وعليَّ بن صَمْدونَ بن فاضل الصُّوريَّ أبا الحَسَن، وعليَّ بن سَعْدٍ الهَمْذانيَّ، وعُمرَ بن عليّ ... بن يحيى بن عبد الله الشَّهْرَزُوريَّ، وأبا القاسم بن ... وأبوَيْ عبد الله: ابن إبراهيمَ ابن الفَخّار ومحمدَ بن محمودِ بن عليّ الهَمَدانيَّ، وأبا الحَرَم مكيَّ بن أبي الطاهر بن [أبي العز بن حَمْدون الطِّيبي] (١)، وأجازوا له.
وكتَبَ إليه مُجيزًا ولم يلقَهُ من أهل الأندَلُس: أبو ... ، ومن دِمياطَ: أبو إسحاقَ إبراهيمُ بن عُمرَ بن عليّ بن سَمَاقا الإسعردي (٢) [ومن دمشقَ]: أبو العبّاس (٣) أحمدُ ابن حمزةَ بن عليّ بن الحَسَن بن عبد الله بن العبّاس السُّلَميُّ [ابن الموازيني] , وأبو الطاهر إسماعيلُ بن عليّ ابن الجَزِيريّ، وبَرَكاتُ بن إبراهيمَ بن بَركاتٍ [الخُشُوعيُّ] , والحَسَن بن هبةِ الله بن محفوظٍ الرَّبَعيُّ، وعبدا الرحمن: ابنُ الحُسَين بن [الخَضِر] (٤) بن عَبْدان (٥) الأَزْديُّ، وابن عليّ بن المُسَلَّم بن الحَسَن ابن أحمدَ الخِرَقيُّ، وأبو الحَسَن بن حمزةَ بن عليّ الشافعيُّ، وأبو محمدٍ القاسمُ بن عليّ ابن عساكر. وقد ضمَّن ذكْرَهم بَرنامَجًا حافلًا سمّاه بـ"النّجوم المُشرقة في ذكْرِ من أخَذْنا عنه من كلِّ ثَبْتٍ وثقة" واختَصَر منه مجلدًا لطيفًا وقَفْتُ عليه بخطِّه.
стр. 2347
رَوى عنه أبو الحَسَن عليُّ بن الحَسَن بن يوسُف الشَّلْطيشيُّ، وأبو عبد الله ابن حَسَن التُّجِيبيُّ ابن مجبر، وأبو العبّاس بنُ أبي الرّبيع بن ناهِض، وقد أخَذَ عنه بالإسكندَريّة أبو مروانَ عبدُ الملِك بن أبي القاسم التّوْزَريُّ ابن الكَرْدَبُوس (١)، وهو في عِدادِ أصحابِه ومنهم.
وكان محدِّثًا حافظًا ذاكرًا للحديث ورجالِه وتواريِخهم وطبقاتِهم، ولم يكن في ضبطِه بذلك، وحدَّث بالمشرِق والمغرب.
ومن مصنَّفاتِه: كتابُ "المستفاد، في مناقبِ العباد، بمدينةِ فاسَ وما يَليها من البلاد" (٢)، سِفران، و"أدبُ المُريدِ السالك والطريقُ إلى الواحدِ المالك"، ورسالةُ "البُرهان في ذكْرِ حَنينِ النّفوسِ إلى الأحبةِ والأوطان"، و"اللُّمعة، في ذكْرِ أزواج النبيِّ ﷺ وأولادِه [السّبعة] "، و"الإنابة في ذكْرِ طريق أهل الاستجابة"، في جُزأين، و"الإيضاح عن طريق أهل الصّلاح"، و"كشْفُ أحوالِ المفتونين عن الدّنيا بالدِّين"، و"بُستانُ العابِدين ورَيْحانُ العارِفين في ذكْرِ أهل الصَّفوة والانقطاع إلى الله بالخَلْوة"، و"التعزية في المصائب والمرزية"، و"الأغذية ممّا جاء في الحديث"، و"تُحفةُ الطالب ومُنيةُ الراغب في الأَحاديثِ النبوية العَلِيّة السَّنِيّة"، و"المنتقَى من بَهْجة المجالس"، و"زادُ الحاجّ في مناسِك الحج"، و"الأربعونَ حديثًا"، إلى غير ذلك.
قال ابنُ الأبّار: بَلَغَني أنه دَخلَ الأندَلُسَ [وتوفِّي ببلدِه آخِرَ سنة ثلاثٍ] أو أوَل أربع وست مئة.
стр. 2348
١٣٨ - محمدُ (١) بن قاسم بن مَنْداس [جزائريٌّ، جزائرَ] بني زغنا، أشِيريُّ الأصل والسَّلَف، أبو عبد الله ابن مَنْداس.
[أخَذَ العربيّة] عن نَزيلِها أبي موسى القُزُوليِّ، واختَصَّ به وصحِبَه إلى الأندَلُس، [وقد أكثَرَ من] الأخْذِ عنه والاستفادةِ منه، ثم تحوَّل إلى مَرّاكُش، ورَوى [بمالَقةَ عن] ابن الشّيخ، وأبي عبد الله محمد بن حَسَن الأنصاريِّ، وبقابِسَ [عن أبي القاسم ابن مجكانَ] آخِرِ الرُّواةِ عن أبي عبد الله المازَريّ، وسَمع أيضًا من أبوَي الحَسَن: ابن مؤمن، ونَجَبةَ، وأبي ذَرٍّ الخُشَنيّ، وأبي الصَّبر الفِهْريِّ، وأبي محمد بن عُبَيد الله، وحدّث بالإجازةِ العامة عن أبي الطاهر السِّلَفيِّ.
رَوى عنه أبو محمد بنُ محمد بن عُبَادة، وحدّث عنه بالإجازةِ أبو عبد الله ابنُ الأبار، والرئيسُ أبو القاسم العَزَفيُّ، وحدّثنا عنه مُكاتبةً.
وكان مُستبحِرًا في النّحوِ حافظًا لأقوالِ أهلِه، عُنيَ به كثيرًا، والتزَمَ تدريسَه ببلدِه الجزائرِ إلى غاية عمره.
وُلد بالجزائرِ مُستهَلَّ جُمادى الأولى سنةَ سبع وخمسينَ وخمس مئة، وتوفِّي بها في أوّل جُمُعةٍ من محرَّمِ ثلاثٍ، وقيل: خمسٍ، وأربعينَ وست مئة.
١٣٩ - محمدُ (٢) بن محمد بن عبد الله بن عيسى بن مَسْعود الكُتَاميُّ، تلمسينيٌّ، سَكَنَ سَبْتةَ، أبو عبد الله، ابنُ الخضار، أخو الأستاذ المُجوِّد أبي الحَسَن (٣).
стр. 2349
سَمِع بسَبْتةَ على الرئيس الفقيه أبي القاسم العَزَفيِّ سيرةَ رسُولِ الله ﷺ ، و"الدُّرَّ المنظَّم"، من تأليفِه، مرّات، وأجازَهما له. وأجاز له بها أبو العبّاس بن محمد المَوْرُوريُّ، وأبو عَمْرٍو عثمانُ بن محمد العَبْدَريُّ ابنُ الحاجّ، وسَمِع بها على أبي مَرْوانَ محمدِ بن أحمدَ الباجِيّ، وفي وِجهتِه صَحِبَه (١) إلى المشرِق (٢).
وبدمشقَ على أبي عبد الله محمد بن أبي جعفرٍ أحمدَ بن عليّ بن أبي بكر بن إسماعيلَ القُرطُبيِّ، وأبي العبّاس أحمدَ بن يوسُفَ ابن زِيري التِّلِمْسينيّ، وأبي عَمْرٍو عثمانَ بن عبد الرّحمن ابن الصَّلاح (٣)، وأبي نَصْر محمدِ بن هبة الله بن مَمِيل (٤). وناوَلَه بها أبو محمدٍ عبدُ الرّحمن بن أبي القاسم بن عبد الرّحمن بن عبد المُنعم، وأجازوا له، وأجاز له أبو الحَسَن بن أبي عبد الله بن أبي الحَسَن ابن المُقَيَّر، وأبو عبد الله بن يوسُف البِرْزَاليُّ، وعبدُ العزيز بن عثمانَ بن أبي طاهرٍ الإرْبِليُّ وعثمانُ بن عُمرَ المالِكيّ.
رَوى عنه غيرُ واحد من أصحابِنا. ولقِيتُه بسَبْتةَ وحاضَرتُه كثيرًا وبايَتُّه وشاهدتُ من ذكائه وحضورِ ذكرِه [ما يَقضي منه العجَب، وكان] تأريخيًّا حافظًا أكمَهَ، يخترقُ أزِقّةَ سَبْتةَ وربَضَها [دونَ اعتمادٍ على أحد، وسايرتُه] ببعضِ شوارعِها فربّما عَطَفَ بالترحُّم أو بالذِّكْر على زقاقٍ [أو مقبُرةٍ عند مُحاذاتِه إيّاهما] , وأُخبِرتُ عنه بعجائبَ أغربَ من هذا النوع (٥).
стр. 2350
مولدُه [بتلمسينَ يومَ الاثنين] منتصَفَ ذي قَعْدةِ تسعةٍ وست مئة، وتوفِّي بسَبْتةَ بعدَ صَلاةِ [.... يوم] السّبتِ آخِر أيام شوّالِ سبع وتسعينَ وست مئة (١).
١٤٠ - محمدُ (٢) بن محمد بن عبد [الرّحمن بن عبد الملِك] بن مُحارِب القَيسيُّ، إسكندَريٌّ مَغْرِبيُّ الأصل، أبو عبد الله.
رَوى [عن أبوَي الحَسَن]: ابن المُفضَّل وابن مُؤمن، وأبوَي الطاهر: السّلَفيِّ وابن عَوْف، وأبي عبد الله [ابن الحَضْرميّ] , وأبي القاسم بن مُوَقّى.
ودخَلَ الأندَلُسَ فروَى بغَرناطةَ عن أبي جعفر بن حَكَم، وأبي محمد بن عبد المُنعم ابن الفَرَس، وأبي الوليد ابن رُشْدٍ الصّغير وغيرِهم. وأجازَ له أبو محمد التادَليُّ، وله شيوخٌ غيرُ هؤلاء.
وقد تُكُلّم في دَعْواهُ الروايةَ عن السّلفيّ (٣)، ولا بُعدَ فيها عندي. ولقِيَ أبا العبّاس أحمدَ (٤) بن أبي بكر بن عيسى بن قُزْمانَ فأنشَدَه بعضَ شعرِ أَبيه.
