وقَدِمَ الأندَلُسَ وتجوَّلَ ببلادِها، وأخَذَ عنه من أهلِها: آباءُ جعفر: الجَيّار وابنُ يحيى بن عَمِيرةَ وابن يوسُف. . . [وأبو] الحَجّاج بن عليِّ بن عبد الرزّاق، وأبناءُ حَوْطِ الله، وأبو الرّبيع بن سالم، وأبَوا عبد الله: ابنُ محمد بن صَالح وابنُ سَعِيد الطَّرّازُ، وأبو الحَسَن بن عليِّ بن سَمْعانَ، وأبو [عَمْرو] بنُ سالم، وأبو القاسم المَلّاحيُّ، وابناه: عبدُ الواحِد وعليّ.
وكان شديدَ الحَياء، وَرِعًا كثيرَ الصَّدَقة، مُثابِرًا على أعمالِ البِرِّ، زاهدًا في الجاه، مُنقبضًا عن رؤساءِ الدنيا، مُداخِلًا لأهل العلم، متحبِّبًا إلى طلَبتِه القاصدينَ إليه للأخْذِ عنه، مُنبسِطًا معَ أهل الدِّين والفَضْل، عالمًا بأصُولِ الفقه والتصوُّف، فقيهًا شافعيًّا، متّسعَ الرّوايةِ في الحديث، ولم يكنْ ضبطُه بذلك. ومن مصنَّفاتِه: "الرَّوضةُ الأنيقة".
انتَحلَ أوّلَ قدومِه الأندَلُسَ الوعظَ والتذكيرَ، واستمرَّ على ذلك زمانًا، ودخَلَ مَرّاكُشَ وأغماتِ وَريكةَ فيما قيل، ووَعَظَ بهما ونفَعَ اللهُ به خَلْقًا كثيرًا، ثم تخَلَّى وانقَطعَ إلى خدمةِ الله تعالى وأقبَلَ على العبادةِ والمجاهدة وآثَرَ الخُمولَ والخَلْوةَ إلّا معَ طلبة العلم، ولزِمَ سُكنى رُوَيْضةٍ خارجَ غَرْناطة.
وأرسَلَ إليه وإليها أبو إبراهيمَ إسحاقُ بن أبي يعقوبَ بن عبد المؤمن (١) وزيرَهُ راغبًا منه في الوصُولِ إليه، فأبَى من ذلك بُعدًا من التظاهُر وفِرارًا من مُلابسةِ أبناء الدُّنيا، فبَيْنا أبو زكريّا بموضِع سُكناه سَمِع قَرْعَ بابِه، فقام إلى فَتْحِه، فإذا الأميرُ أبو إبراهيمَ معَ أحدِ غِلمانِه، فدَخَلَ عندَه وقال له: جئتُ إليك إذْ لم تُرِدْ أن تصلَ إليّ، فاشتَدَّ قلقُه لذلك وقال له: أصلَحَك اللهُ، هذا أمرٌ لا يَهُونُ عليّ ولا يَحتملُه حالي، فقال له أبو إبراهيم: لا بدَّ منَ اجتماعِنا إمّا بوصُولي إليك وإمّا بوصُولِك إليّ، فقال: إذا [كان] لا بدَّ من ذلك فعسَى أن يكونَ بموضع خارجَ البلد خامِل لا يُؤبَهُ له ولا يُفطَنُ لتلاقينا فيه، وإذا أردتَ فتقَدَّمْ
стр. 2417
إلى الموضِع الذي تُعيِّنُه لتلاقينا فيه، وأرسِلْ إليّ [غلامَك يُعيِّنْ ليَ] الموضعَ فأقصِدَ إليك فيه فنجلسَ فيه ما قُدِّر ونفترق، [فوافَقَ على ذلك، وكان] حالُهما في التلاقي على هذا بُرهةً من الدّهر، ثم إنّ أبا [إبراهيمَ قال: إنّي] رأيتُ أن نَبِيتَ معًا، فقال أبو زكريّا: هذا ما لا يُمكنُني [قَبُولُه أبدًا] فقال له: وما يمنَعُك من ذلك؟ فقال: إنّي عاهدتُ اللهَ أن لا أُبايتَ [أحدًا لا عندي] ولا عندَه، فتَرَكَهُ على حالِه مُستكثرًا بما تأتَّى له من مُساعدتِه [على] الاجتماع به على ما وُصِف.
قال أبو جعفرٍ الجَيّار (١): ما رأيتُ أشدَّ حياءً منه ولا أزهَدَ، ولا تركَ بعدَه مثلَه فيما عَلِمت، وكانت له دراهمُ من مكسَبٍ طيِّب وأصل حلال، وكان قد دفَعَها إلى ثقةٍ من إخوانِه ليتَّجرَ له بها على حُكم القِرَاض فيتقوَّتَ بما يُفيءُ اللهُ عليه من رِبحِها، فلمّا مرِضَ مَرضَه الذي ماتَ منه أوصَى بثُلُثِه لأُولي السَّتْرِ من أهل غَرْناطة وجعَلَ ﵀ تنفيذَ ذلك إلى سَعِيد بن الحاجِّ بن سَعِيد فنَفَّذَه بعدَه، وكان قد بَعَثَ إليّ بجُملةِ مال إلى مالَقةَ من غَرْناطة، وكتَبَ إليّ أن أشتريَ بها سِلَعَ حُكْرة، فإذا بَلَغَك أنّي توفِّيتُ فتصَدَّقْ بجميعِه على أهل السَّتْر، ففعَلتُ وبَقِيتِ السِّلَعُ نحوَ العامَيْن، فلمّا توفِّي بِعتُها وتصَدَّقتُ بثمنِها كما ذَكَرَ، وصادَفَ ذلك وقتَ شدّةٍ في السِّعر.
وكانت وفاتُه ﵀ بغَرْناطةَ يومَ الأحد لخمسٍ خَلَوْنَ من شوّالِ ثمانٍ وست مئة، وقال ابنُ الأبّار: يومَ الاثنين يومَ وفاةِ أبي عبد الله بن نُوح ببَلَنْسِيَةَ، ومولدُه بدمشقَ سنة سبع، وقال ابنُ الأبّار: آخرَ ثمانٍ وأربعينَ وخمس مئة.
١٩٨ - يحيى (٢) بنُ عبّاس بن أحمدَ بن أيّوبَ القَيْسيُّ، قُسْطنطينيٌّ، أبو زكريّا.
أخَذ ببلدِه عن أبي زكريّا بن علي الزَّوَاويّ، وأبي زَيْد بن عليّ بن الحَجَر، وأبي عبد الله بن مَيْمونٍ السّمنطاريِّ القَلْعيّ، وأبي العبّاس بن أبي الرّبيع بن ناهِض، وأبي محمدٍ عبد الله الرِّكْليِّ بن أَمَةِ الله.
стр. 2418
وقَدِمَ الأندَلُسَ طالبًا العلمَ، فرَوى عن أبي الحُسَين بن زَرْقُون، وابنَيْ حَوْطِ الله، وأبي الخَطّاب بن واجِب وأكثَرَ عنه، وأبي الرّبيع بن سالم، وأبوَيْ عبد الله: ابن خَلْفُون وابن نُوح، وأبي محمدٍ عبد الحقِّ بن عبد الله بن عبد الحق، وأبي القاسم: أحمدَ بن محمد الطَّرَسُونيِّ وأكثَرَ عنه، ومحمدِ بن محمد بن عليّ بن بَاز. وأجازَ له أبو جعفرِ الجَيّارُ، وأبو عليٍّ الرُّنْديُّ؛ قرَأَ عليهم وسَمِع وعادَ إلى بلدِه بعِلم جَمّ وروايةٍ واسعة.
وكان محدِّثًا عَدْلًا ثقةً مُكثرًا مَرْضيَّ الأحوال سُنِّيًّا مشاركًا [مُقبِلًا على التدريس] مُلازمًا له.
توفِّي ببِجَايةَ سنةَ اثنتينِ وخمسينَ وست مئة.
١٩٩ - يحيى بنُ [. . . .] (١)، صِقِلِّيٌّ، أبو الحَسَن.
رَوى عن شاعر الدّيار المِصريّة الأعزِّ أبي الفُتوح [نَصْر الله بن عبد الله] بن أبي القاسم مَخْلوفِ بن عليِّ بن عبد القَويّ بن الأزهر اللَّخْميِّ ابن [قَلاقس] (٢).
[رَوى عنه] أبو عَمْرو بن سالم، لقِيَه بالمُنكَّب وقال: كان بصِقِلِّيَةَ كاتبًا
للرؤساء. . . . وقال: كان وَرِعًا زاهدًا فاضلًا.
٢٠٠ - يحيى (٣) بنُ عيسى بن عليّ بن محمد بن أحمدَ [المُرِّيُّ] (٤)، تِلِمْسينيٌّ، أبو الحَسَن، ابنُ الصَّيْقَل.
стр. 2419
رَوى عن أبي عليّ بن سُكّرةَ وأكثرَ عنه. حدّث عنه أبو الفَضْل (١) في "المعجَم". وكان شديدَ العناية بطريقِ الرّواية موصُوفًا بالعدلِ والنّزاهة.
٢٠١ - يحيى (٢) بن محمد بن عبد الرّحمن بن بَقِيّ، سَلَويٌّ، أبو بكر.
أخَذ القراءاتِ والحديثَ والأدبَ عن مَشيَخةِ بلدِه. ودخَلَ الأندَلُسَ وسكنَ مُرْسِيَةَ وصَحِبَ فيها أبوي العبّاس: ابنَ إدريسَ وابنُ الحَلّال. رَوى عنه أبو عُمرَ بنُ عَيّاد.
وكان من أهل العلم بالتفسير والأصُول والمعرفة بالآداب، متقدِّمًا في طريقةِ الوَعْظ والتذكير، قاصرًا زمانَه على ذلك، ذا حَظّ نَزْر من قَرْض الشّعر (٣).
مولدُه لليلتَيْنِ خَلَتا من ذي الحِجة سنةَ عشْرٍ وخمس مئة، وتوفِّي بمُرْسِيَةَ يومَ الأربعاء لخمسٍ خَلَوْنَ من ذي الحجة سنةَ ثلاثٍ وستّينَ وخمسِ مئة، وصَلّى عليه أبو القاسم بنُ حُبَيْش.
٢٠٢ - يحيى (٤) بن محمدِ بن عليّ بن يوسُفَ بن خَلَف بن يحيى الأنصاريُّ، سَبْتيٌّ، أبو الحُسَين، ابنُ الصّائغ.
رَوى عن آباءِ بكر: ابن رِزق، وعبد الكريم بن غُلَيْب، وابن مُحرِز، وآباءِ الحَسَن: ابن أحمدَ بن حُنَيْن والأطريّ والزُّهْريّ وابن عُقاب وابن النِّعمة، وأبي الطاهر السِّلَفيّ، وآباءِ عبد الله: ابن الرَّمّامة وابن زَرْقُون وابن سَعادةَ وابن عبد الرّزاق الكَلْبيِّ وابن المُجاهد، وأبي عليّ بن سَهْل الخُشَنيّ، وأبي القاسم
стр. 2420
ابن بَشْكُوال، وأخَذَ عنه "صِلتَه" و"برنامَجَه الأوسَط" (١)، وآباءِ محمد: ابن إبراهيمَ ابن الجَنّان وابن عُبَيد الله وابن كمال وابن مَوْجُوال وقاسم ابن الحاجِّ الزَّقّاق، وأبي مَرْوانَ بن قُزْمانَ وأكثَرَ عنه، وأبي موسى عيسى ابن الفَخّار.
وترَدَّد كثيرًا إلى الوليِّ الصّالح ذي الكراماتِ المأثورة أبي يعزَى (٢) يل النُّور ابن عبد الله (٣) الهزميريِّ -هزميرةَ إيروقان- وقيل: إنه كان يقولُ: إنّ أصلَه من بني صُبح من هَسْكورة، كذا ذَكَرَ نَسَبَه التأريخيُّ أبو يعقوبَ ابن الزَّيّات (٤)، وقال الشّيخ [أبو العبّاس العَزَفيُّ]: يللنُّور بن عبد الرّحمن بن أبي بكرٍ الإيلانيِّ من أغماتِ [إيلان] وقيل: من إيروقان من عَمَل مِكناسةِ الزّيتون من بلادِ المغرِب. ورَحَلَ إليه [أبو الحُسَين ابنُ الصائغ] متبرِّكًا بلقائه وشاهَدَ من كراماتِه كثيرًا.
