وأبي الحُسَين بن أُبيّ، وأبي خالد بن رِفاعة، وآباءِ عبد الله: ابن بَشْكُوال والبَيْسانيّ وابن حَمِيد، وابن زَرْقُون وابن الصَّقْر وابنِ عبد الله بن حَبَاسة وابن عَمِيرةَ والقبَاعيِّ وابن المُجاهد، وأبي عبد الملِك مَرْوانَ بن عبد العزيز، وأبي العبّاس بن سيِّد، وآباءِ القاسم: ابن بَشْكُوال وابن حُبَيْش وابن رُشْد الوَرّاق، وآباءِ محمد: ابن عُبَيد الله وابن فَرَج وابن مُغِيث وعبد الحقِّ بن بُونُه والقاسم بن دَحْمان، وأبي الوليد الحَسَن ابن المُناصِف.
وبالبلادِ المشرِقيّة وأصبَهانَ وبغداد [وواسِطَ وخُراسانَ] ونَيْسابُورَ وسراسَ (١) وطموسَ (٢) وجُرجانَ وساوةَ وأوَه وشِيرازَ ودِمشقَ وبيتِ المَقْدِس وغيرِها.
وكانت رحلتُه أفي طلبِ الحديث، أخَذَ فيها عن] أبي إسحاقَ إبراهيمَ بن محمد بن أبي الفَضل الناصِحيّ وأبي جعفرٍ [الصَّيدَلانيِّ] وأبي الفَتْح بن محمد ابن خالَوَيْه، وأبي الحَسَن عبد الرّحيم بن عبد الرّحمن [بن الحَسَن الجرجاني] الشعري (٣)، وأبي سعد عبد الله بن عُمرَ ابن الصَّفّار (٤)، وأبي بكرٍ وأبي [.... وأبي] القاسم منصُور بن أبي المَعالي عبد المُنعم بن أبي البَرَكات عبد الله [بن أبي] عبد الله محمد بن الفَضْل الصّاعديِّ الفُرَاويّ (٥)، وأبي الفَرَج عبد الرّحمن بن
стр. 2172
عليّ ابن الجَوْزيّ وغيرِهم، وأجاز له أبو الوقتِ عبدُ الأول (١)، وحدَّث بالإجازةِ عن أبي الطاهِر السِّلَفيّ.
رَوى عنه ابنُه [شَرَفُ] الدِّين أبو [الطاهر محمدٌ] وابنُ أخيه [......] الدِّين [.......] (٢)، وبالأندَلُس أبو الحُسَين عُبَيدُ الله بن عاصِم الدائريُّ، وبسَبْتةَ أبو العبّاس بن محمد المَوْرُوريُّ، وبتونُسَ أبو عبد الله بنُ عيسى ابن المُناصِف، وبالقاهرة: أبو إسحاقَ بن أحمدَ ابن الواعِظ المَرّاكُشيُّ وأبو الفَضْل أبو القاسم بن عليِّ بن عبد العزيز بن البَراءِ التنُوخيُّ المَهْدَويُّ نزيلُ تونُس. وحدَّث عنه بالإجازة أبو عبد الله ابنُ الأبّار، وأبو الوليد إسماعيلُ ابن الطَّوّاب، وأبو محمدٍ حَسَنٌ ابنُ القَطّان، كتَبَ إليه من القاهرةِ باستدعاءِ أبي إسحاقَ ابن الواعِظ.
وكان راويةً للحديثِ شديدَ العناية بلقاءِ المشايخ والأخْذِ عنهم، متّسعَ الرواية، جيّدَ الخَطّ، مُحكَمَ التقييد، ذاكرًا تواريخَ المحدِّثينَ وأخبارَهم حافظًا للآداب، ذا حظّ صَالح من اللغة ومُشاربهة في العربيّة، كثيرَ الشذوذِ في أحوالِه وملبَسِه وشارته، متَّهمًا في روايتِه، مَرْميًّا بالكذِب فيما يحدِّثُ به.
واستُقضيَ بدانِيَةَ مرّتَيْنِ، ثم صُرِف عنها لسيرةٍ نُعِيَتْ عليه.
ولمّا قَدِم مصرَ استأْدَبَه العادلُ أبو بكر بن أيّوبَ لوليِّ عهدِه الكامِل أبي المعالي محمد.
стр. 2173
ولمّا عاد إلى مصرَ من رحلتِه العراقيّة صار لهُ بها عندَ الكامل جاهٌ عظيم وحُظوةٌ عَلِيّة ومكانةٌ كبيرةٌ بَعُدَ العهدِ بمثلِها، ونال بها دُنيا عريضةً، حتى لَيُذكَرُ أنه همَّ بنَصبِه خليفة، وبعَثَهُ رسولًا إلى الخليفةِ الناصِر لدين الله ببغداد، فتلقّاه الناصرُ أحسَنَ تلقٍّ، وقفَى مآربَه التي توجَّه رسولًا إليه بسببِها، وأجَلَّ قدرَه وأجزَلَ صِلتَه، وأنفَذَه رسولًا إلى بعضِ ملوكِ العَجَم وراءَ النّهر، فنَهضَ بذلك وأحسَنَ السِّفارةَ فيه، وعُنيَ هناك بلقاءِ بقايا شيوخ العِلم بتلك البلاد، وناظَرَهم وظهرَ شُفوفُه عندَهم وتبريزُه، وبَعُدَ صِيتُه وبعُدَ أمرُه واستفاضَ [ذكْرُه، وجَمَعَ من] فوائدِ تلك البلاد ومصنَّفاتِ عُلمائها ما لا عَهْدَ لأهلِ بغدادَ [به، ثم استقَرَّ] بالقاهرة.
ومن مصنَّفاتِه سوى ما ذُكِر: "الآياتُ البيِّنات [في ذكْرِ ما في أعضاءِ رسول] الله ﷺ من المعجِزات": مجلّد، و"المستوفَى في أسماءِ [المصطفى"]: مجلَّد، و"البِشَاراتُ والإنذارات المتلَقّاةُ من أصدقِ البراءات": [في ثلاثِ مجلّدات] و"أعلامُ النّصرِ المُبِين في المُفاضَلةِ بين أهلَيْ صِفِّين"، و"العَلَمُ المشهور [في فضائل] الأيام والشهور" (١).
وأنشَدَني شيخُنا أبو محمدٍ حَسَنٌ ابنُ القَطّان ﵀ عن أبي الخَطّاب ابن الجُمَمل لنفسِه فيما أذِنَ له في روايتِه عنه، وأنشَدَه إياه أبو إسحاقَ ابنُ الواعِظ، قال: أنشَدَني أبو الخَطّاب لنفسِه (٢) في نَسْخ الأحاديثِ المشهورةِ بالضَّعف [من الطويل]:
أحاديثُ نسطورٍ ويُسرٍ ويَغنُمٍ ... وقولُ أشجِّ الغَرْب بعدَ خِراشِ
стр. 2174
ونسخةُ داوب وأخبارُ تربِهِ ... أبو هُدبةَ البصريِّ شبهُ فراشِ (١)
وأنشَدَ أبو بكرٍ عَتِيقُ بن عُمر بن عليّ القُسَنْطينيُّ (٢) قال: سمعتُ من لفظِ أبي الخَطّاب، يعني ابنَ دِحيَةَ، قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: ونَسَبَها بعضُهم له [من الكامل]:
ذِكْري لطَيبةَ طيِّبِ النفَحاتِ ... والشّوقُ منّي دائُم اللَّفَحاتِ
أُهدي لها منّي تحيّةَ مغرَمِ ... تُغني عن التقبيل والرَّشَفاتِ
لمَعاهدٍ عهّدت من سُكّانِها ... جِبريلُ يتلو مُعجِزَ السُّوراتِ
فلئن كَحَلتُ بكُحلِ تُربةِ طيبةٍ ... طَرفي وفُزتُ برؤيةِ الحُجُراتِ
لأُعفِّرَنَ مَصُونَ شَيْبي عندَها ... ما عِشتُ في الغَدَواتِ والرَّوْحاتِ
وألوذُ بالقبرِ المقدَّس تُربُهُ ... وأخُصُّ مَن يَحويهِ بالصَّلَواتِ
وأقولُ: يا خيرَ الأنام ومَن بهِ ... هديُ العبادِ وخُصَّ بالآياتِ
اشفَغ لعبدٍ مذنبٍ من آلِكمْ ... عنهُ تُعبِّرُ ألسُنُ العَبَراتِ
فلكَ الشّفاعةُ والمكانةُ والنُّهَى ... ولك الترفُّعُ في عُلى الدرَجاتِ
стр. 2175
وأنشَدَني الشّيخُ أبو محمدٍ حَسَن ابنُ القَطّان ﵀، قال: أنبأني أبو الخَطّاب -يعني هذا- إجازةً، وأنشَدَنيه عنه صاحبُه أبو إسحاقَ ابنُ الواعِظ، قال: أنشَدَني أبو الخَطّاب [ونَسَبَها] لنفسِه [من البسيط]:
[.....] تَأتّى أن يكونَ لهُ .... مالٌ فذلك أعلى الناسِ مِقدارا
[....] الأيدي مقدارَ ثروتهِ ... يَزيدُ منزلةً ما زاد دينارا
[.......] ولائم على عَدَم ... إنّ الفَتى لم يزَلْ للعَيْبِ سَتّارا
[فعِشْ] (١) فتًى همُّه إعلاءُ همّتِهِ .... واستغفِرِ الله تلْقَ الله غفَّارا
وُلد ببَلَنْسِيَةَ سنةَ ستٍّ وأربعينَ وخمس مئة، وتوفِّي بالقاهرة لأربعَ عشْرةَ خَلَت من ربيعٍ الأول سنةَ ثلاثٍ وثلاثينَ وست مئة. وقال ابنُ الأبار: بَلَغَني أنه توفِّي بالقاهرة سنةَ أربع وثلاثينَ وست مئة. وقال ابنُ فُرتون: قبلَ الأربعينَ بيسير، قولَ من لم يضبِطْهُ.
٢٤ - عُمرُ (٢) بن ذَمّام بن المُعتزِّ الضُنهاجيُّ اللَّمتُونيُّ، أبو حَفْص.
رَوى عن أبي عليّ بن سُكّرة.
٢٥ - عُمرُ بن عبد الله بن عبد الرّحمن بن عبد الله بن محمد بن إسماعيلَ بن جَمِيل بن نَصْر بن صِمع القُرَشيُ، كذا نقَلتُ نَسَبَه من خطِّه، تونُسيّ، نزَلَ مَرّاكُش، أبو حَفْص وأبو عليّ، ابنُ صِمع .
وهو سبطُ المؤدِّب المشهورِ الفَضْل بتونُسَ أبي محفوظٍ مُحرِز (٣) بن خَلَف بن يَربُوع التّميميِّ.
رَوى ببلده عن آباءِ حَفْص العُمَرَيْن: الأنبنونيِّ وابن محمد بن عبد السيّد الهاشِميّ وابن مَيْمونٍ الرَّبَعيِّ ابن الشّعريّة، وأبي ساكِن عامر بن محمد بن عامر
стр. 2176
التّميميِّ واختَصّ به، وأبي الطاهر إسماعيلَ بن إبراهيمَ القُرَشيِّ ابن الحَدّاد، وآباءِ عبد الله المُحمّدِين: ابن أحمدَ بن عُمرَ الأنصاريِّ وابن طاهِر وابن عثمانَ المؤدِّب ابن الأربسيّ، وأبي العبّاس أحمدَ بن عليّ بن عبد الجَبّار الرَّسُوليّ ابن الخَارِجيّ، وأبي القاسم عبدِ الرّحمن بن عُمرَ بن يسيني، وآباءِ محمد: عبدِ الله بن أبي القاسم، وعبد الحقِّ بن عذارٍ السُّلَميِّ، وعبد السيِّد بن محمد بن عبد السيِّد شقيقِ أبي حَفْص المذكور، وبمَرّاكُشَ وغيرِها: عن أبي بكر ابن الجَدّ، وأبي جَعفر بن مَضَاء، وأبي الجَيْش مُجاهد، وآباءِ الحَسَن: ابن عبد ربه الصِّقِلِّي وابن مؤمن وابن هشام الجُذَاميِّ ونَجَبةَ، وأبي زكريّا المَرجِيقيّ، وآباءِ عبد الله: ابن حَمِيد وابن زَرْقون وابن عَمِيرةَ وابن الفَخّار، وأبي عبد الملِك مَرْوانَ بن عبد العزيز، وأبي العبّاس بن محمد النافِعيِّ، وآباءِ القاسم: ابن أيّوبَ بن تَمّام المالَقيِّ وابن حُبَيْش والسُّهيْليِّ، وآباءِ محمد: ابن عبد الله وابن عبد الرّحمن البَكْريِّ وابن محمدٍ التادَليّ وعبد المُنعم ابن الفَرَس، وأبي الوليد [.......].
