← Тараджим

Тараджим · id 17056

الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة

ابن عبد الملك المراكشي

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

كريمَ الطِّباع طيِّبَ النَّفْس، متبرِّعًا بقضاءِ حوائج الناس، متواضعًا معظَّمًا عند كلِّ مَن يَلقاه، مَهِيبًا مِقْدامًا، فصيحَ اللِّسان، يرغَبُ الملوكُ [في الاستماع إليه]. قال أبو عبد الله بنُ عَسْكر (١): لمّا تزوَّجتُ كان في نَفْسي [أن لا أستدعيَه إلّا في يوم الإطعام] وأكبَرتُ استدعاءه يومَ الذَّبح؛ لكونِه يومَ مِهنةٍ وتعب، [فبينَما أنا أتصرَّفُ في] أسبابِ ما كنتُ بصَدَدِه قُرع البابُ، فأذِنتُ في فتحِه، فإذا أبو الفَضل [يَدخُلُ عاتبًا] عليّ وقائلًا: ما كنتُ أظُنُّ منكَ هذا، هلّا استدعيتَني حتّى [أتصرَّفَ في جُملةِ من يتَصرَّف؟] فخَجِلتُ منه واعتَذرْتُ إليه بإجلالِه عن إحضاره لمثل هذه [الأشياء، فقال: لا عليكَ] الموضِعُ موضِعي، وسواءٌ استُدعِيتُ أم لم أُستَدْعَ، فشَكرتُه على [تواضُعِه وعلوِّ] قَدْرِه وجميل عِشرتِه. وُلد بسَبْتَةَ لإحدى عشْرةَ ليلةً بقِيت من المحرَّم إحدى وستينَ وخمس مئة، وتوفِّي بمالَقةَ في العَشْر الوُسَط من جُمادى الآخِرة سنةَ ثلاثينَ وست مئة. ٤٠ - عيسى بنُ حَمّاد بن محمد الأوربيُّ، تِلِمْسينيٌّ، أبو موسى . رَوى بالأندَلُس عن أبي عليّ الصَّدَفيِّ (٢)؛ وكان من أهل الضّبطِ والإتقان، والزُّهدِ والدّينِ المتين. ٤١ - عيسى بنُ حَيُّونَ . كان فقيهًا قاضيًا بأرشقولَ (٣) لإدريسَ بن عيسى، ودخَلَ الأندَلُسَ غازيًا، حَكَى عنه أبو عُبَيدٍ البَكْريُّ في أخبارِ الأدارسة عندَ ذكْرِه مدينةَ فاس من كتابِه في "المسالك والممالك" (٤).

стр. 2207

٤٢ - عيسى (١) بن عبد الله الطَّويلُ، من أهل المدينةِ كرَّمها اللهُ. صَحِبَ موسى بنَ نُصَيْر، وكان على غنائمِه بالأندَلُس أيامَ كونِ موسى بن نُصَيْر فيها. ذَكَرَه ابنُ الأبّار، وليس من شَرْط كتابِه ولا كتابي، إلّا أنْ يَغلِبَ على الظنِّ أنّ مثلَ موسى بن نُصَيْر لا يَستعمِلُ على الغنائم إلاّ مَنْ كان من أهل العلم، واللهُ أعلم. ٤٣ - عيسى (٢) بن عبد العزيز يَلَّبَخْت، بفتح الياءِ المسفول وفتح اللام المشدَّد، وهو اسمٌ مقتَضَب من يَلّا البَخْت، ومعنى يَلّا عندَ المَصامِدة: له أو: عندَه، ابن وَماريلي، بفتح الواو، ومعناه: ابن، وميم وراءٍ وياءِ مَدّ ولام وياءِ مَدّ، القزُوليُّ بقاف معقود مضموم، وزاي وواوِ مَدّ ولام منسوبًا، اليَزْدَكْتَنِيُّ، بفتح الياءِ المسفول وإسكانِ الزّاي وفتح الدال الغُفْل وإسكانِ الكاف وفتح التاءِ المعلوِّ ونونٍ منسوبًا. وأُمُّه تِيْلَّمان، بتاءٍ معلوّ وياءِ مَدّ ولام مشدَّد مفتوح وميم وألفٍ ونون، وهو مقتضَبٌ، من تينِ الأمان، ومعنى تين: صاحبة، بنتُ تِيْفاوْت، بتاء مسفولٍ وياءِ مَدّ وألف وواو ساكن وتاءٍ معلوّ، ومعناهُ: الضِّياء، وموضِعُه من بلادِ قَزُولةَ، يُدعَى آيدا وَغَرْدا، بهمزة وألف وياءٍ مسفول [ودال غُفْل وألف] , ومعناه: أهلٌ أو طائفة، وواو مفتوح ومعناه: [ابن، وغَيْن] معجَمٍ مفتوح وراءٍ

стр. 2208

ساكن ودالٍ غُفْل وألفٍ، ومعناه: [الفار، وأصلُه] بألفٍ قبلَه همزة، ثم تُحذَفانِ تخفيفًا، فكأنّ معنى اسم هذا [الموضع: طائفةُ ابن الفار]. شرَّقَ أبو موسى وحَجَّ وحضَرَ بمِصرَ مجلسَ أبي محمد عبد الله [بن بَرِّي بن عبد] الجَبّار بن بَرِّي رئيس النَّحْويِّينَ بالبلادِ المِصريّة، والمرجوع إليه [في عِلم] العربيّة، وأبو موسى لا يُحسِنُ شيئًا من النَّحو فبحبِّه في العلم ومُواظبتِه على طلبِه لم يمُرَّ له إلا القليلُ حتى فَهِمَ الطريقةَ وتكلَّمَ فيها معَ أربابِها، وعَكَفَ على قراءةِ النّحو عندَ أبي محمد بن بَرِّي، وقَرأَ عليه "تاج اللغة وصِحاحَ العربيّة" لأبي نَصر إسماعيل بن حَمّاد النَّيْسابوريِّ الجَوْهريّ، وكتبَه بخطِّه، ورَوى أيضًا هنالك عن مهذَّب الدِّين أبي المحاسِن مُهلَّب بن الحَسَن بن بَرَكاتِ بن عليِّ بن غِيَاث بن سَلْمانَ المُهلَّبيِّ النَّحويّ اللُّغويّ، وبالإسكندَريّة عن أبي الطاهر السِّلَفيِّ، وأبي حَفْص عُمرَ بن أبي بكر بن إبراهيمَ التّميميِّ السَّعْديِّ الصِّقِلّي. ثُم قَفَلَ إلى بلادِ المغرِب، فأقام بجزائرِ بني زَغنَى (١) مُدّةً أخَذَ بها عن أبي عبد الله بن إبراهيم (٢) أصُولَ الفقه ولزِمَه حتى أتقنَه، ودرَّس أثناءَ مقامِه بها العربيّة، فأخَذَ عنه بها حينَئذٍ أبو زكريّا يحيى بنُ مُعْط بن عبد النُّور الزَّواويُّ المُستوطِنُ بعدُ دمشقَ المدعوُّ هناك بزَيْن الدِّين ناظمُ الأُرجوزةِ المهذّبةِ في النَّحْو الموسومةِ بـ "الدُّرّةِ الألفيّة في عِلم العربيّة" (٣)، وأبو عبد الله محمدُ بن قاسم ابن مِنْداس، وأخَذَ عنه بها أو بغيرها من بلاد إفريقيّةَ أبو زكريّا يحيى بن عليِّ بن الحَسَن بن عليّ ابن حَبُوس الهَمْدانيّ، وأبو عبد الله محمدُ بن عليّ بن بلقينَ القَلْعيُّ ابن طَرَفة. ثم أجازَ البحرَ إلى جزيرةِ الأندَلُس، فكتبَ (٤) بالمَرِيّة زمانًا، وأخَذَ عنه بها من أهلِها جماعة، منهم: أبو إسحاقَ بنُ غالب، وأبو عبد الله بن أحمدَ ابن

стр. 2209

الشَّوّاس، ثم عاد إلى العُدْوة وأخَذَ عن أبي محمد الحَجْريِّ، واستَوْطنَ مَرّاكشَ وانتَصَبَ فيها لتدريس العربيّة، فأخَذَ عنه بها أبو إدريسَ يعقوبُ بن يوسُف الصُّنْهاجيُّ، وأبو إسحاقَ ابن القَشّاش شيخُنا، وأبو بكرٍ عبدُ الرحمن ابن دَحْمان، وأبو الحَجّاج ابن علاءِ النّاس، وأبو الحَسَن ابن القَطّان، وأبو زَيْد المَكّاديُّ، وأبَوا عبد الله: ابنُ إبراهيمَ الوَشْقيُّ، وابنُ أبي الرّبيع بن محمد الإيلانيّ، وأبوا العبّاس: ابنا المحمَّدَيْنِ: ابن زكريّا المنجصيُّ، والمَوْرُوريُّ، وأبوا محمدٍ: عبدُ الصّمد ابن يُوْشْجَل، ويُكتَبُ أيضَا: يُوجْكَل، [وبالرَّسْمَيْنِ وقَفتُ عليه في خطِّ] أبي موسى في موضِعَيْن، وهو بالياءِ المسفول وواو مَدّ وجيم [معقودٍ ساكن وقافٍ] معقود مفتوح ولام، ومعناه ... المَجّونيّ [بفتح الميم وجيم] مشدَّد وواوِ مَدّ ونون منسوبًا (١)، وعبدُ الكريم بن محمد الخُزَاعيُّ، وأبو يعقوبَ [بن يحيى بن عيسى] بن عبد الرحمن التادَليُّ ابنُ الزَّيات. وكان كبيرَ النُّحاة غيرَ مُدافَع، [جيِّدَ التلاوة] حسَنَ الإلقاء، حافظًا للُّغة ضابطًا لما يقيِّدُ، حسَنَ الخَطّ المشرِقيّ [وافرَ الحَظّ من الفقه] بارعًا في أصُولِه، متعلِّقًا بطرَفٍ صالح من روايةِ الحديث، معَ الوَرَع والزُّهد [والصَّلاح] والانقباضِ عن مخالطةِ الناس ومُداخَلةِ أبناءِ الدنيا، وهُو أولُ من أدخَلَ "صحاحَ الجَوْهريِّ" إلى المغرِب. وله مصنَّفاتٌ في النَّحو مفيدة، أشهَرُها: التقييدُ المحاذي بهِ أبوابَ "الجُمَل" للزَّجّاجيّ المسَمَّى بالاعتماد، وبالقانونِ أيضًا، الجاري عليه بينَ الناس [اسمُ]

стр. 2210

الكُرّاسة القَزُوليّة، ومن الناس -وأكثرُهم بعضُ الأندَلُسيِّين (١) - من يَنسُبُها لشيخِه أبي محمدٍ ابن بَرِّي ويَذكُرُ عن أبي موسى أنه كان يقول: إنها جمْعُ تلامذة أبي محمد بن بَرّي حسبَما لَقِنُوهُ عنه، ومنهم مَن يَأْثَرُ عن أبي موسى أنها من إملاءاتِ ابن بَرِّيّ على أبوابِ "الجُمَل" وأنّ أبا موسى كمَّلَها، وكلُّ ذلك ممّا لا ينبغي التعريجُ عليه، وإنّماَ هي تقوُّلاتُ حَسَدتِه النافِسينَ عليه، وإلا فلمَ [لم] تُعرَفْ إلا من قِبَل أبي موسى وقد أخَذَها الناسُ عنه ودرَّسهم إياها ولم تُشهَرْ إلا له؟ وقد وقَفْتُ على خطِّه في نُسَخ منها محمِّلًا إياها بعضَ آخِذيها عنه، ولم يأتِ بها أحدٌ زاعمًا أنه أخَذَها عن ابن بَرِّيّ على كثرةِ تلاميذِه والآخِذينَ عنه إلى عصرِنا هذا، ولم يزَلْ أبو موسى يتَولّى تهذيبَها وتنقيحَها والزّيادةَ فيها والنقْصَ منها وتغييرَ بعض عباراتها حسبَما يؤدِّيه إليه اجتهادُه ويقتضيه اختيارُه، وشهيرُ وَرَعِه يَزَعُه عن التعرُّض إلى مثل هذه التصرُّفاتِ في غير مصنَّفِه، اللهمّ إلا أن يكونَ ابنُ برِّيّ قد أذِنَ لهُ في ذلك، وهو بعيدٌ إن لم يكنْ باطلًا؛ لِما تقَدَّم من أنه لم يأتِ بها أحدٌ عنه ولا نَسَبَها إليه منذُ مئةٍ وثلاثينَ سنةً أو نحوِها وهلُمَّ جَرًّا، وعلى الجملة، فإنه كان راسخَ القَدَم في النَّحو، ولا سبيلَ إلى إنكارِ ذلك، ومصنَّفاتُه تشهَدُ بذلك، ككتابِه الذي بَسَطَ فيه مقاصدَ هذا "الاعتماد" وتوفِّي

