيطيُّ [فقد تقَدَّم] ذكْرُ ملازمتِه إياه، ونزيدُ الاَنَ قولَ أبي الحَسَن: قرأتُ عليه كتابَ "السُّنَن" [لأبي] داودَ، وأنشَدَني قصائدَ من شعره ولم يَذكُرْ أنه أجازَ له. وأمّا أبو محمد عبدُ المُنعم ابن الفَرَس فقال: لقِيتُه بغَرناطةَ فحضَرْتُ مجلسَه، وكان يقرأُ عليه دولةً من "سِيبوَيْه"، ودولةً من "الكامل" للمبرِّد قراءةَ تفهُّم وشَرْح، وأخرَجَ إليّ كتابَه في أحكام القرآن، فقرأْتُ عليه بعضَه، وناوَلَني سائرَه، وذكَرَ أنه ناوَلَه غيرَ ذلك، ولم يَذكُرْ أنه أجازَ له.
فهذا بيانُ ما أخَلَّ به ابنُ الأبّار من ذكْرِهم؛ وقد أغفَلَ منهم ابنَ عَرُوس ولقِيَه بغَرناطةَ وحضَرَ مجلسَه وناوَلَه بمنزلِه كُتُبًا ذكَرَها، ولم يَذكُرْ أنه أجازَ له؛ وأغفَلَ أبا عبد الله ابنَ سَعادةَ، قال أبو الحَسَن: لقِيتُه بشاطِبةَ وسمِعتُ منه "كتابَ مُسلم" قراءةً علينا بلفظِه، ولم يَذكُرْ أنه أجاز له؛ وأغفَلَ أبا محمد بنَ حَوْطِ الله، وقال أبو الحَسَن: رحلتُ إليه إلى مالَقةَ فقرأْتُ عليه الكتابَ العزيزَ بحرفِ نافع، وكتابَ البخاريِّ، و"الإيضاحَ" وعرَضتُه عليه عن ظهرِ قلبِ في دُوَل، وقرأتُ عليه "أدبَ الكُتّاب" و"الحماسة"، وشاركتُه في كثيرٍ من شيوخِه ثم صَحِبتُه بعدَ ذلك مسافرًا ومقيمًا، وسمِعتُ عليه أكثرَ "كتابِ مُسلم" وقتَ كونِه قاضيًا بقُرطُبةَ، ولم يَذكُرْ أنه أجاز له؛ وأغفَلَ أبا الحُسَيَن ابنَ الصائغ، وقال أبو الحَسَن: لقِيتُه بإشبيلِيَةَ وأجاز في جميعَ ما يحمِلُه وكتَبَ لي بذلك؛ وزادَ
стр. 2102
ابنُ الأبّار فيهم أبا بكر بنَ أبي زَمَنين، وأبوي القاسم: ابنَ بَقِيّ وابنَ حُبَيْش، ولم يُجرِ لهم أبو الحَسَن ذكْرًا في فِهرستِه ولم يَذكُرْ فيها إجازةَ أحدٍ ممّنِ اشتَملتْ عليه سوى مَن نبَّهْنا عليه فاعلَمْهُ، واللهُ الموفِّق.
٢ - عليُّ (١) بن أبي القاسم عبدِ الرحمن بن أبي قَنُّون: تلمسينيٌّ، أبو الحَسَن.
رَوى عن أبي الحَسَن شُرَيْح، وأبي عبد الله أحمد الخَوْلانيّ، وأبي عليّ الصَّدَفيّ، وأبي عِمرانَ بين أبي تَلِيد، لم يَذكر فيهم [ابنُ الأبّار أبا الحَسَن شُرَيح وقال:] سمِعَ منهم بالأندَلُس فيما بَلَغَني ويَبعُدُ ذلك عندي.
[قال المصنِّفُ] عَفَا اللهُ عنه: استبعادُه هذا ظاهر، ويَقْوَى في حقِّ أبي [عبد الله الخَوْلانيّ] لوفاتِه في شعبانِ ثمانٍ وخمس مئة، إلا أن يكونَ رُحِلَ به إلى الأندَلُس [صغيرًا وسَمِع] منه حينَئذٍ، ودونَه في الاستبعاد أبو عليّ بن سُكّرةَ؛ لاستشهادِه [يومَ الخميس] لستٍّ بَقِينَ من ربيع الأوّل سنة أربعَ عشْرةَ وخمس مئة، ودونه [فيه] أبو عِمرانَ؛ لوفاتِه في ربيع الآخِر سنةَ سبعَ عشْرةَ وخمس مئة؛ فأمّا شُرَيحٌ [فلا] بُعدَ في سَماعِه منه. وكانت وفاتُه عَقِبَ جُمادى الأولى سنةَ تسع وثلاثين.
رَوى عنه أبو الحَسَن بن محمد بن خِيَار، وأبو الخَطّاب ابنُ الجُمَيِّل، وأبو طالبٍ عَقِيل بن عَطِيّة، وأبو عبد الله بن عبد الحَقّ، وأبو محمد قاسمٌ ابنُ الحَشّاء.
وكان مُستبحِرًا في حفظِ الفقه، متحقِّقًا بأصُولِه، وله "المقتضَبُ الأشفَى، في اختصارِ المُستصفَى" وهو كتابٌ نبيلٌ مُستجاد، وكان سَرِيًّا فاضلًا كثيرَ المعروف نَفّاعًا بمالِه وبجاهِه. وَليَ قضاءَ الجماعة بعدَ أبي يوسُفَ حَجّاج (٢) فسار فيه أحسَنَ سيرة، وعُرِف بالعدل في أحكامِه والنّزاهةِ في أحوالِه.
стр. 2103
وتوفِّي قاضيًا سنةَ سبع وسبعينَ وخمس مئة. قال ابنُ الأبّار: كان حيًّا في آخِر الثمانينَ وخمس مئة. ولم يَضبِطْ ذلك.
٣ - عليُّ (١) بن عبد الرّحمن، إفريقيّ، أبو الحَسَن التُّرُجْقِيُّ، بتاءٍ معلوّ وراءٍ مضمومَيْنِ وجيم ساكن وقافٍ معقودَيْنِ منسويًا، ولذلك يَكتبه بعضُهم: التُّرُشْكيُّ.
رَوى فيما أحسِبُ عن أبي عبد الله المازَريّ، رَوى عنه أبو الحُسَين بنُ زَزقُون، وقال فيه: الأُرُجْقِيُّ، وهو وَهم، وتناوَلَ منه أبو القاسم أحمدُ بن عبد الودود بن سمَجون. رَوى عنه بعضَ شعرِه.
٤ - عليُّ بن عَيّاش الأنصاريُّ، بغداديّ، أبو الحَسَن، ابنُ الدَّقّاق. ووَهِمَ ابنُ الفَرَضيِّ فيه، فقال (٢): الدّقّاقُ، وفي اسم أبيه فجعله: شَيْبانَ.
تَلا على ابن مُجاهِد وغيرِه، ورَوى عن أبي بكرٍ ابن دُرَيْد، وقَدِم الأندَلُسَ بعدَ السّبعين وثلاث مئة، ونَزلَ بَجّانةَ وأقرَأَ بها، والى قُرطُبةَ وأقامَ بها يسيرًا ولم يُقرئْ بها أحدًا، وأرى أبا الوليد ابنَ الفَرَضيِّ سَمِعَ منه حينَئذٍ، ثم توَجَّه إلى تُطِيلةَ فأوطَنَها وأقرَأَ بها. وكان من أحفظِ الناس للقراءاتِ والتفسيرِ والمعاني، شديدَ الأخذِ على القُرّاء، ذا حظّ وافر من اللُّغة والعربيّة، وحُكِي أنه شرِبَ البلاذُرَ للحِفظ فدَخَلتْ عقلَه داخلةٌ، وتوفِّي بتُطيلةَ بعدَ الثمانينَ وثلاث مئة بيسير.
٥ - عليُّ (٣) بن عيسى بن عِمران [بن دافَالَ الوَرْدَمِيشيُّ] بفتح الواو وسكونِ الرّاء وفتح الدّال وميم وياءِ مدّ وشين، [منسوبًا إلى إحدى] القبائل المجاورة بإزاءِ تِلِمسين، سَكَنَ مَرّاكُش، وقال فيه ابنُ [الأبّار: من أهل] مِكْناسةَ، أبو الحَسَن.
رَوى عن أبيه. رَوى عنه أبو الرَّبيع ابنُ سالم، [وأبو العبّاس] السَّبْتيُّ القَنْطَريُّ. وكان فقيهًا سريًّا فاضلًا، واستُقضيَ بفاسَ [وغيرِها. توفِّي سنةَ أربع] وتسعينَ وخمس مئة.
стр. 2104
٦ - عليُّ (١) بن أبي نَصر فاتح بن عبد الله، بِجَائيٌّ، [أبو الحَسَن] , ابنُ أبي نصر.
وكان فاتح أبوه رُوميًّا اشتراه أبو الحَسَن عليُّ بن الأفرم، [فلما أسَنَّ] أعتَقَه.
أخَذَ أبو الحَسَن ببلدِه عن أبي عبد الله بن إبراهيمَ الأصُوليّ، ودخَلَ [الأندَلُسَ] وبَلَغَ من غربيها إلى مالَقةَ وإشبيلِيَةَ، ثم شرَّق في نحو ست مئة، وحَجَّ، وسَمِعَ بمكّةَ شرَّفَها اللهُ أبا محمد يونُسَ بن يحيى الهاشميَّ، وببيتِ المقدِس أبا الحُسَين بن جُبَيْر، وبدمشقَ أبا القاسم عبدَ الصَّمد بن محمد الحَرْستانيَّ وأبا محمد عبدَ الواحد بن إسماعيلَ بن طاهرٍ الدّمياطيَّ، وبالإسكندَريّة أبوي القاسم: الحُسَينَ بن عبد السلام وعبدَ الرحمن بن عبد الله عَتِيقَ بن أحمدَ بن باقا، وأبا الحَسَن عليَّ بنَ إسماعيلَ الأبياريَّ. وقيل: إنه انتهى في رحلتِه هذه إلى خُراسان، وأنفَقَ فيها أموالاً كثيرةً، وإنه أخَذ بالمَوْصِل والشام والعراقِ عن جماعةٍ من أهلِها. وقَفَلَ إلى بلدِه فاقرَأَ به وأسمع.
رَوى عنه أبو عبد الله ابنُ الأبّار، وأبَوا العبّاس: ابنُ محمد ابن الغَمّاز، وابنُ الرُّوميّة. وحدَّث عنه بالإجازة أبو محمد مَوْلى سَعِيد بن حَكَم؛ واستُجيزَ من أقاصي البلدان وأدانيها؛ واستجازه لنفسِه ولابنَيْهِ أبو المُطرِّف بنُ عَمِيرة، فأجاز لهما، ولمّا وصَلتْ إليه الإجازةُ كتَبَ إليه: "جَزَى اللهُ سيّدَنا المُرتضَى خيرَ جزائه، وعمَّ ببركتِه طبقةَ أوليائه، وحَفِظَ شرَفَه بالعلم الذي هو من وَرَثةِ أنبيائه، إن من نِعَم الله على كثيرٍ من خَلْقِه أنْ جَعَلَ الصالحينَ في قلوبِهم محبةً خالطت بَشاشتَها وأدركَتْ برحمتِه حُشاشتَها، وصارت لهم إليه ﷻ وسيلةً منه تُدنيهم، وبما عندَه ونِعْمَتِ العُدّةُ والأُمنيّة، تَعِدُهم وتُمنِّيهم، وسيّدُنا ﵁ حائزٌ شرفَهم، وبقيّة سلفِهم، والقائمُ على طريقتِه المُثلى، بعلوم الشريعة التي
стр. 2105
استَمْلَى وأملَى، وتأثَّلَ منها بمقدّمةِ الفوز بالنّعيم الذي لا يَبلَى، وكنتُ بما مَنَّ الله (١) عليَّ من عِلم بمكانِه من هذه الأُمّة، وألقَى بقلبي من [محبّتِه وله عليّ بذلك] أعظمُ المِنّة والنِّعمة، أرتادُ لمخاطبتِه وقتًا يُسهِّلُ [ورودَها، ورسولًا] يؤدِّي عنّي مقصودَها، إلى أن طَلَعتِ الآنَ عليَّ أثارةٌ من علومِه، [وإنارةٌ من زَهْرِ] نجومِه، وهي الإجازةُ التي تفَضَّل بها عليّ، وعلى عبدَيْه ابنَيّ، فقلتُ: [لقِيَ المتلَصِّصُ] مدخَلًا، ووجَدَ المترخِّصُ متأوَّلًا، وتناولتُ الإجازةَ لهما معي [مشترِكاً]، ووضعتُها على صدورِهما مُبرِّكًا ومتبرِّكًا، ورجَوْتُ أن يَجدا بها التوفيقَ [بنَهْج] محجّتِه، ويَعقِلا ما عَقَلَ محمودُ بن الرَّبيع من صُحبتِه (٢)، وما أرغبَني في أن أُعلُي [روايتي] برؤيتِه، وأستشفيَ لحالي كلِّها ببركةِ رُقيتِه؛ وأنظُرَ إليه فأحصُلَ على عبادة، وآخُذَ عنه فأشفَعَ الحُسنى بزيادة، أنعَمَ سيّدُنا جزاهُ اللهُ من الثّواب بأوفرِ قِسْطِه، بإجازتِه التي أرجو منها للولدَيْنِ بركةَ نيّتِه ولفظِهِ وخطِّه، ولي ولدٌ ثالث هو بوِلادتي أخَصّ، ولفظُها عليه ببعضِ الاعتبارات أنَصّ، وهو فلان، ولولا أنّي أتّهمُ نفسي بفتنةِ البُنُوّة، وعيني بالرِّضا المخرِج إلى الفعل ما يُظَنُّ أنه بالقوّة، لوَصَفْتُه بعبارةٍ أعرِفُ قصورَها، ولا أرضى له ميسورَها، وأرجو أنّ فِراستَه الإماميّة قد تنثَلُّ في مِرآتِها، وتَبُثُّ له القَبولَ بإثباتِها، وشهادتُها أصحُّ من شهادتي، ونسبةُ هذا الولدِ إلى خدمةِ العلم بين يدَيْه أشرفُ من وِلادتي، كما أنّ حُرمَتَه أعزُّ مَوْئلًا، وأحمى مَعقِلًا، من أن تُذكَرَ بسُقيا نبتٍ غَرَسَتْه، وعمارة بيتٍ هي أسَّستْه، واللهُ يُعلي بالعلم والعمَل مكانَه، ويَجْزي عنّا جميعًا تفضُّلَه وإحسانَه، بمنِّه، والسلامُ الكريم، الزاكي العميم، يخُصُّه من معظِّم محلِّه الأسمى، وشاكرِ يدِه العُظمى، ابنِ عَمِيرةَ، ورحمةُ الله وبركاتُه.
