وكتَبَ عن عبد الكريم بن عِمرانَ (١)، وعن [عبد الله بن عليّ] بن زَنّون (٢) أيامَ تأمُّرِه بمالَقةَ.
حضَرتُ معَه يومًا قريبَ الزَّوالِ بمجلسِ أبي عليّ عُمرَ ابن الفقيه أبي العبّاس بن عثمانَ بن عبد الجَبّار بن داودَ المَتُّوسيِّ المِلْيانيّ (٣) وهو والٍ بأغْماتِ وريكة، فذَكَرَ أنه كان ثالثَ ثلاثةٍ كُتّاب لإبن زَنُّون هو أحَدُهم، وأبو عبد الله الإسْتجِيُّ (٤)، وأبو عليٍّ ابنُ ستِّ الدار (٥) المذكوران في موضعَيْهما من هذا الكتاب، قال: وكان لإبن زَنّونَ خاتَمٌ يطبَعُ به كتبه لا يُفارقُه من دَواتِه
стр. 2452
ولا تُطبَعُ به كُتُبٌ إلّا بحضرتِه فأمَرَ ذاتَ يوم بكُتُب واستَعْجَلَ كُتّابَه الثلاثةَ فيها وانصَرفَ إلى منزلِه، فلمّا فرَغوا من كَتْبِها أرادوا إعلامَه بذلك ليَحضُرَ على خَتْمِها جَرْيًا على عادتِه، فأرادوا مطالعتَه في ذلك بكَتْبِ بطاقةٍ نثرًا، فقال لهم أبو عبد الله الإسْتِجيُّ: إنه لَيَقبُحُ بنا أن نكونَ أدباءَ شُعراءَ معَ أنّ مخدومَنا يَستحسِنُ الشّعرَ ويهتزُّ لسماعِه (١) ونُخاطبَه في مثل هذا بالنثر، قال: فقلنا له: أنت كبيرُنا ومقَدَّمُنا فابدَأْ لنا ما نتّبِعُك عليه ونَحْذو حَذْوَكَ فيه، فقال [من الكامل]:
نُسِجَتْ بُرودُ الكُتْبِ وِفْقَ مُرادِكمْ ... فأتَتْ مفَوَّفةً بخطٍّ بارعِ
وكتبَه في بطاقةٍ ودفَعَها إلى أبي عليّ، فزاد عليه بخطِّه [من الكامل]:
وجَمالُها طُرُزٌ لكي تزهى بهِ ... وطِرازُها يا ذا العُلى بالطابَعِ
ودفَعَ إليّ البطاقةَ فزِدتُ عليهما وكتبتُه بخطِّي [من الكامل]:
فالخَتْمُ للمكتوبِ تكرِمةٌ لهُ ... وكذا رَويناهُ عنَ اكرمِ شافعِ (٢)
[فلمّا وَجّهناها معَ من] أوصَلَها إليه خرَجَ إلينا مستبشِرًا مبتسمًا [والدّواةُ التي] فيها الطابَعُ محمولةٌ بينَ يدَيْه فدفَعَه إلينا فطبَعْنا [به الكُتُبَ وأُعيدَ إلى] موضعِه على جاري العادة.
وحضَرَ لإيرادِ هذه الحكاية [بعضُ مَن] يغشَى مجلسَ أبي عليّ أو يتردَّدُ إليه وله حَظّ من الأدب وقَرْض [الشّعر، ومنهم]: قريبُه (٣) أبو عبد الله ابنُ المُعزّ (٤)،
стр. 2453
وشاعرُه أبو محمد عبدُ الله (١) بن يحيى بن سُليمان المتراريُّ (٢) الحاجُّ المعروفُ بالمَرّاكُشيّ وصفيُّه الحاجُّ النبيل أبو إبراهيمَ ابنُ عبد السّلام بن عُمرَ القُزُوليُّ (٣)، فاستَظْرَفَها أبو عليّ والحاضِرونَ وأعجِبوا بها وتفاوَضوا في شأنِها ساعةً ثم قال أبو علي: ليتَ شِعري! لو كان معَهم رابعٌ ماذا كان يقول؟ وهل تُمكنُ الزّيادةُ على هذه الأبيات؟ فقال الجميعُ: إنّ المعنى قد كمُلَ ومَنَعَ الزّيادةَ، فقال: منَ المحالِ عادةً أن يكونَ معَهم رابع، ولا يَجري مَجْراهم في الإتيانِ بمثل ما أتَوْا به فخُذوا في الزّيادة عليها، وأشار بذلك إلى ابن المُعزّ وأبي محمدٍ المَرّاكُشيِّ وأبي إبراهيمَ القُزُوليّ، وأضاف إليهم ابنَ الجَنّان مورِدَ الحكاية،
стр. 2454
وقال له: هَبْكَ لستَ أحدَ الناظمينَ المذكورينَ قبلُ، ثم عَطَفَ عليّ وطالَبَني بالموافقة لهم في ذلك ولم يكنْ رأى لي قبلُ بيتًا واحدًا ولا أشعرتُه بأنّي خُضتُ في نَظْم قَطُّ، فاستعفَيْتُه من ذلك فلم يُعفِني وقال: وما الذي يمنَعُك وموادُّ النَّظْم كلُّها عندَك عَتِيدة؟ فلا وَجْهَ لاستعفائك ولا بدَّ من مشاركةِ الأصحاب فيما خاضوا فيه، ثم قال: لا أريدُ أن أشغَلَ خواطرَكم بالنّظر في هذا عن تأنيسِنا، ولكنِ اعمَلوا على اجتماعِنا عَقِبَ العَصْر ولْيَأْتِ كلٌّ منكم بما تيسَّر له إن شاء الله، وبعَثَ بالأخْذِ في ذلك إلى أبرع من اشتَمَلت عليه أغماتُ حينَئذٍ وأسرعِهم بَدِيهةً وأشهرِهم إجادةً وتفنُّنًا أبي الحَسَن بن إسماعيل (١)، وأعلَمَه بالمواعدة لإتيانِ كلِّ واحدٍ بما عندَه إثْرَ العصر، ثم انصَرَفْنا، فلمّا كان بعدَ العصرِ وافَى كلٌّ منّا بما سَنَحَ له، فقال ابنُ الجَنّان [من الكامل]:
الختْمُ للمكتوبِ تكرِمةٌ لهُ ... وكذا رَويناهُ عنَ اكرمِ شافعِ
فابعَثْ إلينا طابَعًا نختِمْ بهِ ... عملًا بتحريضِ الرسُول الشارعِ
فالمهتدونَ قدِ اقتَفَوْا آثارَهُ ... من صاحبٍ صَدَقَ المقالَ وتابعِ
وقال أبو عبد الله ابنُ المُعز [من الكامل]:
وحُلاكمُ منها التُّقى فلْتَشْرَعوا ... .............................
فابعَثْ أداةً طُرْزُها طُرْزُ الوَرى ... .............................
واقرُبْ بأمرِك إذْ نأيْتَ بحَجْبِهِ ... عن مُستحِثٍّ منك خَتْمَ الطابعِ
وقال أبو إبراهيمَ القُزُوليّ [من الكامل]:
ولأنتمُ أوْلى الأنام بأنْ يُرى ... لسبيل خَيْرِ الخَلْق أكرمَ تابعِ
فأْمُرْ لمَن يأتي بخَتْمٍ عاجلًا ... لتكونَ مقتدِيًا بقولِ الشارعِ
стр. 2455
وأتَى أبو محمدٍ المَرّاكُشيُّ ببيتَيْنِ من الطويل بعيدَيْنِ عن المعنى فرَدَّه، وقلت
[من الكامل]:
وفي الاقتداءِ به أجَلُّ فضيلةٍ ... فابعَثْ به لتنالَ فَضْلَ التابعِ
والسرُّ إنّ السِّرَّ فيه محجَّبٌ ... بالطّبع عن مستشرفٍ ومُطالعِ
فلَهِجَ أبو عليّ بذلك وحَسُنَ موقعُه منه، ولم يَصلْ أبو الحَسَن بنُ إسماعيلَ للموعد عَقِبَ العصر، فطال تعجُّبُنا من ذلك وانفَضّ المجلسُ، فلمّا كان قريبُ المغرِب خَرَجَ أبو عليّ إلى مجلسِه المُطِلِّ على الساقيةِ العُظمى السُّلطانيّة المُشرِفِ على الممَرِّ الأعظم شرقيَّ الجامع، فجالستُه هنالك منفردَيْن، وكنتُ مقابلَ الممَرّ وأبو عليّ مُقبِلٌ عليّ وقد استَدْبَرَه بعضَ الاستدبار، وإذا أبو الحَسَن بنُ إسماعيلَ مُقبِلٌ، فأعلمتُ بوصُولِه أبا عليّ وقلتُ له: ما أراه إلا أتى بشيءٍ، فقَصَدَ إلى جنبِ أبي عليّ من خارج المجلس وطَرَحَ بينَ يدَيْه بطاقةً وانصَرف، فلمّا قرَأَها أبو عليّ بالَغَ في استحسانِها، وكلّما كرَّر النظرَ فيها استَجادَها، ثم دَفَعَها إليّ، فإذا فيها بعدَ الأبيات الثلاثة الأولى ما نَصُّه: وقال معظِّمُ الجَلال، ومتملّكُ الكمال مُذيِّلًا
[من الكامل]:
كرَمُ الكتابِ خِتامُهُ وكذاكَ قا ... ل مُفسِّرٌ للوحي غيرَ مُدافَعِ
في قول بِلقيسٍ: كتابٌ جاءني ... -مَلَئي- كريمٌ أيْ بخَتْم صادعِ
ويحقُّ للمُعطي صيانةُ سرِّهِ ... وَصْفُ التكرم في الكلام الشائعِ
حُكمُ الشّريعة باهرٌ أنوارُها ... لذوي العقولِ كبدرِ تَمٍّ طالعِ
وبعدَها: وقال متملّكُ الكمال الأوحَدُ، وصَلَ الله سُعودَه [من الكامل]:
ما إنْ تزالُ تُفيدُنا يا ذا العُلا ... حِكَمًا وآدابًا بحُكمٍ نافعِ
أوضحتَ للأُدباءِ نَهْجَ سبيلِهمْ ... وأبَنْتَ مَهْيَعَ كلِّ فضلٍ جامعِ
........................... ... منها تؤُمُّ إلى المدى المتشاسعِ
стр. 2456
والسلامُ الكريم الأحفَلُ الأسنى يخُصُّ المجدَ الأتلد، والكمالَ الأوحد ورحمةُ الله وبَركاتُه.