стр. 2211

قبلَ إكمالِه، وشَرَحَ أيضًا "إيضاحَ" الفارسيِّ جُملةً، وشَرَحَ شواهدَه مُفردةً، إلى غيرِ ذلك من التنبيهاتِ والمعلَّقات [على "كتاب] سِيبوَيْه"، و"مفصَّل" الزمخشَريّ، وغيرِ ذلك (١) ممّا يُعرِبُ عن وفورِ [مَلَكتِه وسَعةِ] إدراكِه في هذا الفنّ، وقد حدَّثني غيرُ واحد ممّن لقِيتُه أنّ [الشَيخَ النَّحويَّ] الحافلَ أبا عليّ ابنَ الشَّلَوْبِين (٢) قَدِمَ على مَرّاكُش أوّل قَدَماتِه عليها [وصِيتُه بعيد،] وذِكْرُه عتيد، وهُو مستعدٌّ بما عندَه للظهورِ على من اشتَملت عليه [الحضرةُ من المُرتسِمينَ] بالعربيّة، فدَخَلَ إليها من باب دكالةَ أحدِ أبوابِها الشَّماليّة، [وكان] أبو موسى في ذلك الوقتِ يدرِّسُ في مسجدٍ على الطريق بمقرُبةٍ من ذلك البابِ [الذي اجتازَ] به الأستاذُ أبو عليّ، وسمع أصواتَ طلبةِ العلم قد عَلَت بالمُذاكَرة والمُباحثة، فسألَ عن ذلك فأُخبِر أنه مجلسُ بعضِ أساتيذِ العربيّة، فدَخَلَ إليه متشوِّفًا ومتطلِّعًا على مَراتب طلبةِ مَرّاكُشَ في النّحو، فألْفاهُم يتفاوَضُونَ في مسائلَ من النَّحو، وبينَما هو يَسَتطرِفُ مأخَذَهم في المُناظرة دَخَلَ أبو موسى رجلًا رقيقَ الأدَمة تعلوهُ صُفرة، ذا غديرتَيْنِ، مُبتذَل الملبَس، على رأسِه قُلُنْسُوة عزف، على زيِّ ذوي المِهَن من بَرابرةِ البوادي، وعندَما أطلَّ عليهم سَكَتوا وسَكَنوا هَيْبةً له وإجلالًا، ولمّا استقَرَّ بأبي موسى المجلسُ أخَذَ يتكلَّمُ في بعض أبوابِ العربيّة بضَبْطِ قوانينِها وتقييدِ مسائلِها وإحكام أصولِها بما لا عهدَ لأبي عليّ بمثلِه، فبُهِتَ عندَ ذلك وسُقِطَ في يدِه، وقال: إذا كان مثلُ هذا الموضع الخامل الذي

стр. 2212

لا يكادُ يُؤبَهُ له، ولا يُعَدُّ من كبارِ مجالِس العلم؛ لكونِه في أُخْرَياتِ البلد، يَنتصبُ للتدريس فيه مثلُ هذا البَرْبريِّ البعيدِ في بادي الرأي عن التكلُّم، فضلًا عن مثلِ هذا الاستبحارِ في النَّحو، فما الظنُّ بالمجالِس المحتفِلة والمساجدِ المشهورة التي يَعتني بها وبمدرِّسيها ولاةُ الأمر ويَعظُمُ فيها الحَفْل ويجتمعُ إليها أكابرُ طلبةِ العلم؟ هذا بلدٌ لا أسُودُ فيه بعلمي، فانكفَأَ للحِين من ذلك الموضع، ولم يحُلَّ بمَرّاكُشَ ولا حضَرَ مجلسًا من مجالِس أساتيذِها، وعاد إلى بلدِه إشبيليةَ مُقْضيًا العجبَ مما شاهدَه، ولمّا شاع ذكْرُ أبي موسى واشتُهر أمرُه وعُرِفَ قَدْرُه، تكاثَرَ طلَبةُ العِلم عليه وانثَالوا من كلِّ حَدْبٍ إليه حتى ضاقَ عنهم ذلك المسجدُ الذي كان يدرِّسُ فيه، فانتقلَ إلى مسجدِ ابن الأبكَم شَماليَّ محَلّةِ الشرقيِّين أسفلَ ممرِّ بابِ أغمات الأعظم إلى جهةِ العوّادِين، ولمّا نُمِيَ إلى المنصور، من بني عبد المؤمن، خبَرُه وقرِّر عندَه ما هو عليه من الدِّين والزُّهدِ والوَرَعِ والتقشُّف والإعراضِ عن الدّنيا والانقطاع إلى [نَشْر العلم والبُعدِ عن التعرُّض] لأهلِ الجاهِ من الأُمراءِ والوُلاة - وكان دأْبُ عبدِ المؤمن وبنيهِ [التنقيرَ عمّن هذه] حالُه والكشفَ عن باطنِ أمرِه متخوِّفينَ ثورتَه وخروجَه عليهم -[فأمَرَ كبيرَ وُزرائه] أبا زيدِ ابنَ يَوُجّانَ (١) - بياءٍ مسفولٍ مفتوح وواو مضموم وجيم مشدَّد [وألفِ مَدّ ونون - ونقيبَ] طلبةِ العلم حينَئذٍ أبا القاسم ابنَ أبي محمد المالَقيَّ (٢) فأمَرَهما بالتوجّه إليه [وإحضارِه بينَ] يدَيْه، وأوعَزَ إلى

стр. 2213

وزيرِه أنه إنْ وافَقَه على الوصُولِ مَعه استَصْحَبَه مُكرَّمًا مبرورًا، [وإن بَدَا] منه تأبٍّ أو تلكُّؤٌ ضَرَبَ عنُقَه في مجلسِه وجاء برأسِه، فتوجَّها إليه، ولمّا دخَلا عليه [أمّا] نحوَهُ، فلم يَعْبَأْ بهما ولا عَرَفَ من هما، وظنَّهما ممّن قَصدَ إليه لاقتباسِ العلم، ولمّا انتَهَيا إليه سَلَّما عليه فرَدَّ ﵉، ومَرَّ في شأنِه غيرَ معرِّج عليهما، فمَكَثا هُنَيْأةً، فرأَيا من حالِه وهيئتِه ومعرفتِه وهيبتِه عندَ الحاضِرينَ ما أوقَعَ في نفوسِهما إجلالَه، ثم دَنَا له الوزيرُ وقال له: أجِبْ أميرَ المؤمنين، فإنّا رسولاهُ إليك، فسَبْحَلَ وحَسْبَلَ وحَوْقَلَ وقال: ما لي ولأميِر المؤمنين! وأخَذَ يُكرِّرُها، فتشاغَلَ عنه الوزيرُ بالتكلُّم معَ بعضِ مَن وَليَه من حاضِري طلبةِ المجلس، وأشار إلى رئيس الطلبةِ بأن يُلقيَ إليه ما يُهَوِّنُ عليه إجابةَ الدّعوة والعملَ على مَرْضاةِ أميرِ المؤمنين، ويُعرِّضَ له بما تَجُرُّ الإبايةُ عن ذلك ممّا يُحذَرُ عليه، فلم يزَلْ يتَلطَّفُ به حتّى أجابَ إلى ما دُعيَ إليه على كُرهٍ منه، وتوجَّهَ معَهما، وأخَذَ أبو القاسم يؤنِسُه ويُلقي إليه صورةَ لقائه المنصُورَ كيف تكون، ويؤكِّدُ عليه في مُوافقةِ أغراضِه جمع، حتى انتَهَيا به إلى مجلسِ المنصُور، فدَخَلَ عليه متلفِّفًا في عباءةٍ مؤتزِرًا بقطعةِ ثوب صُوف، فعَجِبَ من هيئتِه، واختَبَره بكلِّ وجهٍ واستَنْطَقَه، فألْفاهُ أحدَ رجالِ الكمالِ فصاحةً ودينًا وفضلًا وعلمًا، فقرِّبَه وأدناهُ ولاطَفَه في المُكالمة حتى آنَسَه، وأمَرَه بنَزْع ما عليه من الثّيابِ ولُبْسِ كُسوةٍ كاملة قد أُعدَّت له، فامتَثلَ للأمرِ عملًا على إشارةِ أبي القاسم، ثم صَرَفَه مُكرَّمًا منوَّهًا به، وأصْحَبَ النقيبَ أبا القاسم ابنَ المالَقيِّ مؤنِسًا إياه، فلمّا انتَهَيا إلى باب السّادة، أحدِ أبوابِ القَصْر المُفْضِيةِ إلى ظاهرِه وخارجَ مَرّاكُش، قُدِّمت إليه بَغلةٌ فارهةٌ قد عُيِّنت. لركوبِه، فأشار عليه أبو القاسم بركوبِها، وتوَجَّه معَه نحوَ مَرّاكُشَ حتّى دخَلا على بابِ القصر، وهو الجاري عليه اسمُ بابِ الرَّبّ، وأبو موسى لا يَعرِفُ أين يُتوجَّهُ به، حتّى أفْضَيا إلى دارٍ بمحَلّةِ هرغةَ، فدخَلا إليها، فوجَداها [مُشتمِلةً على جميع ما] يَحتاجُ إليه طالبُ العلم المتمدِّنُ من كُتُبِ العلم منوّعة [الفنون وعَبيدٍ وإماء] وبُسُطٍ وفُرُش ومُعلَّقاتٍ ومَواعينَ وأثاثٍ وخرثيّ وأطعمةٍ على اختلافِها وتوابلَ ووقودٍ وفَخّارٍ وغيرِ ذلك، ولمّا

стр. 2214

استقَرّا بالدارِ وتَطوَّفا عليها [ونَظَراها عُلوًا وسُفلًا] واطّلعا على جميع ما فيها، أعلَمَه أبو القاسم أنها وجميعَ ما احتَوتْ عليه له، وسَلَّمَها إليه وأقرَّه فيها وانصَرفَ عنه، ولم يزَلِ المنصُورُ بعدَ ذلك شديدَ العناية بأبي موسى راعيًا له مُفيضًا عوارفَه عليه متعهِّدًا أحوالَه متبرِّكًا [به وبرؤيتِه] وقَدَّمهُ إلى الخُطبةِ في جامعِه الأعظم المتّصل بقصرِه حين أتمَّ بناءه، فكان أولَ خطيبٍ به، واستمرَّ حالُه معَه على ذكْرٍ من التنويهِ به واعتقادِ الخير التامِّ فيه، ولمّا حضرَتِ المنصورَ الوفاةُ عَهِدَ أن يتوَلَّى غَسْلَه أبو موسى تبرّكًا به، فكان كذلك (١)، وكان أبو العبّاس القورائيُّ على عادتِه في التنكيتِ على الناسِ والنَّيل منهم يقولُ إذا رأى أبا موسى: الصُّفرةُ في الوجهِ كَنْزٌ من الكنوز! وأخبرَني (٢) غيرُ واحدٍ ممن أثقه أن الفقيهَ المتفنِّنَ الوَرِعَ المُجمَعَ على فضلِه أبا سَعِيد يَخْلفتين ابن تنفليشت بن إبراهيمَ المتراريَّ البوغاغيَّ، ﵀، كان متى أشكَلَ عليه شيءٌ من عِلم العربيّة تعرَّض لأبي موسى في طريقِه الذي جَرَتْ عادتُه بالمرورِ عليه من دارِه متوجِّهًا إلى مجالسِ المنصُور أو إليها منفصِلًا عنه، فيَستفتيهِ فيما يَعرِضُ له، وأبو موسى راكبٌ، فيهُمُّ بالنّزولِ إليه والمُواعَدةِ معَه في الوصُولِ إلى منزلِه أو الاجتماع به في أحدِ المساجدِ القريبة من موضع تلاقيهما أو الوقوفِ معَه حتى يَفرُغا من مُحاورتِهما، فيأبَى أبو سَعِيد من ذلك كلِّه إلا مماشاتَهُ على قدمَيْه، وأبو موسى راكِبٌ، فكان أبو موسى يَقلَقُ لذلك كثيرًا تواضعًا منه وإجلالًا لأبي سَعِيد، ولا تسَعُه إلا مساعدتُه، فَيأخُذُ معَه فيما قصَدَ