رَوى عنه أبو إسحاقَ الواعظُ القَفّال، وآباءُ الحَسَن: الشارِّيُّ وابنُ عبد الصّمد ابن الجَنّان وابن [قطْرال] وأبو الخَطّاب بن خليل، وأبو الرَّبيع بن عَفّانَ الصَّودي، وأبو زَيْد بن عُمرَ بن عِمران. . . وآباءُ عبد الله: التُّجِيبيّانِ: ابنُ الحَسَن بن مُجبر وابنُ عبد الرّحمن نَزيلُ تِلِمْسينَ -وهو في عِداد أصحابِه- وابنُ خالص الأنصاريُّ وابن عبد الحقِّ التلمسينيُّ وابنُ يحيى بن هشام، وآباءُ العبّاس: ابن عبد الرّحمن الفِهْرِيُّ وابنُ عبد المؤمن، وأبناءُ المحمّدِينَ: ابنا الأحمدَيْنِ: العَزَفيُّ والمَوْرُوريُّ، وابن حَسَن بن تامتيت، وأبو عليّ الفَضْل بن مُعَلَّى، وأبو الفَضْل
стр. 2421
قاسمُ بن أبي بكر بن عليّ القُرَشيُّ القَرَويُّ، وأبَوا القاسم: ابنُ الحَدّاد وابنُ رَحْمون،
وأبَوا محمد: ابنُ موسى الرُّكَيْبيُّ وعبد الحق بن عَبْدون، وأبو موسى عيسى بن عَبْدون، وأبو الوليد ابنُ الحاجّ.
وكان راويةً للحديثِ شديدَ العناية بلقاءِ المشايخ والأخْذِ عنهم، عارفًا بالقراءات، مجوِّدًا للقرآن حَسَنَ التأدية له، صادقَ الزُّهد والوَرَع، بارًّا بطلَبةِ العلم، صَليبًا في الحقّ مُصمِّمًا عليه، كثيرَ التقشُّف، متقلِّلًا من الدّنيا لا يَتلبَّسُ إلا بأقلِّ ما يُمكنُ من مطعَم وملبَسٍ ومسكَن.
قال أبو عبد الله ابنُ عبد الرّحمن التُّجِيبيُّ (١) وقد ذَكَرَه آخِرَ حرفِ الياء من "معجَم شيوخِه": ختَمتُ بذكرِه هذا المجموعَ لبركتِه وفَضْلِه.
وقال أبو عبد الله ابنُ مجُبر (٢): كان مصمِّمًا في الحقّ لا تَجري لأحد مَظلمةٌ إلا كشَفَها، غَضِبَ أبو العلاء إدريسُ بن أبي يعقوبَ بن عبد المؤمن أميرُ سَبْتةَ (٣) الشديدُ البأسِ على الناس يومًا على أهلِها، فأمَرَ أن يُحشَرَ الناسُ خارجَها في صَعِيد، وصعِدَ صَرْحًا كان صُنعَ له هنالك من الخشَب، واجتَمعَ الناسُ رفيعُهم ووَضِيعُهم، وطال بهم المُقام وضَرّتْهمُ الشمسُ، فلم يُكلِّمْهم ولا أذِنَ لهم في الانصرافِ والتفرُّق إلى أنِ انتهى الخَبَرُ إلى أبي الحُسَين ابن الصائغ ﵀، فجاء حتّى بَلَغَ من مَرْقَب أبي العلاءِ بحيث يُعاينُه، ثم رَفَعَ رأسَه إليه، وكان في صوتِه جَهارةٌ وفي كلامِه إرهاب، فقال له: انصُبْ صِراطَك وضَعْ موازينَك في كلامٍ غير هذا ونحوه، ثم رَدَّ رأسَه إلى الناس وقال: امشُوا من هنا، فافتَرقَ الحَفْلُ طاعةً [لأمرِه لمعرفتِهم] بمكانِه عندَ الله تعالى، ونَزلَ أبو العلاء عن مَرْقبِه ذلك [واختَلطَ] بالناس.
стр. 2422
وقال أبو عبد الله ابنُ عبد الحقِّ (١) فيه: زاهدٌ [كبير] , بَلَغَ من التقلُّل من الدنيا الغايةَ القُصْوى والنهايةَ العُليا.
وقال [أبو محمدٍ ابنُ] عبد المؤمن (٢): كانت له بفاسَ زوجة، فكان يَزُورُها، فصادَفْتُه بها، [وسعَيْتُ إليه] في موضعِه زائرًا متبرِّكًا في جُملة من الأصحاب، واستجَزْناه فأنعَمَ، وكنتُ قد لقِيتُه قبلَ ذلك قاصدًا المسجدَ الجامعَ وعليه ثيابٌ خُشْنٌ وفي رِجلَيْه بُلغةٌ خَلِقة وعلى رأسِه قطعةُ ثوبٍ وَسِخ، وعهدي به في سُوق الحلفاءِ والناسُ يجتازون، فكلُّ مَن وقَعَت عينُه عليه بقِيَ شاخصًا فيه لا تُطاوعُه قَدَماهُ على الذهابِ عنه، ثم جلَستُ في جملةٍ من الطّلبة تذاكَروهُ وعَزَموا على قصدِه للاستجازة، فأخَذوا يتواصفونَه بشَراسةِ الخُلُق ويَهابُونَ الإقدامَ عليه، ثم عَزَموا على قَصْدِه، فأخَذوا يَدعُونَ اللهَ في طُول طريقِهم إليه أن يَكفيَهم سُوءَ خُلُقِه، فلمّا دخَلْنا عليه رأينا رجلًا أحسَنَ الناس خُلُقًا وقابَلَنا بكلِّ بشر، وعَلِم قصْدَنا فأنعَمَ ووَعَدَ بكلِّ خير، وفي غالب ظنِّي أنه استَدعى لنا شيئًا فأكَلْناهُ عندَه، ثُم انصَرَفْنا وأتَيْناهُ في اليوم الثاني فقابَلَنا بمِثل ذلك البِشر ووَعَدَنا واعتَذرَ لنا بشُغل فأتَيْناهُ في اليوم الثالث فوجَدْنا الإجازةَ مكتوبة.
قال: وقلّما انكشَف عن أهل سَبْتةَ بَلِيّةٌ إلّا على يدِه، وعهدي به وقد سِيقَ أهلُ مَنُرْقَة أسرى وهم مِئُونَ (٣)، فأُخلِيَتْ لهم فنادقُ وسُدَّت أبوابُها دون الناس وتُرِكوا يموتونَ جُوعًا، فاستغاث الناسُ بأبي الحُسَين وقالوا: جماعةٌ من المسلمينَ
стр. 2423
بين أظهُرِنا يموتونَ جوعًا، انظُرْ في أمرِهم يا فقيهُ، فخَرَجَ إلى البحر في أوحش هيئة وأُخرِج إليه زَوْرقٌ من البحر ومشَى به في البرِّ إلى قُربِه، ورُفِعَ الفقيهُ على الأكُفِّ وأُنزِلَ فيه ثم أُدخِل البحرَ وقصَدَ إلى بليونش، وبها كان أميرُ سَبْتةَ حينئذٍ، وانصَرفَ من عندِه في أقربِ وقتٍ بصلةٍ لهم من عند الأمير، وأمَرَ له بأن تُفتحَ أبوابُ الفنادق إلى الناس يَدخُلونَ إليهم ويُواسونَهم بما شاءوا.
وتوفِّي ﵀ بسَبْتةَ يومَ السبت لثمانٍ بقِينَ من شعبانِ ستٍّ مئة، وقال ابنُ الأبار: في رمضان، واحتَفلَ الناسُ لحضور جَنازته، [وكان يومُ دَفْنِه] يومًا مشهودًا لم يتَخلَّف عنه إلا القليلُ من أهل سَبْتة ...
ودُفن بالمقبُرة خارجَ بابِ الصّفاح (١)، وقَبْرُه [بها معروفٌ] مَزُور متبرَّكٌ به إلى الآن.
قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: وإذْ قد ذَكَرَ هذا الفاضلُ المبارَكُ أبا يعزَى نفَعَ اللهُ به ورضيَ عنه، فقد أردتُ أن أُثبِتَ هنا نُبذةً من أخبارِه ولمحةً من آثارِه، فأقول: حدَّثني الشيخانِ: الكاتبُ أبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ قراءةً عليه، والرئيسُ الأسنى أبو القاسم محمدٌ ابنُ الفقيه الفاضل أبي العبّاس إجازةً، كلاهما عن أبي العبّاس العَزَفيِّ قال: وكان ممّن رَحَلَ إلى لقائه -يعني أبا يعزَى المذكورَ- الشّيخُ الفقيه الراويةُ الزاهد أبو الحُسَين يحيى بنُ محمد الأنصاريُّ، عُرف بابن الصّائغ، فسمِعتُه يقول: صَحِبَني قومٌ في وِجهتي إليه أو: جَمَعَني وإياهم قدومُنا عليه، وكانوا قد تحدَّثوا في مرحلةٍ من المراحل إلى أنْ ذَكَروا الشّيخَ، فقال بعضُهم: هو جاهل أو: عاميٌّ أو نحوَ هذا، فكان معَهم رُوَيْجِلٌ أُسيْمِرٌ، فعاب عليهم ذلك وقال: تمشُونَ إليه الأيام وتُعمِلونَ إليه الرِّكاب ثم تقَعونَ فيه وتغتابونَه؟ قال: فلمّا بَلَغوا إليه وسَلَّموا عليه أمَرَ بإنزالِهم في بيت، وأمَرَ بحَطَب أخضَر فأوقِدَ
стр. 2424
فيه -ولعله كان فَصْلَ الحاجة إلى النار مثلَ فَصْل الشتاء أو الربيع- فلقُوا من ذلك شدّةً وضيقًا، ثم جاءهم بعدَ أُمّة فقال لهم: عجَبًا لكم! تفارقونَ أوطانَكم وأهليكم وتخرُجونَ إلى الله فيما تزعُمون برَسْم زيارةِ شخص أحسنتُم به الظّنَّ ثم تَقَعونَ فيه ولم يكنْ فيكم مَن غَيَّر ذلك وأنكَرَه وقام بحقِّ الله فيه إلا هذا الغُلَيِّم؟ لقد كان مقامُكم في ديارِكم وبينَ أهليكم أقربَ إلى سلامتِكم وأقضَى لحاجتِكم، ثم صَفَحَ عنهم وأوصى الجميعَ بخير.
قال الشّيخ أبو العبّاس: وحدَّثني عنه الطالبُ الصيِّنُ ابنُ أُختِه أنه سَمِعَه يقول: كنتُ عند الشّيخ الصالح أبي يعزَى مرّةً معَ الحاجِّ الصالح أبي محمد بن عاصم، وكان إذا أُدخِلْنا بيتَه عليه أجلَسَني والحاجَّ على سريرِه وأخَذ في إطعام من حَضَر من الوفودِ والزُّوّار، فقلتُ للحاجّ: هذا الطعامُ غليظ ونحن لا نحتملُه! فقال لي: فما الذي يَصلُح؟ فقال أو قلت: رُغَيِّفاتُ قمح بسَمن وعَسَل، ثم حَضَرَ الطعام، وحَلَّق الحاضرونَ حِلَقًا فأرَدْنا النّزولَ لنتحَلَّق معَ الناس ونُشاركَهم فيما أكلوه، فأشار إلينا أنْ مكانكم، ثم أتانا برغائف در [مكٍ وسَمنٍ وعَسَل، وقال] لنا: كُلوا ما اشتَهيتُم.
قال: وحدَّثنا عنه أيضًا، قال: [خَرَجتُ معَ] ابن عاصم المذكور، فوقَعَتْ عينُنا على أُرْخةٍ (١) تامّة الخَلْق [حسَنة] الوَصْف، فقال لي الحاجّ: هذه الأُرخةُ كان يَصلُحُ أن تكونَ [عندَنا بسَبْتةَ لنشربَ] لبنَها، فلمّا أردنا الانصرافَ قال: لتأخُذوا هذه الأُرْخة واحمِلوها [معَكم] لتشربوا لبنَها هنالك كما قلتُم.
