رَوى عن أبوَيْ بكر: عمِّ أبيه غالبِ بن عبد الرحمن بن عَطِيّة وابن العَرَبي، وابن عمِّ أبيه أبي محمد عبد الحقّ بن غالبِ بن عَطِيّة، وأبوَي الحَسَن: ابن أحمد ابن الباذِش ويونُسَ بن محمد بن مُغيث، وأبي عبد الله بن أحمد بن الحاجِّ الشهيد، وأبوَي القاسم الأحمدَيْنِ ابنَي المُحمّدَيْن: ابن بَقِيّ وابن عُمرَ بن وَرْد، وأبي الوليد هشام بن أحمدَ بن بغور (١)، وغيرِهم.
وكان فقيهًا جليلًا. استُشهِدَ نفَعَه اللهُ ورحمَه في دخولِ اللَّمْتُونيِّينَ غَرْناطةَ سنةَ تسع وثلاثينَ وخمس مئة (٢).
١٩٧ - أحمدُ (٣) بن طَلْحةَ بن محمد بن عبد الملِك بن أحمدَ بن خَلَف بن الأسعَد بن حَزْم الأُمَوي، إشبيليٌّ يابُرِيُّ الأصل، أبو العبّاس.
وهو أخو الأُستاذ أبي بكر (٤). أخَذَ عن أخيه المذكور النَّحْو، ورَوى عن أبي عبد الله بن سعيد.
رَوى عنه أبو بكر بن أحمدَ ابن سيِّد الناس، وأبو الخَطّاب محمد بن أحمدَ بن خَليل، وأبو العبّاس (٥) بن القانه.
وكان نَحْوِيًّا ماهرًا بارِعًا أديبًا يغلِبُ عليه الأدب، عَرُوضيًّا لُغَويًا، حسَنَ الخُلُق وَطِيءَ الأكناف، وصنَّف في العَروض تأليفًا نبيلًا.
قال أبو الخَطّاب بن خَليل: كان أبو العبّاس يُلازمُ حَلْقةَ أخيه فيستعرِضُ الطّلبة ويسألونَه ويُعيدونَ معَه ما اعتَاصَ عليهم فهْمُه ويُذاكرُهم فيما قَرأوه، فكان النَّفعُ يَعظُمُ به. وتوفِّي حدودَ العشرينَ وست مئة.
стр. 317
١٩٨ - أحمدُ بن طيِّب بن عُمَر الهَمْداني، قُرطُبيّ .
أخو محمدٍ الآتي بموضعِه من هذا الكتاب إن شاء الله (١). كان من أهل العلم جيِّدَ الخَطّ متقدِّمًا في الفضل والعَدالة، حيًّا سنةَ أربع وثمانينَ وأربع مئة.
١٩٩ - أحمدُ بن عبد الله بن أحمدَ بن أبي الفَتْح العَبْدَري، شاطِبيّ، ابنُ الأمين .
٢٠٠ - أحمدُ بن عبد الله بن أحمدَ بن سِماكٍ العامِليُّ، غَرْناطيٌّ مالَقيُّ الأصل، انتقلَ جَدُّه منها أيامَ بني حَسُّون، أبو جعفر .
رَوى عن أهل بلده، وكان فقيهًا ذا حَظّ من الأدبِ والنّظم. توفِّي سنةَ خمس وسبعينَ وخمس مئة، باتَ صحيحًا مُعافًى، فوُجِدَ في سريرِه ميِّتًا ﵀.
٢٠١ - أحمدُ (٢) بن عبد الله بن أحمدَ بن عبد الله بن محمد بن خِيَرةَ، بَلَنْسِيّ، أبو جعفر.
كان فقيهًا حافظًا معلومَ الذّكاء مشهورَ الفَضْل.
٢٠٢ - أحمدُ (٣) بن عبد الله بن أحمدَ بن عبد الملِك بن شَرَاحِيل الهَمْدانيُّ، بسكونِ الميم ودالٍ غُفْل.
كذا نَسَبَه غيرُ واحدٍ منهم: أبو [. . . .] (٤) وأبو القاسم القاسمُ ابن الطَّيْلَسان، وقال فيه أبو جعفر ابن الزُّبير: أحمدُ بن محمد بن عبد الله بن شَرَاحيل، وهو محجوجٌ بمن خالَفَه، غَرْناطي، أبو جعفر.
أخَذَ بالأندَلُس عن أبوَي الحَسَن: خالِه ابن محمد بن الضّحّاك وعُمرَ بن محمد بن بَدْر. وأجاز له جماعةٌ وافرةٌ من أكابر العلماء بالأندَلُس، منهم: أبو أحمدَ جعفرُ بن رِزْق، وأبوا إسحاقَ: ابن ثَبَات وابن حُبَيش، وأبو الأصبَغ عبدُ العزيز بن
стр. 318
عُبَادة، وآباءُ بكرٍ: ابن أحمدَ بن طاهر المحدّث والبِرْزَاليُّ وابنُ العَرَبي وابنُ مَسْلَمةَ ويحيى بن خَلَف، وأبوا جَعْفر: ابن عبد الرحمن البِطْرَوجيُّ وابن خَلَف بن حَكَم، وآباءُ الحَسَن: شُرَيْح ومحمدُ بن عَطِيّةَ وابن لُبٍّ القَيْسي، وأبو الحَكَم عبد الرحمن بن عبد الملِك بن غَشِلْيان، وأبو حَفْص بن أيوبَ، وأبو عبد الله بن أبي الخِصَال، وأبو العبّاس بن عبد السلام المَسِيلي، وأبو مَرْوانَ بن مسَرّة.
ورَحَلَ إلى المشرِق سنةَ ثلاث وستينَ وخمس مئة وحَجَّ ولقِيَ بمكّة شرَّفها اللهُ أبا علي الحَسَن بن عليّ البَطَلْيَوسيَّ فسمع عليه كثيرًا وأجاز له، وبالإسكندريّة أبا عبد الله محمدَ بن عبد الرحمن بن محمد بن منصُور بن محمد بن الفَضْل بن منصور بن أحمدَ بن يونُسَ بن عبد الرحمن بن اللَّيث بن عبد الرحمن بن المُغِيث بن عبد الرحمن ابنِ صاحبِ رسُول الله ﷺ العلاءِ بن الحَضْرَميِّ ﵁ فقَرأ عليه "الشِّهابَ".
وعاد إلى الأندَلُس فأسمَعَ بها وأُخِذ عنه، وخوطِبَ مُستَجازًا من البلاد، فممّن رَوى عنه: أبو جعفر بن عثمانَ، وابنُ يوسُف الراشِدي، وبنو حَوْطِ الله: أبو سُليمانَ وأبو محمدِ ابنا سُليمان، وأبو عُمرَ عبد الرحمن بن أبي محمد، وهو آخِرُهم وأُراه بالإجازة، وآباءُ عبد الله: ابن أحمدَ الواشِريُّ وابن سَعيد الطّرّازُ وابن عبد الكريم الجُرَشيُّ وابن محمد بن أبي البقاء، وأبو القاسم بن محمد ابن الطَّيْلَسان، ومحمد بن عبد الواحد المَلّاحيّ، وأبو الوليد إسماعيلُ بن يحيى بن العَطّار.
وكان خَيِّرًا ديّنَا متواضِعًا ثقةً فيما يَرويه شهيرَ التعيُّن، وانفرد بالرواية عن طائفة ممن سَمَّيناه في شيوخِه، وكان قديمًا من ذوي الثّروة واليَسَار، وأقَلَّ بأخَرةٍ فتَلبَّس بعَقْدِ الشّروط ولم يكنْ فيها من ذوي النفوذ.
مَولدُه سنةَ ثِنتَيْنِ وعشرينَ وخمس مئة، وتوفّي ظُهرَ يوم الثلاثاءِ لليلَتيْنِ بَقِيتا من ذي حِجّةِ سنةِ ستٍّ وست مئة، ودُفن إثْرَ صلاة العصِر من يوم الأربعاءِ بعدَه.
стр. 319
٢٠٣ - أحمدُ بن أبي العَرَب عبد الله بن أحمدَ بن عليِّ بن عبد الرحمن التَّجيبيُّ، إشبيليٌّ، أبو جعفر .
تَلا بالسَّبع على عبد الرحمن بن محمد بن صَافٍ اللّخْميِّ سنةَ ثمان وثمانينَ وخمس مئة.
٢٠٤ - أحمدُ بن عبد الله بن أحمدَ بن غالبِ بن زَيْدونَ المَخْزوميُّ، قُرْطُبيٌّ، أبو الوليد، ابنُ زيدون (١).
٢٠٥ - أحمدُ بن عبد الله بن أحمدَ بن محمد القَيْسي، قُرْطُبيٌّ ثم إشبيليّ .
كان فقيهًا عاقِدًا للشّروط جيِّد البَصَر بها، حيًّا في حدودِ الأربعينَ وست مئة.
٢٠٦ - أحمدُ بن عبد الله بن أحمدَ بن مُفرِّج السَّبَئيّ، إشبيليّ .
كان فقيهَا عاقِدًا للشّروط بارعَ الخَطِّ مبرِّزًا في العدالة، حيًّا سنةَ ثِنتينِ وخمسينَ وخمس مئة.
٢٠٧ - أحمدُ بن عبد الله بن أحمدَ منقاني .
كان كاتبًا مُجيدًا بارعَ الخَطِّ، شاعرًا محُسِنًا نبيلَ الأغراض، ومن خطِّه وأحسَبُه له [الطويل]:
ولمّا رأى وَرْدًا بخدّيْه يُجتَنَى ... وخافَ عليه القَطْفَ دونَ اختيارِهِ
أسلّ عليها صارِمًا من جفونِهِ ... ومدَّ عليها أرقُمًا من عِذارِهِ
٢٠٨ - أحمدُ بن عبد الله بن أحمدَ بن مُهاجِر، أبو القاسم .
رَوى عن أبي إسحاقَ بن مَرْوان بن حُبَيْش.
стр. 320
٢٠٩ - أحمدُ بن عبد الله بن أحمدَ الأنصاري، قُرْطُبيّ .
كان من أهل العلم والتبريزِ في العدالة، حيًّا سنةَ ثمانينَ وثلاث مئة.
٢١٠ - أحمدُ بن عبد الله بن أُبَيٍّ المَذْحِجيُّ، أبو القاسم، وهو أخو أبي عامر عبد الرحمن .
رَوى عن أبي جعفرٍ البِطْرَوجيّ.
٢١١ - أحمدُ بن عبد الله بن أخْطَلَ، قُرْطُبيّ، أبو عُمر .
له رحلةٌ إلى المشرِق أخَذَ فيها بمصرَ عن أبي عبد الله بن الفَرَج الطُّلَيْطُلي الصّوّاف، رَوى عنه ابن عبدِ البَرّ أبو عمر مؤلَّفَ ابنِ أبي شَيْبة.
٢١٢ - أحمدُ بن عبد الله بن تَمّام، أندَلُسيّ .