стр. 2215

إليه بسببِه حتّى ينقضيَ أرَبُه وينفصلَ عنهُ أبو سَعِيدٍ متأسِّفًا عليه مسترجعًا قائلًا: أيّ رجُلٍ استَمالتْه الدّنيا واستَهواهُ زُخرُفُها! وكان هذا القولُ من أبي سَعيدٍ بناءً على حالتِه التي سَتَرَه اللهُ فيها وأعانهُ عليها، وإلا فأبو موسى ﵀ لم يتلبَّسْ من الدّنيا إلا بما يَتظاهرُ به بينَ أبنائها تَقِيّةً منه على نفسِه، فأمّا في باطنِ أمرِه وخفِيِّ حالِه فإنه كان على أرفع درجاتِ الزُّهدِ والتقلُّل من الدّنيا، نفَعَه اللهُ. قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: والشيءُ يُذكَرُ بالشّيء، كان الشّيخ أبو سَعِيدٍ هذا ﵀ قد صنَّفَ كتابًا جمَعَ فيه فنونَ العلم على تفاريقِها حسبَما انتهى إليه إدراكُه واقتضاهُ تحصيلُه، وسمّاه "منارَ العلم" (١)، فأخبَرني الشّيخُ الحافظُ أبو عليّ الماقريُّ الضَّريرُ ﵀، قال: كنتُ جالسًا معَ [أبي سَعِيد] هذا بدُكّانِ بعض الوَرّاقينَ من مَرّاكُشَ ولا ثالثَ معَنا، فقلتُ له: [إنّك] قد أغْرَبْتَ بوَضْع هذا الكتاب وجمَعْتَ فيه متفَرِّقاتِ ضروب العِلم [وفنونَه] فما سبَقَكَ أحدٌ إلى وَضْع مثلِه، وقد رأيتُ رأيًا أعرِضُه عليكَ، فقال: [وما هو؟ فقلت:] ترفَعُه إلى أمير المؤمنينَ، وذلك صَدْرَ أيام المستنصِر من بني عبد المؤمن، [فإنّ ذلك] أشهرُ لهُ وأنفَقُ لسُوقِه، فأضْرَبَ عن جَوابي، ولم يَرُعْني إلا صوتٌ باكٍ ولا عهدَ لي بثالثٍ معَنا، فتحسَّستُ أمرَه فتحقَّقتُ أنهُ الباكي، فقلتُ له: أبا سَعِيد، ما لك؟ فأعرَضَ عنّي وتمادَى على بُكائِه ساعةً ثم قطَعَه واستَرجَعَ، وقال لي: أحسَنَ اللهُ عزائي فيكَ وأعظَمَ أجري في المصابِ بك، قد كنتُ أعتقدُ أنّا لم

стр. 2216

نَصطحِبْ إلا لله وللنّصيحةِ فيه ولتُرشِدَني إلى ما فيه تحسينُ عاقبتي والفَوْزُ بالنّعيمِ الدائم في آخِرتي، فأمّا الإشارةُ بالتعرُّضِ إلى أبناءِ الدنيا ولا سيّما بالعِلم الذي أنفَقْتُ فيه عمُري طالبًا لِما عندَ الله فما كنتُ أُقدِّرُ خطورَ ذلك ببالِك، ثم قام مُسرِعًا، ورُمتُ القبضَ عليه ففاتَني، ولمّا كان في اليوم الثالثِ لقِيَني مُسلِّمًا عليّ وقائلًا: لولا عُذرُك بكفِّ بصَرِك لآثَرْتُك بفضيلةِ البَدْءِ بالسلام؛ لإزالةِ الهجرة، ثم عاد إلى بعضِ ما كنّا عليه، ولا كالتوَدُّد الذي كان بينَنا، ولم يَزلْ عاتبًا لي على ما صَدَرَ له منّي في ذلك حتّى تفَرَّقْنا، ففَصَلَ إلى بلدِه بحاحةَ ﵀ (١). قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: ولم يزَلْ أبو موسى بعدَ وفاةِ المنصُور حَظِيًّا عندَ ابنِه الناصِر مكرَّمًا لدَيْه يَستصحِبُه في أسفارِه وَيتبرَّكُ بلقائه، إلى أن وَجَّهَه رسُولًا ومُصلِحًا في قضيّةٍ بينَ بعضِ صُنهاجةَ الساكنينَ بأزْمُور، فتوفِّي هناك ليلةَ السبت الثالثةَ عشْرةَ من شعبانِ سبع وست مئة، وصَلّى عليه عبدُ الوهّاب ودُفنَ بتُربة الشّيخ الفاضِل أبي شُعَيْب (٢) أيّوبَ بن سَعِيدٍ الصُّنْهاجيِّ المعروفِ بالسّارَية شُهرةً عُرِف بها لطولِ قيامِه في الصّلاةِ، ومولدُه بأيدا وَغَردا عامَ أربعينَ وخمس مئة، وأخبَرني غيرُ واحدٍ - منهم الشّيخُ الفقيهُ المتخلِّقُ الفاضل أبو العبّاس أحمدُ بن عبد الله بن عبد العزيز بن عَبْدون (٣) البَرغْواطيُّ الأصل الزّموريُّ المولدِ والنَّشأةِ

стр. 2217

هُو وسَلَفُه عبدون فمَن بعدَه المعروفُ بالصَّبّان، [المِهنة التي] كان يَنتحلُها قبلَ ضَعْفِه عن القيام بها، وهو المتّفَقُ على فضلِه، وما [أعزَّ المتّصفَ بهذه] المَنْقَبة العَلِيّةِ في عصرِنا هذا، [وإلى] عبدون جَدِّ أبيه يَنتسبُ [البابُ الغَرْبيُّ من أبوابِ] أزْمُورَ والبئرُ القريبةُ منه هنالك - قال: لمّا توفِّي أبو موسى القَزُوليُّ، ﵀، تفاوَضَ أهلُ العِلم والخَيْر والصّلاح في تعيينِ مدفِنِه، فقال بعضُهم: يُدفَنُ إزاءَ أبي شُعيب، لعلّهُ يجدُ بركةَ أبي شُعَيْب، وكان ممّن حضَرَ ذلك المقامَ وتلك المُفاوضةَ الفقيهُ أبو بكر بن محمد بن أبي بكر الزَّنَاتيُّ النَّحْويّ، فقال: نعم، يُدفَنُ معَه حتى يجدَ أبو شُعَيْب برَكةَ أبي موسى؛ لأنه كان في الصّلاح والفَضْل مثلَه، ويزيدُ أبو موسى عليه بفضيلةِ العلم، فدُفنَ إلى جَنْبِه (١). قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: وقد زُرتُ قبرَه غيرَ مرّة متبرِّكًا به وبمَن ضمَّتْه تلك التُّربةُ، وهو لاطئٌ بالأرض وَسَطَ قُبّة بين قبرَيْ أبي شُعَيْب المذكور وابن ابنِه الناسِك الوَرع أبي محمدٍ، رحمةُ الله عليهم أجمعينَ ونفَعَ بعضَهم ببعضٍ ونفَعَنا بهم وبحبِّهم. ٤٤ - عيسى (٢) بن عِمرانَ بن دافَالَ، بدال غُفْل وألِف وفاءٍ وألفٍ ولام، المِكْنَاسيُّ ثم الوَرْدَمِيشيُّ، بفتح الواو وإسكان الراءِ وفتح الدال الغُفْل وميمٍ وياءِ مَدّ وشينٍ معجَم منسوبًا، تِلِمْسينيٌّ، سَكَنَ مَرّاكُشَ وغيرَها، أبو موسى.

стр. 2218

رَوى ببلدِه عن أبي عليٍّ الحَسَن بن عبدِ الله ابن الخَرّاز وغيره، وقَدِمَ الأندَلُسَ طالبًا العِلمَ، فأخَذَ بالمَرِيّة عن أبي القاسم ابن وَرْد واختَصَّ به وأكثرَ عنهُ، ولقِيَ بأغماتِ وَريكةَ قاضيَها أبا محمدٍ سِبْطَ ابن عبدِ البَرّ فسَمع منه، وبمَرّاكُشَ أبا يوسُفَ حَجّاجَ بن يوسُفَ وتفَقَّه به. رَوى عنه أبو الخَطّاب ابنُ الجُمَيِّل، وأبو عبد الله بن عليّ بن مَرْوانَ، وأبو عليّ الحَسَن بن حَجّاج، وكان أحدَ رجالِ الجلال فقيهًا حافظًا قائمًا على الفقه وأصُولِه، راسخَ القَدَم في فنونٍ من العلم حسَنَ التصرُّفِ فيها، خطيبًا مِصقَعًا، مُستبحِرًا في الأدب والذِّكْرِ للتواريخ، ذا حظّ صَالح من قَرْض الشِّعر، ومنهُ في مرضِه الذي توفِّي منه يُوصي به أكبرَ بَنِيه وسائرَهم، واشتَملتْ على حِكَمٍ وآداب [من الكامل]: دع ذكْرَ دارِ مصيرُها أن تَخْرَبا ... واعمَلْ لدارِ مَقامةٍ لن تذهَبا ما كنتُ أحسَبُ يا عليُّ (١) مَنيّتي ... تَقْضي عليّ مُغرَّبًا عن زَيْنبا فارفُقْ بمَن سمّيتُها لك مُشفِقًا ... تُحرِزْ رضايَ [بكَفْل أُختِكَ زَينبا] فلها بقلبي لوطةٌ ومكانةٌ ... تركَتْ فؤادي مُوقدًا متلهِّبا جمَعتْ محبةَ كلِّ [مَن] ماتَتْ لنا ... فيها فصار البعضُ كُلًّا [فاعجَبا] ومحمدًا فاشغَلْهُ بالعلم الذي ... هو نافعٌ عن أن يميلَ إلى [الصِّبا] وارحَمْ غَرارةَ سنِّهِ وبقاءهُ ... لليُتْم محُتاجًا إلى أن يُطَّبا لو مِتُّ قبلَ شعورِه بأُبوّتي ... مرَّت عليه مُصيبتي مرَّ الصَّبا لكنّني عوَّدتُه ما أنْ رأى ... ما دونَهُ صار الصبيُّ مُعذَّبا

стр. 2219

واعلَمْ بأنْ سيكونُ سيفًا قاضبًا ... إن عاش لا يَنْبو إذا سيفٌ نَبَا يَرمي فيَصمي من نَأى عن وُدِّكمْ ... عَرَفَ المَحزَّ فما أطال المَضرِبا هذي مَخِيلةُ ذي تجارِبَ جمّةٍ ... قد يُستدَلُّ بما بَدَا عمّا اختَبَا وكذاك إخوتُهُ فكونوا ألفةً ... فبالاجتماع تُكسِّرونَ الأصلُبا وتُغالَبونَ فتَغلِبونَ عدوَّكم ... لو ظَنُّه الناسُ الأعزَّ الأغلبا وتُقى الإلهِ فقدِّموها عُدّةً ... لا تُخذَلُ الإخوانُ إن خَذَلَ الشَّبا وارضَوْا من الدّنيا بأيسرِ بُلغةٍ ... وثِقوا بما قَسَمَ الإلهُ وسبَّبا فالحرصُ مقرونٌ به ما يُتَّقَى ... وأخو القناعةِ عاشَ عيشًا طيِّبا قد طَلَّق الدُّنيا بأرفعِ همّةٍ ... فاستَعجَلَ العيشَ الهَنِيَّ الأعذَبا ولَكمْ رأينا الفاتنينَ بجاهِهمْ ... وبمالِهمْ قد مُزِّقوا أيدي سَبَا متبرِّئًا منهمْ ومن سُلطانِهمْ ... متكرِّهًا عِرفانَهمْ متجنِّبا صَرَعى بسيفِ مُشهِّرٍ أو نكبةٍ ... صاروا حديثًا في المجالسِ معجِبا يَبكي لهمْ مَن كان يَبكي منهمُ ... يَرثي لهمْ من أوردَوهُ المعطَبا أشْقَوْا معارفَهمْ وعمَّمَ شُؤمَهمْ ... من كان أُبعِدَ منهمُ أو أُقرِبا والعِلمُ كونوا يا بَنيَّ منَ اهلِهِ ... فالعلمُ أفضلُ ما أرى أن يُكسَبا فتعلّموهُ لدينِكمْ ومَعادِكمْ ... وذَرُوا أُناسًا صيَّروهُ مَكسَبا فلهمْ أشدُّ من اللُّصوصِ مضَرّةً ... ولهمْ ذئابٌ يأكلونَ الأَذؤُبا ما أن رأَيْنا عالِمًا أودى طَوًى ... لا بدَّ من عيشٍ ولو رِجلُ الدَّبا (١)