[رَوى عنه أبو] الحَجّاج ابنُ الفَتْح، وأبو الحَسَن بنُ أبي إسحاقَ بن عبد العزيز .... وأبَوا عبد الله: ابنُ عبد الله بن عبد العزيز الخَرُوف [وابن .... وأبو] العبّاس بن محمد بن عبد الله بن العَزّام، وأبو يعقوبَ ابن الزَّيّات.
وكان [مُنصرِفًا عن] الدُّنيا زاهدًا فيها عن تمكُّن منها، مُجانِبًا خُلطةَ أربابِها [مائلًا إلى التقشُّف مقرِّبًا] للصّالحينَ، متواضِعًا جاريًا على سَنَن السَّلَف الصّالح، راويةً للحديث، من [أهل الضَّبْطِ] والعدالة فيما يَنقُل، متحقِّقًا بالفقه، كتَبَ الكثيرَ على ضعفِ خطِّه، وصنَّف في شواذِّ المذهبِ المالكيِّ مجلَّدًا لطيفًا.
توفِّي بعدَ الزّوال يومَ الجُمُعة لأربع بَقِين من جُمادى الأولى سنةَ ثمانٍ وتسعينَ وخمس مئة، وصَلّى عليه أبو زكريّا المَرْجِيقيُّ (١)، ودُفن إثْرَ عصرِ يوم السّبت تالي يوم وفاتِه بمقبُرة تامَرّاكُشتَ داخلَ مَرّاكُش إزاءَ شيخِه أبي عبد الله ابن الفَخّار بوصيّةٍ منه بذلك.
стр. 2177
قال أبو الحَجّاج ابنُ الفَتْح: رأيتُه رحمه اللهُ تعالى، يعني أبا حَفْص ابنَ صمع، في النّوم بعدَ وفاتِه، فقلتُ له: أين سُكناك؟ فقال: في حارةِ التوفيق (١).
٢٦ - عُمرُ (٢) بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عُمرَ السُّلَميُّ، أغْماتيٌّ -أغماتَ وَريكة- فاسيُّ الأصل قديمًا، شُقْريُّه حديثًا وقديمًا، سَكنَ فاسَ كثيرًا وغيرَها أحيانًا؛ أبو حفص، ابنُ عمر.
حدَّث بالإجازة عن جَدِّه للأُمِّ أبي محمدٍ سِبطِ الحافظ أبي عُمرَ بن عبد البَرّ، وتفَقّه بأبيه، ولزِمَ في النّحوِ أبا بكر بنَ طاهر الخِدَبَّ واختَصَّ به كثيرًا، وأخَذ عن أبي عبد الله بن عليّ ابن الرَّمّامةِ طويلًا، ورَوى عن أبي مَرْوانَ بن مسَرّةَ، وأجازَ له أبو الطاهِر السِّلَفيُّ.
رَوى عنه أبوا عبدِ الله: ابنُ أخيه أحمدُ بن عُمرَ السُّلَميّ وابنُ عبد الرّحمن التُّجِيبيُّ -وهو نظيرُه- وأبو بكر بن محمد بن عبد العزيز ابنُ أُختِ ابنِ صافٍ، وأبو جعفر بنُ فَرقَد، وأبَوا الحَسَن: الدَّبّاجُ وابن عبدِ الصّمد ابن الجَنّان، وأبو الخَطّاب بن خليل، وأبو الرّبيع بن سالم، وآباءُ العبّاس: البَطْبَط وابنُ رأسِ غنمة والمَوْرُوريُّ وابن يَعلَى بن شُكَيْل، وأبو مَرْوانَ الباجِيُّ.
وكان حَسَنَ الخَلق، بهيجَ المنظر، جميلَ الهيئة، متفنِّنًا، حافظًا للفقه، راويةً مُسنِدًا، رئيسًا من رُؤساءِ النُّحاة، قال أبو الحَسَن ابنُ خَروفٍ النَّحويُّ -وكان صديقًا له-: كنّا نَجتمعُ عندَ الأستاذِ أبي بكر بن طاهر ومعَنا أبو ذرّ بن أبي رُكَبٍ
стр. 2178
وغيرُه من جِلّة الطّلبة ونبهائهم، [فكان] أبو حَفْصٍ أحدَّنا ذهنًا وأصوَبَنا نظرًا وأسبقَنا [إلى الفَهْم والإجابة] وكان أديبًا شاعرًا مطبوعًا، كاتبًا بارعًا، مُمتِعَ [المجلس فَكِهَ المُحاد] ثة، قديمَ النَّجابة جيِّدَ الخَطّ، وغلَبَ عليه الأدبُ حتى عُرِف به.
[فمِن شعرِه] المُطرِب: قولُه [من الوافر]:
[همُ نَظَروا] لواحظَها فهاموا ... وتَشرَبُ عقلَ شاربِها المُدامُ
[يَخافُ] الناسُ مُقلتَها سواها ... أيُذعِرُ قلبَ حامِلهِ الحُسام؟
[سَمَا] طرفي إليها وهْو باكٍ ... وتحتَ الشمس ينسكبُ الغَمامُ
وأبصرُ قَدَّها فأنوحُ شوقًا ... على الأغصانِ تَنتدبُ الحمامُ
وأعقَبَ بَيْنُها في الصَدرِ غمًّا ... إذا غَرَبتْ ذكاءُ أتى الظلامُ
وخرَجَ في صِغَرِه معَ أبيه من مدينة فاسَ إلى لقاءِ أبي محمدٍ عبد المؤمن بن عليّ في بعض قَدماتِه عليها، فلقِيَا القاضيَ أبا يوسُفَ حَجّاجًا (١) فسَلّما عليه، فسأل القاضي أباه عنه قال: من الشابُّ؟ فقال أبوه: عبدُكم ابني، فسأله: هل قرأَ شيئًا؟ فقال: نعم، ويَقرِضُ الشِّعر، فقال له القاضي أبو يوسُف: أجِزْ -وكان ذلك عندَ الأصيل وقد بانَ تأثيرُ الشمس في وجهِ أبي حَفْص-[مخلع البسيط]:
* وَسَمَتْك الشمسُ يا عُمرُ *
فأجاز بديهة بقوله [من مخلع البسيط]:
...................... ... سمةً لنا فيها عِبَر
عَرَفَتْ قَدرَ الذي صنَعَتْ ... فأتَتْ صفراءَ تعتذرُ
فاستَنْبَلَه القاضي وعَدَّ ذلك من مُستغرَباتِه.
стр. 2179
وكان أبو العبّاس القورائيُّ ببَذائهِ المشهورِ عنه كثيرَ الاجتراءِ عليه والنَّيل منه، حتى انتَهى إلى أن قال مُعرِّضًا به [من الرمل]:
قَيْنةٌ في فاسَ تُدعى عَمرةَ ... ذاتُ حُسن ودلالٍ وخَفَرْ
نَصِفُ السنِّ ولكن يُرتجَى ... ردُّما فات بتسويدِ الشّعَرْ
قلْ لها عنّي إذا لاقيتَها ... قولةً تَترُكُ صَدعًا في الحَجَرْ
هبْكِ كالخنساءِ في أشعارِها ... أو كليلى هل تُجارينَ الذَّكَرْ
نَبَغت عمرةُ بنتُ ابنِ عُمر ... هذه -فاعتبروا- أُمُّ العِبَرْ
فكان أبو حفصٍ لسموِّ همّتِه وعلوِّ منصبِه يُعرِض عنه ترفّعَا عن مُقاولتِه، وأنفةً منَ الانحطاط إلى مُشافهتِه، وفي شأنِه معَه يقولُ أبو حفص [من المتقارب]:
نهانيَ حِلمي فما أظلِمُ ... وعزَّ مكاني فما أُظلَمُ
ولابدَّ من حاسدٍ قلبُهُ ... بنور مآثرِنا مُظلِمُ
رحِمتُ حَسُودي على أنهُ ... يعذّبُ فيّ ثم لا يرحَمُ
بَغانا الحَسُودُ فلسنا كما ... يقولُ ولكن كما يعلَمُ
وبَلَغت هذه القطعةُ أبا العبّاس فقال: والله ما أعلمُ خبرَه، [وبَلَغَ قولُه] إلى أبي حفص فقال: ذلك ممّا يقول، أي: ليس مما يعلَم، ثم إنّ [أبا العبّاس رأى عند، أبي حفصٍ نُسخةً من "السِّيَر النبويّة" كانت ممّا صحَّحها أبو حفص [وأحسَنَ ضبطَها] وأتقَنَ تقييدَها، فاستَوْهبَها منه فوَةبَها له، فكان أبو العبّاس [بعدَها إذا جَرى] ذكْرُ أبي حفص يقولُ فيه: رَيْحانةُ القُضاة.
وكانت له سُرِّيّة، ثم أهدِيَتْ [إليه] وَصيفة تُعرَفُ أنها بنتُ تلك السُّرِّيّة، فكتَبَ إلى مُهدِيها إليه بعدَ صَرْفِها عليه [من الكامل]:
يا مُهْدِيَ الرشإ لذي ألحاظُه ... تركَتْ فؤادي نصبَ تلك الأسهمِ
إنّ الغزالةَ قد عَلِمنا قبلَها ... سرَّ المَهاةِ وليتَنا لم نعلمِ
стр. 2180
ما عن قِلًى صُرفت إليكَ وإنّما ... صَيْدُ الغزالةِ لم يُبَحْ للمُحرِمِ
رَيْحانةٌ كلُّ المنَى في شمِّها ... لولا المهيمنُ واتقاءُ المَحرمِ
يا ويْحَ عنترةٍ يقول وشَفَّه ... ما شَفَّني جهرًا ولم يتكلمِ:
(يا شاةُ ما قنص لمَن حلَّتْ لهُ .... حَرُمت عليّ وليتَها لم تَحرُمِ)
وكلامُ أبي حفص نظما ونثرًا في جميع الفنونِ مسبوكٌ مخلَّص نبيلُ الأغراض، وله في معاني الزُّهدِ والمواعِظ وما نَحَا تلك المناحيَ قِطَعُ نظمٍ رائقة، وفصولُ نثر فائقه، منها قولُه:
الدنيا، حَفِظَك الله، كما قد عَلِمت، فأعرِضْ بحِلمِكَ عن جهلِها، وارغَبْ بنفسِك عن أهلِها، واذكُرْ قبيحَ أنبائها، واصرِف حبالَ أبنائها، ولا ترتَع في رَوْضِهم، ولا تكرَع في حوضِهم، وقلِ: الله، ثم ذَرهم في خَوْضِهم (١)، وإذا مرَرْتَ باللاغينَ في ذكْرِ محاسنِها، اللاهينَ بحُسن ظاهرِها عن قُبْح باطنِها، فالهُ عن لهوهم، ومُرَّ كريمًا بلغوهم، مَرَّ المهتدي في سَيْرِه، وأعرِضْ عنهم حتى يخوضوا في حديثٍ غيرِه (٢)، فالسِّيادةُ والسّعادةُ في نَبْذِها، لا في أخذِها، وفي تركِها، لا في دَرْكِها، فإليكَ عن وَضلِها إليك، وعليكَ بهَجْرِها عليك، واتلُ قولَه تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] , وقولَه تعالى: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] , واحرِصْ أن تكونَ منهم، [فزُخرُف الدُّنيا في نَظَر] العينِ زَيْن، وفي نظرِ العقل شَيْن؛ فغمِّضْ عينَيكَ تبصِر، [ولا تَمُدَّهما وأقصِرْ] , جَعَلَنا اللهُ ممن نظَرَ بقلبه، وأبصَرَ بلُبِّه، فأولو الألباب والفِكَر، [هم] المخصُوصونَ بالذِّكْر في الذِّكَر، والعلمُ أرفَعُ المزايا، وأوسعُ العطاياَ، [وهو غايةُ المنالِ والمَدْرَك] مَن نالَه أيُّ شيءٍ فاته؟! ومن فاتَهُ أيَّ شيءٍ أدرك؟ [ولا علمَ إلا علمُ] الكتاب والسُّنة، هما أفضلُ العطايا والمِنّة، فمَن عَلِمَهما ونظَرَ فيهما [وعَمِل بهما] , نالَ غايةَ السعادة، وأدرَكَ منتهى السِّيادة، قال اللهُ
стр. 2181
تعالى لنبيِّه الكريم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] , هذه المزايا العالية، والعطايا الواسعةُ الباقية، [لا ما نَهَتْ عنه الآيةُ الثانية] , جعَلَنا اللهُ ممّن أبصَرَ رُشدَه، وذكَرَ مرَدَّه، ووجَّه إليه قصدَه، ورَأى في أولِ أمره آخرَه، وابتغَى فيما آتاه اللهُ الدارَ الآخرةَ، بمنِّه وفضلِه.
