عَدْلًا في قضائه، لا تأخُذُه فيه لوْمةُ لائم، ثم عُزِلَ سنةَ ثمانٍ وست مئة بعدَ تنكيلٍ كثيرٍ نالَهُ من والي بجَايةَ أبي عبد الله ابن يومورَ الهرغيِّ، وامتحانٍ شديدٍ كان منه ضربُ وَلَدِه (١) بَأليم السِّياط، وسَعَى في عَزْلِه فعُزِل، وقُدِّم أبو محمدٍ عبدُ الله ابن سكاتو (٢) الجزائريُّ، فقال أبو عبد الله لمّا بَلَغَه ذلك: عَزَلوني ولم يُولُّوا أحدًا. وكُفَّ بصَرُه بأخَرة، وبقِيَ [ببِجَايةَ] إلى أن توفِّي بها في ذي الحجة سنةَ اثنتَيْ عشْرةَ وست مئة، وقد [ذكرتُه في رَسم أبي] الوليد بن رُشْد وأبي القاسم عبد المُنعم ابن تيسيت (٣)، وسيُذكَرُ في رَسم [أبي عبد الله] بن عليّ بن مَرْوانَ (٤) إن شاء الله.
٧٤ - محمدُ بنُ [أبي] (٥) يحيى أبي بكر بن خَلَف بن فَرَج بن صافٍ الأنصاريُّ، مَرّاكُشيٌّ، قُرطُبيُّ الأصل قديمًا، فاسِيُّه حديثًا، أبو عبد الله، ابنُ المَوّاق (٦).
[رَوى عن أبي] أُميّةَ بن عُفَيْر، وأبي بكرٍ يحيى بن عبد الرّحمن بن ثابت، وآباءِ الحَسَن: ابن القَطّان -ولازَمَه واختَصَّ به- وابن قُطْرال ومحمد بن سَلمون، وأبي ذَرّ بن أبي رُكَب، وأبي الرّبيع بن سالم، وآباءِ عبد الله: ابن خَلْفون وابن دادوش والشّارِّيِّ، وأبَوي العبّاس: العَزَفيِّ والنَّبَاتيِّ، وأبي عليّ الرُّنْديِّ، وأبي
стр. 2242
القاسم بن بَقِيّ، وأبي محمدٍ عبدِ الحقِّ الزُّهْريّ، وأبي مَرْوانَ الباجِيّ، وأبي الوليد ابن الحاجّ.
رَوى عنه أبو بكر بن عثمانَ ابن السِّجِلْماسيّ، وأبو جعفر بن محمد بن عبد الحميد، وأبو الحَجّاج بن عليّ ابن عشَرة، وأبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ شيخُنا (١)، ومحمد بن عَتِيق بن عليّ، وأبو الخَطّاب سَهْلٌ ابن زغبوش، وأبو زكريّا بن عبد الله بن يعقوب، وأبو عبد الرّحمن عبدُ الله بن زغبوش، وأبو الفَضْل الغَرابِيليُّ، وأبوا محمد: ابنُ قاسم الحَرّار وابنُ مَطْروح.
وكان فقيهًا، حافظًا محدِّثًا، مقيِّدًا ضابِطًا مُتقِنًا، نبيلَ الخَطّ بارعَهُ، ناقدًا محقِّقًا، ذاكرًا أسماءَ الرِّجال وتواريخَهم وأحوالَهم، وله تعقُّبٌ على كتابِ شيخِه أبي الحَسَن ابن القَطّان الموسُوم بـ "بيانِ الوَهْم والإيهام الواقعَيْنِ في كتاب الأحكام"، جَمْعَ أبي محمدٍ عبد الحقِّ ابن الخَرّاط الجاري عليه اسمُ "الأحكام الكُبرى"، ظهَرَ فيه إدراكُه ونُبلُه ومعرفتُه بصناعةِ الحديث، واستقلالُه بعلومِه، وإشرافُه على عِلَلِه وأطرافِه، وتيقُّظُه، وبراعةُ نَقْدِه واستدراكِه (٢).
وقد عُنِيتُ بالجَمْع بينَ هذينِ الكتابَيْن مضافَيْنِ إلى سائرِ أحاديثِ الأحكام، وعلى ترتيبِها، وتكميل ما نَقَصَ منهما، فصار كتابي هذا من أنفَع المصنَّفات، وأغزَرِها فائدةً، حتى لو قلتُ: إنه لم يؤلَّفْ في بابِه مثلُه؛ لم أُبعِدْ، واللهُ ينفَعُ بالنِّية في ذلك.
ولأبي عبدِ الله أيضًا مصنَّفاتٌ غيرُ ما ذُكِر، منها: شيوخُ الدارَقُطنيّ، وشَرحُ مقدِّمة صحيح مسلم، ومقالاتٌ كثيرةٌ في أغراضٍ شَتّى حديثيّةٍ وفِقْهيّة، وتنبيهاتٌ مفيدة، ووقَفْتُ على جُملةٍ من شَرْح "الموطَّإ" [له] في غاية النُّبل وحُسنِ
стр. 2243
الوَضْع (١)، وكلُّ ذلك شاهدٌ بوفورِ مَعارفِه وتبريزِه، واستُقضيَ ببَلَنْسِيَةَ، وفاسَ. [ومَولدُه بها] سنةَ ثلاثٍ وثمانينَ وخمس مئة، ونشَأَ بمَرّاكُشَ واستَوطَنَها، [وبها توفِّي] سنةَ ثِنتينِ وأربعينَ وست مئة.
٧٥ - محمدُ بن أبي بكر بن [رَشِيد (٢)، جمالُ الدِّين] أبو عبد الله البغداديُّ، ويُذكَرُ أنّ أصلَه من قَصْر كُتَامةَ (٣).
رَوى ببغدادَ عن أبي إسحاقَ إبراهيمَ بن سَعِيد الأنصاريِّ أحدِ أصحاب ابن الجَوْزيّ، وبدمشقَ عن أبي عبد الله بن عبد الوهّاب الواعِظ ابن [الحَنْبَلي] (٤)، وبالأندَلُس عن أبي يحيى عبد الرّحمن بن عبد المُنعم ابن الفَرَس (٥)، رَوى عنهُ بمَرّاكُشَ [عبدُ الحقِّ] بن رَشِيد، وأبَوا محمدٍ: عبدُ الواحِد بن أبي زَيْد بن أبي زكريّا بن أبي حَفْص بن عبد المؤمن وابنُ مخلوفِ بن موسى المَشّاطُ القاضي (٦)، وطائفةٌ من أصحابِنا، وبمِصرَ: جمالُ الدِّينِ عثمانُ بن فَتْح الدِّين أبي العبّاس
стр. 2244
أحمدَ بن عُثمانَ بن هِبة الله بن أحمدَ بن عَقِيل القَيْسيُّ ابنُ أبي الحَوافِر، وأبو عليّ الحَسَن بن الحَسَن بن عَتِيق ابن مكسورِ الجَنْب بمحضَرِ مُحيي الدِّين محمد بن محمد بن سُرَاقة.
وسمِعتُ منه كثيرًا، وجالستُه طويلًا، وحاضرتُه وذاكَرْتُه، ورُزِقتُ منه قَبولًا كثيرًا، ولزمتُ شهودَ مجالسِ وعظِه، وكانتِ القلوبُ تنفعلُ كثيرًا لكَلامِه، وترِقُّ لمَوْعِظتِه، وتتأثرُ لتذكيرِه، وكان أغزَرَ الناسِ دمعًا، إذا رَقِيَ لمِنبَر وَعْظِه لا يتمالكُ أن يُرسِلَ دموعَه فيؤثِّرَ عندَ الحاضرين من الخُشُوع والخَشْية وسَكْبِ الدموع ما لا مَزيدَ عليه، وكان يتَولَّى إنشاءَ خُطَبه التي يَفتتحُ بها مجالسَ وَعْظِه وقصائدَه المطوَّلةَ التي يختتمُها بها، وكان سَريعَ الإنشاءِ لذلك كلِّه، وكلامُه نظمًا ونثزا مؤثِّرٌ في نفوسِ سامعيهِ على ما فيه من لِين، وسمعتُه غيرَ مرّة يقول: إنّ ذَوْقَه لا يُساعدُه على النظم في وزنِ عَروض من أعاريضِ الشِّعر ما خَلا الطّويلَ، هذا على اتّساع حفظِه وحضورِ ذكْرِه فنونَ الشِّعر على اختلافِ أوزانِه، وله قصائدُ سمّاها: "الوتَريّة، في مَدْح محمدٍ أشرفِ البرّية" (١) كلُّ قصيدة منها أحدٌ وعشرونَ بيتًا، مفتتَحة أبياتُها بحروفِ رَوِيِّها ضَمَّنَها مَدْحَ النبيِّ ﷺ وإيرادَ بعضِ مُعجزاتِه، تَقبَّلَ اللهُ عمَلَه، وأنْجحَ أملَه.
وممّا يُغبَطُ بهذه الوَتَرِيّات وَيشهَدُ بصدقِ نيّتِه فيها ويُحَرَّضُ على حفظِها وروايتِها، وُيرغَّبُ في دراستِها واستعمالِها، ما حكاهُ ﵀ من أنه قال: رأيتُ رسُولَ الله ﷺ ليلةَ فراغي من تبييضِها وهي في يدِه ﷺ ومعَه جماعةٌ من أصحابِه ﵃، لم أعرِفْ فيهم غيرَ أبي بكرٍ، ﵁ وعنهم أجمعين، [فلمّا رآني] ﷺ قام إليّ ضاحكًا كالمُستبشِر بي، ثم جَعَلَ يَدفَعُها إلى [جماعةٍ] من
стр. 2245
أصحابِه، وأوّلُ مَن بَدَأَ منهم به أبو بكر، ﵁ وعنهم أجمعين، [وكان] ﷺ يقولُ لهم: انظُروا بأيِّ شيءٍ قد مُدِحتُ، وماذا قيل فيّ .... وقَعَتْ منهُ ﷺ .... فاستيقَظْتُ فرحًا مسرورًا بما أعطاني .... وكانت هذه الرُّؤيا بمَرّاكُشَ. ثم بعدَ ذلك إلى ما يُقارِبُ ثلاثَ سنين [كنتُ أُعيدُ] نَظَري فيها وأزيدُها ترقيقًا وتنميقًا، وأدخَلتُ فيها من غرائبِ مُعجزاتِه ﷺ ما لم أكنْ أدخَلتُهُ أوّلَ مرّة، فبينَما أنا ذاتَ ليلةٍ أكتُبُ في حرفِ الميم، وقد تعرَّضتُ فيه لمِعراجِه ﷺ ، وكنتُ قد أكثرَتُ في معظَم قصائدِها من ذكْرِ المعراج؛ لِما فيه منَ العجائب، إلّا أنّي لم أذكُرْ حديثَ جِبريلَ ﵇، ووقوفَه في الموضِع المعلوم، وقولَه لرسُولِ الله ﷺ : ها أنت وربُّك، وزَجَّه في النُّورِ زَجّةً، ففكّرتُ في نَظْم ذلك المعنى، فيسَّرَه اللهُ عليّ في أربعةِ أبيات، وأدخلتُها في حرفِ الميم، ثم رقَدتُ باقيَ اللّيل، فرأيتُ رسُولَ الله ﷺ في المنام وهو يقولُ لي: إنّ اللهَ قد شَفّعَني في أهلِك وزوجِك وخادمِك، وفي جميع أصحابِك، مُشيرًا إليّ بمُسَبِّحتِه ﷺ ، فاستيقَظتُ وبي من الفَرَح والسُّرور ما لا يعلَمُه إلّا الله ، ويحِقُّ لي، فازدَدْتُ بها غِبطةً على غِبطة، فلله الحمدُ على كلِّ نعمةٍ عمومًا، وعلى ما ألهَمَ إليه من مَدْح حبيبِه ﷺ خصوصًا، وكانت هذه الرؤيا بغَرْناطة.