стр. 2220

[كم آكِل دَوْمًا] لذيذَ طعامِهِ ... لم يَحْمِ يومًا نفسَه أن تُعطَبا [هذا وقد يُكدِي] المجِدُّ وربّما ... أثْرى أخو العجْزِ الذي ما أن حَبَا [والحُكمُ في النِّسوانِ] أظهَرُ عندَكمْ ... من أن أُبيِّنَ أمرَهُنَّ المُعرَبا [هذا الكلامُ وذي] التجارِبُ فصِّلتْ ... أترَوْنَ عن ذا كم وهذي مذهبا [فالقصدُ] في إرضائهنَّ هو الهُدى ... والحَطُّ في أهوائهنّ هو الوَبَا (١) [والأصلُ] صحةُ خِلِّهنَّ ودينُهُ ... ولَشرُّ حالاتِ الفتى أن يَذهبا فتَطلَّبوا لفتاتِكمْ متديِّنًا ... يَخشَى الإلهَ ويَستحي أن يُعتَبا وذَروا أخا المالِ العديد، فقلّما ... كان التخيُّلُ فيه إلا خُلَّبا ومتى استضافَ إلى الحَداثةِ خَيْبةً ... كان التَّظَنّيِ فيه أكذبَ أكذبا والمرءُ يمحَضُ رأيَهُ ولربّما ... ظنَّ الخِلافَ لِما يَراهُ أصوَبا لكنّ كلَّ إصابةٍ عن وَهْلةٍ ... عندَ الرّجالِ أُولي النُّهَى شِبْهُ الهَبَا واللهُ مَوْلانا يَصُونُ جميعَكمْ ... لا أرتَجي من غيرِ مولًى مطلَبا وهو الكَفيلُ برحمتي وسَعادتي ... هذا وإن كنتُ المسيءَ المُذنِبا (٢)

стр. 2221

واستُقضيَ بإشبيليَةَ مُدّة، ثم وَلِيَ قضاءَ الجماعةِ بعدَ موتِ أبي الحَسَن ابن أبي قَنّون، فكان في ولايتِه القضاءَ مشكورَ السِّيرة، جَزْلًا في تنفيذِ الأحكام، معروفًا بالعدالةِ والنزاهة، ولم تَطُلْ مدّتُه في قضاءِ الجماعة، وتوفِّي بمَرّاكُشَ وهو يتَولّى قضاءَ الجماعةِ لخمسٍ بقِينَ من شعبانِ ثمانٍ وسبعينَ وخمس مئة (١) وأعقَبَ ذُرِّيّةً نَجُبوا وأنجَبوا (٢) ثم انقَرضوا إلا بقيّةً خاملةً لا حظَّ فيهم لمختار، ومَوْلدُه سنةَ اثنتَيْ عشْرةَ وخمس مئة. ٤٥ - عيسى بن محمد، وَجْديٌّ، أبو موسى . رَوى عن أبي عليّ الصَّدَفيّ (٣). ٤٦ - عيسى بن مُفرِّج بن يَخلُف الزَّنَاتيُّ، عُدويّ . رَوى عن أبي عليّ [لصَّدَفيّ] (٤).

стр. 2222

٤٧ - عيسى بن مَيْمونِ بن ياسين اللَّمْتُونيُّ، مَرّاكُشيٌّ سَكَنَ إشبيلِيَةَ، أبو موسى . رَوى عن أبيه (١). ٤٨ - عيسى (٢) بنُ يحيى بن جَبَلةَ المَغرِبيُّ، فاسيٌّ، أبو موسى. وقال فيه ابن بَشْكُوالَ في بابِ عُمر: أبو موسى بن جُبَيْلةَ، على التصغير (٣)، وهو وَهم. رَوى عنه أبو حَفْص بن محمد المُراديُّ. ٤٩ - عيسى بنُ يوسُفَ بن أبي بكرٍ الصُّنهاجيُّ، تِلِمْسيني، سَكَنَ مَرّاكُشَ وغيرَها، أبو موسى، ابنُ تامحجلت (٤). رَوى عن أبوَيْ عبدِ الله التُّجِيبيِّ، وابن عبدِ الحقّ، وكان ذا حظّ من الرِّواية والآدابِ والكتابة وقَرْض [الشِّعر ....]. كتَبَ عن أبي زَيْد بن يُوَجّان فابنِه محمد ثم عن أمير الأندَلُس [أبي عبد الله ابن] يوسُفَ بن نَصْر بن الأحمر (٥). وتوفِّي بمَرّاكُشَ سنةَ إحدى وأربعينَ وست مئة.

стр. 2223

٥٠ - عيسى (١) بن يوسُفَ بن عيسى بن عليّ بن يوسُفَ بن عيسى [بن قاسم] بن عيسى بن محمد بن فنتروسَ بن مُصعَب بن عُمَيْر بن مُصعَبٍ [الأزْديُّ ثم الزَّهرانيُّ] فاسيٌّ، أبو محمد عيسى ابن المَلْجَوم. رَوى ببلدِه عن أبوَي الحَجّاج: أبيه، [ويوسُفَ الكَلْبيِّ] الكَفيفِ (٢)، وأبي بكر بن عثمانَ بن مالكٍ الحافظ، وأبي الطيِّب [عبد المُنعِم بن مَنّ الله] وأبي عثمان سَعِيدِ بن حَدوس القَيْسيِّ، وأبي عِمرانَ القُشَيْريِّ وأبي الفَضْل [يوسُفَ] ابن النَّحْويّ، وأبي القاسم عبد الرّحمن بن عبد الملِك المَعافِريِّ، وأبي محمد بن حَسُّونِ بن تيدَرتَ بن عليّ. ورَحَلَ إلى الأندَلُس في طلب العِلم رحلتَيْن، لقِيَ في أُولاهما بقُرطُبةَ حازمًا، وأبا الحُسَين بن سِرَاج، وأَبا عبد الله بن فَرَج مَوْلى الطّلاع، وأبا عليّ الغَسّانيَّ، وأبا محمد بن عَتّاب، فقرَأَ عليهم وسَمِعَ وأجازوا له. وسَمِعَ على أبي القاسم أصبَغَ ابن المُناصِف "صحيحَ البخاريّ"، ولقِيَ في أُخْراهُما بإشبيلِيَةَ أبوَيْ عبد الله: أحمدَ الخَوْلانيَّ، وابنَ شِبرين، وسَمِع عليه، وأجازا له. وسمع بسَبْتةَ على قاضيها أبي عبد الله بن عيسى، وبأغماتِ وَريكةَ على قاضيها أبي محمد سِبْطِ ابن عبد البَرّ، وكتَبَ إليه مجُيزًا من سَبْتةَ أبو عليّ بن سُكّرةَ، ومن سِجِلْماسَةَ: بكّارُ بن عيسى الغَرْدِيس (٣). رَوى عنه ابنُه أبو القاسم عبدُ الرحيم (٤)، وأبو الحَسَن بن خَليفةَ، وأبو الخليل مُفرِّجُ بنُ سَلَمة، وأبو محمد بن فَلِيج.

стр. 2224

وكان محدِّثًا حافظًا راويةً مُكثرًا عَدْلًا ثقةَ ضابطًا فقيهًا ذاكرًا للمسائل عارفًا بالنّوازِل متقدِّمًا في عِلم الفرائض، جَمّاعةً للدّواوينِ العتيقة، يُذكَرُ أنه ابتاعَ من أبي عليّ الغَسّاني أصلَه من "سُنن أبي داودَ" الذي سَمِعَ فيه من أبي عُمرَ بن عبد البَرّ، وهو أصلُ أبي عُمرَ، بمالٍ جَليل، وكان قد صار إلى أبي عليّ بابتياعِه من أبي عُمرَ بعدَ أن نَسَخَ منه أبو عليّ وقابَلَ به وأتقَنَ فَرْعَه (١). استُقضيَ بمِكْناسةَ الزَّيتونِ ثم بفاسَ ثم صُرِف، وأُريدَ على مُعاودةِ القضاء فامتَنَع واستَعفَى فأُعفِيَ، وأقبَلَ على نَشْرِ العِلم وتدريسِه واستمرَّ على ذلك إلى أن توفِّي بفاسَ ليلةَ الأحد الحاديةَ والعشرينَ من رجبِ ثلاثٍ وأربعينَ وخمسِ [مئة، ووُلد يومَ الاثنينِ مستهَلَّ] ذي قَعْدةِ ستٍّ وسبعينَ وأربع مئة. ٥١ - الغازي [ ....]. رَوى عن أبي بكرٍ ابن العَرَبي. ٥٢ - فاخِرُ (٢) بن عُمرَ بن فاخِر [العَبْدَريُّ، فاسيٌّ] سَكَنَ إشبيلِيَةَ، أبو الفُتوح بن فاخِر. سَمِعَ من أبوَي الحَسَن: [ابن حَفْص] وابن القَطّان، وأبي العبّاس القنجايريِّ، وأبوَي القاسم: ابن بَقِيّ، وابن [فَرْقَد، وأبي يحيى] بن خَلَف، وتأدَّبَ في العربيّة بأبي الحَسَن بن خَرُوف. رَوى عنه أبَوا الحُسَين: [ابن أبي الرَّبيع] وابنُ الناظِر شَيْخانا، وأبو العبّاس ابنُ فَرْتون. وكان فقيهًا حافظًا [عارفًا] بأصُولِ الفقه، مُبرِّزًا في العربيّة، زاهدًا متصوِّفًا.

стр. 2225

توفِّي مُغرَّبًا عن إشبيلِيَةَ في حدودِ الأربعينَ وست مئة (١). ٥٣ - الفَرَجُ (٢) بن إبراهيمَ، بغداديٌّ، أبو ياسِر. رَوى عن أبي القاسم الحُسَين بن عليّ المَغْربيِّ الوزيرِ كتابَهُ "المُنخَّل": اختصارَ "إصلاح المنطِق" ولقِيَ بالقَيْروانِ أبا الحَسَن عليَّ بن أبي طالبٍ العابرَ، فأخَذَ عنه كتابَه المسَمَّى بـ "الأبحُرِ السَّبعة" قراءةً عليه. حدَّث عنه بالقَيْروانِ: أبو القاسم عبدُ الرّحمن بن عبد الله بن أبي سَعِيد المُطرِّز. وكان أديبًا حافلًا كاتبًا شاعرًا، وله تصنيفٌ في الطبيبِ والتطبيب وسَمَه باسم المقتدِر بالله أبي جعفرٍ أحمدَ بن سُليمانَ بن هُود صاحبِ سَرَقُسْطةَ. ذَكَرَه ابنُ الأبّار ولم يَذكُرْ دخولَه الأندَلُس، ولعلّه بعَثَ بهذا الكتابِ إلى المقتدِر، واللهُ أعلم. ٥٤ - الفَضْلُ (٣) بن محمدِ بن عليِّ بن طاهر بن تَميم بن [....] القَيْسيُّ، بِجَائيٌّ أَشِيريُّ أصلِ السَّلَف، أبو الفَضْل وأبو العلاءِ، ابنُ محشوَّة. رَوى عن أبي القاسم السُّهَيْليِّ، وأبي محمدٍ عبدِ الحقِّ ابن الخَرّاط. رَوى عنه أبو الرّبيع بنُ سالم. وكان بَليغَ الأدب بارعَ الكتابة رائقَ الخَطّ متواضِعًا من بيتِ عِلم وجَلالة.