стр. 2106
وكان أبو الحَسَن من أهل الإتقانِ والضَّبطِ والأمانة، متقدِّمًا في الثِّقة والعدالة، صَدْرًا في الزُّهدِ والوَرَع والإنفاق، ملتمَسَ الدعوة، معظَّمًا عندَ الخاصّةِ والعامّة من أهل بلدِه.
مَوْلدُه ببِجَايةَ سنةَ ستٍّ وستينَ وخمس مئة، وتوفِّي بها ليلةَ السّبت التاسعةَ والعشرينَ من جُمادى الآخِرة سنةَ ثنتينِ وخمسينَ وستِّ مئة، ودُفن ظُهرَ يوم السّبتِ المذكور، وصَلّى عليه الخَطيبُ أبو بكر بنُ أحمد بن سيِّد الناس (١).
٧ - عليُّ (٢) بن القاسم بن محمد بن موسى بن عيسى الفنزاريُّ -وقد تقَدَّم بيانُ أصل هذه الشُّهرة في رَسْم أبي عليّ حَسَن بن عليّ منهم- سَلَويٌّ، أبو الحَسَن، ابنُ عشَرة.
ويُذكَرُ أنّهم من عَقِب أحمدَ بن محمد ابن المُدبِّر الكاتبِ أخي إبراهيمَ وزيرِ المعتمِد وكبيرِه.
كان أبو الحَسَن فقيهًا حافظًا سَرِيَّ أهل بلده وجيهًا [مؤْثرًا. استُقضيَ ببلدِه] وأورَثَ عقِبَه سؤدَدًا وشرفًا. ودَخَلَ الأندَلُسَ غازيًا سنةَ ثمانينَ وأربع مئة (٣)، وامتَدحَه بها طائفة من أُدبائها، وشرَّق حينَئذٍ، وامتَدحَ [بالمَهْديّة ومِصرَ] وغيرهما، ثم عاد إلى بلدِه.
ومما يُؤْثَرُ من مَكارمِه أنّ أبا بكرٍ عيسى [ابنَ الوكيل اليابُريَّ] كان أيامَ لَمْتُونةَ مُستعمَلًا في مَجابي غَرناطةَ، يُحكَى أنه انكسَرَ عليه [مالٌ جليل] يَبلُغُ عشَرةَ آلافِ دينار، فقُبِضَ عليه وأُشخِص منكوبًا إلى مَرّاكُش، [فلمّا بلَغَ] الموكّلون
стр. 2107
به مدينةَ سَلا خاطبَ القاضيَ مادحًا بقصيدةٍ ومُستجِيرًا به، [وطلَبَ] إيصالَها إليه، ومطلعُ القصيدة [الطويل]:
سلِ البَرْقَ إذ يَلتاحَ من جانبِ البَلْقا: ... أقُرطَيْ سُلَيْمى أم فؤادي حَكَى خَفْقا؟
ولِمْ أسبَلَتْ تلك الغمامةُ دمعَها ... أرِيعَتْ لِوَشْكِ البَيْن أم ذاقتِ العِشقا؟
يقولُ فيها:
غريبٌ بأقصى الغَرب فُرِّق قلبُهُ ... فآوَتْ لسَلا فَرْقًا ويابُرةٌ فَرْقا
إذا ما بَكَى أو ناحَ لم يُلفِ مُسعِدًا ... على شجْوِه إلا الغمائمَ والوُرْقا
ومنها في المدح:
حياءٌ يغُضُّ الطَّرفَ إلّاعن العُلا ... وعِرض كماءِ المُزْنِ في المُزن بل أنقَى
وفضلُ نَمِيرِ الماء قد خَضَّر الرُّبَا ... وعدلُ ضميرِ النَجم قد نوَّرَ الأُفْقا
بلَغْنا بنُعماكَ الأمانيَّ كلَّها ... فما بلَغَتْ أُمنيّةٌ غيرَ أن تبقَى
فعندَ وقوفِ القاضي عليها بادَرَ إلى مُخاطبة السلطان بتضمّن المال وتحمُّلِه وسؤالِ الصَّفْح عنه والإبقاءِ عليه بإعادتِه إلى عمِله، فصَدَرَ جوابُه بالإسعافِ والإسعاد، وعاد ابنُ الوكيل إلى غَرناطةَ أنبَة مَعاد (١).
وتوفِّي أبو الحَسَن بسَلا سنةَ اثنتينِ وخمس مئة.
وممّن امتَدَحَه من جِلَّة الشّعراء: أبو الوليد إسماعيلُ بن وَلّاد، ووقَفْتُ له على مجموع في أمداحِه ورثائه ومَدْح ابنِه وأخيه أبي العبّاس سمّاه: "نُزْهةَ الأدب" (٢).
стр. 2108
٨ - عليُّ (١) بن خِيَار، فاسيٌّ، بَلَنسيُّ الأصل، أبو الحَسَن.
سَمِعَ بفاسَ على أبي عبد الله ابن الرَّمّامة ولازَمَه طويلًا وتفَقَّه به، وأبي عَمْرو السَّلالقيِّ (٢).
ورَحَلَ طالبًا، فأخَذَ بتِلِمسينَ عن أبي الحَسَن بن أبي قَنُّون، وبسَبْتةَ عن أبي محمد بن عُبَيد الله، وبقُرطُبةَ عن أبي بكر بن خَيْر وأبي القاسم ابن بَشْكُوال، وبمَرّاكُش عن أبي عبد الله ابن الفَخّار.
وكان فقيهًا حافظًا مُشاوَرًا، رافضًا التقليدَ مَيّالًا إلى النّظر والاجتهاد، متفنِّنًا حَسَنَ المشاركةِ في العربيّة وعلم الكلام وأصُولِ الفقه والتصوُّف، أُخِذَ عنه العِلمُ. ووُلد في رمضانِ إحدى وأربعينَ وخمس مئة، وكان حيًّا سنةَ إحدى وست مئة.
٩ - عليُّ بن محمد بن عبد الرّحمن التَّميميُّ، قَلْعيٌّ -قلعةَ حمّاد- أبو الحَسَن .
رَوى عن أبي محمد بن محمد التامغلتيِّ، رَوى عنه أبو عبدِ الله بن حَمّاد، وكان محدِّثًا حافظًا عَدْلًا مُسِنًا حاجًّا.
١٠ - عليُّ (٣) بن محمد بن عبد الملِك بن يحيى بن محمد بن يحيى بن إبراهيمَ بن خَلَصةَ بن سَماحةَ الحِمْيَريُّ الكُتَاميُّ، فاسيٌّ، سَكَنَ مَرّاكُش، أبو الحَسَن، ابنُ القَطّان.
стр. 2109
رَوى عن آباءِ جعفر: قريبِه ابن (١) يحيى -وفي إبراهيمَ الأقربِ يلتقيانِ- وابن عبد الرّحمن بن مَضَاء، وابن يحيى بن عَمِيرةَ الشهيد، وأبوَيْ إسحاق: السَّنْهُوريِّ (٢)، والكَلاعيِّ، وأبي بكرٍ الفَصِيح، وآباءِ الحَسَن: ابن أحمدَ بن عليّ الطُّلَيْطُليّ، وابن خَرُوف، وابن مُؤمن وابن النَّقِرات ولازَمَه ونَجَبةَ، وأبي الخَطّاب بن [واجِب، وأبي الصَبرِ بن عبد الله السَّبْتيِّ] الفِهْريِّ، وآباءِ عبد الله: ابنَي الإبراهيمَيْن: ابن البَقّار (٣)، [وابن الفَخّار، وابن] عبد الرّحمن التُّجِيبيّ، وابن عليّ ابن الكَتّانيّ، وابن عيسى [التَّميميِّ] وأبوَي [العبّاس: ابن سَلَمةَ، والقَوارائيِّ (٤) الشاعر، وأبي عُمرَ بن عاتٍ، وأبوَي [القاسم: ابن بَقِيّ] وعبد الرّحيم ابن المَلْجوم، وآباءِ محمد: ابني المحمّدَيْن: التادَليِّ (٥)، وابن [السَّكّاك (٦)، وعبد] العزيز بن زَيْدان، وأبوَي موسى: ابن شُعَيْبٍ الغافِقيّ، والقُزُوليّ، [وأبي يحيى أبي] بكر بن خَلَف ابن المَوّاق (٧). هؤلاء لقِيَهم وأكثَرَ عنهم.
стр. 2110
وكتَبَ إليه مُجيزًا: أبو [إسحاقَ] بن إبراهيمَ الأنصاريُّ (١)، وأبو الحَسَن بن كَوْثَر، وأبو خالد يزيدُ بن رفاعة، وأبَوا عبد الله: ابن زَرْقُون، وابن عَرُوس، وأبو القاسم بن رُشْد الوَرّاق، وأبوا محمد: الحَجْريُّ، وابن فَلِيج (٢).
هؤلاءِ هم الذين سَمّاهم في "برنامَجِه". ووقَفْتُ في خطِّه على روايتِه عن أبي إسحاقَ الكانميِّ الشاعر (٣). رَوى عنه ابناه: أبو محمدٍ حَسَنٌ شيخُنا (٤)، وأبو عبد الله الحُسَين، وابن أُختِه أبو عليّ عُمرُ بن محمد بن عليّ بن عَمّار، وأبو بكر بنُ محمد بن مُحرِز، وأبو الحَجّاج بن موسى بن لاهِيَة، وأبوا زكريّا: ابن يافرتن بن راحِل (٥) وابنُ أبي عبد الله بن مروان، وآباءُ عبد الله: ابن حَمّاد والرُّنْديّ وابن عِيَاض وابن المَوّاز، وأبو العبّاس: ابنُ محمد المَوْرُوريُّ وابن عِمرانَ بن أبي الفَضْل بن طاهر، وأبو القاسم عبدُ الكريم بن عِمران، وأبوا محمد: ابن عبد الحقّ وابن القاسم الحَرّار، وأبو موسى عيسى بن يعقوبَ الهسكوريُّ، وأبو يعقوبَ بن يحيى ابن الزَّيّات، في خَلْقٍ لا يُحصَوْنَ كثرةً أخَذوا عنه بمَرّاكُشَ وغيرِها من بلادِ العُدوة إلى إفريقيّة، وبالأندَلُس.
ومن شيوخِنا الرُّواة عنه سوى ابنِه أبي محمد: أبو الحَسَن الكفيفُ، وأبو زَيْد ابنُ القاسم الطَرّازُ، وأبَوا عبد الله: ابن الطَّراوة وابنُ عليّ المدعوُّ بالشّريف، وأبو محمدٍ عبدُ الواحد بن مَخْلوف بن موسى المَشّاط، وأبو يحيى أبو بكر الجُمَلَّي (٦).