وأتْبَعَ هذا النثرَ هذه القطعةَ الشِّينية، وقد سَمَّطَها القاضي أبو أُميّةَ بن عُفَيْر، وذلك ممّا أنشَدتُه على شيخِنا ابنِه أبي الوليد بن أُميّةَ عنه، وهذا سرْدُها أصلًا وتسميطًا [من مخلع البسيط]:
باعَ هداهُ بغير ثُنيا ... مَيِّتُ جَهْل مُناهُ أحيا
خِبْتَ لعَمرُ النّجاح سَعْيا ... يا راكضًا في طِلابِ دُنيا
ليسَ لمَن تصرع انتعاشُ
أمَا تَرى راميَ الحِمامِ ... أغراضُهُ أنفُسُ الأنامِ
عرَّضتَ جنْبَيْك للسِّهامِ ... تنحَّ يا عُرضةً لرامِ
أسهُمُه بالردى تُراشُ
يا لاهيًا أغفَلَ المَآلا ... يسحَبُ أذيالَهُ اختيالا
في شَأْوِ عِصيانِهِ ضلالا ... أعذَرُ منك الفَراشُ حالا
علِمتَ ما يجهلُ الفَراشُ
قَدَحت زَنْدَ الهوى سَفاها ... دارٌ تورطتَ في هواها
أنتَ بما صدَّتْ مَن حَباها ... تَحُشُّ (١) نارًا هوَت لظاها
بمن له حولَها انحياشُ
مَنَّتْكَ دُنياك وهْي مَيْنُ ... [..................] (٢)
стр. 2182
فهمّك التِّبرُ واللُّجَيْنُ ... تطلُبُها لا تنامُ عينُ
عنها ولا يستقرُّ جاشُ
مهما ثَنَى عَزْمَك ارتجاعُ ... دنياكَ فاحذَرْ [ها شَعاعُ]
كم أَمَّها معشَرٌ فضاعوا ... دعها فطُلّابُها رَعاعُ
طاشت بألبابِهم فطاشوا
دُنياكَ هذي لها رُواءُ ... وتحتَه إن بحثتَ داءُ
ما لأمانيِّها انتهاءُ ... كأنّ آمالَها ظِبَاءُ
ونحن من حَيْرةٍ خِراشُ (١)
وصِلْ صلاةً بفضلِ صومِ ... واجهد ولا تنسَ رَوْعَ يومِ
يَشِيبُ من هوْلِهِ ابنُ يومِ ... واظمَأْ لتُروَى وكن كقومِ
ماتوا بها عفّةً فعاشوا
شِبتَ ومازلتَ عن شبابِ ... تفتحُ للَّهوِ كلَّ بابِ
ظمآنَ ما عشتَ للكَعابِ ... مَن لك بالرَّيِّ من شرابِ
تشتدّ من شُربِه العِطاشُ
في ذمّةِ الله أولياءُ ... ليس على فَضْلِهمْ غطاءُ
هاموا فدُنياهمُ وراءُ ... لم يَرِدوها فهمْ رِواءُ
ووارِدوها هم العِطاشُ
стр. 2183
وَطِئَ كلَّ الثرى بِساطا ... واذكُر الحشرَ والصِّراطا
يا قاطعًا دهرَه نشاطا ... إنّ لأيامِنا (١) انبساطا
به لأعمارِنا انكماشُ
أرواحُ هذا الورى طيورُ ... حولَ حِياض الرَّدى تَدورُ
وإنما وِردُها القبورُ ... كأنّ آجالَنا صقورُ
ونحن من تحتِها خُشاشُ
قال المصنّفُ عَفَا اللهُ عنه: سقَطَ لأبي أُميّةَ من هذه القطعة بيتٌ لم يُسمِّطْه، ولعله لم يقَعْ له، وهو قولُه:
[..............] دنوبًا ... لها بمسطورِك انتقاشُ
بعدَ قولِه:
وواردوها هم العطاشُ
وقد نظمتُ تسميطَه فقلتُ (٢).
[وله خُطبة] في الحضِّ على التمسُّكِ بالكتاب والسُّنة وتجنُّب الفلسفةِ وعلوم القدماء (٣):
الحمدُ لله، وسلامٌ على عبادِه الذين اصطَفَى، عبادَ الله، [الدِّينُ] النَّصيحة، [فخُذوها] مَحْضةً صريحة، هُدى الله هو الهُدى، ومن اتَّبع رسُلَ الله اهتدَى، فإيّاكم والقُدَماءَ وما أحدَثوا، فإنّهم عن عقولِهم حدَّثوا، أتوْا من الافتراءِ بكلِّ أُعجوبة، وقلوبُهم عن الأسرارِ محجوبة، الأنبياءُ ونورُهم، لا الأغبياءُ وغُرورُهم، عنهم يُتلقَّى وبهم يُدرَكُ السُّول، عالمُ الغَيْب فلا يُظهرُ على غيبِه أحدًا إلا من ارتفَى من رسُول، الدّينُ عندَ الله الإسلام، والعلمُ كتابُ الله وسُنّةَ محمدٍ ﵇، ما ضَرَّ من وقَفَ عندَهما، ما جهِلَ بعدَهما، خيرُ نبيٍّ في خير أُمّة، يُزكِّيهم
стр. 2184
وُيعلِّمُهمُ الكتابَ والحِكمة، ﵃، إذْ بعَثَ فيهم رسولًا منهم، وأذِن بحبِّهم وقُربِهم، فآمَنوا بما نزَلَ على محمدٍ وهو الحقُّ من ربِّهم، دَلّهم من قربٍ عليه، واختَصر لهم الطريقَ إليه، وأراهُم ما يُقرِّبُهم منه، وحجَبَهم عمّا يَحجُبُهم عنه، فما ضَرَّ تلك النفوسَ الكريمة، والقلوبَ السليمة، والألبابَ العليمة، ما زُوي عنها من العلوم القديمة، نَقّاهم من الأوضارِ والأدناس، وقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] , فالمطلوبُ ما به فَضَلوا، وماذا علِموا وبه عَمِلوا، والقصدُ الذي به وَصَلوا؛ يُتلقَّى خيرُه، ويُتوقَّى غيرُه، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] , مَن أُريدَ بذلك ومَن عُنِي؛ كتابُهم أعظمُ كتاب أُنزِل، ونبيُّهم أكرمُ نبيٍّ أُرسِل؛ سيِّدُ الأنام، لبنةُ التّمام، خيرُ البريّةِ على الإطلاق، بُعِث ليُتمِّمَ مكارمَ الأخلاق، فكان للأنبياءِ خَاتمًا، ولكافّةِ الناسِ هاديًا وعليهم حاكمًا؛ أنزَلَ الكتابَ بالحقِّ إليه، مُصدِّقًا لِما بينَ يدَيْه من الكتابِ ومُهيمِنًا عليه، هو الشّفاءُ والرحمة، وفيه العِلْمُ كلُّه والحِكمة، معجِزٌ في رَصْفِه، عزيزٌ في وَصفِه، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] , حُجّتُه باهرةٌ قائمة، ومعجزتُه باقيةٌ دائمة، إذْ هي للنبوّةِ والرسالةِ خاتمة، به تُحكَمُ الدنيا [القائمة] , لا تَنقَضي عجائبُه، ولا تنتهي غرائبُه، ماذا أقول، وقد بَةرَ العقول، [حَسْبي حَسْبي] , ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] (١) [من السريع]:
هذا كلامٌ للهُدى جامعُ ... فاصغِ إليه أيها السامعُ
الشَّرعُ للعقلِ هدى من يَصلْ ... بينَهما برهانُهُ قا [طعُ]
الشرعُ للعقلِ بلا مِريةٍ ... كالشمس للعينِ سنًا طالعُ
الشّرعُ متبوعٌ به يَهتدي ... من ضَلَّ والعقلُ له تابعُ
لا يَهتدي العاقلُ في قصدهِ ... إلا بما سَنَّ له الشارعُ
стр. 2185
هذا كتابُ الله يَهدي الوَرى ... لكلِّ عِلْم نورُه الساطعُ
معرفةُ الله وآياتهِ ... ومَنْهجِ الرُّسْل [فما الرابعُ]
والعلمُ والحكمةُ في طيِّهِ ... أجمَعَ وهْو المُعجِزُ الصادعُ
وهو من الله فما فوقَهُ ... هادٍ إلى الله ولا شافعُ
جعَلَه اللهُ فينا شافعًا، وعنّا دافعًا، ولنا هاديًا نافعًا، ولدرجتِنا بالإيمانِ به وبما تضمَّنَه رافعًا، وآتانا فيه فهمًا، وبآياتِه علمًا، وجعَلَنا ممّن انجَلى بنورِه عن قلبِه رَيْنُه، ورأى أنه شَرَفُه وزَيْنُه، واستغنَى به ولم تمتدَّ عينُه، بمنِّه وكرَمِه.