ولمّا وقَفْتُ عليها لم أرَ فيها كبيرَ مُستحسَن، بل رأيتُها [نازلةً عمّا عُهِدَ] من إحسانِه، ومُنحطّةً عمّا أتَى به غيرُه، وعجِبتُ من إفراطِ أبي عليّ في استجادتِها على براعة نَقْدِه وجَوْدةِ تمييزِه، ثم هَجَسَ في خاطري [أنّ ذلك] لم يكنْ منه إلا لِما أتبَعَ به أبو الحَسَن تذييلَه من الأبياتِ الثلاثة في مَدْحِه، وقلتُ: أراه حاملَه على استحسانِ ما أتَى به أبو الحَسَن، فصَنَعْتُ تلك الليلةَ قصيدةً في مَدْحِه وأشرتُ إلى أنّ تذييلَ الأبيات كان عن إشارته، وزدتُ في التذييل أبياتًا، ولقِيتُه بها بعدَ العَصْر منَ الغدِ لمّا لم يتَأتَّ لقاؤه بها صَدْرَ النهار لخروجِه إلى بعضِ المواضع، ولمّا جئتُ بها بعدَ العصرِ ألفَيْتُ أبا محمد المَرّاكُشيَّ قد جاء بهذينِ البيتَيْن
[من الكامل]:
وولوعُ همّتِكمْ بشِرعةِ أحمدٍ ... أجلى وأبهرُ من هلالٍ طالعِ
فابعَثْ بطابَعِك السّعيدِ لتقتفي ... سَنَنَ الهدايةِ كفُّ هذا الطابعِ
فخَلوتُ بالمَرّاكُشيِّ وقلتُ له: هذه مَكِيدةٌ، فقال لي: هو -والله- كما حدَسْتَ، فإنه لم يَخْفَ عليَّ كونُ الأبياتِ من المديد (١)، ولكنّي لم أتهَدَّ إلى ما يَصلُحُ ذَيْلًا لها، فصنَعْتُ ذلك حتى أسمَعَ ما أتى به غيري فأحْذُوَ حَذْوَه، وتربَّصتُ بأبي عليٍّ (٢) خَلْوَته بدخولِه إلى مجلسِه الخاصّ من مجلسِه العامّ، ودفعتُ إليه القصيدةَ، فلمّا رآها قال لي: لمَن هذه؟ فقلت: قفْ عليها، فقال لي: هذا خطُّك فمَن ناظمُها؟ قلت: كاتبُها، فاشتَدَّ تعجُّبُه من فعلي أولًا وإتْياني بها ثانيًا حتى كان من كلامِه أنّ هذه البلادَ وَلّادةٌ مُنْجِبة. وهذه القصيدةُ التي رفعتُ له
[من الكامل]:
стр. 2457
حرِّرْ من التقريظِ حُرَّ بدائعِ ... تَزْهَى بحُسن مطالعٍ ومَقاطعِ
واخصُصْ بها إن شئتَ تشريفًا لها ... قُطبَ العُلى سرَّ الكمالِ البارعِ
ذاك الفقيهُ ابنُ الفقيه المُعتلي ... في ذَرْوةِ الحَسَبِ الصّميم الناصعِ
لأبي عليٍّ في المعالي رُتبةٌ ... أضحَتْ لمجموعِ العُلى كالجامعِ
إرثًا وكسبًا حازَها وبنَى لها ... بصنائعٍ منه مَشِيدُ مصانعِ
فحُلَى أبيه الحَبْر أحمدَ لم تكنْ ... إلّا حُلى البَرِّ .......
عمَّ الخلافُ فإنْ حَمِدْنا أحمدًا (١) ... لم نَلْقَ غيرَ [مُوافقٍ ومتابعِ]
بحرُ العلوم درايةً وروايةً ... قد جال منها في المجالِ [الواسعِ]
وبيانُهُ لأصولِها وفُروعِها ... [...............]
فإذا يَحَارُ الفهمُ في مُستبهِمٍ ... منها جَلاهُ بالمقالِ [.........]
بالعلم والدِّين المتينِ جَرى مدى (؟) ... وَرَعٍ إلى الخيرِ الجَسِيم مُسارعِ
ورَعَى حِمى دينِ الهدى .. ... ووَفَى له بشعائرٍ وشرائع
في الله لم تأخُذْه لومةُ لائمٍ ... كلّا ولا استهواهُ كيدُ مُخادعِ
قد باعَ دُنياهُ بأُخراهُ فما ... ذا حِيزَ من ربحٍ لهذا البائعِ
وتزوَّدَ التقوى بضاعةَ مخُلصٍ ... لله منقلبٍ بخيرِ بضائعِ
حيّاه رِضوانُ الجِنانِ كرامةً ... بمزيدِ رِضوانٍ وعفوٍ واسعِ (٢)
يا ماجدًا لِعُلًا حَلاهُ تفنُّنٌ ... أيًّا بلاغةَ شاعرٍ أو ساجعِ
فأصالةٌ وجلاةٌ وجَزالةٌ ... شَهِدَتْ لفضلِك بالبيانِ الساطعِ
стр. 2458
ونَفاسةٌ ورِياسةٌ وزعامةٌ ... بهَرَتْ فنازَعَهنّ كلُّ مُنازعِ
وسيادةٌ قد زانَها بتواضُعٍ ... أكرِمْ به من سيّدٍ متواضعِ
نَدْبٍ لأعلام المكارم رافعٍ ... ندسٍ لأعلام الأكارم فارعِ
تلقاهُ يومَ السِّلم مبتهجَ الرؤى ... بسَنَا السّناءِ كبَدْرِ تَمٍّ ساطعِ
وتُدارُ للهيجا عُقارُ قِراعِها ... فتراهُ خيرَ مُعاقِرٍ ومقارَعِ
قَسَمَ الجَزاءَ موافقًا للعدلِ في ... أقسامِهِ فأصابَ حُسنَ مَواقعِ
فوليُّه يحظَى بشَهْدٍ نافعٍ ... وعدوُّه يشقَى بسُمِّ ناقعِ
فلذا [......] ... ولذا رَدَاهُ عن سَمُومِ مُمازعِ
[......] إلّا الذي ... قد طابَ من خُلُقٍ له وطبائعِ
[......] المحْل إلّا ما جَنَى ... من جُودِه المتواترِ المتتابعِ
[......] وفاقَهم بفِعالِه ... كم شارح قد فات شَأْوَ الواضعِ
[......] قد حَوَتْ ... لعُفاةِ نائلِها عذابَ مشارعِ
كَفٌّ بها للجُودِ خمسةُ أبحُرٍ ... تبدو لرأي العَيْن خمسَ أصابعِ
يا من يَقِيسُ به سواءٌ في النّدى ... ألغَيْتَ في النظر اعتبارَ الجامعِ
هذا يجودُ وفي الموانع كثرةٌ ... وسواهُ ضَنَّ معَ ارتفاع المانعِ (١)
стр. 2459
شعري وفكري في امتداحِ خِلالِهِ ... ما بينَ محمولٍ له ومُطاوعِ
لم يَنْثنِ المُثني على عَلْيائهِ ... عن حَصْرِها إلا لعُذرٍ قاطعِ
من ذا يَعُدُّ الشُّهبَ أو يُحصِي الحَصَى ... فاكفُفْ وإلا بُؤْ بيأسِ الطامعِ
يا سيّدًا حاز المعالي ناشئًا ... في المهدِ بينَ حواضِنٍ ومراضعِ
منك استفَدْنا كلَّ ما جئنا بهِ ... لا زلتَ تُولينا ضروبَ منافعِ
لا غَرْوَ أن بَذّتْ نُهاك عقولَنا ... فالشمسُ تَبهَرُ كلَّ نجمٍ طالعِ
نفَذَت إشارتُك الكريمةُ تقتضي ... تذييلَ شعرٍ في تطلُّبِ طابعِ
أبياتُه مهما تُعَدُّ ثلاثةٌ ... كالرّوض جِيد بصَوْبِ غيثٍ هامعِ
قد دار بينَ ثلاثةٍ إنشاؤها ... ما منهمُ إلّا مُجيدُ بدائعِ
حَظَروا الزيادةَ بعدَهمْ إذ كمَّلوا ... واستَغْرَقوا المعنى بلفظٍ جامعِ
فقفَوْتُ ممتثلًا على آثارِهمْ ... لا بادعًا بإصابةِ المتخادعِ
قال الأديبُ الإسْتِجيُّ مُمهِّدًا ... لطلابِهم فأتَى بنظم رائعِ:
"نُسِجَتْ برودُ الكُتْبِ وفقَ مُرادِكمْ ... فأتَتْ مفوَّفةً بخطٍّ بارعِ"
والكاتبُ ابنُ الستِّ قال تسلُّقًا ... لحصُول بُغيتِهم بنَبْل مُنازعِ:
"وجَمالُها طُرُزٌ لكي تزهَى بهِ ... وطِرازُها يا ذا العُلى بالطابعِ"
وفتَى بني الجَنّان حاز الخَصْلَ في ... تضمينِه معنى كلام الشارعِ:
"فالخَتْمُ للمكتوبِ تكرِمةٌ له ... وكذا رَوَيْناه عنَ اكرمِ شافعِ"
وتلَوْتُهمْ وأنا المُقصِّرُ عنهمُ ... .....................