وكان فقيهًا شافعيُّ المذهب، نَظّارًا فيه، حَسَنَ المأخَذ في الاحتجاج لهُ، متوقِّد الخاطِر، ذكيًّا يَقِظًا محبًّا في العلم مُنصِفًا في المناظرةِ والمباحثة، لا يكادُ يُخلي محاضرَهُ من مفاوضةٍ علميّة ومُذاكرةٍ وبحثٍ ومساءلة، على ذلك عَرَفْناه، وكثيرًا ما كان يُتعرَّضُ له في مجالسِ وعظِه بالرِّقاع مضمَّنةً أسولةً عَوِيصة، فيَصدُرُ عنه من سُرعةِ الجواب عنها وحُسنِه وإيضاح خَفِيِّها وحلّ مُشكلِها ما يَقضي منه العَجَب، شاهدتُ منه في ذلك كثيرًا، وقصَدتُ الإغماضَ غيرَ مرّة أنا وجماعةٌ من أصحابِنا في كثير من الأسولةِ التي كنّا نُودِعُها الرِّقاعَ المرفوعةَ إليه، فيأتي [في أجوبتِها بما يَبهَرُ] الحاضرينَ سُرعةَ بديهةٍ، وحُسنَ ترتيبٍ وحَشْدَ [نُقول، ثم يَخلُصُ] إلى ما كان فيه من وَعْظِه.
стр. 2246
وورَدَ خبَرُ الحادثة الشَّنعاءِ [الكائنة] على بغدادَ (١) وهُو حينَئذٍ بمَرّاكُش، وكان يَذكُرُ أنه خَلَفَ ببغدادَ [نِسوةً قد كبِرْنَ] (٢)، وكان يقولُ حينَئذٍ في مجالسِ وعظِه: واأسَفَا للمصيبةِ [العامّة بالمسلمين] والخاصّة بي! وكان قدومُه على مَرّاكُشَ صدرَ خمسٍ وخمسينَ وست مئة.
[ومَدَحَه] بعضُ أُدبائها بقصائدَ شكَرَها لهم ووقَعَتْ موقعَ استحسانٍ وسرورٍ [عندَه]. فممّا رأيتُ إثباتَه منها هنا قصيدةُ الأديب الكاتبِ البارع أبي موسى هارونَ بن عبد الله بن محمد بن هارونَ السُّمَاتيِّ الإشبيليِّ (٣) نزيلِ مَرّاكُشَ ﵀، وهي [من الطويل]:
أواعِظَنا جَلّتْ لدينا بكَ النُّعمى ... فنِلنا الذي كنّا نَهيمُ به قِدْما
وأهدَتْ لنا بغدادُ منكَ غريبةً ... فلله ما أبهَى سَناها وما أسمى
حديقةَ فضلٍ أينَعَتْ زَهَراتُها ... فقد حَسُنت مَرأًى وفاحت لنا شَمّا
فلا انتقَلت عنّا ظلالُ نعيمِها ... ففي كلِّ حينٍ تُثمرُ العِلمَ والفهما
مواعظُ تَسرِي في النفوسِ لطافةً ... فتُبرِئُ من داءِ السَّقام بها سُقما
لقد هتَكَتْ حُجْبَ القلوبِ وإنّها ... بلُطف معانيها لَتستنزِلُ الغَمّا
وقمتَ بحقِّ الله في وعظِنا فلم ... تدَعْ غَرَضًا إلّا بَرَيْتَ له سهما
وأرسلتَها نحوَ القلوبِ، فكلُّها ... أصاب -لَعَمْري- مقتلَ الغَيِّ أو أَدْمى
стр. 2247
كشفتَ عن التنزيل حُجْبَ حقائقٍ ... وأبديتَها حتى لَأبصَرَها الأعمى
فكم آيةٍ أوضَحْتَ خافيَ سرِّها ... فلاحَ سَناها للنُّهى قمرًا تَمّا
وكم مُشكلٍ حلَّيتَهُ بلطائفٍ ... من الفِكْر، لولاها لأوسَعَنا كتْما
وأبدَيتَ في عِلم الحديثِ غَوامضًا ... وحلَّيتَها الأوضاحَ إذْ غودرَتْ بُهْما (١)
إذا ما اعتمدتَ النقلَ فالبحرُ زاخرٌ ... وقَدْرُك أعلى أن أقيسَ به اليمّا
ومهما نحَوْتَ الرأي فالزَّندُ ثاقبٌ ... فسهمُكَ إن تُرسِلْه في غرضٍ أصمى
لكَ الهمّةُ العُليا فلا ترضَ خُطّةً ... ولو عَظُمت قَدْرًا فزاحَمتِ النَّجما
طُبِعتَ ذَكاءً إذْ فؤادُك جَذْوةٌ ... تأجَّجُ لم تطعَمْ ضِرامًا ولا فَحْما
حوى من فنونِ العلم ما أعجَزَ الوَرى ... فلله منها ما حَواهُ وما ضَمّا
تبارَكَ من سَوّاكَ خَلْقًا وقد حَشَا ... فؤادَك ........................
وأيَّدَ منكَ النُّطقَ بالحِكَم التي ... على كلِّ قلبٍ خائفٍ [وقعَتْ سِلما]
أيا ديمةً تنهَلُّ سَكْبًا بكلِّ ما ... يُروِّي العِطَاشَ الِهيمَ منا ....
لقد رَوَّضتْ منّا القلوبَ وأطلَعَتْ ... بها ثمَرَ التقوى فتهنئُنا ....
لطائفُ وَعْظٍ بل هي السحرُ كلَّما ... سَمِعناه أيقاظًا ظننّا بنا حُلْما
وأرواحُ أذكارٍ تلاقَتْ جسومُنا ... بها فكأنّ الرُّوحَ ماسكٌ [الجِسما]
وإنّ لواءَ الفقرِ لمّا نشرتَهُ ... مشَى الفقراءُ تحتَه كلُّهمْ قُدْما
أريتَهمُ التحقيقَ حِسًّا فأدرَكوا ... ولم يَطمَعوا أن يُدرِكوا كُنهَهُ وَهْما
بعلمِكَ عَزُّوا فالزّمانُ وأهلُهُ ... لهمْ أصبحوا حَرْبًا فصاروا لهمْ سِلما
فكلٌّ -لَعَمْري- أُشرِبَ الفقرَ قلبُهُ ... ولهوُ الغِنى للنفسِ يا خيرَ ما أمّا
стр. 2248
أيا ابنَ رَشِيدٍ أنت رُشدٌ لمُهتدٍ ... فقد وَفَر الرّحمن منه لك القَسْما
ملكتَ نظامَ القولِ في كلِّ مذهبٍ ... وأبدَعتَ حتى النثرَ مُلِّكتَ والنَّظما
إذا الخَصْمُ أدلَى بالحِجَاج مُناظِرًا ... فأنت بأدنَى حُجّةٍ تقطَعُ الخَصْما
فدَتْك نفوسٌ قصَّرت عنك لم تجِدْ ... لهم في فنونِ العلم إن سُئلوا عَزْما
فضضْتَ خِتامَ الحُجْبِ عن كلِّ غامضٍ ... وقد عَجَزوا عن أن يَفُضُّوا له خَتْما
ألايا جمالَ الدِّين يا فخرَهُ، لقد ... أصابَ الذي سَمّاك في كلِّ ما سَمَّى
فيَصدُقُ كلُّ اسمٍ جليلٍ عليك إذْ ... مُنِحتَ بما أحرَزْتَه مَفْخَرًا جَمّا
مدحتُك إذْ بيني وبينَكَ نسبةٌ ... فغُربتُنا كان القضاءُ بها حَتْما
جلاءٌ عن الأوطانِ شتَّتَ شمْلَنا ... فهل أرَيَنَّ الدّهر يُوسِعُه نَظْما؟
ببغدادَ هام القلبُ منكَ وحبُّها ... لعَمْرُك حبٌّ خالَطَ الدَّم واللَّحما
فهل حاكمٌ يُعدي على الدهرِ إنهُ ... على كلِّ حالٍ يؤْثرُ الجَوْرَ والظُّلما
ويا غُربةً دامت وشَطَّ مَزارُها ... كفاكِ فقد قطَّعتِ قلبَ الشَّجيْ كَلْما
إذا ما الغريبُ الدارِ هَمَّ بأوْبةٍ ... هَمى الدمعُ من أجفانِهِ كلّما هَمّا
عسى فَرَجٌ يُدني المُنى فلعلّها ... تُنفِّسُ عنّا البثَّ والحُزنَ والغَمّا
بقِيتَ مُلقًّى ما تشاءُ مُحسَّدًا ... موَقًّى من المحذورِ متّصلَ النُّعمى
[ولا زال قَطْرُ الغيثِ يهطُلُ] ديمُهُ ... على مَن أعزَّ العُربَ إذ وقَمَ العُجْما (١)
[ومنها قصيدةٌ] للسيِّد الجليل، المشارِكِ النّبيل، أبي محمدٍ عبد الواحِد بن أبي زَيْد عبد الرّحمن بن أبي زكرّيا بن أبي حَفْص بن عبد المؤمن (٢)، وهي هذه [من البسيط]:
стр. 2249
أهلًا وسهلًا بمَن أهدَتْه بغدانُ ... ومرحبًا مَرْحبًا حيّاهُ رضوانُ
[إنْ فارَقَ] الرَّيَّ رَيّاها لفُرقتِهِ ... وأخرِسَتْ بعدَه حُزنًا خُراسانُ
[أو] واصَلتْ مَوصِلٌ فيه الأسى وبهِ ... قد غادرت قلبَها حَرّانَ حَرّانُ
وصيَّرت عَيْشَها كالشريِ مِن وَلَهٍ ... وكان كالأرْيِ حُلوًا منه حُلوانُ
وعمَّ مَن بعُمانَ الشّجوُ واتّسمت ... من بعدِ نعمتِها بالبُؤس نُعمانُ
وفاهَ هاتفُ وادٍ للأراكِ متى ... أراك تدنو وهل للقُربِ إمكانُ
والطَّلحُ عاد طُلَيْحًا من تلفُّتِه ... وأنّ إذْ بانَ يشكو بيْنَهُ البانُ (١)
فإنّ حضَرْتَنا تفتَرُّ من جَذَلٍ ... به إذا فرِحت ما ضَرَّ لَهْفانُ
أمَا سمِعتَ بقولِ ابن الحُسَين (٢) وما ... قد جاء في الشِّعر حُكمٌ وهو تِبيانُ؟
إيهِ رَعَى اللهُ إخوانًا به سَمَحوا ... لنا فنحن لهُ في الدِّينِ إخوانُ
ونحن جيرانُهُ من بعدِ جيرتِهِ ... ببابِ جيرونَ لا يفقدهُ جيرانُ (٣)
وما إخالُكِ يا بغدادُ عن مللٍ ... رَمَت بهِ منكِ نحو الغَرْب أوطانُ
لكنْ جَرى القلمُ الأعلى بذاكَ وما ... أجراهُ يَجري ولا يعدوهُ إنسانُ
إنّي سمَحتُ بعِلقٍ نظمُهُ دُرَرٌ ... من المعارفِ لا درٌّ وعِقيانُ
بحرٌ ولكنّهُ عذبٌ جَواهرُهُ ... أصدافُها شقَّقتْها منه أذهانُ
يُبدي الجَليَّ من المَخْفيِّ منطِقُهُ ... كأنّ ألفاظَه للسِّحر خَزّانُ