وصُرِف أبو محمد بنُ محمد بن عيسى التادلَيُّ (١) عن قضاءِ فاسَ فكتَبَ إليه أبو حَفْص يهئئُه بانعزالِه عن خُطّةِ القضاء وَيشْكو تنشُّبَ نفسِه فيها: وَصَلَ إلينا فلان فاستقبَلْنا منه أثَرَ لقائكم، ومشاهدةَ علائكم، يَنشُرُ بِشرًا، ويَعبَقُ نشرًا، فحدَّثني بارقُهُ عن ذلك الغَمام الصيِّب، وذكَّرني بها أبي الطيِّب [من الطويل]:
وألقَى الفمَ الضَّحّاكَ أعلمُ أنهُ ... قريبٌ بذي الكفِّ المُفدَّاةِ عهدُه (٢)
стр. 2186
وهو يمُدُّ أطنابَ الشُّكرِ والثناء، معَ الساعاتِ والآناء، وإن قَصُر فيما ذَكَر، وحَجَب، عما يجب، فأعلى منه عن ذلك قاصِر، ولو أنّ سَحبان له ناصِر، ولكنه قال على قَدْرِه، فخَلَّى عن عُذرِه [من البسيط]:
* والنّملُ يُعذَرُ في القَدْرِ الذي حَمَلا (١) *
ووليُّكمُ المخلِص في ودِّكم، المُثني على مجدِكم، مسرورٌ لكم بمحَلِّكم المَحُوط، وجلالِكم المغبوط، فرَغْتُم لشأنِكم، والعملِ مُهلةَ إمكانِكم، ونَقّاكمُ اللهُ من دنَس الخُطّة، ووَضَعَ عنكم إصْرَها وحَطَّه، ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] , فالنازلُ عنها هو العالي، والعاطلُ [منها هو الحالي، والمُتْلوُّ] فيها هو التالي، والمعزولُ عنها هو الوالي، فمَن نَظَرَ بعينِ [الحقيقة، سلَكَ] الطريقة، التي أنتم لها أسلَك، وبها أملَك. أوزَعَكمُ اللهُ شُكرَ [نِعَمِه السَّرمَديّة؟] , وجَعَلَها لكم مطيّةَ بلاغ، إلى السعادةِ الأبديّة، فنِعمَ البلاغ، [ورَزَقَكم] البصيرةَ النيّرة، [وهي] أبعدُ في النظرِ والإدراك، وبوّأكم بصالح الدُّعاءِ [السِّماك، ومحَلُّ] بْنِكم يشكو إليكم خَسَاسةَ حالِه، وخسارةَ انتحالِه، وغَفْلتَه عن شِرعةِ [الحقّ، وسكرتَه حتى تأخَر وسبَقَ من سبَق] , ورَكِبَ الهوى فمال به العَبيط، [ولم يَعِظْهُ] فِراقُ الأحبّةِ والخَليط. وشُغِلَ بالدّنيا عن الشان، وصاحبُها أَخسَرُ صفقةً من أبي غَبْشان (٢)، ولو طالت بَصيرتُه القصيرة، ونالت مداركَ أُولي البصيرة، لشَغلتْه خُوَيصّةُ نفسِه عن العموم، ونَظَرَ إلى عقلِه وهواه فرَدَّ إلى الحاكم المحكوم، وأعدى على الظالم المظلوم، وبدَأ بنفسِه فنَهاها عن غَيِّها، وشَفَاها من عيِّها، وطَوى ما
стр. 2187
انتشَرَ من أمانيِّها، فانتشارُ الرحمة في طيِّها، فخُصُّوه بخواصِّ دَعَواتِكم في صَلَواتِكم، ومظانِّ القَبُول من خَلَواتِكم، فنِعمَتِ الهديّةُ دعاءُ المؤمن لأخيه، ويعمَ الذُّخرُ لمن يُواخيه، جعَلَنا اللهُ ممّن تَراءى من وراءِ الغيب، القلوبَ الناصحةَ الحُبّ، السالمةَ من رِيبةِ الرَّيْب، وجعَلَنا ممّن تحابَّ فيه، حتى تجبَ لنا محبّتُه فيمن يَصطفيه، وجَلا بنورِ الهدى، ما رانَ على قلوبِنا من الصَّدى، حتى ينجابَ عنها حِجابُ الشّهوات، وغطاءُ الشُّبُهات، فتظةرَ فيها صورةُ الحقائق غيرَ مُشتبِهات، وأسعَدَنا بتوفيقِه، بمنِّه ورحمتِه.
ومحاسنُه أجلُّ من أن تُؤثَرَ بلسان، وتُسطَرَ في ديوان، ولولا خَوْف الإطالة والخروجِ عن قَصدِ الكتاب لاجتَلَبْنا منها ما يَبهرُ العقول، ويفضَحُ المَرويَّ عن غيره والمنقول.
واستُقضيَ بفاسَ وهو ابنُ نحوِ عشرينَ سنةً، عَقِبَ وفاةِ أبيه، ثم بتلمسين، ثم أعيدَ قاضيًا إلى فاسَ، واستُقضيَ بأغماتِ وَريكةَ مرّتَيْن (١) وبإشبيلِيَة (٢) كذلك، صُرِف في أُولاهُما بأبي محمد بن حَوْطِ الله.
وكان مشكورَ السِّيرة مشهورَ النزاهةِ والعدالة نبية البَيْتة، كريمَ الطِّباع أنقى لا يلبَسُ إلّا البياض، ولا يركَبُ إلا الحُجور (٣) الناصعةَ البياض فكان يتلألأُ نورًا على نور.
قال أبو عبد الله التُّجِيبيُّ: كان حسَنَ الخَلْق والخُلُق فصيحَ الخَطابةِ والكتابة، وكنتُ إذا رأيتُه تمثَّلتُ عند رؤيتِه بما أنشَدَ شيخُنا الحافظ السِّلَفيُّ لبعض شيوخِه في هادي بن إسماعيل [من الطويل]:
لهادي بن إسماعيلَ خاءاتُ أربعٌ ... بهنّ غدا [مستوجِبًا للإمامةِ]:
стр. 2188
خِطابُ ابنِ عَبّاد، وخَطُّ ابنِ مُقلةٍ ... وخَلْقُ ابن [يعقوبٍ، وخُلْقُ ابنِ مامةِ] (١)
وفي صَرْفِه عن قضاءِ إشبيلِتةَ يقولُ أبو أُميّةَ بن عُفَيْر يمدَحُه [من البسيط]:
سَلْ عارضَ البرقِ إن لم تسألِ السُّحُبا ... واستنشقِ الرِّيحَ منّي [حيث هبَّت صبا]
كيف اعتَسفتُ الدجى فذا يُعانقُني ... كسلانَ إن نبَّهتْه [صيحةٌ وَثَبا]
تَلقاهُ أخرسَ ما لم تُمضِهِ فإذا ... أمضَيْتَ حدَّيه في هام العِدا [خَطَبا]
تَسري به وبي الوجناءُ في ظُلمٍ ... أوقدتُ منه ومن عَزْمي بها لَهبا
حتى تبسَّمتِ الآمالُ عن قمرٍ ... تمنَّت الشمسُ لو تُنمَى له نسَبا
لمّا أضاء سَنَاهُ في بني عُمرٍ ... قال الزمانُ لهم: دُوروا به شُهُبا
إنْ حَلَّ ناديَ فخرٍ راق منظرُهُ ... بشرًا وهزَّتْه أنفاسُ الندى طَرَبا
لاتُنكِروا البِشرَ من ناديهِ إنّ بهِ ... علمًا وحِلمًا وإيمانًا فلا عَجَبا
أذكى الأنام وأسماهُم لمَعلوةٍ ... إن طالَعوا أدبًا أو ناظَروا حَسَبا
لو أنّ للناس أخلاقًا تصاغُ لهم ... من فضّةٍ لغَدَتْ أخلاقُه ذهبا
لم يَسحَب العُجبَ من أخلاقِ بُردتِه ... لكنْ ذيولَ المعالي والتُّقى سَحَبا
أعطَتْ سُلَيْمُ رِهانَ المكرُماتِ لهُ ... لما رأَتْ أنها تسمو به العَرَبا
يا وارثَ المجدِكم تُغرَى بمكسَبِهِ ... قد أثقلتْكَ العُلا إرثًا ومكتسَبا
هذي سَجَاياك وقد وافَتْ على مَهلٍ ... في غُرّة الشأْوِ دع شانيكَ والذّنَبا
ما أخَّروك عن الأحكام إذْ فَعَلوا ... إلا ليُلفِيَ حِينًا عزمُكَ التعَبا
لئن أسمت القضايا بُرهةً فلقد ... رعَى نُهاك النّدى والدِّينَ والأدبا
стр. 2189
حسبُ المكارم أن تبقَى لها أبدًا ... وحَسْبُ حِمصٍ بأن تبني لها الرُّتَبا
أصبحتَ نُورًا لأهليها يرَوْنَ بهِ ... طُرقَ العُلا وضُحى أعلامِها اللَّحِبا
ونُبتَ عنهمْ منابَ الفضلِ إذ عجَزَتْ ... نفْسُ الحَسُودِ وأجرى طَرْفَهُ فكَبا
وبقِيَ ابنُ حَوْطِ الله قاضيًا بإشبيلِيَةَ نحوَ العام، ثم صُرِف بأبي حَفْص واستمرَّت ولايتُه القضاءَ إلى أن توفِّي بإشبيلِيَةَ من عِلّة طاولَتْه، نفَعَه اللهُ بها، لثلاثَ عشْرةَ [من جُمادى الآخِرة عامَ] ثلاثةٍ وست مئة، وقال أبو الرّبيع بنُ سالم: توفِّي [بإشبيلِيَةَ فُجاءةً في الخامس من ربيع] الأوّل سنةَ ثلاثٍ وست مئة، وقال ابن فَرْقَد: توفّي سنةَ [اثنتينِ وست مئه]، وبعدَه استُقضيَ أبو عبد الله الباجِيُّ. ومَوْلدُه بأغمات [في حدودِ الثلاثينَ] وخمس مئة, وغَلِطَ ابنُ فَرْقَد فجعَلَه سنةَ خمسٍ وثلاثين، ونقَلَه عنهُ [ابنُ الأبار وخَطَّأه بأنّ] إجازةَ جَدِّه إياه صحيحة، وكانت وفاتُه في صَفَرِ ثلاثٍ [وثلاثينَ وخمس مئة] , ولعلّه وُلدَ سنةَ خمس وعشرينَ، فجَرى الغَلَطُ على ابن فَرقَد فجَعَلَ [الثلاثينَ عِوَضَ] العشرين، [أو] وُلدَ سنةَ إحدى أو اثنتينِ وثلاثينَ فجَعَلَ الخمسَ عِوَضَ إحداهما كما جَرَى عليه الغَلَطُ في تاريخ وفاتِه، واللهُ أعلم.
٢٧ - عُمرُ (١) بن عبد الحقِّ بن إبراهيمَ بن عبد الله بن وَهْب الصُّنْهاجِيُّ، مَرّاكُشِيٌّ، أبو حفص.
رَوى عن أبيه، وله إجازةٌ من أبي القاسم محمدِ بن هشام بن أبي جَمرةَ، وأبي الوليد ابن رُشْدٍ الكبير.
٢٨ - عُمرُ (٢) بن عبد السيِّد القُرَشيُّ الهاشِميُّ، تونُسيٌّ، أبو حفص.
رَوى عن أبي عبد الله المازَريّ.
стр. 2190
رَوى عنه ابنُه أبو إسحاقَ إبراهيمُ، وأبو ذَرّ بن أبي رُكَب. ودَحلَ الأندَلُس (١) ومن إشبيلِيَةَ استُقضيَ على بلدِه تونُسَ فانصرَفَ إليه، ولم يَستكمِلِ العامَ في ولايتِه.
وتوفِّي سنةَ اثنتينِ أو ثلاثٍ وسبعينَ وخمس مئة.
٢٩ - عُمرُ (٢) بن عُثمانَ بن محمد بن أحمدَ الفارِسيُّ الغُزِّيُّ الباخَززيُّ، خُراسانيٌّ مالينيٌّ، أبو بكر، شمسُ الدِّين، طَنّة (٣).
رَوى عن رضيِّ الدِّين أحمدَ بن إسماعيلَ بن يوسُفَ الطالْقانيِّ القَزْوينيّ، وشَرَفِ الدِّين أبي يعقوبَ يوسُفَ بن أبي حفصٍ عُمرَ بن أحمدَ الخَطِيبيّ الخالديّ الزَّنْجانيّ.
وقَدِمَ الأندَلُسَ عامَ ستٍّ مئة، ودخَلَ مالَقةَ وغَرناطةَ وغيرَهما، فرَوى عنهُ أبو جعفرٍ ابنُ الجَيّار، وأبو عليّ بن هشام، وأبو القاسم المَلّاحيُّ؛ وحدَّث عنه بالإجازة أبو القاسم ابنُ الطَّيْلَسان. وكان من خِيَار الناس وفُضَلائهم، صحيحَ السَّماع ثقةً فيما يَرويه.