وُلد سنةَ أربع وسبعينَ وخمس مئة، وتوفِّي سنةَ إحدى وأربعينَ وست مئة.
١٤١ - محمدُ بن محمد بن عيسى بن معَ النَّصْر (٥) المومنانيُّ، فاسيٌّ، أبو بكر.
وَلَدُ أبي عبد الله المذكور [قبلُ] , وقد تقَدَّم رفعُ نَسَبِه في رَسْم أَبيه (٦).
ذَكَرَ لي الخطيبُ الفاضلُ صاحبُنا أبو الحُسَين بن أبي القاسم عبد الرّحمن بن
стр. 2351
أبي عبد الله المزدغيُّ (١) أنه عَزَمَ وقتًا على التزوُّج، فارتادَ في بيوتِ أهل فاسَ، فأشار عليه أبو الحَسَن ابنُ زرنبق (٢) بابنةِ أبي بكرٍ هذا وقال: لا تعدِلْ عنها، فإنّها من أهل البيتِ النّبويِّ الكريم، فعَمِلَ على إشارتِه وتزوَّجها، فهي أُمُّ بنيهِ: أبي الفَضْل وغيرِه.
رَوى أبو بكرٍ عن أبيه، وأبي العبّاس النَّبَاتيِّ -لقِيَه بإشبيلِيَة- وأجازَ له أبو الرّبيع بنُ سالم.
لقِيتُه كثيرًا بفاسَ وجالستُه طويلًا، وخبِرتُ منه جَوْدةَ وسلامةَ باطن. وكان له تعلُّقٌ بطَرَفٍ من الرواية.
وُلد سنةَ ثلاثٍ وعشرينَ وست مئة.
١٤٢ - محمدُ (٣) بن محمد بن أبي بكرٍ الجُذَاميُّ، سَبْتيٌّ، أبو عبد الله، وهو سِبطُ أبي عَمْرٍو عثمانَ ابن الجُمَيِّل (٤).
رَوى عن أبي الخَطّاب (٥) عمّ أُمِّه، وأبي الحَجّاج بن نَمَويّ، وأبي الحَسَن
стр. 2352
ابن خَرُوف، وأبي الصّبرِ الفِهْريّ، وأبي عليّ الرُّنْديّ، وأبوَيْ محمد: ابن حَوْطِ الله وابن عُبَيد الله.
حدَّث عنه بالإجازة صاحبُنا أبو مَرْوانَ بن موسى ابن الكمال، وكان محدِّثًا وافرَ الحَظّ من معرفةِ أصُولِ الفقه والنّحو.
وتوفِّي بشَرِيش مُغرَّبًا عن وطنِه.
١٤٣ - محمدُ (١) بن موسى بن بَشِير بن جَنّادِ (٢) بن لَقِيط [الكِنَانيُّ الرّازيُّ] والدُ التأريخيِّ أبي بكرٍ أحمد (٣).
كان متفنِّنًا في العلم [متحدِّثًا] فصيحًا مُفوَّهًا بليغًا.
وَفَدَ مِرارًا من المشرِق على [الملوكِ من] بني مَرْوانَ بالأندَلُس تاجرًا، وهَلَك منصرَفَه من الوِفادة على [الأمير المنذِر في ربيعٍ] الآخِر سنةَ ثلاثٍ وسبعينَ ومئتين.
١٤٤ - محمدُ بن موسى الصُّنْهاجيُّ، [أبو] مَرْيَم .
رَوى عن أبي عليٍّ الصَّدَفيّ (٤).
١٤٥ - محمدُ بن مَيْمونِ بن ياسين [الصُّنْهاجيُّ اللَّمْتُونيُّ] , استَوْطنَ إشبيلِيَةَ، أبو عبد الله .
رَوى عن أبيه (٥)، وأبي محمدٍ عبد الحَقّ. رَوى عنه أبو بكر بنُ عبد العزيز السّلاقيّ.
стр. 2353
١٤٦ - محمدُ بن وارتدفي الصُّنهاجيُّ .
١٤٧ - محمدُ (١) بن [يحيى] بن إبراهيمَ الخَزْرَجيُّ، مِصْريٌّ، أبو القاسم، ابنُ الصَّوّاف، وأخو أبي الوفاء (٢).
رَوى عن أبي الطاهرِ السِّلَفيّ. حدَثنا عنه شيخُنا أبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ، لقِيَه بإشبيلِيَةَ.
وكان راوِيةً للآدابِ حاضرَ الذِّكْر لها، ممتِعَ المجالسة، ذا حَظّ من قَرْض الشّعر، قرأتُ على شيخِنا أبي الحَسَن الرُّعَيْنيِّ ونقَلتُ من خطِّه، أنشَدَني لنفسِه فيما ذَكَرَ -يعني أبا القاسم هذا- (لُزوميٌّ) [من الكامل]:
ومحاولٍ منّي خِضَابَ مَشِيبِهِ ... فلعلّ في أهل الشّبيبةِ يَحصُلُ
قلتُ: اكسُهُ بسَوادِ حظّيَ مرّةً ... ولك الضّمانُ بأنه لا يَنصُلُ
وكانت بينَه وبينَ أبي محمدٍ عبدِ الله بن عبد الحقّ قَرابة (٣). وتوفِّي في نحو العشرينَ وست مئة.
стр. 2354
١٤٨ - محمدُ بن يحيى بن داودَ التادَليُّ، مَرّاكُشيٌّ، أبو عبد الله (١).
أخَذَ النَّحو بالأندَلُس عن أبي عبد الله بن محمد بن أبي البقاء -وعليه معَوَّلُه- وبمَرّاكُشَ عن أبي موسى القُزُوليّ. رَوى عنه أبو الحَسَن طاهرُ بن عليّ.
وكان موصُوفا بالذكاءِ وثُقوب الذِّهن مبرِّزا في النَّحو متحقِّقًا به، درَّسه طويلًا بجزيرة شُقْر وغيرِها، واستُقضيَ.
١٤٩ - محمدُ بن يحيى، طَنْجيٌّ .
رَوى عن أبي عبد الله بن أحمدَ بن منظور.
١٥٠ - محمدُ (٢) بن يَخْلَفْتَن بن أحمدَ بن تنفليتَ الفازَازيُّ.
وهو أخو أبي زيدٍ (٣) وكبيرُه. رَوى عن أبيه، وأبي عبد الله التُّجِيبيِّ.
стр. 2355
وكان من بيتِ عِلم ونَباهة حافظًا للحديثِ يَستظهرُ حفظًا "صحيحَ البخاريِّ" أو مُعظمَه، ذا حظّ من الفقه، وتقَدُّم في معرفة الآدابِ وذكْرِ التواريخ واللّغات، كاتبًا بليغًا، شاعرًا مجُيدًا، بارعَ الخَطّ، وَقُورًا، كثيرَ التُّؤدة، حَسَنَ السَّمت، جميلَ [الهيئة ولمّا رآه] الناصرُ من بني عبد المؤمن في وَقارِه وتَؤُدتِه [أمَرَ بإعفائه] من الخِدمة بالكتابة وترفيعِه عنها وتخييرِه [القضاءَ في أيِّ] بلادِ الأندَلُس شاء، فاختار قُرطُبة، فاستُقضِيَ بها إلى أن [خَلَفَه] أبو القاسم ابنُ بَقِيّ، واستُقضيَ بمُرْسِيَةَ سنةَ ستَّ عشْرةَ وست مئة، كذا [وقَفْتُ عليه. وذكَرَه] أبو عبد الله ابنُ الأبّار، ولم يضبِطْه. ثم استُقضيَ بغَرْناطةَ [سنةَ سبعَ؟] عشْرةَ، ومنها كتَبَ إلى أبي العلاء ابن المنصُور جوابًا عن خطاب استدعاهُ به إلى قُرطُبةَ ليَستقضِيَه بها، فصادَفَ وصُولُ خِطابِه استصحابَ المطر وتعذُّرَ الخُفوف على أبي عبد الله بعيالِه وجُملتِه، وأدرَجَ في الجوابِ مُدرَجًا يبيِّنُ فيه عُذرَه بالمطر وفيه [من مخلع البسيط]:
شَوْقي إلى ذلك الجلالِ ... كما رَجَا البرءَ ذو اعتلالِ
وشامَ بَرْقًا حليفُ سُهدٍ ... وحام صَبٌّ على وِصالِ
وكيف لا والعلاءُ وقْفٌ ... ببابِكمْ والمقامُ عالي
لكنْ حَمَاني الرحيلَ نَوْءٌ ... بالَغَ في اللَّيِّ والمِطالِ
طبَّبتِ الأرضَ منهُ سُحْبٌ ... مُكلَّلاتٌ مثلَ الجبالِ
إنْ هاجَني للخفوفِ عَزْمٌ ... أرسى بأمطارِه الثِّقالِ
فليتَهُ مَنّ باحتمالي ... على رِياح له عِجالِ
فمِن قَبُولٍ إلى دَبُورٍ ... ومن جَنوبٍ إلى شمالِ
حتى أوافي جنابَ مَلْكٍ ... مباركِ الخَيْم والخِلالِ
ولأرى التاجَ زيَّ مَلْكٍ ... صيَّرَ تيجانَهُ المعالي
стр. 2356
يسبِقُ ميعادَهُ إلينا ... إذا نَواهُ بذْلُ النّوالِ
قُرطُبةُ منذُ حَلَّ فيها ... في خفضِ عيشٍ وأمن حالِ
قد أخَذتْ منه أيَّ عهدٍ ... بالأمنِ من حادثِ الليالي
هالاتُها حولَه استدارَتْ ... كالبدرِ في ليلةِ الكمالِ
ولمّا وقَفَ أبو العلاءِ على جوابِه والأبياتِ التي أودَعَها المُدرَج طيَّه أمَرَ أخاه أبا زَيْد، وكان أجلَّ كُتّابه، بإجابتِه عن كتابِه وعن أبياتِ المُدرَج، فقال جوابًا عن أبياتِ المُدرَج [من مخلع البسيط]:
لبَّيْكَ من مخُلصٍ مُوالِ ... مباركِ الخَيْم والخِلالِ
نادَيْتَ والملتقى بعيدٌ ... سمعًا للُقياكَ في احتفالِ
فبُحتَ شوقًا بذكرِ شَوْقٍ ... والجمرُ يَذْكو من الذُّبالِ
فارحَلْ كما تشتهي وتهوى ... عن اهتبالٍ إلى اهتبالِ
خَفِيَّ بَرٍّ شهِيَّ ذكْرِ ... خليَّ فكرٍ رخيَّ بالِ
تحت ظلالٍ بلا طلالٍ ... فوقَ دماثٍ بلا بلالِ
والأُفْقُ يَهفو له نسيمٌ ... يزِلُّ عن موطئ الزُّلالِ
وللمطايا حثيثُ سيرٍ ... كالسُّحْبِ في مِقوَدِ الشِّمالِ
تقصُرُ أيامها عليها ... فتَغنَمُ الطُّولَ في الليالي
يا مجُريًا في البيانِ طَرْفًا ... نائي المدى واسعَ المجالِ
وجهتَ قبلَ اللقاءِ طِرْسًا ... أشهى وصُولًا من الوِصالِ
حَلَّ محلَّ الرِّضا وجلّا ... بالدرِّ من سحرِه الحلالِ
واستوقَفَ الطَّرفَ إذ تَبَدَّى ... في الزَّهرِ والزُّهرِ واللآلي
стр. 2357
[لا] يَبرَحُ الحُسنُ عنه حتّى ... يبقى بديلًا من الخَبالِ
فمن شِمالٍ إلى يمينٍ ... ومن يمينٍ إلى شِمالِ
أَنْتَ لعَمْري الأثيرُ حقًّا ... بما تملَّكتَ من خِلالِ
وقد سَمِعنا ونحنُ نرجو ... رؤيةَ ما قيل بالكمالِ
فإنْ جرى فالجميلُ منكمْ ... وليس بالبدع صِدقُ بالِ
ثم قَدِمَ قُرطُبة واستُقضيَ بها إلى أن توفِّي أوّلَ انبعاثِ الفتنةَ سنةَ إحدى وعشرينَ وست مئة.