وحدّثني القاضي أبو محمدٍ حَسَنُ بن عليّ ابن القَطّان عن التأريخيِّ العَدْل أبي يعقوبَ ابن الزَّيّات، قال: حدثنا أبو عبد الله ابنُ خالص الأنصاريُّ قال: سمِعتُ الشّيخ أبا الحُسَين يحيى بنَ محمد الأنصاريَّ المعروفَ بابن الصائغ يقول: زرت أبا يعزَى، فلما كان وقتُ غروبِ الشمس خَرجْتُ معَ جماعةٍ لإسباغ
стр. 2425
الوضوء، فلمّا بَعُدْنا من الطريق حال الأسَدُ بينَنا وبينَ القرية، فقيل لأبي يعزَى: إنّ الأسَد حالَ بينَ ضِيفانِك والقرِية، فأخَذَ أبو يعزَى عَصَاهُ في يدِه وجاء إلى الأسد يَضرِبُه بها إلى أن فَرّ، فجئنا، فأخَذَ يأكُلُ عيونَ الدُّفْلَى، فقال بلسانِه وكان لا يُحسنُ العربيّة لمَن ترجَمَ لي عنه: قُلْ لأبي الحُسَين: ما تقولونَ معشَرَ الفقهاءِ فيمن يأكُلُ هذه؟ -يعني عيونَ الدُّفْلى- فقلتُ له: قُلْ له عنِّي: إنّ الفقهاءَ يقولون: مَن أكَلَ هذا فإنه يَطرُدُ الأسَد، فأخبَرَه التُّرْجُمانُ بقولي فرأيتُه يتبسَّم.
قال أبو يعقوبَ ابنُ الزّيّات (١): وحدَّثني محمدُ بن إبراهيمِ بن محمد الأنصاريُّ، قال: سمِعتُ أبا مَدْيَنَ يقول: سمِعتُ الناسَ يتحدّثون بكراماتِ أبي يعزَى، فذهبتُ إليه في جماعةٍ توجَّهَت لزيارته، فلمّا وصَلْنا جَبَلَ إيروقان ودخَلْنا على أبي يعزَى أقبَلَ على القوم دوني، فلمّا أُحضِرَ الطعام منَعوني الأكل، فقعدتُ في رُكن الدار، فكلّما أُحضِر الطعامُ وقمتُ إليه انتَهرَني، فأقمتُ على ذلك ثلاثةَ أيام، حتى أجهَدَني الجوعُ ونالَني الذُّلّ، فلمّا انقَضَت ثلاثةُ أيام قام أبو يعزَى من مكانِه فأتَيْتُ إلى ذلك المكان ومرَّغتُ وجهي فيه، فلمّا رفَعتُ رأسي نظرتُ، فلم أرَ شيئًا وصِرتُ أعمى، فبقيتُ أبكي طُولَ ليلتي، فلمّا أصبحتُ استدعاني وقال لي: اقرُبْ [يا أندَلُسيّ] , فدَنوتُ منه، فمَسَحَ بيدِه على عيني فأبصَرتُ، ثم مَسَحَ بيدِه على صدري وقال للحاضِرين: هذا يكونُ له شأنٌ عظيم، أو كلامًا هذا معناه، فأذِنَ لي في الانصراف وقال لي: ستَلقَى في طريقِك أسدًا فلا [يَروعُك، فإنْ غَلَبَ عليك خَوفُه] قُلْ له: بحُرمةِ يللنور إلا ما انصَرفتَ عنّي، [وسيَلقاك ثلاثةٌ من] اللّصُوص عند شجرة وستَعِظُهم فيتوبُ اثنانِ منهم [على يدِك ويرجِعُ الثالث] ثم يُقتَلُ ويُصلَبُ على تلك الشجرة، فوادَعْتُه وانصَرفْتُ، [فاعتَرضَني أسدٌ] في الطريق فأقسَمتُ عليه بأبي يعزَى، فتنحَّى عن الطريق، [وجُزتُ وما] زال يتبَعُني إلى أن خرَجتُ من الشّعراء، فرجَعَ عنّي، ثم أتَيْتُ على ثلاثةٍ [من اللّصُوصِ] وهم قعودٌ إلى أصل شجرة، فقاموا إليّ
стр. 2426
فوعَظْتُهم فأثَّرَتِ الموعظةُ [في قلوبِ] اثنينِ فانصَرَفا، وذهَبَ الثالثُ إلى أصل الشجرة فقَعَدَ عندَه، فسَمعَ به الوالي، فبَعَثَ إليه مَن ضَرَبَ عُنقَه وصَلَبَه على تلك الشجرة، ولم أزَلْ سائرًا إلى أن وصَلتُ إلى بِجَاية.
قال ابنُ الزَّيّات (١): وحدّثني أبو عليّ حَسَنُ بن محمد الغافقيُّ الصَّوّافُ، وكان قد صَحِبَ أبا مَدْيَن نحوًا من ثلاثينَ سنةً وما فارَقَه حتى مات، قال: سمِعتُ أبا مَدْيَن يقول: زُرتُ الشّيخ أبا يعزَى أوّل مرّة زُرتُه، فمشَيْتُ إليه معَ رجُلَيْنِ فاشتَهى كلُّ واحد منّا طعامًا يأكُلُه عندَه، فلمّا دخَلْنا عليه قَدَّمَ لكلِّ واحدٍ منّا ما اشتهاهُ قبلَ الوصُول إليه، فأقمتُ عندَه أيامًا، فرأيتُه في تلك الأيام يُقدِّمُ الرجُلَ للصّلاة، فإن كان قارئًا مجُيدًا أقَرَّه، وإن كان لَحّانًا أخرَجَه، وكان أبو يعزَى أُميًّا ولكنه رُزِق إدراكَ عِلم هذا.
قال أبو مَدْيَن (٢): وقالت لي جماعةٌ من الفقهاءِ المُجاوِرينَ لأبي يعزَى: ثبتَتْ عندَنا ولايةُ أبي يعزَى، ولكنْ نشاهدُه يلمَسُ صُدورَ النّساءِ وبطونَهنّ ويَتفُلُ عليهنّ فيَبْرَأْنَ، ونَرى أنّ لمْسَهنّ حرام! فإنْ تكلَّمنا في هذا هَلَكْنا، وإن سكتْنا حِرْنا، فقلت لهم: أرأيتُم لو أنّ ابنةَ أحدِكم أو أُختَه أصابها داءٌ لا يطلعُ عليه إلا الزّوجُ ولم يُوجَدْ من يُعانيهِ إلا طبيبٌ يهوديٌّ أو نَصْرانيّ، ألستُم تُجيزونَ ذلك معَ أن دواءَ اليهوديِّ أو النّصرانيِّ مظنون وأنتم من مُعاناة أبي يعزَى على يقين من الشفاءِ ومن مُعاناة غيره على شكّ؟ فبَلَغَ كلامي أبا يعزَى، فكان يقول: إذا رأيتُم شُعَيْبًا فقولوا له: عسى أن يعتنقَني، كأنه استَحسَنَ جوابَه عنه.
قال أبو علي (٣): وكان أبو مَدْيَن يقول: رأيتُ أخبارَ الصّالحين من زمن أُويس القَرَنيّ إلى زمانِنا، فما رأيتُ أعجَبَ من أخبار أبي يعزَى، وينبغي أن تُكتبَ بماءِ الذهب.
стр. 2427
وكراماتُ هذا الشّيخ أبي يعزَى ﵀ كثيرةٌ، ولولا الخروجُ عن المقصود لأورَدْنا [جُملةً أخرى] منها تبرُّكًا واستنزالًا للرحمة بذِكْرِه، فعندَ ذكْرِ [الصّالحين تتنزّلُ، نفَعَنا اللهُ] بهم وأفاضَ علينا بركاتِهم. وقد جَرى له ذكْرٌ في رَسْم [أبي الحَسَن] ابن حَرزهُم، وقد عُني بجَمْع أخبارِه وفضائلِه الشّيخُ الفاضل [أبو العبّاس العَزَفيّ] وأبو يعقوبَ ابنُ الزَّيّات رحمهما الله، فأفرَدَ لها أبو العبّاس مصنَّفًا [سمّاه] "دِعامةَ اليقين في زعامةِ المتّقين" (١)، وذَكَرَ أبو يعقوبَ رَسْمَه [في كتابِه المعروف] بـ "التشوُّف إلى معرفة رجالِ التصوُّف"، فمن أرادَ استيفاءَ أكثرِ أخبارِه [فلْينظُرْها] هنالك إن شاء اللهُ، وقدِ اختَلَفا في نَسَبِه كما تقَدَّم.
٢٠٣ - يحيى (٢) بنُ محمد بن [يوسُفَ] الأزديّ، فاسيٌّ، أبو بكر.
دَخَلَ الأندَلُس فلقيَ بالمَرِيّة أبا عبد الله بن موسى بن وَضّاح وأخَذ عنه "تنبيهَ الغافلين" في الوَعْظ لأبي اللّيث السَّمَرْقَنْديّ، وأبا القاسم عبدَ الغفُور بنَ أبي محمد النَّفْزيَّ، فرَوى عنه مصنَّفَه المشاهد في الرقائق. لقِيَه أبو عُمر بنُ عَيّاد بِانتنيان (٣) سنةَ أربع وأربعينَ وخمس مئة فأجازَهما له وهو ابنُ خمسينَ سنةً أو نحوِها.
كان ذا عنايةٍ بالطريقة الوَعْظيّة، عاكفًا عليها مُكثِرًا من روايةِ المصنَّفاتِ فيها.
٢٠٤ - يحيى بن محمد الصُّنْهاجيُّ، أبو زكريّا .
رَوى عن أبي محمد بن محمد بن جعفر (٤).
٢٠٥ - يحيى (٥) بنُ موسى بن عيسى بن عِمْرانَ بن دافَال المِكْناسيُّ ثم الوَرْدميشيُّ، مَرّاكُشيٌّ، أبو زكريّا.
стр. 2428
[كان] فقيهًا زاهدًا فاضلًا من بيت نَباهة وعِلم وجَلالة.
٢٠٦ - يحيى (١) بنُ موسى بن يَرْأن، بياء مَسْفُول مَفْتوح وراءٍ ساكن وهمزة مفتوحة ونُون، الصَّنهاجيُّ الكَبْكَاليُّ، بفَتْح الكاف وسكون الباءِ وكافٍ وألفٍ ولام منسوبًا، أبو زكريّا، ابنُ تاينْدُوْج، بتاء مَعْلوّ وألف وياءٍ مَسْفول ونون ساكن ودال وواوِ مَدّ وجيم.
رَوى عن أبي بحرٍ سُفيانَ ابن العاص، وأبي محمدٍ ابن عَتّاب، وأبي الوليد ابن رُشْد.
٢٠٧ - يحيى بنُ أبي عُمرَ مَيْمون بن ياسين اللَّمْتُونيُّ مَرّاكُشيٌّ، أبو زكريّا .
رَوى بإشبيلِيَةَ عن أبيه (٢) وسَكَنَها معَه.
٢٠٨ - يَدَّرُ (٣) بن إبراهيمَ بن يوسُف بن محمد بن عبد الله.
كذا نقَلتُ هذا النسَبَ من خطِّ أبي الأصبَغ الطّحّان، ووقَفْتُ عليه في خطِّ أبي بكرٍ ابن القانه الأزرق: يَدَّرُ بنُ إبراهيمَ بن محمد بن يوسُف، ولم يزِدْ، فاسيٌّ، أبو محمد.
شَرَّقَ وحَجَّ، وأخَذَ ببِجَايةَ عن أبي الأصبَغ عبد العزيز بن عليّ الطَّحان، وأُراه صَحِبَه في وِجهتِه المَشْرقيّة، وأبي محمدٍ عبد الحقّ ابن الخَرّاط، [وأبي محمد عبد الله] بن عبد الرّحمن الدِّيباجيِّ ابن أبي اليابِس. [وقَفَلَ من راحلتِه] , فدَخَلَ الأندَلُسَ وأخَذَ عنه بإشبيلِيَةَ وغيرِها [أبوا بكرٍ]: ابنُ مُلكون وابنُ مَرْوانَ ابن القانه، وأراه الأزرق، وأبو الحَسَن [بن عبد الله النَّحْويُّ] , وأبو عبد الله بنُ أبي نَصْر المُكْتِب، وأبو العبّاس بن سيِّد الناس، [وأبو بكرٍ أخو] المذكور.
стр. 2429
وكان محدِّثًا ضابطًا عَدْلًا خيِّرًا. وتوفِّي بقُرطُبةَ قبلَ ستٍّ مئة (١).
٢٠٩ - [يَديرُ بن تونارت] الهَسْكوريُّ، أبو محمد .
رَوى عن أبي عَمْرٍو رضا بن المنذر. وكان متقدِّمًا [في الفقه تا] مًّا فيه، درَّسه دَهْرًا.