له رحلةٌ رَوى فيها ببغدادَ معَ أبي عليٍّ الصَّدَفي على أبي محمد رِزْق الله بن عبد الوهاب.
٢١٣ - أحمدُ (١) بن عبد الله بن جابِر بن صالح الأَزْديُّ، إشبيليٌّ، أبو عُمر.
رَوى عن أبي بكر ابن العَرَبي، وأبي الحَكَم العاص بن خَلَف، وأبي عبد الله بن أحمدَ بن منظور، وآباءِ محمد: [. . . .] (٢). رَوى عنه آباءُ بكر: ابنُ خَيْر وابنُ رِزْق وعَتِيقُ بن مُؤْمِن، وأبو عبد الله بن محمد القُلَنِّي، وأبو العبّاس بن محمد بن مِقْدام، وأبو القاسم خَلَف بن بَشْكُوال، وأبو محمد بن محمد بن عُبَيد الله.
وكان مُقرِئًا مجوِّدًا، محدِّثًا عاليَ الرِّواية، ثقةً عَدْلًا، متينَ الدِّين، شهيرَ الفَضْل والصّلاح والعَفَاف وإجابةِ الدّعوة، لازَمَ الإمامةَ (٣) في صلاة الفريضة وإقراء القرآن وإسماع الحديث في مسجد ابن تَقِيٍّ بإشبيليَةَ نحوًا من ستينَ سنةً لم يَخرُجْ
стр. 321
منه قَطُّ إلا لصلاةِ الجُمُعةِ أو لدارِه المُلاصِقة له أو إلى ما لا بدَّ منه ممّا يُضْطَرُّ. الإنسانُ إليه، وكانت الرِّحلةُ في وقتِه إليه والاستيجازُ من أقاصي البلادِ اغتنامًا للرِّواية عندَه.
مَوْلدُه سنةَ سبع وأربعينَ وأربع مئة وتوفِّي سنةَ ستٍّ وثلاثينَ وخمس مئة؛ قاله أبو العبّاس ابن مَضَاء وأبو طالبٍ عَقِيلُ بن عَطِيّة وأبو بكر بن خَيْر، ومن خَطِّه نقلتُه.
وقال أبو القاسم بن حُبَيْش (١): إنه توفِّي سنةَ خمس وثلاثينَ وخمس مئة (٢)؛ واليدُ بما ذكَرَ ابنُ خيرٍ أوثقُ لكونِه من شيوخِه وأهل بلدِه.
٢١٤ - أحمدُ (٣) بن عبد الله بن الحَسَن بن أحمدَ بن يحيى بن عبد الله الأنصاريُّ، مالَقيٌّ، أبو بكر، حُمَيد: تصغيرُ اسمِه مرخّمًا.
وظَنّ أبو العبّاس بن يوسُف بن فَرْتُون أنه اسمُه فترجَمَ به في بابِ الحاء، وإنّما هو شُهرةٌ عُرف بها، ولذلك كان يَكتُبُ في مكتوباتِه من إجازةٍ وغيرها: أحمدُ بن عبد الله، وَيرفَعُ في نَسَبِه ما رآه ثم يَختِمُ ذلك بما نَصه: المدعو بحُمَيْد. وهو وَلَدُ الأستاذ أبي محمد ابن القُرْطُبي (٤)، وجَدُّه الحَسَن هو المنتقلُ إلى مالَقةَ من قُرْطُبة، وكان سَلَفُه فيها يُعرَفون ببني عبد الله، وشُهِر في مالَقةَ بالقُرْطُبي.
رَوى عن أبي الحَسَن بن محمد الشارِّيِّ وأكثَرَ عنه، وأبي الخَطّاب أحمدَ بن محمد بن واجِب وسَمع عليه وهُو ابنُ سبع سنينَ حينَ مقامِ أبي الخَطّاب بمالَقةَ واجتيازِه عليها إلى مَرّاكُش، وأبي زَيْد بن محمد بن علي بن جَميل، وأبوَيْ عبد الله: ابن سَعيد الطّرّاز وابن عليّ بن عَسْكَر، وأبي محمد بن أحمدَ بن عَطِيّةَ، سمع عليهم
стр. 322
وأجازوا له، وحَمّلَه أبو جعفر ابنُ الزُّبير الروايةَ بالسَّماع عن أبي محمد بن سُليمان بن حَوْطِ الله، وهُو مُمكنٌ ولكنّه انفرد بذلك، والمعلومُ إجازتُه له.
وأجاز له أبو البقاءِ يَعيشُ بن عليِّ بن القديم، وأبو سُليمانَ بن حَوْط الله، وأبو علي بن محمد بن الشَّلَوْبِين، وأبو القاسم أحمدُ بن يَزيدَ بن بَقِيّ، وأبَوا عبد الرحمن: ابن علي الزُّهْريُّ سنةَ مولدِه وعبدُ الصَّمد بن عبد الرحمن بن أبي رَجَاء، ومن أهلِ المشرِق طائفةٌ كبيرةٌ باستدعاءِ شيخِه الحاجِّ أبي محمد بن عَطِيّةَ المذكور، منهم: أبو الخَلَف عَوَض بن محمود بن صَافِ بن عليِّ بن إسماعيلَ الحِمْيَريُّ البَوْشِيُّ، وأبو سَعْد ثابتُ بن مُشرَّف بن أبي سَعْد بن إبراهيمَ الخَبّازُ الأزجيُّ البَنّاء ابنُ شستان وكَنّاه بعضُهم أبا محمد، وأبو عَمْرٍو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمانَ بن موسى بن أبي نَصْر النَّصْريُّ، بالنّونِ والصّاد الغُفْل، الشَّهْرَزُوريُّ نَزيلُ دِمشقَ المعروفُ بابن الصّلاح، وأبو الفُتُوح نَصْرُ بن أبي الفَرَج بن عليٍّ الحُصْريُّ، بالحاءِ المهمَلة مضمومة وصادٍ مهمَلة ساكنة، وأبو محمد عبدُ العزيز ابن سَحْنُون بن عليٍّ الغُمَاريُّ الخالِديّ. وحَمَّله أبو العبّاس بن فَرْتُونَ الروايةَ بالإجازة عن أبيه، وقد كان أبو بكرٍ يقول: إنه لم يعثرْ على ذلك؛ وعن أبي الحَجّاج بن محمد ابن الشّيخ، وقد كان تقَدَّمت وفاتُه بثلاثِ سنينَ على مولدِ أبي بكرٍ هذا.
رَوى عنه أبوا إسحاق: ابنُ عبد الرحمن بن عَيّاش وابنُ محمد بن إبراهيمَ البَلْفِيقي، وشيخُنا أبو جعفر ابنُ الزُّبير، وصاحبُنا أبو عبد الله بن عَيّاش، وشاركاه في بعضِ شيوخِه، وأبو العبّاس بن صابر.
وكان مُقرئًا مجوِّدًا، فقيهًا حافظًا، محدِّثًا ضابِطًا حسَنَ التقييد، نَحْويًّا ماهرًا، أديبًا كاتبًا بارعًا، شاعرًا محُسِنًا، أنيقَ الخطِّ نبيلَ المنزع فيه، متينَ الدِّين، صادقَ الوَرَع، مُستشعِرَ الخوف من الله سبحانَه، سريعَ العَبْرة، كثيرَ البكاءِ، مُعرِضًا عن الدُّنيا وزُخرُفِها لا يَفُوهُ في أمرِها ولا فيما يتعلُّق بأحوال أهلِها ببِنت شَفَة، ولا يضحَكُ إلّا تبسُّمًا إن نَدَرَ ذلك منه، ثُم يُعقِبُه بالبكاءِ والاستغفار، مؤْثرًا
стр. 323
للخمولِ، مقتصدًا في مطعَمِه وملبَسِه مُعانًا على ذلك مؤيَّدًا من الله تعالى، اقتفَى آثارَ شيخِه أبي محمد بن عَطِيّة وصاحبِه أبي صالح محمد بن محمد ﵏ حتى بَلَغ من الوَرَع رُتبةً لم يُزاحَمْ عليها. أقرَأَ ببلدِه القرآنَ ودرَّس الفقهَ وأسمَعَ الحديث وأدَّب بالعربيّة، ولم يزَلْ معَ ذلك عاملًا على التخلُّص من الدنيا والفِرار بدييه إلى الله تعالى إلى أن توفِّي شيخُه أبو الحَسَن الشارِّيُّ آخِرَ رمضانِ تسع وأربعينَ وست مئة، فشَرَعَ إثْرَ ذلك في حركتِه إلى المشرِق بنيّة الحجِّ. وما ذُكِر (١) من أنّ رحلتَه كانت من مالَقةَ لأربع أو خمسٍ خَلَوْن من ربيعٍ الآخِر سنةَ تسع وأربعينَ فباطلٌ، وأبيَنُ بُطلانًا منه ما ذكَرَهُ ابن فَرْتُون من أن رحلتَه كانت سنةَ أربع. ولمّا وصَلَ مِصرَ عَظُمَ صِيتُه بها وشُهِرَ فضلُه عندَ أهلِها، وعُرف بالنُّبل والذّكاء، والطّهارةِ والزّكاء، وأقام بها متعذِّرًا عليه النفوذُ إلى الحِجاز إلى أن مرِضَ بها واستمرَّ مرَضُه سبعةَ عشَرَ يومًا تعَرَّض فيها لعيادة سُلطانِها حينئذٍ المَدْعوِّ [. . . .] (٢) متبرِّكًا به، فصَدَّه عن لقائه، ولم يزَلْ يُلحُّ عليه حتى أذِنَ له وعَرَضَ عليه جائزةً سَنِية فامتَنعَ من قَبولهِا البتّةَ، وتوفِّي، ولم يحجَّ، قُبَيلَ ظُهرِ يوم الثلاثاءِ لثمانٍ بقِينَ من ربيع الأوّل سنةَ ثنتينِ وخمسينَ وست مئة، ودُفن برَوْضة أبي بكرٍ الخَزْرَجيِّ رحمَهما الله، وشهِدَ جنازتَه السّلطانُ وخَلْقٌ لا يُحصَوْنَ كثرةً داعينَ متبرِّكين مُثْنِينَ عليه بأحوالِه الكريمة الصّالحة التي كان عليها ﵁ ونفَعَه، ومَولدُه بمالَقةَ سنةَ سبع وست مئة.