١٥١ - محمدُ (١) بن يَعْلَى (٢) بن محمد بن وَليدِ بن عُبَيد الله المَعافِريُّ، سَبْتيٌّ، أبو بكرٍ الجَوْزيُّ.
وهو خالُ القاضي أبي الفَضْل عِيَاض بن موسى. رَوى بسَبْتةَ عن أبي عليّ بن خالدٍ الكِنْديّ، وجالَ في طلبِ العلم بالأندَلُس وإفريقيّةَ.
مَولدُه بسَبْتةَ سنةَ ثمانٍ وعشرينَ وأربع مئة، وتوفِّي بها يومَ الجُمُعة لسبع بقِينَ من صَفَرِ ثلاثٍ وثمانينَ وأربع مئة.
١٥٢ - محمدُ بن يوسُفَ بن تاشَفينَ اللَّمْتُونيُّ (٣)، أبو عبد الله.
روى [...].
١٥٣ - محمدُ بن يوسُفَ بن عبد الله بن محمد بن عامُور، أبو عبد الله .
رَوى عن أبي إسحاقَ بن يوسُفَ بن قُرقُول، وأبي بكر بن ... ، وأبي عبد الله بن أحمدَ ابن المجاهد.
стр. 2358
١٥٤ - محمدُ (١) بن يوسُفَ بن عبد الله قَيْروانيٌّ، [أصلُه من وادي الحِجارة] انتَقلَ منها بعضُ سَلَفِه إلى إفريقيّة.
كانت له عنايةٌ بالعلم ومَيْلٌ [إلى التّدوين] وحِفظِ أيام الناس وأخبارِ الأُمم وتواريخ البُلدان.
ودخَلَ الأندَلُسَ [في دولة] الحَكَم المستنصِر بالله، وألَّفَ له في مسالكِ إفريقيّةَ وممالِكها ديوانًا ضَخْمًا، [وفي] أخبار ملوكِها وحروبِهم والقائمينَ عليهم كتبًا جَمّة، وفي أخبارِ تاهَرْتَ ووَهْرانَ وسجِلْماسةَ ونكورَ والبصرةِ وغيرِها كُتُبًا حِسَانًا. وحَظِيَ عندَ المستنصِر حُظوةَ تامة، وتوفِّي بقُرطُبةَ ودُفن بها.
١٥٥ - محمدُ (٢) بن يوسُف بن عِمرانَ المَزْدَنيُّ (٣)، فاسيٌّ، أبو عبد الله.
تَلا بالسَّبع على أبي عبد الله بن أحمدَ بن البُيوت، ورَوى الحديثَ واللّغةَ والآدابَ عن أبي ذَرّ بن أبي رُكَب، واختَصَّ به كثيرًا، وأبي مُحَمَّد عبدِ العزيز بن عليّ بن زيدان، وعلمَ الكلام وأصُولَ الفقه على أبي عبد الله بن عليّ ابن الكَتّانيّ، وتفَقّه بأبي القاسم بن زانيف.
ورَحَلَ إلى الأندَلُس طالبًا العِلمَ صُحبةَ أبيه في بعضِ تردُّدِه إليها تاجرًا، فرَوى بإشبيلِيَةَ وقُرطُبةَ وغيرهما عمّن أدرَكَه من شيوخِها (٤). رَوى عنه ابناه:
стр. 2359
أبو جعفرٍ (١)، وأبو القاسم عبدُ الرّحمن، وأبو الحَسَن بن محمد، وآباءُ عبد الله: ابنا عَبْدي الله: البَكْريُّ وابنُ الحاجِب، وابن عبد الرّحمن بن راشِد، وأبو محمد بن عبد الرّحمن العِراقيُّ.
وكان ماهرًا في علوم اللّسان، جامعًا لمعارفَ سُنِّيّة سَنِة، فاضلًا، نَزِهَ النَّفْس، سَرِيَّ الهمّة، موصوفًا بالإيثارِ وكرَم الطِّباع، ومتانةِ الدّين، وإجابةِ الدّعوة، ذا حَظّ صَالح من روايةِ الحديث، ضابطًا لِما يَرويه ثقةً فيما يحدِّثُ به، حَسَنَ الإيراد لكتابِ الله، طيِّبَ النغَمة به، قائمًا على تفسيرِه.
وله في التفسير كتاب حَفِيل مُفيد انتهَى فيه إلى سُورة الفتح (٢) واختُرِم دونَه، ومن مصنَّفاتِه سواه: "أنوارُ الأفهام في شَرْح الأحكام"، انتهى فيه إلى الأقضية، ومقالةٌ على حديثِ "إذا نزَلَ الوباءُ بأرض" ... الحديثَ. وأخرى "فيما يحقُّ للفقراءِ المضْطَرّين، في أموالِ الأغنياءِ المغتَرِّين" (٣) وعقيدةٌ مرَجَّزة (٤).
وكان (٥) له اعتناءٌ تامٌّ بكتاب "السِّيرة" (٦) جيِّدُ الكلام عليها. [أقرَأَ بفاسَ]
стр. 2360
وبسَبْتةَ حينَ أوْبِهِ إليها أيامَ المتأمِّر بها أبي العبّاس اليَنَشْتيِّ (١)، ووَليَ الخُطبةَ [والصّلاةَ] بجامع القَرَويِّينَ الأعظم بفاسَ (٢)، وكانت أولى صلاةٍ صلّاها [في يوم] الثلاثاءِ لأربعَ عشْرةَ ليلةً خَلَت من محرَّمِ ثلاث وخمسينَ [وست مئة، وأُخرى صلاةٍ] صلّاها عشاءَ ليلةِ وفاتِه وصَلّاها بـ (الضحى) و (ألم نشرَحْ)، وانصَرفَ إلى [دارِه] فتوفِّي فُجاءةً، ﵀، الأحدَ الرابعةَ عشْرةَ من ربيعٍ الأول سنةَ [خمس وخمسينَ] وست مئة ابنَ اثنينِ وثمانينَ عامًا، وصَلّى عليه ابنُه الخطيبُ بجامع القَرَويِّين [الأعظم] , وخليفتُه في إمامةِ الفريضة بعدَ وفاتِه أبو القاسم عبد الرّحمن، ودُفن برَوْضةِ سَلَفِه بحَوْمةِ القَلّالينَ (٣) من عُدْوة الأندَلُس بفاسَ، وكان الحفلُ في جنازته عظيمًا لم يتخلَّفْ عنها كبيرُ أحد (٤)، وأسِفَ النَّاسُ لفَقْدِه وأطابوا (٥) الثناءَ عليه، وصَحِبَتْهُ من دارِه إلى مدفِنِه طيرٌ شبهُ الخطاطيف لا عهدَ بها غَطَّت الأُفُق كثرةً، فكانت تُرفرفُ على نَعْشِه حتى
стр. 2361
ووريَ فتفرَّقت ولم يُرَ شيءٌ منها بعدُ، وطال تجُّبُ الناس منها والتحدُّث بها دهرًا (١). وقد جَرى له ذكْرٌ في رَسْم أبي محمد بن عبد الرّحمن العراقيّ (٢).
١٥٦ - محمدُ بن يوسُفَ الصُّنهاجيُّ .
رَوى عن شُرَيْح.
١٥٧ - مجاهدُ (٣) بن محمد الفِهْريُّ، أبو الجَيْش وأبو الحَسَن.
رَوى عن أبي الفَضْل عِيَاض بن موسى (٤).
١٥٨ - محمودُ (٥) بن أبي القاسم الفارِسيُّ، يُكْنَى أبا المعالي.
حدَّث عنه أبو زَيْد الفازَازيُّ، ولا أدري أين لقِيَه.
قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: هكذا ذَكَرَ ابنُ الأبّار هذا الرَّسْمَ في الغُرَباء من غير زيادةٍ ولا نَقْص، ولا وجهَ لذكْره فيهم؛ لأنه لم يَدخُل الأندَلُسَ، على ما سأذكُرُه إن شاء الله، وإنّما ذَكَرَه تشبُّعًا على مألوفِ عادتِه واستكثارًا بما لا يصحُّ له، ولتقصره معَ ذلك في ذكْرِه؛ رأينا الإعلامَ ببعض أحوالِه، فنقول:
стр. 2362
أبو المعالي هذا خُراسانيٌّ، يلقَّبُ شمسَ الدّين، وَرَدَ المغرِبَ والناصرُ من بني عبد المؤمن بإفريقيّةَ، ودخَلَ تونُسَ وهي أقصَى أثرِه من بلادِ المغرِب، ومنها كَرَّ قافلًا إلى بلادِه بعدَما حَظِيَ عندَ الناصر وأجْزَلَ صِلتَه، وهنالك رَوى عنه أبو العبّاس بن إسحاقَ، وأبو محمدٍ عبد الله بن عبد الجليل بن عليّ بن عبد الجليل الأَزْديُّ القَرَويُّ الحافظُ، وأبو زَيْدٍ الفازَازيُّ، وامتَدَحَه بقصيدةٍ فريدة رأينا إثباتَها هنا تكميلًا للإفادة، وتنبيهًا على ما لأهلِ المغرِب في الفَضْل من الحُسنى والزيادة [من الكامل]:
[قَرُبوا وفَرْطُ دُنوِّهم] يُغْريني ... ونأَوْا وفَرْطُ صبابتي يدعوني
.... منّي لُقًى ... في رَبْعِهم أشجِيهِ أو يَشجيني
[وتقول لي الأطلالُ]: أين أحبّتي؟ ... وتقولُ لي الأطلالُ: أين قَطِيني؟
... على إيثارِهمْ آثارهمْ ... لو أنّني عاملتُ من يَجْزِيني
... على تَرْكِ البكاءِ وإنّما ... نَزَفتْ شؤونُ الحبِّ ماءَ شؤوني
[نَعَبَ الغُرابُ] وللمَشُوقِ كهانةٌ ... فعلِمتُ قطعًا أنه يَعْنيني
[لمّا] استقَلّوا واستَقلّوا خِدْرَهمْ ... نُسِخت منايَ لديهِمُ بمَنُونِ
فسبقتُهمْ وجِمالُهمْ يُحدِي بها ... وجَمالُهم من فوقِها يَحْدوني
يا مُعرِضينَ وقد عرَضتُ مشيِّعًا ... رُدُّوا السلامَ فلفظةٌ تكفيني
هاكمْ فؤادي فاقبَلوه وإنهُ ... ثمنٌ يجِلُّ لديَّ عن مثمونِ
فنَضَوْا سُجوفَ الخَزِّ عن أحداجِهمْ ... فبَدَت ليَ الأقمارُ فوقَ غصونِ
وفهمتُ سرَّ الحُسن وهْو مُكتَّمٌ ... في ليلِ شَعْر فوقَ صُبح جَبِينِ
ورهَنْتُ لُبِّي والحياةُ بوقْفَةٍ ... ضَنُّوا بها من بَعْدِ قَبْض رُهونِ
وتسَلَّموا رَهْني وما إنْ سَلّموا ... تيهًا فبُؤتُ بصفقةِ المغبونِ
стр. 2363
أمَّلتُ آرامَ الكِناس ودونَها ... للطارقِ المحزونِ أُسْدُ عَرينِ
وسلكتُ وَجْدًا في طريقِ هَواهُمُ ... ما بينَ مأسورٍ وبين ظعِينِ
وظننتُ لينَ قُدودِهمْ بقلوبِهمْ ... فإذا القساوةُ طيَّ ذاك اللِّينِ
عاهدتُّهمْ أنْ لا فِراقَ وإنما ... عاهدتُ كالحِرباءِ في التلوينِ
وقرَرْتُ عينًا بالخِداع وقلّما ... قرَّتْ عيونٌ عند حُورٍ عِينِ
ورجَوْتُ في تحسينِهمْ تحصينَهمْ ... فجَهِلتُ ما للصادِ معنى السّينِ
ولقد مرَرْتُ على المنازلِ بعدَهمْ ... فذكرتُ عهدَ صَبابتي ومُجوني
ورأيتُ من نُعمانَ ما يُشقينَني ... ورأيتُ مَن يَبرينَ ما يَبريني
أيامَ طَرْفي راتعٌ في رَوْضةٍ ... للحُسن بينَ سَوالفٍ وعيونِ
متفرِّقَ اللّحظاتِ في أفنائها ... للجَمْع بينَ الوردِ والنَّسرينِ
ووجدتُ من رِيقٍ هناك ونَغْمةٍ ... أشهى من الصهباءِ والتلحينِ
ونشَقْتُ عَرْفًا خِلتُ حين نشَقْتُهُ ... أن ...................
عيشٌ نعُمتُ به فبان ببينِهِ ... صبرٌ أتاني فَقْدُه في الحينِ
كان الفؤادُ برامةٍ في راحةٍ ... للوَصْل بين معاهدٍ ......
فالآنَ إذ حَلّ الصدودُ برَبْعِها ... عقَدتْ عليه عُقدة ......
يَا قلبُ طاوعتَ الجُفونَ سَفاهةً ... فجزاكَ ضعفُ فُتورِها ......
أسَرتْكَ لمّا قيَّدَتْكَ بسِحرِها ... فاخلُدْ بلا فكٍّ ولا تأمينِ
خِلتَ الجُفونَ من السّيوفِ قريبةً ... ما جُرْحُ أسيافٍ كجُرح جُفونِ
إياك من لَمْح اللِّحاظ فإنهُ ... سهمٌ لقَوْس الحاجبِ المقرونِ
هوِّنْ إذا هوَّلتَ واعلَمْ أنّما ... تقوَى على التهويل بالتهوينِ
стр. 2364
ولكمْ عذولٍ قد ردَدْتُ مقالَهُ ... ردَّ المقيم على مقام الهُونِ
لم أستطعْ رَجْعَ الكلام وإنّما ... أعرَبتُ عما شفَّني بأنيني
لا نُصحَ يُجدي في مَشُوقٍ جسمُهُ ... قد دَقَّ حتى عاد كالعُرجونِ
دع ذكْرَ عُروةَ أو كُثَيِّرِ عَزّةٍ ... وابن الذَّريح وقيسٍ المجنونِ (١)
يكفيكَ من بحرِ الغرام وعصفِهِ ... دمعُ الهوى وتنفُّسُ المحزونِ
لا صبرَ لي من بعدِهم لا صبرَ لي ... ولوَ انّني في حِلم شمسِ الدِّينِ
العالِم العَلَمِ الذي تَزْهَى بهِ ... أرضُ العراق إلى أقاصي الصّينِ
والأوحَدِ السبّاقِ غيرَ مُدافَعٍ ... في حلبةِ المفروضِ والمسنونِ
إنسانُ عين الفَضْل قلبُ ضلوعِهِ ... بشواهدٍ جَلّت عن التبيينِ
بالله أو في الله أو لله ما ... يأتيهِ حين تحرُّكٍ وسكونِ
لم يأتِ في الإبداع فنًا واحدًا ... إلا أتَى من بعدِه بفنونِ
حَفِظَ ابنُ إسماعيل فقهَ ربيعةٍ ... زُهدَ الجُنَيْد ذكاءَ أفلاطونِ (٢)
إنْ ظَن أرسَلَ ذهنَه مستثبِتًا ... فأتاه عمّا ظنَّه بيقين
يَا مَن يُعارضُه بعارضِ علمِهِ ... إياك خَوْضَ البحرِ دونَ سَفِينِ
كم مُدّعٍ قد رام ما قد رمتَهُ ... بمُغالطاتٍ في حلى تزيينِ
стр. 2365
عَطَفَ الصّوابَ للَبْسِهِ فأزاحَهُ ... عَطْفُ الصباح على الليالي الجُونِ
.......................... ... قد جاء ما قد جَلّ عن قانونِ
.................... بمقوّلٍ ... بالحقِّ في تحقيقِه مقرونِ
..................... كأنهُ ... سيفُ الوصي يَجُول في صِفِّينِ (١)
...... إذا سمعتَ حِجَاجَهُ ... لعَدلتَ للمُزَنيِّ عن سحنونِ (٢)
عَجَزَ البيانُ فما يحيطُ بمثلِهِ ... ذلك البُروج إلى مقرِّ النونِ (٣)
يَدْري أفانينَ العلوم بأسرِها ... والناسُ يفتنُّونَ في أفنونِ
ولقد أبَرَّ على الجميع بيانُهُ ... في فنَّيِ المعلوم والمظنونِ
إيهٍ وللآدابِ منه فخرُها ... إذْ فاق في المنثورِ والموزونِ
سِلمٌ لأبكارِ المعاني ذهنُهُ ... وسواه حَرْبٌ للمعاني العُونِ
برَزَت لنا ألفاظُهُ مختالةً ... في كلِّ عِلْق للعلوم مَصُونِ
وأبانَ من عِلم الكلام وغيرِهِ ... ما كان إذ ما كان غيرَ مُبِينِ
وطمَتْ بحارُ علومِهِ فتقاذَفَت ... من لفظِهِ باللُّؤلؤِ المكنونِ
ساوى لدَيْه معلِّمٌ متعلِّمًا ... إذْ كلُّهم في رُتبةِ التلقين
صَدَروا وقد وَرَدوا بحارَ علومِهِ ... في غير ممنوع ولا ممنونِ
يا طالبًا للعلم هاكَ نصيحةً ... لمجرِّبٍ في نُصحِه مأمونِ
لا تَعْدِلَنْ بأبي المعالي غيرَهُ ... فتقيسَ مضنونًا على مظنونِ
стр. 2366
عُنوانُ ما أخفاه من أخلاقِهِ ... بِشرٌ يلُوحُ بوجهِه الميمونِ
أكرِمْ بنفسٍ للنَّفائس أُهِّلت ... فتمكَّنت في رُتبةِ التمكينِ
لو يستطاعُ لدوِّنت آدابُه ... لكنّها أعيَتْ على التدوينِ
حَبْرٌ يُقِلُّ لدُرةٍ من بحرِهِ ... ما جُهِّزت بُورانُ للمأمونِ (١)
يَا سيِّدًا عمَّ البرِيّةَ فضلُهُ ... قولًا وعلمًا فاستفادوا دوني
مَن شكَّ في أنْ ليس غيرَك مُعلمٌ ... بطلٌ لديه شهادةٌ بيمينِ
إنّي عقَدتُ أذِمّتي بولائكمْ ... وجعَلتُ رُكنَ جلالِكمْ لركوني
وتركتُ فيكَ سواكَ غيرَ معقِّبٍ ... فعَدوْتُ تموزًا إلى تشرينِ
وقرَنتُ شُكرَك بالفرائضِ رفعةً ... فوجدتُه للفَرْضِ خيرَ قرينِ
صُغتُ المديحَ وقد سبقتُ لمَدْحِكم ... ...............
ما قلتُ قطُّ الشعرَ (٢) لكن منكمُ ... في كلِّ صعبٍ ..
ولقد بعثتُ به وأعلمُ أنهُ ... نقدٌ ولكنْ عفوُكمْ ......