٢١٠ - يَدِيْر (٢) -بفتح الياءِ المَسْفول ودالٍ وياءِ مَدّ وراء- ويقال: يِيْدِيْر -بياءٍ مَسْفول وياءِ مَدّ والباقي كالباقي- ابن حِبَاسةَ بن ماكْسِن بن حَبُّوس بن زيريّ بن مُنادٍ الصُّنْهاجيُّ، غَرْناطيٌّ، أبو المُعَلَّى.
رَوى عن أبي الفُتوح ثابت بن محمد الجُرجانيّ.
وكان رئيسًا محبًّا في العلم وأهلِه، ذا حَظّ صَالح من الأدب واستمالةِ مُنتَحِليه، وبسببِ يَديرَ هذا امتُحِن أبو الفُتوح الجُرجانيُّ الوافدُ على الأندَلُس امتحانَه الذي أدى إلى قتلِه على الوَجْهِ الشَّنيع.
وملخَّصه (٣): أنّ أبا الفُتُوح قَصَدَ أوَل دخولِه الأندَلُس مُنذرَ بن يحيى صاحبَ سَرَقُسْطةَ، فأصاب عندَه ما شاء من كرامةٍ وأوسَعَ نزُلَه وكرَّم مكانَه وأصحَبَه وَلَدَه يحيى بنَ مُنذر المرشَّح لأمرِه ومكانِه ليأخُذَ عنه وينتفعَ به، فلم يزَلْ لديه مَكينَ المنزِل إلى أن تغيَّر عليه يحيى في سُلطانِه، بعدَ مُضيِّ والدِه منذر،
стр. 2430
بسِعايةٍ لحِقَتْه عندَه فارقَه لها مختارًا وخَرَجَ عنه وجَالَ في الأندَلُس ولقِيَ ملوكَها فكلٌّ منهم أولاهُ بِرًّا وإحسانًا إلى أن لحِقَ بغَرْناطةَ وقصَدَ إلى أبي المُعَلَّى هذا فأحسَنَ الإقبالَ عليه وبالَغَ في الاحتفاءِ به والإحسان إليه وأقام في كنَفِه مُدّةً إلى أن اتّهم باديسُ بنُ حَبُّوس بن ماكْسِن ابنَ عمِّه أبا المُعَلَّى هذا القيامَ عليه وخَلْعَه إياه عن سُلطانِه، ولم يزَلْ هذا يتقرَّرُ عندَ باديسَ، ودَسَّ إليه أنّ لأبي الفُتوح في ذلك مشاركةً وإعانة، فغَمَسَ أبا الفُتوح في تُهمةِ ابن عمِّه وأخافه أشدَّ من إخافتِه، فلم يسَعْهُما إلّا الفِرارُ من غَرْناطة، فلحِقَ بإشبيلِيَةَ، وكان ممّن فَرَّ معَهما أبو ريش أحدُ أبناء عمِّ باديسَ، فاستقَرّوا جميعًا عندَ القاضي أبي القاسم محمد بن عَبّاد بإشبيلِيَةَ، ثم إنّ أبا ريش نَدِمَ على فِرارِه فطَرَحَ نفسَه على باديسَ فصَفَحَ عنه ولم يُعاقِبْه.
وكان أبو الفُتوح قد ترَكَ بغَرناطةَ زوجًا له أندَلُسيّة جميلةً جدًّا، [وكان لها من نفْسِه موقعٌ] عظيم، وكان له منها ولدانِ ذكرٌ وأُنثى، فاشتَدَّ شَوْقُه [إليهم حين اضْطُرَّ إلى الابتعادِ] عنهم، وبَلَغَه أنّ باديسَ قد قَبَضَ عليهم وسَجَنَهم بالمُنكَّب [عند قَدّاح عبدِه] وصاحبِ عذابِه، فعمِلَ على العَوْدِ إلى باديسَ من غير توثقٍ [بأمان] أو مُراسلة طمعًا في صفحِه عنه صَفْحَهُ عن ابن عمِّه أبي ريش، فخاب ظنُّه، ففَصَلَ عن [صاحبِه] قاصدًا غَرْناطةَ فصادف باديسَ في عسكرِه وهو مُقبِلٌ من الوقعة [التي كانت بينَه] وبينَ إسماعيلَ بن محمد بن عَبّاد وقَتْلِه إياه في محرّم إحدى وثلاثينَ [وأربع مئة، وأُدخِلَ] على باديس، فقال له ابتداءً: بأيِّ وَجهٍ جئتَني يا نَمّام؟ ما أجرَأكَ على خالقك [وأشدَّ] اغترارَك بسِحرِك، فرَّقتَ بينَ بني ماكْسِن ثم جئتَ تخدَعُني كأنك لم تصنَعْ [شيئًا]؟ فلاطَفَه وقال له: اتّقِ اللهَ فيّ يا سيّدي وارحَمْ غُربتي وسُوءَ مقامي ولا تُلزِمْني ذنْبَ ابن عمِّك فما لي سببٌ فيه ولا حَمَلَني علىٍ الفِرار معَه إلّا الخوف، وها أنا قد لفظَتْني البلادُ عليكَ مُقِرًّا بما لم أجْنِه رغبةً في صَفْحِك عنّي، فافعَلْ فعْلَ الملوك الذين يَجِلُّونَ عن الحِقد على مثلي من الصّعاليك.
стр. 2431
فقال: أفعلُ ما تستحقُّه إن شاء الله! انطلِقْ إلى غَرْناطة فضُمَّ حالَك والْقَ أهلَك وأصلِحْ من شأنِهم، فاطمأنّ إلى قولِه وخرَجَ نحوَ غَرْناطةَ وقد سَبَقَ الكتابُ إلى قَدّاح بحبسِه، وأُرسِلَ معَه فارسانِ وُكّلا بهِ من حيثُ لا يَشعُر استظهارًا عليه في مرورِه؛ لئلا يبدوَ له فيُنكِّبَ عن وجهتِه، فتعرَّضا له وقد خَرَجَ عن العسكر وقالا له: إنا نَصحَبُك في طريقِك، فأنِسَ بهما ولم يعلَمْ بشأنِهما، فسارا معه، فلمّا قَرُبوا من غَرْناطة إذا قومٌ ينتظرونَ أبا الفُتوح بجانبِ الطريق من زَبَانِيَة قَدّاح فعَدَلوا به وقَبَضوا عليه فحَلَقوا رأسَه وأركَبُوه على بعيرٍ وخلفَه أسودُ ضَخْم يُوالي صفْعَه، فأُدخِلَ غَرْناطةَ مُشهَّرًا بهذه الصّفة وعلى هذه الحال وقد برَزَ الخَلْقُ معَ قَدّاح للنظر إليه، وكان برهونٌ العُدْويُّ أمينُ البلد ممّن توَلَّى شأنَه، فاستغاث به من قوة الصَّفْع في مقامِه ذلك فكَلَّم له قَدّاحًا في التخفيفِ عنه، فأشار إلى الأسود بذلك، ولولا ذلك لأُتيَ عليه مِن شدّةِ قوّةِ الصَّفع، ثُم أُلقيَ في حَبْسِ ضيّق بعدَ شَهْرِه ومعَه رجلٌ من أصحابِ يَديرَ أُسِرَ في الوقعة بين باديسَ وإسماعيلَ بن عَبّاد، فأقام في الحبسِ إلى أن قَدِمَ باديسُ من إستِجةَ واستراح أيامًا بغَرْناطةَ وهو يَذكُرُ الجُرجانيَّ ويَعضُّ [أناملَه، فيُعارِضُه في أمرِه شقيقُه بلقينُ بن حَبُوس ويكذِّبُ الظنَّ به [ويقول: سأكونُ] أولَ من يشفَعُ إليه، والله لا يَصِلُ باديسُ إلى أذاه ما حَيِيت، [فارتبَكَ باديسُ] في أمرِه أيامًا ثم غافَصَ أخاه في قتلِه في وقتٍ أمِنَ فيه [معارضتَه، وأقبَلَ عليه] يسُبُّه ويَلعَنُه ويُبكِّتُه بذنوبِه ويُعلنُ الشّماتَ به ويقولُ له: [لم تُغنِ عنك نجومُك] يا كَذّاب، ألم تكنْ تَعِدُ أميرَك الفاعل -يعني ابنَ عمِّه يَيْدير- أنه سوف [يظفَرُ بي ويملِكُ] بلدي ثلاثينَ سنةً، لمَ لم تُدقِّق النظرَ لنفسِك وتحذَرْ سُوءَ ورطتِك؟ [قد أباح اللهُ] لي دَمَك، فأيقَنَ أبو الفُتوح بالموت وأطْرق ينظُرُ للأرض لا يُكلِّمُه [ولا ينظرُ] إليه، فزاد ذلك في غَيْظِ باديس، فوَثَبَ من مجلسِه والسّيفُ في يدِه، فخَبَطَ [به أبا] الفُتُوح حتى بَرَدَ فحَزَّ رأسَه، ثم قُدِّم الصُّنهاجيُّ الذي كان محبوسًا معه إلى السّيف فاشتَدَّ جَزعُه وجعَلَ يعتذرُ من خطيئتِه ويُلحُّ في ضَراعتِه فقال له باديس: أما
стр. 2432
تستحصي يا ابنَ الفاعلة؟ يصبِرُ المعلِّمُ الضّعيفُ القلب على الموت مثلَ هذا الصَّبر ويملِكُ نفسَه عن مكالمتي واستعطافي، وأنت تجزَعُ مثلَ هذا الجَزَع وطالما عدَدتَ نفْسَك في أشدِّ الرجال! لا أقال اللهُ مُقيلَك! اضرِبْ يا غلامُ عنُقَه، فضُربَتْ عنُقُه وانفَضَّ المجلس.
قال ابنُ برهون: وأحضَرَني باديسُ فأمَرَني بمُواراةِ الجُرجانيِّ إلى جانبِ أبي جعفر بن عبّاس كاتبِ زُهير ووزيرِه الذي قتَلَه باديسُ إثْرَ وقيعتِه معَ زُهيرٍ الصَّقْلَبيّ.
قال المصنّفُ عَفَا اللهُ عنه: قد تقَدَّم ذكْرُ مقتلِ أحمد بن عبَاسٍ هذا في رَسْمِه (١).
قال ابنُ برهون: ففعلتُ ما أمَرَني به باديسُ، فقبراهما في تلك البُقعة قد أسرّا أدبًا لا كِفاءَ له، وهذه البقعةُ بمقرُبةٍ من قبرِ حَبُوس بن ماكْسِن والدِ باديس.
قال: وكَلَّم الصُّنهاجيُّونَ باديسَ بنَ حَبُوس في جثّةِ صاحبِهم المقتول معَ أبي الفُتوح فأمَرَ بإسلامِها إليهم فخَرجوا بها على نَعْش إلى المقبُرة من فَوْرِهم فأصابوا قبرًا قد احتُفِر لميّت من أهل البلد فاغتَصَبوا فيه صاحبَه وصَبُّوا صاحبَهم فيه، فوارَوْه التّرابَ من غير غُسْل ولا كَفَن، وانطَلقوا لسبيلِهم، وعجِبَ الناسُ من جُرأةِ هؤلاء الصُّنْهاجيِّين وتَسامحُهم في الاغتصابِ حتى الموتى في قبورِهم.
قال (٢): وهَبَّ بُلقينُ بن حَبُوس منَ انهماكِه في شُربه، فأُعلِم بقتل أبي الفُتوح الجُرجانيّ، وقد كان أجاره على أخيه باديسَ فغضِبَ لذلك أشدَّ الغضَبِ واستَوحَشَ من [أخيه، فلّما عَلِمَ بذلك] رَكِبَ إليه باديسُ واستَلْطفَهُ واسترضاهُ وأسعَفَه [بتسريح زوجةِ أبي الفُتوح] وابنِها وابنتِها منه المعتقلِينَ في المُنَكَّب كما مَرَّ ذكْرُه، [والسماح لها] ببعض ما سَلِمَ لها من مال زوجِها، على
стр. 2433
أنّ الفاسقَ قَدّاحًا استخرجَ [معظمَه منها] باشتدادِه عليها، وكانت قد استَتَرت لمّا فَرَّ زوجُها وألَحَّ في طلبِها وفتَّش الدُّورَ من أجلِها حتى وقَعَتْ بيدِه خادمٌ لها كانت تقومُ ... عليها وعذَّبَها في شأنِها فأبَتْ أن تَدُلَّ عليها حتى اغتاظَ يومًا فأهوى إلى إحدى عينَيْها فاقتَلَعَها فلم تُقِرَّ له، فأهوى إلى الأخرى ليقتلعَها فأقرَّت عند ذلك بمكان مولاتِها، فمضَى واستخرَجَها وطالَبَها بمالِ الجُرجانيِّ، فأخَذَ أكثرَه وسَلِمَ لها منه ما تستَّرت به مُدَيْدةً بعدَه.