стр. 2111
وكان ذاكرًا للحديث مُستبحِرًا في علومِه، بصيرًا بطُرُقِه، عارفًا برجالِه، عاكفًا على خدمتِه، ناقدًا مميِّزًا صَحيحَه من سقيمِه، مُثابرًا على التلبُّس بالعلم وتقييدِه عُمُرَه، وكتَبَ بخطِّه -على ضعفِه- الكثيرَ، وعُني بخدمةِ كُتُبٍ بَلَغَ فيها الغايةَ، منها نُسخةٌ بخطِّه من "صحيح مسلم" و"السُّنن" لأبي داودَ وغيرُ ذلك، وصنَّف في الحديثِ ورجالِه، والفقهِ وأصُولِه مصنَّفاتٍ نافعةً أُخِذت عنه، منها: "نَقْعُ [الغَلَل، ونَفْعُ العَلَل"] في الكلام على أحاديثِ "السُّنَن" لأبي داود، وكمُلَ له نحوُ [.... في ثلاثةِ] أسفارٍ ضخمة، و"بيانُ الوَهم والإيهام الواقعَيْنِ في كتاب الأحكام" [وكمُلَ له] أيضًا في مقدارِ "الأحكام الشّرعية" الكبير، وعليه وضعه، وكتابٌ [في الردِّ على أبي] محمد بن حَزْم في كتاب "المُحَلَّى" مما يتعلَّقُ به من علم الحديث، ولم يَتِمَّ، [وكتابٌ] في أحكامَ الجنان، مجلَّدانِ متوسِّطان، وشيوخِ الدّارَقُطنيِّ: مجلَّدٌ متوسِّط، وكتابُ "النظر، في أحكام النظر" مجلدٌ صغير. وهذا الاسمُ من تسمية ابنِه شيخِنا أبي محمد، و"النَّزْعُ في القياس، لمُناضلةِ من سلَكَ غيرَ المَهْيَع في إثباتِ القياس"، وهو في الردِّ على أبي عليّ ابن الطّوير المذكور بعدُ إن شاء الله (١)، وهذه التسميةُ لشيخِنا أبي محمد ابنِه أيضًا، و"تقريبُ الفتح القُسِّي": مجلَّدٌ متوسِّط، و"تجريدُ مَن ذكَرَه الخطيبُ في تايخِه من رجالِ الحديث بحكايةٍ أو شعر": مجلّدانِ متوسِّطان، وكتاب "ما يُحاضَرُ به (٢) الأمراء"، وبيَّن قيس طريقَ مُفاوضتِهم: مجلَّدٌ متوسِّط. و"أسماءُ الخيلِ وأنسابُها وأخبارُها": مجلّدٌ متوسِّط. و"أبو قَلَمون" (٣): مجلّدانِ ضَخْمان. وله كتابٌ حافلٌ جمَعَ فيه الحديثَ الصَّحيح محذوفَ السَّنَد حيث وقَعَ من المسنَدات والمصنَّفات،
стр. 2112
كمُلَ منه كتُبُ: الطّهارة والصّلاة والجَنائز والزّكاة، في نحوِ عشَرةِ مجلَّدات (١). و"مسائلُ من أصُولِ الفقه"، زَعَمَ أنه لم يَذكُرْها الأصُوليّونَ في كُتُبهم: مجلّدٌ لطيف.
وله مقالات منوَّعةُ المقاصد، منها: مقالةٌ في الإمامةِ الكبرى، ومقالةٌ في القراءةِ خلفَ الإمام، ومقالةٌ في الوصيّةِ للوارِث، ومقالةٌ في المَنْع من إلقاءِ التفثِ في عَشْر ذي الحجّة للمُضحِّي، ومقالةٌ في منع المجتهدِ من تقليدِ المحدّث في تصحيح الحديثِ لذي العمَل، ومقالةٌ في الدَّين يوضَعُ على يدِ أمين فيتعدَّى فيه، ومقالةٌ في مُشاطرةِ العمّال، ومقالةٌ في الأوزانِ والمكاييل (٢)، ومقالةٌ في الطلاقِ الثلاث، ومقالة في الأيْمانِ اللازمة، ومقالةٌ في الخِتَان، ومقالةٌ في التسفير، ومقالةٌ في معاملةِ الكافر؛ جمَعَها للناصِر من بني عبد المؤمن حينَ وفَدَ عليه البابوجُ (٣) أحدُ عُظماءِ النَّصرانيّة، سَوَّغ له فيها القيامَ إليه عندَ معاينتِه برأيه، فلم يَرضَها الناصرُ وتحايَلَ في تلقِّيه إيّاه قائمًا عن غير قعود بخروجِه من البابِ المعتاد لخروجِه إلى قُبّة جلوسِه وهو فيها عندَ وصُول البابوج إليه (٤)، والمقالةُ المعقولة في حُكم فتوى الميِّت والفتوى المنقولة، ومقالةٌ في فَضْل عاشُوراءَ [وما وَرَدَ] في الإنفاق فيه على الأهل، ومقالةٌ في حثِّ الإمام على [القعودِ لسَماع مظالم]
стр. 2113
الرعيّة، ومقالةٌ في تبيينِ التناسُب بين قول النبيِّ صلى الله عليه [وسلم: "يتوبُ] اللهُ على مَن تاب"، وما قبلَه من الحديث، ومقالةٌ في تفسيرِ قولِ المحدِّ [ثينَ في الصّحيح]: إنه حَسَن، ومقالةٌ في تحريم التَّسابّ، ومقالةٌ في الوصيّةِ بالجَنين، ومقالةٌ [في] إنهاءِ البحثِ مُنتهاه، عن مَغْزَى من أثبَتَ القولَ بالقياس ومَن نَفاه، وهذه التسميةُ لشيخِنا أبي محمدٍ ابنِه أيضًا، وأحاديثُ في فَضْل التلاوة والذِّكر، وبرنامَجُ [شيوخِه] وعَمِلَه بأخَرةٍ، بعدَ الخمس والعشرينَ وست مئة، إلى غير ذلك من المعلَّقاتِ والفوائدِ في التفسير والحديثِ والفقه وأصُوله، والكلام والآدابِ، والتواريخ والأخبار (١).
وكان معظَّمًا عندَ الخاصّةِ والعامّة من آلِ دولة بني عبد المؤمن، حَظِيَ كثيرًا عند المنصُور منهم فابنِه الناصِر فالمُستنصِر ابن الناصِر فأبي محمدٍ عبد الواحِد أخي المنصُور ثم أبي زكريّا المعتصم ابن الناصِر، حتى كان رئيسَ الطَّلَبة مصروفةً إليه الخُطَطُ النَّبيهة، مرجوعًا إليه في الفتاوَى.
وكان قد سَعِدَ عندَ المنصُور منهم كثيرًا، فكان المنصورُ يؤْثرُه على غيرِه من أهلِ طبقتِه، وجرَتْ له أخبارٌ طريفةٌ معَه، منها: أنه عيَّنَه لقراءةِ الحديث الذي كان يُقرَأ بين يدَيْه، وكان أبو الحَسَن يَعتَريهِ بعضَ الأحيان توقُّفٌ في كلامِه، فابتدَأَ أوّلَ يوم القراءةِ فبَسْمَلَ وصَلّى على النبيِّ ﷺ ، وكانتِ العادةُ إتباعَ القارِئ التّصلِيَة بالدُّعاءِ للمنصورِ بالرِّضا، فحينَ فَرَغَ أبو الحَسَن من التّصلِية عرَضَ له التوقُّف الذي كان يَعتريهِ، فمكَثَ قليلًا ثم قال: ورضيَ اللهُ عنكم، واصلًا الدُّعاءَ بالتّصلِيةِ فيما رأى، ثم اعتَرتْه سَكْتتُه أيضًا، ثم اندَفعَ يقرَأُ الحديثَ، فاستبشَرَ لذلك المنصُورُ واشتدَّ إعجابُه به واستحسانُه إيّاه، وقال: هكذا ينبغي أن يَقرَأَ الحديثَ مَن يقرأُه بينَ أيدينا، فاصلًا بين الدُّعاءِ لنا والتّصليةِ المُتبعة البَسْمَلة وبينَه وبينَ حديثِ النبيِّ ﷺ ، فأمّا سردُ البَسْمَلة والتصلِية والدُّعاءِ لنا والحديثِ في نَسَق
стр. 2114
من غير فَصل بين ما يخُصنا من الدَّعاءِ وما قبلَه وما بعدَه فإنّا نبرَأُ إلى الله منه، فعَجِبَ الحاضِرونَ لسعادةِ أبي الحَسَن بما ظُنَّ أنّ فيه نَقْصًا عليه (١).
وكان ذا حظٍّ من الأدب وقراءة مُقَطَّعاتِ الشِّعر، منها: [قولُه في المصحف الإمام] الذي تقَدَّم في رَسمِ أبي المُطرِّف أحمدَ بن عبد الله بن عَمِيرةَ (٢) أنّ عبدَ [المؤمن وبَنيهِ كانوا] يزعُمونَ أنه مصحفً الإمام عثمانَ بن عفّانَ ﵁، وقد وَضَعَه [المنصورُ] من بني عبد المؤمن، في حِجْرِه بمحضرِ الكُبَراءِ من رجالِه [المتقارب]:
[ألا] فاقدُروا قدر هذا المقام ... فهذا الإمامُ وهذا الإمام
إمام المصاحفِ في حِجرِ من ... به حَفِظَ اللهُ هذا الأنام
وناهيكَ مِن صُحُفٍ كرِّمت ... بحِجرِالكريم سليلِ الكرامْ
فطُوبى لمَن فاز من ذا وذا ... بمافيه حظٌّ ولو بالسلامْ
أنشَدَنيه ابنُه أبو محمد عنه لنفسِه، وأنشَدَني أيضًا عنه لنفسِه في صفة نهرِ ماءٍ بضيْعتِه التي كانت له خارجَ باب فاس، وتُعرَفُ هناك بتاووتي (٣) [الكامل]:
ومهنَّدٍ لزِمَ التجرُّدَ فهْو لا ... ينفَكُّ مَسْلُولًا لغيرِ قتالِ
ضَمِنَ النَّسيمُ صفاءَ صفحةِ وجهِهِ ... فتراه مصقولًا بغير صِقالِ
وإذا تنفَّس فيه سال فِرِنْدُهُ ... وطَفَا عليه حَبابُهُ كلآلي
أعجِبْ به من صارم آثارُهُ ... نَقْعُ الصَّدى وتنفُّسُ الآصالِ
стр. 2115
ومنه، وقد عثَرَتْ به بغلتُه في وِجهتِه إلى ضَيْعتِه المذكورة وهو يسايرُ أبا عبد الله بنَ المُناصِف (١) رحمهما الله، فقال له ابنُ المُناصِف [البسيط]:
* ما بالُها عثَرتْ وما لها قَلِقَهْ (٢) *
فأجابه مُرتجِلًا ومُداعِبًا [البسيط]:
لم تعثُرِ البغلةُ السفْواءُ (٣) إذ عثَرتْ ... من ضعفِ أيدٍ ولامن أنها خَرِقَهْ (٤)
لكنّها عَشِيَتْ من نورِ ما حَمَلت ... من العلوم فخرَّت تحتَهُ صَعِقَهْ
أنشَدَنيها عنه أيضًا ابنُه أبو محمدٍ حسَنٌ ﵀، وقال لي: كان متى ذكَرَهما يَستعبِرُ ويستغفرُ الله منهما، وقد رأيتُه ضرَبَ عليهما (٥) في بعض معلَّقاتِه.
قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: وَهِمَ بعضُ الطّلبةِ فعكَسَ هذه الحكايةَ بجعلِ بغلةِ أبي عبد الله ابن المُناصِف العاثرةَ والبيتينِ له، والأمرُ في ذلك كلِّه على ما ذكرتُهُ قبلُ، وقد سَمِعتُها غيرَ مرّة من شيخِنا أبي محمدٍ ورأيتُها (٦) بخطِّه في غير موضِع على ما وصَفْتُ.
هذا بعضُ ما اشتُهِر من أحوالِه عندَ جُمهور الناس. وقد كان بعضُ من لقِيتُه ممّن لقِيَه لا يَرضاهُ ولا يَرى الرّوايةَ عنه، وينعَى عليه أمورًا كثيرة، منها: ما كان عليه دائبًا من الإرذال (٧) بأفاضلِ أهل العلم، والغضِّ منهم [وتتبُّع سَقَطاتِهم] والتماسِ عَوْراتِهم، والتنكيتِ على الواردينَ منهم على آلِ عبد المؤمن [والوَضْع]
стр. 2116
من شأنِهم إلّا أن يَستشعرَ من أحدٍ منهم عودةً إلى وطنِه، فإنه كان [يحدِّثُ بقضاءِ، مآربِه، ويُجمِّلُ السَّعيَ في تخليصِ ما إليه قَصَدَ، لئلّا يُشتهرَ أمرُه فيقعَ [الاغتباط] به من أولي الأمر، وليعودَ إلى بلده مُذيعًا شكرَه مُحسِنًا الأُحدوثةَ عنهُ، [إعجابًا] بنفسِه، وحرصًا على تفرُّدِه بالرِّياسةِ وخلوِّ الوجوهِ له.