حتى أتَيْتُ بخامسٍ وبسادسٍ ... وبسابعٍ [وبثامنٍ وبتاسعِ]
وبعاشرٍ كمُلتْ به عَقْدًا حَكَى ... عِقْدًا تُنضِّدُه أكفُّ [الصانعِ]
стр. 2460
وتلفَّعَتْ خَجَلًا بأحمرَ قانئ ... وتلفَّفتْ وَجَلًا بأصفرَ [فاقعِ]
عوَّذتُ بالسّبع المثاني سبعةً ... منها مخافةَ نافسٍ أو لاقعِ (١)
ورسَمْتُ هذا الذّيلَ تحريضًا بما ... راموا وتفضيلًا لهذا الطابعِ
وفي الاقتداءِ به أجلُّ فضيلةٍ ... فابعَثْ بها لتنالَ فَضل التابعِ
والسرُّ إنّ السّرَّ فيه محجَّبٌ ... بالطَّبْع عن مستشرفٍ ومُطالعِ
وبحَوْطِهِ عن نَقْصه وزيادةٍ ... فيه حِيَاطةَ كالئ لودائعِ
وبصوْنِهِ الأسرارَ صاحبَ وَصْفِهِ ... كرمٌ فما سرُّ الكريم بذائعِ
هذا [وفيه] لِصَرْفِ ناظرِ ناظرٍ ... من غيرِ إذْنٍ فيه أكبرُ وازعِ
إنّ الكتابَ مخاطبٌ لكنّه ... لنواظرٍ يُثنَى خطابَ مُسامعِ
ولذاك شُبِّهَ ناظرٌ فيه بمَن ... يَرْنو لنارٍ في الحديثِ الشائعِ
فاختَرْ من الأبياتِ ما هُو شائعٌ ... وانبِذْ سِواها بالمحَلِّ الشاسعِ
وإن اقتضَى النظَرُ الكريمُ بقاءها ... ذيلًا عليه فما له من دافعِ
واسمَحْ وأغْضِ وغُضَّ طَرْفَ النَّقْدِ عن ..... . نقد إلى الإبان نوازعِ
رِيعَتْ لناصِب خافضٍ أو جازمٍ ... إنْ لم تَمُدَّ لها يمينَ الرافعِ
واسلَمْ وعِشْ ... فيما تشتهي ... من نَيْل آمالٍ ورَبِّ صنائعِ
وأمَرَ أبا يعقوبَ ابنَ الجَنّان بمُعارضتِها فقال: ونقَلتُها من خطِّه [من الكامل]:
أصغَيْتُ للأمرِ الكريم مَسامعي ... وأنَرْتُ منه مَغاربي ومَطالعي
وعَمَرْتُ منه جَوانحي وتفكُّري ... وجعلتُهُ حين المنام مُضاجعي
стр. 2461
شكرًا لِما أوليْتَني من أنعُمٍ ... طابَتْ بهنَّ مَواردي ومشارعي
قرَّبْتَني هَذَّبْتَني أكسَبْتَني ... صِيتًا بشِعري في عُلًى وتواضُعِ
وَجَدَ المحَلُّ له قَبُولًا فاكتَسى ... حُلَلَ المُحَلَّى ذي الرُّواءِ الشائعِ
لكنْ عَرَا من دونِ قَصْدي شاغلٌ ... ما زال عن قَصْدٍ ورأي قاطعِ
[......] ... بَسْط اعتذاري قبلَ سَمْع شوافعي
[......] من بَذْلِ المُنى ... ولقاصديهِ لديه سُوقُ مَطامعِ
[......] ويَحُوطُهمْ ... بالرأي منه وبالحسامِ القاطعِ
[من يلقَهُ يلْقَ] السماحةَ والنَّدى ... أعظِمْ به كرَمًا وخيرَ مماصعِ
[أخلاقُهُ] ورواقُهُ ومساقُهُ ... [......] واتّساقُ منافعِ
[وخِباؤه] وبَهاؤهُ وعلاؤهُ ... شِيَمٌ تبَدَّت عن حُلىً وطبائعِ
إنْ جال في إيرادِها برُويةٍ ... أصمَى الصّوابَ كسَهْمِ رامٍ بارعِ
أو صادَفَ الأطوادَ منهُ مَضَاؤهُ ... سَهُلتْ مصاعبُ سَمْتِها للرافعِ
للحِلم منه مَواقعٌ مَرْضيّةٌ ... للعَزْم منه مضاءُ حدٍّ رائعِ
أولى من البَسْطِ الجميل محَافِلًا ... نُظِمتْ بناظم أُنسِها وبجامعِ
فيها من الأدباءِ نُخْبةُ دهرِهم ... يَرْوُونَ حُسنَ مَطالعٍ ومَقاطعِ
حتّى جرى ذكْرٌ لكتّاب سَعَوْا ... لرئيسِهم يومًا حضورَ الطابعِ
نَظَموا طِلابَهمُ بأبياتٍ لهمْ ... كنجومِ هَقْعةَ أو كنَسْرٍ واقعِ
فالإستجِيُّ لهم بَدَا بمقالِهِ ... إذْ كان في الآدابِ غيرَ مُنازَعِ:
"نُسِجَت بُرودُ الكُتْبِ وَفْقَ مُرادِكمْ ... فاتتْ مفوَّقةً بخطِّ بارعِ"
لم يَرْوِها الأدباءُ عن شُعرائهم ... فاعجَبْ لأشعارٍ بنَظْم [......] (١)
لا بالعَروضِ ولا اللّغاتِ تسَرْبَلَتْ ... لكن مَعانيها كسُمٍّ ناقعِ (٢)
تُبدِي لنا غُرَرَ البيانِ مَشُوبةً ... بمواعظٍ فاضَتْ بهنّ مدامعي
وإذا يُهاجي ماجنًا كوميُّنا ... يُجرِي الشؤونَ بكلِّ دمعٍ هامعِ
طِيبًا وضِحْكًا لا يقاسُ بطيِّبٍ ... إلا بأخلاقِ الرئيسِ الفارعِ
أبكارِ كلِّ فضيلةٍ موروثةٍ ... عن والدٍ في العلم بحرٍ واسعِ
ذاك الإمامُ المعتزي لعلومِه ... إيضاحَ لَبْسِ نوازلٍ وشرائعِ
الزاهدُ الوَرِعُ المسَمَّى أحمدًا (٣) ... شمسُ الهدى علمًا وطِرسَ منافع
من كان يَروي بالمكارم غُلّةً ... قد كان يُروَى علمَ شرعٍ نافعِ
ما زال صَدْرًا في العلوم وفي النَّدى ... بحرًا يفيضُ لآمِلٍ ولسامعِ
وأتى لنا من بعدِه نُجَباؤهُ (٤) ... فاقوا الوَرى بمكارمٍ ومَنازعِ
أبقاهمُ اللهُ وآمَلَ جُودَهمْ ... يحيا ببرٍّ دائمٍ مُتتابعِ
وأدام يعقوبًا (٥) لنا في غِبطةٍ ... يحيا بنَصْرٍ للمُضاهي سافعِ
وعَدَاهُ بينَ مقتَلٍ ومجَدَّلٍ ... ومقرَّنٍ بسلاسلٍ ومجامعِ
стр. 2464
وجميع أقطارِ الوَرى في حُكمِهِ ... والسَّعدُ عنه الدهرَ أعظمُ دافعِ
فلم يرفَعْ أبو عليّ بها رأسًا، واتّخَذَ قصيدتي سميرًا ونَجِيًّا وأُنْسًا، يُوالي مطالعتَها، ولا يَسأمُ مُراجعتَها، وكلّما رجَعَ لها بصَرَه، وأعاد فيها نظَرَه، زاد بها شَغَفًا، وشاد لها شَرَفًا، فنَفَقَ سُوقُها، وشُهِرَ سموُّها على أترابِها وبُسُوقُها، وانتَهَت شهادتُه باستحسانِها إلى الشّيخ الأديب الحَسِيب أبي عليّ حَسَن بن [] بن أبي الطاهر (١)، فنَظَمَ في معارضتِها هذه القصيدةَ ورَفَعَها إليه، ونقَلتُها من خطِّ ناظمِها
[من الكامل]:
يا خيرَ مُصْغٍ للقريضِ وسامعِ ... وأجلَّ مَن بَذَلَ النَّوالَ لقانعِ
.......................... ... كزهْوِ كواعبٍ ببَراقعِ
............. وما ستَرتْهُ مِن ... غَدْرِ حِسَانٍ كالشّموس طَوالعِ
[......] أبا عليٍّ إنّها ... بكَ جنّةٌ تَحْوي عذابَ مَشارعِ
... . ما تتّقيه وأهلُها ... فكأنّها الحَرَمُ الأمينُ لجازعِ
[وحكَمْتَها] بالعدلِ منك مُساويًا ... بينَ العزيزِ ديانةً والضّارعِ
[......] عين حَسُودِكمْ يا ذا العُلى ... وبقِيتَ من حَكَمٍ رِضًا متواضعِ
[......] تقِيٍّ زاهدٍ متورِّعٍ ... شَهْمٍ كمِيٍّ للشدائدِ دافعِ
حَبْرٌ نقابٌ عارفٌ متفنِّنٌ ... نَدْبٌ كريمُ مناقبٍ وطبائعِ
يلقَى العُفاةَ بمُجتَلًى متهلِّلٍ ... وبنائلٍ طمَّ الخَصاصةَ قانعِ
ويُريكَ نُورَ البِشرِ منه بشائرٌ ... تُدْني من الأمَلِ البعيدِ الشاسعِ
وإذا تقَدَّم للوغى فبِبأسِهِ ... لعداته فيها عداد مصارعِ
стр. 2465
تخشَى العُداةُ طعانَهُ وقِرانَهُ ... فبطاعنٍ منهُ تُنالُ وقارعِ
يا ابنَ التقيِّ الزاهدِ الوَرِع الرِّضا ... والعالِم المُحيي رُسومَ شرائعِ
عَلَمُ الفَخَارِ سمِيُّ خيرِ مشفَّعٍ ... في الخَلْق ذو الحَسَب الصّميم الناصعِ
يَهنيكَ ما قد حُزتَ من أثرٍ ومِن ... باعٍ مَديدٍ في المعارفِ واسعِ
وإليكَها ممّن تقادَمَ عهدُهُ ... بك (١) يا مُنيلَ فوائدٍ ومنافعِ
تتضمّنُ الأبياتُ يا عَلَمَ الهُدى ... للكاتبينَ دُعابةً في طابعِ
إذْ قال عندَ فَراغِهمْ من كَتْبِ ما ... أمَروا به النّحريرَ غيرَ مُنازَعِ
"نُسِجَتْ بُرودُ الكُتْبِ وفقَ مرادكمْ ... فأتَتْ مفوّفةً بخطٍّ بارعِ"
وتلاه في معناه أيضًا تابعٌ ... فأصِخْ سَماعًا للمُجيدِ التابعِ:
"وجَمالُها طُرُزٌ لكي تزهَى بهِ ... وطِرازُها يا ذا العُلى بالطابعِ"
واسمَعْ مقالةَ ثالثٍ نعُمَتْ بما ... قد قالهُ أذُنُ المُصيخ السامعِ:
"فالخَتْمُ للمكتوبِ تكرِمةٌ لهُ ... وكذا رَوَيْناهُ عنَ اكرم شافعِ"
ولرابعٍ فاسمَعْهُ تذييلٌ ودع ... تذييلَ سادسِ خامسٍ أو سابعِ
إيهٍ وفيه زيادةٌ ناطت بهِ ... مَنعَ الزيادة رَقّ سرِّ المانعِ
وبهِ كذلك ضِدُّها متعذِّرٌ ... صَعْبٌ [......]
لله دَرُّ عصابةِ الأدبِ الأُلى ... سَمَحوا [......]
هم كالأثافِي قد تُحَلِّي طِرْسَهمْ ... من وَشْي كُتْبٍ [......]
стр. 2466
فكأنّما صنعاءُ قد وهبَتْهُ من ... وشيٍ بها فَزَها بصنعةِ [صانعِ]
طِرسٌ عليه الرّوضُ خالعُ لُبْسِهِ ... زمنَ الربيع فيا لهُ من خالعِ
شَتَّى أزاهرُهُ فمِن يققٍ زَهَا ... ببياضِهِ الأسنى وأصفر فاقعِ
مُتضاوعِ النَّفَحاتِ لكنْ بَزَّهُ ... طِيبُ الثناءِ الطيِّبِ المُتضاوعِ
لله ذو أدبٍ تذكَّرَ ما جَرى ... في طابَعٍ كتب الخلائف طابعِ
أصغَيْتَ سمعًا للحديثِ وحُسنِهِ ... وبه عُنيتَ لذكْرِه المتتابعِ
فاقطُفْ سِراجَ المجدِ زَهْر كُمامِها ... واطرَبْ بشَدْوِ حَمام روضٍ ساجعِ
لا زلتَ ترفَعُ للسيادةِ رايةً ... تَقْضي بطُولِ بقاءِ عزِّ الرافعِ
وجَرى القضاءُ بما تُحبُّ وتشتهي ... وثَوى ببُرجِكَ نورُ أسعدِ طالعِ
وهذه القصيدةُ وإن كانت من النّمَطِ الوَسَط فإنّها أقربُ للقَبول من قصيدةِ ابن الجَنّان.
وقد التمَسْتُ تذييلَ تلك الثلاثة من بعض أصحابِنا، منهم: أبو عِمرانَ [......] التَّمِيميُّ الإفريقيّ (١)، فقال، ونقَلتُه من خطِّه [من الكامل]:
والخيرُ كلُّ الخيرِ في أن تقتَفي ... ما جاء عنهُ وحَلَّ أُذْنَ السامعِ
стр. 2467
وأبو عِمران [......] ابن الحَرّار (١) فقال، ونقلتُه من خطِّه [من الكامل]:
فامنُنْ بتعجيلِ الخِتام لعلّها ... يغد والرسُولُ بها بأيمَنِ طالعِ
وأبو محمو عبدُ الرّحمن البَسْطيُّ (٢)، فقال، ونقَلتُه من خطِّه [من الكامل]:
وبه الحِجابُ لِما عليه قدِ انطوَى ... كالقُفْل صار على مقرِّ ودائعِ
وأبو زكريّا بنُ عليّ بن يحيى بن إسماعيلَ (٣)، فقال، ونقلتُه من خطِّه
[من الكامل]:
ولقد أصابَ الحَزْمُ واضعَهُ ليحـ ... ـفَظَ سرَّه أنبِلْ به من واضعِ
سِرُّ الكتابِ به يُصانُ فلو عَرَا ... منه لأصبح كالحديثِ الشائعِ
قال المصنِّف عَفَا اللهُ عنه: أثبتُّ هنا ما حَضَرني من هذه التذييلات؛ لأنّ فيها أمارة، على أنّ بهذه البلادِ من أهل هذا الفنِّ عِمارة، وكم تقَدَّمَها من عاضِد، [وما سُقناه هنا] على ذلك أصدقُ شاهد.