مَولدُه ليلةَ الأربعاء الثامنةَ والعشرينَ من ربيعٍ الأوّل سنةَ ستينَ وخمس مئة.
стр. 2191
٣٠ - عُمرُ (١) بن محمد بن أحمدَ بن محمد بن مُطرِّف بن لسَعِيد التُّجيبيُّ، كذا وقَفْتُ على نَسَبه بخطِّه في غيرِ موضع؛ فاسيٌّ، أبو حَفْصٍ وأبو الخَطّاب البَيْراقيُّ (٢).
رَوى -بزَغمِه قراءةً وسَماعًا وإجازةً، ونقَلتُه من خطِّه- عن آباءِ عبد الله: ابني الأحمدَيْن: أبيه، والقُبَاعيِّ، وابن إبراهيمَ ابن الفَخّار، وابن عبد الله بن خليل، وابن عليّ ابن الرَّمّامة، وابن يَبْقَى الغَسّانيّ؛ وأبوَيْ بكر: ابن الجَدّ، وابن خَيْر، وأبي الفَضْل بن عِيَاض، وأبي القاسم بن حُبَيْش، [وآباءِ محمد: ابن ....] وابن عُمَر السُّلَميِّ، وابن السَّكّاك، وابن الصّائغ، وآباءِ الحَسَن: [ابن .... وابن] الحُسَين اللَّوَاتيِّ، وابن يوسُفَ ابن المَلْجوم، وأبي مَرْوانَ [بن مسَرّة، وآباءِ عبد الله: ابن ....] وابن الرَّمّامة، وابن الفَخّار واللَّوَاتيّ، والحَجريِّ.
وذَكَرَ [أنه أجازَ لهُ ولم] يلقَهُ من أهل الأندَلس: أبو الحَسَن صالحُ بن عبد الملِك [بن سعِيد الأوْسيُّ المالَقيُّ] وأبَوا محمد: ابنُ أحمدَ بن مَوْجُوال، وعبد الحقِّ ابنُ الخَرّاط؛ ومن أهل [المشرِق: أبو العبَّاس] أحمدُ بن طارق بن سِنَان، وآباءُ الطاهر: أحمدُ السِّلَفيُّ، والإسماعيلانِ: [الدِّيباجِيُّ وابنُ] عَوْف، وأبو سعيدٍ محمدُ بن عبد الرحمن المَسْعوديُّ، وأبو القاسم محمودُ بن محمد بن الحَسَن القَزْوينيُّ، وأبو الفَضْل محمدُ بن يوسُف بن عليّ الغَزْنَويُّ، ويحيى بن عبد المُهيمِن بن الحَسَن بن ملتى؛ وآباءُ محمد: عبدُ الله بن أبي الفَضْل
стр. 2192
عبد الرحمن الدّيباجِيُّ، وعبدُ الغنيِّ بن عبد الواحِد بن عليّ بن سُرور بن رافع المَقْدِسيُّ، وعليُّ بن إبراهيمَ بن محمد بن يحيى بن غنائمَ الأنصاريُّ، [وتَقِيّةُ (١) بنتُ غَيْث بن عليّ] بن عبد السّلام الأرمنازيِّ، وفاطمةُ ابنةُ سَعْدِ الخَيْر بن محمد بن سَهْل الأنصاريِّ، نقَلتُهم كلَّهم من خطِّه.
وكان محدِّثًا تأريخيًّا ذاكِرًا أحوالَ الرّجال، عارفًا بتطريق الأسانيد، شديدَ العنايةِ بشأن الرِّواية، مُواظِبًا على التقييد، جيِّدَ الخَطّ، كتَبَ الكثيرَ وأتقَنَه.
وكان كذّابًا خبيثًا، مُزوِّرًا خُطوطَ الشّيوخ لنفسِه ولأبيه، ولغيرِهما (٢)، وقَفْتُ له من ذلك على فضائحَ، نسألُ الله العِصمةَ من مُواقعةِ أمثالِها؛ وقد تقَدَّم في رَسْم أبي عليّ بن عَتِيق بن مؤمن أنه ممّن لا تُرضَى حالُه (٣)، ومعَ ذلك فليس من شَرطِ كتابي هذا، فإنّي لا أقطعُ بدخولِه الأندَلُسَ وإن كان قد ذَكَرَه ابنُ الأبّارِ في الأندَلُسيِّينَ ذكْرَ مَن لم يعرِفْه فقال (٤): عُمرُ بن محمد بن أحمدَ بن [محمد بن] مُطَرِّفِ بن سَعِيد التُّجيبيُّ، أندَلُسيّ، يُكنَى أبا عليّ. يَروي عن أبيه، وأبي مَرْوانَ بن مسرّةَ، وأبي عبدِ الله بن عليّ القَيْسيِّ، وأبي القاسم ابن بَشْكُوال، كلُّهم عن أبي محمد بن عَتّاب. هذا ما ذكَرَه به، وهو كما تَراهُ معطوبٌ (٥) مُخِلٌّ به في مواضعَ لا تخفَى على متأمِّل، فذكرناهُ ببعض ما عَبَّرنا (٦) فيه لنبيِّنَ من حالِه ما غابَ عن ابن الأبّارِ، فاعلمهُ واللهُ الموفِّق، وذَكَرَه ابنُ الأبار بعدَ أبي عليّ الرُّنْديِّ، وحقّه أن يُذكَرَ قبلَه، فإنه أعلى طبقةً منهُ.
стр. 2193
٣١ - عُمرُ بن محمد بن أحمدَ القَيْسيُّ، مَرّاكُشيٌّ فاسيُّ الأصل، [......] صغيراً أبو عليّ ابنُ الفاسيِّ، خالي (١).
رَوى عن أبي إسحاقَ [الزَّواليِّ (٢)، وأبي بكرٍ] السُّلاقيِّ (٣) وآباءِ الحَسَن: الأخفَش، وابن القَطّان، وابن قُطْرالَ، [......] وأبوَيْ عبدِ الله: ابن الجَذع (٤)، وابن المُناصِف، وأبي القاسم [البَلَويّ وأبي محمد بن] حَوْطِ الله. وكان أديبًا بارعَ الكتابة، آيةً من آياتِ الله في [حُسن الخُلُق ودَماثةِ] العِشرة، طيِّبَ النفْس، آلفًا مألوفًا، كان منزلُه مجمَعَ النُّبلاءِ والفُضَلاء، [يغلِبُ عليه] الحياءُ كثيرَ المواساة، نَفّاعًا بجاهِه وذاتِ يدِه، ذا حظٍّ صالح [من قَرض] الشّعر. كتَبَ عن أبي محمدٍ عبد العزيز بن يوسُفَ بن عبد المؤمن (٥)، وكانا ابنَيْ خالتين (٦)،
стр. 2194
واستَولَى عليه، فكان مقبولَ القولِ عندَه مشفَّعًا فيما يُناطُ به من المآرِب، دخَلَ الأندَلُس صُحبتَه، وكان قدومُهما على إشبيلِيَةَ يومَ الاثنين لستٍّ بقِينَ من ربيعٍ الآخِر عامَ تسعةَ عشَرَ وست مئة حين وَليَها أبو محمد، وصنَّف "غُنيةَ الحُفّاظ، في الجَمْع بينَ الإصلاح والألفاظ" (١)، وجمَعَ باقتراح أبي محمدٍ عبد العزيز دَفْترًا فيما نَظَمَ في التهجُّد وقيام الليل أجاد فيه الاختيار، ومن نظمِه فيه، ونقَلتُه من خطِّه البارع [من الكامل]:
ذهبَ الظلامُ وأنت جِذعٌ راقدُ ... وأتى الصّباحُ وأنت صخرٌ جامدُ
وخَلَت على الإظلام منكَ مناسكٌ ... وخَلَت على الإصباح منك مساجدُ
وأولو التهجُّدِ ليلهمْ ما منهمُ ... لله إلّا راكعٌ أو ساجدُ
يدعُونَ ربَّهمُ بكلِّ وسيلةٍ ... خَلَصت لهمْ فيها لديهِ عقائدُ
وهَجَعْتَ يا مغرورُ ليلَكَ كلَّهُ ... وعليكَ من عينِ الإِلهِ شواهدُ
فكأنّما أيقَنْتَ أنك مُغفَلٌ ... في هذه الدّنيا الدّنِيّةِ خالدُ
فلكمْ تنامُ وفي البهائم نابِهٌ ... ليلًا يُسبِّحُ ربَّهُ ويُجاهدُ
ومن العجائبِ ذو الجهالةِ صالحٌ ... وأخو النُّهَى في كلِّ حالٍ فاسدُ
وإلى متى عمَّت فؤادَك غفلةٌ ... تَزهَى بغِرّتِها وعمُرُكَ بائدُ
فانْظُرْ لنفسِك قبلَ حينِ مماتِها ... إنّ المماتَ على البِرّية وافدُ
وتذكَّر السَّفَرَ البعيدَ وطولَهُ ... من غيرِ زاد والمجالُ فَدافدُ
واذكُرْ نُشورَكَ بعدَ موتِك فَجْأةً ... وصحائفَ الأعمالِ منك تُشاهَدُ
فعسى يَلُوحُ لك اليقينُ فربّما ... ذهَبَ الضّلالُ و ...............
стр. 2195
واللهُ ذو فضلٍ وبذلِ إقالةٍ ... مهما ارعَوى جانٍ [وآبَ مُعاندُ]
فافزَعْ لبابِ مَتابةٍ مُستفتِحًا ... فهُو الذي يأوي إليه [العائدُ]
وصِلِ الصّلاةَ على النبيِّ محمدٍ ... خيرُ البرّيةِ والشفيعُ [الواحدُ]
فبه التوسُّلُ والتوصُّلُ كلّما ... ضاقت عليك مذاهبٌ و [مواردُ]
صلّى الإلهُ عليه خيرَ صَلاتِهِ ... يَفنَى الزمانُ وفضلُها [متعاهَدُ]
وكان شيخُنا أبو محمد حَسَنٌ ابنُ القَطّان (١)، وأبو عبد الله ابنُ الطَّراوة (٢) [يُكثِرانِ الثناءَ] عليه والإيجابَ له والشهادةَ بتبريزِه في النُّبل، والاشتمالِ على خِلال الفَضْل، وقد صاحَباهُ طويلًا بمَرّاكُش، واشتَركا معَه في الأخْذِ عن الشّيوخ بها، وكذلك كان أبو موسى هارونُ بن محمد بن هارونَ السُّمَاتيُّ (٣) يُبالغُ في تقريظِه؛ وقد صَحِبَه بإشبيلِيَةَ، ويصِفُه بحُسن المشاركة والجِدِّ في قضاءِ حوائج الناس.
توفِّي بمَرّاكُش أولَ ليلةِ [....] الثالثةِ من شوّالِ ستةٍ وعشرينَ وست مئةٍ ابنَ خمسٍ وأربعينَ عامًا أو نحوِها، ودُفنَ خارجَ باب نَفِيس برَوْضة سَلَفِه هنالك مقابلَ الباب، وكانت جَنازتُه مشهودةً والثناءُ عليه صالحًا.
٣٢ - عُمرُ (٤) بن محمد بن عليٍّ الصُّنْهاجيُّ، مَرّاكُشيٌّ سُوسيُّ الأصل، أبو عليّ، ابنُ الطُّوَيْر.