ومنها: إفراطُ الكِبْر وشدّةُ العُجب، فقد كان دَيْدَنُه أنه لا يبدأُ أحدًا بالسلام ولا يرُدُّه على من يبدَأُ به، وذاكرتُ بذلك شيخَنا أبا عبد الله المدعوَّ الشّريفَ (١)، وكان من المتشيِّعينَ فيه المتّشبِّعِينَ بذكْرِه المتعصِّبينَ له، فقال لي: إنه كان يُسألُ عن ذلك وُيذكَرُ له ما فيه عليه فيُجيبُ مُعتذرًا باستغراقِ فِكرِه واشتغال بالِه بالنّظرِ في أجوِبةِ ما وقَعَ من المسائل العلميّة بمجلسِ سُلطانِ الوقت أو في إعدادِ مسائلَ يُلقيها بينَهم به؛ فهُو لا يزالُ خاطرُه معمورًا بذلك وذهنُه مغمورًا به، زاعمًا أنه لا يَرى أحدًا ممّن يمُرُّ هو به، فقلتُ له: يدفَعُ ذلك حكايتُه عن نفسِه مشاهدةَ ابن العُثْمانيِّ في مرورِه به على ما سآتي بذكْرِه إن شاء الله، فانقَطَعَ.
ومنها: استعمالُه المُسكِر، فقد صَحَّ عنه تناولُه إياه والتأوُّلُ فيه.
ومنها: غُلوُّه في آلِ عبد المؤمن وإفراطُ تشيُّعِه فيهم، حتى عَدَّ المنصورَ أبا يوسُفَ يعقوبَ بن أبي يعقوبَ بن عبد المؤمن في جُملةِ شيوخِه الذين ضمَّنَهم برنامَجَه وصدَّرَهم بذكرِه تشيُّعًا له وغُلوًّا فيه، وليتَه لو وقَفَ في أمرِه عندَ هذا الحَدّ ولكنْ تعَدّاهُ إلى منزلةٍ تُفضي بالهاوي منها إلى مَقْتِ الله والتعرُّض لشديدِ غَضَبِه وعظيم سَخَطِه؛ وهي أنه لمّا ذَكَرَ من شيوخِه أبا القاسم ابنَ بَقِيّ وطُولَ مجالستِه إيّاه، ومُذاكرتَه معَه وسماعَه منه ما لا يُحصَى من شِعرٍ أنشَدَه إيّاه، لنفسِه ولغيرِه، ثم قال: وليس بهذا الاعتبار أذكُرُه هنا، ولا أيضًا باعتبارِ ما سمِعتُ منه من "مسنَدِ" جدِّه بَقيّ وكتاب "التفسير" له وأنه كان أهلًا للرِّواية عنه، ثم قال: وإنّما ذكَرتُه هنا؛ لأنّي قد كتبتُ عنه شيئًا أخبَرني به، قال: قال الإمامُ أميرُ المؤمنينَ
стр. 2117
المنصورُ ﵁: وُلدتُ ليلةَ الأربعاء الرابعةَ من ربيع الأوّل عامَ أربعةٍ وخمسينَ وخمس مئة، فعَجبتُ من ذلك؛ لتناسُبِ ما بين الأربعاء والرابعة، وربيع وعام أربعة، فكتبتُهُ عنه. فتأمَّلْ [إعجابَه بهذه الكلمات] الشَّوْهاء وإضرابَه عن جميع ما ذَكَرَ أنه سَمِعَه منه، كتفسيرِ القرآنِ [الكريم] لبقيّ، ومسندِه، وما أنشَدَه أو سَمِعٍ منه لنفسِه أو لغيرِه وما حاضَرَهُ به أو [ذاكَرَه فيه] واطّراحَ ذلك ونَبْذَه إيّاه تهاونا به واستخفافًا بقَدرِه، وإيثارًا [لتاريخ] ولدِ خَلْق من خَلْق الله تعالى، لعلّه لا يُرضَى مثل ذلك الغُلوِّ في جانبِه من أحد على جميع ما سَطَرَ وذكَر من فنونِ المقاصِد العلميّة التي يحرِصُ الأفاضلُ على نَيْل بعضها من أكابرِ شيوخِهم، نسألُ الله العصمةَ من الخِذلان، والسلامةَ من مُوجِباتِ الحِرمان. ولقد ذاكَرتُ بهذا الفَضل أيضًا شيخَنا أبا عبد الله المذكور، وأبدَيْتُ له ما فيه من الدلالة على قَبِيح الغلوّ، فاعتَذرَ عنه بأنّ حاملَهُ عليه تخوُّفُه من أبي عبدِ الله العادل ابن المنصُور، فإنه كان قد أخْمَلَه كثيرًا وكان يتوقَّعُ منه شرًّا، فقلتُ له: إنّما وضَعَ برنامَجَه بعدَ موتِ العادل وموتِ أبي القاسم ابن بَقِيّ. وأيضًا، فهلّا ذكَرَ ذلك في رَسْم المنصُور فيكونَ ذلك أتقنَ في التأليف وأجرى على سَنَنِ المصنِّفينَ في الإعلام بالشيوخ! فأمّا أن يَذكُرَ الشّيخَ في موضعٍ ومولدَهُ بعدَ رَسْمه بأربعةَ عشَرَ شيخًا فعمل لم تَجْرِ العادةُ به، ولا خفاءَ بما فيه، ثم إنْ شاء ذكَرَ أبا القاسم بنَ بَقِيّ بما يَليقُ به إن رأى ذكْرَه في شيوخِه أو الإضرابَ عنه رأسًا، فلم يُحرِ جوابًا. وهذه عندي أكبرُ جَرحةٍ في حقِّه، لِما تضمَّنتْه من الإزراءِ بالعلم وأهلِه الذين لا يَمتري أنه به وبهم شرَفُه لوِ استضاءَ في عيانة هذه الغوايةِ بنورِ هُدى أو اعتَصَم بجُنّة توفيق.
ومنها: تجرُّدُه للسَّعي بغاية الجِدّ في قَتْل الشّيخ وابنِه المُراهِق العُثمانيَّيْن، ثم استباحةُ أخْذِ دارهِما بعدَ قتلِهما مكافأة عن له على تلك المحاولة، وانتقالُه إليها بالسُّكنى فيها إلى فصولِه عن مَرّاكُش ثم لم يعُد إليها كما سيأتي ذكْرُ ذلك إن شاء اللهُ تعالى.
ثم [كان] الفُضَلاءُ من أهل عصره ناقمينَ منه أحوالَه، ولقد حدَّثني الشّيخُ أبو الحَسَن الكفيفُ -وكان رجُلَ صدق- أنه سَمِعَ الورعَ المُجمَعَ على فضلِه
стр. 2118
أبا سعيد يخلفتَن بنَ تنفليشت المتراريَّ البوغاغيَّ، ﵀، وقد سُئل عنه فقال: ذلك شخص يُصارحُ نفسَه في أن يكونَ مُهلَّبيَّ الملوك.
قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: والذي أوجَبَ إيحاشَ العادل إيّاه ما حدَّثني به ابنُه أبو محمد وغيرُ واحدِ من شيوخي، قالوا: لمّا توفِّي [أبو يعقوبَ المُستنصرٍ] تَشاوَرَ أهلُ الحَلِّ والعَقْد بمَرّاكُشَ في تعيينِ من يُقلَّدُ الأمرَ بعدَه، [فأشار بعضُهم] بتقديم أبي محمد عبدِ الواحِد أخي المنصور، وكان مذكوراً في [بيتهم بحَزْم وجَوْدة] وصلاح، وأشار بعضُهم بتقديم أبي محمد بن عبد الله العادل ابن المنصُور، وكان يُرمَى بالميل إلى البطالة وإيثار الشّهواتِ والإخلادِ إلى الراحات، [وكان أبو الحَسَن] حاضرًا لتلك الشُّورى، فأنشَدَ متمثِّلَا ومنبِّهًا على التفرِقةِ بينَهما [الطويل]:
إذا رَتَّلَ القرآنَ في جُنحِ [ليلةٍ] ... أُبيُّ بنُ كعبٍ لم يُغنِّ مُخارِقُ (١)
стр. 2119
ثم اتَّفَقوا على تقديم أبي محمد عبدِ الواحد أخي المنصور عند وفاةِ المستنصِر إمّا منتصفَ ذي الحجّة أو لأربعَ عشْرةَ ليلةً خَلَت منه عامَ عشرينَ وست مئة، فاستمرَّت أيامُه إلى [يوم السّبت المُوفي عشرينَ] من شعبانِ إحدى وعشرينَ فخَلَعوه وأشهدَ على نفسِه بالخَلْع، ثم قَتلوهُ صَبْرًا، [وهو] أوّلُ قَتيل غَدرًا من بني عبد المؤمن، وقدَّموا ابنَ أخيه العادل وهو بمُرسِيَة؛ كتَبوا إليه ببيعتِه، فأقبَلَ إلى مَرّاكُش، وقدَّم أخاه أبا العلاء إدريس الملقَّبَ بعدُ بالمأمون على جميع بلاد الأندَلُس، فأقام العادلُ بمَرّاكُشَ إلى يومِ الأربعاءِ ولستٍّ بقِينَ من شوّالِ أربعةٍ وعشرين، وخَلَعوهُ، ثم بايَعوا أخاه المأمون على ما سألمعُ ببعضِه ملخَّصًا إن شاء اللهُ تعالى.
وقد كان أُنهِيَ إلى العادل إنشادُ أبي الحَسَن البيتَ المذكور حينَئذٍ، وعرَفَ مقصِدَه فيه فأسرَّها في نفسِه، وخاف أبو الحَسَن بعدَ ذلك من سُوءِ عاقبتِها، ولمّا قَدِم العادلُ من مُرْسِيَةَ إلى مَرّاكُش كما تقَدَّم همَّ بالقَبْض على أبي الحَسَن والإيقاع به (١)، ثم رعَى له قِدَمَ انقطاعِه إلى أبيه وخِدمتِه إيّاه وأخاه الناصِرَ وابنَ أخيه المستنصِر وعمّه بعدَهم، فكَفَّ عنه وصَرَفَه عن التعرُّض إلى القصرِ والدّخولِ فيه إلى مَحاضرِ خواصِّ الطَّلَبة، وكان يُكني عنه متى جَرَى ذكْرُه "المُخارِقَ" إشارةً إلى البيتِ الذي أنشَدَه أبو الحَسَن، فكلّما نُمِيَ ذلك إلى أبي الحَسَن يشتَدُّ قلقُه ويتأكّدُ استيحاشُه، وكان من غريبِ الاتّفاقات أنّ العادلَ لمّا استقَرَّ بمَرّاكُشَ بعدَ قَتْل عمِّه أبي محمد وانتهابِ أكثرِ كُتُبِ الخِزانة (٢) التي كانت بالقَصْر في جُملة ما
стр. 2120
نُهِب من ذخائرِه، خرَجَ من قِبَل [الخليفة العادلِ إلى] أبي الحَسَن عليِّ بن أبي جامع أمرٌ بنظرِ عليٍّ في ترتيبِ ما بَقِيَ [من كُتُبِ الخِزانة] وتمييزِ كاملِها من ناقصِها، وكان مرادُ العادل بعليٍّ وزيرَهُ المذكور، [فأخبَرَ الوزيرُ أبا الحَسَن] ابنَ القَطّان بذلك وأشعَرَه بما فيه من التأنيسِ له والإيذان بالإقبالِ عليه، [فتولّاه] أبو الحَسَن في أيام كثيرة، ثم لما فَرَغَ منه طالَعَ العادلَ الوزيرُ بتمام ذلك [وترتيبِ جميع ما] اشتَمَلتْ عليه، فأمَرَ ثوابًا لمتولِّي ذلك بجُملةٍ وافرة من أمدادِ الزَّرع [وعددٍ كبير] من المال والكساء، وكان الزَّرعُ أحظاها؛ لِما كان عليه الوقتُ من الشِّدةِ والتناهي في غلاءِ الأسعار، وقد كان ذلك توالَى على مَرّاكشَ نحوَ سبعةِ أعوام، [حتى أثَّر] ذلك في كثيرٍ من أهلِها عمومًا، وفي ابن القَطّان خصوصًا؛ لكثرةِ عيالِه، وانقطاع موادِّ الفوائدِ عنه بعُطلتِه عن الأشغالِ التي كان يَنتفعُ بها ومنها. ولمّا صار ذلك كلُّه إلى ابن القَطّان وحازَه، وحَسُنت حالُه به، وسُرَّ بما مُنِحَ منه، رَفَعَ إلى العادل شاكرًا له هذا الإنعامَ الجزيل، فأنكَرَ العادلُ ما صَدَرَ عن ابن القَطّانِ من ذلك ولم يعرِفْ سببَه، فسألَ وزيرَه عنه، فقال: إنه لمّا خرَجَ الأمرُ بنظر عليّ في ترتيبِ الكُتُب لم يُخالِطْه شكٌّ في أنّ المرادَ بعلي: ابنُ القَطّان؛ لأنه كان الناظرَ فيها في المدّةِ المتقدِّمة، ولأنه العارفُ بما يحاولُ مِن ذلك، وللعلم بأنه لا يقومُ أحدٌ في ذلك التصرُّفِ مقامَه، فقال العادلُ: أرَدنا ابنَ أبي العلاء وأراد اللهُ مُخارقًا (١). ثم لم يأمَنْ أبو الحَسَن على نفسِه حتى خُلِع العادلُ وقُتل كما تقَدَّم.