توفِّي أبو يعقوبَ [ابنُ الجَنّان يومَ] السَّبت لثلاثَ عشْرةَ ليلةً خَلَت من ربيع الآخِر سنةَ [......] (٤) وست مئة. مولدُه بِسَلا.
٢٣٥ - يونُسُ (٥) بن مهذَّبِ الدِّين عثمانَ [الحَسَنيُّ] المازَنْدَرانيُّ؛ نَجْمُ الدِّين المازَنْدَرانيّ.
стр. 2468
رَوى عن أخيه. وقَدمَ الأندَلُسَ [فَروى عنه] بإشبيلِيَةَ أبو القاسم خَلَفُ بن عبد العزيز القَبْتوريُّ (١)؛ وأجاز إلى [العُدوة] وعاد منها إلى الأندَلُس، الكاتبُ الأبرع أبو عبد الله ابنُ الجَنّان [رسالةَ] إعلامٍ بقَصْدِه للشيخ الأوحد أبي الحَسَن سَهْل بن مالكٍ (٢) ﵏، وهي [من الطويل]:
سَرى النّجمُ نَجْمُ الدِّين للغربِ قاصدًا ... من الشّرقِ كي يلقَى سِراجَ المعارفِ
فقلتُ له: يا نَجْمُ بلِّغْ تحيّتي ... وذِكْري وشكري للنّدى والعَوارفِ
وزُرْ في ربى نَجْدٍ (٣) ديارَ ابنِ مالكٍ ... تجِدْ كلَّ مجدٍ من تليدٍ وطارِفِ
وخيِّم لدى سَهْل فسهلٌ جَنابُهُ ... رَحيبٌ لجَوّاب الفَلا والتنائفِ
وقَرَّ إذا تلقاهُ عينًا بقُربِهِ ... فسوف يَرى لُقْياك إحدى اللطائفِ
وخُذْ عنه ما تَرويه إن جئتَ مكّةً ... لكلِّ مُلبٍّ بالمشاعرِ طائفِ
وصِفْ لبني السِّبْطيْنِ قومَك فضْلَهُ ... فيا حُسنَ موصوفٍ ويا حُسن واصفِ
كتابي إلى المجلس العلميّ، السُّنِّيّ السَّنِيّ، زاده اللهُ تكريمًا وترفيعًا، وأبقى للعلوم ببقائه تأصيلًا وتفريعًا، وحرَسَ جانبَه فلا يزالُ بالعزِّ منيعًا وبالسعدِ مَريعًا، كتابٌ يتشرّفُ بالمحمولِ إليه والحامِلِ، وتَغبِطُ النفْسُ فيه حظَّ الطِّرس وخَطَّ الأنامل، ذلكم بأنه خاطبتُ به أشرفَ المجالس، النيّرةَ المَقابِس، المحيِية رسومَ الفَضْل الدارس، وبعَثْتُه معَ كبيرٍ من الشّرفاءِ أهل البيتِ النَّبويّ، وذوي المَناسب الأطايب من ذُريّة البَتُول والوصيّ، وهو الشريفُ السيّد الأوحَد الصَّدْر العليّ الاكمَلَ الجليلُ الأفضل نَجْمُ الدِّين الحَسَنيّ، حفِظَ [الله] رُتبةَ شرفِه، وصَلّى على
стр. 2469
المُجتبَيْنَ من سَلَفِه، وإنّ هذا المنتميَ إلى المجد الباهرِ العلياء، والجدِّ الخاتم ديوانَ الأنبياء؛ لتَظهَرُ عليه بركاتٌ يستمِدُّها من عُنصرِها، وتَسري إليه من أُسرةِ الرسالة ومعشَرِها، فمن كمالِ إنسانيّ، وجلالِ نَفْسانيّ؛ وآدابٍ حِكَميّة، وآثارٍ مضيئة رَضِيّة، حسَنةٍ حَسَنيّة؛ فإنْ تكلَّم فكلامُه شَرَكُ العقول، وإن رَسَم في القِرطاس تحيَّر التفضيلُ بين المرسوم والمَقُول؛ وبالجُملة، فسترَوْنَ منه كلَّ [ما رَقّ وراق، وأمتَعَ الأسماعَ والأحداق]. ولمّا رمَتْ به نوى الغُربة إلى بلادِ المغرِب، وهي التي شكا (عَطَنَها، وعابَها) وما استحسَنَها، واستَوْبَأَ هواءها؛ واستَوْبَلَ أهواءها، (ووَجَدَ ناسَها كالأشباح، خاليةً) من الأرواح، وسَماحَها قد غاضَ فلم يبقَ بلَلٌ من سيحِه بالساح، [فكرُت حوْقلتُهُ] واسترجاعُه، وقال أينَ رونقٌ كان قد قَرَعَ الأسماعَ سَماعُه؟ فقيل له: [ذهب] ما هنالك، وغيَّرت الغِيَرُ المسالكَ والممالك، اللهم إلّا أنّ اللهَ أبقى البلادَ التي هي للفضائل بذلك، وحسَنتَها التي هي نورٌ في اللّيالي الحوالك، [قال]: فمَن تَعْنُون؟ قلنا: أبا الحَسَن سَهْلَ بنَ مالك "سيِّدٌ يفاخِرُ به إقليمُه الأقاليم ويُباهي (١)، ويوجَدُ الجُودُ في ماله وهُو الآمرُ الناهي، وتؤخَذُ عنه من شريعةِ جدِّك ﵇ الأوامرُ والنواهي، فقال: وجَدِّي لأعُودَنَّ إلى أرضِه حثيثَ الرِّكاب، مُستسهِلًا في طلبِ الأُنْس به وَحْشةَ القَفْر اليَبَاب، حتى أحُلَّ بمَغْناه، وأحصُلَ من كمالِه على فائدتَيْ لفظِهِ ومعناه؛ فقلنا: هُديتَ يا نَجْمُ سائرًا وساريًا، وسوف تلقَى صباحَ المجدِ المنير لا مُحتجبًا ولا مُتَواريًا، فتحمَدَ سُراك، وتشهَدَ للمغرب إن شاء اللهُ بحُسن ما أراك؛ وعندَما ثنَى نحوَ ذلكم الرَّبع الآهِل العِنان، وأحبَّ أَن يردَ صفْوَ تلكم المناهِل ليعلم الأثرَ والعِيان، أصحبتُه هذه المخاطبةَ لتشرُفَ بصُحبتِه، وتمجُدَ لإضافةِ تحمُّلِه لها ونسبتِه، وقد أودعتُ شرفَه ودائعَ إخلاص، وبدائعَ اختصاص، يتفضَّلُ بتبليغِها، وتُلقيها بلاغتُه إلى فصيح الدّنيا وبليغِها، وإنّي لأرجو أن أسعدَ منكما بين سعيدَيْن، وأن نجدَ جميعًا الرحمةَ
стр. 2470
مبسوطةَ بحبِّ بني السِّبْطَيْن؛ واللهُ تعالى يصلُ أسبابَ الرجاء في فضلِه العميم، ويُصَلّي على محمدٍ وعلى أهل بيتِه الكريم، وهو سبحانَه يُديمُ لكم أيها السيِّدُ الأعلى عُلوَّ المراتب، ومَتْلوَّ المناقب، ويمتِّعُ الوجودَ منكم بالعِلم المُناكِب، لأوْج الكواكب. بمَنِّه.
ولمّا ورَدَ غَرنْاطةَ لقِيَ بها أبا الحَسَن سَهْلَ بن مالك، فشاهَدَ منه الجلالَ يَعبُقُ نَشْرُه، والإقبالَ يتألقُ بِشْرُه، والنّوالَ يتدفّقُ بحرُه، والكمالَ أربَى على خُبرِه خَبْرُه، ولمّا ارتَوى من لقائه، واحتَوى على ما استفادَه من تِلقائه، كرَّ راجعًا إلى سَبْتةَ مؤمِّلَا الوِفادةَ على حضرةِ مَرّاكُش، وكان بسَبْتةَ حينَئذٍ الشّيخُ أبو الحَسَن الرّعَيْنيّ فسأل [منه كَتْبَ إعلامٍ إلى أهل] مَرّاكُش فوعَدَه بذلك ثم شَغَلَه عنه شواغلُ ما [كان بصَدَدِه من الانتقال] إلى مَرّاكُش، فكتَبَ نَجْمُ الدِّين إليه ليَستنجِزَ وعْدَه
[من الوافر]:
[تُذكِّرُنا] الرِّقاعُ إذا نَسِينا ... ونَكتُبُ كلّما غَفَلَ الكرامُ
[وإنّ الأُمَّ] لم تُرضعْ فتاها ... معَ الإشفاقِ لو سَكَتَ الغلامُ (١)
فأجابُه أبو الحَسَن [من الوافر]:
[عَذِيرُك] يا ابنَ خيرِ الخَلْق طُرًّا ... فإنّ العُذرَ يقبَلُهُ الكرامُ (٢)
ولكنْ عاقَني شُغلٌ توالَى ... ففي اليدِ والفؤادِ لهُ ازدحامُ
وأصحَبَه أبو عبد الله ابنُ الجَنّان أيضًا رسالةً إلى أبي المُطرِّف بن عَمِيرةَ وهو قاضِ بِسَلا ورِباطِ الفتح يُعلِمُه بشأنِه، ومحَلِّه من الفضلِ ومكانِه، وهي هذه
[من الطويل]:
أيا راكبًا نحوَ الرّباطِ ولي بهِ ... حبيبٌ رباطُ الصبّرِ حُلَّ لبُعْدِهِ
رُوَيْدَك أُودِعْك السلامَ رسالةً ... إلى وُدِّه فامنُنْ عليَّ وأدِّهِ
стр. 2471
وبُثَّ، وُقيتَ البَثَّ، آثارَ لوعتي ... ووَجْدي وما بي من غرامٍ لمجدِهِ
وقُلْ: يا ابنَ عمّي لو رأيتَ الذي .. لفَقْدِ التّداني كنتَ تخشَى لفَقْدِهِ
وبالله يا نَجْلَ الشفيعِ شفاعةً ... ليُحفظَ قلبي لا أقولُ برَدِّهِ
كتابي هذا يحمِلُه إلى سيِّدي الحاملُ من العلوم لواءها، ومن المكارم أعباءها، أبقى اللهُ كمالَه محروسَ السَّناء، مأنوسَ الفِناء، مقبوسَ الأضواء، نَجْمٌ في الآفاقِ سارٍ، وفي مطالع الإشراق معَ الخُنَّس الجَواري حارٍ، وهو نَجْمُ الدّين ابن مُهذِّبِه، الشريفِ الذي تعنقُ بسِرْبِه، نَجْل السيِّد الذي تعِزُّ قُريشٌ بسيادتِه، وتقَرُّ عينُ المجدِ النّبويِّ والجدِّ العَلَويِّ بمَجادتِه، زاده اللهُ تألقًا وسَنًا، وقَدَّس أبوَيْه عليًّا وحَسَنًا، وإنه لذو شِيَم عَلَويّة، وحِكَم نَبَويّة، وآدابٍ محاسنُها تجمَعُ محاسنَ الزّمن، وصنائعُها تُطلِعُ في القِرطاس صنعاءَ اليمن، ومعَ ذلك رِقّةٌ كرقّةِ النّسيم، وعُذوبةٌ كعذوبة التّسنيم، وما شاء الشَّرفُ من خُلُقٍ سَنِيّ، وخَلْق حَسَنيّ، وهمّةٍ تكلَفُ بالعُليا، وتعتسفُ المجاهلَ لتُعلمَ أعلامَ الدنيا، ولمّا سَمِع وصْفَ ذلكم الكمالِ فَراقَه، استَسْهلَ بتدانيهِ نزوحَ الوطنِ وفِراقَه، فتحمَّلَ إليه ليحمِلَ عنه ما يُتحِفُ به حجازَهُ وعِراقَه، وحين أخبِر بانتمائكم لذلكم الحَيِّ من قُريش، قال: أيْشٍ أطلُبُ غيرَ لقاءِ ابن العمِّ؟ فيا طِيبَ العَيْش، آنَسُ بقُرباه وقُربِه، وأَصُولُ على الأيام بحِزبِه؛ فقلتُ له عندَما أزمَعَ السَّير وقال: أمَلي لقاءُ المخزومي: سلِّمْ يا نَجْمُ على من يكتحلُ بسَناك ويقول عندَ لُقْياك: تبارَكَ من [خَلَقَك فسَوّاك] فبجَدِّك الرسُول صلَواتُ الله عليه وسَلامُه، وبأهل البيتِ الذين بهم مُقامُه ومَقامُه، إذا استقَرَّت بك منازلُ قاضينا الفاضل وخِيامُه، وتَجارَى في حَلَبةِ أولي المحبّة كلامُك وكلامُه؛ فقرِّرْ عندَه ما عندي وثبِّتْه، وأغرِسْهُ في ثَرى أطيب أرضٍ لديه وأنبِتْه؛ وقُلْ له: هو فيك كما عَهِدتَه متشيِّع، وبرفضِ ما سوى إمارتكَ في البلاغة متشرِّع، ليَعلمَ أنّ الأيامَ لم تُكَدِّرْ صفائي، ولم تنقُصْ وفائي، ولم تنقُضْ عهدَ خُلَصائي، فضَمِنَ ليَ التبليغَ الذي يُرضيني، وتكفَّل بأكثرَ ممّا يقولُه لساني وتخُطُّه يميني، فقلتُ: الآنَ بَلَغْتُ بُغيةً وسؤلًا، وشُرفْتُ بأن وجَدتُ إليكم منَ ابنِ عمِّ الرسُول رسولًا، فالحمدُ لله عليها
стр. 2472
نعمةً جَلّت صورةَ فَرَحي، وتَلَتْ سَوْرةَ مقترَحي، وهذا الشريفُ الماجد، المنسوبةُ إليه المحامد؛ مليءٌ بأخبارِ المشرِق المُشرق، والشّرقِ الشَّرِق، فخُذوا عن العدلِ من بني السِّبْطَيْن، حديثَ الشرقَيْن؛ إن شاء الله.