وإليكَها تَشْنا سواكَ لوَانهُ ... في مُلكِ كِسرى أو ......
لو أنَّني قلَّدتُ غيرَك حُلْيَها ... أضحى بها التقريطُ ......
لم أدعُ بالدنيا لكمْ إذ لفظُها ... دونٌ ولا أرضى لكم بالدُّونِ
فعليَّ أن أدعو بطُولِ بقائكم ... وعلى جميع الناس بالتأمينِ
стр. 2367
وكان أبو المعالي هذا فقيهًا شافعيَّ المذهب نَظّارًا فيه قويَّ الانتصار له، راسخَ القَدَم في التحقق به متقدِّمًا في الكلام فصيحًا في المناظرة، سديدَ العبارة عن أغراضِها، ذا حظّ صَالح من الأدب ناظمًا ناثرًا حسَنَ المحاضَرة طيِّبَ المحادثة آلِفًا مألوفًا. وتوفِّي بالعراق.
١٥٩ - مَرْوانُ (١) بن عبد الملِك بن إبراهيمَ بن سَمَجُونَ اللَّوَاتيُّ، طَنْجيٌّ، أبو عبد الملِك.
شرَّقَ وسَمعَ بمِصرَ من ابن نَفِيس، وابن مُنيَّر، وأبي محمد بن الوليد، وجالَسَ عبدَ الحقّ الصِّقِلِّيَّ بها (٢)، وأخَذ عن أبي عليّ بن أمدقيو بسِجِلْماسةَ.
وكان فقيهًا حافظًا مُشاوَرًا مُفتيًا, وليَ الصّلاةَ والخُطبةَ بسَبْتةَ ثم تحوَّل إلى طَنْجةَ صَدْرَ دولة اللَّمتُونيِّينَ، فولِيَ الصّلاةَ والخُطبةَ بها ثم أحكامَها، وتصَدَّرَ قديمًا لإقراءِ القرآن، وكان مقرئًا مجوِّدًا لُغَويًّا ذا حَظّ من الشّعر يَذهبُ فيه إلى التقعر، وفصاحةٍ في الخَطابة، وكان يَستعملُ الإعرابَ في كلامِه فلا يَلحَنُ البتّةَ.
توفِّي بطَنْجةَ سنةَ إحدى وتسعينَ وأربع مئة.
١٦٠ - مَرْوانُ بن عبد الملِك بن إبراهيمَ الهلاليُّ، طَنْجيُّ الأصل أَظُنُّه وُلد بها أو ببعضِ بلادِ العُدْوة، أبو محمد .
جَدُّ أبي القاسم أحمدَ بن عبد الوَدُود بن سَمَجُون (٣).
قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: ذكَرَه ابنُ الزُّبَير، ولولا نَسَبُه وكُنيتُه لقلتُ: إنه الذي قبلَه، وقد أشكَلَ عليَّ أمرُه، فاجعَلْه من مباحثِك (٤).
стр. 2368
١٦١ - مَرْوانُ (١) بن عَمَّار بن يحيى، بجَائيٌّ، أبو الحَكَم.
رَوى ببلدِه عن أبي محمدٍ عبد الحَقِّ ابن الخَرّاط، وبفاسَ عن أبي ذَرّ الخُشَنيّ، وبسَبْتةَ عن أبي محمدٍ الحَجري.
ودخَلَ الأندَلُسَ طالبًا العلمَ، فأخَذَ بها عن أبي عبد الله ابن حَمِيد، وأبي القاسم ابن حُبَيْش، وأبي محمدٍ عبد المُنعم ابن الفَرَس، وأجازوا له هم وأبو بكر ابنُ الجَدّ ولم يَلْقَهُ.
وكان من الأدباءِ [النُبهاء، مشاركًا في أبوابٍ] من العلم، حَسَنَ الخَطّ، جيِّدَ الضَّبْط، طيِّبَ النَّفْس، [وكتَبَ] عن بعض وُلاة الأندَلُس، واستُقضيَ بالمَريّة، لقِيَه أبو [الرّبيع بن سالم، ورَوى] عنه، وخبِرَ أحوالَه، فكان يُثني عليه جميلًا (٢)، وتوفِّي في نحوِ [عشرةٍ وست مئة].
١٦٢ - مَرْوانُ بن محمد بن عليّ بن مَرْوانَ بن جَبَل الهَمْدانيُّ، تِلِمْسينيٌّ [وَهْرانيُّ الأصل] حديثًا، شَلْوبانيُّهِ قديمًا، أبو علي .
تفقه بأبيه (٣) وغيرِه، ببلدِه وبمَرّاكُش. وكان فقيهًا حافظًا للمسائل بصيرًا بالفتوى في النّوازل.
стр. 2369
واستُقضيَ [....] سنةَ ثلاثَ عشْرةَ وست مئة، وبتلمسينَ وبغَرْناطةَ ومُرْسِيَة.
١٦٣ - مَرْوانُ بن موسى بن نُصَيْر [ ....] (١).
١٦٤ - مَسْعودُ بن عبد الكريم بن عليِّ بن عبد المُحسِن، تونُسيٌّ .
رَوى بقُرطُبةَ عن أبي الوليد بن رُشْدٍ الصّغير.
١٦٥ - مَسْعودُ بن عليِّ بن المنصُور المَصْمُوديُّ الصّلتانيُّ المَنْفِيُّ من كُورةِ طَنْجة .
رَوى -فيما أحسَبُ- عن أبي القاسم الحَسَن بن عُمرَ الهَوْزَنيُّ. وكان محدِّثًا، حيًّا سنةَ ثمانِ عشْرةَ وخمس مئة.
١٦٦ - مُصعَبُ (٢) بن محمد بن أبي الفُرات بن مُصعَب بن زُرَارةَ القُرَشيُّ العَبْدَريُّ، صِقِلِّيّ، أبو العَرَب.
قَدِمَ الأندَلُسَ وحدَّث بها عن أبي بكر بن البَرّ التَّميميّ (٣).
رَوى عنه الخطيب أبو عليّ حُسَين بن محمد بن عَرِيب (٤).
وكان حافظًا للُّغاتِ والآدابِ، شاعرًا مُفلِقًا، اكثَرَ من مَدْح رؤساءِ صِقلِّيةَ وغيرِهم.
стр. 2370
وقَفْتُ على بعضِ ما دوّن من شعرِه في مجلَّدينِ متوسِّطين، ومنه في الغَزَل
[من الكامل]:
شِعري وعشقي والحبيبُ ثلاثةٌ ... بَهَروا فما لَهمُ وحقِّك رابعُ
فهمُ نظائرُ لا تفاضُلَ بينَهمْ ... كلٌّ لأوصافِ المحاسنِ جامعُ
ولمّا تغَلَّبَ الرُّومُ على صِقِلِّيّة خرَجَ منها سنةَ أربع وسبعينَ (١) وأربع مئةٍ ووَرَدَ إشبيلِيَةَ على المعتمِد أبي القاسم محمد بن عَبّاد في ربيعٍ الأوّل سنةَ خمس وسبعينَ (٢)، فحَظِيَ عندَه حُظوةً تامّة، وبالَغَ في الاحتفاءِ به، وله معَهُ أخبارٌ مُستطرَفة، منها: أنه حضرَ يومًا مجلسَ المعتمِد وقد أُدخِلَ عليه جُملةٌ وافرةٌ من دنانير الفضة فأمَرَ له بخريطتَيْن منها، وكانت بين يدَي المعتمِد صُوَرٌ صِيغت من عَنْبر من جُملتِها صورةُ جَمَلٍ مرصَّع بنَفِيس الجوهر، فقال له أبو العَرَب مُعرِّضًا: ما يَحمِلُ هذه الدنانيرَ أيّدَك اللهُ إلا جَمَل! فتبسَّمَ المعتمِدُ وأمَرَ له به، فابتدَأَ أبو العَرَب مُرتجِلًا [من البسيط]:
أجدَيْتَني جَمَلًا جُونًا شَفَعتَ بهِ ... حِملًا من [الفضّة البيضاءِ لو حُمِلا]
نِتاجُ جُودِك في أعطانِ مكرُمةٍ ... لا قد يُعرَّفُ [من مَنْع ولا عُقِلا]
فاعجَبْ لشأني فشأني كلُّه عجَبٌ ... رفَّهتني فحملتُ [الحِملَ والجَمَلا] (٣)
وله من قصيدةِ يمدَحُه بها ويَذكُرُ قبضَه على أبي بكر بن [عَمّار] [من الطويل]:
كأنّ بلادَ الله كفّاكَ إن يَسِرْ ... بها هاربٌ تَجمَعْ [عليه الأناملا]
فأين بفِرُّ المرءُ عنك بجُرمِهِ ... إذا كان يَطوي في يدَيْك [المَراحلا] (٤)
стр. 2371
وكذلك حَظِيَ عندَ سائر ملوكِ الأندَلُس في تردُّدِه عليهم أو [استقرارِه عندَهم] , وبعدَ الحادثِ على المعتمِد بن عَبّاد لَحِقَ بسَرَقُسْطةَ في جَناب المقتدِر بالله أحمدَ ابن المُستعين بالله سُليمانَ بن أحمدَ بن محمد بن هُود الجُذَاميِّ ثم ابنِه الحاجبِ أبي عامرٍ يوسُفَ ثم ابنِه المُستعين أبي جعفرٍ أحمد، وله فيهم أمداحٌ كثيرةٌ دوِّنت في مجلّد متوسِّط، ثم صار بأخَرةٍ إلى مَيُورْقَةَ في كنَفِ صاحبِها ناصِر الدّولة أبي مَرْوانَ مُبشّر بن سُليمان، وخاطَبَه وهو بها أبو محمد عبدُ الجَبّار بن حَمْدِيسَ من بعض بلادِ إفريقيّةَ بقصيدةٍ (١) بارعة قرَّظَه فيها وبالَغَ في الثناءِ عليه فألفاه رسُولُه وقد مَسَّه الكِبَر واستَولَى عليه الهَرَم حتى ضَعُفت مُنّتُه وعَجَزَ عن إجابتِه، ووقَفَ بعضُ أصحابِ ابن حَمْديس على تلك القصيدة فقال له: قد حَططتَ نفْسَك عن مرتبةِ أبي العَرَب، فقال له ابنُ حَمدِيس: هو في نفسي أجَلّ وقَدْرُه عندي أعظم إلى شاختِه وحُرمةِ البلديّة التي جمعَتْنا ولم أخرُجْ معَ ذلك عن سَنَن أهل الأدب، فأقام بذلك عُذرَه، وقال: صَدقْت. وأقام أبو العَرَب بمَيُوْرقَةَ إلى أن توفِّي سنةَ ستٍّ وخمس مئة، وقد تقدَّم في رَسْم أبي بكر بن عيسى ابن اللَّبّانة (٢) أنه دُفنَ إلى جَنْبِه، وأنه كان دَحْداحًا (٣)، وأنّ أبا العَرَب كان طُوالًا ﵀.