стр. 2226

دَخَلَ الأندَلُسَ خادمًا بالكتابةِ المنصُورَ من بني عبد المؤمن وكتَبَ بعدَه عن ابنِه الناصِر. وُلد سنةَ أربعينَ وخمس مئةٍ أو قبلَها بيسير، وتوفِّي سنةَ ثمانٍ وتسعينَ وخمس مئة. ٥٥ - القاسمُ بن جعفرٍ اليجفشيُّ (١)، أبو محمد. رَوى عن أبي عُمرَ مَيْمونِ بن ياسين اللَّمْتُونيّ (٢). ٥٦ - قاسمُ (٣) بن عبدِ الرّحمن بن محمد التَّميميُّ، تاهَرْتيٌّ. وهُو والدُ أبي الفَضل أحمدَ (٤). نشَأَ بتاهَرْتَ وأخَذَ بها عن بكر بن حَمّاد وكان يَكتُبُ له كلَّ يومٍ أربعةَ أحاديثَ ويُلزِمُه حِفظَها ويقولُ له: لا تأتِني إلا وقد حَفِظتَها. ودَخَلَ الأندَلُسَ سنةَ ثمانِ عشْرةَ، واستَصحَبَ ابنَه أبا الفضل فقَدِمَ به قُرطُبةَ وهو ابنُ تسع سنينَ. وكان فقيهًا متقدِّمًا في النّحوِ والعِلم بالشِّعر، [وهما الغالبانِ عليه] (٥).

стр. 2227

٥٧ - [محمدُ (١) بن أحمدَ] بن خَلَف بن دَحْنانَ، أبو عبد الله. رَوى عن أبي الفَضْل [عِيَاض]. [توفِّي عامَ؟ ....] وخمس مئة. ٥٨ - محمدُ بن أحمدَ بن سَلَمةَ بن أحمدَ الأنصاريُّ، تلمسينيٌّ [لُوْرْقيُّ] الأصل، أبو عبد الله، ابنُ سَلَمةَ . رَوى عن أبيه (٢)، وأبي ذَرّ بن أبي رُكَب [....]. وكان فقيهًا محدِّثًا، أديبًا كاتبًا بارعَ الخَطِّ سَرِيِّ الهمّة، نزيهَ [النفْس حسَنَ] الخَلْق والخُلُق. توفِّي يومَ الثلاثاءِ لأربعَ عشْرةَ ليلةً خَلَت من محرَّم [....] وست مئة. ٥٩ - محمدُ بن أحمدَ بن عبد الله بن محمد بن عُمرَ السُّلَميُّ، فاسيٌّ شُقْريُّ [الأصل، أبو عبد] الله . رَوى عن عمِّه القاضي أبي حَفْص بن عُمرَ ولازَمَه بإشبيلِيَةَ وغيرِها. ورَوى [عنه أبو] يعقوبَ ابنُ الزَّيّات. وكان فقيهًا عاقدًا للشُّروطِ بَصيرًا بمعانيها، تلبَّسَ بها في مَرّاكُشَ وفاسَ وإشبيلِيَةَ وغيرِها، بارعَ الخَطّ حافظًا للتواريخ والآداب، نبيلًا في جميع محاولاتِه. ٦٠ - محمدُ بن أبي العبّاس أحمدَ بن أبي القاسم عبدِ الرّحمن بن عثمانَ التَّميميُّ، بِجَائيٌّ جَزائريُّ الأصل، أبو عبد الله، ابنُ الخَطيب .

стр. 2228

أخو أبي محمد (١). رَوى عن مُعظم شيوخ أخيه. وكان فقيهًا حافظًا من بيتِ حسَبٍ وعِلم وجَلالة، واستُقضيَ ببلدِه مرّتَيْنِ وبتِلِمْسينَ وسَبْتةَ وغَرناطةَ فشُهِرَ بالعدلِ والنزاهة، وكان سَرِيًّا مؤثرًا فاضلًا. ٦١ - محمدُ (٢) بن أحمدَ بن عبد الرّحمن بن محمد بن عبد الرّحمن بن محمد ابن الصَّقْرِ الأنصاريُّ الخَزْرَجيُّ، مَرّاكُشيٌّ، أبو عبد الله، ابنُ الصَّقْر. وقد تقَدَّم ذكْرُ أصل سَلَفِه في رَسْم أبيه (٣) وجدِّه. تَلا على أبيه ولم يُعيِّن القراءات، وأخَذَ عنه كثيرًا من كُتُبِ الحديث والفقه وغير ذلك، ولازَمَه طويلًا، وبالسَّبع على أبي بكرٍ يحيى بن الخَلُوف، وبحَرْفِ نافِع على أبي بكر بن مَسْعود،

стр. 2229

وأبي جعفر بن عليّ ابن الباذِش، وأخَذَ عنهما غيرَ ذلك، وأبي عبد الله بن عبد الرّحمن النُّمَيْريّ، قال: وأفدتُ منه جُملةً هي معظمُ ما عندي، وهو الذي شَحَذَ فَهْمي وأنار خاطِري، وبقراءاتِ الحرَمِيَّيْنِ وأبي عَمْرٍو على أبي الحَسَن بن عبد الله بن ثابِت. وسَمِعَ الحديثَ على أبي بكر بن الحَسَن بن بِشْر، والحديثَ وغيرَه على أبي الحَسَن بن محمد بن الضَّحّاك، وأجازوا له، وأجاز له أبو الحَسَن شُرَيْح. واستجازَ له أبوه أبوَيْ بكر: ابنَ عبد الله التُّجِيبيَّ، وابنَ العَرَبيّ، وأبا جعفرٍ ابن رِزق، وأبا الحَسَن عَبّادَ بن سِرْحان، وآباءَ عبدِ الله: ابنَ عبد الرّحمن بن مَعْمَر وابنَ عبد المؤمن الطَّلَبيَّ وابنَ يحيى وابنَ الحاجِّ الجَيّانيَّ، قال: وحَمَلَني إليه لمّا وَلِيَ القضاءَ بغَرناطةَ وأنا ابنُ نحوٍ من ثمانيةِ أعوام؛ وأبا الفَضْل عِيَاضًا [لمّا استُقضيَ] بغَرناطة، قال: وحَمَلَني إليه وأنا ابنُ ستةِ أعوام، فكان [يمسَحُ رأسي بيدِه]؛ وأبوَي القاسم: خَلَفَ ابنَ بَشْكُوال، ومحمدَ بن هشام بن [أبي جَمْرةَ، وحَمَلَني] إليه إذِ استُقضيَ بغَرناطةَ وأنا ابنُ أربعةِ أعوام؛ وآباءَ [محمد]: الوَحِيديَّ وابنَ عليّ سِبْط أبي عُمرَ بن عبد البَرّ وعبدَ الحقِّ بن عَطِيّةَ [وابنَ بُونُه] وأبا الوليد هشامَ بنَ بَقْوى. وأبو الحَسَن بنُ الضَّحّاك (١): أبا إسحاقَ بنَ مَرْوان ... وأبا بكر بنَ أحمد ابن طاهر صاحبَ الغَسّاني، وأبا الحَكَم عبدَ الرّحمن بن غَشِلْيان، وأبا عبد الله بن عبد الرزّاق. وأبو عبد الله النُّميريُّ: أبا الحَسَن يونُسَ بن محمد بن مُغيث، وأبا عبد الله جعفرَ بن محمد بن مكِّي، وأبا القاسم أحمدَ بن محمد بن بَقِيّ، فأجازوا كلُّهم له. رَوى عنه ابنُه أبو الحُسَين يحيى (٢)، وأبو الخَطّاب عُمرُ ابن الجُمَيِّل.

стр. 2230

وكان مقرئًا مجوِّدًا، محدِّثًا راوِيةً مُكثِرًا متّسعَ السَّماع صحيحَه، عُنيَ به أبوه فأسمَعَه في صِغَرِه وسَمِعَ بنفسِه، ونَشَأَ طالبًا فاستكثَرَ من الأخْذِ عن الشّيوخ وشُغِف بتقييدِ العلم وجَمْع الفوائد، مُعانًا على ذلك بجَوْدة الخَطّ سِرايةً من أبيه وسُرعةِ الكَتْب، وكان عاقدًا للشُّروط مبرِّزًا في معرفتِها صَدْرًا في أُولي البَصَرِ بها، زاهدًا، وَرِعًا فاضلًا، مُؤْثِرًا للخَلوة والانقطاع إلى الله تعالى والانقباض عن خُلطةِ الناس، تعيَّشَ دهرًا طويلًا بالوِراقة، وكتَبَ بخطِّه الكثيرَ وأتقَنَه، واستُنيبَ على القضاءِ بمَرّاكُشَ في أوقات، فشُكِرت سيرتُه، وحُمِدتِ أحوالُه كلُّها، ذا حظٍّ من قَرْض الشِّعر صالح، وأكثرُه في الزهدِ والحِكَم وما نحا ذلك، وسلَكَ تلك المسالك، فمنه قولُه [من الطويل]: إليكَ إلهَ العرشِ يَشكو ترحُّما ... عليلٌ بأمراضِ الذنوبِ تألَّما شَكَا قلبُه لمّا تَعاظَمَ ذنبُهُ ... فحَطَّ بأرجاءِ الرجاءِ مخيِّما وعاجَ برَبْع الجُودِ يسألُ ضارعًا ... عوارفَ ربٍّ لم يزَلْ مُتكرِّما يُداوي سَقامَ المذنبينَ بعفوِهِ ... فيَصفحُ إفضالًا ويسمَحُ مُنعِما فكيف يُرى في بابِ جودِك خائبًا ... وما خابَ عبدٌ قَطُّ جودَكَ يمَّما؟! وله من هذا النّمطِ كثير. ومَوْلدُه سنةَ سبع وعشرينَ وخمس مئة بمَرّاكُشَ، وتوفِّي بها في حدود التسعينَ وخمس مئة، وله عَقِبٌ خاملٌ بها إلى الآن (١)، والذين شُهِروا ببني الصَّقْر فيها بأخَرةٍ إنّما هم بنو أُختِه من بني وليد، فهو خالهُم، كانوا أصهَروا إلى

стр. 2231

أبيه بغَرناطة، وقدِ انقَرضوا إلّا القليلَ الخاملَ إلا شيخًا [نَزْرَ العلم يَعتمِدُ على] الارتزاقِ من باديةٍ له يَرجِعُ إلى جَوْدةٍ ونفورٍ عن الناس [....] اسمُه عليُّ بن أحمدَ بن وليدٍ الأنصاريّ. ٦٢ - محمدُ (١) بن [أحمدَ بن محمد بن خَلَف بن] مُفرِّج بن خَلَف بن معروفِ بن عبد الرّحمن بن معروفِ بن محمد بن هِشام، [أبو عبد الله] ابنُ معروف، سَلَويٌّ. رَوى ببلدِه عن أبي إسحاقَ بن قُرقُول، [وبسَبْتةَ عن أبي محمد] بن عُبَيد الله، وبإشبيلِيَةَ عن أبي عبد الله بن زَرْقون، وأبي محمد بن [جُمْهور، وبغَرناطةَ] عن أبي جعفر بن حَكَم، وأبي الحَسَن بن كَوْثر، وأبي خالد بن رِفاعةَ، وأبي [عبد الله بن] عَرُوس، وبمُرْسِيَةَ عن أبي بكر بن أبي جَمْرةَ. ورَوى أيضًا عن أبي الحَسَن نَجَبةَ، وأبي [القاسم] بن سَمَجُون. ورَحَلَ وحَجَّ وأخَذَ بالإسكندَريّة عن أبي الحَجّاج مكيِّ بن محمد بن إدريسَ بن مُنادٍ الجَمْريِّ المُخلِّص، ورَوى أيضًا عن أبي محمد ابن الصَّبّاغ. رَوى عنه أبو العبّاس بنُ فَرتون. وحدَّث عنه بالإجازة أبو بكرٍ ابنُ غَلْبون. وكان فقيهًا محدِّثًا مُتهَمِّمًا بالعلم ولقاءِ حَمَلتِه عاقدًا للشُّروط، ولِيَ المَناكحَ بمِكناسةِ الزَّيتون، وشُكِرت أحوالُه، وعَرِف بالعدلِ والنّزاهةِ وحُسنِ الطريقة (٢). ٦٣ - محمدُ بن أحمدَ بن محمد بن أبي الحُسَين سُليمانَ بن محمد بن عبد الله السَّبَئِيُّ، مَرّاكُشِيٌّ، مالَقيُّ أصلِ السَّلَف، أبو عبد الله، ابنُ الطَّراوة (٣).