ولمّا احتَلّ برباطِ الفتح شاهَدَ من قاضيه أبي المُطرِّف رَوْضَ الأُنس ومُنى النْفس، [ومقصِدَ] الواردِ والوافد، وعالَمَ السّراوةِ جُمِع في شخصٍ واحد، وتشَوَّف للوِفادة على حضرةِ مَرّاكُشَ منتهى الرغائب، وجامعةِ أشتاتِ الغرائب، السائرةِ الذِّكرِ في الآفاق، المُنسِيةِ ببهجتِها وضخامةِ مملكتِها دمشقَ الشام وبغدادَ العراقً؛ فأصحَبَه أبو المُطرِّف كُتُبَ تعريفٍ وإعلام، إلى بعض مَن بها من السُّراةِ الأعلام، فكتَبَ إلى رئيس الكتّاب وعميدِ الآداب، وجامعِ ضروب الإحسان، أبي العلاء محمد بن أبي جعفر بن حَسّان (١) [من الكامل]:
يا ابنَ الوصيِّ إذا حمَلتَ وصيّتي ... أوجَبْتَ حقًّا للحقوق يُضافُ
وتحيّتي كلُّ التّحايا دونَها ... وكذاك دونَ رسُولِها الأشرافُ
أحسِنْ بأنْ تلقَى ابنَ حَسّانٍ بها ... مهتزّةً لورودِها الأعطافُ
كالرَّوض باكَرَهُ النّدى فلِقُرْبِها ... يا ابنَ النبيِّ على النّديِّ مَطافُ
وعَلاك إنّ أبا العَلا ومكَانَهُ ... يُلفَى (٢) به الإسعادُ والإسعافُ
[مَن فيه للزّور ارتياحةُ] ماجدٍ ... من زورِها وأبيك ليس يخافُ
[وأحقُّ من عَرَفَ] الكرامَ بوصفِهمْ ... مَن جُمِّعت منهمْ به أوصافُ
[هذه يا سيّدي] تحيّة، تجبُ لها إجابةٌ وَحِيّة (٣)، وتَصلُحُ بها هشاشةٌ وأريحيّة،
стр. 2473
وأريحيّة، [أودعتُها بَطْنَ] هذه العُجالة، وبعثتُها معَ صدرٍ من أبناءِ الرسالة، ولله درُّه من [راضع درَّ النّبوة] متواضع معَ شرفِ الأبوّة، نازعتُهُ طُرَف (١) الأشعار، وأطراف [الأخبار] , فوجدتُ بحرًا حصَاهُ الدُّرُّ النَّفيس، ورَوْضًا يُجتنى (٢) منه أطايبُ الثّمرِ الجَليس، [وُينعَتُ] بنَجْم الدِّين، وهو كنَعْتِه نَجْم يضيء سَناه، ويحُلّ بيتًا من الشّرفِ رَبُّه بناه، وقد جابَ الفضاءَ العريض، ورأى القصُورَ الحُمرَ والبِيض، ووَرَدَ الحُجون، بعدَما شربَ من جَيْحُون، وزار مشاهدَ الحرمَيْن، ثم سار في أرض الهرمَيْن، وطَوَى غيرَها لهذا الأفق مختارًا، وعبَرَ إلى الأندَلُس فأطال اعتبارًا؛ وتشوَّف (٣) إلى مطلَع الأنوارِ المُفاضة، والنِّعَم السابغةِ الفَضْفاضة، وجعَلَ قَصْدَها لحَجّةِ سَفَرِه طوافَ الإفاضةَ (٤)؛ وهمُّه أن يشاهدَ سَناها العُلْوي، وُيبصرَ ما يُحقَرُ عندَه المرئيُّ والمَرْوي، وهي غايةٌ يقولُ الآمِل (٥): عليها أطلتُ حَوْمي، وجَنّةٌ يتلو الداخلُ لها: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي﴾ (٦)، وسيّدي الأعلى هو منها بابٌ على الفتح بُني، وجَنابٌ عِنانُ الآمل إليه ثُني، وقَصَدَه من هذا الشريفِ أجلُّ قاصد، وأظلّتْه سماءُ المجدِ بجَمال المشتري وظَرْف عُطارد، ومتى نَعْتناهُ فالخبرُ ليس كالعِيان، وإن شَبّهناهُ فالتمويهُ بالشِّبْه عقوقٌ للعِقْيان، ومن [يفضَحْ] قريحتَه يقولُ لها: صِفيه، لكنْ هو يُعرِبُ (٧) عن نفسِه بما ليس في وُسْع مُنصِفيه، ويقتضي من عزيمةِ برِّه ما لا سعَةَ للمترخِّص فيه (٨)، إن شاء الله (٩).
стр. 2474
وكتَبَ إلى قاضي القضاة، وأسنى موصُوفٍ بالشِّيَم المُرتضاة، بَحْرِ النَّدى وبدرِ النادي، أبي إسحاقَ بن أبي زَيْد المَكّادي (١) [من الكامل]:
إن يُقضَ جَمْعُك بالكريم المُرتضَى ... قاضي الجماعة فالمُنى لكَ تقتضى
حَكَمتْ معاليهِ لقاصدِه بما ... يَبْغي وحاشَ لحُكمه أن يُنقَضا
ولأنت يا ابنَ الطيّبينَ أحقُّ مَن ... بالبِرِّ والفَضْل المُبَرِّ لهُ قضَى
أحيَيْتَ من ساداتِ قومِك قُدِّسوا ... في الفَضْل والأدَبِ الوصيَّ معَ الرِّضا
وأعدتَ فَخْرَ المعدِن الحَسَنيِّ في ... باقي الزّمان كعهدِه فيما مضَى
أنتم وحقِّ البيتِ آل البيتِ قد ... [أُلبِستُمُ الشرَفَ النَّقيَّ الأبيضا]
وأبوكمُ سألَ المودّةَ فيكمُ ... صلى [عليه اللهُ ما قمرٌ أضا]
يَرِدُ على سيِّدي قاضي القُضاة، الفَذِّ في شِيَمِه المُرتضاة، من هذا [الشّريف الأجَلّ] المباركِ الأطهر [الأكمل] , نَجْم الدّين ابن مُهذَّب الدِّين، وَقَاهُ اللهُ الأفول، [وأبقاه فَرْعًا يُحيى تلك] الأصُول؛ نظيرُ النَّجم سَنًا مُنيرًا، وسُرًى ومَسِيرًا؛ وحيّاه اللهُ من ذي [مُحَيّا بِشْرُه للوَحْشة] طارد، وظَرْفُه كأنما استَملَى منه عُطارد؛ يَروي من الآدابِ عيونَها، ويَجْلو [من المحاسِن] أبكارَها وعُونَها، وقد راضَ من المسالكَ ما استَعصَى، وانتهَى إلى المغربِ الأدنى من المشرِق الأقصى؛ حتى كأنه أراد أن يَبلُغَ حيث بَلَغَ ذكْرُ مجدِه، أو يَفرُغَ من مساحة ما كان زُوِي (٢) لسيّد الأوَلينَ والآخِرينَ جَدِّه؛ وله في معاني التَّجوال ومُعاناةِ الأهوال؛ قَصَصٌ
стр. 2475
إنّما يتَأدّى برَوْنقِه، من عذوبةِ لفظِه ومنطقِه؛ فإذا جاذَبَه سيّدي أطرافَه، وهزَّ بالإصغاءِ إليه أعطافَه؛ رأى صَدْرًا نمَتْه سادةٌ سُرات، وبحرًا متى يَطعَمُه قال: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] , وإنّما هو حسَبٌ وَضّاح كقمرِ الدُّجُنّة، ومجدٌ طالبيٌّ من شيعتِه ذلك الجلالُ الماضي على سَنَن السُّنة؛ يُقسَمُ له محبةٌ في أبي القاسم من بِرِّه، ويُدرَى قَدْرُه فلا يُفطَمُ ابنُ فاطمةَ من درِّه؛ إن شاء اللهُ تعالى.