стр. 2121
وفي نحو تمثُّلِه بالبيتِ المذكور في الفَرق بين العادلِ وعمِّه ما صَدَرَ عنه في جانبِ الوزيرِ أبي سعيد بن أبي جامع، فإنّ أبا الحَسَن كان شديدَ الاختصاص بأبي عبدِ الرّحمن محمدِ بن أبي عِمران التينمليِّ، وكان أبو عبد الرّحمن هذا كثيرَ الاعتناءِ به، والتعظيم لجانبِه، والسعي الجميل له أيامَ وزارته حتى انتَهت بسَعْيه خُططَ أبي الحَسَن نحوَ ثلاثَ عشْرةَ خُطّة، كلُّها أو جُلُّها جليلٌ مفيد، وكلُّ واحدةٍ منها إنما كان يُعيَّنُ لها أكثرُ المرتسِمينَ بالعلم قَدرًا وأبعدُهم صِيتًا، ولمّا نكِب ابنُ أبي عِمران المذكورُ وغُرِّب إلى مَيُورقةَ انفردَ بالوِزارة بعدَه أبو سعيد بنُ جامع (١)، فاجتازَ به أبو الحَسَن وهو جالسٌ في مجلس الوِزارة فأنشَدَ متمثِّلًا في التباعُدِ بينَه وبينَ ابن أبي عِمران [البسيط]:
* كالهرِّ يَحكي انتفاخًا صُورةَ (٢) الأسدِ *
وبَلَغَ ذلك أبا سعيد، فحَقَدَها له، ولم يزَلْ يَحُطُّ من خُططِ أبي الحَسَن ويُصرِّفُ فيها غيرَه حتّى لم يبقَ بيدِه منها شيءٌ إلا القليلَ النَّزْرَ الفائدة [وما لا غَناءَ فيه].
ولمّا أخَذت مملكةُ آلِ عبد المؤمن في الاختلالِ أيامَ [المُستنصِر بسببِ ركونه] إلى الهُوينى، وعكوفِه على راحتِه، وإعراضِه عن التدبير فيما [يعودُ لشؤونِ الدولة] وتفويض النظرِ في الأمور كلِّها إلى وُزرائه وحاشيتِه (٣) وضاعتِ
стр. 2122
[المصالحُ وتطاولت] أيدي المُعتَدين، وعاثَ أهلُ البَغْي في الأرض، وكَثُر في أقطارِ المغربِ [ونواحي] مَرّاكُشَ قَطْعُ السُّبل والمحارِبونَ الساعونَ في الأرض فسادًا، وكان [أكثرُهم، فيما] يُذكَر، يُساهمُ -فيما يَصيرُ إليه بالتغلّب عليه وانتهابِه من أموالِ المسافرينَ [والتّجّار] المتردِّدينَ- كبيرَ الوُزراء والمرجوعَ إليه من رجالِ الدولة أبا سعيدٍ ابنَ جامع، [حتى، ليُحكى أنّ بعضَ التّجّار سُلِبوا في توجُّهِهم إلى مَرّاكُش فجاءوا إلى أبي سعيدٍ ابن جامعِ متظلِّمين، رافعينَ إليه ما جَرى عليهم، وبينَما هم وقوفٌ على بابِ دارِه، ينتظرون تيسّرَ أسبابِ الوصُولِ إليه وإلى مكالمتِه في رَفْع ما حَلَّ بهم، رأَوْا أحمالَهمُ المنهوبةَ نفسَها وكثيرًا من أمْتِعتِهم على دوابَّ داخلةٍ إلى دارِه، فكَفُّوا عن التعرّض إليه يأسًا من نجاح ما سَعَوْا فيه، وانقَلبوا عنه متأسِّفينَ متحسِّرين، واستمرَّتِ الأمورُ على هذه الحال وبهذه السبيل زمانًا، والمستنصرُ في غَفْلةٍ عن كلِّ ما يَجري، غير سائل عن رعيّتِه التي يُسألُ عنها، وإن سَألَ أجابَه الوزيرُ أبو سعيد بأنّ الجميعَ في سُبوغ نعمةٍ وشمولِ عافية، واتّساع أحوال وبَسْطِ أموال، فيقنَعُ بذلك، ويعودُ إلى انهماكِه في لَذّاتِه.
وأهمَلَ معَ ذلك جانبَ الأجنادِ الذين هم آلةُ المَلِك وأعوانُه، فأرجَلَ فرسانَهم، وصُرِفت رَجّالتُهم؛ فتفاقَمَ الأمرُ واستَشْرى شرُّ المُفسِدين وكَثُرَ إضرارُهم وعَمَّ عُدوانُهم.
ولمّا تمَادى ظهورُ الفساد واشتَدّت شَوْكةُ أهلِه، أجرى أبو الحَسَن ذكْرَ ذلك بمجلس الوزيرِ أبي سعيد، وأشار إليه بإنفاذِ جيش إلى بعض نواحي مَرّاكُش لرَدع مَن نَجَم به من أهل البَغْي، فأجابَهُ بأنّ ذلك لا يُحتاجُ إليه، وأنه سيَكتُبُ إلى أهل تلك الناحية بالنّفور إلى مَن تعرَّضَ إلى أرضِهم ومُدافعتِهم والقَبْضِ عليهم وقَتْلِهم ونحوِ هذا، فلم يُقنغ ذلك أبا الحَسَن فقال: لعلّ المانعَ من ذلك الاحتياطُ على المالِ الذي يَنُوبُ في تجهيزِ هذا الجيش، فقال له أبو سعيد: إنّ بيتَ مالِ المسلمينَ قد خَلا ونَفِدَ ما كانَ فيه بالإنفاقِ في مصالِحهم، وكان [قولُ أبي سعيدٍ] (١) تسلُّقًا
стр. 2123
إلى صرفِ أبي الحَسَن عن التعرُّض لشيء ممّا [ذَكَرَ، ثم] قال له أبو الحَسَن: فالرأيُ عندي أن يوظَّفَ على بعضِ الأملياءِ (١) [قَدْرٌ من المال لإقامةِ] هذه الحركة، فقال له أبو سعيد: هذا لا سبيلَ إليه، ولا [نُوظِّفُ على الناس] ما أعفاهمُ اللهُ من بليّتِه مدّةَ آل عبدِ المؤمن، فيُخيفَهم ذلك ويُوحشَهم، [ولا نَخرُج منه بطائل] فقال له أبو الحَسَن: أنا الضّامنُ استخراجَه منهم متبرِّعينَ به [راضينَ] بإعطائه، طيِّبة به نفوسُهم، فاغتنَمَها منه أبو سعيدٍ؛ ليوقِعَ كراهيَتَه في [قلوب] أهل مَرّاكُش، وأباحَ له ذلك والنظرَ فيه، فنهضَ من عندِه، ولمّا فَصَلَ أَبو [الحَسَن] من مجلسِ أبي سعيد، وصار إلى منزلِه، تصَوَّر في خاطره أنّ أوّلَ مَن يؤخَذُ معَه في ذلك المتصرفونَ بأموالِهم وأعمالِهم في مستغَلّاتِ الأملاك مُساقاة في سوادِها أو مزارعة في بياضِها، وهم في عُرف أهل مَرّاكُش: المُرابِعونَ؛ لأنهم كانوا يعمَلونَ في ذلك على أن يكونَ لهم الرُّبعُ من فوائدِها، أو للمحاوِلينَ شراءَ غللِها من زيتون وعنبٍ وتين ورُمّان وخَضْراوات وغير ذلك ثم يبيعونَها، وهم في عُرف أهلِ مَرّاكُشَ أيضًا: القَشّاشونَ (٢)؛ وبَعَثَه على التَّبدِية بهم ما تقَرَّرَ عندَه وعندَ غيره من أهل مَرّاكُش من اتّساع أحوالِهم وبنائهم بما صار إليهم في تلك المُدّة من الفوائدِ لتوالي غلاءِ الأسعار، ونَفاقِ سِلعِهم، وارتفاع أثمانِها إلى حدٍّ لم يُعهد مثلُه فيما تقَدَّم. فبَعَثَ في رجُل كان يُذكَرُ أنه مِن أملاهُم وأعظمِهم جِدَةً، وكان اسمُه محمدَ بنَ عليّ ويُلقَّبُ بالذِّيب، وقد أدركتُ ابنيه، وبعضُ عقِبِه الآنَ بمَرّاكُش، وكان أوّلَ أمره حلفاويًّا، فلمّا حضَرَ عندَه أنكَرَ إرسالَه عنه، لمّا لم تَجْرِ بينَهما مخالطةٌ ولا مُلابَسة، على كثرةِ مُداخَلةِ محمد بن عليّ هذا أصنافَ الناس ومُداينتِه إياهم، فتوهَّم أنّ بَعثَه ليتدايَنَ منهُ، أو يُباحثَه في أمرٍ من أمورِ الأملاكِ أو غَلّاتِها، أو نحوِ ذلك ممّا كان بسبيلِه، فقال له أبو الحَسَن مُفاتحاً له: أنت الذِّيب؟
стр. 2124
فاستَوْحشَ من مُلاقاتِه بهذا القول، وكان كيّسًا مِقدامًا وَجّادًا للكلام، فقال له: لستُ الذِّيب، وإنّما أنا أحدُ بني آدَمَ، واسمي: محمدُ بن عليّ، فقال له: إنّما تُشهرُ بالذِّيب وبذلك تُعرَف، فقال له: ذلك لقب أجْراهُ عليّ بعضُ سُفهاءِ الناس وأراذِلِهم، ولا أرضَى لكَ ما رَضُوهُ لأنفُسِهم، فمنصِبُك أعلى من هذا، فقال له: دعَ الكلامَ في هذا وخُذْ فيما له بَعَثتُ فيك، فقال له: قُلْ أسمَعْ، فقال له أبو الحَسَن: بَلَغَني أنّ عندَك اثنَيْ عشَرَ ألفَ قِنطار من الزَّيت في جملة [رِبَاع وضِياع وأموال] فقال له: نعَم، شكرًا لله، فقال له: وما تصنَعُ بها؟ فقال: ما يصنَعُ الناسُ [بأملاكِهم وأموالِهم] فقال له: أعطِها لبيتِ (١) مالِ المسلمين، فإنه أحقُّ بها منك، فقال: ليس [لبيتِ مالِ المسلمينَ فيها] حقّ، فإنّي قد أدَّيتُ زكاتَها، فقال له: والقليلُ من ذلك يُقنِعُك [ويكفيكَ منه] دنانيرُ تُديرُها في الحلفاويِّينَ كما كنتَ، فقال له: إنّما أرجو من فضلِ الله [المزيدَ على ما عندي] من نعمتِه، فقال له: إن لمِ تفعَلْ ما ذكَرتُ لك طوعًا وإلّا فعلتَهُ كَرهًا، فقال: [لا أُخرجُ من] مالي مقدارَ خردلةٍ بغير حقّ أبدًا، إلّا أن أُريقَ دمي عليه، ومن قُتِل دونَ مالِه [فهو شهيد] وتراجَعا الكلامَ في ذلك طويلًا، وأبو الحَسَن قد تمكَّن منه الغَيْظ، واستَولى عليه الغضَب؛ لإخفاقِ سَعيه في المحاولةِ التي لم تنجَحْ، ثم صَرَفَه، وشاع بين أهل مَرّاكُشَ هذا المجلس، وتحدَّثوا بما جَرى فيه، ومَقَتوا أبا الحَسَن بسببِه، وحصَلَ أبو سعيدٍ على مُرادِه في أبي الحَسَن.
ثم تبغَّض أبو الحَسَن عَقِبَ ذلك إلى وجوهِ دولة المستنصر ووُزرائه وحُجّابِه والمتصرّفينَ في مشاطرةِ العمّال (٢)، فإنه أحدَثَ بها وَحشةً بين المستنصِر ورجالِ دولتِه، حتّى همَّ بالقَبْض عليهم واحدًا بعدَ واحد واستصفاءِ أموالهِم،
стр. 2125
ولمّا [تحسَّسوا] ذلك واستَشْعَروه، سَعَوْا في تخلُّصِهم منه بقتلِه، فدَسُّوا عليه من سمَّه فمات، وقد تقَدَّم الإيماءُ بذلك في رَسْم أبي إسحاقَ بن الحجر (١).
قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: جَرى قبلَ هذا استباحةُ أبي الحَسَن سكْنى دار العُثمانيّ، بعدَ سعيِه في قتلِه وقتل ابنِه، فرأيتُ إيرادَ قصّتِها؛ لئلا يتشوَّفَ إليها مُتشوِّفٌ، ولأنّها من أغربِ ما جَرى في ذلك الوقت، وقد وَقَفْتُ عليها في خطِّ أبي الحَسَن نفسِه:
قال أبو الحَسَن: كان بمَرّاكُشَ طالبٌ يذكرُ أنه عثمانيُّ النَّسَب من ذُرِّية عثمانَ ابن عَفّانَ ﵁ (٢)، وكان موثقًا شاهدًا بحَوْمةِ أجاديرَ (٣) من مَرّاكُش، وكان له ابنٌ صغيرٌ يُذكَرُ بنُبل وذكاءٍ وتصرُّف في علوم على صِغَرِ سِنِّه، ثم ذُكِرَت عنه أشياءُ شنيعة، منها: أنّ بعضَ الطلبةِ أخبَرني أنه بَلَغَه أن قائلًا قال في النبيِّ محمد ﷺ : لا نبيَّ بعدَ محمد، هو خاتمُ النبيين، فقال: ليس هو خاتمَ النبيئين، هذه كلمةٌ قد قالها موسى وعيسى، فبَعثْتُ عن أبيه، فلمّا حضَرَ عندي سألتُه عما نُسِب إليه من الأقوال، وقلتُ له: بَلَغَني أنه قال في نبيِّنا محمد ﷺ : هو خاتمُ النبيئينِ، هذه كلمةٌ قد قالها موسى وعيسى؛ [فأنكَرَ أنّ ذلك] كان، وحَلَف من الأيمان ما أوجَبَت في الحالِ تصديقَه، والحملَ على الطالبِ الحاكي عنهُ، ثم قلتُ له: فهاتِ الآنَ حديثَ ابنِك،
стр. 2126
فقال: إنَّ ابني عبد الله لم أزل حريصاً على تأديبه وتعليمِه، فوفّقهُ اللهُ، فحصل في أيسر مُدةٍ وعلى صغر سنه ما يُسْتَعظم لذوي الأسنان العالية. ثم ذكرَ ما قرأ من القُرآن والعربيّة والعَدَد والآداب والتعديل، فأنكرتُ في نفسي أكثرَ حديثه عنه، بالقياس إلى ما كنتُ أشاهد من صغر سن الابن المذكور، في حال خطوري عليه، ولقائي له في الطرق. قال: ثم إنّ الله ابتلاهُ ببليةٍ ورزأني فيه برزيةٍ علمتُ أنها عينٌ أصابت، وقَدَرٌ نفذَ، فصارَ يرى مرائي يُكلم فيها بقرائن ويُنذر بإنذارات ويؤمر بأوامر ويكون ذلك بواسطة ملائكة تارة، وبواسطة أنبياء تارة، وربما اجتمع له الصنْفان، وَيتْلُونَ معه القُرآنَ، ويُخْبرونَهُ بما يكون، ويحدِّثونَهُ بما يتفق له ويشكل عليه الشيء مما قالوا له إذا اسيتقظ، فيأتونه بعد ذلك، فيسألهم عنه فيفسرونه. وذكرَ أنه رأى من الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وملكًا يُلازمه وهو أول من رأى وأول ما ابتدئ به اسمه شلانون، وهو الذي لا يكاد يغيب عنه ولا يغبه، وهو الذي يأخذه متى جاءه من شدة اتصال ما بينهما، وكثافته حاجب واحد، وأحياناً كأنه طائر أخضر على قدر جَمَل، وأخذ في أشياء مثل هذا مما لا يسعه خاطر.
فقلت له: أنبئني عن أول ما اعتراه هذا.
قال: نعم، كنتُ عام أول في هذه الأيام أيام عيد الأضحى مصبحًا يومًا، إذ قال لي: يا أبت، رأيتُ البارحة في النوم شيخا أتاني فقال لي: أقرئ أباك السلام من الحُسين وإبراهيم.
قال: فقلت له: يا بني، وما هذا؟ ومَن الحُسين وإبراهيم؟ قال: لا أدري، قال: ثم أتاه ليلة أخرى، فقال له: بلّغتَ أباك؟ فقال: نعم، ولكن مَن الحُسين وإبراهيم؟ قال: سَيُفَسَّر لكم هذا. قال: فبعد أيام ابتليتُ بالمطالبة التي طالبني بها الزيادي، حين زعمَ أني سببتُ الحُسَين ﵇ (١)، واضمحلت عني تلك المطالبة بعد ما رأيتُ فيها من المشقة، ثم بعد أيام جرت لي مطالبة أخرى طالبني بها إبراهيم الكُتُبي سجِنتُ عندها، ولم يصح ما نُسب إليَّ أيضًا من سب من زعم أني سببته من العُلماء.
стр. 2127
قال: وجاءه هذا الملك الذي هو شلانون، فقال له: لمَ ترَكَ أبوك وِردَه من اللّيل في البيتِ الذي كان اتّخذَه في دارِه مسجدًا؟ قال: وقد كان لي وِردٌ من اللّيل في بيتٍ من داري شغَلَتْني عنه شواغلُ الدُّنيا، وصار سهري باللّيل إنّما هو على وثيقةٍ أُبيِّضُها أو فريضةٍ [أقيِّدُها، وحينَ] قال لي ذلك، بادرتُ إلى البيت، فبنيتُهُ بِنيةً جديدة [وجدَّدتُ فراشَه، وبَلَغت] نفَقتي فيه مئتي دينار، ووجدتُها بعدَ شهرٍ قد انخَلَفَت على الأعشَرين، ورجعتُ إلى صلاتي فيه كما كنتُ (١)، قال: وبقيَ لي البيتُ في الدار [وفي جُدرانِها] خَلَق كأنه رُقعةٌ من غيرِ الثَّوب، فأحوَجَني ذلك إلى نفقةٍ في سائرِ [الدار].
قال: وقال لي مرةً أخرى: قُلْ لأبيك يُجرِّدِ الجُبّةَ التي عليه التي أخَذَ من فلانٍ في [كِرائه] وقد كنتُ أخذتُها ممّن يَسكُنُ لي موضعًا، وربّما لم يكنْ عندَه ما يؤدِّي فأعطاني جُبّتَه، قال: فصُرِفتِ الجُبّةُ على رَبِّها.
قال: واستمرَّت عليه هذه المَرائي وصار يُخبَرُ بما يكونُ، حتى لَغابوا عنه مُدّة، ثم جاءوه أو من جاءه منهم فقال: أبطأتم عنّي، قال: شُغلٌ عَرَضَ في شرق الأندَلُس شغلنا، قال: فجاء بعدَ أيام حديثُ حِصن شلفيره وأخْذِ المسلمينَ إيّاه من أيدي النّصارى (٢).
стр. 2128
قال: وأخبَرني مرّةً بخبرٍ جاء تأويلُه في رُفقةٍ أتَى عليها في الطّريق دخَلَ مَن كان فيها من التجارِ مجرَّدين.
قال: وقد نَهى أن يَستجيبَ لمن يدعوهُ باسمِه أو بكُنْيتِه إلا أيوبَ، قال: وقد سألَهم عن معنى ذلك فأخبَروه أنه إشعارٌ بمِحَن خفيفةٍ تصيبُه.
قال: وقد حدَّثوهُ بما يَؤُولُ إليه أمرُه، وما يَبلُغُه مُلكُه، ومن يقومُ بسُلطانِه، وعُيِّن له زمنُ ابتدائه، وزمنُ استيساقِه أمرَه ومقدارُ عُمُرِه، وهو أحدٌ وثمانونَ عامًا، وأشباهُ هذا من الأحاديثِ عنهُ ممّا سيأتي ذكْره بعدُ.
فحينَ سمِعتُ هذا منهُ قلتُ له: قد عادَتْ لائمتي عليك، ولا ينفَعُك عندي تبرِّيكَ ونسبةُ ذلك إليه، فإنّي أرى أمرًا لا يَليقُ بمَن سِنّه سنّ ابنِك، وما هذا بشيءٍ غبتَ عنهُ، فجَعَلَ يحلِفُ ويؤكِّدُ ما ذهبَ إليه من التبرِّي، فقلت له: ما يُبرِّيك من هذا إلّا أن تجيئَني بالطّفل حتى أرى ما يحدِّثُ به، وكيف يتحدَّثُ به، فقال: أجيئُك به اليومَ بعدَ صلاةِ العصر. ثم عدتُ إليه بنوع آخَرَ من اللَّوم، فقلتُ له: وأيضًا، فأين أنت من تأديبِه لأوّل مسموع من هذا المنكَرات؟ فقال: قد ضربتُه مئة وخمسينَ سَوْطًا، وهممتُ بضَربه مرّةً أخرى ففرَّ منِّي، ورمَى بنفسِه في البئر، وبعدَ لأي أخرَجْناهُ، فقلتُ له: واللومُ أيضًا لاحق في ذلك بما أرى مِن تحدُّثِك عنه وإذاعتِكً لأخبارِه، فقال: وهذا أيضَا شيء ما أذنبتُ (١) فيه، وإنّما غُلِبتُ عليه بصورة اتَّفقَتْ لي معَه هي التي شهرت أمرَه، وذلك أنه يَبيتُ عندَ أُمِّه، وهي ساكنةٌ -لمشاجَرةٍ بينَنا-[بيتًا] في دار رجُل أمين يَسكُنُ فيها جَماعةٌ من الناس، قال: فلم يَرُعْني إلا [أحدُهمِ جاءني وقال: قد] مات ابنُك، فبادَرتُ فوجدتُ أُمَّه تَنُوحُ عليه والناسُ مجتمعون يتحدَّثونَ حديثَه، فدخلتُ إليه فوجدتُه ميِّتًا؛ فسَعَطتُه بفُلفُل مدقوق فلم يَعطُس، فوضَغتُ [] صُوفَا عند أنفِه فبدَا لنا تحرُّكُ بعض شَعَراتٍ منه، فعلمتُ أنه حيّ، فرفعتُه على ظهرِ خادم إلى منزلي، وتَبِعني من الناس خَلْق، فدَخَلوا معي، ووُضِعَ بين يدَيّ، وصِرتُ أبكي عليه لفَجَعتي به، والناسُ يُصبِّرونَني، فمِن قائل يقول:
стр. 2129
رُزئتَ، ومن قائل يقول: لقد كان نبيلًا، ومن قائل يقول: العينُ أصابَتْه، فنحن على ذلك إذ قال بعضُ الحاضرين: أرى على يده حَرارة، فجَسَسْناهُ فصدَّقْنا ذلك، ثم مَدَّ يدًا أخرى، ثم رجلَه ثم الرّجلَ الأخرى، ثم فتَحَ عينَيْه، فنادى باسم أمِّه، فقلتُ له: يا بُنيّ، أنت في داري، فقال: ومتى جيء بي إلى هنا؟ ألم أكنْ عندَ أُمِّي، فقلت: أنا جئتُ بك، فقال لي: أيُّ وقتٍ هو، قلت: طَلعتِ الشمس، قال: سبحانَ الله! فاتَتْني صلاةُ الصُّبح، فقام فتوضَّاَ وصَلّى، فمزَجْتُ له شرابَ مُضطَكا قصدتُ به تقويةَ قلبه فقال لي: قد كنتُ بَيَّتُّ الصَّوم، ويسَّرتُ سُحوري، ففاتَني ذلك، ولا يفوتُني الصَّومُ فأنا صائم، فقلت له: يا بُنيّ، وما الذي اعتَراك؟ وأيُّ شيءٍ دهاك؟ قال: بينا أنا نائم إذْ عَرَضَ لي شيخ فقال: قُم، قلت: من أنت؟ قال: أنا أبوك إبراهيم، فقمتُ معَه فأخَذني فمشَى بي فهوِيتُ في بعض الطريق في حُفرة، فقلت: ما هذه الحفرة؟ قال: هذه الحفرةُ التي أُوقِدَت لي فيها النار، ورُميتُ فيها، ثم سِرنا في أرض سهلةٍ تغرَقُ فيها الأقدام، فانتَهيْنا إلى شخصٍ فأسلَمَني إليه، فسار بي، ثم انتَهى إلى آخَرَ فأسلَمَني إليه، ثم إلى آخَرَ فأسلَمَني إليه، وذَكَرَ أن هؤلاء: جبريلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ وهو آخرُهم، قال: فمشَى بي حتى أسلَمَني، فرأيتُ نورًا قد قَرُبتُ منه بمقدارِ أربعةِ أشبار فرُعِبتُ، فالتفتُّ إلى إسرافيلَ لأستأنسَ به فلم أجِده، ورأيتُ في التفاتي النورَ قد أحاط بي من كلِّ جانب، وبيني وبينَه ذلك المقدارُ، فسَمِعتُ صوتًا هالَني فسقَطتُ مَغْشيًّا عليّ.