стр. 2232

وهُو ابنُ أُختِ الكاتبِ أبي الحَسَن عليِّ بن عَيّاش القُرطُبيِّ اليابُرِيِّ (١). رَوى عن أبي إسحاقَ الزَّواليِّ، وأبي جعفر بن عَوْنِ الله الحَصّار، وآباءِ الحَسَن: سَهْل بن مالك وابن حَزمُون وابن القَطّان وابن يوسُفَ بن شَرِيك، وأبي زكريّا المَرْجيقيِّ، وأبي الصَّبر الفِهريّ، وأبي عبد الله ابن الجِذْع، وأبي العبّاس بن إبراهيمَ المَكّاديّ، وأبي محمد بن حَوْطِ الله، وغيرِهم. وكان حافظًا للتواريخ على تبايُن أنواعِها، ذاكرًا لها، مُحاضِرًا بها، أديبًا بارعًا، كاتبًا مُحسِنًا، يَقرِضُ شعرًا يُحسِنُ في أقلِّه، ممتِعَ المجالسة، بارعَ الخَطّ، رائقَ الطريقة، أنيقَ الوِراقة متقَنَ التقييد، مليحَ التندير، نَسّابةً لخطوطِ المشايخ، كثيرَ الإحكام لأمورِه وأدواتِه كلِّها، ظريفَ الملابس، شديدَ المحافظة على كُتُبِه، مُثابِرًا على الاعتناءِ بتصحيحها، مُتَهمِّمًا باقتناءِ الأصُول التي بخطوطِ أكابرِ الشيوخ أو عُنُوا بضبطِها، وجَمَعَ منها جملةً وافرة. جالستُه طويلًا، واستَفَدتُ بمُذاكرتِه ومُجاورته كثيرًا، وكانت بينَه وبينَ أبي رحمهما اللهُ مودّةٌ قديمةٌ متأكِّدةٌ كان يَذكُرُها [دائمًا] ولم أستَجِزْه، ولا قرأتُ عليه، ونَدِمتُ على ما فاتَني منه، فقد كان [حريصًا على] إفادتي، ﵀. توفِّي بسِجِلْماسةَ ظُهرَ يوم الأحدِ لستٍّ بقِينَ [....] سنةَ تسع وخمسينَ وست مئةٍ وقد شارَفَ الثمانينَ عن عَقِبٍ خامل. ٦٤ - محمدُ (٢) بن أحمدَ بن محمد بن مَرْوانَ (٣) التَّغْمَريُّ (٤) -بتاءٍ معلوٍّ مفتوح [وسكونِ الغَيْن] المعجَم وفتح الميم وراءٍ منسوبًا- سَبْتيٌّ، أبو عبد الله. دَخَلَ الأندَلُسَ [لسَماع الحديثِ] فتجوَّلَ بها في التماسِه بالجزيرةِ الخَضْراءِ وإشبيلِيَةَ ومالَقةَ والمَرِيّة وغيرِهما.

стр. 2233

[وشرَّقَ] وأخَذَ هنالك سنةَ ستٍّ وتسعينَ وخمس مئة عن خَلْق كثيرٍ، من مشاهيرِهم: أبو القاسم عبدُ الرّحمن بنُ مكِّيّ بن مُوَقّى، وهبةُ الله بنُ عليّ البُوصِيريُّ، وأبو محمدٍ القاسمُ بن عليِّ بن عساكر، وأبو نِزار ربيعةُ بن الحَسَن الحَضْرَميُّ، وغيرُهم، وأكثرَ عنه وكتَبَ بخطِّه الكثيرَ، وكان من أهل الضّبطِ والإتقانِ والعنايةِ التامّة بروايةِ الحديث وسَماعِه من أهلِه. ٦٥ - محمدُ (١) بن أحمدَ بن محمدٍ اللَّخْميُّ، تلمسينيٌّ، مِكْناسيُّ الأصل حديثًا، أَلْشِيُّه قديمًا، أبو عبد الله، ابنُ الحَجّام، وهو أبوه. تَلا بالسَّبع على أبي العبّاس الأعرَج، وأخَذ بفاسَ عن أبي الحَجّاج بن عبد الصّمد بن نَمَويّ، وأبي القاسم بن يوسُفَ بن الحَسَن بن زانيفَ (٢)، واختَصَّ بصُحبةِ أبي زَيْد الفازَازيّ (٣). رَوى عنه ابنُه أبو محمدٍ (٤)، وأبو زكريّا بن محمد بن طُفَيْل، وكان فاضلًا صالحا زاهدًا ذا حَظّ من الأدب وقَرْض الشِّعر، أكمَهَ، مالَ إلى طريقةِ الوعظِ

стр. 2234

والتذكير، فرَأسَ فيها أهلَ عصرِه بحُسن الصّوت وغَزارة الحفظِ وإتقان الإيراد والصِّدق والإخلاص في وصَاياهُ وتذكيرِه، فنفَعَ اللهُ به خلقًا كثيرًا في بلادٍ شَتّى، وكان آيةً من آياتِ الله في سُرعةِ الحفظ. قال أبو زَيْد الفازَازيُّ: كنتُ بحضرةِ مَرّاكُشَ أصنَعُ مجالسَ وَعْظٍ في أنواع يقومُ بها على رؤوس الناس الواعظُ أبو عبد الله، يعني هذا، في يوم الاثنينِ والخميس من كلِّ أسبوع، وكان حَسَنَ الصّوت، فصيحَ اللّسان كثيرَ البيان، وكان يأتي منزلي فأكتُبُها له، وكان يرغَبُ إليّ أن أرفَعَ صَوْتي عندَ الكتابة لأُسمِعَه، فما رأيتُ أسرعَ حفظًا منه، ما أكاد أُكمِلُها معَ ما فيها من قصائدَ إلا وقد حَفِظَها، وكان سُكناه مَرّاكُشَ باستدعاءِ المنصُور، من بني عبد المؤمن، إيّاه لذلك، وكانت ألطافُه تَتوالَى عليه إلى أن توفِّي، فحَظِيَ كذلك عندَ ابنِه الناصِر، وبالَغَ في الإحسان إليه إلى أن توفِّي، وجَرى المستنصِرُ ابنُه في الاحتفاءِ به والاحتفال في صِلاتِه مَجْرَى أبيه وجَدِّه، [ولم يكنْ يَدَّخرُ] من عَطاياهُم قليلًا ولا كثيرًا، إنّما كان يَصرِفُ ما يصِلُ إليه [من بني عبد المؤمن] وغيرِهمِ في الفقراءِ والمساكين والمحتاجينَ وتجهيزِ الضَّعيفاتِ إلى [أزواجِهنّ] هذا كان دأْبَه إلى غايةِ عُمُرِه نفَعَه الله. وقال أبو عَمْرو بنُ سالم (١)، [نَقْلًا عمّن حدَّثه] من طلبةِ مَرّاكُشَ قال: كان أبو عبد الله الواعظُ الأعمى من أحفظِ الناس [ولا أدري مِن أيِّهما] أعجَب: أمِن سُرعة حِفظِه أم مِن سُرعةِ خاطِرِ أبي زيدٍ الفازازيِّ الذي كان [يُمِلي الخُطَبَ] والأشعارَ ارتجالًا؟ (٢). قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: ولابن الحَجّام كتابٌ حَفِيلٌ في الوَعْظِ سَمّاه "حُجّةَ الحافظين ومَحَجّةَ الواعظين" معظَمُ ما أودَعَه [فيه مِن كلام] أبي زَيْد

стр. 2235

الفازَازيِّ (١)، وأضاف إليه يسيرًا من كلام غيرِه، واختَصَرَ هذا الكتابَ لزيمُهُ أبو زكريّا بنُ محمد بن طُفَيْل، وسَمّاه "أنوارَ مجالسِ الأذكار وأبكارَ عرائسِ الأفكار"، وقد وقَفْتُ على هذا المختصَر في مجلَّدينِ ضَخْمَيْنِ بخطِّ منتخبِه. ومما يؤثَرُ من نظمِه [من الوافر]: غريبُ الوَصْف ذو علم غريبِ ... عليلُ القلبِ من حبِّ الحبيبِ إذا ما اللّيلُ أظلَمَ قام يبكي ... ويشكو ما يُكِنُّ من النَّحيبِ (٢) يُقطِّعُ ليلَهُ فكرًا وذكرًا ... وينطِقُ فيه بالعَجَبِ العجيبِ به من حبِّ سيّدِهِ غرامٌ ... يَجِلُّ عن التطبُّبِ والطّبيبِ ومن يَكُ هكذا عبدًا محبًّا ... يَطِيبُ تُرابُهُ من غيرِ طيبِ قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: رَفْعُ "يطيبُ" معَ جَزْم "يكُ" غيرُ مستقيم، وإصلاحُه: تَطِبْ أثوابُه، أو ما هو على وزنِه وفي معناه أو ما يُناسبُه، وسمِعتُ شيخَنا أبا القاسم البَلَويَّ (٣) ﵀ يقول: حضَرتُ مجالسَ وعظِه كثيرًا بالجامع الأعظم من إشبيلِيَةَ، فكان في حُسن صوتِه وبَراعةِ إيرادِه، واستحكام تأثيرِه، وانفعالِ القلوبِ لتذكيرِه، بمقام تَكَلُّ العبارةُ عن وَصْفِه، ولقد شاهدتُه في بعضِها وقد نَدَبَ الناسَ إلى افتكاكِ أُسارى، فتسارَعَ الناسُ إلى بَذْلِ ما حضرِهم، وخَلَعَ كثيرٌ منهم بعضَ ما كان عليه من الثّيابِ، فعَهْدي بها قد تراكمَت أمامَ مِنبَرِه حتى كادت تَحجُبُه عن الأبصار، سوى ما وَعَدَ به، فتجمَّلَ في أثمانِ تلك الثِّيابِ مالٌ جَسِيم. وهو الذي صَلّى على أبي إسحاقَ الكانميِّ حين توفِّي حسبَما تقَدَّم ذكْرُه (٤).

стр. 2236

وُلدَ بتِلِمْسينَ سنةَ ثمانٍ وخمسينَ وخمس مئة، وتوفِّي بمَرّاكُشَ في يوم الجُمُعة لأربعَ عشْرةَ ليلةً بقِيَت من شعبانِ سنة أربعَ عشْرةَ وست مئة. ٦٦ - [محمدُ (١) بن أحمدَ بن هارونَ] بغداديٌّ، أبو جعفر. كذا سَمّاهُ في "تاريخِه" عَرِيبُ بن سَعِيد [القُرطُبيُّ، وحَكَى أنّ] عُبَيدَ الله الشِّيعيَّ استَوْزَرَه واستكتَبَه بعدَ أبي اليُسْر الشَّيبانيِّ [الرِّياضيِّ، وقَرَّبه وأدناه] واستَعانَ به على أمرِ أبي عبد الله -يعني داعيةَ الشِّيعة-[وأخيه أبي العبّاس] وجماعةِ كُتَامة، فكان منهُ في ذلك رأيٌ جميلٌ ونَفْعٌ عظيم، [وقال فيه ابنُ] الفَرَضيِّ (٢): أحمدُ بن محمد بن هارونَ، وذكَرَ روايتَه عن الجاحظِ وابن قُتَيبةَ، [ولا أدري] من غَلِطَ في اسمِه منهما؛ قاله ابنُ الأبار، وقال: دخَلَ الأندَلُسَ والمغرِب. ٦٧ - محمدُ بن إبراهيمَ بن أبي بكر بن عبد الله بن سَعِيد بن خَلُوف بن عليِّ بن نَصْر القَيْسيُّ، تِلِمْسينيٌّ . ٦٨ - محمدُ (٣) بن إبراهيمَ بن حِزبِ الله، فاسيٌّ، أبو عبد الله، ابنُ البَقّار. رَوى ببلدِه عن أبي إسحاقَ بن قُرقُول، وأبي الحَجّاج العَشّاب، وأبي الحَسَن بن حُنَيْن، وأبوَيْ عبد الله: ابن خَليل وابن الرَّمّامة، وأبوَي العباس: ابن صَالح القُرطُبيِّ وابن محمدٍ المُراديِّ الدَّبّاج، وأبي محمد بن عُبَيد الله. وبالأندَلُس عن أبي إسحاقَ بن عليِّ بن طلحةَ، وأبوَيْ بكر: ابن خَيْر وابن عُبَيد، وأبي الحَسَن عبد الرّحمن -وسَمّاه ابنُ الطفَيْل عليًّا وَهمًا منهُ- وابن بقِيّ، وأبوَيْ عبد الله: ابن الفَخّار -لقِيَهُ بفاسَ وكتَبَ إليه من الأندَلُس- وابن المُجاهِد، وآباءِ القاسم: ابن بَشْكُوال وابن الحاجِّ والشَّرّاطِ وأبي الوليد بن رُشْدٍ الأصغَر وغيرِهم، لقِيَهم وأخَذَ عنهم.