وكتَبَ إلى نقيبِ الطلبة، وصاحبِ القلم الأعلى من الكَتَبة، أبي زكرّيا الفازَازيّ (١) [من المتقارب]:
"لك الخيرُ لا تُخْلِها من قَبُولِ ... وخَلِّ لها نَفَحاتِ القَبُولِ
وخُذْها تحيّةَ مستأنِسٍ ... يُسلِّمُ بالبابِ قَبْلَ الدخولِ
إذا وصلَتْك فأبرِزْ لها ... من البِرِّ صفحةَ بَرٍّ وَصُولِ
وكنْ معَ مَن لا يرى بِرَّها ... كسمع المُحبِّ وعَذْلِ العَذُولِ
فإنّ شفيعي لها ابنُ الشفيعِ ... وإنّ رسُولي بها ابنُ الرسُولِ
صَلّى الله على نبيِّنا محمدٍ وآلِه، ورَزَقَنا من بركةِ المحبة فيه وفي ذَويه ما نلظ (٢) بسؤالِه؛ والمشار إليه تولّاه اللهُ بحفظِه، من رُقعتي وتحيّتي تَزْدانُ من يدِهِ ولفظِه، وهو الشريفُ الأجَلّ، المبارَكُ الأسنى الأكمل (٣)، نَجْمُ الدِّين ابن مهذَّب الدِّين، وإنه النَّجمُ في أوْجِه، والبحرُ متدفِّقًا بمَوْجِه؛ شَرف إلى سماءِ الكُرماءِ مَرْقاه،
стр. 2476
وأدب من ماءِ الكوثر سقَاه، وكأطيبِ الثمر تخيَّره وانتقاه، والمجدُ في بُحبوحتِه (١)، ومعَ الدّهر متقَلِّبٌ في أرجوحتِه، سَلّ [به المنازلَ والمناهل] , والمعالمَ والمَجاهل؛ والعراقَ ورافدَيْه، والحجازَ ووافدَيْه؛ [طالبُ ربح في مالِه، وباغي] ثوابٍ لمَآلِه؛ وإن شاء سيِّدي باحَثَه عن حدثانِ الدّهر، [وحديثِ ما وراء النهر] , ورَفَعَ الرّوايةَ منه إلى عَليم، وكتَبَ بقلمِه قصّةَ كلِّ إقليم، [فقد خبِرَ الخابور] , وسَبَرَ ناسَ نَيْسابُور؛ وعاينَ من خَرابِ بُخارى؛ ودارَ حيثُ [كان ملكَ دارا]؛ وطاف بمكّةَ أولِ تُربةٍ مسَّت جِلدةَ جدِّه، وحَلَّ يثربَ مأواهُ المشرَّف (٢) [بقصدِه] , ورأى القُدسَ ومَسْراه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]؛ ولقد جاوَرَ جَيرون، [بعدَ] ما شربَ من جَيْحُون، وقطَعَ ما بين مِصرَ ونِيلِها، وغَرْناطةَ وشنيلِها؛ فترَوْنَ منه إن شاء اللهُ مَن جابَ المسالكَ والممالكَ، وتشوَّف إلى ما هنا وهنالك؛ وأحَبَّ أن تكونَ حضرةُ الإمامة أيّدها الله بحسابِ ما عايَنَ بذلك، وما ثمرُ الجنّة من سائرِ الثمَر، ولا يَنظُرُ إلى السُّها إلّا ساهٍ عن القمر؛ وأيُّ مُذنَّبٍ يُذكَرُ معَ البحر، أم أيُّ يوم يقاسُ بيوم النَّحر؟! وسيُشاهدُ المعالمَ المقدَّسة شرَّفَها اللهُ بعين تَدري قَدْرَ ما تُعاينُه، وَيصفُها بلسانٍ لو أعارهُ لوُصفت به محاسنُه؛ ولسيّدي الأعلى عادةٌ أن يَضُمَّ إليه مَن أعلَقَ به رجاءه، ويُكرمَ كريمةَ قوم إذا جاءه؛ وهذا بلا ارتيابٍ كريمةُ الكرام، وبقيّةُ سادةِ الحرام؛ والراويةُ الصّادقُ اللَّهجة، والحديقةُ الرائقةُ البهجة؛ فهو يزيدُه على تلك العادة، ويَجْلو عليه بدارِ الإمارة وجهَ السعادة، وإنّما يُكبِرُ ابنَ أكبر السِّبْطَيْن، وُيعظِمُ مَن يَنظِمُ من جواهر لفظِه وفَخْرِه سِمْطَيْن؛ وإذا أعلى قدْرَ هذا العَلَوي، وحرَّك بالرفْع ساكنًا من بيتٍ شَرَفُه بمكان الرَّوِي؛ أولاه يدًا يُعطِّرُ ذكْرُها أندِيةَ الجلالة، ويُحيلُ في شكرِها على ذمّةِ الرسالة، ولا شرَفَ كشرفِ هذه الحَوالة؛ أدام اللهُ علاءكم،
стр. 2477
وحرَسَ مجدَكم وسناءكم؛ بمنِّه، والسلامُ الأتمُّ الأعمُّ يَخُصُّكم به مُعظِّمُ قَدْرِكم، ومُوجبُ إكبارِكم وبِرِّكم، أخوكم المعتدُّ بكم، المُثني عليكم، ابنُ عَمِيرة، ورحمةُ الله وبَرَكاتُه. كتَبَ في الرابع والعشرينَ لربيعٍ الآخِر سنةَ تسع وثلاثينَ وست مئة".
ونقلتُها من خطِّ منشئها في البطاقةِ التي بعَثَ بها صُحبةَ نَجْم الدِّين إلى أبي زكريّا الفازازيِّ ﵏.
وكتَبَ إلى أخيه القاضي الأديب، المُشارِكِ الفاضل الحَسِيب، أبي عِمرانَ (١)
[من الطويل]:
"أتاك شريفٌ من ذُؤابةِ هاشمٍ ... صريحٌ كماءِ المُزْن باقٍ بمُزنِهِ
له -وهْو نَجْمُ الدِّين- وجهٌ مباركٌ ... كنَجْم الدَّياجي في سَنَاهُ وحُسنِهِ
وبشَّر موسى بالنبيِّ محمدٍ ... وها أنا يا موسى أُبشِّرُ بابنِهِ
تَرِدُ عُجالتي هذه أيها الأخ الحبيب، والماجدُ الحَسِيب؛ [من جهةِ الشّريفِ الأجَلّ] أبقَى اللهُ منه نجمًا سائرًا في فَلكِ المَجْد، وصُبحًا مُضيئًا على [الغَوْر والنَّجْد، وأوصافُه] لا أُعيرُها استعارتي، ولا أرضَى لها عبارتي؛ وما أقولُ في مَغْذُوٍّ [بدَرِّ النبوّة] مَقْروٍّ شَرفُه في الآيِ المقروّة؟! سُؤدَدٌ يزِلُّ النّجمُ عن مَرْقاه، وأدبٌ على [شكل حَسَبِه] تخيَّره وانتقاه، فعندَه منه شرَفُ المَقُول، وشَرَكُ العقول، ولله منه طلّاعٌ من ثنايا الكمال، ناظمٌ بين الجَنوبِ والشَّمال؛ مجلسُه
стр. 2478
لمذهبِ الفَضْل مدرسة، وحفظُه لكُتُب البلاد فِهرِسة؛ مَن جالَسَه ساحَ به حيث ساح، وناوَلَه من أخبارِ البلاد مُسنداتِها الصِّحاح؛ فأدنَى منه صينَها، وعَرَضَ عليه نَصيبِينَها (١)، وأحَلَّه بَلْخَ (٢) وما إليها، ونزَلَ به الكَرْخ (٣) وما حوالَيْها؛ وقَطَعَ به السَّماوةَ (٤) ومَهامِهَها، وأراه الغُوطةَ (٥) وخمائلَها وفواكهَها، ومِصرَ ومنازهَها، وأقرأهُ سُوَرَ البسيطة وفقَهَه (٦) مُتشابهَها، ثم عاجَ به على البلدِ الحرام، ومرَّ به على مواقفِ آبائه الكرام، واعتَمرَ به من التنعيم، ومشَى مَعه على زَمْزمَ والحَطِيم، [وحمَلَه] (٧) إلى تُربةِ جَدِّه مُسلِّمًا على الحَسَن مترحِّمًا على الحُسَين؛ ونقَلَه إلى مَسْراهُ ﷺ حيث كان قابَ قوسَيْن؛ وكم وَعَى من أعجوبة، وكشَفَ من خبيئةٍ محجوبة؛ وغريبةٍ مكتوبة؛ وقد قَصَدَ تلك الحَضْرة (٨) حَرسَها الله، لينتهيَ إلى موضع الفائدة من خبرِه، ويبلُغَ الصّفَّ الأوّلَ من صَلاة سَفَرِه؛ وهناك يَحقِرُ من الممالك ما عايَن، ويوجبُ على كلِّ متعالٍ مَرَّ به أن يَتَطامن. وسيّدي وَقَى اللهُ كمالَه من العَيْن، يبَرُّه إذا اجتازَ به في موضعَيْن، أحدُهما: يليه بنفْسِه كما هو المعتاد، والآخر: يُسندُه إلى أخيه المبارك ونِعمَ الإسناد؛ فمجدُه -حفِظَه اللهُ- المجدُ المؤثَّل، ومكانُه من تلك الدار المكرَّمة المكانُ المؤمَّل، وللوارِدينَ عليها أملٌ به أعلقوه، وشكرٌ عليه أطلقوه؛ والمسؤولُ من الأخ الكريم وصَلَ اللهُ سعادتَه دَيْنٌ عليه في ذِمّتِه، وزَيْنٌ لحَسَبِه يسمو إليه بهمّتِه، إن شاء الله".
стр. 2479
وكتَبَ إلى عَلَم المَجْد وحَسَن المشاركة، الآخِذِ فيما يُسنَدُ إليه بالعزائم المباركة؛ المُنفِق جاهَه ونفائسَ مالِه، لمن أعلقَ به أسبابَ آمالِه؛ أبي زكريّا بن محمد بن مُزاحِم (١) [من الطويل]:
" [فدَيْناكَ إنّ الفضلَ منكَ سَجِيّةٌ] ... وأنت به بَدْءًا (٢) وعَوْدًا معوَّدُ
[إذا مَرَّ ذكْرٌ منك ترتاحُ] أَنفُسٌ ... وتهتاجُ أشواقٌ ويختالُ مشهدُ
[ويحيا بيحيى] مَن تفاءل باسمِهِ ... وذلك من مقلوبِهِ يتأكّدُ
[أتاك ابنُ] بنتِ الهاشميِّ محمدٌ ... وحَسْبُك فخرًا مِن نَماهُ محمدُ
شريفٌ له من ذاتِهِ شرَفٌ لهُ ... على النَّجم وهْو النَجمُ مَرْقًى ومصعَدُ
وإنك في بِرِّ الكرام لَأوحدٌ ... كما أنَّ هذا بينَهمْ هُو أوحدُ
وكيف لا وهو من الأَرومةِ السَّنِيّة، والدّوحة الحَسَنيّة، وَلَدتْه الرّسالة، فيا لَشَرفِ هذه الولادة، وشهِدَت لجدِّه أكبر السِّبْطَيْنِ بالسّيادة، وناهيك من منصِب هذه الشّهادة؛ وهو الشريفُ أبو فلان (٣)، مَن هو النَّجمُ سناءً وسنًا، والرَّوضُ ما شئتَ من ظِلٍّ وجَنَى؛ وقد رَكِبَ البِطاءَ والسّوابق، ونزَلَ المدارسَ والخوانق (٤)، واحتلّ الغَوْرَ والعَلَم، واستظلّ الضالَّ والسَّلَم [من الطويل]:
وشرَّق حتى ليسَ للشرقِ مشرِقٌ ... وغرَّب حتى ليس للغربِ مغربُ (٥)
стр. 2480
وسترَوْنَ منه نَسَبَ الكرام مرفوعًا، وديوانَ الأدب مجموعًا، ونُخبةَ الشُّرفاءِ الطيِّبينَ أصولًا وفروعًا، وعندَكم -وَصَلَ اللهُ رِفعتَكم- عادتا بِرٍّ وبِشْر كلاهما يُنعِمُ البال، ويُفعِم السِّجال؛ وهذا الشريفُ المبارَكَ أوْلى مَن وَفَيْتُموه إيّاهما، وأنشَقتُموهُ رَيّاهما، وحَقُّ فضلِكم أن يَرعَى فضلَ حقِّه، ويختصَّه من معنى الإدناءِ والاعتناء بأجَلِّه وأدقِّه، وبإزاءِ ذلك شكرٌ هو في ذمّةِ الرسالة مترتّب، وذكْرٌ كلٌّ سمِعَ بمَسْرى طِيبِه مرحِّب؛ إن شاء الله، وهو تعالى يُبقِي جَنابَكم معمورًا، وَيزيدُ فضلَكم ظهورًا، ولا يَعدِمُكم من لدُنْه عطاءً حسابًا ومنًا موفورًا".