معنًى رقيقٌ ولفظٌ زانَهُ زجَلٌ ... جَزْلٌ يُسدِّدُه للعقل برهانُ
стр. 2250
تجمَّعتْ فيه أشياءٌ محاسنُها ... تَفُوقُ عدًّا إذا ما عُدّ ديوانُ
إذا بدا صاعدًا أدراجَ مِنبِرِهِ ... غارَتْ عليه من الأبصارِ آذانُ (١)
وإن تكلَّمَ غار العينُ من حسَدٍ ... فاعجَبْ فبينَهما في ذاك شَنْآنُ
طَوْرًا يعلِّمُنا، طَوْرًا يُخوِّفُنا، ... طَوْرًا يُرجِّي، فهذا الوعظُ ألوانُ
يا واعظًا بَهَرتْ حُسنًا مَواعظُهُ ... عليك لا زال للرّحمنِ إحسانُ
ذكَّرتَ غافلَنا، علَّمتَ جاهلَنا ... حلَّيتَ عاطلَنا [فالكلُّ فرحانُ]
تَصوبُ من وعظِك الأجفانُ واكفةً ... كما يَصُوبُ لصوتِ [الرعدِ هَتّانُ؟]
أُيِّدتَ بالصِّدق في قولٍ وفي عملٍ ... فللدموع إذا أسمعتَ طُوفانُ
كما تأيَّد في نَظْم العَرُوضِ وقد ... دَعَا الرسولَ برُوح القُدْس [حسّانُ]
كم من شرُودٍ أخي غَيٍّ إلى رَشَدٍ ... قادَتْهُ يا ابنَ رَشيدٍ منك أرسانُ
رأى ولولاك لم تُبصِرْ بصيرتُهُ ... وكيف يُبصرُ وجهَ الرُّشد عَمْيانُ
فأنت أنت جمالُ الدِّين لا كذِبٌ ... لا جَحْدَ في ذاك، إنّ الجَحْدَ كُفرانُ
لله قومٌ بهذا لقَّبُوكَ وقد ... تحَرَّوا الصِّدقَ، حُيُّوا حيثما كانوا
عُذرًا فديتُكَ لم أُحْصِ الذي لكَ، هل ... يُحصي الحَصىَ ونجومَ اللّيل حُسْبانُ؟
أنَّى ولو قاسَها قُسٌّ لقَصَّر، أو ... أجرى لها طَرْفَهُ لم يُجرِ سَحْبانُ
فكيف والطّبعُ لم يُطبَعْ، فُدِيتَ على ... ما يَرتضيه حديدُ القلبِ يَقْظانُ
لكن جعلتكِ (٢) أبياتي مقدِّمةً ... تَرتادُ لي موردًا، إنّي لصَدْيانُ
стр. 2251
تبوحُ بالحُبِّ إذ قال الرسولُ: إذا ... أحَبَّ؛ واذكُرْهُ لا يَصْحَبْكَ نسيانُ
ورغبةً في دعاءٍ منكَ مُبتهِلًا ... في أن يُباحَ معَ الزُّوّارِ إتيانُ
إن الشّفيع الذي من جاء ناديَهُ ... مستغفرًا ظالمًا قِراهُ غفرانُ
تدعو ثلاًثا بها والناس كلُّهمُ ... يؤمِّنون، فربُّ الناس مَنّانُ
صلى الإلهُ عليه كلّما طلَعَتْ ... شمسٌ وما تُلِيَت آيٌ وقرآنُ
وخصَّهُ بسَلام ما سَرَى فَلَكٌ ... مسخَّرٌ، ورَسَا رَضْوى وثَهْلانُ
وأقام بمَرّاكُشَ مدّة، ثم رَحَلَ إلى الأندَلُس، ودَخَلَ غَرْناطةَ وغيرَها من بلاد الأندَلُس، ووَعَظَ بها، ثم كرَّ راجعًا إلى مَرّاكُش فبقِيَ فيها مُدّة، ثم فَصلَ عنها مشرِّقًا، فحَجَّ حجّةَ الفريضة، وقَفَلَ إلى المغرِب مؤمِّلًا الوِفادةَ على مَرّاكُش، فتوفِّي بتونُسَ عقِبَ صلاةِ الجُمُعة لليلةٍ بقِيَتْ من محرَّمِ ثلاثٍ وستينَ وست مئة.
٧٦ - محمدُ (١) بن أبي بكر بن عبد الله بن موسى الأنصاريُّ، تلمسينيٌّ وَشْقيُّ الأصل، أبو عبد الله البُرِّيُّ.
وهو أخو شيخِنا أبي إسحاقَ التلمسينيِّ (٢) وكبيرُه. رَوى ببلدِه عن أبوَيْ عبدِ الله: عبد الرّحمن التُّجِيبيِّ، وابن عبد الحقّ. وبالأندَلُس عن أبي بكر بن محمد بن مُحرِز، وأبي الحَسَن سَهْل بن مالك، وأبي الرّبيع بن سالم، وأبي عبد الله [ابن الأبّار، وأبي المُطرِّف] ابن عَمِيرةَ وغيرِهم، وبمَنُرقةَ عن أبي عُثمانَ سَعِيد [بن حَكَم.
رَوى عنه غيرُ] واحدٍ، وحدَّثنا عنه أبو محمدٍ مَوْلى سَعِيد بن حَكَم. وكان [مُعتنيًا بالأنسابِ] والحِفظِ لها، ذا مُشاركةٍ في الحديثِ ورجالِه، وحَظٍّ من [النَّظم].
стр. 2252
وله مصنَّفاتٌ مفيدةٌ، منها: "الجَوْهرة في نَسَبِ النبيِّ ﷺ وأصحابِه] العشَرة" (١)، ومنها: "العُمْدَة في ذكْرِ النبيِّ ﷺ والخُلفاءِ بعَده" [في نُسختَيْن] , إحداهُما أكبرُ من الأخرى (٢)، وفي صُغراهُما يقول -ونقَلتُه من خطِّه-[من مجزوء الرجز]:
[هذا كتابُ] العُمدةِ ... للذِّكرِ خيرُ عُدّةِ
مُشرِّفٌ في مَلإٍ ... مؤنِّسٌ في وَحدةِ
[وفي الأخرى] يقولُ -ونَقلتُه من خطِّه أيضًا-[من السريع]:
الحمدُ لله على عَوْنِهِ ... في وَضْع هذا الجامع المُختصَرْ
ما أعظمَ النفْعَ به لامرئ ... على اطّلاعٍ [ليس فيه] قِصَرْ
стр. 2253
ورَجَزَ السِّيَرَ رَجْزًا مختصرًا، وسَمّاه "فريدةَ [....] اللآلي"، إلى غير ذلك من مصنّفاتِه.
دَخَل ثغرَ مَنُرْقَةَ أسيرًا، فافتَكّه الرئيسُ بها أبو عثمانَ سعيدُ بن حَكَم (١) فاستقَرَّ به إلى أن توفِّي عقِبَ الزّوال من يوم الخميس لثلاثَ عشْرةَ ليلةً بقِيَتْ من ربيع الأول عامَ أحدٍ وثمانينَ وست مئة، ومولدُه لأربعَ عشْرةَ خَلَتْ من ذي الحجة عام ستةٍ وتسعينَ وخمس مئة.
٧٧ - محمدُ (٢) بن أبي الحَسَن الفارِسيُّ، مَرْوَزيٌّ، أبو عبد الله الجَوْهريُّ.
تَلا بأصبَهانَ على الصَّفّار (٣) المقرئ. وقَدِمَ الأندَلُسَ ودخَلَ قُرطُبةَ في أوائل جُمادى الآخِرة سنةَ ثلاثَ عشْرةَ وست مئة. وكان حافظًا مجُوِّدًا حسَنَ السَّمت فاضلًا صالحًا.
٧٨ - محمدُ بن أبي القاسم بن مَيْمونٍ الهَوّاريُّ .
كان كاتبًا بارعًا.
٧٩ - محمدُ (٤) بن إسماعيلَ بن محمد بن إسماعيلَ الحَضْرميُّ المتّيشيُّ، من ناحيةِ بِجَايةَ، ونزَلَ مُرْسِيَة.
стр. 2254
دَخَلَ الأندَلُس في صِغَرِه وأقام بمالَقةَ مدّةً وسكَنَ مُرْسِيَة، ومَوْلدُه بالعُدْوة.
ذكَره ابنُ الأبّار في الغُرَباءِ بهذا وبغيرِه ممّا رأى أن يَذكُرَه به، وقد تقَدَّم لي ذكْرُه في الأندَلُسيِّين (١) لِما تبيَّنَ لي من وَهَم ابن الأبّار في نسبتِه المكانيّة، ولم يَخدُش لي في وجهِ ما ذهَبْتُ إليه من ذلك إلّا قولُ ابن الأبار: إنّ مولدَه بالعُدوة، فإنْ ترجَّحَ جُعِلُ العُهدةُ في ذلك عليه، نُقِل إلى هنا، واللهُ الموفّق.
٨٠ - محمدُ (٢) بن أوس بن ثابِت بن المُنذِر بن حَرام بن عَمْرِو بن زَيْد مَنَاةَ بن عَدِيِّ بن عَمْرِو بن مالكِ بن النَّجّار تَيْم الله بن ثَعْلبةَ بن عَمْرو بن الخَزْرج الأنصاريُّ الخَزْرجيُّ.
مَدنيٌّ تابِعيٌّ، ولأبيه أوس صُحبة، وهو أخو حسّانَ بن ثابت. رَوى عن أبي هريرة. [روى عنه الحارثُ بن يَزيد] ومحمدُ بن عبد الرّحمن ابن نَوْفَل (٣) الأسَديّ.
وكان من أهل الفَضْل [والدِّين، حَلّاه] بذلك خالدُ بن أبي عِمرانَ التُّجِيبيُّ التونُسيُّ (٤) لأميرِ المؤمنينَ [يزيدَ بن عبد الملِك] (٥) وقد سأله عنه خاليًا.
وغَزا المغرِبَ والأندَلُس معَ موسى بن نُصَيْر سنةَ ثلاث وسبعين، وغَزا صِقِلِّيةَ سنةَ ثِنتينِ ومئة وغَنِم منها، [ولمّا قُتل يزيدُ بن أبي] مُسلم مولى الحَجّاج
стр. 2255
-وهو الذي أغزاهُ صِقِلِّيةَ إذ كان يزيدُ [واليَ إفريقيّةَ وعلى] مَغْزَى أهل إفريقيّة- تَراضَى أهلُها بتقديمِه على إفريقيّةَ حتى يأتيَ أمرُ أميرِ المؤمنينَ يزيدَ بن عبد الملك، ومحمدٌ غائبٌ في غَزاتِه تلك بعدَ تراضيهم على تقديم المُغيرة بن أبي بُردةَ القُرَشيِّ أحدِ بني عبد الدار وإبايتِه من ذلك حسبَما أشار عليه ابنُه عبدُ الله، فتقَدَّم محمدُ بن أوس على إفريقيّةَ حينَ قَدِمَ من صِقِلِّيةَ وأقام واليًا عليها إلى أن بَلَغَ خبَرُ مقتَل يزيدَ بن أبي مُسلم يزيدَ بنَ عبد الملِك وتقديم أهل إفريقيّةَ محمدًا هذا، فصَرَفَه وقدَّمَ بِشْرَ بن صَفْوانَ الكَلْبيّ، فقَدِمَها أوّلَ سنةِ ثلاثٍ ومئة (١).