بذلك يُشهَرُ في إفريقيّة فما وراءَها من بلادِ المغرِب إلى مَرّاكُش، وشُهِرَ في
стр. 2196
مصرَ والحِجاز بأبي الخَطّاب السُّوسيّ. تفَقّه بمَرّاكُشَ على جماعةٍ من أهلِها وشَرَّق طالبًا العلمَ، وحَجَّ وجاوَرَ بمكّةَ شرَّفها الله، واختَصَّ بالفقيه أبي محمدٍ عبد الوهّاب البغداديِّ صِهرِ ابن مُعافَى، وأخَذَ عنه أصُولَ الفقه، وتعليقةَ أبي سَعِيدٍ محمد بن يحيى في مسائل الخلاف، وهو أوّلُ مَن أدخَلَها إلى المغربِ. ثم قَفَلَ إلى هذه البلاد، وأخَذ بالإسكندَرّية على أبي الحَسَن الأبياريِّ، ولازَمَ أبا العزِّ مظفَّرَ بنَ محمد ابن المُقترح، ثُم قَفَلَ إلى المغرِب، فدرَّسَ بالمَهْديّة عِلمَ الكلام وأصُولَ الفقه ومسائلَ الخِلاف، ثم رَحَلَ متجرِّدًا إلى قُطبِ الدِّين أبي عليّ النَّفْطيِّ بنَفْطةَ (١)، فكان قُطبُ الدِّين يقول لأصحابِه لِما عَلِمَ من صِدقِ باطنِه: هذا عُمرُ الصِّدِّيق، ثم عاد إلى المَهْدِيّة فدرَّس بها.
قال أبو القاسم بنُ البَراءِ (٢): قَدِمَ علينا بالمَهْديّة أبو علي السُّوسيُّ سنةَ ستٍّ وست مئة، فأملَى علينا "البُرهانَ" لإمام الحَرَمَيْنِ أبي المعالي من صَدْرِه، وكان يُملي علينا مسائلَ من عِلم الكلام، [وسُمِع عليه بها غيرُه] , ثم عاد إلى مَرَّاكُشَ فالتفَّ عليه الناسُ بها، وأخَذوا عنه، [ودرَّسَ بها] أصُولَ الفقه وعِلمَ الكلام، ورَوى الحديثَ وأقرَأَ العربيّة، ونوظرَ عندَه [وأقرَأَ] "رسالةَ القُشَيْريِّ" و"طبقاتِ الصُّوفيّة"، وكان يتكلَّمُ [عليهما بما يُبكي] سامعَه، وكان معَ هذا الاستبحارِ في العلوم متصوِّفًا ذا إشاراتٍ وكراماتٍ وأحوالٍ صادقة، متينَ الدِّين، زاهدًا في الدّنيا، منقبِضًا عن [أهلِها، يتصدَّقُ] بما يَصيرُ إليه منها، لا يَدّخرُ شيئًا من يومِه لغدِه، ولا يرُدُّ سائلًا ولا قاصدَ حاجة، ولم يزَلْ على حالِه
стр. 2197
هذه إلى غايةِ عمُرِه، وكان كثيرًا ما يتمثّلُ بقولِ القاضي عليِّ بن عبد العزيز الجُرْجانيِّ (١) [من الطويل]:
يقولونَ لي: فيك انقباضٌ وإنّما ... رأَوْا رجُلًا عن موقفِ الذُّلِّ أحجَما
يَرى أنّ من داناهمُ هان عندَهمْ ... ومَن أكرَمْته عزّةُ النفْسِ أُكرِما
وما كلُّ بَرْقٍ لاحَ لي يَستفِزُّني ... ولا كلُّ مَن لاقَيْتُ أرضاهُ مُنعِما
وما زِلتُ مُنحازًا بعِرضيَ جانبًا ... عن الذُّلِّ أعتَدُّ الصِّيانةَ مَغنَما
إذا قيل: هذا موردٌ قلتُ: قد أرى ... ولكنّ نفْسَ الحرّ تحتملُ الظَّما
وإنّي إذا ما فاتَني الأمرُ لم أبِتْ ... أُقلِّبُ كفِّي إثْرَه متندِّما
ولكنّهُ إنْ جاء عَفْوًا قبِلتُهُ ... وإنْ مال لم أُتبِعْه هلّا وليتَما
وأقبِضُ خَطْوي عن حظوظٍ قريبةٍ ... إذا لم أنَلْها وافرَ العِرض مُكرَما
وأُكرِمُ نَفْسي أن أُضاحِكَ عابسًا ... وأن أُتلقَّى بالمديح مُذمَّما
أُنَهنِهُها عن بعضِ ما قد يَشِينُها ... مخافةَ أقوالِ العِدا: فيمَ أولِما
ولمْ أقْضِ حقَّ العِلم إن كنتُ كلّما ... بَدَا طمَعٌ صيَّرتُهُ ليَ سُلَّما
ولم أبتذِلْ في خدمةِ العِلم مُهجتي ... لأخدُمَ من لاقَيْتُ إلا لأُخدَما
أأغرِسُه عزًّا وأجنيهِ ذِلّةً ... إذَنْ فاتّباعُ الجهلِ قد كان أحزَما
فإنْ قلتَ: جَدُّ العلم كابٍ فإنّما ... كَبَاحينَ لم يَحْمُوا حِماهُ وأُسلِما
ولو أنّ أهلَ العلم صانُوهُ صانَهمْ ... ولو عظَّموه في النفوسِ لعَظَّما
ولكنْ أهانوهُ فهان ودَنَّسوا ... مُحَيّاهُ بالأطماع حتى تجَهَّما
стр. 2198
وقَدِمَ أبو عليّ الأندَلُسَ صُحبةَ أبي إسحاقَ (١) ابن المنصُور حينَ وَلِيَ إشبيلِيَةَ، فأخَذَ عنه بها طائفةٌ من أهلِها وعَرَفوا فضلَه، وكان لهُ في إثباتِ [القياس رأيٌ خالَفَه] فيه أبو الحَسَن ابنُ القَطّان، وصنَّف رادًّا عليه في ذلك مصنَّفَه ["النَّزْعَ] في القياس لمُناضلةِ من سلَكَ غيرَ المَهْيَع في إثباتِ القياس" (٢).
[وُلدَ بمَرّاكُش عامَ ....] وستينَ وخمس مئة، وتوفِّي بها يومَ الاثنينِ لستٍّ بقِينَ من جُمادى الأخيرةِ اثنتينِ وعشرينَ وست مئة.
٣٣ - عُمرُ (٣) بن محمد بن مَخْلُوف، تَدْلِسيٌّ (٤)؛ أبو عليّ.
قَدِمَ [الأندَلُسَ طالبًا العلمَ] فتَلا بالسَّبع على أبي زكريّا الجُعَيْديِّ (٥) ببَلَنْسِيَة، ورَوى بها عن أبَويْ [بكرٍ: أُسامةَ، وعَتِيق] المُرْبَيْطَريّ، وأبي جعفرٍ الحَصّار، وأبي الحَسَن بن خِيَرةَ، وأبي الخَطّاب بن واجِب، [وأبي عبد] الله ابن نُوح، وأبي عليّ بن زُلال، وأبي عُمرَ بن عاتٍ، وأبوَيْ محمد: عبد الحقِّ الزُّهْريِّ، [وغَلْبون] ثم عاد إلى العُدْوة، فاستَوطنَ بِجَايةَ وتصدَّر بها لإقراءِ القرآن.
وتوفِّي سنةَ ستٍّ وعشرينَ وست مئة.
٣٤ - عُمرُ بن محمدٍ الهَوّاريُّ، بِجَائيٌّ؛ أبو عليّ، ابنُ ستِّ الناس .
كان أديبًا حَسَنَ التصرُّف في نَظْم الكلام ونَثْرِه؛ دخَلَ الأندَلُسَ، واستَكتَبَه
стр. 2199
أبو [....] (١) ابن زَنّون المترئّسُ بمالَقةَ. ومن شعرِه -ونقَلتُه من خطِّه- والبيتُ الأخيرُ مضمَّن [من الطويل]:
إلى كم أقضِّي العيشَ (٢) شَمْلًا مُفرَّقًا ... ونفْسًا مُعَنّاةً وقلبًا مروَّعا
ولي كبِدٌ إن مَرَّ ذِكْرُكمُ بها ... شدَدْتُ عليها خيفةً أن تصدَّعا
(كأنّا خُلِقنا للنَّوى وكأنّما ... حرامٌ على الأيام أن نتَجمَّعا)
وسيأتي له ذكْرٌ في رَسْم أبي يعقوبَ ابن الجَنّانِ، إن شاء الله.
٣٥ - عُمرُ (٣) بن مَوْدود بن عُمرَ الفارسيُّ.
كذا نقَلتُ نَسَبَه من خطِّه، وقَلَبَ ابنُ الأبار اسمَه فقال فيه: مَوْدودُ بن عُمَر بن مَوْدود، وذكَرَه في حرفِ الميم (٤)؛ سلماسيٌّ عمَلَ أذْرَبيْجانَ من أبناءِ ملوكِهم، شَرَفُ الدِّين، أبو البَرَكاتِ الفارسيُّ.
رَوى بهَمَذانَ عن تقيِّ الدِّين أبي عبد الله محمد بن محمود ابن الحَمّاميّ، وسمعَ الكثيرَ من أبي الحَسَن ابن حَمُّوْيَةِ، وصَحِبَ ببغدادَ شِهابَ الدِّين أبا حفص وأبا عبد الله البَكْريَّ السُّهْرَوَرديَّ وسمعَ منهُ كثيرًا (٥)، وأجاز له أبو الحَسَن مؤيَّدُ بن محمدٍ الطّوسيُّ، وعلاءُ الدِّين السَّرَخْسيُّ لقِيَهُ بمَرْو، وأطال التجوُّلَ في طلبِ العِلم والروايةِ والتفقُّهِ بالعراقِ والشام ومِصرَ.
стр. 2200
وقَدِمَ الأندَلُسَ وحدَّث بها، فرَوى عنه بها من أهلِها أبو جعفرٍ ابنُ غالب، وأبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ شيخُنا، وأبو يعقوبَ بن إبراهيمَ بن عُقاب (١)، ومن سُكّان مالَقةَ: أبو عبد الله بن عِيَاض، وبَسبْتَةَ أبو العبّاس بن محمدٍ المَوْرُوريُّ.
ووَرَدَ مَرّاكُشَ في حدود [خمسٍ وثلاثينَ وست مئة] فأسمَعَ الحديثَ وكتَبَ الرَّقائقَ والتصَوُّف، رَوى عنهُ [جماعةٌ من أهلِها ومنَ] المستوطِنينَ بها من غيرِهم، منهم: آباءُ عبد الله: أبي ﵀، وابنُ يوسُفَ القَلْعيُّ الناسكُ نفَعَ اللهُ به، وقال لي في مجلِس أبي [....] (٢) أباك، وأبو عليّ الحَسَن بن الحَسَن ابن مكسورِ الجَنْب،
وأبو المَجْدِ ابن [عَطِيّة]. وحدَّث عنه بالإجازة: أبو عبد الله ابنُ الأبّار.