ومن شعرِه [المتقارب]:
خُطوطُ الشّيوخ [قوامُ] (٣) الكتابِ ... جَمالٌ يروقُ ومَجدٌ يَدومْ
عجِبتُ إليها على ضَعْفِها ... تُقوِّي الضّعيفَ وتَأْسو الكُلومْ
стр. 324
ومنه [البسيط]:
مطالبُ الناسِ في دُنياك أجناسُ ... فاقصِدْ فلا مطلَبٌ يبقى ولا ناسُ
وارْضَ القناعةَ مالًا والتُّقى حَسَبًا ... فما على ذي تُقًى من دهرِه بَاسُ
وإن علَتْك رؤوسٌ وازدَرَتْك ففي ... بطنِ الثَّرى يتَساوى الرَّجلُ والرّاسُ
ومنه [الكامل]:
ابْخَلْ بدييك إن أردتَ سلامةً ... وابخَلْ بمالِكَ إن أردتَ هلاكا
بُخلٌ وبُخلٌ والسلامةُ والرَّدى ... ضِمناهُما، عجبًا لذا ولذاكا
ومنه [الطويل]:
ولمّا رأيتُ الشَّيبَ بيَّنَ صُبحُهُ ... وليلُ شَبابي قد مضَى لسبيلِهِ
أقمتُ على نفْسي فناءَ دليلِها ... فصِرتُ بوجهٍ مُعرِضٍ عن دليلِهِ
وقالتْ تمتَّعْ من زمانِك ساعةً ... ولا تبكِيَنَّ الهوْلَ قبلَ نزولهِ
وبادِرْ إلى لَذّاتِ ذاتِك واغتنمْ ... طلوعَ مُحيّا البدرِ قبلَ أُفولِهِ
وغَرَّت وما بَرَّتْ ولكنْ أجَبتُها ... وكم ناصحٍ لي ما أَصَخْتُ لقيلِهِ
وشعرُه كثيرٌ (١) في طريقة الزُّهد والحِكَم وما يُشبهُ ذلك وينعَدُّ منه، ولم يكنْ يُسامحُ نفْسَه بالأخْذِ في نَظْم بيتِ نَسِيب فما فوقَه، وكان فيه جيِّدَ الطَّبع.
كان أبو الخَطّاب محمدُ بن أحمدَ بن خَليل متى وقَفَ على شيءٍ من نَظْمِه استَحسَنَه ووَصَفَه بجَودةِ الطَّبع وحُسن الالتفاتِ ﵀.
٢١٥ - أحمدُ بن عبد الله بن حُسَين النَّفْزِي .
٢١٦ - أحمدُ بن عبد الله بن خَلَف الأنصاريُّ، مُرْسِيٌّ، سَكَنَ قُرْطُبةَ، أبو العبّاس وأبو جعفر .
стр. 325
رَوى عن أبي إسحاقَ بن مَرْوان بن حُبَيْش، وأبي جعفر بن عبد الرحمن البِطْرَوجي، وأبوَيْ عبد الله: جعفرٍ حفيدِ مكِّي وابن مسعود بن أبي الخِصَال.
وفي الرُّواة: أحمدُ بن عبد الله بن سَعيد بن خَلَف الأنصاري، مُرْسِيٌّ، أبو جعفر، مذكورٌ بالرِّواية عن أبي إسحاقَ بن جماعةَ وأبي بكرٍ البِرْزاليِّ وأبي جعفرٍ البِطْرَوجيِّ وأبي الحَسَن طارقِ بن موسى بن يَعيشَ وأبي الوليد يوسُفَ بن عبد العزيز ابن الدّبّاغ، وكان مقرئًا مجوِّدًا فقيهًا حافظًا، وأظُنُّه المترجَمَ الآنَ به، فالطبقةُ والبلدُ والكُنْيةُ واحدة.
٢١٧ - أحمدُ (١) بن عبد الله بن خَميس بن مُعاويةَ بن نَصْرونَ الأزْدي، بَلَنْسِى، أبو جعفر.
رَوى عن صِهرِه أبي الحَسَن بن هُذَيْل، وأبي بكر ابن العَرَبي، وأبي عبد [الله بن] (٢) يوسُفَ بن سَعادةَ، وأبي القاسم أحمدَ بن محمد بن وَرْد، وأبي محمد بن عيسى القَلَنِّي، وأبي مَرْوانَ (٣) بن الصَّيْقَل، وتأدَّب عندَهما بالنَّحْو والعربيّة والأدب، وكان حافظًا للفقه عارِفًا بأصولِه أديبًا مجُيدًا في نَظْم الكلام ونثرِه.
توفِّي بجزائرِ بني زغنا سنةَ سبع أو ثمانٍ وأربعينَ وخمس مئة ابنَ نحوِ أربعينَ سنة، ودُفن بباب الفَخّارِين أحدِ أبوابِها على ساحل البحر.
٢١٨ - أحمد بن عبد الله بن خِيَرةَ، بكسر الخاءِ المعجَمة وفتح الياءِ المسفولة وراءٍ وتاءِ التأنيث، مَوْلى ناصِر الدّولة مبشرِ بن مَشْكانَ الأنصاري، مَيُورْقيٌّ، أبو جعفر .
رَوى عن أبي إسحاقَ بن أحمد الغَرْناطي. وكان مُقرئًا مجوِّدًا فاضلًا ديِّنًا، حيًّا سنةَ سبع وخمسينَ وخمس مئة.
стр. 326
٢١٩ - أحمدُ بن عبد الله بن سَعيد بن خَلَف الأنصاري، مُرْسِيٌّ، أبو جعفر .
تقَدَّم التنبيهُ على إمكانِ كونِه أحمدَ بن عبد الله بن خَلَف الأنصاريَّ المذكورَ قبلُ فراجِعْه (١).
٢٢٠ - أحمدُ بن عبد الله بن سَعيد الأنصاري، سَرَقُسْطيّ، أبو العبّاس .
له رحلةٌ سمع فيها ببغدادَ من أبي بكرٍ محمدِ بن المُظفَّر بن بَكْرانَ، وأبي محمد جعفرِ بن أحمدَ بن الحُسَين السرَّاج، وأبي محمد رِزْقِ الله بن عبد الوهّاب معَ أبي عليٍّ الصَّدَفي، وأبي عيسى لُبِّ بن هُودِ بن لُبّ.
٢٢١ - أحمدُ بن عبد الله بن سُليمانَ بن داودَ بن عبد الرحمن بن سُليمان بن عُمر بن حَوْطِ الله الأنصاريُّ الحارِثيُّ، مالَقيٌّ أُنْدُيُّ الأصل، أبو بكر .
وَلَدُ الراوِية القاضي أبي محمد بن حَوْط الله (٢). وحَوْطُ الله الذي ينتسبونَ إليه كذا كانوا يكتُبونَه وكذا تلَقَّيناهُ شَفاهًا من غرر واحد من مشيختِنا: بفتح الحاءِ الغُفْل وإسكان الواو وكأنّه مصدَرُ حاط يَحُوطُ مضافًا إلى الله، وذَكَر لي شيخُنا أبو الحَكَم مالكُ بن عبد الرحمن المالَقيُّ (٣) أنّ أصلَه حَوْطلُّه، قال لي: وهو تصغيرُ مؤنَّث على عُرفِ أهل ثُغور شرقِ الأندَلُس وما صاقَبَها من البلاد كبَلَنْسِيَةَ وأنظارِها التي منها أُندة موضع سَلَف بني حَوْطِ الله، وتدريجُ ذلك
стр. 327
أنّهم يقولونَ للحُوتِ والعُودِ ونحوهما: الحَوْت والعَود بفتح الحاءِ والعَيْن، وينطِقونَ بالتاءِ المَعْلُوّة طاءً فيقولون في الحَوْت: الحَوْط، وقد أذكرَتْني حكايةُ أبي الحَكَم هذا ما ذكَرَ ليَ الفقيهُ القاضي أبو محمد بن أبي الحَسَن بن قُطْرال، ﵀، أنه رأى مكتوبًا بنَقْش في جِصٍّ على باب حَمّام أو فُندُق، الشّكُّ منّي: رحِم اللهُ عبدًا صَنَع شيئًا فأطْقَنَه، بالطاء، يريد: فأتقَنَه، ولا شَكَّ أنّ ذلك معروفٌ من لغتِهم سمِعتُه كذلك من غيرِ واحد منهم. رَجعْنا إلى حكايةِ شيخِنا أبي الحَكَم، قال: ويُلحِقونَ الأسماءَ المصَغَّرةَ في آخِرها لامًا مشدَّدة مضمومةً في المذكَّر ومفتوحةً في المؤنَّث وهاءً ساكنة، فيقولونَ [في حَوْت] (١) مذكَّرًا حَوْطلُّه، وفي حَوْت مؤنثًا حَوْطلَّهْ. هذا ما تلقَّيتُه من شيخِنا أبي الحَكَم في أصل هذا الاسم، ويَأْباه كَتْبُ هؤلاءِ الأفاضل إيّاه: حَوْطَ الله، ونقْلُهم ذلك خَلَفًا عن سَلَف، واللهُ أعلم.
رَوى أبو بكرٍ المترجَمُ به عن أبيه وعمِّه أبي سُليمانَ، وأبي بكر بن مالك الشَّرِيشي، وأبي الحَسَن نَجَبةَ، وأبي العبّاس بن عبد الرحمن بن مَضاء، وأبي محمد عبد المُنعم بن محمد ابن الفَرَس، وأبي الوليد جابِر بن أبي أيّوبَ، سمع عليهم وأجازوا له. وكتَبَ إليه مجُيزًا من أهل الأندَلُس أبوا عبد الله: ابنُ جعفرِ بن حَمِيد وابنُ سَعيد بن زَرْقُون، وأبوا القاسم: عبْدا (٢) الرّحمن ابنا المحمَّدَيْن: ابن حُبَيْش والشَّراط، وأبوا محمد: ابن محمد الحَجْري وعبد الحقّ بن عبد الرحمن ابن الخَرّاط. ومن أهل المشرِق: أبو الثّناءِ حمَّادُ بن هِبةِ الله بن حَمّاد الفُضَيْليُّ الحَرّاني، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن الحَسَن بن عليٍّ الرَّبَعيُّ الكِرْكَنْتي، وأبو القاسم عبدُ الرحمن بن مكِّي بن حَمْزةَ بن مُوَقَى بن عليٍّ الأنصاريُّ السَّعْدي، وهِبةُ الله بن علي بن مسعود (٣) الأنصاريّ الخَزْرَجيُّ البُوصِيريُّ المدعوُّ بسيِّد الأهل، وأبو
стр. 328
الفَضْل محمد بن يوسُفَ بن عليٍّ الغَزْنوي، وأبو (١) عبد العزيز بن فارِس بن عبد العزيز الرَّبَعيُّ الشَّيْبانَيّ، وأبو (٢) عبد (٣) بن محمد بن عبد الله بن الحُسَين بن الحارِث، وأبو حَسَن بن عَقِيل بن يَزيدَ بن رفاعةَ بن غَدِير السَّعدي، وأبو (٤) علي بن إبراهيمَ بن يحيى بن غنائم الواعِظُ، وفاطمةُ بنتُ سَعْدِ الخَيْر بن محمد بن سَهْل الأنصاري، وغيرُهم، وكان من بيت عِلم وجلالة.
٢٢٢ - أحمدُ بن عبد الله بن سُليمان، إشبيلي .
كان من عُدولهِا وأهل العلم والفَضْل بها، حيًّا سنةَ خمس وخمسينَ وأربع مئة.