ويا لله لإبن الأبار في ذكْرِه محمدَ بن أوسٍ هذا في الأندَلُسيِّينَ وتشَبُّعِه بذلك. فقد جعَلَه أوّلَ مذكورٍ منهم، ولا وَجْهَ لفعلِه هذا، ولا أدري ما يحمِلُه على هذا وشِبهِه!
٨١ - محمدُ بن بَكّار التَّميميُّ، مَسِيليٌّ، ثم قَلْعيٌّ .
رَوى عن أبي عليّ الغَسّانيِّ، ولم يَذكُرْه ابنُ الأبّار في أصحابِه.
٨٢ - محمدُ بن تاشَفينَ بن يوسُفَ بن أبي بكر بن يِيْمَد -بياءٍ مسفول وياءِ مَدّ وفتح الميم ودالٍ غُفْل- ابن سَرْحوب، أبو عبد الله .
رَوى عن أبي بكرٍ ابن العَرَبيِّ، وأبي عبد الله ابن الحَاجّ. وكان رئيسًا في قومِه وأحدَ أُمَرائهم، ذا عنايةٍ بالعِلم وروايتِه ولقاءِ حَمَلتِه، جيِّدَ النّظَر في التعديل ومَجاري الكواكب. وُلد في ليلة الرابعةَ عشْرةَ من ربيعٍ الأول عامَ ستة وتسعينَ وأربع مئة.
٨٣ - محمدُ بن جابرِ بن أحمدَ القَيْسيُّ، مَرّاكُشيٌّ .
رَوى بإشبيلِيَةَ عن أبي الحَسَن شُرَيْح.
стр. 2256
٨٤ - محمدُ (١) بن حَسَن بن أحمدَ بن يوسُفَ بن أحمدَ بن يوسُفَ بن أحمدَ بن يوسُف بن أحمدَ التُّجِيبيُّ، سَبْتيٌّ، سَكنَ بأخَرةٍ إشبيلِيَةَ، أبو عبد الله، ابنُ مُجبر.
وأصلُ سَلَفِه من طُلَيْطُلةَ، وكانوا يُعرَفونَ فيها ببني يوسُف، ويوسُفُ جدُّ أبيه، منها. رَوى عن آباءِ الحُسَين: ابن جُبَيْر وابن زَرْقُون وابن الصّائغ، وأبي ذَرّ بن أبي رُكَب، وأبي الصَّبر الفِهْريّ، وآباءِ عبد الله: الحاجِّ ابنِ أحمدَ بن عَطِيّة وابن حَمِيد وابن زَرْقُون، وكان يؤثرُه ويُقرِّبُه، وأبي عليّ الحَسَن بن [.... وأبي عُمرَ] يوسُفَ بن عبد الله الغافِقيّ، وأبي القاسِم بن حُبَيْش، [وآباءِ محمد: ابنِ عُبَيد الله الأزْديِّ] واختَصَّ به ولازَمَه طويلًا وأكثَرَ عنه؛ وابن حَوْطِ الله [وابن الأبار] القُضَاعيِّ، وأجازوا له. وسَمِع أبا الحَسَن بنَ عبد الملِك بن بَسّام الزُّهْريَّ، [وأبا الحَجّاج يوسُفَ] بن معزوز، وأبا محمد بنَ محمد بن عُمَر الأزْديَّ. وصَحِبَ الحاجَّ أبا الحَجّاج [الملقَّبَ بالشَّفَة ... ، وأبوَيْ] عبد الله: ابن أحمدَ بن يَعِيش صِهرَه، وابن يحيى الهَمْدانيَّ المالَقيَّ.
وأجاز له منَ الأندَلُس: أبو أحمدَ جعفرُ بن أحمدَ بن سُفيان، وأبو إسحاقَ بن [....] وأبَوا بكر: ابنُ أبي جَمْرةَ وابنُ خَيْر، وأبو الحَسَن صَالحُ بن عبد الملك، وأبَوا عبد الله: الإسْتِجيُّ وابنُ الفَخّار، وأبَوا القاسم: ابنُ بَشْكُوال والسُّهَيْليُّ، وأبو محمدٍ القاسمُ بن دَحْمان. ومن فاسَ: أبو الحَسَن بنُ حُنَيْن، وأبو عبد الله بنُ قاسم بن عبد الكريم. ومن بِجَايةَ: أبو محمد عبدُ الحقِّ ابنُ الخَرّاط. ومن مكّة شرَّفَها الله: نَزيلاها: الطويلُ الجِوار بها أبو حَفْص المَيَانجِيُّ، وأبو الطاهر أبو الفِداء إسماعيلُ بن عليّ المَوْصِلي، وأبو أحمدَ بنُ عبد الوهّاب ابن سُكَيْنةَ. ومن الإسكندَريّة: أبو طالبٍ التّنوخيُّ، وأبو الطاهرِ بن عوف (٢)، وأبوا عبد الله:
стр. 2257
الحَضْرَميُّ والكِرْكنتيّ. ومن القاهرة: نَزيلُها أبو العبّاس التّسوليُّ. ومن الصّعيدِ الأعلى: مُستوطِنُه أبو إبراهيمَ إسحاقُ التونُسيُّ.
رَوى عنه أبو بكر بنُ سيِّد الناس، وأبَوا الحَسَن: ابنُ حَجّاج الصُّنْهاجيُّ، وابنُ محمد بن أبي الحَسَن بن مَطَريّ، وأبوه أبو عبد الله بن أبي الحَسَن بن أبي الحَكَم مُنذِر بن مَطَريٍّ المَهْرِيّ، وأبو عليّ عُمرُ بن أحمدَ الزَّبّار، وأبَوا محمد: طلحةُ وابنُ قاسم الحَرّار.
وكان رجُلًا صالحًا فاضلًا، حافظًا القرآنَ العظيم، كثيرَ التلاوةِ له، رَطْبَ اللِّسان به، مُنتدِبًا لفعل ما يَستطيبُه من الأعمال الصالحة، متودِّدًا للناس، مُعتنيًا بالروايةِ مُستبحِرًا فيها، بَصيرًا بطُرُق التحديث، ذاكِرًا تواريخَ أهل بلدِه، مائلًا إلى أهل التصوُّف، متقدِّمًا في عَقْدِ الشّروط فقيهًا في معانيها.
وُلد بسَبْتةَ في العَشْر الوُسَط من ذي الحِجة تسع وأربعينَ وخمس مئة، وتوفِّي بإطريانةَ عندَ طلوع فَجْر يوم الخميس لستٍّ بَقِينَ من ربيع الأول سنةَ عشرينَ وست مئة، وصُلِّيَ عليه إزاءَ جامع العَدَبّس بوصيّةٍ منه بذلك، ودُفن بإطريانةَ إثْرَ صلاة العَصْر من يوم وفاتِه، ورُئيت له كراماتٌ، ﵀.
٨٥ - محمدُ (١) بن الحَسَن بن حَجّاج بن يوسُفَ التُّجيبيُّ، مَرّاكُشيٌّ، أبو عبد الله.
رَوى عن أبيه وطائفةٍ من أعلام بلدِه، وكان ذكيًّا نبيلًا حاذقًا، واستُقضيَ بقُرطُبةَ في فَتاءٍ من سِنِّه فأصحَبَه أبوه [عليًّا البُطَيْطيَّ أحدَ عاقدي] (٢) الشّروط بإشبيلِيَةَ كاتبًا له ونائبًا عنه.
стр. 2258
٨٦ - محمدُ بن الحَسَن بن عَتِيق بن الحَسَن بن محمد بن حَسَن التَميميُّ، مَهْدَويٌّ سَكنَ بأخَرةٍ مَرّاكُش، أبو عبد الله، [ابنُ منصورِ الجَنْب] (١).
стр. 2259
أخو أبي [عليّ] المذكورِ قبلُ. كان شيخًا حَسَنَ الخُلُق كريمَ الطِّباع [....] بارًّا بكلِّ مَن يَغْشاهُ من أصحابِه ومعارفِه.
استُقضيَ بشَرِيشَ وبأغماتِ [وريكة] فشُكِر في طريقتِه وعُرف بالعدل والتُّؤدة، ووَلِيَ بمَرّاكُشَ خُطّةَ المَناكح، واستمرَّ بها محمودَ السِّيرة إلى أن توفِّي سنةَ خمسينَ وست مئة، ودُفن بجَبّانتِهم [ببابِ] تاغزوتَ داخلَ مَرّاكُش، واحتَفلَ الناسُ لشهودِ جَنازته وأثنَوْا عليه صالحًا.
٨٧ - محمدُ (١) بن الحَسَن العابِد ابن عَطِيّةَ بن غازي بن خَلُوف بن حَمْد بن موسى بن هارونَ بن عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن أحمدَ بن جابِر بن عبد الله صاحبَيْ رسُولِ الله ﷺ ورضيَ عنهما، سَبْتيٌّ، أبو عبد الله، ابنُ الغازي.
стр. 2260
رَوى بسَبْتةَ عن جدِّه للأُمِّ أبي الرَّبيع سُليمانَ بن سبع (١)، وأبوَيْ عليّ: أبيه وحَسَن بن عليّ بن سَهْل الخُشَنيِّ، وأبي إسحاقَ ابن قُرْقُول، وأبي الحَسَن بن فَتْحون، وأبي عبد الله بن هشام، وأبي الفَضل عِيَاض، ولازَمَه كثيرًا وشُهِرَ بصُحبتِه، وأبي محمد بن عُبَيد الله. وبفاسَ عن أبي جعفرٍ محمد بن حَكَم بن باقٍ، وأبي عبد الله ابن الرَّمّامة، وأبي موسى ابن المَلْجوم، والأستاذِ الكبيرِ ابن صافٍ. ولقِيَ بالجزيرةِ الخضراءِ أبا العبّاس بن زَرْقون وأجاز له.
وأجاز له مطلقًا من مالَقةَ أبو عبد الله بن عُمر وأبو محمد ابن الوَحِيديّ، ومن بَلَنْسِيَةَ أبو الحَسَن بن هُذَيْل، ومن مُرْسِيَةَ أبو عبد الله بن حَمِيد وأبو القاسم بن حُبَيْش. وأجاز له من غَرناطةَ -ما روى دونَ ما ألَّف- أبو جعفر ابنُ الباذِش.
رَوى عنه أبو بكر بنُ محمد (٢)، وأبو الحَسَن الشارِّيُّ، وأبَوا عبد الله الأزْديُّ -وهو آخِرُهم- وابنُ قاسم بن عبد الرّحمن بن عبد الكريم، وأبو العبّاس العَزَفيُّ، ولا سيّما بعدَ وفاةِ أبي محمد بن عُبَيد الله؛ إذ كان كثيرًا ما يمتنعُ من الانتصابِ للتحديثِ في حياتِه توقيرًا له وإجلالًا.