وكتَبَ إلى نُخبةِ الأدباء، وقُطبِ تأنيسِ الغُرباء، أبي الحَسَن بن محمد بن عليّ العُشْبيّ (١) [من المنسرح]:
"هل لك ياسيّدي أبا الحَسَنِ ... فيمن لهُ شاهدٌ [على] حَسَنِ
في الشّرفِ المنتقَى له قدَمٌ ... أثبَتَها بالوَصيِّ والحَسَنِ
أيُّها الأخُ الذي ملَّكتُه قيادي، وأسكنتُه فؤادي، عَهْدي بكَ تعتامُ الآدابَ النَّقيّة، وتشتاقُ اللّطائفَ المَشْرقيّة، وتنصفُ فترى أنّ في سيلِنا جُفاءً، وبمغرِبنا جَفاءً؛ وأنّ المحاسنَ نَبْتُ أرضٍ ما بها وُلِدنا، وزَرْعُ وادٍ ليس مما عَهِدنا، وأنَا في هذا أُشايعُك وأُتابعُك، وأُناضلُ منَ يُنازلُك؛ وقد أتانا اللهُ بحُجّة تقطعُ الحُجَج، وتُسكتُ الهَمَج، وهو الشريفُ أبو فلان (٢)، [وإنه نَجْلُ الذُّرِّية المختاره، ونَجْمُ] الدُّرّية السيّارة، جَرى معَ زعزَعٍ ونَسيم، ورَتَعَ [في جَميم وهَشيم، وشاهَدَ عجائبَ] كلِّ إقليم، وشرَّقَ إلى مطلَع ابن
стр. 2481
أحلى (١)، وغرَّب حتى نزَلَ [شاطئَ سَلا، وقد توَجَّه] الآنَ إلى تلك الحضرة (٢) لينتهيَ من أصابع العَدّ إلى العُقدة، [ويَحصُلَ من] مَخْضِ الحقيقةِ على الزُّبدة؛ وقد عَلِمَ أنّ ما كلُّ الخُطَب كخُطبةِ المِنبَر، [ولا جميعُ الأيام] من يوم الحجِّ الأكبر؛ وأدبُه يا سيّدي من نسبةِ أُفُقِه، بل على شكل [حسَبه وخُلُقِه]؛ فإذا رأيتَه شهِدتَ بأنّ الشّرقَ قد أتحفَنا برقّةِ بغداذِه، بل رَمانا بجُملة أفلَاذِه؛ والحظُّ فيما يجبُ من بِرِّه وتأنيسِه، إنّما هو في الحقيقةِ لجليسِه؛ فيا غِبطةَ من يسبِقُ لجِوارِه، ويَقبِسُ من أنوارِه، وأنت لا محالةَ تفهَمُه فَهْمي، وتَشِيمُ من شِيَمِه عارضًا بَرى القلوبَ الهِيم يَهْمي؛ وتَضربُ في الأخذِ من قلائدِه وفوائدِه بسَهْم ودِدتُ لو أنه سَهْمي، إن شاء
الله؛ وهو تعالى يُديمُ عزتَكم ويحفَظُ مودّتكم".
وشيّع أبو المُطرِّف نَجْمَ الدِّين حين سافَرَ في البحر بهذه القصيدة
[من مجزوء الكامل]:
يا نائيًاعنّي وهـ ... ـذا النَّأيُ لستُ أُطيقُهُ
النَّجمُ أنت إذا يغـ ... ـرّبُ عادةً تشريقُهُ
والفضلُ فارَقَنا وأنـ ... ـت رفيقُهُ وشقيقُهُ
والصّبرُ حين تغيبُ معـ .. ـنًى ليس لي تحقيقُهُ
والأُنسُ معنًى كاذبٌ ... لا ينبغي تصديقُهُ
أفما ترِقُّ لمن لهُ ... دمع عليك يُريقُهُ؟
وجوًى يَحارُ لِما جَنا ... هُ حَرُّه وحريقُه
يا سيِّدًا يَزهَى بهِ ... حِزبُ الهُدى وفريقُهُ
стр. 2482
في البحرِ سرتَ فهانَ في ... دَعَةٍ عليك طريقُهُ
وأمِنتَ فيه ما يُحمَّـ ... ـملُ أذى ويُذيقُه
لك من سَمِيِّك يونُسٍ ... (١) مَنْجاتُهُ لا ضِيقُهُ
وجميلُ عُقباهُ التي ... فيها أقام طليقُهُ
وأقولُ وفَّقك الإلـ ... ـهُ وحسبُنا توفيقُه
[ولمّا وَصلَ إلى مَرّاكُش] تُلقِّيَ بما يُتلَقَّى به أمثالُه، وتَرقَّى إلى الغاية في تسويغ [ما يُسوِّغُه له كمالُه] , ورَعَى كلٌّ من أعلامِها حقَّ وِفادتِه، وسَعَى بجِدِّه [في السّهرِ على ما] يجبُ له في إفادتِه، واستشرفَ إلى لقائه الرّشيدُ فاستدعاهُ [إلى مجلسِه واستدناهُ، ونالهُ] من تأنيسِه وتقرِيبه أقصى ما تمنّاهُ، وأمتَعَه الشّريفُ بما عندَه من أخبارِه، وطرَّزَ مجالسَه بمُستطرفاتِ أشعارِه، وكان ممّا أنشَدَ في مجلسِه عندَه وأخبرَ، قًال: أخبرني أخي وأنشَدني، قال: حضرتُ مجلسَ الإمام الواعظ أبي الفَرَج ابن الجَوْزيِّ ﵀ ببغدادَ يومَ عاشُوراءَ وقد اكتَحلَ، فقام إليه أحدُ الشِّيعة وقال له: لم تجِدْ متى تكتحلُ إلا في اليوم الذي قُتلَ فيه الحُسَين وسُفِك فيه دَمُه؟ أوَما علِمتَ أن الكُحلَ من الزّينةِ التي تُناسبُ السرور؟ وكأنّ ذلك كان نَذْرًا عليك! فأجابه أبو الفَرَج بهذينِ البيتَيْنِ ارتجالًا [من مخلع البسيط]:
ولائمٍ لامَ في اكتحالي ... يومَ استحَلُّوا دمَ الحُسينِ
فقلت: دَعْني أحقُّ عُضوٍ ... يحظَى بلُبْس السوادِ عيني
فاستظرَفهما الرّشيدُ ولهجَ بهما وأشار بالأخْذِ في تذييلِهما بخمسةِ أبيات، فأنهى نقيبُ الطلبة تلك الإشارةَ إلى بعضِ مَن حضَر من الأدباء، فحُفِطتُ عنهم في ذلك تذييلاتٍ، منها: قولُ نقيبِهم أبي زكريّا الفازَازيّ [من مخلع البسيط]:
стр. 2483
غيري بهذا الكلام يُرمَى ... فإنّ مَغْزاهُ غيرُ هَيْن
لا يَدخُلَنَّ العدوُّ جهلًا ... في الحُبِّ ما بينَهُ وبيني
فحُبُّ آلِ النبيِّ زَيْنٌ ... وبُغضُهمْ شَيْنُ كلِّ شَيْنِ
صدَقتُ في قولتي ومثلي ... مهما يقُلْ قال غيرَ مَيْنِ
حَسْبُك منّي هذا وحَسْبي ... بكاءُ عيني بمثلِ عَيْنِ
وقولُ أبي عليّ ابن حازم (١) [من مخلع البسيط]:
وهل لِباسُ السوادِ إلّا ... شعارُ حُزنٍ لا زيُّ زَيْن
كأنّ عَيْنيَ بعدَ رُزْئي ... بمقتلِ السِّبطِ تحتَ دَيْنِ
يُقضَى غريمُ الغرام دمعًا ... كالتِّبرِ ذَوْبًا لا كاللُّجَيْنِ
لو أنّني يومَ كَرْبَلاءِ ... شهِدتُ ما حان فيه حَيْني
حتى أُبيدَ العِدى ضِرابًا ... بالسّيفِ طَوْرًا وبالرُّدَيْني
وقولُ أبي الحَسَن حازمِ (٢) بن حازم [من مخلع البسيط]:
أمَا تَراها تسِحُّ دمعًا ... كأن عَيْني بكَتْ بعَيْن
والدمعُ مما يُدل أنّ الـ ... ـحِدادَ للحُزنِ لا لزَيْنِ
إنّ مصابَ الحُسين رُزْءٌ ... فَرَّقَ بينَ العَزا وبيني
حُبِّبَ لونُ الشبابِ عندي ... وصُحِّف الشَّيبُ لي بشَيْنِ
حتى كأنّ المشِيبَ صُبحٌ ... سَقَى حُسَينًا كؤوسَ حَيْنِ
стр. 2484
وقولُ أبي محمدٍ عبد العزيز الطّبيريِّ (١) [من مخلع البسيط]:
كم خَلَعَ الدّهرُ من لباسٍ ... إلّا سوادًا في المقلتَيْن
فأين بالحُزنِ عن جُفونٍ ... تجِمُّ بالدّمع بعدَ أيْنِ
تَبَّت يدا قاتليهِ عَمْدًا ... لو أنّ بالصبرِ لي يَدَيْنِ
مُستهدَفٌ للخُطوبِ قلبي ... يُصيبُهُ سهمُ كلِّ حَيْنِ
لا حَمَلتْهُ الضّلوعُ منّي ... إن حَمَلَ الرُّزءَ في حُسَينِ
وقولُ أبي عبد الله ابن الخَيّاط (٢) [من مخلع البسيط]:
علالةٌ واحتيالُ مَن لم ... يَذُدْ عن الدِّين بالرُّدَيْني
وحيلةٌ ليس يَرتضيها ... إلا امرُؤٌ قاصرُ اليدَيْنِ
متَيَّمٌ شفَّهُ غَرامٌ ... كَواهُ منهُ بشُعلتَيْنِ
تصَعَّدتْ من حَشاهُ نارٌ ... حريقُها بينَ مُقلتَيْنِ
لعلّ حُسنى صفاتِ وَجْدي ... أفوزُ منها بالحُسْنيَيْنِ
وقولُ أبي يوسُفَ حَجّاج بن حَجّاج (٣) [من مخلع البسيط]:
لأنّها بالفِراقِ خُصَّتْ ... وحَجْبِ إلفٍ عنها وبَيْنِ
فهْيَ تُلاقي الأسى بدمعٍ ... كفَيْض نهرٍ وماءِ عَيْنِ
стр. 2485
فكان حقًّا عليّ أنّي ... كَسوتُها ثوبَ حُزنِ حَيْنِ
وكي أرى الدّمعَ في سوادٍ ... يَصبُغُ خَدًّا مثلَ اللُّجَيْنِ
مع أنّ وَجْدي وحُزنَ قلبي ... زادا سَوادًا في المقلتَيْن