وكان فقيهًا شافعيَّ [المذهب، متصَوِّفًا] شديدَ العُجمة، يَرجِعُ إلى جَوْدةٍ وصحّةِ باطن، وتصحَبُه غَفْلة، وكان [مجلسُ] إسماعِه مَجمَعًا للفقهاءِ وأهل الفضل والصّلاح والخير، وكان قدومُه على مَرّاكُشَ في أيام الرّشيدِ من بني عبد المؤمن، فصُرِفَ إليه وجهُ الاعتناءِ به والتنويهُ، ووالَى برَّه وتكريمَه، وحَظِيَ عندَه حُظوةً تامّةً وأجرَى لهُ ثلاثَ مئة درهم وسبعةَ قناطيرَ ونصفَ قِنطار من الحُوَّارَى (٣) في كلِّ شهر مَرْتبة، سوى ما يتعاهَدُه به من إحسانٍ وكُسًا وهدايا وتُحَف، فتمادَى على ذلك حالُه معَه مُدّةً إلى أن رَفَعَ إليه مقالةً في إثباتِ صنعة الكيمياء، وأنه واصِلٌ قد أدرَكَها علمًا وعملًا، وادَّعى إفادتَه إياها، فقَطَعَ الرّشيدُ عنه ما كان يُجريهِ عليه ثلاثةَ أشهرٍ حتى استَوْحَشَ من ذلك أبو البَركات وأثّر في حالِه، وكان موضعُ سُكناهُ قريبًا من مَسكَن أبي إسحاقَ ابن الحجرِ المذكورِ
стр. 2201
قبلُ (١)، وكان كبيرَ أطبّاءِ الرّشيد والمُدِلَّ عليه والكثيرَ الخَلْوةِ به، فألقَى إليه أبو البَركاتِ ما نالَهُ من فَقْدِ الجِراية التي كانت تَجري له وجَهِلَ سببَه، فتلطّفَ أبو إسحاقَ ابنُ الحجرِ في إلقاءِ قضيّتِه إلى الرّشيد بعدَ رَصْدِه ساعةَ بَسْطٍ منه، وقال له: يا سيّدي، عبدُكم الغريبُ المُنقطِعُ إلى جانبِكم الفارسيُّ هُو ممّن شملَني وإيّاه نَسَبُ الاغتراب والأَوْيُ إلى كنَفِكم العزيز، وهو معَ ذلك جاري الجُنُب، ذَكَرَ لي ما عِيلَ له صَبْرُه وضاق من أجلِه ذَرْعُه، وذلكم توقُّف ما كان يَجري عليه من إنعامِكم منذُ ثلاثةِ أشهرٍ ولا يعرِفُ موجبَه، فتبسَّم الرّشيدُ وقال له: كيف يكونُ هذا ونحن نرى، وهو أنّا أحوَجُ إليه منه إلينا، فأكبَرَ ابنُ الحجرِ هذا الجوابَ، وقال: معاذَ الله يا سيّدي، وأنّى يُمكنُ هذا؟ فرَفَعَ الرّشيدُ طَرَفَ بِساطِه الذي كان جالسًا عليه، وأخرَجَ من تحتِه مقالةَ أبي البركاتِ في صَنْعةِ الكيمياء، وقال له: من وَصَلَ إلى هذا العلم أو هذا العمل فالملوكُ مُفتقِرونَ إليه، فلمّا وقَفَ ابنُ الحجرِ على بعضِ مضمَّنِها سُقِطَ في يدِه ولم يُحرِ جوابًا إلّا
стр. 2202
[بالاعتذارِ عنه] بضعفِ العقل وسُوءِ التدبير، واختلالِ الذِّهن وفسادِ النظر، [وتلطَّفَ في] استعطافِ الرَّشيدِ له والرغبةِ لهُ في إعادةِ ما كان يُجري [عليه من إنعامِه] فأسعَفَه في ذلك وقَضَاهُ جميعَ ما فاتَه منهُ في الأشهُرِ [السابقة، وأنحَى عليه ابنُ] الحجر باللَّوم الشديدِ وتقبيح هذا المَأْخَذ معَ سُفهاءِ المسلمينَ [وخُبَثاءِ] المُحتالين، فكيف يقابلُ به الملوك؟ ونَدِم أبو البرَكاتِ على ما كان منه. [ثم عاد] ورَفعَ له أيضًا مقالةً أخرى سَمّاها (الأوتارَ والأشفاع) أودَعَها [ذكْرَ النبيِّ] ﷺ والخُلفاءِ من الصّحابةِ ومُعظم مَن بعدَهم ممّن شُهِرَ بالخلافةِ إلى زمانِ الرّشيد، وقضَى بتمكينِ سعادةِ الأوتار ونَقْصِها أو فَقْدِها في الأشفاع، وتمَلَّقَ بذلك إلى كونِ الرَّشيدِ وتْرًا، فهو كاملُ السَّعد، تَكثُرُ على يدَيْهِ الفتوحات، وتتّسعُ مملكتُه في المعمور، ولم يَستحسِنْ أحدٌ هذه المقالة، ولا حُمِدَ منهُ وضعُه إيّاها؛ لِما اشتَملَتْ عليه من التهاتُرِ والتناقض، وعَدِّ بعضِ الأوتار أشفاعًا وبعضِ الأشفاع أوتارًا، إلى خُلوِّها من فائدةٍ يُحرَصُ عليها ويُرغَبُ فيها، ولم يَحسُن موقعُها معَ ذلك من الرّشيدِ الذي رُفِعتْ إليه؛ لذِكرِ بعض سَلَفِه فيها بما لا يَستسيغُ عاقلٌ سَماعَ مثلِهم، ثم إنّ الوجوهَ ذاكَرَتْه في كلِّ ما نَسَبَه إلى الرّشيدِ من تأتّي الفُتوح في أيامِه وبَسْطِ مملكتِه وطُولِ عُمُرِه، فقُبِضَ الرّشيدُ غريقًا في جُمادى الأولى سنةَ أربعينَ وست مئة ابنَ ستٍّ وعشرينَ سنة، وكانت أيامُه تسعَ سنين ونحوَ نصفِ سنةٍ (١) معظمُها في هَرَج وغلاءٍ مُفرط وفتنٍ مُظلمة وأهوال لا قِبَلَ لأحدٍ بها إلا بعضَ سنين أواخِر العَشْرِ التي توفِّي بها، ولم يَعدَم معَ ذلك تكريمًا منهُ وتعظيمًا عندَ الخاصّةِ والعامّة من أهل مَرّاكُشَ إلى أن توفِّي بها ليلةَ الجُمُعة ودُفنَ من الغدِ إثرَ صَلاتِها، وذلك في العَشْر الأُوَل من شهر ربيعٍ الآخِر سنةَ تسعٍ وثلاثينَ وست مئة بجَبّانةِ باب نَفِيس، وشَهِد جَنازتَه خَلْقٌ لا يُحصَوْنَ
стр. 2203
كثرةً وأتبَعوهُ ثناءً صالحًا وذكرًا جميلًا، وقال ابنُ الأبّارِ في غير "تكملتِه" (١): إنه توفِّي بعدَ الأربعينَ، ولم يضبِطْه (٢).
٣٦ - عِمرانُ (٣) بن موسى بن مَيْمونٍ الهَوّاريُّ؛ سَلَويٌّ، أبو موسى.
стр. 2204
رَوى عن أبي الحَجّاج ابن الشّيخ، وأبي الحَسَن ابن النَّقِرات، وأبي ذَرّ ابن أبي رُكَب، وآباءِ عبد الله: ابني الإبراهيمَيْنِ: [ابن البَقّار] , وابن الفَخّار، وابن جابِر بن يحيى بن ذي النُّون، وابن [....] وابنَيْ عبدَي الرحمن: التُّجِيبيِّ، ورُكن الدِّين، وابن عليّ الفَنْدَلاويّ، [وأبي القاسم بن عبد] الوَدُود بن سَمَجُون، وأبوَيْ محمد: الحَجريَّ وابن حَوْطِ الله.
حدّثنا عنه [أبو بكر بنُ] يَربُوع، وأبو عبد الله بن خَمِيس، وأبو محمد قاسمُ بن أحمدَ بن السّكوت.
[وكان مُفسِّرًا حا] فظًا مُستبحِرًا في ذكْرِ المسائل ومعرفةِ النّوازل والإشراف على [اللّغاتِ والآ] داب، ممتِعَ المجالسة، طريفَ النّوادر، متقدِّمًا في النّحو، ذا حظٍّ من قَرْض [الشِّعر] تَعرِضُ له أحيانًا غفلةٌ تصدُرُ عنه بها مُضحِكات؛ وأقرَأَ ببلدِه وبمالَقةَ ومَرّاكُشَ وغيرِها؛ واستُقضيَ ببلدِه وخَطَب بآنفا، وأُراه استُقضيَ به. وتوفِّي سنةَ ثمانٍ وأربعينَ وست مئةٍ وقد نَيَّف على التِّسعين.
٣٧ - عَيّاشُ (١) بن أُجَيْل -بضمِّ الهمزة وجيم، كأنه تصغيرُ أجَل- الرُّعَيْنيُّ، مِصريٌّ.
رَوى عن سَعِيد بن المسيِّب، ومعاويةَ بن حُدَيْج؛ وكان على شُرطة موسى بن نُصيرٍ، وأجاز معَه إلى الأندَلُس، ووَلِيَ البحرَ زمَنَ بني أُميّة، وقَدِمَ بالسُّفُن من الأندَلُس إلى إفريقيَّة سنةَ مئة.
стр. 2205
٣٨ - عِيَاضُ (١) بن عُقْبةَ بن نافِع بن عبد القَيْس بن لَقِيط بن عامِر بن أُميَّة بن الضّربِ بن الحارِث بن فِهر بن مالكِ بن النَّضْر بن كِنَانةَ الفِهْريُّ؛ مِصريٌّ، أبو يحيى.
رَوى عنه أخوه أبو عُبَيدةَ مُرَّة، وإسحاقُ بنُ أبي مَرْوةَ، ويزيدُ بن أبي حَبِيب. دَخَلَ الأندَلُسَ معَ موسى بن نُصيْر، وكان من عِباد الله الصّالحين، ولمّا غَنِمَ المسلمونَ غَلُّوا غُلولًا لم يُسمَعْ مثلُه، قال عبدُ الله بن لَهِيعةَ: لم يَسلمْ من الغُلول يومَئذٍ إلّا [أبو] عبد الرحمن الحُبليُّ وابنُ شماسةَ الأكبر، وحَنَشٌ الصَّنْعانيّ، وعِياضُ بن عُقْبةَ بن نافِع الفِهرِيّ.
توفِّي سنةَ مئة.
٣٩ - عِيَاضُ (٢) بن محمد بن عِيَاض بن موسى بن عِيَاض بن عُمرَ بن موسى بن عِيَاض بن محمد بن موسى بن عِيَاض اليَحْصُبيُّ، سَبْتيٌّ بَسْطيُّ الأصل، سَكنَ مالَقةَ، أبو الفَضْل.
رَوى بسَبْتةَ عن أبيه، وأبي بكر بن بِيبَش، وأبي عبد الله بن حَمِيد، وأبي عَمْرٍو مُرَجَّى بن يونُس، وأبي القاسم بن حُبَيْش، وأبي محمدٍ الحَجْريّ -وأكثَرَ عنه- وبقُرطُبةَ عن أبي القاسم ابن بَشْكُوال.
رَوى عنه أبو عبدِ الله ابنُه، والتُجِيبيُّ، وأبو العبّاس ابنُ فَرْتون.
وكان محدِّثًا راويةً، ثقةً شديدَ العناية بشأنِ الرّواية ولقاءِ حَمَلةِ العلم، فقيهًا حافظًا شهيرَ التعيُّن والحَسَب، من بيتِ علم وجَلالة، حَسَنَ الخُلُق
стр. 2206
كريمَ الطِّباع طيِّبَ النَّفْس، متبرِّعًا بقضاءِ حوائج الناس، متواضعًا معظَّمًا عند كلِّ مَن يَلقاه، مَهِيبًا مِقْدامًا، فصيحَ اللِّسان، يرغَبُ الملوكُ [في الاستماع إليه].
قال أبو عبد الله بنُ عَسْكر (١): لمّا تزوَّجتُ كان في نَفْسي [أن لا أستدعيَه إلّا في يوم الإطعام] وأكبَرتُ استدعاءه يومَ الذَّبح؛ لكونِه يومَ مِهنةٍ وتعب، [فبينَما أنا أتصرَّفُ في] أسبابِ ما كنتُ بصَدَدِه قُرع البابُ، فأذِنتُ في فتحِه، فإذا أبو الفَضل [يَدخُلُ عاتبًا] عليّ وقائلًا: ما كنتُ أظُنُّ منكَ هذا، هلّا استدعيتَني حتّى [أتصرَّفَ في جُملةِ من يتَصرَّف؟] فخَجِلتُ منه واعتَذرْتُ إليه بإجلالِه عن إحضاره لمثل هذه [الأشياء، فقال: لا عليكَ] الموضِعُ موضِعي، وسواءٌ استُدعِيتُ أم لم أُستَدْعَ، فشَكرتُه على [تواضُعِه وعلوِّ] قَدْرِه وجميل عِشرتِه.