وكان راويةً للحديثِ منسوبًا إلى معرفتِه مبرِّزًا في العدالةِ والثقة، ذا عنايةٍ بعَقْد الشّروط، وبصَر بعِلَلِها. واستُقضيَ ببلدِه، وكان به من أهل التعيُّن الشهير، عظيمَ الصِّيت، جليلَ القَدْر، متقدِّمًا في الأدب، شاعرًا مُحسِنًا مُكثرًا.
وله منظوماتٌ علميّة تدُلُّ على رسُوخِ قدمِه في الأدب وحضورِ ذكْرِه [في] الفقه واقتدارِه على النَّظم، منها قولُه في درجاتِ الذين يَلُونَ عَقْدَ النِّكاح [من البسيط]:
стр. 2261
يا سائلًا عن ذوي الأنكاح أيُّهمُ ... أولى وأقربُ للتعصيبِ بالنَّسَبِ
ومَن له [حقُّه] يُدلي به ولهُ ... عَقْدُ النِّكاح لجري ذلك السببِ
إليك خُذْها كنَظْم الدُّرِّ جئتُ بها ... [كما] (١) نقَلْتُ عنَ أشياخي ومن كُتبِ
ابنٌ ثم (٢) ابنُهُ أوْلى وبعدَهما ... أبٌ وصنوُ شقيقٍ ثم من لأبِ
وابنُ الشّقيق يَليهِ والذي لأبٍ ... والجدُّ والعَمُّ وابنُ العمِّ فاكتتِبِ
ومن عَلا من أُولي التعصيبِ قُعدُدُهُ ... مِن بعدِهمْ فارْعَ ذاك الأصل وارتقبِ
والمالكونَ لعُبْدانٍ بمالِهمُ ... من حقِّ مُلكٍ بلاريبٍ ولا كذبِ
ثم الأُلى أنعَموا بالعِتقِ سيِّدَهمْ ... والمُعتَقونَ على التدريج في الرُّتَبِ
والأولياءُ ومن صَحّت وِكالتُهُ ... والكافلونَ وسُلطانٌ غدا كأبِ
ومن على يدِه قد أسلمَ امرأةٌ ... منهمْ وذو الرأي في الأهلِينَ من قُرَبِ
والمسلمونَ جميعًا بعدَ ذلكمُ ... على العموم ومنها الجارُ لم يَخِبِ
وفي ذكْرِ الاختلافِ فيما فسَدَ لصَداقِه [من الطويل]:
وكلُّ نكاح فاسدٍ لصَداقِهِ ... ففيه رواياتٌ ثلاثٌ تُحصَّلُ:
فقولٌ بأنّ العَقدَ فيه مصحَّحٌ ... وليس صَداقٌ فيه للزوج يَحصُلُ
كأنكِحةِ التفويض لا فرْقَ بينَها ... وقولٌ بأنّ العَقْدَ بالفَسْخ يَبطُلُ
ويُفسَخُ من قبلِ الدخولِ وبعدَهُ ... وقولٌ بأنّ الفَسْخَ قبلُ فحصِّلوا
وفي معرفةِ المدّعي من المُدّعَى عليه [من السريع]:
وسائلٍ عما به المُدَّعَى ... عليه تدريهِ من المُدَّعِي
стр. 2262
فقلتُ: نافي الحُكم عن نفسِهِ ... فيما عليه المُدّعِي يَدّعِي
فهْو المسَمَّى عندَنا مُدَّعَى ... عليه والثاني يُرى مُدَّعِي
وفيمَن لا تجبُ عليه اليمينُ بمجرَّد الدعوى [من البسيط]:
وسائلٍ عن دَعاوَى كلّما ادُّعِيَتْ ... لم تُلفَ موجِبةً في الحُكم أَيْمانا
فقلتُ: منها عَبيدٌ يَدَّعونَ على ... الساداتِ بالعِتقِ والتدبيرِ بُهتانا
وفي الكتابةِ والإيلاءِ بعدُ، ولا ... يُلفَى لهم شاهدٌ عَدْلٌ بما كانا
ومدَّعٍ بنكاحٍ دونَ بيِّنةٍ ... ولا اشتهارِ نكاح [كان إعلانا]
وذاتُ زَعْم بأنّ الزّوجَ طلَّقَها ... ومدَّع والدًا عنهُ [....]
ومدَّعٍ مِلكَ شَخْص لم يقرَّ لهُ ... لم يعترفْ غيرُه في [الناسِ بُرهانا]
وفيمن يَحلِفُ على مالٍ ويأخُذُه غيرُه [من البسيط]:
وسائلٍ عن أُناسٍ يَحلِفونَ على ... مالٍ فيأخُذُه غيرُ الأُلى [حَلَفوا]
فقلتُ: والدُ بِكر في الصَّداقِ على ... زوجٍ إذا لم يكنْ من شأنِه [الحَلِفُ]
ويَحلِفُ الأبُ أيضًا في الصَّداقِ إذا الأزواجُ والأبُ في مقدارِه [اختَلَفوا]
وضدُّ ذاك شَريكٌ في مفاوضةٍ ... لجاحدٍ ماعليه، هكذا وَصَفوا
وُلد في ربيعٍ الأول عامَ ثمانيةٍ وخمس مئة، وتوفِّي سنةَ إحدى وتسعينَ وخمس مئة.
٨٨ - محمدُ (١) بن حَسَن بن عُمرَ الفِهْريُّ، سَبْتيٌّ، أبو عبد الله، ابنُ المُحَلِّي (٢).
стр. 2263
رَوى عن أبي الحَسَن ابن خَرُوف النَّحْويّ، وأبي عليّ ابن الشَّلَوْبِين، وأبي الصَّبر أيوبَ الفِهْرِيّ، وعَدَّ في شيوخِه أبا القاسم بنَ الطيِّب الحاج ابن معزوز، وأبا عبد الله بنَ محمد ابن جَوْهَر.
رَوى عنه أبو عبد الله بنُ عبد الله بن إبراهيمَ البَكْريُّ، وأبَوا عليٍّ الحَسَن بن الحَسَن ابن مكسورِ الجَنْب والحُسَينُ الخَمّاش، وأبو القاسم محمدُ بن عبد الرّحيم ابن الطيِّب المذكور، وأبو محمد عبدُ العزيز بن إبراهيمَ بن عبد العزيز بن أحمدَ الهَوّاريُّ، وجماعةٌ من أهلِ سَبْتةَ.
وكان أديبًا بارعًا، كاتبًا بليغًا ناظمًا وناثرًا، عاقدًا للشّروط، مُبرِّزًا في العدالة، نَحْويًّا ماهرًا، حسَنَ القيام على تفسيرِ القرآنِ العظيم، مُذكِّرًا، حَلّق بالتفسير في سَبْتةَ مُدّة فانتفَعَ به خَلْقٌ كثير، وكان على كلامِه قَبُول، وله في النفوسِ تأثير (١).
واستُقضيَ بسَبْتةَ يومَ الأحد لثلاثَ عشْرةَ ليلةً خَلَت من رجَبِ أربع وخمسينَ وست مئة، إثْرَ وفاةِ قاضيها قبلَهُ الشريف أبي الحَسَن بن أبي الشَّرَف رفيع (٢)، واستمرَّت ولايتُه خُطّةَ القضاءِ مشكورَ الأحوال محمودَ السِّير مستقيمَ الطريقة مشهورَ العَدْل إلى غايةِ عُمرِه.
وكان طويلًا نحيفَ الجسم، نظيفَ الملابس، وَقُورًا، جميلَ الهيئة، حسَنَ الخَلق، يَخضِبُ رأسَه ولحيتَه بالحِنّاء، ممّن ساد بنفسِه. وكتَبَ في شبيبتِه عن
стр. 2264
أبي عبد الرّحمن (١) يعقوبَ بن أبي حَفْص بن عبد المؤمن المدعوِّ بعَيْن الغزال أيامَ وَلِيَ مدينةَ فاسَ، ووَصَلَ صُحبتَه إلى مَرّاكُشَ.
وكان أبوه حَسَنٌ قَوّالًا يُغنِّي في المحافل والأسواق [مُتلبِّسًا] بذلك، والمتلبِّسُ بهذا العمَل يُعرَفُ في بلاد المغرِب بالمُحَلِّي، [عَرَفتُ بمَرّاكُشَ] شيخًا محليًا ذَكَرَ لي أنه من أصحابِه ومُقاوليه، ومن شعرِه على [طريقةِ أهل التصوُّف] [من البسيط]:
[هل يَطلُبُ] العشقُ قلبًا أنتَ مَطلَبُهُ ... أو يُذهِبُ الشّوقُ روحًا أنت مُذهِبُهُ
[ما إنْ دعاه] هوى خَلق ليَغلِبَهُ ... إلا وحبُّك يَدعوهُ فيغلِبُهُ
وكيف يرجو وِصالًا من تبعُّدِهِ ... أو كيف يَخشَى بِعادًا مَن تُقرِّبُهُ
وكيف يَخرَبُ ربعٌ أنت تَعمُرُهُ ... بل كيف يَعمُرُ مسكونٌ تُخرِّبُهُ
وقال أهل الهوى: شأنُ الهوى عجَبٌ ... فقلت: إنّ سُلوِّي عنك أعجَبُهُ
وكل حالُ الهوى صعبٌ مسالكُهُ ... على المُحبِّ، وسَمْعُ العَذْل أصعبُهُ
يا مَن أُناجيه، والأشواقُ تُوهمُني ... نَيْلَ الوِصَال، كأنّ الشوقَ يوجبُهُ
كم طيبةٍ لك بالألطافِ توجدُها ... عندَ اللقا، وفَنائي فيك أطيبُهُ
فارحَمْ تقلُّبَ قلبي فهْو شيمتُهُ ... حتى يكونَ بما تَرضى تقلُّبُهُ
رِفقًا به فهْو في حالَيْ مُناقضةٍ ... فالقبضُ يُحزنُهُ والبَسطُ يُطرِبُهُ
ومنّةُ الجُودِ تُدنيه فتؤنسُهُ ... وخَشيةُ الردِّ تُقصيهِ فتَحجُبُهُ
منايَ أنت وحَسْبي أن تكونَ مُنًى ... يا واهبًا رَغَباتي قبلَ أرغَبُهُ
كنْ كيف شئتَ فمالي عنك منصَرفٌ ... فالعبدُ ليس سوى مولاهُ مطلبُهُ (٢)
стр. 2265
وقولُه فيها أيضًا [من الطويل]:
أبوحُ بما ألقاهُ فهو مباحُ ... فقَبْليَ أربابُ المحبّةِ باحوا
إذا باحَ مَن قَبْلي ولم يلقَ بعضَ ما ... لقِيتُ فإنّي ما عليَّ جُناحُ
أأحبابَنا لا تحسَبوا الصبرَ بعدَكمْ ... سَخِيًّا، ولا أنّ الدموعَ شِحاحُ
وإن فنِيَتْ أجسادُنا وقلوبُنا ... فتلك العهودُ السالفاتُ صِحاحُ
سَمَحْتُ لكمْ بالنفْس كي أربَحَ الرِّضا ... على ثقةٍ، إنّ السَّماحَ رَبَاحُ
فؤاديَ منقادٌ إليكمْ مُذلَّلٌ ... فما لي إذا لَجَّ العَذُولَ جِماحُ
وهل من سبيلٍ أن أطيرَ إليكمُ ... وقد حُصَّ بي ريشٌ وقُصَّ جناحُ؟
تغيَّر وقتي بعدَكمْ، فكأنّما ... صباحي مساءٌ، والمساءُ صباحُ (١)
стр. 2266
وأوحشتُمُ فالكلُّ في الأُذْنِ نائحٌ ... لديَّ وآفاقُ الوجودِ [فِسَاحُ]
وما تَفضُلُ الأيامُ أُخرى بذاتِها ... ولكنّ أيامَ المِلاح مِلاحُ
خرَستُ عن الشكوى إليكمْ مهابةً ... وألسُنُ حالي بالغرام فِصَاحُ
تمتُّعُ لَحْظي سُنّةٌ في جَمالِكمْ ... فإنْ لاحظَ الأغيارَ فهو سِفاحُ
ويا عجَبًا أنّي أسيرٌ وأنّني ... أناشدكُم أنْ لا يُتاحَ سرَاحُ
إذا هزَّ أربابُ السَّماع تواجُدٌ ... فحَظِّيَ منه زفرةٌ وصياحُ
فها أنا عندَ الباب مُنُّوا أو اطرُدوا ... فما ليَ عنهُ كيف كان بَراحُ
وقولُه فيها أيضًا [من الطويل]:
غرامي دَعَاني والعَذُولُ نَهاني ... فوَجْدٌ وعذلٌ كيف يجتمعانِ؟!