стр. 2237

وكتَبَ إليه مجُيزًا ولم يلقَهُ من أهل الأندَلُس: أبو عبد الله بنُ حَفْص، وأبو القاسم بنُ دَحْمان. وحدَّث بالإجازةِ العامّة عن أبي الطاهِر السِّلَفيّ. رَوى عنه أبو الحَسَن ابنُ القَطّان، وأبو عليّ الحُسَين بنُ الفَرَج القَصْريُّ، وأبو عِمرانَ موسى السَّلَويّ. وكان أحدَ الأئمّه في عِلم الحديث والضَّبطِ للرِّواية وحُسنِ التقييد، والتنقيرِ عن أحوالِ الرِّجال، عَلَمًا في الزُّهد والفَضْل والحِفظِ للّغة، عُنيّ بذلك كلِّه كثيرًا، واستَنفَدَ فيه عُمُرَه مستفيدًا ثم مُفيدًا إلى أن توفِّي ﵀ (١). ٦٩ - محمدُ بن إبراهيمَ بن عُمرَ بن منصُور بن عبد الله الزّهيليُّ (٢). ٧٠ - محمدُ بن إبراهيمَ بن محمد بن محمدِ بن إبراهيمَ بن يحيى بن إبراهيمَ بن يَحيى بن إبراهيمَ بن خَلَصةَ بن سَماحةَ الحِمْيَريُّ الكُتَاميُّ، مَرّاكُشيٌّ، أبو عبد الله، ابنُ إبراهيم . رَوى عن قريبَيْه: أبي جعفر بن يحيى وأبي الحَسَن ابن القَطّان، وأبي الحَسَن بن حَرِيق، وأبي عليّ الرُّنْديِّ، وغيرِهم. رَوى عنهُ أبو عبدِ الله بن إدريسَ القرليطشيُّ. وكان متقدِّمًا في عِلم اللّسان نحوًا ولُغةً وأدبًا، حَسَن الخَطّ، وكانت بينَه وبينَ جماعة من أدباءِ عصرِه [مخُاطَباتٌ ظهَرَ] فيها شُفوفُه.

стр. 2238

٧١ - محمدُ (١) بن إبراهيمَ الغَسّانيُّ، تِلِمْسينيٌّ، [سَكَنَ آسَفِي، أبو عبد الله] التِّلِمْسينيُّ. أخَذَ ببلدِه عن أبي عبد الله التُّجِيبيِّ، وابن عبدِ [الحقِّ، وبسَبْتَةَ] عن أبي العبّاس العَزَفيّ، وبإشبيلِيَةَ عن أبي بكر بن طلحةَ، وأبي عليّ [الشَّلَوْبِين. كان] ذا حظٍّ صالح من روايةِ الحديث، عَدْلًا فيما يَرويه متقدِّمًا في ضَبْطِ اللّغات، [ذاكرًا] للآدابِ والتواريخ والأنساب، مُشاركًا في الفقهِ والنَّحوِ، ضاربًا في قَرْض الشّعرِ [بسَهْم] مُصيب، مُتَحَرِّفًا بالتجارة في القَيْساريّة بآسَفِي يقعُدُ في حانوتِه لاسترزاقِه كلَّ يوم يُديرُها فيها بعدَ الفراغ من مجلسِ تدريسِه "الموطَّأ" و"السِّيَر" والنَّحوِ والآدابَ واللّغة. وكان على طريقةٍ مَرْضِيّةٍ ومن أهل الدِّين المَتِين والانقباضِ عن مُخالطة الرؤساءِ وملابستِهم. وردتُ آسَفَي في أول قَدْمةٍ قدمتُ عليها يومَ الاثنين لأربع بقِينَ من جُمادى الأولى سنةَ ثلاثٍ وستّينَ وست مئة فعَرفْتُ مرَضَه، وقَصَدَني ابنُه جعفرٌ مسلِّمًا عنه عليّ وذاكرًا تشوُّقَه إليّ، فتواعَدتُ معَه لعيادتِه من الغدِ، فجاء إلى منزلي من الغدِ وافيًا بوعدِه ومُعتذرًا عن لقائه بعُذرٍ قبِلتُه وأدرَجَ فيه رجاءَ تماثُل حالِه وإرجاءِ لقائه إلى [يوم آخر، وتوفي] (٢) يوم الأربعاء لليلتَيْن بقِيَتا من جُمادى المذكورة، ودُفن من الغدِ إثرَ صلاةِ الظهر بالمقبُرةِ التي بقِبلي جامع آسَفِي الأعظم، وحضَرتُ جنازتَه وكانت مشهودةً، وكنتُ قائدَ شيخِنا أبي عليّ الماقريِّ (٣) الضَّريرِ فيها، ولم يتَخلَّفْ عنها أحدٌ، وأتْبَعَه الناسُ ثناءً جميلًا. وكان أبو عليّ يُطيلُ الثناءَ عليه ويُشيدُ بذكرِه.

стр. 2239

٧٢ - محمدُ بن إبراهيمَ اللَّوَاتيُّ، أبو عبد الله . رَوى عن أبي عُمرَ مَيْمونِ (١) بن ياسين اللَّمْتُونيِّ بإشبيلِيَةَ، وغيرِه. ٧٣ - محمدُ (٢) بن إبراهيمَ المَهْريُّ، بِجَائيٌّ، نزَلَ سَلَفُه مليكشَ (٣)، إشبيليُّ الأصل من بني مرزقان (٤) من أهلِها، أبو عبد الله، ابنُ إبراهيمَ والأصُوليُّ. شَرَّقَ وأخَذَ بمِصرَ عن الرَّبَعيِّ والجَبّاب، وحضَرَ مجلسَ أبي الطاهر السِّلَفيِّ، ودرس قليلًا على أبي الطاهر بن عَوْف، ثم لم تُرضَ هنالك أحوالُه فأمَرَ أبو الطاهر بنُ عَوْفٍ بإخراجِه عن الإسكندَريّة، فأُخرِج منها مذمومًا، ولقِيَه أبو العبّاس بنُ عثمانَ المَلْيانيُّ (٥) على مَقرُبةٍ من الإسكندَريّة، فلمّا لقِيَ أبو العبّاس أبا الطاهر بنَ عَوْف قال له: أين لقيتَ ذلك الزِّنديق؟ ولمّا قَدِمَ من المشرِق نزَلَ جزائرَ بني زغنا (٦)، وأقام بها مدّةً، وأخَذ عنه [بها أبو موسى] القَزُوليُّ، ثم قَدِمَ مَرّاكُشَ فأخَذَ عنه بها جماعةٌ، منهم: [أبو عبد الله] ابنُ الجِذع، وأبو محمد بن حَوْطِ الله، وأبو يعقوبَ ابنُ الزَّيّات، [واستجازَهُ]

стр. 2240

ابنُ نَذِير فقال له: قد أبَحْتُ لك ما سألتَ فاجتهِدْ، فالاجتهادُ [مطلوب]. وأخَذَ عنه ببجَايةَ: أبو الحَسَن بنُ أبي نَصْر، وأبو عبد الله بنُ عبد الله بن [....] (١). وكان متحقِّقًا بعلم الكلام، متقدِّمًا في معرفةِ أصُولِ الفقه حتى شُهِرَ [بالأصُوليِّ] وعُنيَ طويلًا بـ "مُستصفَى" الغَزّاليِّ فأصلَحَ مختلَّه، وصَحَّحَ معتَلَّه، وعلَّق عليه [تعليقاتٍ] أفادَ بها، وتُنوقلَتْ عنه، وشُهِر بالعكوفِ على العلوم القديمةِ الفلسَفِيّة، وله حَظٌّ صَالح من الفقه، وكان أوّلَ قدومه على مَرّاكُشَ يحضرُ كثيرًا مجلسَ المنصُور، من بني عبد المؤمن، فيُعامِلُ المنصورَ بضُروبٍ من الجفاء، لا يحتملُ أخفَّها الأكْفاء، حتى أثَّر ذلك عندَه وأسرَّه لهُ في نفسِه، وكان ذلك من أقوى الأسباب التي اقتَضَت عندَه تعريضَه للعنِ الناس إيّاه، ونَصْبِه لبُصاقِهم في وجهِه معَ وسيلتِه في الارتسام بتلك الطريقةِ المشنوءة، [طريقةِ] أبي الوليد بن رُشْدٍ الصَّغير، حسبَما مَرَّ ذلك في رَسْمِه (٢)، وسأله المنصُورُ حينئذٍ: هل نَظَرَ في العلم الذي نُكِبَ ابنُ رُشدٍ بسببه؟ فأقَرَّ بقراءتِه والأخْذِ فيه، معَ تحقُّقِه مما عليه في ذلك، فكان اعترافُه من الأسبابِ التي ألحقَتْه بابن رُشْدٍ في تلك الوَقِيعةِ الشَّنيعة، وتعجَّبَ المنصُورُ والناسُ جميعًا من إجابتِه المنصورَ بالحقِّ عمّا سألَهُ كائنًا فيه ما كان، وظهَرَ منه في هذه المِحنة من الجَلَد وثبوتِ الجأش وقوّةِ النفْس ما قضَى مشاهدوهُ منه العجبَ، ثم غُرِّب إلى أغمات فأسكِنَ بها، ولم يزَلْ فيها حتى عُفِيَ عنه، واستُقضِيَ عَقِبَ العفوِ عنه ببِجَايةَ، وقد كان استُقضيَ بها مرَّتَيْنِ، وبمُرْسِيَة، واستُنيبَ بمَرّاكُشَ، وكان يقولُ حين استُقضِيَ ببِجَاية في المرةِ الأخيرة: والله ما تقلَّدتُها رغبةً فيها ولا تغبيطًا بها، ولكنْ تسجيلًا على مُقلِّدِها إيّايَ بقبيح التناقُض الذي لا يَصدُرُ عمّن له مُسْكةُ عَقْل في توليةِ القضاءِ والفَصْل في الأحكام الشّرعيّة بينَ الناس مَن صَحَّت عندَه زَندقتُه واشتغالُه بعلوم الأوائل! واستقَرَّ قاضيًا بها مُدّة، صادعًا بالحقّ، جَزْلًا في أحكامِه،