١٦٧ - المُغيرةُ (٤) بن أبي بُردةَ، ويقال: ابنُ عبد الله بن أبي بُرْدة، واسم أبي بُردةَ: نَشيِط، ابن كلنَانةَ القُرَشيُّ العَبْدَريُّ، من أنفُسِهم، وقيل: حليفٌ لهم، وقد تقَدَّم بعضُ هذا في رَسْم عبد الله بن المُغيرة (٥).
стр. 2372
رَوى المُغيرةُ عن أبي هريرةَ. رَوى عنه الحارثُ بن يَزيدَ، وسَعيدُ بن سَلَمةَ الأزرق، وعبدُ الله بن سَعِيد المَخْزوميُّ، وعبدُ العزيز بن صَالح، وموسى بن الأشعث، ويحيى بنُ سَعِيد الأَنْصاريُّ، وَيزيدُ بن أبي حَبِيب، وأبو مَرْزوقٍ التُّجِيبيُّ.
وَلِيَ غزْوَ البحر [لموسى بن نُصَيْر سنةَ ثمانٍ] وتسعينَ، والطالعةَ بالبَعْث من مِصرَ لعُمَر [بن عبد العزيز].
وكان له عَقِبٌ بإفريقيّة، وقد خَرَّجَ مالكٌ في "الموطإ" [حديثَ المُغيرة عن أبي، هريرةَ في الوضوء من ماءِ البحر (١) من رواية سَعِيد بن [سَلَمةَ، وقولُ] أبي عُمرَ بن عبد البَرِّ فيه (٢): "لم يروِ عنه فيما عَلِمتُ إلا صَفْوانُ [بن سُليم، ومَن] كانت هذه حالة فهو مجهولٌ لا تقومُ به حجةٌ عندَهم" وفي [قوله عن المغيرة] (٣) أنه "غيرُ معروف، وقيل: ليس بمجهول" معدودٌ في أوهامه ﵀؛ فقد أخرَجَه أبو عيسى التِّرمذيُّ في "جامعِه" وقال (٤): حديثٌ حسَنٌ صحيح. وسأل التّرمذيُّ البخاريَّ عنه فقال: هو عندي صحيح، قال: فقلت للبخاري: هشيمٌ يقول: المُغيرةُ بن أبي بَرْزَة؟ فقال: وَهِمَ فيه، إنّما هو المُغيرةُ بن أبي بُردة، وهُشيم ربّما وَهِمَ في الإسناد، وهو من المقطَّعاتِ أحفظ، وقَعَ هذا للترمذيِّ في "عِلَلِه" (٥). قال أبو عُمرَ: لا أدري ما هذا من البخاريّ، ولو كان عندَه صحيحًا لخرَّجَه في مصنَّفِه الصّحيح عندَه، ولم يفعَلْ؛ لأنه لا يُعوِّلُ في الصَّحيح إلّا على الإسناد، وهذا الذي لا يحتَجُّ أهلُ الحديثِ بمثلِ إسنادِه.
وهذا وَهَمٌ آخَرُ لأبي عُمرَ؛ فإنّ البخاريَّ إنّما قَصَدَ في "جامعِه" إلى تصحيح ما خرَّج لا إلى إخراج كلِّ ما صَحَّحَ، وقد رَوْينا بالإسنادِ إلى أبي أحمدَ بن عَدِيّ،
стр. 2373
قال: سمِعتُ الحَسَنَ بن الحُسَين البَزّارَ يقول: سمِعتُ إبراهيمَ بن مَعْقِل (١) -هو النَّسَفيُّ- يقول: سمِعتُ محمدَ بن إسماعيلَ البخاريَّ يقول: ما أدخَلتُ في هذا الكتابِ -يعني "الجامع"- إلا ما صَحَّ وتركتُ من الصّحاح كي لا يَطولَ الكتاب. فقد صَرَّح البخاريُّ ﵀ بأنه ترَكَ من الصَّحيح عندَه قَصْدًا للاختصار، وفي حُكمِه بصحةِ هذا الحديث ومتابعةِ التِّرمذيِّ إياه على ذلك دليلٌ على أنّ راويَيْهِ سَعِيدَ بن سَلَمة والمُغيرةَ بنَ أبي بُرْدةَ في عِداد من يُقبَلُ حديثُهما ويُحتَجُّ بهما، ويؤيّدُ ذلك إدخالُ مالكٍ حديثَهما في "موطئه"، وذلك توثيقٌ لهما، ويُقوّي ذلك في المغيرة باستعمالِ عُمرَ بن عبد العزيز إياه، فلم يكنْ ﵁ لِيَستعملَ إلا أهلَ العدل والفَضْل من خِيَار هذه الأُمة، ودخَلَ الأندَلُسَ معَ موسى بن نُصَيْر، وكان يُخرِجُه أبدًا على العساكر (٢)، وقد تقَدَّم له ذكْرٌ في رَسْم عبد الله بن المُغيرة.
١٦٨ - منصُورُ (٣) بن خُزَامةَ، مَوْلى رسُولِ الله ﷺ .
قالَ ابنُ بَشْكُوال فيه: تابعيٌّ [إن صَحَّ خبَرُه، وحَكَى عن] عبد الله بن عابد أنه وَجَدَ بخطِّ الحَكَم ما يدُل على [تعميرِه (٤).
١٦٩ - منصُورُ (٥)] بن فوناس بن مُسلم بن عَبْدون بن أبي فوناس الزَّرْ [هُونيُّ، فاسيٌّ، أبو عليّ، قال] فيه ابنُ الأبّار: منصورُ بن مُسلم بن عَبْدون.
стр. 2374
أخَذَ ببلدِه [عن جماعة، منهم: أبو] الحَسَن عَبّادُ بن سرْحان، ثم وَرَدَ الأندَلُسَ طالبًا العلمَ، [فرَوى بقُرطُبةَ عن أبي] بحرٍ الأسَديّ، وأبوَيْ محمدٍ: ابن السِّيْد وابن عَتّاب، وبمُرْسِيَةَ عن [أبي عليّ الصَّدَفيّ] وأبي محمد بن أبي جعفر، وعاد إلى بلدِه.
رَوى عنه أبو عبد الله بنُ [أحمدَ بن وشون (١)] وأبو القاسم عبدُ الرّحيم ابن المَلْجوم، وأبو محمد بن فَلِيج.
وكان فقيهًا حافظًا مُفتِيًا مُشاوَرًا محدِّثًا ذاكرًا، عَدْلًا ثقةً، فاضلًا حاجًّا، وُلد عامَ اثنين [وسبعينَ] وأربع مئة، وتوفِّي بفاسَ عام ستةٍ وخمسينَ وخمس مئة.
١٧٠ - منصُورُ (٢) بن محمد ابن الحاجِّ داودَ بن عُمرَ اللَّمْتُونيُّ، أبو عليّ.
رَوى بمَرّاكُشَ عن أبي عُمرَ مَيْمونِ بن ياسين اللَّمْتُونيّ، وبقُرطُبةَ عن أبي بحرٍ الأسَديّ، وأبي محمد بن عاتٍ وأكثَرَ عنه، وبفاسَ عن أبي محمد بن أيّوب الشاطبيّ، وببَلَنْسِيَةَ عن أبي الحَسَن طارقِ بن يَعِيش، وبمُرْسِيَةَ عن أبي عليّ الصَّدفي، وأبي الوليد ابن الدَّبّاغ.
وكان محدّثًا حافظًا ذكيًّا فهِمًا حسَنَ الخَطّ، واقتنَى من دواوين العلم ما لم يكنْ لأحدٍ مثلِه في عصرِه، وكانت له في قومِه رياسة، وهو فخرُ لَمْتُونةَ العِلميُّ، ليس لهم مثلُه ممّن دخَلَ الأندَلُس، وجمليه قام أبو الحَكَم بن الحَسَن بن حَسُّونٍ بمالَقةَ كما تقَدَّم في رَسْمِه (٣)، ووَليَ بَلَنْسِيَةَ ليحيى بن عليّ بن غانيةَ نحوَ
стр. 2375
أحَدَ عشَرَ عامًا. وتوفِّي بيابِسةَ سنةَ سبع وأربعينَ، وقيل: بمَيُورْقةَ في حدودِ الخمسينَ وخمس مئة.
١٧١ - منصُورُ بن مَخْلوف بن عيسى المجاجيُّ، من بني يجفش (١)، أبو عليّ.
رَوى عن أبي داودَ الهِشاميّ.
١٧٢ - المُنيذِرُ (٢) الإفريقيُّ.
له صُحبةٌ، دخَلَ الأندَلُسَ فيما ذَكَرَ عبدُ الملِك بن حيث، حَكاهُ عنه الرازيّ، ولم يذكُرْ ذلك أبو عُمرَ بن عبد البَرّ ولا غيرُه ممن ألّف في الصَّحابة، وإنّما لم يَذكُروا ذلك واللهُ أعلم لبُعدِ الأمَدِ في استفتاح الأندَلُس عن وفاةِ رسُول الله ﷺ ، فلا يتَأتّى ذلك إلا لمن عُمّر من الصّحابة ﵃ العُمُرَ الطّويل، فبَلَغَ المئةَ أو نحوَها وإن كان فيهم مَن بَلَغَها وزاد عليها, ولكنّه لم يصحَّ عندَنا من طريقٍ يوثَقُ به أنه دَخَلَها أحدٌ منهم، ولكنه أوَرَدَ أنه، دَخَلَها فذكَرْناهُ كما ذَكَرَه من تقدَّم وتبرَّأْنا [من عُهدتِه. رَوى عنه] أبو عبد الرّحمن الحُبُلِيّ.
قال أبو سعيد بن يونُس: [له صُحبةٌ] , وقال: كان بإفريقيّةَ، وقال أبو عُبَيد الله محمدُ بن الرَّبيع: [دَخَلَ مِصرَ ولهم عنه حديث] وسَكنَ إفريقيّة.