أمَا عَلِما أنّي على الشَّحطِ والنَّوى ... مقيمٌ، وأنّي والهوى أخَوانِ؟
يقولان لي: من ذا دَعاك لِما نَرى؟ ... فقلت: دَعاني حبُّه، فدَعاني
ضمانٌ على قلبي الأسى بعدَ بُعدِهمْ ... إذا لم يكنْ يومَ اللِّقا بضمانِ
أُعلِّلُ نَفْسي بالسُّلوِّ تعلُّلًا ... وتلك أمانٍ ما بهِنَّ أماني
إذا خَفَقَ البَرْقُ اليماني بأُفْقِكمْ ... أُقابلُ ذاك الخَفْقَ بالخَفَقانِ
وإن هَمَلتْ مُزنُ السّحابِ بأرضِكمْ ... يُغالبُها دمعي على الهَمَلانِ
رعَى اللهُ جِيرانَ العُذَيبِ وأهلَهُ ... وإن أَتْرَعُوني من هوًى وهَوانِ
همُ وَعَدوا بالغَوْر، ثم تَراوَغوا ... وهمْ عنفوا بالنّعفِ من بدلانِ
وصَدّوا على صدِّي وبالخَيْفِ خَوّفوا ... وبانوا بذاتِ البَيْنِ صوبَ أبانِ
لئن حُجِبوا عن ناظري فكأنّهمْ ... لقلبي يَراهم فيه رأيَ عِيانِ
стр. 2267
وإن عَمِيَت أنباؤهمْ حيث يَمَّموا ... فسرِّيَ يرعاهمْ بكلِّ مكانِ
وعنديَ ما لا يُمكنُ اللفظُ شَرْحَهُ ... وإن كنتُ معزوًّا لفضل بيانِ
أورِّي بسَلعٍ والعُذَيْبِ وحاجرٍ ... وتلك مغَانٍ ما لهُنَّ معانِ (١)
أليس قبيحًا من نفوس نفائسٍ ... بأيدي الغواني المُصْبِياتِ عَوانِ؟
وأذكُرُ سُكّان العُذَيبِ تستُّرًا ... وما ذكْرُ سُكّانِ العُذيْبِ بشانِ
[ولكنْ بقلبي] مَن هو القلبُ كلُّهُ ... ومَن ذِكْرُه في خاطري ولساني
[حبيبٌ إذا] لاحظتُ لم أرَ غيرَهُ ... على أنه إذ لا أراه يَراني
[وإنّي] لأستحييهِ أن أشكوَ الهوى ... ومالي بما حُمِّلتُ منه يَدانِ
[فمن فضلِه] وَجْدي به وتوَلُّهي ... ومن جُودِه ما أشتكي وأُعاني
فُطِرتُ على حبِّي له وكأنّما ... بَراني لمعنى الحبِّ حين بَراني (٢)
مولدُه إمّا في آخِر اثنتينِ وإمّا في أولِ ثلاثٍ وثمانينَ وخمس مئةٍ [بسَبْتة] وتوفِّي بها صَبيحةَ يوم السّبت لثلاثٍ بقِينَ من رجَبِ إحدى وستينَ وست مئة، ودُفن ضُحى يوم الأحد بعدَه.
٨٩ - محمدُ بن الحَسَن الخَزْرَجيُّ، أبو عبد الله .
قَدِمَ الأندَلُسَ طالبًا العلمَ، فروَى بإشبيلِيَةَ عن أبي بكرٍ ابن العَرَبيّ، وأبي الحَسَن شُرَيْح.
стр. 2268
٩٠ - محمدُ (١) بن حَسُّون المغربيُّ، فاسيٌّ أو ممّا يُصاقِبُها، أبو عبد الله.
أخَذَ عن أبي بكر بن عُثمانَ (٢) وطائفةٍ من أصحابِ أبي الحَسَن اللَّمَطيّ (٣). وبسَبْتة عن أبي عبدِ الله بن عيسى (٤)، وبإشبيلِيَةَ عن أبي عبد الله بن يحيى، وبقُرطُبةَ عن أبي الوليد بن رُشْدٍ الكبير.
رَوى عنه أبو العبّاس ابنُ الصَّقْر، وقال: كان الفقهُ بضاعتَه، ولم يكنْ في عصرِه أحفظَ منه لمسائلِ الفقه ولا أوقَفَ منه على مَناقلِ الأحكام، معَ صِيانةٍ وخيرٍ ودِينٍ مَتِين.
٩١ - محمدُ (٥) بن حُسَين بن عبد الله ابن حَبُوس، فاسيٌّ أبو عبد الله.
وحَبُوسٌ: مَوْلى بني أبي العافية الذين مَلَكوا المغرِبَ الأقصى أيامَ بني أُميّةَ الأندَلُسيِّينَ فمَن بعدَهم، وأصلُهم من بني مقدول من تسولَ: إحدى القبائل اللائي بجهة تازَةَ، وكانت موضِعَ بني العافية وحاضِرة سُلطانِهم إلى أيام يوسُفَ ابن تاشَفِين، فانتقَضَ مُلكُهم، وانتَثَر سِلكُهم، وذهبت أيامُهم، وتلك عادةُ الله وسُنّتُه في الذين خَلَوْا من قبل، ولن تجدَ لسُنّة الله تبديلًا (٦).
стр. 2269
رَوى أبو عبد الله عن أبي بكرٍ الأبيض (١)، رَوى عنه أبوا محمد: ابنُ محمد التادَليُّ (٢) وعبدُ العزيز بن عليّ بن زيدانَ (٣).
وكان شاعرًا مُفلِقًا من جِلّة فُحول الشّعراء، متفنِّنًا في معارفَ سوى ذلك من كلام ونحوٍ ولُغة. وُلد بفاسَ ونشَأَ بها، وتأدَّبَ بالعلماءِ من أهلِها والطارئينَ عليها، وقال الشّعرَ في صِباه، ثم رَحَلَ إلى تِلِمْسينَ فأقام بها يسيرًا، ثم رَحَلَ إلى مَرّاكُش فأقام بها قليلًا، ثم قَدِمَ الأندَلُسَ فتردَّد في بعض بلادِها معظمَ عصرِ شبيبتِه إلى أن ظَهَرَ أمرُ عبد المؤمن بالعُدْوةِ واستَوْلى على مَرّاكُش، فسار إليها واستَوطنَها متنقِّلًا بانتقالِ عبد المؤمن يصحَبُ رِكابَه ويسيرُ معَه في حركاتِه، [وبعدَ] انصرافِ عبد المؤمن من فتح المَهْديّة سنةَ أربع وخمسينَ وخمس مئة، [فارقَه و] عادَ إلى فاسَ فاستَوطنَها، وله في عبد المؤمن وبنيهِ أمداحٌ رائقة، [ومنها في] عبد المؤمنِ وقد حَلَّ برِباط الفَتْح من قصيدة [من الطويل]:
ألا أيُّهذا البحرُ جاوَرَكَ البحرُ ... وخيَّم في أرجائكَ النفْعُ والضُرُّ
وجاشَ على أمواجِك الحِلمُ والحِجا ... وفاضَ على أعطافِك الإمرُ والأمرُ
وسال عليك البرُّ خيلًا كُماتُها ... إذا حاولَتْ غزوًا فقد وجَبَ النّصرُ
وليس اشتراكُ اللفظِ يوجبُ مِدحةً ... ولكنّه إن وافَقَ الخَبَرَ الخُبرُ
فما لكَ من وصفٍ تُشاركُهُ بهِ ... سوى خُدَع في النّطق زخرفها الشعرُ
وما لك من معنًى يُشيرُ إلى التي ... تَفُوهُ به إلا السّلاطةُ والغَدْرُ
стр. 2270
فأنت خديمُ البدر والشمس عَنْوةً ... وتَخدُمُه في أمرِه الشمسُ والبدرُ
ويَحويكَ شطرُ الأرض تَعمُرُ بعضَهُ ... وفي صدرِه الأفلاكُ والبحرُ والبَرُّ (١)
ومن هذه القصيدة:
هنيئًا لأهل الغَرْب إن حَلَّها (٢) امرُؤٌ ... به تَصلُحُ الأيامُ إن فَسَدَ الدهرُ
وبُشرى لهذا السّيفِ ماءٌ يحُدُّهُ (٣) ... لقد بَهَرتْ فيه السماحةُ والبِشرُ
ومنها (٤):
بنَى فَرْضةً (٥) أُمَّ البلادِ، فكلُّها ... يَسُحُّ عليها (٦) من مَراضِعِها دُرُّ
تكنَّفَها الماءانِ من كلِّ جانبٍ ... نقيضانِ ذا حلوُ المذاقِ وذا مُرُّ
فهذا عليهِ المَدُّ والجَزْرُ دائبًا ... وذلك لا مَدٌّ عليه ولا جَزْرُ
ومنها:
غَدَتْ نقطةً في ضِمن دائرةِ الدُّنا ... فلا أُفُقٌ يَنْأَى عليها ولا قَطْرُ
فمن حيثُ ما رُمتَ الجوانبَ نِلتَها ... بيُسرٍ ولا كدٌّ عليك ولا عُسرُ
стр. 2271
كذلك (١) أعماقُ الجُسوم وطولُها ... وإن بَعِدت يعني بأمدادِها السِّحرُ
يفوحُ ترابُ الأرضِ من طِيبِ نَشْرِهِ ... ففي معطِس (٢) الأيام من طِيْبه نَشْرُ
[ويغدو الثَّرى تِبرًا] بمَوْطِئ رجلِهِ ... وتحسُدُه فيه الفراقدُ والنَّسرُ
[ولا تَحسُدُ الأيامُ] فيه ولا كما ... تَنافَسَ شهرَ الصَّوم كَرَمٌ والفِطرُ (٣)
[وكلُّ شهورِ العام] من جُلِّ همِّها ... إذا احتَلَّ شهرًا أنه ذلك الشهرُ
ومن شعره في التوحيد، والزُّهد، والتمسُّك بالسُّنّة [من الكامل]:
[أقصِرْ] ظِماءك (٤) في شريعةِ أحمدِ ... تُسقَى إذا ما شئتَ غيرَ مُصرَّدِ
[وتوَخَّ] أعطانَ الدِّيانة علَّها ... تُدنيكَ من حَوْض النبيِّ محمدِ (٥)
[لُذْ] بالنُّبوةِ واقتبِسْ من نُورِها ... واسلُكْ على نهج الهدايةِ تهتدِ
وإذا رأيتَ الصادرينَ عشيَّةً ... عن مَنْهَل الدِّين الحنيفِ فأورِدِ
الدِّينُ دينُ الله لم يعبَأْ بمُبـ ... ـتَدِعٍ ولم يحفِلْ بضِلّةِ مُلحِدِ
قالوا: بنورِ العقل يُدرَكُ ما ورا ... ءَ الغيبِ، قلتُ: قَدِي من الدعوى قدِ
بالشّرع يُدرَكُ كلُّ شيءٍ غائبٍ ... والعقلُ يُنكرُ كلَّ ما لم يَشهَدِ
стр. 2272
من لم يُحِطْ علمًا بغايةِ نفسِهِ ... وهي القريبةُ، من لهُ بالأبعدِ؟
ولقد نَرى الفَلَكَ المُحيطَ وعلمُ ما ... في ضمنِه أعيى على المترصِّدِ
سَعدُ المجَرّةِ بالكواكب دائمٌ ... في زَعْمِهمْ وقسيمُها لم يَسعَدِ
من خَصَّ بالسُّفليِّ جِرْمَ البدرِ أم ... من خصَّ بالعُلْويِّ جِرمَ الفَرقَدِ
ما شاهقُ الطَّودِ المُنيفِ وإن علا ... إلا بمنزلةِ الحَضيضِ الأوهدِ
وجَوازُ عكسِ الأمرِ في ذا واضحٌ ... للعقلِ فازدَدْ من يقينِك تَرشُدِ
ذاك اختصاصٌ ليس يَعلَمُ كُنهَهُ ... من ليس يوصَفُ بالبقاءِ السَّرمَدي
خَفْضٌ عليك أبا فلانٍ إنّها ... نُوَبٌ تُطالعُنا تَروحُ وتغتدي
سالتْ علينا للشُّكوكِ جَداولٌ ... بعدَ اليقين بها ولمّا تنفَدِ
وتبَّعقت (١) بالكُفر فينا ألسُنٌ ... لا يَفقِدُ التضليلَ من لم تَفقِدِ
أعداؤنا في ربِّنا أحبابُنا ... جرحوا القلوبَ وأقبلوا في العُوَّدِ
كُشِف القِناعُ فلا هَوادةَ بينَنا ... حتى نُغادرَهمْ وراء المُسندِ
ستنالُهمْ منّا الغَداةَ قَوارعٌ ... إن لم تَغُلْهم غولُها فكأنْ قدِ
وتَصوبُ فيهمْ سُحْبُنا بصواعقٍ ... تلك التي جَلَبتْ منيّةَ أربَدِ (٢)
من كان يَضرِبُهم بسيفٍ واحدٍ ... فأنا أضاربُ [....]