قال: فخَرَجَ كلُّ مَن سمِع مقالَتَه، فأخَذَ كلُّ واحدٍ منهم يتحدَّث فيَزيدُ ويَنقُص، فوجدتُ الخبرَ ذائعًا، قائلٌ يقول: تنبَّأ، وقائل يقول: أُسْرِيَ به، وزائدٌ يَزيدُ وناقصٌ يَنقُص، فجعَلْتُ أردُّ الباطلَ، وأخطئُ الخطأ، فهذا الذي أشاعَ عنهُ الحديث، وإلّا فما كنتُ بالذي يتحدَّثُ عنه بشيء. ولمّا وجَّهتُ عليه اللّومَ في تَرْكِ تأديبِه تنصَّلَ عن ذلك [وتبرأ منه، ثم] قال لي أيضًا: لقد بَلغتُ من ذلك إلى أنْ خرجتُ به يومَ هذا (١) فقصَدتُ إرهابَه وإزالةَ ما في نفسِه، فأخذتُه فرفعتُه
стр. 2130
على حائطٍ [ليَفْزَعَ منه] فلمّا أنزلتُه قلتُ له: يا بنيّ، أرأيتَ ما أعطى اللهُ تعالى أهل هذا الأمر من العزِّ والمَهابةِ والأُبّهة! فضَحِكَ وقال: الجَزّارُ لا تَهُولُه كثرةُ الغَنَم (١). ثم حدَّثْتُ بهذا [ولدَه] في المجلس الذي أحضَرَه فيه، فقلتُ له: أهكذا كان؟ فأطرَقَ ثم رفَعَ رأسَه فقال لي: أفيكذِبُ؟
ولمّا سمعتُ منه هذا قلتُ له: انصَرِفْ وجِئْ به للموعِد، وفي خلال هذا جاء طلبةٌ فسَمِعوا بعضَ حديثِه، ورغِبوا في الحضور عشيّةَ سَماع الطفل فخَرَجوا، ولمّا صلَّيتُ صلاةَ العصرِ جاء به كما وَعَدَ، ولم يستقرَّ به المجلسُ إلا وجماعةٌ قد استَوْفَتْ لم أرَهُ يتحفَّظُ من أحدِ منهم، فأخذتُ في مُساءلتِه، فجَعَلَ الصبيُّ يحدِّثُ حديثَا لا يتلعثَمُ فيه ولا يتوقَّف، ولا يخجَلُ ولا يَهابُ، ولا يُبالي وإنكارِ مُنكَر، ولا يأنسُ بموافقة، فعجِبتُ من حالِه، فأحوَجَني ذلك إلى السؤال عن سِنِّه، فأخبَرَ أنها ثِنتا عشْرةَ سنةً، فجَعلْتُ أسألُه عمّا أسمَعني أبوه إيّاه في المجلس المفروغ منه، فجَعَلَ يحدِّثُ به كذلك وما تَركَ أذْكَرَهُ به أبوه، وربّما أخَذَه عنه فكمَّلَه، وربما سُئل عن
حديثٍ فأخَذَه عنه الأبُ وحدَّث به عنه، فيُصدِّقُه الابنُ.
وزاد في مسألةِ الصَّوت أنه سأل عن تفسيرِه إسرافيلَ في ليلةِ أخرى، فقيل له: معناه: لا تخافا إنّني معَكما أسمَعُ وأرى، يعني: أنت وأبيك.
ولمّا انتهى ذلك إلى هذه الغاية قلتُ له: يا بنيّ، أما تعلمُ أنّ هذا كلام لا يُسمَحُ فيه، ولا يَعيشُ قائلُه بشَرع؟ فقال لي: قد سألتُ عن ذلك، فقيل لي: لا خوفَ عليك، وقد أُمِرتُ بالجَهْر وإنذارِ الناس وتعريفِهم.
فقلتُ له: يا بُنيّ، ومن أمَرَك؟ قال: ربِّي. قلت: يا بُنيّ، كيف رأيتَ من رأيتَ منَ الأنبياءِ والملائكة بزَعمِك؟ قال: رأيتُهم شيوخًا إلا محمدًا، فإنه كَهْل. قلتُ: وما الكَهْل؟ -أو قال ذلك أحدُ الحاضرين- قال: مَن (٢) وخَطَه الشَّيب.
стр. 2131
قلتُ له: يا بُنيّ، المنامُ يَصدُقُ ويكذِب، ولا تَنبني عليه الأحكام، ويكونُ له التأويل، ويَبعُدُ فيه التفسير.
فقال: قد تيقَّنتُ ما قيل لي وما أُلقِيَ إليّ.
قلت [يا بُنيّ، ذلك من همَزات] (١) الشياطين والخيالاتِ الفاسدة من المَرَض الذي أصابَك.
قال: [ما هم شياطين، فإن] الشيطانَ لا يَتْلو القرآنَ ولا يتمثَّلُ بصُورة النبيّ عليه [السلام].
قلتُ له: إذا رأيتَ ذلك، أتحسُّ بألمٍ أو تنتشرُ على بدَنِك حرارة؟ [قال: لا].
قلتُ: وهل ترى شيئًا في اليقَظة؟
قال: قد رأيتُ شلانونَ في اليقَظة [مرّةً واحدة] (٢).
قلتُ: فحدّثْ عما قالوا لك في تأمينِك.
قال: قد قلتُ لهم: أخافُ أن أُقتَل، فأمَّنوني وأمَروني أن أُنذِرَ الناسَ غيرَ خائف.
قلتُ له: وذكَرَ أبوكَ أنّك قد دخلتَ الجنّة؟
[قال: نعم، دخلتُها] فرأيتُها على مئتينِ وعشرينَ درجة، فرأيتُ فيها أبا محمد بن حَزْم (٣) على مئة درجة وسبغ درَج.
وذكَرَ أنه رأى آخَرينَ لا أعيِّنُهم الآنَ.
стр. 2132
قال: ورأيتُ القاضيَ أبا عِمران بن عِمران (١) على إحدى عشْرةَ درجة، وأشيرَ في إلى درجة، قيل: هناك كان قبلَ أن يليَ القضاء، فلمّا وَلي القضاءَ هبَطَ، فعددتُ ما بينه وبينَ تلك الدّرجة فوجَدتُ ثِنتَيْ عشْرةَ درجة، فعَلِمتُ أنه كان على ثلاثٍ وعشرينَ درجة.
فقال له بعضُ الحاضِرين: وكيف رأيتَ دَرَج الجنّة؟ أكأنّها هذه الأدراج؟
فضَحِك مُنكِرًا عليه، وقال: لا، بل هكذا: باب وفوقَه باب وفوقَه باب، هكذا أبوابٌ صاعدة بعضُها فوقَ بعض.
[وذَكَر] (٢) أنه رأى على بابِ الجنّة طائرًا صغيرًا فقيل له: هذا الصبيُّ الذي قتَلَه النَّصرانيُّ في المقبُرة (٣)، وأنه أعطيّ في الجنّة [ثلاثَ] (٤) زجاجاتٍ شرِبَ واحدة (٥) كلَّها، ومن الأخرى نصفَها، ومن الأخرى ترَكَ منها يسيراً، ولم يَدرِ ما كان الشرابُ الذي فيها كلِّها.
وأنه قيل له: تأهَّبْ لانقضاءِ ثلاثةٍ وثلاثينَ يومًا، قال: فكمُلَ لهُ يومَ العيد سبعة وعشرونَ يومًا وبقِيَ ينتظرُ ما يكونُ إلى تمامِها.
قال: ودخلتُ النارَ، فرأيتُ فيها أشياء، من ذلك: تابوتٌ من نار، فقلتُ للمَلَك الذي معي: ما هذا؟ قال: يا عافِ، فجاء شخص عظيمٌ في يدِه مِفتاحٌ
стр. 2133
من نار كأنه جمرة، ففُتِحَ، فرأيتُ في التابوتِ شخصًا أبيضَ الجسم أسودَ الوجه في ساقَيْه كُبولٌ من نار. قلتُ: من هذا؟ قال لي: هذا من كانت تُضرَبُ على رأسِه الطبول وتُنشَرُ [له] الألوِيةُ في الدُّنيا، وسيُفسَّرُ لك بعدُ.
قلتُ له: فما الذي وُعدتَ به؟
قال: أخبَروني أنّي سأملِكُ الدنيا كلَّها.
وكان قد ذكَرَ في كلامِه أنه كثيرًا ما يرى في الذين يُكلِّمونَه سُليمانَ وذا القَرنَيْن، فقلتُ له: وما المعنى في ذلك؟ قال: أني أملِكُ مثلَ مُلك ذي القرنَيْن ويُسخَّرُ لي ما سُخّر لسُليمان، وذَكَرَ أنّ سُليمانَ ألبَسَه خُفَّيْن، [وأنّ ذا القرنَيْنِ فعَل] فعلًا لا أعيِّنُه الآن.
قلتُ له: ومتى قيل لك يكون هذا [المُلك؟
قال: يكونُ] ابتداؤه سنةَ ثلاثينَ وست مئة.
قال: وكمالُه واستيساقُه سنةَ [ثلاثٍ وثلاثينَ] (١).
قال: وعُمري إحدى وثمانونَ سنة.
قال: وإذا استَوْسَقَ ليَ المُلكُ بالمغرب تَركْتُ فيه رجلًا يقال له: محمدُ بن أحمد.
قال: وحينَ ذلك أمشي إلى المشرِق فَأجِدُ المَروانيَّ، وهو محمدُ بنُ عبد الله، [فأُبايعُه] عند الرُّكنِ والمقام، ويفتَحُ البلاد، ويستولي على العراق، وهُو الذي يَتِمُّ [به] أربعونَ خليفةً (٢).
стр. 2134
وأنه قيل له: إنه تَتِمُّ عليه قبلَ استيساقِ أمرِه ثلاثٌ وأربعونَ هزيمة.
وأنّ من جُملةِ ما أوصَوْهُ به أن يكونَ قتالُه كلُّه بالكمائن، حتّى لو لم يكنْ معَهُ إلا عشَرةٌ من الفُرسان يصف بعضهم ويَكمُنُ بعضهم.
وأخبَرَ أيضاً عن مقتلِ أبيه في بعض المواطِن قبلَ استيساق أمرِه.
وأخبَرَ عن الطائفةِ المنصُورة المؤيَّدة بأنهم يتعلقُ من يَبقَى منهم بجِهاتٍ من بلاد النَّصارى (١) بالأندَلُس.
قال بعضُ الحاضرين: ومن أنصارُك؟ قال: قد سألتُ عن هذا فقلتُ حين وُعِدتُ بهذا: وكيف يكونُ ذلك ومَن لي به ولا مالَ لي ولا عزَّ، ولا قَبِيل؟ فقيل: إذا كان ذلك الوقتُ أُعطِيتَ آيتَيْنِ، إحداهُما: أنك ترجِعُ تَطيرُ بالنهارِ كما تطيرُ باللّيل الآنَ، والأخرى: قضيبانِ أحدُهما أسودُ والآخَرُ أبيض، أضرِبُ بالأبيضِ على الأسود فيعودُ اللّيلُ نهارًا والقمرُ شمسًا، وأضرِبُ بالأسودِ على الأبيض فيعودُ النهارُ ليلًا والشمسُ قمرًا.
قالماله بعضُ الحاضرين: ومن الذين يقومونَ بدعوتِك؟
فانتَدبَ الأبُ يعُدُّ القبائلَ حاكيًا عنه، فعَدَّ إحدى عشْرةَ قبيلةً أكثرُها صَحراويّ، وكان الأبُ في أكثرِ هذا إمّا مشاركٌ له في الحكاية وإمّا مُذكِّرٌ بما يَترُكُ، فلم يَعدم منّي ولا من الحاضرينَ إنكارًا عليه وتعريفًا له بأنّ هذا مما يدُلُّ على أنّ أكثرَ هذا منك وإلّا فاترُكْه، فيَترُكُه قليلًا وتغلِبُه نفسُه فيعود.
وجَرى من الأحاديثِ غيرُ هذا ممّا لا أذكُرُه الآنَ، وقد تعلَّقَ الحاضرونَ بأكثرِها فهي مبثوثة.
стр. 2135
وحين انتهى إلى هذه الغاية قلتُ له: يا بُنيّ، اعلَم الآنَ أنّ هذا أمر لا يحلُّ السكوتُ عليه، ولا بدَّ من إنهائه، وأنا الآنّ قد خَطَرَ لي أن أحبِسَكما الليلةَ ها هنا حتى أبْرَأَ بكما إلى أهلِ الأمر، فقال: اصنَع ما بَدَا لك.
فقال أحدُ الحاضِرين: إذًا والله يا بُنيَّ يقتلونَك.
قال: يصنَعونَ أشدَّ [ما يقدِرونَ عليه].
قلت له: يا بُنيّ، والله لتُقتَلنَّ معجَّلًا أو مؤجَّلًا.
قال: واللهُ يقولُ الحقّ، فإنّ الله لا يُخلِفُ وعدَه.
قلت له: الشيطانُ وعَدَك ومَنّاك وغَرَّك.
قال: لا، بل [هو وعدُ الله] تعالى.
قلت: فإن قُتِلت؟
قال: إذا قُتِلتُ أُقتَلُ مظلومًا وأمضي إلى الجنّة.
قلتُ له: [ها قد بَدَأَ] تناقُضُك، ها أنت ذا قد جوَّزتَ القتلَ وقد كنت تُمنَعُه.
قال: هذا على [فَرَضِك وتقد] يرِك.
قلت لهُ: اسمَع الآن، أنا إذا ذهبتُ بكَ غدًا لا تُسِئْ معيَ [الأدب، فإنه] يلزَمُني لحقِّ الخِدمة أن أحمِلَك على تقبيلِ رؤوسِهم أو ما كان منهم حين السلام عليهم.
فقال: ما أفعَل.