وحديثُه هو ما حدَّثناهُ الحافظُ أبو [عليٍّ الماقريُّ سَماعًا] إن لم يكن قراءةً بثغرِ آسِفي حَمَاه اللهُ، قال: حدّثنا الأسعدُ عبدُ الرحمن بن مُقرَّب بن عبد الكريم ابن الحسَن بن عبد الكريم التُّجِيبيُّ [....] قال: أخبرنا أبو القاسم عبدُ الرّحمن بن مكّيِّ بن حمزةَ بن مُوَقّى بن حمزةَ الأنصاريُّ [سَماعًا] قال: أخبرنا أبو عبد الله محمدُ بن إبراهيمَ الرازِيّ، قال: أخبرنا أبو الحَسَن عليُّ بن الحَسَن بن شَعْبانَ الخَوْلانيُّ قراءةً عليه وأنا أسمع سنةَ اثنتين وأربعينَ وأربع مئة، قال: أخبرنا
стр. 2376
أبو عبد الله محمدُ بن الحَسَن بن عليّ بن محمد بن يحيى الدَّقّاقُ، قال: أخبرنا أبو عُبَيد الله محمدُ بن الرَّبيع بن سُليمانَ الأَزْديُّ الجِيزيُّ (١)، قال: حدثنا يحيى بنُ عثمانَ بن صَالح، قال: حَدَّثَنَا عبدُ القاهر بن رِشْدِينَ، قال: حدّثني أبي، عن حُيَيّ بن عبد الله المَعافِريّ، حدّثه عن أبي عبد الرّحمن الحُبُليِّ، عن المُنَيْذِر صاحبِ رسُولِ الله ﷺ ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "مَن قال: رضِيتُ بالله ربًّا وبالإِسلام دينًا وبمحمدٍ نبيًّا فأنا الزّعيمُ فلآخُذَنّ بيدِه فلأُدخِلنَّه الجنّة" (٢).
قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: كلُّ مَن ذَكَرَ هذا الرجُلَ فيما وقَفْتُ عليه فإنّما سمّاه المُنيذِرَ على لفظِ تصغير مُنذِر، وقال فيه: الإفريقيّ، أو: سَكَنَ إفريقيّة.
ووقَعَ في نُسختي من "الحروف" لأبي عليّ سَعيدِ بن عثمانَ بن سَعِيد بن السَّكَن (٣) بخطِّ القاضي الرّاوية العَدْل الضابِط أبي عبد الله محمد بن أحمدَ بن محمد بن يحيى بن مُفرِّج القُرطُبيّ (٤) ما نصُّه: ذِكْرُ المُبتَدِر اليَمانيِّ، على لفظِ اسم الفاعل منَ: ابتَدَر. وجوَّدَ ضَبْطه في إسنادِ الحديث كذلك، وجعَلَه يمانيًّا كما ذكَرْتُه، وقال: رُوي عنه حديثٌ واحد، وأرجو أن يكونَ صحيحًا، قيل فيه: إنّ له صُحبةً، وليس بمشهور، فخَرَّجَ حديثَه عن أهل مِصرَ وهو من مَذْحِج، ويقال: من كِندَةَ، حدّثناهُ محمدُ بن هارونَ الحَضرميُّ ببغدادَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن يحيى الأَزْديُّ، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ غَيْلانَ الأسلميُّ، قال: حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بن سَعْد، عن حُيَيِّ بن
стр. 2377
عبد الله، عن أبي عبد الرّحمن، عن المُبْتدِر صاحبِ النبيِّ ﷺ ، وكان يَسكُنُ إفريقيّةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن قال: رَضِيتُ بالله ربًّا [وبالإِسلام دينًا وبمحمدٍ نبيًّا فأنا الزّعيمُ لآخُذَنَّ بيدِه فلأُدخِلَنَّه الجَنّة ... "].
ولم أجدْ عن المُنَيْذِر غيرَ هذا الحديث، وهو ممّا تَفرَّدَ به، [واللهُ أعلمُ] بصحتِه.
١٧٣ - مَوْدودُ (١) بن عُمرَ بن مَوْدودٍ الفارسيُّ، كذا [ذَكَرَ ابنُ الأبار] اسمَه ونَسَبَه، وإنّما هو: عُمرُ بن مودود، وقد ذُكِر (٢).
١٧٤ - موسى (٣) بن [حَجّاج بن أبي] بكر، جزائريٌّ جزائرَ بني زغنا، أَشيريُّ الأصل، سَكَنَ بأخَرةٍ تَدَلَّس، [أبو عِمران.
تنقَّل] في الأندَلُس طالبًا العلمَ نحوَ ستِّ سنين، فأخَذَ بإشبيلِيَةَ وقُرطُبةَ [والمَرِيّة عن أبي] إسحاقَ ابن حُبَيْش، وآباءِ بكر: البِرْزَاليّ وابن العَرَبيّ وابن طاهر، وأبي [الحَسَن شُرَيْح] وأبوَيْ عبد الله: ابن أصبَغ وابن وَضّاح (٤)، وأبوَي القاسم: ابن رِضا وابن وَرْدٍ ولازَمَه إلى حينِ وفاتِه، وأبي محمدٍ عبد الحقِّ بن عَطِيّة، وأبي مَرْوانَ بن مسَرَّةَ، وأجازَ له أبو الحَجّاج بنُ رُشْدٍ القَيْسيُّ وسَمِع منه، وابن يَسْعُون، وقرَأَ عليه، وأبو عبد الله ابنُ أبي الخِصَال، وأبو محمد النّفزيُّ المُرْسيّ.
وكان تامَّ العنايةِ بشأن الرّواية على رداءةِ خطِّه وعَدَم ضبطِه، وَليَ الصّلاةَ بجامع الجزائر مدّةً، وتوفِّي بتَدَلسَ منتصَفَ [صَفَرِ] تسع وثمانينَ وخمس مئة.
стр. 2378
١٧٥ - موسى بنُ أبي القاسم عبد الرّحمن بن عبد الله بن محمد بن عيسى المَرّاكُشيُّ، أبو عِمرانَ المالَقيُّ (١).
رَوى بقُرطُبةَ عن أبي عبدِ الله بن أحمدَ بن عَيّاش.
١٧٦ - موسى بن عيسى بن عِمرانَ بن دافَالَ المِكْناسيُّ ثم الوَرْدميشيُّ التِّلِمْسينيُّ، سَكَنَ معَ أبيه (٢) وبعدَه مَرّاكُش، أبو عِمران، ابنُ عِمران.
رَوى عن أبيه، وأبي عليّ حَسَن بن عبد الله ابن الخَرّاز، وأبي القاسم القُرَشيِّ، وأبي محمدٍ عبد الحقِّ ابن الخَرّاط، ويحيى بن ياسين. وكان من بيتِ علم وجَلالة، وحَسَبٍ شهير وأصالة، ذا حظّ من العلم، عظيم الوَقار والتُّؤَدة، سَرِيَّ الهمّة، موسِرًا نَفًّاعًا بجاهِه ومالِه، حظِيًّا عندَ الملوك والأُمراء، قلَّده الناصرُ من بني عبد المؤمن قضاءَ الجماعة بعدَ وفاةِ أبي عبد الله بن الصَّيْقَل (٣)، فاستمرَّت ولايتُه القضاءَ إلى وفاةِ الناصِر، فأقرَّه بعدَه ابنُه المُستنصِر.
وكان جَزْلًا في أحكامِه معروفَ النزاهة مشكورَ السِّيَر (٤)، إلى أن توفِّي بمَرّاكُشَ وهو يتَولَّى قضاءَ الجماعة سنةَ ثمانِ عشْرةَ وست مئة.
стр. 2379
١٧٧ - موسى (١) بن عيسى بن محمد بن أصبَغَ الأَزْديُّ، مَهْدَويٌّ، قُرطُبيٌّ الأصل، أبو عِمران، ابنُ المُناصِف.