ولعَمْرُ غيرِهمُ وتلك أَلِيّةٌ ... إنّ الحِمَام لجَمْعِهم بالمرصَدِ
قالوا: الفلاسفُ، قلتُ: تلك عصابة ... جاءت من الدّعوى [بما لم يُعهَدِ]
стр. 2273
خدَعَتْ بألفاظٍ تَرُوقُ لطافةً ... فإذا طلبتَ حقيقةً لم توجَدِ
ذو علمِهم لو كان شاهَدَ علمَنا ... ورأى جَهابذةَ الكلام ....
لَعَراهُ من حَسْرٍ (١) هناك تلألؤٌ ... وأقام بينَ تحيُّرٍ وتبلُّدِ
أسفي ولو أنّي نُصِرتُ عليهمُ ... لثَلَمْتُ في المُهجاتِ كلَّ مُهنَّدِ
يُلغَى كتابُ الله بينَ ظهورِهم ... وجميعُ مسنونِ النبيِّ محمدِ
يا قاتَلَ اللهُ الجهالةَ إنها ... وَرَقٌ لأغصانِ الشبابِ الأملدِ
ومنهُ في الوصايا والأمثالِ وذمِّ الزّمان [من المتقارب]:
ردِ الطُّرْقَ (٢) حتى توافي النَّميرا ... فرُبَّ عسيرٍ أتاح اليسيرا
وأَرسِلْ قَلُوصَكَ طَوْرًا شمالًا ... وطَوْرًا جنوبًا وطَوْرًا دَبُورا
وشُنَّ على غازياتِ البلادِ ... من النصِّ والذّمل جيشًا مُغيرا
وفِرْ ماءَ وجهِك (٣) حتى تَجِمَّ ... وأطفِ السمومَ به والهَجِيرا
وطِرْ حين أنت قويُّ الجَنا ... حِ لا عُذرَ عندَك أن لا تَطيرا
ولا تقَعَنَّ وأنت السليـ ... ـمُ حيث يُضاهي المَهِيضُ الكسيرا
فأمُّ الترحُّل تُدعَى وَلُودًا ... وأُمُّ الإقامة تُدعى نَزُورا
وذو العَجْز يرضَعُ ثديًا جَدودًا ... وذو العَزْم يرضَعُ ثديًا دَرورا
يعِزُّ على النَّبْل أنّي غَدَوْتُ ... أُكَنَّى أديبًا وأُسْمَى فقيرا
وأنّيَ ثُبْتُ لكفِّ الزمانِ ... يُعرِّقُ عظميَ عَرْقًا مُبِيرا
стр. 2274
وما ذاك أنّيَ هَيّابةٌ ... أخافُ الرحيلَ وأشنَا المَسيرا
ولكنْ بحُكم زمانٍ غدا ... يَحُطُّ الجِيادَ ويُسْمي الحَميرا
قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: أغفَلَ من بيت: (وأرسِلْ قَلُوصَك) ناحيةَ الشّرق وهي فُضلاها، فبانَ بذلك نَقْصُه، وأرى أنه لو قال في بيتين [من المتقارب]:
وأرسِلْ قَلُوصَكَ طُولًا وعرضًا ... دُجًى أو ضياءً سُرًى أو مَسِيرا
[فطَوْرًا شَمالًا وطَوْرًا صَباءً] ... وطَوْرًا جَنوبًا وطَوْرًا دَبُورا
[لَجمَعَ بين] الجهاتِ الأربع، ولكان أتَمَّ، فتأمَّلْه، واللهُ الموفِّق.
وفي الاعتبار [من السريع]:
للمرءِ في حِمامِهِ عِبرةٌ ... وإنّما يَعتبرُ العاقلُ
يَذكُرُ بالكونَيْنِ من جنّةٍ ... ومن جحيم ذكْرُها هائلُ
وإنّما يَعرِضُ أُنموذَجًا ... من ذا وذا لو نَبِهَ الغافلُ
نعيمُهُ فيه الشقاءُ الذي ... يُشفِقُ منه العالِمُ العاملُ
تكادُ نفْسُ المرءِ من حَرِّه ... تَزولُ لولا أنه زائلُ
ياصاحبي والجِدُّ لي شيمةٌ ... وليس من أصحابي الهازلُ
نحن طلْبانِ فبادِرْ بنا ... من قبلِ أن يَقنُصَنا الحابلُ
بحرٌ سَلِمنا منه في ساحلٍ ... فما تَرى إن غُمِرَ الساحلُ
في حيث لا تُنجي الفتى حيلةٌ ... سواءٌ الفارسُ والراجلُ
وشعرُه كثير، وقد جَمَعَ له بعضُ أصحابِه المختصّينَ به ما عَلِقَ بحفظِه منه أو أحضَره ذكْرُه، أو أسْأرتْه عَوادي التنقُّل والاضطراب إلى آخِر ربيعَيْ ستّينَ
стр. 2275
وخمس مئة، فناهَزَ ذلك ستةَ آلافِ بيت وخمسَ مئةِ بيت، وقد وقَفْتُ منه على مجلّد متوسِّط (١).
وُلد سنةَ خمس مئة، وتوفِّي سنةَ سبعينَ وخمس مئة.
٩٢ - محمدُ (٢) بن حَمّاد العَجْلانيُّ، فاسيٌّ، أبو عبد الله.
رَوى عن أبي ذَرّ الخُشَنيّ والقاضي أبي عبد الله ابن الصَّيْقَل واختَصَّ به وكتَبَ عنه، وكان من العلماءِ بالحديث والعنايةِ التامّة بروايتِه وسَماعِه، من أبدع الناس حُسْنَ صوتٍ وطِيبَ نَغَمة، وهو كان المعيَّنَ لقراءة الحديث بين أيدي الأمراءِ والسّلاطين (٣)، ودخَلَ الأندَلُسَ غازيًا فاستُشهدَ بإصابة سَهْم قضَى عليه في وَقيعة العُقَاب يومَ الاثنين منتصَفَ صَفَرِ تسع وست مئة (٤).
٩٣ - محمدُ (٥) بن خَيْر بن عُمرَ بن خليفةَ مولى إبراهيمَ بن محمد بن يَغْمور اللَّمْتُونيُّ -وكان يَكتُبُ في نَسَبه: الأمَوي، بفتح الهمزة- فاسيُّ المولدِ والنَّشأة، استَوطنَ إشبيليَةَ وغيرَها من الأندَلُس، أبو بكر، ابنُ خَيْر.
стр. 2276
رَوى عن أبوَيْ إسحاق: ابن حُبَيْش وابن فَرقَد، وأبوَي الأصبَغ العيسَيَيْن: ابن أبي البَحْر وابن زروال، وآباءِ بكر: البِرْزاليِّ وابن رِزق وابن طاهر المحدِّث وعبد العزيز بن يدير وابن العَرَبيّ وابن فَنْدَلةَ وابن مُحرِز وابن المُرْخِي وابن المِلْح وموسى بن سيِّد، وأبي جعفرٍ ابن المُرْخي، وأبي الحَجّاج الأُنْديِّ القَفّال، وآبا [ءِ الحَسَن: شُرَيْح] , ولازَمَه إلى حين وفاتِه وعليه عَوَّل في القراءات؛ وعبدِ الرحيم بن [قاسم] وعَبّاد بن سِرْحان وابن محمد بن لُبّ، وعيسى بن هَيْبةَ ومحمد بن الطُّفَيْل [وابن الصَّفّار] يونُسَ بن مُغيث، وأبوَي الحُسَين: سُليمانَ بن أبي زَيْد وعبدِ الملِك ابن الطّلّاء، وأبوي [حَفْص: ابن إسماعيلَ] وابن عَبّاد، وأبي داودَ بن يحيى المَعافِريِّ، وآباءِ عبد الله: ابن الأحمر وابن الحاجِّ مكِّي وابن صَالح وابن عبد الرّزاق وابن مَعْمَر وابن المُناصِف وابن نَجاح وابن [أبي] الخِصَال وابن أُختِ غانم، وآباءِ العبّاس: ابن حَرْب وابن زَرْقون وابن العَريف [....] وأبوي الفَضْل: حَفيدِ الأعلم وعِيَاض، وآباءِ القاسم: الأشْبُونيِّ وابن بَشْكُوال و [ابن الرَّمّاك] وابن رِضا والقَنْطَريِّ وابن المِلْح، وآباءِ محمد: شُعَيْب بن عيسى الأشجَعيِّ وابن مَوْجُوال وعبد الحقّ بن عَطيّة والكبتوريِّ وعبد الحقِّ بن المِلح، وآباءِ مَرْوان: الباجِيِّ وابن محمد المليلة وابن مسَرّة وأبي الوليد حَجّاج، قرَأَ عليهم وسمع.