٢١١ - يعقوبُ (١) بن محمود (٢)، تلمسينيٌّ أغْماتيُّ الأصل أبو يوسُف الأغْماتيُّ.
لقِيَ بمُرْسِيَةَ أبا عليّ الصَّدَفيَّ وأخَذ عنه سنةَ إحدى عشْرةَ وخمس مئة، وعاد إلى تِلِمْسينَ فحدَّث بها، وأخَذ عنه أبو يحيى ابنُ عُصفورٍ وغيرُه.
٢١٢ - يَعْلَى بن الفُتُوح الأوربيُّ، أبو محمد .
رَوى بالأندَلُس عن القاضي أبي بكرٍ ابن العَرَبي.
٢١٣ - يَعْلَى بن ناصِر اليَجْفَشيُّ، أبو الحَسَن .
رَوى عن أبي عُمرَ مَيْمونِ بن ياسين اللَّمْتُونيّ.
٢١٤ - يَعْلَى (٣) المَصْمُوديُّ، أبو محمد.
كان فقيهًا، واستُقضيَ ببعضِ بلادِ العُدوة أيامَ يوسُفَ بنِ تاشَفين، ودخَلَ الأندَلُسَ معَه غازيًا صُحبةَ قاضي الجماعة حينَئذٍ أبي مروانَ المَصْمُوديِّ (٤)،
стр. 2434
فأكرَمَهما اللهُ بالشهادةِ في وَقيعةِ الزَّلَّاقة على النَّصارى، وكانت يومَ الجُمُعة لخمسٍ خَلَوْنَ من رجبِ تسع وسبعينَ وأربع مئة.
٢١٥ - يكسفانُ بن عليّ اللَّمْتُونيُّ، أبو محمد .
رَوى بإشبيلِيَةَ عن القاضي أبي بكرٍ ابن العَرَبيّ.
٢١٦ - يكسفانُ بن عيسى اللَّمْتُونيُّ الغَزّاليُّ، أبو محمد .
رَوى بإشبيلِيَةَ عن القاضي أبي بكرٍ ابن العَرَبيّ.
٢١٧ - يكسفانُ بن محمدٍ اللَّمْتُونيُّ .
رَوى بإشبيلِيَةَ عن القاضي أبي بكرٍ ابن العَرَبيّ.
٢١٨ - يوسُفُ (١) بن أحمدَ بن عَيّاد التَّمِيميُّ، مليانيٌّ، سَكَنَ بأخَرةٍ دانِيَةَ، أبو الحَكَم.
شرَّقَ وتجوَّل هنالك وأخَذ سنةَ تسعينَ وخمس مئة بمَلَطْيَةَ: من الشام عن شهابِ الدِّين أبي الفُتوح ناصِر ابن رَشِيد الدِّين السُّهْرَوَرْديِّ "التنقيحات" في أصُولِ الفقه، ومن قِبَلِه استفاد أهلُ الأندَلُس [هذا الكتاب].
رَوى عنه أبو إسحاقَ إبراهيمُ بن عيسى [ابن المُناصِف، وأبو] عبد الرّحمن ابن غالِب، وأبو عليّ بن عَمّار، وأبو القاسم البَلَويُّ. [وكان] مشاركًا في أصُول الفقه، رَيّانَ من الأدبِ وهُو الغالبَ عليه، [كاتبًا مُجِيدًا ذا] حَظّ من قَرْض الشّعر ونظرٍ في الفلسفة.
كتَبَ وقتًا عن أبي [عِمرانَ بن أبي] موسى بن عبد المؤمن، وقَدِمَ صُحبتَه من إشبيلِيَةَ على مَرّاكُشَ [مُستدعًى إليها] ثُم فَصلَ إلى دانِيَة، وكان شيعيًّا غاليًا، وتجوَّل في العُدوتَيْنِ، وصَحِبَ الصُّوفيّة طويلًا.
وتوفِّي بدانِيَةَ سنةَ إحدى وعشرينَ وست مئة.
стр. 2435
ومن شعرِه يخاطبُ الوزيرَ أبا الحَسَن عليَّ بن أبي العلاء بن جامع (١) في شأنِ وكيلِه، وكان يُدعَى عَمْرون، وقد مَطَلَه بشيءٍ أمَرَ لهُ به [من المتقارب]:
نَوالُكَ يا سيِّدي محُسِبُ (٢) ... ورَبْعُك للمعتفي مُخصِبُ
ولفظُكَ مستعذَبٌ طيِّبٌ ... ونثرُك من عَذْبِه أطيبُ
وعُذرُ وكيلِكَ في مَطْلِهِ ... يَلُوحُ ولكنّه يُتعبُ
وقد صِرْتُ زيدونَ عَمْرٍو بكمْ ... وعمرونُ صار الذي يُضرَبُ
وعكسَ القضيّة في عصرِنا ... يقول النُّحاةُ إذا أعرَبوا (٣)
ومنه في نَبْذِ مَلولٍ من الرؤساء [من البسيط]:
أقمتُ أخدُمُكم حتّى رأيتُ لكمْ ... من المَلال ضُروبًا ليس تنفهمُ
وما المَلالُ بعَيْبٍ في الملوكِ على ... أنّ المَلالَ يُنافي أصلَهُ الكرَمُ
لقد طمِعتُ بتخصيصٍ يُغبِّطُني ... ولم أخَلْ أنهُ بالسّين يُرتسمُ
إذا مَلِلتُمْ ولم تَسْخوا بنائلِكمْ ... فدارُ مَن قد دَرَاني قبلَكمْ حرَمُ
٢١٩ - يوسُفُ (٤) بن أبي الوفاءِ إبراهيمَ بن يحيى الخَزْرَجيُّ، مِصريٌّ سَكَنَ إشبيلِيَةَ، أبو الحَجّاج، ابنُ الصَّوّاف.
رَوى عن أبيه، وتوفِّي بمَرّاكُشَ في نحوِ ستَّ عشْرةَ وست مئة.
٢٢٠ - يوسُفُ بن تاشَفين بن إسحاقَ بن محمد بن عليّ الصُّنْهاجيُّ اللَّمْتُونيُّ، مَرّاكُشيٌّ، أبو يعقوبَ .
стр. 2436
كان من الرؤساءِ المتعلِّقينَ بطَرَفٍ صالح من العلم الراغبينَ في طلبِه ولقاءِ حَمَلتِه والأخْذِ عنهم، ودَخَلَ الأندَلُسَ.
٢٢١ - يوسُفُ (١) بن عبد الصَّمد بن يوسُفَ بن عليّ بن عبد الرّحمن بن محمد بن نَمَويّ، فاسيٌّ، أبو الحَجّاج، ابنُ نَمَويّ.
دَرسَ عِلمَ الكلام وأصُولَ الفقه على [أبي عبد الله بن عبد الكريم الفَنْدَلاويِّ وصَحِبَه] إلى أن توفِّي، وأبي عَمْرٍو عثمانَ بن عبد الله السّلالقيِّ [رَوى عنه "البُرهانيّةَ"] وأبي العبّاس القورائيِّ الحافظِ، وفي شيوخِه كثرةٌ من غير [أهل بلدِه، إذْ] كان لا يَرِدُ على فاسَ عالمٌ إلا لقِيَه وأخَذَ عنه، فكثُرَ لذلك [شيوخُه، كان بعضُ] المصنِّفينَ يَدْعونَه بالظاعِن المقيم.
رَوى عنه أبو إسحاقَ ابنُ ... ، وأبو الحَجّاج المُكَلّاتيُّ، وأبو الحَسَن الشارِّيّ، وأبَوا عبد الله: ابنُ أحمدَ ابن الحَجّام وابن يحيى ابن هشام، وآباءُ العبّاس: ابنُ محمد ابن تامَتِيت وابنُ عليّ بن هارون وابنُ فُرتون، وأبو القاسم ابنُ رَحْمون، وآباءُ محمد: ابن أبي بكرٍ السَّطّاحُ (٢) وابن عبد الرّحمن العراقيُّ، وعبدُ الحقِّ بن حَكَم.
وكان صَدوقَ اللّسان، حسَنَ الاعتقاد، طيِّبَ النفْس واسعَ المعرفة متفنِّنًا في علوم، مبرِّزًا في الفقه وأصُولِه إمامًا فيهما متقدِّمًا في عِلم الكلام، والاطّلاع على السِّيَر والأخبارِ والتواريخ والأشعار، رَيّانَ من الأدب (٣)، سريعَ الحفظِ ثابتَهُ وَقّاد القريحة، ثاقبَ الذّهن، قَطَعَ عمُرَه كلَّه صَرُورةً لم يتزوَّجْ قَطّ.
стр. 2437
درَّس الكلامَ وأصُولَ الفقه مدّةً ببلدِه، وأخرى [بإشبيلِيَةَ] ثُم عاد إلى بلدِه سنة ثلاثَ عشْرةَ وست مئة، وقعَدَ لإسماع الحديث والسِّير بالجانبِ الشَّرقيِّ من جامع القَرَويِّين، وكانت الدِّرايةُ أغلَبَ عليه من الرّواية، وكان أبو عبد الله ابنُ الكَتّانيِّ (١) يقول: ما انتفَعْتُ بمُذاكرةِ أحدٍ [مثلَ] ما انتَفعْتُ بمُذاكرةِ أبي الحَجّاج ابن نَمَويّ.
وُلد سنةَ أربع أو خمسٍ وخمسينَ وخمس مئة، وتوفِّي لليلتَيْنِ خَلَتا من رجبِ أربعَ عشْرةَ وست مئة (٢).
٢٢٢ - يوسُفُ بن علا الناس (٣)، أبو الحَجّاج [الزَّنَاتيُّ] (٤).
رَوى قراءةً وسَماعًا عن أبي الحَجّاج بن محمد ابن الشّيخ، وأبي القاسم أحمدَ بن يوسُفَ الجقالة وأجاز له، وسَمِعَ على أبي محمد بن محمد الحَجريّ، وناوَلَه وأجاز له. وعلى أبي عبد الله بن إبراهيمَ ابن الفَخّار، وأبي موسى عيسى بن عبد العزيز الجُزُوليّ قرَأَ عليه، ولم يَذكُرْ أنهما أجازا له.
رَوَى عنه أبو العبّاس بن محمد بن عبد الله بن العَوّام. وكان محدِّثّا زاهدًا وَرِعًا فاضلًا، حيّا بمَرّاكُشَ سنةَ تسع وست مئة.
٢٢٣ - يوسُفُ بن عليّ بن جعفر، تِلِمْسينيٌّ .
رَوى بإشبيلِيَةَ عن القاضي أبي بكرٍ ابن العَرَبيّ.
стр. 2438
٢٢٤ - يوسُفُ بن عليّ بن عَشَرة (١)، سَلَويٌّ، أبو الحَجّاج.
رَوى ببَلَنْسِيَةَ عن أبي عبد الله ابن المَوّاق (٢). وكان ذا حَظّ من روايةِ الحديث والفقه.
٢٢٥ - [يوسُفُ بن عليّ؟] الصُّنهاجيُّ اللَّمْتُونيُّ، أبو يعقوبَ، ابنُ بزْوِيْنا، [بالباء] وسكونِ الزاي وواوٍ وياءِ مَدّ ونونٍ وألف .
رَوى بإشبيلِيَةَ [عن أبي بكرٍ ابن] العَرَبيّ، وشرَّق وحَجّ.
٢٢٦ - يوسُفُ (٣) بن عيسى بن عليّ بن يوسُف [بن عيسى بن قاسم] المَلْجوم ابن عيسى بن محمد بن فنتروسَ بن مُصعَب بن عُمَيْر بن [مُصعَب الداخِل إلى] الأندَلُس (٤)، أزْديٌّ، أبو الحَجّاج، ابنُ الملجوم.