وُلد بسَبْتَةَ لإحدى عشْرةَ ليلةً بقِيت من المحرَّم إحدى وستينَ وخمس مئة، وتوفِّي بمالَقةَ في العَشْر الوُسَط من جُمادى الآخِرة سنةَ ثلاثينَ وست مئة.
٤٠ - عيسى بنُ حَمّاد بن محمد الأوربيُّ، تِلِمْسينيٌّ، أبو موسى .
رَوى بالأندَلُس عن أبي عليّ الصَّدَفيِّ (٢)؛ وكان من أهل الضّبطِ والإتقان، والزُّهدِ والدّينِ المتين.
٤١ - عيسى بنُ حَيُّونَ .
كان فقيهًا قاضيًا بأرشقولَ (٣) لإدريسَ بن عيسى، ودخَلَ الأندَلُسَ غازيًا، حَكَى عنه أبو عُبَيدٍ البَكْريُّ في أخبارِ الأدارسة عندَ ذكْرِه مدينةَ فاس من كتابِه في "المسالك والممالك" (٤).
стр. 2207
٤٢ - عيسى (١) بن عبد الله الطَّويلُ، من أهل المدينةِ كرَّمها اللهُ.
صَحِبَ موسى بنَ نُصَيْر، وكان على غنائمِه بالأندَلُس أيامَ كونِ موسى بن نُصَيْر فيها. ذَكَرَه ابنُ الأبّار، وليس من شَرْط كتابِه ولا كتابي، إلّا أنْ يَغلِبَ على الظنِّ أنّ مثلَ موسى بن نُصَيْر لا يَستعمِلُ على الغنائم إلاّ مَنْ كان من أهل العلم، واللهُ أعلم.
٤٣ - عيسى (٢) بن عبد العزيز يَلَّبَخْت، بفتح الياءِ المسفول وفتح اللام المشدَّد، وهو اسمٌ مقتَضَب من يَلّا البَخْت، ومعنى يَلّا عندَ المَصامِدة: له أو: عندَه، ابن وَماريلي، بفتح الواو، ومعناه: ابن، وميم وراءٍ وياءِ مَدّ ولام وياءِ مَدّ، القزُوليُّ بقاف معقود مضموم، وزاي وواوِ مَدّ ولام منسوبًا، اليَزْدَكْتَنِيُّ، بفتح الياءِ المسفول وإسكانِ الزّاي وفتح الدال الغُفْل وإسكانِ الكاف وفتح التاءِ المعلوِّ ونونٍ منسوبًا.
وأُمُّه تِيْلَّمان، بتاءٍ معلوّ وياءِ مَدّ ولام مشدَّد مفتوح وميم وألفٍ ونون، وهو مقتضَبٌ، من تينِ الأمان، ومعنى تين: صاحبة، بنتُ تِيْفاوْت، بتاء مسفولٍ وياءِ مَدّ وألف وواو ساكن وتاءٍ معلوّ، ومعناهُ: الضِّياء، وموضِعُه من بلادِ قَزُولةَ، يُدعَى آيدا وَغَرْدا، بهمزة وألف وياءٍ مسفول [ودال غُفْل وألف] , ومعناه: أهلٌ أو طائفة، وواو مفتوح ومعناه: [ابن، وغَيْن] معجَمٍ مفتوح وراءٍ
стр. 2208
ساكن ودالٍ غُفْل وألفٍ، ومعناه: [الفار، وأصلُه] بألفٍ قبلَه همزة، ثم تُحذَفانِ تخفيفًا، فكأنّ معنى اسم هذا [الموضع: طائفةُ ابن الفار].
شرَّقَ أبو موسى وحَجَّ وحضَرَ بمِصرَ مجلسَ أبي محمد عبد الله [بن بَرِّي بن عبد] الجَبّار بن بَرِّي رئيس النَّحْويِّينَ بالبلادِ المِصريّة، والمرجوع إليه [في عِلم] العربيّة، وأبو موسى لا يُحسِنُ شيئًا من النَّحو فبحبِّه في العلم ومُواظبتِه على طلبِه لم يمُرَّ له إلا القليلُ حتى فَهِمَ الطريقةَ وتكلَّمَ فيها معَ أربابِها، وعَكَفَ على قراءةِ النّحو عندَ أبي محمد بن بَرِّي، وقَرأَ عليه "تاج اللغة وصِحاحَ العربيّة" لأبي نَصر إسماعيل بن حَمّاد النَّيْسابوريِّ الجَوْهريّ، وكتبَه بخطِّه، ورَوى أيضًا هنالك عن مهذَّب الدِّين أبي المحاسِن مُهلَّب بن الحَسَن بن بَرَكاتِ بن عليِّ بن غِيَاث بن سَلْمانَ المُهلَّبيِّ النَّحويّ اللُّغويّ، وبالإسكندَريّة عن أبي الطاهر السِّلَفيِّ، وأبي حَفْص عُمرَ بن أبي بكر بن إبراهيمَ التّميميِّ السَّعْديِّ الصِّقِلّي. ثُم قَفَلَ إلى بلادِ المغرِب، فأقام بجزائرِ بني زَغنَى (١) مُدّةً أخَذَ بها عن أبي عبد الله بن إبراهيم (٢) أصُولَ الفقه ولزِمَه حتى أتقنَه، ودرَّس أثناءَ مقامِه بها العربيّة، فأخَذَ عنه بها حينَئذٍ أبو زكريّا يحيى بنُ مُعْط بن عبد النُّور الزَّواويُّ المُستوطِنُ بعدُ دمشقَ المدعوُّ هناك بزَيْن الدِّين ناظمُ الأُرجوزةِ المهذّبةِ في النَّحْو الموسومةِ بـ "الدُّرّةِ الألفيّة في عِلم العربيّة" (٣)، وأبو عبد الله محمدُ بن قاسم ابن مِنْداس، وأخَذَ عنه بها أو بغيرها من بلاد إفريقيّةَ أبو زكريّا يحيى بن عليِّ بن الحَسَن بن عليّ ابن حَبُوس الهَمْدانيّ، وأبو عبد الله محمدُ بن عليّ بن بلقينَ القَلْعيُّ ابن طَرَفة.
ثم أجازَ البحرَ إلى جزيرةِ الأندَلُس، فكتبَ (٤) بالمَرِيّة زمانًا، وأخَذَ عنه بها من أهلِها جماعة، منهم: أبو إسحاقَ بنُ غالب، وأبو عبد الله بن أحمدَ ابن
стр. 2209
الشَّوّاس، ثم عاد إلى العُدْوة وأخَذَ عن أبي محمد الحَجْريِّ، واستَوْطنَ مَرّاكشَ وانتَصَبَ فيها لتدريس العربيّة، فأخَذَ عنه بها أبو إدريسَ يعقوبُ بن يوسُف الصُّنْهاجيُّ، وأبو إسحاقَ ابن القَشّاش شيخُنا، وأبو بكرٍ عبدُ الرحمن ابن دَحْمان، وأبو الحَجّاج ابن علاءِ النّاس، وأبو الحَسَن ابن القَطّان، وأبو زَيْد المَكّاديُّ، وأبَوا عبد الله: ابنُ إبراهيمَ الوَشْقيُّ، وابنُ أبي الرّبيع بن محمد الإيلانيّ، وأبوا العبّاس: ابنا المحمَّدَيْنِ: ابن زكريّا المنجصيُّ، والمَوْرُوريُّ، وأبوا محمدٍ: عبدُ الصّمد ابن يُوْشْجَل، ويُكتَبُ أيضَا: يُوجْكَل، [وبالرَّسْمَيْنِ وقَفتُ عليه في خطِّ] أبي موسى في موضِعَيْن، وهو بالياءِ المسفول وواو مَدّ وجيم [معقودٍ ساكن وقافٍ] معقود مفتوح ولام، ومعناه ... المَجّونيّ [بفتح الميم وجيم] مشدَّد وواوِ مَدّ ونون منسوبًا (١)، وعبدُ الكريم بن محمد الخُزَاعيُّ، وأبو يعقوبَ [بن يحيى بن عيسى] بن عبد الرحمن التادَليُّ ابنُ الزَّيات.
وكان كبيرَ النُّحاة غيرَ مُدافَع، [جيِّدَ التلاوة] حسَنَ الإلقاء، حافظًا للُّغة ضابطًا لما يقيِّدُ، حسَنَ الخَطّ المشرِقيّ [وافرَ الحَظّ من الفقه] بارعًا في أصُولِه، متعلِّقًا بطرَفٍ صالح من روايةِ الحديث، معَ الوَرَع والزُّهد [والصَّلاح] والانقباضِ عن مخالطةِ الناس ومُداخَلةِ أبناءِ الدنيا، وهُو أولُ من أدخَلَ "صحاحَ الجَوْهريِّ" إلى المغرِب.
وله مصنَّفاتٌ في النَّحو مفيدة، أشهَرُها: التقييدُ المحاذي بهِ أبوابَ "الجُمَل" للزَّجّاجيّ المسَمَّى بالاعتماد، وبالقانونِ أيضًا، الجاري عليه بينَ الناس [اسمُ]
стр. 2210
الكُرّاسة القَزُوليّة، ومن الناس -وأكثرُهم بعضُ الأندَلُسيِّين (١) - من يَنسُبُها لشيخِه أبي محمدٍ ابن بَرِّي ويَذكُرُ عن أبي موسى أنه كان يقول: إنها جمْعُ تلامذة أبي محمد بن بَرّي حسبَما لَقِنُوهُ عنه، ومنهم مَن يَأْثَرُ عن أبي موسى أنها من إملاءاتِ ابن بَرِّيّ على أبوابِ "الجُمَل" وأنّ أبا موسى كمَّلَها، وكلُّ ذلك ممّا لا ينبغي التعريجُ عليه، وإنّماَ هي تقوُّلاتُ حَسَدتِه النافِسينَ عليه، وإلا فلمَ [لم] تُعرَفْ إلا من قِبَل أبي موسى وقد أخَذَها الناسُ عنه ودرَّسهم إياها ولم تُشهَرْ إلا له؟ وقد وقَفْتُ على خطِّه في نُسَخ منها محمِّلًا إياها بعضَ آخِذيها عنه، ولم يأتِ بها أحدٌ زاعمًا أنه أخَذَها عن ابن بَرِّيّ على كثرةِ تلاميذِه والآخِذينَ عنه إلى عصرِنا هذا، ولم يزَلْ أبو موسى يتَولّى تهذيبَها وتنقيحَها والزّيادةَ فيها والنقْصَ منها وتغييرَ بعض عباراتها حسبَما يؤدِّيه إليه اجتهادُه ويقتضيه اختيارُه، وشهيرُ وَرَعِه يَزَعُه عن التعرُّض إلى مثل هذه التصرُّفاتِ في غير مصنَّفِه، اللهمّ إلا أن يكونَ ابنُ برِّيّ قد أذِنَ لهُ في ذلك، وهو بعيدٌ إن لم يكنْ باطلًا؛ لِما تقَدَّم من أنه لم يأتِ بها أحدٌ عنه ولا نَسَبَها إليه منذُ مئةٍ وثلاثينَ سنةً أو نحوِها وهلُمَّ جَرًّا، وعلى الجملة، فإنه كان راسخَ القَدَم في النَّحو، ولا سبيلَ إلى إنكارِ ذلك، ومصنَّفاتُه تشهَدُ بذلك، ككتابِه الذي بَسَطَ فيه مقاصدَ هذا "الاعتماد" وتوفِّي