٢٢٣ - أحمدُ بن عبد الله بن طاهرِ بن حَيْدرةَ بن مُفوَّزِ بن أحمدَ بن مُفوَّز بن عبد الله بن مُفوَّز بن غَفُول بن عبد رَ [بَّه بن صَوَاب بن مُدرك] (٥) بن سَلّام بن جعفرٍ الداخِل إلى الأندَلُس المَعافِريُّ، شاطِبيٌّ، أبو بكر بن مُفوَّز.
رَوى عنه ولَدُه أبو الحُسَين عبدُ الملك (٦)، وكان من بيتِ عِلم وجلالة وتعيُّنٍ قديم وأصالة.
٢٢٤ - أحمدُ بن عبد الله بن عبد الرحمن بن خَليفةَ الأنصاريُّ، إشبيليٌّ، أبو العبّاس، ابنُ الجَامَة، بالجيم وفَتْح الميم بينَهما ألفٌ آخِرُه تاءُ تأنيث .
стр. 329
رَوى عن أبي أُميّةَ إسماعيلَ بن سَعْدِ السُّعود بن عُفَيْر، وأبي عبد الله بن إسماعيلَ بن خَلْفون (١)، وكان مُكتبًا صالحًا من أهل الفَضْل والمُثابَرة على أعمالِ البِرّ، نفَعَه الله.
٢٢٥ - أحمدُ بن عبد الله بن عامِر بن خَمِيس الهَمْدانيُّ، بسكونِ الميم ودالٍ غُفْل، قُرطُبيٌّ أُنْديُّ الأصل، بالنونِ ساكنةً والدالِ الغُفْل، أبو جعفر .
تَلا على أبي الحَسَن بن عبد الله بن النِّعمة، وتأدَّبَ به وبأبي الحَسَن بن إبراهيمَ بن سَعْدِ الخيرِ في النَّحو والآداب.
رَوى عنه أبو القاسم القاسمُ بن محمد ابن الطَّيْلَسان، وقال: كان مقدَّمًا في عِلم الطبِّ بصيرًا به معروفًا بالإصابة فيه معَ الأدبِ البارع. أنشَدني يومًا وقد سألتُه عن حالِه [المتقارب]:
إذا سأل النَّاسُ عن حالتي ... ورُمتُ الجوابَ فلم يُمْكنِ
أقولُ: بخيرٍ ولكنَّهُ ... كلامٌ يدورُ على الألسُنِ
стр. 330
قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: لم يَنسُبْ أبو القاسم ابنُ الطَّيْلَسان هذينِ البيتَيْن لأبي جعفرٍ هذا، ويَحتمِلُ أن يكونا له وأن يكونا لغيرِه، ولكنْ على ذكْرِهما فقد أنشَدَني الحافظُ الذاكرُ أبو عليٍّ الحَسَنُ بن علي الماقريُّ الضّريرُ، ﵀، بثَغْر آسِفي حَمَاهُ الله، قال: سمعتُ الكاتبَ الأجَلَّ أبا عبد الله بن عبد العزيز بن عَيّاش يزيدُ على البيتِ السائر في الناس:
أقولُ بخيرٍ ولكنّهُ ... كلامٌ يَدورُ على الألسُنِ
وربُّك يعلَمُ ما في الصُّدورِ ... وَيعلَمُ خائِنةَ الأعيُنِ (١)
قال لي شيخُنا الحافظُ أبو علي: فلا أدري أهذا البيتُ لأبي عبد الله بن عَيّاش، ﵀، أم لقائلِ البيتِ الأول؟ وأنشَدَني أبو عليٍّ أيضًا قال: أنشَدَني أبو العبّاس ابنُ الصَّيْقَل الضَّريرُ لنفسِه [الوافر]:
يُسائِلُني صديقي (٢) كيف حالي ... فأسكُتُ لا أرُدُّ عليه قَوْلا
[لكيلا] (٣) يشمتنَّ بي عدُوِّي ... ويحزَنُ صاحبي فالصّمتُ أوْلى
وأنشَدَني أبو عليٍّ أيضًا، قال: أنشَدَني أبو العبّاس المذكورُ لغيرِه [متقارب]:
جرَتْ عادةُ الناسِ أن يَسألوا ... عن الحال في كلِّ خيرٍ وشرّ
فكلٌّ يقول: بخيرٍ أنا ... وعينُ الحقيقةِ ضدُّ الخبَرْ (٤)
стр. 331
٢٢٦ - أحمدُ (١) بن عبد الله بن عامِر بن عبد العظيم المَعافِريُّ، دانيٌّ، أبو العبّاس وأبو جعفر.
رَوى عن عمِّه أبي زَيْد، وأبوَيْ بكر: ابن (٢) اللباتي، وأبي [بكر] (٣) بن بَرُنْجال، وأبي الحَجّاج بن أيّوب.
رَوى عنه أبو الحَجّاج بن عبد الله بن يوسُفَ بن أيّوبَ صاحبُ الأحكام، وأبو زكريّا بن أحمدَ بن يحيى بن سيِّد بُونُه.
وكان من أهل العلم بالنَّحو والحِفظ للُّغات، أديبًا ماهرًا، ولِيَ الصّلاةَ والخُطبةَ بجامع بلدِه، وكان صِهرَ أبي عبد الله بن سعيد الدّاني. وتوفِّي سنةَ أربعينَ وخمس مئة وقد زاحَمَ السبعينَ سنة.
٢٢٧ - أحمدُ بن عبد الله بن عليِّ الأشعَريُّ، مالَقيّ، أبو العبّاس .
رَوى عن أبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن عَتّاب.
٢٢٨ - أحمدُ بن عبد الله بن عليّ، شاطِبيٌّ، ابن البناد .
أخو أبي الحَسَن (٤).
٢٢٩ - أحمدُ بن عبد الله بن محمد بن أحمدَ بن محمد بن يحيى بن مُفَرِّج .
رَوى عن أبي عُمر أحمدَ بن محمد الطَّلَمَنْكي.
٢٣٠ - أحمدُ بن عبد الله بن محمد بن أحمدَ السَّكُوني، قُرطُبيٌّ، سَكَنَ مَرّاكش (٥)، أبو العبّاس.
стр. 332
رَوى قراءةً وسَماعًا عن أبي بكرٍ عَتِيقِ بن عليّ الصُّنْهاجي، وأبي جعفرٍ محمد بن يحيى الوزغي، وآباءِ الحَسَن: ابن محمد بن حَفْص وابن موسى ابن النَّقِرات وابن يحيى الأخفَش، وأبي زكريّا بن مجمد بن خَلَف الهَوْزَني، وأبوَيْ محمد: ابن سُليمان بن حَوْط الله وعبد العزيز بن عبد الرحمن القَيْسي، وأبي يحيى ابن بكرِ بن عليِّ بن أحمدَ الحاجِّ القَلْعيُّ الضَّرير.
وأجاز له أبو جعفر بن يحيى بن عَمِيرةَ، وأبو زكريّا بن حَسّان المرجيقي، وآباءُ القاسم: أحمد بن يزيدَ بن بَقِيّ، وعبدُ الرحمن بن إبراهيمَ بن الفَرَس، وعبدُ المُنعم بن محمد بن تيسيت، وأبوا محمد ابنا المُحمَّدَيْنِ: ابن أبي السَّداد وابن عيسى التادلي. وكان من أهل العناية بالعلم ولقاءِ المشايخ جيِّدَ الخَطّ مجوِّدًا للقرآنِ العظيم مُتقنًا بأدائه راويةً للحديث، ذا حظٍّ وافرٍ من العربيّة.
٢٣١ - أحمدُ (١) بن عبد الله بن محمد بن الحُسَين بن أحمد بن عَمِيرةَ المَخْزوميُّ.
كذا وقَفْتُ على نَسَبِه بخطِّه في غيرِ موضع، وكان كثير من الناس يَنْفُونَه عن هذا النسَب، فحَكَى الحكيمُ أبو إسحاقَ إبراهيمُ بن [محمّد] (٢) الشاطبيُّ المعروفُ بابن الحاجِّ (٣)، وكان تأريخيًّا، أنّ الرئيسَ أبا الحُسَين بنَ عيسى (٤)
стр. 333
-وكان ينتسبُ إلى سَعْد بن عُبَادة- سأل يومًا أبا [الحَسَن] (١) الزيّاتَ، سأله (٢) فقال له: ما تقولُ في مَخْزوميّة ابن عَمِيرة؟ فقال له: إنْ كانت سَعْديّتُك مثلَ مَخْزوميّته فأنت صادق (٣). قال أبو إسحاقَ الحكيم: يُعرِّضُ بأنّ ابن عَمِيرةَ ليس بمَخْزوميّ وأن جَدَّه أو أباه كان لَقِيطًا لرجُل من آلِ عَمِيرةَ الشُّقْرِيِّين. قال الحكيم: وهم في الأصل يهودٌ. والعُهدةُ في هذا على أبي إسحاق بن الحاجِّ، واللهُ أعلم (٤).
وكان أبو المُطرِّف رَوى عن أبي الخَطّاب أحمدَ بن محمد بن واجِب، وأبي الرَّبيع بن موسى بن سالم، وأبي عبد الله بن أيّوبَ بن نُوح، وأبي عليٍّ عُمرَ بن محمد بن الشَّلَوبِين وأبي عُمرَ أحمدَ بن هارون ابن عاتٍ، وأبي محمد بن سُليمان بن حَوْطِ الله، لقِيَهم وقرَأ عليهم وسَمع وأجازوا له، وصَحِبَ أبا بكر عَزِيزَ بن عبد الملِك بن خَطّاب قبلَ تولِّيه ما توَلَّى من رياسة بلدِه مُرْسِيَةَ وانتفعَ به كثيرًا. وأجاز له من أهل المشرِق: أبو الفُتُوح نَصْر بن أبي الفَرَج بن عليٍّ الحُصْري.
رَوى عنه ابنُه أبو القاسم، وأبو بكر بن عبد الله بن خَطّاب، وأبو الحَسَن طاهرُ بن عليٍّ الشُّقْري، وأبو عبد الله بن أبي بكرٍ البري، وحدّثنا عنه من شيوخِنا أبو جعفر ابنُ الزُّبير، واسلوا عبد الله: ابن إبراهيمَ بن عُمرَ السلويُّ الخطيبُ ابن البَراذِعي، وحدَّثنا عنه ابن يحيى بن ربيع، وصاحبُنا أبو العبّاس بن محمد بن شنيف، وحدّثنا عنه أبو محمد مَوْلى أبي عثمانَ سعيد بن حَكَم.