إذْ كلُّ ما في الضّمير يَبدو ... بالوجهِ والعَيْن دونَ مَيْنِ
وقولُ أبي عليّ بن أبي ثلاثة (١) [من مخلع البسيط]:
فهل رأيتَ السّوادَ حُسنًا ... إلا بفَوْدٍ وعارضَيْن
كم كسَفَ النَّيِّرَيْنِ حتى ... باتا به غيرَ نيِّرْينِ
فالكُحلُ مما يُظَن زينًا ... وربّما أنه لشَيْنِ
بل في حُسين وفي أخيهِ الـ ... ـمصلح ما بينَ الفئتَيْنِ
أكحَلُها هكذا وأبكي ... ما عشتُ دمعًا بغيرِ عَيْنِ
وقولُ شيخِنا أبي محمدٍ العراقيِّ (٢) [من مخلع البسيط]:
خُصَّتْ بإدراكِهِ فكانت ... أحقَّ بالحُزن يومَ بَيْنِ
стр. 2486
فلُبسُها للسّوادِ فَرْضٌ ... من أجلِها قيلَ: فَرْضُ عينِ
سوادُ قلبي يمُدُّ كُحلي ... يَجري اضطرارًا بمقلتَيْنِ
فكم أحالا ثيابَ جِسمي ... للحُزنِ كالقارِ مرتَيْنِ
فلا تلُمْ في بياضِ ثوبٍ ... يَسوَدُّ لو قُدَّ مِن لُجَيْنِ
وقولُ أبي عبد الرّحمن ابن زَغْبُوش (١) [من مخلع البسيط]:
أقصرْ فإنّ الذي تراهُ ... منَ اكتحالٍ بالمُقلتَيْنِ
دُخَانُ قلبٍ قدَ احرقَتْهُ ... نيرانُ حُزنٍ بغير مَيْنِ
فصَّعدتْه أنفاسُ وَجْدي ... فحَلَّ منّي بالناظرَيْنِ
وانظُرْ إلى ذا الرمادِ منهُ ... كيف تَبدَّى بالمَفرِقَيْنِ
فحبُّ آلِ النبيّ حَتْمٌ ... على البَرايا وفَرْضُ عينِ
وقولُ أبي الحَسَن بن محمد العُشْبيّ (٢) [من مخلع البسيط]:
ولائمٍ لامَ في اكتحالي ... يومَ استحَلُّوا دمَ الحُسَينِ
стр. 2487
يحسَبُهُ حِليةً وزَيْنًا ... يا بُعدَ ما بينَهُ وبيني
فقلتُ: دَعْني أحقُّ عُضوٍ ... يَحظَى بلُبْس السّوادِ عَيْني
واستمعِ الأمرَ ثم حقِّق ... يَبِنْ لك الصّدقُ دون مَيْنِ
إنّ سَوادي معَ السُّوَيْدا ... فاضا معَ الدّمع سائلَيْنِ
واستوقَفا بعدُ في المَآقي ... وقْفةَ مُستَوْلِهٍ لبَيْنِ
كما خَلَعتُ الشّبابَ حُزنًا ... فهْو حِدادٌ في المقلتَيْنِ
وقولُ أبي الحَجّاج بن موسى بن لاهِيَةَ (١) [من مخلع البسيط]:
أقصِرْ فماذا السوادُ كُحلًا ... أبديتُهُ مُظهِرًا لزَيْنِ
سَوادُ عَيْني الذي تَراهُ ... يسِحُّ دمعًا من غيرِ عَيْنِ
مَحَاهُ طُولُ البُكا عليهِ ... فسال في الشّفرِ دون مَيْنِ
وانظُرْ لشَيْبٍ لم أحتسِبْهُ ... تُثبِتْ مُصابي بشاهدَيْنِ
هل هُوَ إلا بياضُ جَفْني ... جرى مَشِيبًا في العارضَيْن
وقولُ أبي الحَسَن ابن زَنُّون (٢) [من مخلع البسيط]:
ولو بوُدِّي ملأتُ كُحْلًا ... كلَّ بياضٍ في المُقلتَيْنِ
لو كان يُجدي سوَّدتُ شَيْبًا ... في الرأس منّي والعارضَيْنِ
أو كان يُغني جلّلتُ حِبرًا ... من فوقِ رأسي للأخمَصَيْنِ
حتى أرى كالحديدِ لونًا ... ما كان منّي لونَ اللُّجَيْنِ
فلا تلُمْني فذا مصابٌ ... ما فيه للصّبرِ من يدَيْنِ
стр. 2488
وقولُ أبي عبد الله بن يوسُفَ المَصانعيِّ (١) في خمس قطعات، أُولاها
[من مخلع البسيط]:
وشاهدي حُبُّهُ بأنّي ... كحَلْتُ للحُزنِ لا لزَيْنِ
فأمرُ قتلِ الحُسَيْنِ صعبٌ ... عليَّ والله غيرُ هَيْنِ
وقد بكيْتُ الحُسينَ حتى ... قرَّحتُ جَفْنيَّ دونَ مَيْنِ
فكان كُحلي لسَتْرِ ما بي ... قد يَجلُبُ الزّينَ شرُّ شَيْنِ
فلا تُشنّعْ ولا تُبشِّعْ ... فلستُ مُستوجِبًا لذَيْنِ
وثانيتُها [من مخلع البسيط]:
حزِنتُ إذ لم أجدْ دفاعًا ... عنهُ بلفظٍ ولا يدَيْنِ
وأنّني حاضرٌ لدَيْهِ ... لم أُعْزَ في نَصْرِه لأيْنِ
بل قمتُ في نَصْرِه مقامًا ... يُبهَتُ بالسّيفِ والرُّدَيْني
تَشيُّعي للحُسَينِ يُدرَى ... فجلَّ ما بينَهُ وبَيْني
له على المسلمينَ حقٌّ ... يَلزَمُ كلًّا لزومَ دَيْنِ
وثالثتُها [من مخلع البسيط]:
مكتحِلٌ يومَهُ لزَيْنِ ... صاحبُ قلبٍ حليفُ رَيْنِ
وينبغي لي عليه حُزْنٌ ... بسائرِ العُمْرِ دون بَيْن
يختصُّ لُبْسَ السوادِ قومٌ ... وحيلَ ما بينَهُ وبيني
لو كان لي لُبْسُه مباحًا ... لكان زِيِّي لحينِ حَيْني
وكان في حقِّه لباسي ... لهُ ولو من سوادِ عَيْني
стр. 2489
ورابعتُها [من مخلع البسيط]:
فكان كُحلي لأجلِ حُزنٍ ... ما كان كُحلي لأجلِ زَيْنِ
وكيف لي زينةٌ وعَيْني ... أوْلى بحُزنٍ من كلِّ عَينِ؟!
لولا اكتحالي لقيل: تُذرِي ... عليه دمعًا بغير عَيْنِ
فكان كُحلي لصَبْغ دمعي ... أبلغَ صِبغ وشفْر عَيْنِ
فاعجَبْ لعينٍ تجري بدمعٍ ... من غيرِ عينٍ كجَرْيِ عينِ
وخامستُها [من مخلع البسيط]:
لو كان للجسم لونُ كُحلي ... لُبْسٌ لَما قلتُ: زِيُّ زَيْنِ
وقمتُ أنعَى الحُسَينَ فيهِ ... حتى يقولوا: غرابُ بَيْنِ
وربّما النارُ في فؤادي ... أبدَتْ دُخَانًا بالمُقلتَيْنِ
أو ربّما أنّ فيه سِرًا ... يُبديه شعرٌ شفيرُ عينِ
سوادُ قلبي أتَى يُعزِّي ... سوادَ عَيْنيَ في الحُسَينِ
وقولُ شيخِنا أبي الحَسَن الرُّعينيِّ بأخَرةِ على الشّرط في التذييلِ بخمسةِ أبيات [من مخلع البسيط]:
وما اكتحلتُ ابتغاءَ زَيْنِ ... ولا اعتناءً بالمُقلتَيْنِ
لكنْ سوادَ القلوبِ عمَّت ... حتى تبَدَّتْ في الناظِرَيْنِ
سوادُ قلبي سرَى لعَيْني ... لكي يسيلا في المَدْمَعَيْنِ
فليس كحلٌ ترَوْنَ كُحلاً ... وليس زَيْنٌ خِلتُمْ بزَيْنِ
وقد كان سُئل له تذييلًا عليها بأمرٍ رَشِيديٍّ لأوّل قدومِه على مَرّاكُشَ القَدْمةَ الثانية وطوَّله وأتْبَعَه بنَثْر، وهما [من مخلع البسيط]:
стр. 2490
ولائم لامَ في اكتحالي ... يومَ استحَلُّوا دمَ الحُسينِ
فقلتُ: دَعْني أحقُّ عضوٍ ... يَحظى بلُبْس السوادِ عَيْني
حُزنًا ليوم عَصِيبِ كرْبٍ ... أفاضَ للعَيْنِ كلَّ عينِ
أصيبَ خيرُ الأنام فيهِ ... بالطاهرِ ابن المُطهَّريْنَ
مصرَعُ سِبطِ الرسُولِ ما لي ... فيه على الصَّبرِ من يدَيْنِ
كَرَّ بلاءٌ بكَرْبَلاءٍ ... وهانَ ما لم يكنْ بهَيْنِ
أرضَوْا عِداهُ وأسخَطوهُ ... قُبِّح راضٍ بالخُطّتَيْنِ
ألم تَمِدْ يومَ ذاك أرضٌ ... وطَبَّق الرُّزءُ الخافقَيْنِ
ولم تَجْرِ الافلاكُ طُرًّا (١) ... أم كيف دارت بالنيِّرْينِ
فاليومَ ودِدتُ أنّي (٢) ... من قبلِه قد ورَدتُ حَيْني
حقًّا يزيدُ القرودِ أضحى ... يقرَعُ درَّ الثَّنيّتَيْنِ
وأنّ رأسَ الحُسَين وافَى ... يحمِلُهُ ضِدُّه الرُّدَيْني
لا حُزْنَ عندي كحُزنِ يومٍ ... أُودِعَهُ طَسْتَه اللُّجَيْني
فليتَني مِتُّ قبلَ ما قد ... أصَمَّ ناعيهِ المَسْمِعَيْنِ
وليتَني حاضرٌ فأحظَى ... في الدّمع عنهُ بالحُسْنيَيْنِ
يا آلَ حرب بُؤْتُمْ بحربٍ ... فقد أتَيْتُم بكلِّ شَيْنِ
عاديتُمُ المصطفى جَهارًا ... والصِّدقَ عارضتُمُ بمَيْنِ
حقدًا قديمًا أثَرْتموهُ ... في حَسَنٍ قبلُ والحُسَينِ
ويا شبابَ الجِنانِ صبرًا ... فقد أُصبتُمْ في السيِّدَيْنِ