وناوَلَه أبو بكر بنُ زَيْدانَ وأجاز له. وصَحِبَ أبا جعفرٍ البِطرَوْجيَّ، وأبا العبّاس بنَ محمد بن خاطِب، وجالسَ أبا محمد المُرْسيَّ، وأجازوا له.
وقرأ على أبي جعفرٍ ابن زَيْدون -وصَحِبَه كثيرًا- وأبي عبد الله ابن المُجاهد، وأبي القاسم ابن الرَّمّاك، وأبي الوليد هارونَ بن أبي الغَيْث، ولم يَذكُرْ أنهم أجازوا له.
стр. 2277
ولقِيَ أبا القاسم بنَ فَرتُونَ وساءلهُ وأجازَ له لفظًا، ولقِيَ أبا الحَسَن محمدَ بن خَلَف اللَّبْليَّ، وأبا عبد الله ابنَ الحَمْزيّ، وأبا عَمْرٍو الخَضِرَ بن عبد الرّحمن، وأبا عَمْرو القاسمَ الزَّنْجانيَّ، وابن وَرْد، وأبا مَرْوان بن قُزْمان؛ ولم يقرَأْ عليهم ولا سَمِع، وأجازوا له.
وكتَبَ إليه مجُيزًا ولم يلقَهُ من الأندَلُسيِّينَ: أبو بحرٍ الأسَديُّ، وأبَوا بكر: ابنُ الخَلُوف وابنُ عامر العامِريُّ، وآباءُ الحَسَن: طارقُ بن موسى المَخْزوميُّ وعبدُ الجليل والأطريُّ وابن اللَّوّان والمالطيُّ نزيلُ المَرِيّة وابن مَوْهَب وابن نافع وابن هُذَيْل، وأبو الحَكَم بن غَشِلْيان، وأبَوا عبد الله: ابن وَضّاح وابن أبي أحَدَ عشَر، وأبو القاسم خَلَفُ بن الرُّويُّه (١)، وفَضْلُ الله ابن اللَّجّام، وآباءُ محمد: خليلٌ والرُّشَاطيُّ، وابنُ عَتّاب، وأبو المطرِّف ابنُ الوَرّاق، وآباءُ الوليد: ابن بَقْوِي وابن رُشْد وابن طَرِيف. ومن المَشْرقيِّين: أبو الطاهر السِّلَفيُّ، وأبو عبد الله المازَريُّ نزيلُ المَهْديّة.
وشيوخُه يُنيفونَ على مئة ضمَّن ذكْرَهم وما رَوى عنهم بَرنامَجًا حافلًا مفيدًا نبيلًا (٢). وقال جابرُ بن أحمد القُرَشيُّ (٣): [كتَبَ إليّ -يعني ابنَ خَيْر-] يُخبِرُني أنّ فِهرِستَه عشَرةُ أجزاء، كلُّ جُزء منها ثلاثونَ [ورقة].
قال المصنِّفُ عَفا اللهُ عنه: قد وقَفْتُ على أكثره، ومما وقفتُ [عليه: اختصارُه في] ذكْر الشّيوخ الذين رَوى عنهم وتواريخِهم وتسميةُ ما أخَذَ [عنهم، يقَعُ في سِفْرٍ] لطيفٍ هو مقدارُ ثُلُث البرنامَج، وقد استمدَدتُ منه ما اشتَملَ عليه [من الفوائد]
стр. 2278
لهذا المجموع، وكذلك وقَفْتُ على أسانيدِه في القراءاتِ متواترها وشاذِّها بخطِّه، في مجلَّدٍ لطيف أيضًا، وهو خارجٌ عن البرنامج.
رَوى عنه ابنُ أُختِه أبو الحُسَين ابنُ السَّرّاج (١)، وهو آخِرُ الرواةِ عنه وفاةً؛ وأبو إسحاقَ بن عليّ الزَّواليُّ، وأبو أُميّةَ بن عُفَيْر، وأبو البقاءِ يَعِيشُ، وآباءُ بكر: بنو الأحامد: ابنُ الصَّيْقَل وابن السّرو وابنُ كَبير وابن إسماعيلَ المَنِيشي، وابن عبد الله بن أبي زَمَنين وابن عبد الرّحمن بن جُمهُور، واليَحْيَيانِ: ابن أحمد الهَوّاري وابن محمد الهَوْزَنيُّ، وأبَوا جعفر: ابن سَلَمةَ وابن محمد ابن الأصلع، وآباءُ الحَجّاج: ابن أحمدَ بن عبد الغنيّ وابن حُسَين بن عُمَر وابن عليّ الجميميُّ وابن محمد بن رجلون، وآباءُ الحَسَن: ابن أحمدَ الشَّرِيشيّ وابن حَمّاد وابن عَتِيق بن مؤمن، وبنو المحمّدِينَ: البَلَويُّ وابن ثابتٍ البَهْرانيُّ وابن خَرُوف النَّحْويّ وابن خِيَار وابن هشام والفَهْميُّ ومُرَجَّى بن يونُس، وأبو الحُسين بن عَظِيمةَ، وأبَوا الخَطّاب: ابن الجُمَيِّل وابن واجِب، وأبو الخليل مُفرِّجُ بن حُسَين، وأبو زَيْد شُعَيْب بن إسماعيلَ بن سَكَن، وأبو عليّ الكفيفُ، وأبو سُليمانَ بن أحمدَ الغافقيُّ، وأبو الطاهرِ إسماعيلُ بن أبي الحُسَين التونُسيُّ، وأبوا طالب: عبدُ الجَبّار بن هارون وعَقِيل بن عَطِيّة، وآباءُ عبد الله بنو الأحامد: ابن عَيّاش وابنا عَبْدي الله: الأنْدَرْشيُّ والشَّوّاش، وابن إبراهيمَ ابن البَقّار؛ وابنا عَبْدي الرّحمن: ابنُ الرداد وابن عَزوز، وأبناءُ اليوسفِينَ: ابن الجَذع وابن عبد الله بن محمد بن عامورَ الباهِليُّ الفاسيّ وابنُ محمد بن خَلَف القُضَاعيُّ، وآباءُ العبّاس: ابنُ عبد الله بن سيِّد الناس وابن عليّ الفِهْريّ وابن محمد بن راتع، وآباءُ عليّ: الحَسَنانِ: ابن محمد البَطَلْيَوْسيُّ وابن موسى، وعُمرُ بن عبد المجيد الرُّنْديّ، وأبو عُمرَ أحمدُ بن محمد بن مَسْلَمةَ التُّجِيبيّ، وآباءُ القاسم: ابن البُستانيّ وابن بَقِيّ وعبدُ الرحمن بن محمد الأنصاريُّ وعبدُ الرحيم ابن المَلْجوم وابن
стр. 2279
عبد البَرّ القَرَمونيُّ وابنُ أبي هارونَ وعامر بن هشام، وآباءُ محمد: ابن أحمدَ بن نُعمان، وابن عُبَيد الله الباجيُّ وابن عيسى بن صَدقون [....] وابن عمّار، ومالكُ بن عُمر، وأبَوا نَصْر: الفَتْحان: ابن أحمدَ [الفِرْيانيُّ وابن الفَصّال] ويحيى بن يحيى الأنصاريُّ، وغيرُهم ممّن جَرى له ذكْرٌ في هذا [الكتاب ممّن هو على شَرْطِه] وسوى مَن حدّث عنه بالإجازة ممّن ذَكَرَ فيه أيضًا ممّن هو [على شرطِه وسواهم].
وكان من أئمّة المُقرئين المجوِّدين وجِلّة المحدِّثينَ المُسنِدين، ثقةً [فيما يَرويه] رِضًا مأمونًا متّسعَ الرّواية، أخَذَ عن النَّظِيرِ والكبير والصَّغير، حتى اجتَمعَ [له في القراءات] ما لم يجتمعْ لغيرِه من نُظرائه. وكان متفنّنًا في علوم اللّسان متقدِّمًا في [النَّحو واللُّغة] منها.
وكانت كُتُبُه وأصُولُه في غاية الصّحة ونهايةِ الإتقان لتهمُّمِه بمقابلتِها وعُكوفِه على تصحيحِها مؤيَّدًا على ذلك بحُسن الخطِّ وإتقانِ التقييدِ والضَّبط اللّذَيْن برَّزَ فيهما على متقدِّمي الأكابر من مشاهيرِ أهلِهما (١)، دَأَبَ على ذلك دهرَه وأنفَدَ (٢) فيه عمُرَه، وكتَبَ بخطِّه الكثيرَ ومتِّع بصحّةِ بصَره، فقد وقَفتُ في بعض ما كتَبَ -وهو قد جاوَزَ السبعينَ من عمُرِه بسنتينِ أو نحوِهما- على ما يُقضَى منه العَجَب، دقّةَ خَطّ وإدماجَ حروف معَ البيان، فكان في ذلك وحيدًا، وأثمرَ المُغالاةَ فيها بعدَ وفاتِه حتى تجووزَت في أثمانِها الغايةُ التي لا عهدَ بها، وتمادت رغبةُ الناس في اقتناءِ ما يوجَدُ بخطِّه أو بتصحيحِه ومُنافستهم فيه إلى الآنَ.
وعلى ذلك فقد وقَفتُ له على أوهامٍ مصدَرُها الغفلةُ التي يقتضيها النَّقصُ البَشَريّ، فالكمالُ لله وحدَه (٣).
стр. 2280
وكان حَسَنَ الخُلُق كريمَ الصُّحبة حميدَ العِشرة، يُثني عليه ويَعترِفُ بفضلِه في ذلك كلُّ مَن صاحبَه.
وسمِعتُ شيخَنا أبا عليّ الماقريَّ (١) يقولى: سمِعتُ أبا الخَطّاب بنَ واجِب يقولى: سمِعتُ أبا عبد الله بنَ حَمِيد يقول: سمِعتُ أبا الحَسَن بنَ مُغيث يقول: أبو بكر بن خَيْر، خيرٌ ابنُ خير، وذلك في حَداثتِه وحين قراءتِه عليه، فكان أبو الخَطّاب يقول: فكيف لو رآه حينَ رأيناه؟!
وَلِيَ الصّلاةَ بجامع قُرطُبةَ الأعظم سنةَ ثلاثٍ وسبعينَ وخمس مئة برغبةِ واليها حينَئذٍ، واتّصلتْ إمامتُه به إلى أن توفِّي سَحَرَ ليلةِ الأربعاء الرابعةِ من ربيع الأول سنةَ خمسٍ وسبعينَ وخمس مئة ودُفن بإزاءِ الدار التي أُنزِل فيها ثُم نُقِل إلى إشبيلِيَةَ فدُفن بمقبُرة مُشكةَ (٢) منها، هذا أصحُّ ما قيل في وفاتِه، وكانت جَنازتُه مشهودةً لم يتَخلّفْ عنها كبيرُ أحد، وحضَرَها الوالي حينَئذٍ أبو عليّ الحَسَن بن عبدِ المؤمن (٣) وأُتبعَ ثناءً [جميلًا] وذِكْرًا صالحًا.
ومولدُه بفاسَ ليلةَ الأحد الثامنةَ والعشرينَ من رمضانِ [سنةِ اثنتينِ وخمس مئة، كذا قال لمّا] سألهُ أبو القاسم ابنُ الملجوم عنه.
٩٤ - محمدُ بن ذِمَام (٤) بن المُعتزِّ [الصُّنْهاجيُّ] , أبو عبد الله.
رَوى عن أبي عليّ ابن سُكّرة (٥).