وكان أوّلَ طلبه العلمَ شديدَ العناية بشأن الرواية، فأكثَرَ من سَماع الحديث وأخْذِه عن مشايخ أهلِه، ثم تفَنَّن في العلوم ونَظَرَ في المعقولاتِ وأُصول الفقه،
стр. 334
ومال إلى الآداب فبَرَعَ فيها براعةً عُدَّ بها من كُبَراءِ مُجيدي النَّظْم، فأمّا الكتابةُ فإنه عَلَمُها المشهورَ، وواحدُها التي عَجَزت عن الإتيانِ بثانيه الدّهور، ولا سيّما في مخُاطبة الإخوان، [هنالك استَوْلَى] (١) على أمدِ الإحسان، وله المُطوَّلاتُ المُنتخَبة، والقِصَارُ المُقتضَبة، وكان يُملحُ كلامَه نظمًا ونثرًا بالإشارة إلى التواريخ، ويُودعُه إلماعاتٍ بمسائلَ عِلميّة منوَّعةِ المقاصِد تشهَدُ بتمكُّنِه في المعارِف على تفاريقِها، كقولِه، وهو مما استَفتَح به مُخاطَبةً [البسيط]:
يا غائبًا سَلَبْتني الأُنسَ غَيْبتُهُ (٢) ... فكيف صَبري وقد كابدتُ بينَهما؟!
دعوايَ أنك في قلبي يُعارضُها ... شوقي إليك فكيف الجمعُ بينَهما؟! (٣)
وكتَبَ إليه أبو عبد الله بنُ أبي الحُسَين كتابًا افتتَحَه بقولِه (٤) [الكامل]:
شُكري بفاتحةِ الخِطابِ مُنزَّةٌ ... عن حَصْرِه بالوَصْفِ والتّحبيرِ
ومَوَّدتي وَقْفٌ عليكمْ واجبٌ ... عارٍ عن التّوسيع والتّخييرِ
كبَّرتُ للبُشرى أنَتْ وسَماعُها ... عيدي الذي لشُهودِه تبكيري
وكذلك الأعيادُ سُنّةُ يومِها ... مختصّةٌ بزيادةِ التكبيرِ
فافتتَحَ جوابَه بقوله [الكامل]:
أفْدي الكتابَ أتَي وساحةُ طَرْسِهِ ... رَوْضٌ موَشًّى بالبديع موشّعُ
وله حقوقٌ ضاقَ وقتُ وجوبِها ... ومن الوجوبِ مضيَّقٌ وموشَعُ
стр. 335
وله في غَرضٍ آخَر [الخفيف]:
بايَعُونا مودّةً هيَ عندي ... كالمُصَرّاةِ بَيْعُها بالخِداعِ
فسأقضي برَدِّها ثم أقضي ... معَها من نَدامتي ألفَ صاعِ
وله في معنًى فِقهيٍّ آخَر [الطويل]:
شرَطْتُ عليهمْ عندَ تسليم مُهجتي ... وعندَ انعقادِ البيع قُربًا يُواصَلُ
فلمّا أردتُ الأخْذَ بالشّرطِ أعرَضوا ... وقالوا: يصحُّ البيعُ والشّرطُ باطلُ
ومنه قولُه من أبيات [الكامل]:
ورفعتَ من أملي بأكرمِ شيمةٍ ... نزَلَتْ وأنت البدرُ منزلةَ السُّها
وتواضع أسلَفْتَه في سُؤدَدٍ ... ورُبًا رأيتَ العَقْدَ إلا ها وها
ومن هذه الأبيات [الكامل]:
عندي يدٌ لكَ بعدَ أُخرى قرَّرتْ ... من وُدِّك الذُّخْرَ المعَدَّ لِما دَهَا
والدّهرُعن حظِّي سها أفينبغي ... من ذي اليدينِ سكوتُه عمّن سَهَا
وله من هذا النَّحو كثيرٌ نظمًا ونَثْرًا، ومنه في النّثر قطعةٌ من رسالة هنَّأَ بها المستنصِرَ بالله أبا عبد الله ابنَ الأمير الأجَلِّ أبي زكريّا ابن الشّيخ أبي محمد ابن الشيخ أبي حَفْص بإجرائه ماءَ السِّقاية بجامع حضرةِ تونُسَ حرَسَها اللهُ وجميعَ بلاد الإسلام، وهي (١):
الحضرةُ العَلِيّة أبقى اللهُ الإسلام بها قريرَ الناظر، قريبَ الناصر، وقَرَنَ مساعيَها بيُمنِ الطائر، ونُجْح الموارِدِ والمصادر، ولا زالتْ مآثرُها سائرةً معَ المُنجِد والغائر، زارِيةً على الماضي والغابر، وآثارُها حجّةً للمفاخر، بما ترَكَ الأولُ للآخِر.
стр. 336
ومنها: فكتَبَ (١) كَتَب اللهُ للمقام العالي الكريم تأييدًا يملِكُ أمرَ الوَرى، وسُعودًا تعلو فوقَ الذُّرى، وتنزلُ إلى ما تحتَ الثَّرى، من قابِس وبركةِ الإمارةِ العزيزة أيَّدَها اللهُ تخرُقُ المعتادَ خَرْقًا، وتَجوبُ البلادَ غَرْبًا وشرقًا، وتُبَشِّرُ باغيَ الورود، بالعَذْبِ البرود، وما رأى عارِضًا ولا شامَ بارقًا، وإنّما هي هدايةٌ ألقِيَتْ في جَنانِها، وآيةٌ استأخَرتْ إلى زمانِها، وهمّةٌ انبطت بعدَ طول الإكداء، وسُقِيت قبلَ قَلْب الرِّداء، وأشعرَتْ ونِتاجُها حيث أجهِضَت الحَوامل، وعلاجُها قد عَجَزت عنهُ الأوائل، بأنّ أمرَها يعلو كلَّ أمر، ويومًا منها كليلةِ القَدْر خيرٌ من ألفِ شهر.
ومنها: والحمدُ لله الذي أحيا بها البلدَ (٢) الميِّت، وألهمَها قولَه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧]، تفويضًا لمن قَدَّر الأحوالَ طَوْرًا وطَوْرًا، ودَرَّجَ النباتَ ورَقًا ونَوْرًا، وقال لخَلْقِه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠]. وقد أتى به سبحانَه بعزيمةٍ صَدَقَ حاملُها، ونيّةٍ رضيَ عَملَ عاملِها، وعن رَوّية أنشرَتْه بعدَما أقبرَتْه، وكأنّما خيَّرتْه وما أجبَرتْه، وبمُرادِها الذي (٣) خَبّأتْه أخبرَتْه، فأصاخ بالأُذُنِ الواعية، وجاء بحِكمة الأنشاء في ظُلمة الأحشاء، حتى أفضَى متواريهِ إلى الإفشاء، وأغنى جاريهِ عن الدَّلوِ والرِّشاء، فكأنَّ المسجدَ الجامعَ قدِ استَسْقَى لقومِه، واقتضى حقَّ أمسِه ليومِه، ورأى أنّ ما يوعبه (٤) بسبب الخَلْق، من سيل (٥) الوَدْق، ربما نَضَبت ثميلتُه، وكذَبَت مخيلتُه، فشَفَعَ للظِّماء، في مَعينِ الماء، واستغاثَ يدَ الجُود، للركوع والسجود، ولجأَ في إسباغ الطَّهور، لسابغ الكرَم المشهور، فلم يلبَثْ أنْ سمعَ النّداءَ: لَبيْك، وهذه
стр. 337
السُّقيا تنتهي إليك، وتستَهِلّ حوالَيْك لا عليك، فإنْ كنتُ قد دعَوْتُ بأنْ تُروَى الضُّلوع الحِرَار، وتَرضَى الصَّفوةُ الأبرار، فالدعوةُ بحمدِ الله مُجابة، والدِّيمةُ لا مُقلِعةٌ ولا مُنْجابة، نشَأَتْ بَحْريّة لأعظم البحار هي منسوبة، بَرِّيةً لأنّها من جانبِ البرِّ مجلوبة، تُعَدُّ كوْنيّةً عند مَن يعقِلُ ويُحصِّل، كَوْثَريّةً لأنّ ماءها إلى الكوثرِ يوصِل، وكيف لا ومِسياله (١) إلى شَطرِ الإيمان وسيلة، وغَرفاتُه للغُرّةِ والتَحْجيل مطيلة، والنظرُ إليه كاستعمالِه عبادة، وخروجُ الخطايا معَ آخِر قطرةٍ فضيلةٌ من الخبَرِ مستفادة، فما أعظمَ مِنّةَ جالبِه، وأجَلَّ قَدْرَ هِبتِه من مواهبِه، وأحراهُ بأن يكونَ له من ثواب المتطهِّرينَ واللهُ يحبُّهم، وفي حِزبِه هو حِزبُهم ما يَرفَعُه إلى الدّرجاتِ العُلى، ويُزَيِّنُه من شَرَفِ الذِّكر الحُلى، ويَجزيه عن كلِّ كبِدٍ رَطْبة سَقاها، ومشقّة صعبةٍ وَقَاها، بكلِّ صعبةِ أجرًا يقودُ إليه منه أفضلَ إلف، ويضاعفُه إلى مئة ألفِ ضِعف، بل يتعدَّدُ بتعدُّد وارديهِ على الأنام، ومشاهديه معَ الأيام والأعوام، ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وينابيعُ جُودِه لا يَغيظُها الصّباحُ والمساء (٢).
وقطعةٌ من رسالة أجاب بها أبا العباس ابنَ أُميّةَ وقد أعلَمَه باستيلاءِ الروم قصَمَهم اللهُ على بَلَنْسِيَةَ رجَعَها الله (٣):
بالله، أيَّ نحوٍ ننحو، وسطورٍ نُثبتُ أو نمحو، وقد حُذِف الأصلُ والزائد، وذهبتِ الصِّلةُ والعائد، وبابُ التعجُّب طال، وحالُ اليأس لا تخشَى الانتقال، وذهَبَت علامةُ الرفع، وفُقِدت سلامةُ الجمع، والمعتَلُّ أعدى الصّحيح، والمُثلَّثُ أردى الفصيح، وامتَنعتِ العُجْمةُ من الصَّرف، وأمِنتْ زيادتُها من الحذف، ومالت قواعدُ المِلّة، وصِرنا إلى جَمْع القلة؟
стр. 338
وفَصَلَ من رحلتِه (١) معَ الرّشيد (٢) أبي محمد عبد الواحد ابن المأمونِ أبي العُلَى إدريسَ ابن المنصورِ أبي يوسُفَ يعقوبَ ابن الأمير أبي يعقوبَ يوسُفَ ابن الأمير أبي محمدٍ عبد المُؤْمن بن عليًّ وقد خَرَجَ معَه من سَلا (٣) إلى حَضرتِه مَرّاكُش، قال فيه يصفُ المصحف:
وبَرزَ الإمامُ بينَ يدَيْه الإمام (٤)، وأمامَه النُّورُ الذي يُضيءُ به الوراءُ والأمام، حبلٌ اعتَصمَ به المعتصمون، وحُجّةٌ انقطَعَ بها قومٌ خَصِمُون (٥)، وذخيرةُ الخلائف، وبقيّةُ العهدِ السالف، عاصَرَ الصّحابة، وعاشَرَ جِيلَهمُ الطيِّبَ بطابة (٦)، وباشَرتْهُ أيدٍ جمَعتِ التنزيل، وأخذتْه عن الرسُول عن جِبريل، فالقارئُ فيه للكتاب المنزَّل، يحُلُّ محلَّ آخِذِه عن الصَدْر الأوّل (٧)، قد شهِدَ مع الشهيد الدار، وكان معَه يومَ دار ما دار، فرأى ما نال نائلة (٨)، وتوسَّط تلك المواقفَ الهائلة، فهُو يصنَعُ الخُشوعَ لمن كان متصنِّعًا، ويَصدَعُ القلوبَ وإن كان ذلك منها مُتَمنِّعًا، ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا﴾ [الحشر: ٢١]، حَفِظَتْ (٩) صَدَفَةُ الوجودِ لآلئَه، وكان الاعتناءُ الرّبّانيُّ كالئَه، إلى (١٠) أنْ بَلَغَ محِلَّه، وعقَدَ معَ آلِ القرآن إلَّه، فأخَذوه بقوّة، وجَلَوا منه أشرفَ (١١) عَرُوسٍ مَجْلُوّه، فهُو عندَهم
стр. 339
﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، ولا يلي أمرَه إلا الذين هم بأمرِه يَظهَرون، وسار يتقَدَّم أمامَ الخَلْق، وتتقدَّمُه رايةُ الحقّ، فهو على ما وَرَد في وَصْفِه ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢].
قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: استعمَل الجيلَ بمعنى القَرْن غَلَطًا، وإنّما هو بمعنى الأُمّة، فالعربُ جيلٌ والرُّومُ جيل، وكذلك الفُرْسُ والتُّركُ وغيرُهم. وقدِ استدعَى هذا الفصلُ تبيينَ أمرَيْنِ قد يُشكِلان على بعض مُطالعي هذا الكتاب؛ أحَدُهما: شأنُ هذا المصحف، والثاني: كيفيّةُ الترتيبِ الذي أشار إليه الشّيخ أبو المُطرِّف في هيئة هذا البُروز:
أمّا المصحفُ فإنّ أبا محمد عبدَ المؤمن بنَ عليّ وآلَه من بَنيه وأتْباعَهمِ كانوا يُصرِّحونَ بمُعتقَدهم فيه أنّه الإمامُ مصحفُ أميرِ المؤمنينَ عثمانَ بن عفّان ﵁، وعلى ذلك كان إطباقُ أهل الأندَلُس، فقد قال الرازي في "تاريخِه": وفي يوم الأحد لثمانٍ خَلَوْنَ من جُمادى الآخِرة سنة أربع وخمسينَ وثلاث مئة احتُملَ المصحفُ المرَتَّبُ في جامع قُرْطُبةَ لقراءةِ الإمام فيه صَبيحةَ كلِّ يوم بعدَ صلاة الصّبح، وهو مصحفُ أميرِ المؤمنين عثمانَ بن عفّان ﵁. وممّا خَطَّه بيمينِه إلى دار صاحب الصّلاة محمدِ بن يحيى ابن الخَرّاز (١) عن عهدِ أميرِ المؤمنين أبقاه اللهُ احتراسًا به وتحَفِّيًا عند فَتْح الحَنايا التي يُفضي منها إلى موضع الزِّيادة التي زادها أعزَّه اللهُ في الجامع، وكان فتَحَها في هذا التاريخ.
وقد ذكَرَ التأريخيُّ الحافظُ الحافلُ أبو مَرْوانَ حَيّانُ بن خَلَف بن حَيّان في كتابِه "المقتبِس" [كلامًا] (٢) نمَّقَه بحُسن عبارته المعهود من كلام الرازي في ذكْرِه نقَلْتُه من خطِّ الراوِيهَ أبي القاسمِ ابن بَشْكُوال، وهو: ولمّا احتيجَ في هذا الوقت إلى خَرْق سُورِ القِبلة المقدَّمة لهذه البِنْية الحكميّة لاتّصال قِطَع بُنَى المسجدِ بعضها ببعض واتّساقِها، احتُملَ المصحفُ المدعوُّ بالإمام المُختزَن كان بمقصورةِ
стр. 340
هذا الجامع المرَتَّب لقراءة إمام الفريضة فيه كلَّ يوم عندَ فَراغِه من صلاة الصُّبح، وهو مصحفُ أمير المؤمنينَ عثمانَ بن عفّان ﵁، خَطَّه بيَمينِه، وله عندَ الأندَلُس شأنٌ عظيمٌ، واحتفاءٌ شديد، أمَرَ الخليفةُ من أجْلِ ذلك باحتمالِه إلى دارِ صاحب الصّلاة الثِّقةِ المأمونِ محمدِ بن يحيى بن عبد العزيز المدعُوِّ بابن الخَرّاز وإخزانِه لدَيْه، احتراسًا به وتحفُّظًا بمكانِه، إلى أن ينقضيَ أمرُ القِبلةِ (١) الجديدة وتتحصَّنَ بمقصورتها المُحْدَثة الموثَّقة فيعادَ المصحفُ إلى مكانِ إحرازِه بها، ففُعلَ ذلك بالمصحف، واحتَمَلَه مَشْيخةُ السَّدَنة إلى دار ابن الخَرّاز، وذلك يومَ الأحد لثمانٍ خَلَوْنَ من جُمادى الآخِرة من سنة أربع وخمسينَ وثلاث مئة. انتهى الفصلُ منقولًا من خطِّ الراوِية أبي القاسم ابن بَشْكُوال كما ذُكِر، وبخطِّه في الحاشيةِ اليُمنى محُاذيًا بأوّله آخِرَ هذا الفصل ما نَصّه: أُخرِجَ هذا المصحفُ عن قُرْطُبة وغُرّب عنها ليلةَ السبت الحاديةَ عشْرةَ من شوّالٍ سنةَ اثنتينِ وخمسينَ وخمس مئة وحُمِلَ صَبِيحةَ يوم السبت وجُوِّزَ إلى العُدْوة، أخَذ اللهُ مَن سَعَى في تغريبِه وخروجِه عن الحضرة أخْذَ آسِف ولا أمهَلَه بالذي لا إله إلا هو وعَجَّل بصَرْفِه إلى مكانِه بقُدرته لا يُعجِزُه شيءٌ ﷻ وعَظُمَ سُلطانُه. انتهَى نصُّ هذه المُعلَّقة في الحاشية المنَبَّه عليها كما ذُكِر. ورحِم الله أبا القاسم ابنَ بَشْكُوال ونفَعَه بمقصده، فإنّما استأثَرَ بعِلق نَفِيس، واستكثَرَ من خيرِ جليس، وأفضل أنيس، وتأثَّر لانتقالِ موقوفٍ على محلِّه الأحقِّ به حبيس، فلذلك أتْبَعَ خبرَه عنه نفْثةَ مصدورٍ عن قلبٍ قَريح، ولَهْفَ موتور ذي فؤادٍ بمؤلِم هذا المُلِمّ جريح، ولو كوشفَ ﵀ بحالِ قُرْطُبةَ من بلاد الأندَلُس وسواها، وانتهاكِ عبَدةِ الصّليبِ مَحُوطَ حِماها، واستيلائهم على ما اشتَملَتْ عليه من كثيرٍ من المصاحفِ غيرَ ذلك المصحفِ الكريم، وابتذالِهم ما عُنيَ أكابرُ العلماءِ بصيانتِه من ذخائرِ دواوينِ العلم على العهد القديم؛ لَسُرَّ بإخراجِه عن قُرْطُبة واحتمالِه، وأعان بالتحضيض نُصحًا له على انتقالِه، إنقاذًا له من أيدي المشركين،
стр. 341
واستدامةً لبقائه في كَلاءةِ المسلمين، وكان إخراجُه في التاريخ الذي ذكَرَه الراويةُ أبو القاسم ابنُ بَشْكُوال في أيام أبي محمدٍ عبد المؤْمن بن عليٍّ وبأمرِه، وفي ذلك يقولُ الشاعرُ المُجيد أبو عبد الله محمدُ بن حُسَين بن حَبُوس الفاسيُّ (١) من قصيدةٍ يمدَحُ بها أبا محمد عبدَ المؤمن بنَ عليّ [سريع]:
سيَشكُرُ المصحفُ إكبابَكمْ ... عليه إذْ أوجَدَه الفَقْدُ
أذكَرْتُم الأيامَ ما أغفَلَتْ ... من بِرِّه إذ قَدُمَ العهدُ
مصحفُ ذي النُّورَيْن عثمانَ ما ... كان لكمْ عن صوْنِه بُدُّ
ما اختارشيئًا مُؤْنسًا غيرَهُ ... حين أتَى واقتَربَ الوعدُ
أوسَعْتُمُ الدّنيا اطِّراحًا وما ... كان لكمْ إلا به وَجْدُ
يَحْنو عليه العَطْفُ منكمْ ولا ... يَغُبُّه الإشفاقُ والوُدُّ
صبابةً منكمْ به لم تكنْ ... تثيرُها جُمْلٌ ولا دَعْدُ
أحْبَبْتُم المولى فأحْبَبْتُمُ ... ما خَطَّه من وَحْيِه العَبْدُ
ألبَستُموهُ حِليةً لم يكنْ ... يسمَحُ للكفِّ بها الزَّنْدُ
لم تدركِ الأعرابُ ما كُنْهَها ... ولا ادّعت (٢) إدراكَها السُّغْدُ (٣)
لأسفَرَتْ سفرتُكمْ هذه ... عن واضحاتٍ نُجْحُها نَقْدُ
стр. 342
تكفَّلَ السَّعدُ بمقصودِكم ... وبانتِ الوِجهةُ والقصدُ
عنايةُ الله بكمْ جَمّةٌ ... له عليها الشكرُ والحمدُ
وقال فيه أخرى، وهي عندي من غُرَرِ قصائده (١) [سريع]:
فعلُ امرِئٍ دَلَّ على عَقْلِهِ ... والفَرْعُ منسوبٌ إلى أصلِهِ
إنّ الذي يَكرُمُ في جِنسِهِ ... هو الذي يَكرُمُ في فصْلِهِ
والمرءُ لا يُشكَرُ عن نفْسِه (٢) ... وإنّما يُشكَرُ من فضلِهِ (٣)
والخيرُ والشرُّ، لهذا وذا ... أهلٌ، فَرَجِّ الخيرَ من أهلِهِ
لا يَترُكُ اللازمُ ملزومَهُ ... والشخصُ لا ينفَكُّ عن ظلِّهِ
وكلُّ مفطورٍ (٤) على شيمةٍ ... لا بدَّ أن تظهَرَ في فعلِهِ
لا يُدركُ الطَّرفُ على شَدِّهِ ... ما يُدركُ الطَّرفُ على رَسلِهِ
والناسُ أشتاتٌ وفي الطَّبع ما ... قد يعطِفُ الشّكلَ إلى شكلِهِ
إضافةُ السُّفْل إلى عُلوِهِ ... إضافةُ العُلوِ إلى سُفْلِهِ
ما غايةُ العالِم في علمِهِ ... كغايةِ الجاهلِ في جهلِهِ
стр. 343
ولا الذي يُشكَرُ عن بَذْلِه ... مثلُ الذي يُشكَرُ عن بُخلِهِ
عَمْري لقد حمَلَ أمرَ الوَرى ... مضْطلعٌ بالعِبءِ من حِمْلِهِ
مَنْ لم تزَلْ أنواءُ أفكارِهِ ... تَهْمي على المُمحِلِ في مَحْلِهِ
ذاك سِراجُ الكلِّ بل شمسُهُ ... بل عقْلُهُ الفَعّالُ في عَقْلِهِ
تُضيءُ أنوارُ النُّهى حولَهُ ... في عَقْدِه المبرَم أو حَلِّه
وإنما الفضلُ إلى وقتِه ... فيقدُم المِثلُ على مثلِه
هذا كتابُ الله جَلَّ اسمُهُ ... بخطِّ عثمان وفي دَخْلِهِ (١)
خيرُ إمام آخِرٌ جاءه ... خيرُ إمام كان من قَبْلِهِ
إليه يُنمَى كلُّ [ما] مصحفٍ ... تأنَّقَ العالَمُ في نَقْلِه