فقال له بعضُ الحاضِرين: كيف لا تفعَلُ؟ ألا تقبِّلُ أيدي أهل الأمر؟
فرفَعَ إليه يدَيْه مُنكِرًا عليه. وقال: كيف أقبِّلُ أيدي قوم اليومَ وأنا أثورُ عليهم غدًا؟
وأخَذَه الحاضِرونَ بعدَ الانتهاءِ إلى هذا المقام بأنواع من الأخْذ، منه شيءٌ عليه، وشيء على أبيه، فذَكَّرَه أبوه بما أعطَوْه، فقال: نعم، أعطَوْني شيئًا آمَنُ به وأخرَجَ من جيبِه صُرَرًا فيها أشياءُ سخيفةٌ لا تُعرَف.
стр. 2136
وزَعَم أنّ شلانونَ قال له: ليلةَ الثلاثاءِ تأهَّبْ وزود معَ ذلك الشيءِ الذي أعطيتُك قطعةً من عُودٍ رَطْب، فأرانا جميعَ ذلك.
ولمّا انتهى هذا المجلسُ إلى هذا الحدّ أذَّن المؤذِّنُ بالمغرِب فصَرفْتُه واستوثَقْتُ من أبيه وانصرَفت.
وبعدَ انصرافِه عنّي نَدِمت، ورأيتُ أنّي ضيَّعتُ الحَزْم، فإنّي خِفتُ أن يرجِعا معَ أنفُسِهما فيتبيَّنَ لهما أنّ المسألةَ قدِ انتهت إلى حد لا تُترَك فيستَخْفِيا، ولم يكنْ لي حيلةٌ إلى الصّباح، ولمّا أصبَحَ غَدَوْتُ مُستخِيرًا الله تعالى (١)، فعرفتُ بها مجملًا إلا مواضعَ منه عَرَفَ مَن أدام اللهُ عزَّهما وفَهِما منه ما فَهِما ممّا لا يفهمُه غيرُهما.
وقال الشّيخُ الموقَّرُ المكرَّم أبو سعيد (٢): ينبغي أن نراه.
فقلتُ: وما تصنَعونَ برؤييه وهو شيطانٌ لا يُبالي ما يقول؟
فصوَّب ذلك الشّيخُ أبو محمد (٣) ووَجَّه بأنْ قال: أرأيتَ إن سمِعتُ منه في الأمر شيئا، أأترُكُه؟ والله لأفُكّنَّ عُنقَه، أو كلامًا هذا معناه.
فقال الشّيخُ المكرَّم أبو سعيد: ومعَ هذا لا بدَّ من أن يصيرَ هذا الخبرُ عِيانًا.
ثم قال لي: توَلَّ هذا بنفسِك، اذهب الآنَ فجئْنا به، ففعَلتُ.
ولمّا دَقَّ عليه الغلامُ البابَ -وقد كنت خائفًا ألّا أجِدَه- إذا به قد خرَجَ فقلتُ له: الطريق، فدخَلَ ودخلتُ معَه وإذا بابنِه.
فقلتُ: ما صَنَعَ هذا الطالبُ، هل رأى شيئًا البارحةَ؟ قال: لا، بل نام وقد نفَعَه ما أسمعتُموه، وأيضًا فإنه أكثرُ [ما يَرى المَرائي] (٤) إذا بات عندَ أمِّه.
стр. 2137
قلت: ولعلّ هذا من إلقاءِ الأُمِّ إليه.
[فقال]: الصبيُّ: والله [ما هو] إلا كما أخبَرتُكم.
قلت: بسم الله، أنا قد أمِرتُ أن أُحضِرَك، [فافعَلْ ما أمرتُكَ به.
فقال] الأبُ: قد عضلْته البارحةَ في ذلك فأنابَ أن يفعَلَ ما تأمُرُه به من [آدابِ السلام] عليهم.
قلت: الحمدُ لله. قال: وقد عضَلته في أن لا يَذكُرَ شيئًا ممّا وُعِدَ به [ويتجنَّبَ] إسماعَه لأهل الأمر، فأنابَ إلى ذلك.
قلت: أما هذه فإنّي قد [أخبرتُهم بكل] ما قلتَ من ذلك.
فقال لي كلامًا معناه: ما أفْضَيْتُ بهذه الحاجةِ إلّا [إليك.
فقال الابن]: لا أترُكُ شيئًا ممّا أمِرتُ بالجهرِ به، وكلُّ ما قلتُ لك أقولُه لهم.
قلتُ له: ولا [تطوِّل] ولا تسيّبْ لسانَك، ولا تقُلْ إلّا جوابَ ما أسألُك عنه. قال: نعم، فخرجْتُ معَهم.
ولمّا دخَلَ الطّفلُ على مَن أدام الله عزَّهم، حمَلتُه إلى كلِّ واحد منهم، فسَلَكَ كما أردتُ، وجلَسَ واستُنطِقَ (١) فنَطَقَ بكلّ ما تقَدَّم ذكْرُه غيرَ متهيِّبٍ ولا متحرِّج، غيرَ أنه بعدَ لأيٍ ما أخبَرَ عما وُعِد به، ولم يفعَلْ إلا بعدَ أن قال له الشّيخُ الموقَّرُ أبو سعيد: يا بُنيّ، قد قلتَ ما هو فوقَ [هذا] فلمَ سكتَّ عنه؟
قال: قد فُهِم عنّي المقصود.
فقلت له أنا: كيف يُفهمُ عنكَ ما لم يُسمَع منك؟ أما أنا فقُلْ عنِّي: إني فهمتُ مقصودك؛ لأني قد سمِعتُ منك، أمّا هؤلاءِ الأشياخُ فمِن أين وهم لم يسمَعوا؟
قلت: أخبرت أنك تكونُ سُلطانًا.
стр. 2138
قال: نعم، وأخَذَ يحدِّثُ بكلّ ما أريدُ أن يحدِّث به، حتّى خَطَرَ لي أنّ توقُّفَه إنّما كان لِما قد رُبِطَ من أن لا يقولَ إلا جوابَ ما يسألُ عنه.
وممّا جرى في هذا المجلس أنّ الشَّيخَ المكرَّم أبا محمدٍ قال له: ولمَ تُصلِّي وتصومُ وأنت -كما تزعُم- غيرُ بالغ؟
قال: أتطوَّع.
وقال له أيضًا: ولم تَتعَبُ في القراءةِ وأنت يأتيك الخبَرُ من السماء؟
قال: أخرُجُ عن صِنفي.
فقال له الشّيخُ الأجَلّ المعظَّمُ أبو سعيد: وقد خرَجْتَ عنهم خروجَ سُوء، أو كلامًا هذا معناه.
وجَرى فيه أيضًا أنْ قلتُ له: لمَ تكلَّمتَ بهذا الذي زعَمتَ بأنك أُمِرتَ به؟
قال: أفأعصيه؟
قلت: وقد قلتَ: إنك لم تبلُغْ، فهذه الأوامرُ من جُملةِ ما لم يَلزَمْك.
قال: أفأعصيها؟ أو كلامًا هذا معناه.
قلت له: أدَّبك أبوك على هذا قطُّ؟
قال: نعم، ولكنه ظلَمَني، أو كلامًا هذا معناه.
قال له الشّيخُ الموقَّرُ أبو محمد: أوَلم تطلُبْ منهم ما يكونُ مصدِّقًا لك؟
قال: قد فعلتُ، وذكر قصّةَ القضيبَيْن. وحين انتهى المجلسُ إلى هذا الحدّ أمَروني [بردِّه إلى والدِه] ففعلتُ وانصرَفْتُ إلى منزلي؛ وفي بقيّةِ هذا اليوم [ورَدَ علَيّ] ما مكَّنَ الرَّيْبَ فيه، وحقَّق التُّهمةَ في حقّه، وقوَّى ذلك [عندي أنه] جاءني ذلك الطالبُ الحاكي عنه ما حَكَى من أمرِ لا نبيَّ بعدَ [محمد، هو] خاتمُ النَّبيئين، فقلتُ له: أثبتَّ (١) على ما قلتَ لي؟ قال: نعم، واستَجْلبَ [أشياءَ أخرى]
стр. 2139
قَوَّت عندي ما أوجَبَ البكورَ بالتعريفِ بهذا كلِّه، وهاهنا سمِعتُ أنه في هذا اليوم أُمِر بالاستيثاقِ منهما بالتقييد.
قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: هذا آخِرُ ما وجدتُ بخطِّ أبي الحَسَن ابن القَطّان من هذه القصّة، وعرَفتُ منَ ابنِه أبي محمد شيخِنا ومن غيره من شيوخِنا أنهما قُتِلا من الغدِ صَبْرًا بالسَّيف، وأنّ الأبَ رغِبَ في تقديم الابن حتى يشاهِدَ مصرعَه، ويحتسبَه عندَ الله ، ويحقَّ عندَه بُطلانُ ما كان يَصدُرُ عنه من تلك التخيُّلاتِ الكاذبة، فقُدِّم الابنُ على مقترَحِه، وأُتبعَ الأبُ، فكان أمرُه عِبرةً للسائلينَ وتحدَّث الناسُ به مُدّة.
قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه (١): ولمّا توفِّي العادلُ مقتولا كما تقَدَّم، اقتضَى نظَرُ أهل الحَلّ والعَقْدِ بمَرّاكُش تقديمَ أخيه أبي العلاءِ إدريس الملقَّب بالمأمون. فبايَعوهُ وكتَبوا بيعتَهم إليه وهو بإشبيلِيَةَ، والأندَلُسُ كلُّها لنظرِه، فاستَخْلفَ على مَرّاكُشَ أبا حَفْص عُمرَ بن أبي حفص عُمرَ بن عبد المؤمن، ثم إنّهم استبطَأوهُ فنَكَثوا بيعتَه، وامتَنعَ من نكْثِها أبو حفصٍ هذا وأبو عليٍّ عُمرُ بن تفراجين، فقتلوهما وبايَعوا أبا زكريّا يحيى الملقَّبَ بالمعتصِم بنَ أبي عبد الله الناصِر، وكان ممّن حضَرَ نَكْثَ البيعةِ المأمونيّة وتقديمَ المعتصم أبو الحَسَن ابنُ القَطّان خوفًا على نفسِه من المأمون، إذ كان أخا العادل، وحرصًا على نَيْل الحُظوةِ عندَ المعتصم، كما كان حَظِيًّا عندَ أخيه المستنصِر، وأبيهما الناصِر وجدِّهما المنصُور. ولمّا انتهى إلى المأمونِ نقْضُ ما أبرَمُوه من بَيْعتِه ونكثُهم إيّاها وتقديمُهم أبا زكريّا ابنُ أخيه وكان معظمُ كبارِهم قد كتَبَ كلُّ واحد منهم كتابًا إليه بتأكيدِ البيعة وتقرير وسائلِه لديه -أحفَظَه ذلك، واشتدَّ حنَقُه عليهم، وأجاز منَ الأندَلُس
стр. 2140
في سبع مئةٍ أو نحوِها من النَّصارى (١) مستنجدًا بهم وبمَن التَفَّ عليه من قبائل العرب ورئيسُ سُفيانَ منهم أبو الحَسَن جرمون، وهسكورةُ، ورئيسُ قبيلةِ بني مصطا منهم أبو عليّ عُمرُ بن وقاريط، [فقَصدَ بهم مَرّاكُش] فبرَزَ إليه ابنُ أخيه بظاهرِها، فالتقَى الجمعانِ على إيقليز: جبَل [مُطلّ على مَرّاكُش] فهُزِمَ المعتصمُ وانتُهِبت محَلّاتُه، ودخَلَ المأمونُ مَرّاكُش [....] بقِينَ من جُمادى الأولى سنةَ سبع وعشرين وست مئة، فلمّا كان [يومُ الجُمُعة] تقدَّم أمرُه إلى قارئ العَشْرِ (٢) الجارية قراءتها قبلَ صعودِ الإمام المِنبر [حسَبَ العادة] وعيَّنَ له قراءةَ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] الآيات إلى قولِه تعالى: [﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾] إلى آخر الآية [الإسراء: ٣٣] فاستَشْعرَ الباقونَ بمَرّاكُش من رؤساءِ الدولة أنّ المأمونَ [طالبُ ثأر] أخيه العادل، فلمّا كان من الغَدِ أُحضرَ صَناديدُهم، وكانوا اثنينِ وأربعينَ رجلًا، إلى قُبّةِ جلوسِه، وهي القُبّة التي قد كان أحدَثَها الناصرُ بزاويةِ الرّحبةِ الكُبرى، وأحا مُفتَتَحَيْها يقابلُ الشَّمال والآخرُ يُقابلَ الغرب، وقد عَمَرَ الرَّحبةَ بنحوِ ألفَيْ فارس كاملي شِكّة الحَرب، ونحوِ ألفِ راجل من الجاري عليهم اسمُ عَبِيد الدار بحرابِهم، ولّما استقَرَّ به المجلسُ أمرَ القارئَ بقراءةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآيات إلى آخِر السورة، ولمّا انتهى القارئُ إلى قولِه تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] نكَثَ المأمونُ في الأرضِ