[نشَأَ بتونُسَ معَ أخيه] أبي عبد الله، رَوى عن أخيه أبي عبد الله (٢). وكان كاتبًا بارعًا، شاعرًا مجُيدًا مُكثرًا، وقَفْتُ على بعض [شعرِه في سِفْرٍ] ضَخْم يحتوي على أزيَدَ من خمسةَ عشَرَ ألفَ بيت، [وأمّا الأراجيزُ فعديدة، ومنها: "مُلحَقةُ الأدب في ما اسمُكَ يَا أخا العَرَب؟ " على طريقة ابن سِيْده وابن حَرِيق وابن زَنُّونٍ في أراجيزِهم (٣) في ذلك المَغْزى، [وبَلَغَ] في أرجُوزته الغايةَ من الاحتفال، وهي تشتملُ على نحو ... وقَفْتُ عليه بخطِّه، ثم أعاد نَظْمَه أخصَرَ من المحتفَل
стр. 2380
في مقدارِ نصفِه، وقَفْتُ عليه بخطِّه، ومنها: أُرجوزةٌ في قصّة مقتل الحُسَين ﵁، عَمِلَها باقتراح الفاضل أبي إسحاقَ إبراهيمَ بن زكريّا الدِّرعيّ المالِكيِّ الكفيف، وقد تقدَّم له ذكْرٌ في رَسْم أبي أُميّةَ بن عُفيْر، ورَسْم أبي زَيْد الفازَازيِّ (١)، وأشار أبو عِمرانَ في قريب من آخِر أُرجوزته إلى معنى ما ذكَرْتُه منَ اقتراح أبي إسحاقَ المذكور ذلك عليه، فقال [من الكامل]:
وترى نعامتَهُ أكَنَّتْ فرخَهُ ... وذُبابُهُ ناءٍ مداهُ يَصيرُ
وتكلّف الصُّرَدانِ منه لسانَهُ ... ولحرِّه في الأُذْن منه ظهورُ
وحَداتُهُ قد أشرفَتْ وفراشةٌ ... وبشَعرِ صَلْصلِهِ تَراه يُشيرُ
والصّقرُ واليَعْسوبُ ثم شِمامةٌ ... في الحلقِ منه أدارَهنّ مُديرُ
رَحُبت دجاجتُهُ وزان غُرابُهُ ... خَرِبٌ فليس لحُسنِهنَّ نظيرُ
والغُرُّ منه وناهضاهُ كأنما ... للشرّ يجري بينَهنَّ كسيرُ
وترى القَطاةَ علَتْ على خطَّافةٍ ... وترى أديمًا قد علاه النُّورُ
وأقَلَّ ذلك كلَّهُ بحوافرٍ ... صُلبٌ أقلَّتْها هناك نُسورُ
يَعْدو وأجنحةُ الطّيورِ تمُدُّهُ ... فبَكَتْ شَمالٌ خلفَهُ ودَبُورُ
وفي جغرافيا ونقَلتُه من خطِّه أيضًا [من السريع]:
سافِرْ بلا زادٍ ولا مركَبِ ... من مطلَع الشمس إلى المغربِ
وخُضْ بحارَ [الأرضِ] (٢) ما عَرْبَدَتْ ... أمواجُها يومًا على مركبِ
стр. 2381
وجُبْ قفارًا ليس تَعْيا بها ... في جَبَل وَعْر ولا سَبْسَبِ
فهذه الدُّنيا التي سَهَّلتْ ... سُبْلَ المسافات فلم تصعُبِ
.................... ... فابعَدْ بها إن شئت أو فاقرُبِ
........... مكان بها ... فسِرْ على الفورِ إلى الأرحبِ
........... كذا للفتى ... لم تذهبِ الأفكارُ في مذهبِ
[وله في تغيُّر] الرُّسوم، ونقَلتُه أيضًا من خطِّه [من الطويل]:
.............. طال عهدُها ... وغيَّرَ منها الرَّسمُ تغييرَ أحوالِ
[فأضْحَت] كرَسْم الدارِ بأن قَطينُها ... ولا شيءَ أشجَى في الديار من الخالي
وجرَّتْ عليها الرامِساتُ ذيولَها ... فعفَّى بها آثارَها جرُّ أذيالِ
فأنشدتُ إذ أبصَرْتُ تغييرَ رَسْمِها: ... (ألا عِمْ صباحًا أيّها الطَّللُ البالي)
وله في قالَبِ الطّوب مُلغِزًا، ونقَلتُه أيضًا من خطِّه [من الطويل]:
وما بالعٌ في يومِهِ ألفَ لُقمةٍ ... وأكثَرَ أضعافًا إذا هو أُطعما؟
وما لقمةٌ إلا وتَعدِلُ وزنَهُ ... مضاعفةً؟ فافهَمْهُ فيمَن تفَهَّما
إذا امتلأت أحشاؤه قام مُعجِلًا ... وخَلّى بُرازًا كلَّ ما كان لُقِّما
وكان داعي نَظْم هذا المَقْتَلِ ... مُرجَّزًا في شكلِه المُفصَّلِ (١)
بعضُ صِحابِنا الذين صَحِبوا ... في الله حبًّا جلَّ فيه السببُ
رَغَّب أن يعُمَّهُ التنظيمُ ... الصاحبُ الكفيفُ إبراهيمُ
المنتمي لدرعةٍ في النَّسَبِ ... المقتدي بمالكٍ في المذهبِ
стр. 2382
وقال بعدَ هذا بأبياتٍ في عُدّة هذه الأُرجوزة [من مشطور الرجز]:
وحين أكمَلتُ المرادَ فكمُلْ ... ووفَّق اللهُ إلى خيرِ العملْ
انتهتِ الأبياتُ منهُ عدّا ... مُزدوِجاتٍ إن بَلَغْتُ الحَدّا
ألفَيْنِ في نظامِها مُرصَّعهْ ... وإن ترِدْ أفرادَها فأربعهْ
وقَفْتُ عليها بخطّه أيضًا إلا يسيرًا ضاع من أوّله، وذلك مئتا بيت وستّةُ أبياتٍ مزدَوَجة لها أربع مئة بيت واثنتا عشرة مشطورة، ومنها أرجوزةٌ في قُرعة الفأل بديعة، إلى غير ذلك من الأراجيزِ التي أجاد فيها ودَلّت على اقتدارِه وتمكُّن انطباعِه.
ومن نظمِه في بعض ألوانِ الخَيْل، ونقَلتُه من خطِّه [من المتقارب]:
ويوم تَجارَتْ به أربعٌ ... من الخَيْل يا لك ما أعجَبا
أعارَ لها الجوُّ أثوابَهُ ... سَلَكْنَ بها مذهبًا [مذهبا]
فأهدَى الصّباحُ لذا حُلّةً ... لذلك أبصرتُهُ أشهَبا
وأهدى دُجى اللّيل ثوبًا لذا ... فكان به أدهمًا [غَيْهَبا]
ووَرَّدَ ذا شفَقٌ فاكتَسَى ... بتوريدِهِ ضَرَمًا مُلْهَبا
وشمسُ الأصيل تبَدّتْ بذا ... فظلَّ لشُقرتِه مُذهَبا
وقسَّم فيها هبوبَ الرِّياح ... فما اعتَرضَ البَرْقُ إلا كَبَا
فهذا شَمالٌ وهذا جنوبٌ ... وهذا دَبُورٌ وهذا صَبَا
وفيما يُسمَّى من الفَرَس بأسماءِ الطّير، ونقَلتُه من خطِّه أيضًا [من الكامل]:
بأبي جَوادٌ ما جرى في حلْبةٍ ... فتَراهُ إلا مرَّ وهْو يطيرُ
قل: كيف لا يدَعُ الطيورَ نَواكصًا ... عن شَأْوِه وتحمَّلتْه طيورُ
فعلَا بهامتِهِ على عُصفُورِه ... وسَمَا بدِيكَيْهِ له التشميرُ
стр. 2383
وله في المُجَبَّنات (١) [من الوافر]:
وسَفّاجينَ (٢) تحسَبُهم مُلوكًا ... إذا صَعِدوا منابرَهم جلوسًا
وقد ظَفِروا بصنعةِ كيمِياءٍ ... وليس تُعِيبُ صَنْعتُها الرئيسا
أذابوا من عجينهمُ لُجَيْنًا ... فصيَّرَه اللَّظى تِبْرًا نفيسا
وصاغوا للَّهاةِ مجبَّناتٍ ... تكاد تُعيدُ للموتى النفوسا
تعودُ خدودُهُنَّ البِيضُ حُمْرًا ... كوَجْنةِ مَن يَعِلُّ الخَنْدَريسا
تلوحُ على أكفِّهمُ بُدورًا ... وتُطلعُها طواجنُهمْ شُموسا
كأفلاكٍ رَبا (٣) [و] نجوم سَعْدٍ ... طَوالع لا ترى فيها نَحِيسا
كأنّ شخوصَها إذْ قابلَتْنا ... وجوهٌ لا ترى فيها عُبوسا
حَشَوْا جُبْنًا بواطنَها وزُقّت ... ظواهرُها فَراقَ لها لَبُوسا
جلَوْها فضّةً تزهَى بتبرٍ ... مذهَّبةً كما تَجْلو العروسا
ترى أيديَهمْ أعناقَ طَيْر ... وأنمُلَها إذا اجتمَعَتْ رؤوسا
وتسمَعُ في حلوقِ القوم منها ... إذا اندرجت بها أبدًا حَسِيسا
ليعلمَ ذو الرَّشادِ بأنّ كيسًا ... يُفرَّغُ .......................
وكان من أبرع الناسِ خَطًّا في الطريقةِ المغرِبية، [كتَبَ أزمّةَ] المَجَابي السُّلطانية، وفاق في أحكامِها أهلَ عصرِه، وفيه يقولُ [أبو الرَّبيع] ابنُ أبي غالب (٤)،
стр. 2384
وهو من بَديع تجنيسِ القَوافي وغريبِه ونقلتُه من خطِّ صاحبِهِما أبي القاسم بن عِمران [من الطويل]:
أمالكةُ اسمَعي حديثَ المُناصفِ ... ولا تَعذِلي ما العَذْلُ رأي المُناصِفِ
وإن جُرتِ رِفقًا لا كما جارتِ النَّوى ... بجَهْل فإن يوضَحْ لكِ العلمُ ناصفِ
صِفي باشتياقي اليومَ سَمْعَ حديثه ... وإن كان فيه يستوي علمُنا صِفِ
وخلّ المُنى يَلهَجْ بذكْرِ المُناصفِ ... فؤادي وإن افصَحْتُ فابنُ المُناصفِ
وقد جَرى له ذكْرٌ في رَسْم أبي القاسم عبد الكريم بن عِمران (١).
وتوفِّي في مَرّاكُشَ في رجبِ سنة سبع وعشرينَ وست مئة، ودُفن خارجَ باب فاسَ.
١٧٨ - موسى (٢) بن محمد بن عليّ بن مَرْوانَ بن جَبَل الهَمْدانيُّ، تِلِمْسينيٌّ وَهْرانيُّ الأصل حديثًا شَلَوْبانيُّهُ قديمًا، وسَكَنَ معَ أبيه مَرّاكُشَ وقتًا، أبو عِمرانَ، ابنُ مَرْوان.
رَوى عن أبيه (٣) وتَفقَّه به وبغيرِه، واستُقضيَ بمالَقةَ ثم بغَرْناطةَ ثم تطُلْ مُدّةُ استقضائه بها حتى أتتْه منيّتُه في شعبانِ ثمانٍ وست مئة. وكان الحفلُ في جَنازتِه عظيمًا حضَرَه الوالي بغَرْناطةَ فمَن دونَه (٤).
стр. 2385
١٧٩ - موسى بن مَلُّوْل -بفتح الميم وشدِّ اللام وواوِ مَدّ ولام- الصَّوْديُّ (١) -بصادٍ معقود ومفتوح وواوٍ ودال غُفْل منسوبًا- أبو عِمران.
رَوى عن أبي القاسم ابن بَشْكُوال.
١٨٠ - موسى بن هارونَ بن خِيَار، أبو عِمران .
رَوى بالمَرِيّة عن أبي القاسم ابن وَرْد.
١٨١ - موسى (٢) بن ياسين مَوْلى صَالح بن إدريسَ الحِميَريِّ صاحبِ نَكُور (٣)، أبو عِمران.
دَخَلَ الأندَلُس، وعُنيَ بالحسابِ والفرائض، وصنَّف بها كُتُبًا نافعةً معروفةً به.
١٨٢ - موسى بن يوسُفَ بن محمد المَغِيليُّ (٤)، من نَظَر فاسَ.
رَوى عن أبي بكرٍ ابن خَيْر.
١٨٣ - مَيْمونُ (٥) بن أحمدَ بن محمد القَيْسيُّ، قَلْعيٌّ قلعةَ بني حمّاد، أبو الفَضْل وأبو وَكيل.
نَزَلَ قُرطُبةَ وسَكنَها مُدّةً إلى أن تغَلَّبت عليها الرُّوم -قصَمَهم اللهُ ورجَعَها- فاستَوطنَ أَرْكَش (٦).