стр. 2241

عَدْلًا في قضائه، لا تأخُذُه فيه لوْمةُ لائم، ثم عُزِلَ سنةَ ثمانٍ وست مئة بعدَ تنكيلٍ كثيرٍ نالَهُ من والي بجَايةَ أبي عبد الله ابن يومورَ الهرغيِّ، وامتحانٍ شديدٍ كان منه ضربُ وَلَدِه (١) بَأليم السِّياط، وسَعَى في عَزْلِه فعُزِل، وقُدِّم أبو محمدٍ عبدُ الله ابن سكاتو (٢) الجزائريُّ، فقال أبو عبد الله لمّا بَلَغَه ذلك: عَزَلوني ولم يُولُّوا أحدًا. وكُفَّ بصَرُه بأخَرة، وبقِيَ [ببِجَايةَ] إلى أن توفِّي بها في ذي الحجة سنةَ اثنتَيْ عشْرةَ وست مئة، وقد [ذكرتُه في رَسم أبي] الوليد بن رُشْد وأبي القاسم عبد المُنعم ابن تيسيت (٣)، وسيُذكَرُ في رَسم [أبي عبد الله] بن عليّ بن مَرْوانَ (٤) إن شاء الله. ٧٤ - محمدُ بنُ [أبي] (٥) يحيى أبي بكر بن خَلَف بن فَرَج بن صافٍ الأنصاريُّ، مَرّاكُشيٌّ، قُرطُبيُّ الأصل قديمًا، فاسِيُّه حديثًا، أبو عبد الله، ابنُ المَوّاق (٦). [رَوى عن أبي] أُميّةَ بن عُفَيْر، وأبي بكرٍ يحيى بن عبد الرّحمن بن ثابت، وآباءِ الحَسَن: ابن القَطّان -ولازَمَه واختَصَّ به- وابن قُطْرال ومحمد بن سَلمون، وأبي ذَرّ بن أبي رُكَب، وأبي الرّبيع بن سالم، وآباءِ عبد الله: ابن خَلْفون وابن دادوش والشّارِّيِّ، وأبَوي العبّاس: العَزَفيِّ والنَّبَاتيِّ، وأبي عليّ الرُّنْديِّ، وأبي

стр. 2242

القاسم بن بَقِيّ، وأبي محمدٍ عبدِ الحقِّ الزُّهْريّ، وأبي مَرْوانَ الباجِيّ، وأبي الوليد ابن الحاجّ. رَوى عنه أبو بكر بن عثمانَ ابن السِّجِلْماسيّ، وأبو جعفر بن محمد بن عبد الحميد، وأبو الحَجّاج بن عليّ ابن عشَرة، وأبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ شيخُنا (١)، ومحمد بن عَتِيق بن عليّ، وأبو الخَطّاب سَهْلٌ ابن زغبوش، وأبو زكريّا بن عبد الله بن يعقوب، وأبو عبد الرّحمن عبدُ الله بن زغبوش، وأبو الفَضْل الغَرابِيليُّ، وأبوا محمد: ابنُ قاسم الحَرّار وابنُ مَطْروح. وكان فقيهًا، حافظًا محدِّثًا، مقيِّدًا ضابِطًا مُتقِنًا، نبيلَ الخَطّ بارعَهُ، ناقدًا محقِّقًا، ذاكرًا أسماءَ الرِّجال وتواريخَهم وأحوالَهم، وله تعقُّبٌ على كتابِ شيخِه أبي الحَسَن ابن القَطّان الموسُوم بـ "بيانِ الوَهْم والإيهام الواقعَيْنِ في كتاب الأحكام"، جَمْعَ أبي محمدٍ عبد الحقِّ ابن الخَرّاط الجاري عليه اسمُ "الأحكام الكُبرى"، ظهَرَ فيه إدراكُه ونُبلُه ومعرفتُه بصناعةِ الحديث، واستقلالُه بعلومِه، وإشرافُه على عِلَلِه وأطرافِه، وتيقُّظُه، وبراعةُ نَقْدِه واستدراكِه (٢). وقد عُنِيتُ بالجَمْع بينَ هذينِ الكتابَيْن مضافَيْنِ إلى سائرِ أحاديثِ الأحكام، وعلى ترتيبِها، وتكميل ما نَقَصَ منهما، فصار كتابي هذا من أنفَع المصنَّفات، وأغزَرِها فائدةً، حتى لو قلتُ: إنه لم يؤلَّفْ في بابِه مثلُه؛ لم أُبعِدْ، واللهُ ينفَعُ بالنِّية في ذلك. ولأبي عبدِ الله أيضًا مصنَّفاتٌ غيرُ ما ذُكِر، منها: شيوخُ الدارَقُطنيّ، وشَرحُ مقدِّمة صحيح مسلم، ومقالاتٌ كثيرةٌ في أغراضٍ شَتّى حديثيّةٍ وفِقْهيّة، وتنبيهاتٌ مفيدة، ووقَفْتُ على جُملةٍ من شَرْح "الموطَّإ" [له] في غاية النُّبل وحُسنِ

стр. 2243

الوَضْع (١)، وكلُّ ذلك شاهدٌ بوفورِ مَعارفِه وتبريزِه، واستُقضيَ ببَلَنْسِيَةَ، وفاسَ. [ومَولدُه بها] سنةَ ثلاثٍ وثمانينَ وخمس مئة، ونشَأَ بمَرّاكُشَ واستَوطَنَها، [وبها توفِّي] سنةَ ثِنتينِ وأربعينَ وست مئة. ٧٥ - محمدُ بن أبي بكر بن [رَشِيد (٢)، جمالُ الدِّين] أبو عبد الله البغداديُّ، ويُذكَرُ أنّ أصلَه من قَصْر كُتَامةَ (٣). رَوى ببغدادَ عن أبي إسحاقَ إبراهيمَ بن سَعِيد الأنصاريِّ أحدِ أصحاب ابن الجَوْزيّ، وبدمشقَ عن أبي عبد الله بن عبد الوهّاب الواعِظ ابن [الحَنْبَلي] (٤)، وبالأندَلُس عن أبي يحيى عبد الرّحمن بن عبد المُنعم ابن الفَرَس (٥)، رَوى عنهُ بمَرّاكُشَ [عبدُ الحقِّ] بن رَشِيد، وأبَوا محمدٍ: عبدُ الواحِد بن أبي زَيْد بن أبي زكريّا بن أبي حَفْص بن عبد المؤمن وابنُ مخلوفِ بن موسى المَشّاطُ القاضي (٦)، وطائفةٌ من أصحابِنا، وبمِصرَ: جمالُ الدِّينِ عثمانُ بن فَتْح الدِّين أبي العبّاس

стр. 2244

أحمدَ بن عُثمانَ بن هِبة الله بن أحمدَ بن عَقِيل القَيْسيُّ ابنُ أبي الحَوافِر، وأبو عليّ الحَسَن بن الحَسَن بن عَتِيق ابن مكسورِ الجَنْب بمحضَرِ مُحيي الدِّين محمد بن محمد بن سُرَاقة. وسمِعتُ منه كثيرًا، وجالستُه طويلًا، وحاضرتُه وذاكَرْتُه، ورُزِقتُ منه قَبولًا كثيرًا، ولزمتُ شهودَ مجالسِ وعظِه، وكانتِ القلوبُ تنفعلُ كثيرًا لكَلامِه، وترِقُّ لمَوْعِظتِه، وتتأثرُ لتذكيرِه، وكان أغزَرَ الناسِ دمعًا، إذا رَقِيَ لمِنبَر وَعْظِه لا يتمالكُ أن يُرسِلَ دموعَه فيؤثِّرَ عندَ الحاضرين من الخُشُوع والخَشْية وسَكْبِ الدموع ما لا مَزيدَ عليه، وكان يتَولَّى إنشاءَ خُطَبه التي يَفتتحُ بها مجالسَ وَعْظِه وقصائدَه المطوَّلةَ التي يختتمُها بها، وكان سَريعَ الإنشاءِ لذلك كلِّه، وكلامُه نظمًا ونثزا مؤثِّرٌ في نفوسِ سامعيهِ على ما فيه من لِين، وسمعتُه غيرَ مرّة يقول: إنّ ذَوْقَه لا يُساعدُه على النظم في وزنِ عَروض من أعاريضِ الشِّعر ما خَلا الطّويلَ، هذا على اتّساع حفظِه وحضورِ ذكْرِه فنونَ الشِّعر على اختلافِ أوزانِه، وله قصائدُ سمّاها: "الوتَريّة، في مَدْح محمدٍ أشرفِ البرّية" (١) كلُّ قصيدة منها أحدٌ وعشرونَ بيتًا، مفتتَحة أبياتُها بحروفِ رَوِيِّها ضَمَّنَها مَدْحَ النبيِّ ﷺ وإيرادَ بعضِ مُعجزاتِه، تَقبَّلَ اللهُ عمَلَه، وأنْجحَ أملَه. وممّا يُغبَطُ بهذه الوَتَرِيّات وَيشهَدُ بصدقِ نيّتِه فيها ويُحَرَّضُ على حفظِها وروايتِها، وُيرغَّبُ في دراستِها واستعمالِها، ما حكاهُ ﵀ من أنه قال: رأيتُ رسُولَ الله ﷺ ليلةَ فراغي من تبييضِها وهي في يدِه ﷺ ومعَه جماعةٌ من أصحابِه ﵃، لم أعرِفْ فيهم غيرَ أبي بكرٍ، ﵁ وعنهم أجمعين، [فلمّا رآني] ﷺ قام إليّ ضاحكًا كالمُستبشِر بي، ثم جَعَلَ يَدفَعُها إلى [جماعةٍ] من

стр. 2245

أصحابِه، وأوّلُ مَن بَدَأَ منهم به أبو بكر، ﵁ وعنهم أجمعين، [وكان] ﷺ يقولُ لهم: انظُروا بأيِّ شيءٍ قد مُدِحتُ، وماذا قيل فيّ .... وقَعَتْ منهُ ﷺ .... فاستيقَظْتُ فرحًا مسرورًا بما أعطاني .... وكانت هذه الرُّؤيا بمَرّاكُشَ. ثم بعدَ ذلك إلى ما يُقارِبُ ثلاثَ سنين [كنتُ أُعيدُ] نَظَري فيها وأزيدُها ترقيقًا وتنميقًا، وأدخَلتُ فيها من غرائبِ مُعجزاتِه ﷺ ما لم أكنْ أدخَلتُهُ أوّلَ مرّة، فبينَما أنا ذاتَ ليلةٍ أكتُبُ في حرفِ الميم، وقد تعرَّضتُ فيه لمِعراجِه ﷺ ، وكنتُ قد أكثرَتُ في معظَم قصائدِها من ذكْرِ المعراج؛ لِما فيه منَ العجائب، إلّا أنّي لم أذكُرْ حديثَ جِبريلَ ﵇، ووقوفَه في الموضِع المعلوم، وقولَه لرسُولِ الله ﷺ : ها أنت وربُّك، وزَجَّه في النُّورِ زَجّةً، ففكّرتُ في نَظْم ذلك المعنى، فيسَّرَه اللهُ عليّ في أربعةِ أبيات، وأدخلتُها في حرفِ الميم، ثم رقَدتُ باقيَ اللّيل، فرأيتُ رسُولَ الله ﷺ في المنام وهو يقولُ لي: إنّ اللهَ قد شَفّعَني في أهلِك وزوجِك وخادمِك، وفي جميع أصحابِك، مُشيرًا إليّ بمُسَبِّحتِه ﷺ ، فاستيقَظتُ وبي من الفَرَح والسُّرور ما لا يعلَمُه إلّا الله ، ويحِقُّ لي، فازدَدْتُ بها غِبطةً على غِبطة، فلله الحمدُ على كلِّ نعمةٍ عمومًا، وعلى ما ألهَمَ إليه من مَدْح حبيبِه ﷺ خصوصًا، وكانت هذه الرؤيا بغَرْناطة. وكان فقيهًا شافعيُّ المذهب، نَظّارًا فيه، حَسَنَ المأخَذ في الاحتجاج لهُ، متوقِّد الخاطِر، ذكيًّا يَقِظًا محبًّا في العلم مُنصِفًا في المناظرةِ والمباحثة، لا يكادُ يُخلي محاضرَهُ من مفاوضةٍ علميّة ومُذاكرةٍ وبحثٍ ومساءلة، على ذلك عَرَفْناه، وكثيرًا ما كان يُتعرَّضُ له في مجالسِ وعظِه بالرِّقاع مضمَّنةً أسولةً عَوِيصة، فيَصدُرُ عنه من سُرعةِ الجواب عنها وحُسنِه وإيضاح خَفِيِّها وحلّ مُشكلِها ما يَقضي منه العَجَب، شاهدتُ منه في ذلك كثيرًا، وقصَدتُ الإغماضَ غيرَ مرّة أنا وجماعةٌ من أصحابِنا في كثير من الأسولةِ التي كنّا نُودِعُها الرِّقاعَ المرفوعةَ إليه، فيأتي [في أجوبتِها بما يَبهَرُ] الحاضرينَ سُرعةَ بديهةٍ، وحُسنَ ترتيبٍ وحَشْدَ [نُقول، ثم يَخلُصُ] إلى ما كان فيه من وَعْظِه.
следующие страницы →