تفَقَّه بأبيه ورَوى عنه [وعن أبي محمد] عبد العزيز بن عامِر بن قاسم بن عبّاس بن عامرٍ الأسّديِّ الفاسيّ. ورَحَلَ [إلى سِجِلْماسَةَ] فأخَذَ بها عن أبي القاسم بَكّار بن بَرْهون بن عيسى الغَرْديس (٥) الناشئ بها، وأجاز له عامَ ستةٍ وثمانينَ وأربع مئة. وأجاز له من قَلْعةِ حَمّاد أبو القاسم عبدُ الجَليل بن أبي بكرٍ الرَّبَعيُّ القَيْروانيُّ في ذي القَعْدة سنةَ ثمانٍ وسبعينَ وأربع مئة.
стр. 2439
رَوى عنه ابنُه أبو موسى عيسى (١). وكان محدِّثًا راويةً عَدْلًا ضابطًا فقيهًا حافظًا رأْسًا في الفُتْيا، متقدِّمًا في الأدب، من بيتِ علم وجَلالة ورياسةٍ وأصالة.
ولمّا خرَجَ من الصحراء إلى المغرِب أبو بكر بنُ عُمرَ اللَّمْتُونيُّ ووَصَلَ إلى السُّوس ومعَه يوسُفُ بن تاشَفين قائدُ أعِنّتِه، وذلك سنةَ إحدى وستينَ وأربع مئة سافَرَ من فاسَ أبو الحَجّاج هذا إليهم حتى لحِقَهم بالسُّوس وأهدى إلى يوسُفَ بن تاشَفين عَيْبةَ ثياب وسَرْجًا صبريًّا، فأراد مكافأتَه على ذلك فأبَى عليه وقال له: ما أنا بتاجر ولكنّ زَناتةَ أهلُ جَوْر عندَنا وأنتم تملِكونَ بلادَنا فأردتُ معرفتَك، ثم انصَرفَ إلى فاس، ووَرَدَ أبو بكر بن عُمَر بن إبراهيمَ اللَّمْتُونيُّ فاسَ في صَفَرِ اثنَيْنِ وخمسينَ وأربع مئة وأخرج منها زَناتةَ ثم انصَرفَ عنها وترَكَ فيها جُندَه فتغلَّبَ عليهم زَناتةُ ودخَلوا فاسَ أقبحَ دخول وتداوَلوها إلى أن ورَدَها يوسُفُ بن تاشَفينَ بن إبراهيمَ اللَّمْتُونيُّ في ذي الحجة عامَ اثنينِ وستينَ وأربع مئة فألفَى بها قاضيًا أبا الحَجّاج هذا على القَرَويِّينَ منها فنقَلَه إلى قضاءِ مِكناسةِ الزّيتون ثم بعدَ بُرهة من الزمان قدَّمه لقضاءِ الجماعة بمَرّاكُش -أرى ذلك في عام أربعةٍ وسبعينَ وأربع مئة- وأجاز معَه إلى جزيرةِ الأندَلُس، وحضَرَ معَه الزَّلّاقةَ عامَ تسعةٍ وسبعينَ وأربع مئة، وكان عندَه حظِيًّا مقبولَ الإشارة معتمَدَ الرأي مسموعَ القول.
وكان معَه أبو عبد الله محمدُ بن سَعْدون بن عليّ القَيْروانيُّ (٢) يَعزِلُ برأيِهما جميعًا منَ أشارا عليه بعَزْلِه [من القضاة ويُبقي] من أشارا عليه بإبقائه.
ولمّا وَرَدَ الخبَرُ من الصّحراء [بموتِ أبي بكر بن عُمر بن] إبراهيمَ اللَّمْتُونيِّ، وكان الأميرُ يوسُفُ بن تاشَفين بن إبراهيمَ [غازيًا في مكانٍ] يُعرَفُ بفَجّ
стр. 2440
الصّاري عقَدَ له أبو الحَجّاج هذا الإمارةَ [وبايَعَه] أُمراءُ لَمْتونةَ ومَن معَهم من لمتُونةَ وسائرُ أجنادِ المغرِب، وذلك في عام [....] (١).
[ولم يزَلْ أبو الحَجّاج] هذا قاضيًا يَرحَلُ إليه طلَبةُ العلم من فاسَ وغيرِها ومن بلادِ المَصامِدة [يدرِّسُ] الفقهَ وَيروي الحديثَ، وكذلك إذا مشَى إلى فاسَ بلدِه يؤخَذُ عنه [العلمُ روايةً] وتفقُّهًا إلى أن خَرَجَ مرّةً من مَرّاكُش قاصدًا فاسَ فتوفِّي بتونين (٢) قريبًا من مَرّاكُش فرُدَّ ميِّتًا إلى مَرّاكُش فدُفن بها ثم نُقلَ إلى فاس، وذلك في أواخِر عام اثنينِ وتسعينَ وأربع مئة.
وكانت وفاتُه في ذي القَعْدة منها، ومولدُه في ذي القَعْدة من عام سبعةٍ وعشرينَ وأربع مئة، وقيل: ليلةَ عاشوراءَ عامَ ثمانيةٍ وعشرينَ وأربع مئة.
٢٢٧ - يوسُفُ (٣) بن عيسى بن عِمرانَ بن دافَالَ المِكْناسيُّ ثم الوَرْدميشي، مَرّاكُشيٌّ، أبو يعقوبَ، ابنُ عِمران.
تفقّه بأبيه وغيره من أهل بلدِه. استُقضيَ بفاسَ وبغيرِها فحُمِدت سيرتُه.
стр. 2441
٢٢٨ - يوسُفُ (١) بن عيسى بن لُبّ، سَلَويٌّ شَرِيشيُّ الأصل، أبو عيسى الشَّرِيشيُّ.
رَحَلَ إلى الأندَلُس فرَوى بها عن أبي الحَجّاج يوسُفَ بن عبد الله الغافقيِّ، وإلى المشرق فأخَذ بالإسكندَريّة عن أبي عبد الله الكَرْكَنْتيّ، وبمِصرَ عن أبي الفضل محمد بن يوسُفَ الغَزْنَويّ، وتجوَّل كثيرًا هنالك واستكثَرَ من لقاءِ الشيوخ والأخْذِ عنهم، وحَجّ.
رَوى عنه أبو بكرٍ عتيقُ بن الحَسَن بن مكسورِ الجَنْب، وأبو الحَجّاج ابنُ الفَتْح الباجِيّ، وأبو الحَسَن الشارِّيّ، وأبو العبّاس بنُ هارون.
وكان فقيهًا حافظًا متقدِّمًا في معرفةِ الكلام وأصُولِ الفقه، ودرَّس ذلك كلَّه، وكان محرِّضًا على نَشْر العلم وبثِّه حريصًا على طلبِه حسَنَ اللقاءِ جميلَ العِشرة بَرًّا بإخوانِه وأصحابِه مائلًا إلى طريقةِ التصوُّف موصُوفًا بدينٍ متِين وفضلٍ وحُسن مشاركة.
توفِّي بسَلا سنةَ تسع وعشرينَ أو ثلاثينَ وست مئة. وكان له ابنٌ اسمُه عيسى وبه كُنِيَ.
٢٢٩ - يوسُفُ (٢) بن محمد بن المُعزِّ المُكّلانيُّ، فاسيٌّ، أبو الحَجّاج، الأحدَب، ولم يكن أحدَب.
[أخَذَ عِلمَ الكلام] وأصُولَ الفقه عن أبي الحَجّاج بن نَمَويّ [وأبي عبد الله ابن الكَتّانيّ].
стр. 2442
رَوى عنه أبو إسحاقَ بنُ قَسُّوم، وأبو بكرٍ ابنُ الجَدّ [وأبو حَفْص التِّلِمْسينيُّ] الشَّهيد، وأبَوا عبدِ الله: ابنُ أحمد الرُّنْديُّ وابنُ عيسى [... .] وأبو العبّاس بنُ هارون، وأبو عليّ الحَسَن بن أبي الحَسَن الماقريُّ، [وأبو محمد حَسَنُ بن] أبي الحَسَن ابن القَطّان شيخانا.
وكان أحجَّ المَهَرةِ في عِلم الكلام [وأصُول الفقه] متحقِّقًا بالفنَّيْنِ مُشاركًا في غيرِهما من فنونِ العلم مشاركةً حسَنةً، [منقطعًا إلى] النظر، متفرِّغًا له، لم يكنْ له قطُّ أهلٌ ولا ولد، جيّدَ التعليم لمن عَلِمَ منه [الحِذْقَ] والجِدَّ في التعلُّم.
وكان يتجاوزُ الاقتصادَ في أحوالِه إلى حيِّز الإقتار على اتّساع حالِه وكثرة فوائدِهِ وغزارةِ مالِه.
دخَلَ الأندَلُس مرّتَيْن، أولاهما: صُحبةَ رِكَاب المنصور من بني عبد المؤمن عامَ أحدٍ وتسعينَ وخمس مئة (١)، وفيها عَرَفَه المنصورُ ونَبَّه عليه فقرَّبَه وأدناه وألزَمَه حضورَ مجلسِه معَ طلبةِ العلم وأحسَنَ إليه. وأُخْراهما: معَ ابنِه الناصِر عامَ سبعةٍ وست مئة (٢). ودرَّس في المرّتَيْن، وعَظُم صِيتُه عندَ أهل الأندَلُس وجَلَّ قَدْرُه وتنافَسوا في الأخْذِ عنه والازدحام بمجلسِه.
وكانت بينَه وبينَ أبي الحَسَن ابن القَطّان مُنافرةٌ شديدة ومقاطعةٌ مشهورة، وعلى ذلك فقد صَدَرَ عنه في جانبِ أبي الحَسَن ما فيه أصدقُ دِلالةٍ على حُسن دفاعِه وكرَم طِباعِه.
قُرئَ على أبي الحَسَن ابن القَطّان يومًا في مُدّة العادل وهُو على الحال المتقدِّم صفتُها في رَسْمِه (٣) حديثٌ من "أعلام النبوّة"، فتكلَّم عليه أبو الحَسَن
стр. 2443
بما حضَرَه في مضمَّنِه ثم خَتَم الخَوْضَ فيه بأنْ قال: هذا من صَفاءِ باطن النبيِّ ﷺ وشفِّ جوهرِه، في كلام نحوِ هذا، فنُسِبَ إليه القولُ باكتساب النُّبوّات، وجَرَتْ في ذلك طائفة من ثالِبيه والطاعنينَ عليه وتألَّبوا وكتَبوا رَسْمَيْن: استَرْعَوا في أحدِهما شهادةَ الشهود بمقالتِه تلك، واستَدْعَوا في الآخَر فتاوى أهلِ العلم في قائل تلك المقالة، وأطالوا في ذلك وأعرَضوا، ونَسَبَه معظَمُ الفُروعيِّينَ إلى البدعة، وكفَّره آخَرون منهم، وأجمَعَ المتألِّبونَ عليه أنه لا يتمُّ لهم الغَرَضُ من هذا العمل إلا بفُتْيا أبي الحَجّاج المُكَلّاتيِّ هذا، وقالوا: هو لا شكَّ عدوُّه المُناصِبُ له، وسيغتنمُ هذه الواقعةَ للظفرِ به والنَّيْل منه، فتوجَّهوا بالرَّسمَيْنِ إليه [سائلينَ حُكمَ الله فيه] واثقينَ منه بأنه يوجبُ قتلَه أو معاقبتَه العقوبةَ الشديدة، [فلمّا نَظَرَ فيهما] لم يتوقَّفْ عن تمزيقِهما وإعدامِهما البتّة وأنْحى على الساعينَ [في ذلك بأشدِّ اللّوم، وبالَغَ في] توبيخِهم وتقريعِهم، ونال منهم أقبحَ مَنال، ثم قال لهم: يا سيِّئي النظر [وقليلي العقل، تعمَدون] إلى أجلِّ شيوخِكم وأشهرِ علمائكم وقد عَلِمتُم صِيتَه في الآفاق بأنه [وقَفَ حياتَه] واشتُهر طولَ عمُرِه في خدمة السُّنة وعلوم الشريعة حتى صار من أئمتِها [والسابقينَ] في ميدانِ المعرفة بها، وخَوْضُه أبدًا إنّما هو معَ جِلّة حَمَلتِها وعُظماءِ نقَلتِها [من عهدِ الصّحابة] رضوانُ الله عليهم إلى عصرِنا هذا، وتتعرَّضونَ إليه بمثل هذا السّعي القبيح؟! فما [الذي] تفعلونَ غدًا أو بعدَ غَدٍ معي أو معَ أمثالي ممّن لا يَعمُرُ مجالسَه أبدًا إلا بالنظر معَ القَدْريّة والخوارج والشِّيعة والرافضة والمعتزِلة والكَرّاميّة والإباضيّة والإماميّة والإبراهيميّة (١) وغيرِهم من الفلاسفة وأهل الأهواءِ والبِدَع الحائدينَ عن مذاهبِ أهل السُّنة ولا [يَشتغلُ إلا] في ضَرْب بعضِ أقوالِهم ببعض؟! اذهبوا خيَّبَ اللهُ سَعْيَكم وأراحَ الإسلامَ والمسلمينَ منكم. فانقَلَبوا خائبينَ وأكبَروا ذلك من فعلِه وعَظُمَ تعجُّبُهم منه، وعَمَرَ الناسُ بهذه الأُحدوثة الحَسَنة
стр. 2444
[مجالسَهم] مدّة طويلة، وسَكَنَ قلقَ أبي الحَسَن ودَفعَ اللهَ عنه بفعل هذا الشَّيخ ما كان يتوقّعُه من سُوءِ مَغَبّة ذلك التشنيع الرّديء، وحُفِظت هذه الفَعْلةُ مأثُرةً كبيرةً من أبي الحَجّاج هذا، وكثُر تناقُلُ الناس إياها وشُكرُ أهل العقل والفَضْل إياه عليها.
وله مقالاتٌ ومصنَّفاتٌ وجيزةٌ ومتوسطة، وأجوِبةٌ عن مسائلَ كان يُسألُ عنها في عِلم الكلام وأصُول الفقه، ومنها: "لُبابُ المعقول، في عِلم الأصول" (١).
واستَقْضاهُ المستنصِرُ من بني عبد المؤمن على بلدِ نَفّيس (٢)، وأقَرّه مَن أتَي بعدَه منهم عليه، فاستمرَّت ولايتُه القضاءَ إلى أن توفِّي بمَرّاكُش ليلةَ الجُمُعةِ الحاديةِ والعشرينَ لذي قَعْدةِ عام ستٍّ وعشرينَ وست مئة (٣).
ولم يتخَلَّفْ لنفسِه نظيرًا فيما كان ينتحلُه من العلوم.
٢٣٠ - يوسُفُ (٤) بن محمد بن يوسُفَ القَيْروانيُّ، قَلْعيٌّ، قَلْعةَ بني حَمّاد، تُوزَريُّ الأصل، أبو الفضل، ابنُ النَّحْوي.
стр. 2445
رَوى عن أبي الحَسَن اللَّخْميُّ وأبي زكريّا الشِّقراطسيِّ، وأبي عبد الله المازَريّ، وعبد الجليل الرَّبَعيّ.
رَوى عنه أبو الحَسَن [ابنُ] إسماعيل بن حرزهُم (١)، وأبَوا عبد الله: ابنُ عبد المُعطي الأَذَنيُّ [وأبو عِمرانَ] ابنُ حَمّاد الصُّنْهاجيُّ، وأبو بكر ومحمدٌ ابنا [مخلوفِ بن خَلَف الله].
وكان متقدِّمًا في المعرفة بعلم الكلام وأصُول الفقه [يَميلُ إلى النظر والاجتهاد] ولا يَرى التقليدَ، ولمّا لقِيَ أبا الحَسَن اللَّخْميَّ سألهُ: ما جاء بك؟ [فقال: جئتُ] أنسَخُ كتابَك "التبصِرة"، فقال له: إنّما تريدُ أن تحمِلَني في كُمِّك (٢) إلى المغرِب، [أو كلامًا هذا] معناه، يشيرُ إلى أنّ عِلمَه كلَّه في هذا الكتاب.
وكان من أهل الفَضْل [يَهتدي بهَدْي] السَّلَف الصّالح، ذا حَظّ من الأدب وقَرْض الشّعر (٣)، وكلامُه كلُّه جَزْلٌ عَوِيص على الفَهْم عسيرُ الإفادة، ومن نَظْمِه في تارِك الصلاة [من الكامل]:
في حُكم مَن ترَكَ الصّلاةَ ... وحُكْمُهُ إنْ لم يُقرَّ بها كحُكم الكافرِ
وإذا أقرَّ بها وجانَبَ فعلَها ... فالحُكمُ فيه للحُسام الباترِ
ومن الأئمةِ من يقولُ بكُفرِهِ ... يَقضي له في حُكمِه بالظاهرِ
وأبو حنيفةَ لا يقول بقتلِهِ ... ويقول بالضّربِ الوجيعِ الزاخرِ
هذي رواياتُ الأئمة كلُّها ... وأجَلُّها ما قلتُهُ في الآخِر
المسلمونَ دماؤهمْ معصومةٌ ... حتى تُراقَ بمستبينٍ باهرِ
مثلَ الزِّنى والقتلِ في شَرْطَيْهما ... وانظُرْ إلى ذاك الحديثِ السائرِ
стр. 2446
وأخبَرني الإمامُ الأوحد تقيُّ الدِّين أبو الفَتْح محمدٌ ابن الإمام مَجْد الدِّين أبي الحَسَن عليّ بن وَهْب بن مُطيع بن أبي الطاعة القُشَيريُّ ابنُ دَقِيق العِيد مُكاتبةً من مِصْرَ (١)، قال: أنشَدَني الفقيهُ المفتي هارونُ بن عبد الله بن هارون بن الحُسَين بن أحمدَ المَهْرانيُّ قديمًا، قال: أنشَدَني الفقيهُ الإمام العالِم أبو الحَسَن ابن المُفَضَّل المقدِسيُّ لنفسِه (٢) [من الكامل]:
خَسِرَ الذي تَركَ الصّلاةَ وخابا ... وأبَى معادًا صالحًا ومآبا
إن كان يَجْحَدُها فحَسْبُك أنهُ ... أمسَى بربِّك كافرًا مُرتابا
أوكان يترُكُها لنوع تكاسُلٍ ... غَشّى على وجهِ الصوابِ حِجَابا
فالشافعيُّ ومالكٌ رَأَيا لهُ ... -إن لم يَتُبْ- حَدَّ الحسام عِقابا
ومن الأئمّة من يقولُ بأنهُ ... لا يُنتهى عنهُ وإن هُو تابا
إيهٍ ومنهم من يقولُ بقتلِهِ ... كُفرًا ويَقطَعُ دونَهُ الأسبابا
وأبوحنيفةَ قال يُترَكُ مرّةً ... هَمَلًا ويُحبَسُ مرّةً إيجابا
والظاهرُ المشهورُ من أقوالِهِ ... تأديبُهُ زَجْرًا لهُ وعقابا
والرأيُ عندي أن يؤدِّبَه الإما ... مُ بكلِّ تأديبٍ يراهُ صَوابا
ويكُفَّ عنه القتلَ طولَ حياتِهِ ... حتى يُلاقي في المآبِ حسابا
فالأصلُ عِصمتُه إلى أنْ يَمتطِي ... إحدى الثلاث إلى الهلاكِ ركابا:
الكُفْرَ أو قتلَ المكافئ عامدًا ... أو محُصَنٌ طَلَبَ الزّنى فأجابا (٣)
стр. 2447
وممّا شاع من نَظْم أبي الفَضْل القصيدةُ المسَمّاة: أُمَّ الفَرَج التي مطلَعُها
[من المتدارك]:
* اشتدّي أزمةُ تنفَرِجي *
وهي قصيدةٌ مشهورةٌ كثيرةُ الوجود بأيدي الناس ولم يزالوا يتواصَوْنَ بحفظِها ويتجافَوْنَ عما حَواه معظمُها من حُوشيِّ لفظِها (١).
توفِّي أبو الفَضْل بقلعةِ حَمّاد في محرَّم ثلاثَ عشْرةَ وخمس مئةٍ ابنَ ثمانينَ سنة.
٢٣١ - يوسُفُ بن مُبشَّر الصُّنهاجيُّ .
رَوى عن أبي الحَسَن شُرَيْح.
٢٣٢ - يوسُفُ (٢) بن المُنتصِر الصُّنهاجيُّ، من بعضِ بلادِ العُدوة، سَكَنَ غَرْناطةَ، أبو الحَجّاج.
رَوى عن أبي محمد بن أيّوب الشاطبيِّ سنةَ إحدى وعشرينَ وخمس مئة. وكان من أهل العلم والنّزاهة.
٢٣٣ - يوسُفُ (٣) بن موسى بن إبراهيمَ الهَوّاريُّ، مَهْدَويٌّ سَكَنَ مَرّاكش، أبو الحَجّاج، ابنُ لاهية - وهي أَمَةٌ اجتَلَبَها الناصِرُ من المَهْديّة حين فتَحَها سنةَ [اثنتينِ] (٤) وست مئة.
стр. 2448
رَوى عن أبي الحَسَن ابن القَطّان، وأبي عبد الله بن عبد الله ابن الصَّفّار، وأبي القاسم عبد الرّحمن بن إسماعيلَ ابن الحَدّاد وغيرِهم.
رَوى عنه غيرُ واحدٍ من طلبة العلم بمَرّاكُش. وكان ماهرًا في علوم اللّسان أدبًا ولغةً ونحوًا، درَّسَها أحيانًا، شاعرًا مُحسِنًا، كاتبًا بليغًا نبيلَ الأغراض في كلِّ ما يُحاولُ نظمًا ونثرًا، حسَنَ الصّوتِ بالقرآن والشّعر، يأخُذُ بمجامع القلوب متى تلا القرآنَ أو أنشَدَ الشّعر، وكان إذا حَضَرَ معَ الشّعراء للإنشاد بين يدَيْ ملوكِ عصرِه يرغَبُ إلى نقيبِ الطّلبة في إرجائهِ إلى آخرِهم، فإذا أنشَدَ آخِرًا أنسَى بطيب نغمتِه وإحسانِ إنشادِه كلَّ إحسانٍ تقَدَّم به غيرُه من مجُيدي الشّعراء، على أَنه لم يكنْ مقصِّرًا عنهم فتكونُ المجالسُ له أبدًا.
وله رسالةٌ أدرَجَ فيها شواهدَ "كتاب سِيبوَيْه" على طريقةِ أبي الحَسَن ابن حَرِيق في أبياتِ "الجُمَل" (١) شهِدَت بالجَمْع بين قوّة الاقتدار وجَوْدة الانطباع وقفتُ عليها بخطِّه.
وله في ترتيبِ [حروفِ كتاب "العَيْن"] (٢) ونَقلتُه من خطِّه [من مخلع البسيط]:
... ... غرامُه قادَهُ كئيبا
стр. 2449
صبر سَقامُه زاجرٌ طبيبا
... ... شبيهُه رافعًا لهيبا
... ... محمودُ وَصلِك أن يَؤوبا
قال المصنِّف: أخَلَّ بترتيب بعض عَجُز هذا البيت الآخِر، وذلك بتقديم الواو وحقُّها أن تكونَ بعدَ الياء وَتوسيطِ الهمزة فقلت [من مخلع البسيط]:
نافَرْتَني فجسمي يُعادي ... محمودَ أُنس يقي وَجيبا
وله في ترتيبِ حروف "تاج اللّغة وصِحاح العربيّة" (١) لأبي نَصْر إسماعيلَ ابن حَمّاد النَّيسابُوريِّ الجَوْهريّ وما جَرى مَجْراه، وقد تقَدَّم في صَدْرِ هذا الكتاب أنه الترتيبُ المُحكَم والذي وَضَع المتقدِّمون ومَن وُفِّق باتّباعِهم من المتأخِّرينَ عليه كتبهم وعليه رَتّبتُ كتابي هذا، فقال: ونقلتُه من خطِّه [مشطور الرجز]:
أحبِبْ ببدرٍ تائهٍ ثناني ... جَمالُهُ حَليفُ خِلٍّ دانِ
ذكْرُه راحي، زهرُه بستاني ... شَرَّد صبري ضامرٌ طواني
ظبيٍ على غُرّتِه فَتّانِ ... قلبي كواهُ ليْتَهُ يُداني
وهذا الترتيبُ بين الواوِ والهاءِ والياء يَنْخرمُ في أبوابِ "الصِّحاح"؛ لأنّ مصنِّفَه جعَلَ الواوَ والياء في بابٍ واحد بعدَ الهاء ويَطّردُ في فصولِ الأبواب وفي سائر الكتُب المشارِ إليها، وقد تقَدَّم مثلُ هذا الترتيبِ لأبي عِمرانَ ابن المُناصِف في رَسْمِه (٢). ولي فيه ونظمتُه في بيتَيْنِ، وعُذرُ التكلُّف في مثلِهما لا يخفَى على منصف [من الطويل]:
стр. 2450
ألِمَّ برَوْضي تَجْنِ ثَمَّ جَنَى حيَا ... خلا دَرَّ ذي رَيٍّ زكا سَقْيُه شُرْبا
صَفا ضِمْنَ طَلٍّ ظَلَّ عندَ غِنًى فَشَا ... قِرًى كِيلَ لي من نَهْي وَدْقٍ هَمَى سُحْبا
توفِّي أبو الحَجّاج بمَرّاكُشَ سنةَ تسعٍ وأربعينَ وست مئة.
٢٣٤ - يوسُفُ بن يحيى بن الحاجِّ علي بن عبد الواحِد بن غالبِ المُهْريُّ، سَلَويٌّ سَكَنَ قَصْرَ عبد الكريم مدّةً ومالَقةَ مدّةً أخرى وسِجلْماسةَ أخرى، واستَوطنَ بأخَرةٍ أغماتِ وريكة، أبو يعقوب، ابنُ الجَنّان .
رَوى عن شيوخ [عصرِه. وكان كاتبًا] شاعرًا سَيّالَ القريحة في الطريقتَيْنِ متوسِّطَ [النَّظْم، أسرَعَ الناس] كَتْبًا وأدومَه.
أخبرَني أنه نَسَخَ "التقريبَ" لإبن حَرْب (١) [في القراءاتِ في] يوم واحد، وأنه دأبَ صَدْرَ عمُرِه على نَسخ عشرينَ ورقةً من [الوَرَق الكبير] وسُطورُ كلِّ صفحة منها سبعةٌ وعشرون سطرًا في كلِّ يوم، [ولا يتخلَّفُ عن عادتِه, وشاهدتُ] له من ذلك ما يَقضي منه العجَبَ. وكان أبدًا يَكتُبُ عن الولاةِ ويَقعُدُ [في دُكّانِه] لعَقْدِ الشروط، ويَكتُبُ أزمّةَ المجابي السُّلطانيّة، وهو معَ هذا كلّهِ [دائبُ] النَّسخ، فقلَّ كتابٌ مستعمَلٌ مشهورٌ إلّا نَسَخَه.
ولقد رأيتُ له ممّا نَسَخَ معَ اشتغالِه بما ذُكِر أزَيدَ من مئة مجلَّد في مدّة ليست بالمديدة.
стр. 2451
وكتَبَ عن عبد الكريم بن عِمرانَ (١)، وعن [عبد الله بن عليّ] بن زَنّون (٢) أيامَ تأمُّرِه بمالَقةَ.
حضَرتُ معَه يومًا قريبَ الزَّوالِ بمجلسِ أبي عليّ عُمرَ ابن الفقيه أبي العبّاس بن عثمانَ بن عبد الجَبّار بن داودَ المَتُّوسيِّ المِلْيانيّ (٣) وهو والٍ بأغْماتِ وريكة، فذَكَرَ أنه كان ثالثَ ثلاثةٍ كُتّاب لإبن زَنُّون هو أحَدُهم، وأبو عبد الله الإسْتجِيُّ (٤)، وأبو عليٍّ ابنُ ستِّ الدار (٥) المذكوران في موضعَيْهما من هذا الكتاب، قال: وكان لإبن زَنّونَ خاتَمٌ يطبَعُ به كتبه لا يُفارقُه من دَواتِه
стр. 2452
ولا تُطبَعُ به كُتُبٌ إلّا بحضرتِه فأمَرَ ذاتَ يوم بكُتُب واستَعْجَلَ كُتّابَه الثلاثةَ فيها وانصَرفَ إلى منزلِه، فلمّا فرَغوا من كَتْبِها أرادوا إعلامَه بذلك ليَحضُرَ على خَتْمِها جَرْيًا على عادتِه، فأرادوا مطالعتَه في ذلك بكَتْبِ بطاقةٍ نثرًا، فقال لهم أبو عبد الله الإسْتِجيُّ: إنه لَيَقبُحُ بنا أن نكونَ أدباءَ شُعراءَ معَ أنّ مخدومَنا يَستحسِنُ الشّعرَ ويهتزُّ لسماعِه (١) ونُخاطبَه في مثل هذا بالنثر، قال: فقلنا له: أنت كبيرُنا ومقَدَّمُنا فابدَأْ لنا ما نتّبِعُك عليه ونَحْذو حَذْوَكَ فيه، فقال [من الكامل]:
نُسِجَتْ بُرودُ الكُتْبِ وِفْقَ مُرادِكمْ ... فأتَتْ مفَوَّفةً بخطٍّ بارعِ
وكتبَه في بطاقةٍ ودفَعَها إلى أبي عليّ، فزاد عليه بخطِّه [من الكامل]:
وجَمالُها طُرُزٌ لكي تزهى بهِ ... وطِرازُها يا ذا العُلى بالطابَعِ
ودفَعَ إليّ البطاقةَ فزِدتُ عليهما وكتبتُه بخطِّي [من الكامل]:
فالخَتْمُ للمكتوبِ تكرِمةٌ لهُ ... وكذا رَويناهُ عنَ اكرمِ شافعِ (٢)
[فلمّا وَجّهناها معَ من] أوصَلَها إليه خرَجَ إلينا مستبشِرًا مبتسمًا [والدّواةُ التي] فيها الطابَعُ محمولةٌ بينَ يدَيْه فدفَعَه إلينا فطبَعْنا [به الكُتُبَ وأُعيدَ إلى] موضعِه على جاري العادة.
وحضَرَ لإيرادِ هذه الحكاية [بعضُ مَن] يغشَى مجلسَ أبي عليّ أو يتردَّدُ إليه وله حَظّ من الأدب وقَرْض [الشّعر، ومنهم]: قريبُه (٣) أبو عبد الله ابنُ المُعزّ (٤)،
стр. 2453
وشاعرُه أبو محمد عبدُ الله (١) بن يحيى بن سُليمان المتراريُّ (٢) الحاجُّ المعروفُ بالمَرّاكُشيّ وصفيُّه الحاجُّ النبيل أبو إبراهيمَ ابنُ عبد السّلام بن عُمرَ القُزُوليُّ (٣)، فاستَظْرَفَها أبو عليّ والحاضِرونَ وأعجِبوا بها وتفاوَضوا في شأنِها ساعةً ثم قال أبو علي: ليتَ شِعري! لو كان معَهم رابعٌ ماذا كان يقول؟ وهل تُمكنُ الزّيادةُ على هذه الأبيات؟ فقال الجميعُ: إنّ المعنى قد كمُلَ ومَنَعَ الزّيادةَ، فقال: منَ المحالِ عادةً أن يكونَ معَهم رابع، ولا يَجري مَجْراهم في الإتيانِ بمثل ما أتَوْا به فخُذوا في الزّيادة عليها، وأشار بذلك إلى ابن المُعزّ وأبي محمدٍ المَرّاكُشيِّ وأبي إبراهيمَ القُزُوليّ، وأضاف إليهم ابنَ الجَنّان مورِدَ الحكاية،
стр. 2454
وقال له: هَبْكَ لستَ أحدَ الناظمينَ المذكورينَ قبلُ، ثم عَطَفَ عليّ وطالَبَني بالموافقة لهم في ذلك ولم يكنْ رأى لي قبلُ بيتًا واحدًا ولا أشعرتُه بأنّي خُضتُ في نَظْم قَطُّ، فاستعفَيْتُه من ذلك فلم يُعفِني وقال: وما الذي يمنَعُك وموادُّ النَّظْم كلُّها عندَك عَتِيدة؟ فلا وَجْهَ لاستعفائك ولا بدَّ من مشاركةِ الأصحاب فيما خاضوا فيه، ثم قال: لا أريدُ أن أشغَلَ خواطرَكم بالنّظر في هذا عن تأنيسِنا، ولكنِ اعمَلوا على اجتماعِنا عَقِبَ العَصْر ولْيَأْتِ كلٌّ منكم بما تيسَّر له إن شاء الله، وبعَثَ بالأخْذِ في ذلك إلى أبرع من اشتَمَلت عليه أغماتُ حينَئذٍ وأسرعِهم بَدِيهةً وأشهرِهم إجادةً وتفنُّنًا أبي الحَسَن بن إسماعيل (١)، وأعلَمَه بالمواعدة لإتيانِ كلِّ واحدٍ بما عندَه إثْرَ العصر، ثم انصَرَفْنا، فلمّا كان بعدَ العصرِ وافَى كلٌّ منّا بما سَنَحَ له، فقال ابنُ الجَنّان [من الكامل]:
الختْمُ للمكتوبِ تكرِمةٌ لهُ ... وكذا رَويناهُ عنَ اكرمِ شافعِ
فابعَثْ إلينا طابَعًا نختِمْ بهِ ... عملًا بتحريضِ الرسُول الشارعِ
فالمهتدونَ قدِ اقتَفَوْا آثارَهُ ... من صاحبٍ صَدَقَ المقالَ وتابعِ
وقال أبو عبد الله ابنُ المُعز [من الكامل]:
وحُلاكمُ منها التُّقى فلْتَشْرَعوا ... .............................
فابعَثْ أداةً طُرْزُها طُرْزُ الوَرى ... .............................
واقرُبْ بأمرِك إذْ نأيْتَ بحَجْبِهِ ... عن مُستحِثٍّ منك خَتْمَ الطابعِ
وقال أبو إبراهيمَ القُزُوليّ [من الكامل]:
ولأنتمُ أوْلى الأنام بأنْ يُرى ... لسبيل خَيْرِ الخَلْق أكرمَ تابعِ
فأْمُرْ لمَن يأتي بخَتْمٍ عاجلًا ... لتكونَ مقتدِيًا بقولِ الشارعِ
стр. 2455
وأتَى أبو محمدٍ المَرّاكُشيُّ ببيتَيْنِ من الطويل بعيدَيْنِ عن المعنى فرَدَّه، وقلت
[من الكامل]:
وفي الاقتداءِ به أجَلُّ فضيلةٍ ... فابعَثْ به لتنالَ فَضْلَ التابعِ
والسرُّ إنّ السِّرَّ فيه محجَّبٌ ... بالطّبع عن مستشرفٍ ومُطالعِ
فلَهِجَ أبو عليّ بذلك وحَسُنَ موقعُه منه، ولم يَصلْ أبو الحَسَن بنُ إسماعيلَ للموعد عَقِبَ العصر، فطال تعجُّبُنا من ذلك وانفَضّ المجلسُ، فلمّا كان قريبُ المغرِب خَرَجَ أبو عليّ إلى مجلسِه المُطِلِّ على الساقيةِ العُظمى السُّلطانيّة المُشرِفِ على الممَرِّ الأعظم شرقيَّ الجامع، فجالستُه هنالك منفردَيْن، وكنتُ مقابلَ الممَرّ وأبو عليّ مُقبِلٌ عليّ وقد استَدْبَرَه بعضَ الاستدبار، وإذا أبو الحَسَن بنُ إسماعيلَ مُقبِلٌ، فأعلمتُ بوصُولِه أبا عليّ وقلتُ له: ما أراه إلا أتى بشيءٍ، فقَصَدَ إلى جنبِ أبي عليّ من خارج المجلس وطَرَحَ بينَ يدَيْه بطاقةً وانصَرف، فلمّا قرَأَها أبو عليّ بالَغَ في استحسانِها، وكلّما كرَّر النظرَ فيها استَجادَها، ثم دَفَعَها إليّ، فإذا فيها بعدَ الأبيات الثلاثة الأولى ما نَصُّه: وقال معظِّمُ الجَلال، ومتملّكُ الكمال مُذيِّلًا
[من الكامل]:
كرَمُ الكتابِ خِتامُهُ وكذاكَ قا ... ل مُفسِّرٌ للوحي غيرَ مُدافَعِ
في قول بِلقيسٍ: كتابٌ جاءني ... -مَلَئي- كريمٌ أيْ بخَتْم صادعِ
ويحقُّ للمُعطي صيانةُ سرِّهِ ... وَصْفُ التكرم في الكلام الشائعِ
حُكمُ الشّريعة باهرٌ أنوارُها ... لذوي العقولِ كبدرِ تَمٍّ طالعِ
وبعدَها: وقال متملّكُ الكمال الأوحَدُ، وصَلَ الله سُعودَه [من الكامل]:
ما إنْ تزالُ تُفيدُنا يا ذا العُلا ... حِكَمًا وآدابًا بحُكمٍ نافعِ
أوضحتَ للأُدباءِ نَهْجَ سبيلِهمْ ... وأبَنْتَ مَهْيَعَ كلِّ فضلٍ جامعِ
........................... ... منها تؤُمُّ إلى المدى المتشاسعِ