أجرى ابنُ عفانَ إلى نَصْرِهِ ... وخَصلُكمْ زادَ على خَصْلِهِ (٢)
أنيسُه في وَحْشةِ الدارِ إذ ... تواطَأَ القتلُ إلى قتلِه
رمَى به الخابطُ في غَيِّهِ ... وضَمَّه الحاطبُ في حَبْلِهِ
وصار من أوكَدِ شُغل امرئ ... في تَرْكِه الإعراضُ عن شُغْلِهِ
صيانةُ الشّيخ له أوجَبَتْ ... لَجاجةَ الباغينَ في بَذْلِه
حتى أتى الأمّةَ مَن نَبَّهتْ ... شهادةُ الرُّسْلِ على عَدْلِه
فأيقَظَ الأجفانَ من نَوْمةٍ ... صَحا بها المخبُولُ من خَبْلِهِ
عرَّفَ ما يُجهَلُ من حقّهِ ... وضَمَّ ما فُرِّقَ من شَمْلِهِ
ومال في تعظيمِهِ مَيْلةً ... أعادت الفَرْعَ إلى أصلِهِ
ألبَسَه من رائقِ الحُلي ما ... يعجِزُ جِيدُ الدّهرِ عن حَمْلِهِ
стр. 344
وزاد ما أبطن من بِرِّهِ ... على الذي أظهَرَ من حَفْلِهِ
نَشْزٌ يُضيءُ النّجمُ في عُلوِهِ ... ونيِّراتُ الشُّهبِ في سُفْلِهِ
فمِن حصى الياقوتِ حَصْباؤه ... وتِبْرُه يُغنيه عن رَمْلِه
كأنّما الأصباغُ فيه وقد ... تألّفَ الشّكلُ إلى شكلِهِ
زخارفُ النُّوارِ في روضةٍ ... هراقَ فيها اللَّيلُ من طَلِّهِ
فاضَ أَتِيُّ الحُسن في كُلِّهِ ... فكلُّه يَعجَبُ من كلِّهِ
لم ترَ عينٌ قطُّ شِبْهًا لهُ ... ولم تَصِخْ أُذْنٌ إلى مِثْلِه
أذاعتِ الحِكمةُ سِرَّ النُّهى ... فيه ومات الخَبْطُ في جهلِهِ
تقَيَّدَ اللَّحظُ به فهْو لا ... يَصرِفُه الناظرُ عن نُبلِهِ
ذلك من فضل إمام الهدى ... وكلُّنا نُعزَى إلى فضلِهِ
كأنّما العُمّالُ آلاتُه ... تفعلُ ما يَصدُرُ عن فعلِهِ
جهابذُ الآفاقِ قد بَلَّدوا ... في فصلِ ما يَفصِلُ أو وَصْلِهِ
وكلُّهمْ برَّزَ في سَبْقِهِ ... وأحرَزَ الخَصْلَ على مَهْلِهِ
ما خَطْوُ من يَعْدو به سابحٌ ... كخطوِ مَن يعدو على رِجْلِهِ
وليس من يَغرِفُ من نهرِهِ ... مثلَ الذي يَغرِفُ من سَجْلِهِ
ولا الذي يمرَحُ مُرخًى لهُ ... مثلُ الذي يمرَحُ في شكلِهِ
ولا حسامٌ نال منه الصَّدا ... مثلُ الذي بُولغَ في صَقْلِهِ
التَمرُ معزوٌّ إلى نَخْلِه ... والشّهدُ منسوبٌ إلى نَحْلِه
والقُدسُ محفوظٌ على أهلِهِ ... وأنتمُ تاللهِ من أهلِه
عجائبُ العالَم مختصّةٌ ... بأولياءِ الله أو رُسْلِهِ
стр. 345
قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: أثبتُّ هذه القصيدةَ الفريدةَ بأسرِها استجادةً لها واستغرابًا لِما حوَتْه من أنواع الحِكَم والأمثالِ السائرة، وفي نحوِ ذلك يقولُ الأديبُ الحسيب أبو جعفر بنُ عبد الرحمن الوَقَّشِي من قصيدةٍ يهنِّئُ بها الأميرَ أبا يعقوبَ بن عبد المؤمن بعيدِ الفِطر [الطويل]:
ومصحفَ عثمانَ بنِ عفّانَ أهمَلَتْ ... ملوكُ الوَرى من حقِّه كلَّ لازمِ
فأشفَقْتَ من جهلِ الجميع بشأنِهِ ... وأهّلتَهُ صَوْنًا له بِرَّ عالمِ
وألبستَهُ تِبْرًا يَرُوقُ مرصَّعًا ... وقد كان في بُرْدٍ من الجِلدِ قاتمِ
قال أبو جعفر: لمّا انتهيتُ بالإنشاد إلى هذا البيت قال الأميرُ أبو يعقوب: مَنْ أعلَمَك بهذا؟ والله لقد كان كما قلت.
رجَعْنا إلى بقيّة الأبيات [الطويل]:
وأبرزتَهُ للعالَمينَ ونُورُهُ ... يَفيضُ عليه من جواهرِ ناظمِ
تَكنَّفَه منهُنَّ نُخبةُ معدِنٍ ... تُجاورُها فيه يتيمةُ عائمِ
فجاء يَرُوعُ الناظرينَ بحُسنِهِ ... ويُخجِلُ أجيادَ الحِسَان الكرائمِ
وداخلَه نورٌ من الحقِّ ساطعٌ ... يقودُ إلى حظٍّ من الخُلدِ دائمِ
فأصبح ذا النُّورينِ كاسم وَليِّهِ ... وخيرٌ له في بَدْئه والخواتمِ
فليت أبا عَمْرٍو (١) يُعاينُ شكلَهُ ... فيَشكُرَ أفعالَ الحَفِيِّ المُكارِمِ
وفي مثل هذا الغَرَض يقولُ أبو عبد الله بن عبد العزيز بن عَيّاش (٢) ويصِفُ تَحْليةَ المنصورِ أبي يوسُفَ يعقوبَ بن أبي يعقوبَ المذكورِ إيّاه أيضًا [الطويل]:
стр. 346
ونُفِّلْتَه من كلِّ مَلْكٍ ذخيرةً ... كأنَّهُمُ كانوا برَسْمِ مكاسِبِهْ
فإنْ ورِثَ الأملاكَ شرقًا ومغرِبًا ... فكم قدْ أخلُّوا جاهلينَ بواجِبِهْ
وألْبَسْتَهُ الياقوتَ والدُّرَّ حِلْيةً ... وغيرُك قد رَوّاهُ من دمِ صاحِبِهْ (١)
وقد أكثَرَ شعراءُ دولةِ أبي محمدٍ عبد المؤمن وبَنيه بعدَه من هذا المعنى، وتواطَأَتْ أقوالهُم بناءً على معتَقداتِهم أنه مصحفُ عثمانَ بن عفّان الذي كان بين يدَيْه حين استُشهِد ﵁، ويَذكُرونَ أنّ دَمَه كان منه بموضعَيْنِ: أحَدُهما: قولُه سبحانَه: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، والثاني: قولُه تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ [الأعراف: ٧٧]. وهذا كما تراه ظاهرُ التصنُّع، وهو -واللهُ أعلم- غَلَطٌ بيّن تَبِع فيه بعضُ الناس بعضًا، فإن المتقرِّرَ من شأنِ مصحفِ عثمانَ بن عفّان أنه ضاع بالمدينة في بعضِ الفِتن الطارئة عليها، ولكنّ أبا بكرٍ محمدَ بن أحمد بن يعقوبَ بن شَيْبةَ بن الصَّلْت بن عُصفُورِ بن شَدّاد بن هَمْيَانَ السَّدُوسيَّ مولاهم، قال: رأيتُ بخطِّ جَدِّي يعقوبَ بما أجازه لي، ثم حدَّثني به أبي أحمدُ بن يعقوبَ بَعْدُ عنه: حدّثني أبي، قال: حدّثني أبي: رأيتُ الإمامَ مصحفَ عثمانَ بن عفّان ﵁ وأرضاه في شهر ربيع الأوّل سنةَ ثلاثٍ وعشرينَ ومئتَيْن قد بَعَثَ به أبو إسحاقَ أميرُ المؤمنين وهو المُعتصم بالله ابنُ أميرِ المؤمنينَ أبي جعفرٍ هارونَ الرَّشيد لتُجَدَّدَ دَفّتاهُ ويُحَلَّى، فشَبَرتُ طولَ المصحف فإذا هو شِبران وأربعُ أصابع مفرَّقة، وعدَدْتُ سطورَ بعض وَرَق المصحف فإذا في الوَرَق ثمانيةٌ وعشرونَ سطرًا، ورأيتُ أثَرَ دمٍ فيه كثيرًا في أوراقٍ من المصحف كثيرة، بعضُ الوَرَق قَدْرُ نصفِ الوَرَقة وبعضٌ قَدْرَ الثُّلُث، وفي بعض الوَرَق أقلُّ وأكثر، وعلى أطرافِ كثير من الوَرَق، ورأيتُ عِظَمَ الدّمِ نفسِه في سُورة (والنجم) في أول الوَرَقة كأنّه دمٌ عَبِيط أسودُ على ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا
стр. 347
تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣]، ثم بعدَه أيضًا، ورأيتُ أثَرَ نُقطةٍ من دم على هذا الحرف: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، فسألتُ الذي رأيتُ المصحفَ عندَه: ما لهذه دارِسةً؟ فقال: ممّا يمسَحُ الناسُ أيديَهم بها، ورأيتُ أثَرَ مَسحِ الأيدي بيِّنًا وأثَرُ النُّقطة بيِّنٌ. انتهى المقصودُ من الواقع في صِفة مصحفِ عثمانَ بن عفّان ﵁ عند أبي بكرٍ محمد بن أحمد بن يعقوبَ بن شَيْبةَ المذكور، وقد ذَكَرَ -كما سمِعتَ- رؤيتَه مصحفَ عثمانَ بن عفّان وآثارَ الدّمِ فيه معيَّنةَ المواضع ومُبهَمتَها وتاريخَ رؤيته ذلك، ولا يُمكنُ أن يكونَ هذا الذي كان بالأندَلُس؛ لأنّه لم يطرَأْ على بني العبّاس ما يُخرِجُه عن أيديهم وُيصيِّرُه إلى الأندَلُس، ثم إنّ أثَرَ الدمِ في هذا الذي كان بالأندَلُس كان في الموضعَيْنِ المذكورين لا غيرُ، بخلافِ ما ذَكَرَ ابنُ شَيْبةَ. والذي يَظهَرُ لي -واللهُ أعلم- أنّ هذا المصحفَ الذي كان بالأندَلُس هو أحدُ المصاحفِ الأربعة التي بعَثَ بها عثمانُ بن عفّان ﵁ إلى الأمصار: مكةَ، والبصرة، والكوفة، والشّام، فإنْ يكنْ أحدُها فلعلّه الشّاميُّ استَصحَبَه الأميرُ أبو المُطرِّف عبدُ الرحمنِ الداخِلُ إلى الأندَلُس ابنُ مُعاويةَ بن هشام بن عبد الملِك بن مَرْوان بن الحَكَم بن أبي العاص بن أميّةَ بن عَبْدِ شَمْس، وكان دخولُه إلى الأندَلُس غُرّةَ ربيع الأوّلى سنةَ ثمان وثلاثينَ ومئة، أو يكونُ ممّا بَعَثَت إليه أُختُه به من الذّخائرِ والتُّحَفِ والهدايا التي كانت تُوالي توجيهَها إليه من الشام، أو يكونُ ممّا اجتُلِبَ إلى غيرِه من ذُرِّيتِه، واللهُ أعلم. ويؤيِّدُ ما ذهبتُ إليه من ذلك أنّ مقدارَ حَجْم الذي وَصَفَه أبو بكر بنُ شَيْبةَ حسبَما تقَدَّم إيرادُه مخالفٌ مقدارَ حَجْم الذي كان بالأندَلُس، فقد وَصَفَ لي جماعةٌ ممن شاهدوه وباشَروه منهم شيخانا أبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ وأبو زكريّا يحيى بنُ أحمد بن عَتِيق رحمَهما الله وغيرُهما فاتَّفَقوا على أنّ طُولَه دونَ الشِّبر، وأن أسطارَه دون العشَرة، فاقتضَى ذلك أنّ أوراقَه أكثرُ من أوراقِ الذي وَصَفَ أبو بكر بنُ شَيْبة، وقد ذَكَرَ لي واصِفوهُ المذكورونَ أنه كان ضخمًا لكثرةِ وَرَقه، وذَكَرَ لي بعضُهم أنه عايَنَ المعوِّذتَيْن في صفحتَيْنِ منه كلُّ واحدةٍ منهما في صفحة، ولمّا أجازَهُ أبو محمدٍ عبدُ المؤمن إلى بَرِّ
стр. 348
العُدوة احتفلَ في الاعتناء بكُسْوتِه وأبدَلَها -وكانت من جِلد - بألواح مصَفَّحة بصحائفِ الذهب، وقد نَظَمَ في مواضيعَ منها لآلئَ نفيسةً وأحجارَ ياقوتٍ وزُمُرُّد من أرفع ما كان عندَه، ثم لم يزَلْ بَنُوه بعدَه يتَفنَّنُونَ في زيادةِ جليل الجواهرِ وفاخِر الأحجار على ما كان محُلًّى به حتّى استوعَبوا دَفَّتَيْه بذلك بما لا قيمةَ له ولا نظير، وكانوا أبدًا يُحضِرونَه في مجالسِهم في ليالي رمضانَ ويُباشِرونَه بالقراءةِ فيه ويُصفِّحونَ وَرَقَه بصفيحةِ ذهبٍ مستطيلة شِبهَ المِسْطَرة ويَستصحِبُونَه في أسفارِهم وحركاتِهم متبرِّكينَ به إلى أنِ احتَمَلَه معَه المعتضِدُ بالله (١) أبو الحَسَن عليٌّ ابن المأمون أبي العلاء إدريسَ ابن المنصور أبي يوسُفَ المذكور قبلُ على عادة سَلَفِه حين توَجَّه إلى تِلِمْسينَ آخرَ سنةِ خمسٍ وأربعينَ وست مئة فقُتلَ بمقرُبة من تِلِمْسينَ في آخرِ صَفَر سنةَ ستٍّ بعدَها (٢) وقَدِمَ مكانَه ابنُه أبو إسحاقَ إبراهيمُ ثم قُتلَ ثانيَ يوم تقديمِه، واختَلَّ الجيشُ ووَقَعَ النَّهبُ في خزائنِ السلطان واستولَتْ أيدي العرَب وغيرِهم على جميع مَن كان بالعسكرِ ممن لا قُدرةَ له على مُدافعةٍ عن نفسِه، فكان ممّا نُهِبَ
стр. 349
ذلك الوقتَ هذا المصحفُ الكريم، ولم يَعلَمْ مُنتهِبُه قَدْرًا له ولا قيمة، فدخَلَ به تِلِمْسينَ وعرَضَه على البيع، فأخبَرني الشَيخُ أبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ ﵀ أنه رآه بيدِ سِممسارٍ يُنادي عليه بسُوق الكتُب بتِلِمْسينَ بسبعة عشَرَ درهمًا وقد ضاعت منه أوراقٌ، فأُنهِيَ خبَرُه إلى صاحب تِلِمْسينَ حينئذٍ أبي يحيى يَغمراسن بن زَيّانَ الزَّناتيِّ من بني عبد الواد (١)، وهو الذي قصَدَه المُعتضدُ أبو الحَسَن المذكورُ للدُّعاءِ له بالدخولِ في طاعتِه، فحين عَلِم به انتَزَعَه من يدِ الذي ألفاه عنده، وأمَرَ بصَوْنِه والاحتياطِ عليه، ولم يزَلْ بعدُ يطمَعُ به المرتضَى (٢) من بني عبد المؤمن، والمُستنصِرُ من بني أبي حَفْص صاحبُ إفْريقيّةَ (٣)، والغالبُ بالله أبو عبد الله بن يوسُفَ أميرُ الأندَلُس المدعوُّ بابن الأحمر (٤)، فلا يَحْلُونَ منه بطائل حتى تُوُفُّوا جميعًا في حياة أبي يحيى المذكور، فأورَثَه بَنِيه، فهو عندَهم إلى هذا التاريخ، وهو سنةُ اثنتين وسبع مئة، فهذه نُبذةٌ من التعريف بشأنِ هذا المصحف (٥).
فأمّا الترتيبُ الذي أشار إليه الشّيخُ أبو المُطرِّف بن عَمِيرةَ: فهو أنّ أُمراءَ بني عبد المؤمن كانوا إذا تحرَّكوا لغَزْوٍ أو سَفَر جَعَلوا أمامَهم بمقرُبةٍ منهم رايةً كبيرةً بيضاءَ يُعتامُ لها أتمُّ العِصِيِّ طولًا لتُرشِدَ إلى موضع السُّلطان من العسكرِ فيَهتديَ إليه من أراد قصْدَه -وهي التي عبَّر عنها أبو المُطرّف بقولِه: وأمامَهُ النُّور، وبقولِه: تتقدَّمُه رايةُ الحق، وبقوله: من بينِ يدَيْه- ويليها المصحفُ الكريم -وهو الذي عناه بقوله: بينَ يدَيْه الإمام- محمولًا على أضخم بُخْتيٍّ يوجَدُ وقد جُعِلَ في قُبّةِ حرير ارتفاعُها نحوُ عشَرةِ أشبار وعرضُ كلِّ وجه من وجوهِها الأربع
стр. 350
نحوُ أربعةِ أشبار وبأعلاها جامورٌ (١) محُكَمُ الصَّنعة على نحوِ جَواميرِ الأخبية من أتقنِ ما أنت راءٍ جمالًا، وفي أعلى كلِّ رُكنٍ من أركان القُبة عُصَيّةٌ رُكِّب فيها سُنيِّنٌ مذَهَّبٌ وقد رُبِطت بها رايةُ حرير لا تزال تخفُقُ عَذَباتُها بأقلِّ ريح ولو لم يكنْ إلا بهزِّ الجَمَل إيّاها في سَيْره، ويسَمَّى جملَ المُصحف، ويتبَعُه بَغْلٌ من أفْرَهِ البِغال يحمِلُ رَبْعةً كبيرة مُربَّعةَ الشكل في ارتفاع ذراع أو نحوها، وقد غُشِّيت كذلك بحرير وضُمِّنتِ "الموطَّأ" لمالكِ وصحيحَي البخاريِّ ومسلم وسُنَنَيْ أبي داودَ والنَّسائي وجامعَ أبي عيسى الترمذي، وكان عوَامُّ ذلك الوقت يقولونَ فيه: بَغْلُ المصحف، وهو غَلَطٌ منهم، ويليه الأميرُ في صَدْرِ الجيش والعساكر عن يمينِه وشِماله وخَلْفِه -وهو الذي عبَّر عنه أوّلًا بقولِه: وَبَرَزَ الإمام، وآخِرًا بقولِه: أمام الخَلْق، وبقولِه: ولا مِن خَلْفِه. فهذه هيئةُ الترتيب، وقد شاهدتُه مرّاتٍ في بروز المُعتضِد والمرتضَى المذكورينِ وأبي العلاء إدريسَ بن أبي عبد الله بن محمد بن أبي حَفْص عُمرَ بن عبد المؤمن آخِرِ أُمرائهمُ المعتَبرينَ عندَهم، وبقَتْلِه على يدِ الأمير أبي يوسفَ يعقوبَ بن عبد الحقِّ الزَّنَاتيِّ المَرِينيِّ انقَرَضَت دولةُ بني عبد المؤمن، فسبحانَ مَن لا يَبِيدُ مُلكُه ولا يفنَى سُلطانُه ﷻ وتعاظَمَ شأنُه. وكأنّ لسانَ حال هذه الهيئة يقولُ: إنّ هذه الرايةَ مُنذِرةٌ بإطلالِ صاحبِها على مقصودِه، وأنه داعٍ إلى ما يقتضيه الكتابُ والسُّنة، فمَن أطاعَه كان مُسلمًا له ومن عَصَاه حارَبَه بهذا الجيش الذي هو من حِزبِه.
قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: قد أطَلْنا في هذا الفصل إطالةً أخرجَتْنا عن المقصود، ولكنّا أودَعْناه فوائدَ منوَّعةً يعِزُّ وجودُها، وقد آنَ لنا أن نرجعَ إلى ذكْرِ أبي المُطرِّف ابن عَمِيرةَ، فنقول: وله فصولٌ وَعْظيّةٌ (٢) على طريقةِ الإمام أبي الفَرَج ابن الجَوْزيِّ، منها قولُه: إذا عَرَجت شياطينُ الهوى إلى سماءِ العقل وجدتَها
стр. 351
مليئةً ﴿حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن: ٨]، تطلُبُ غِرّةَ النفْس والرقيبُ قريبٌ ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠]، وتنصِبُ لها حِبالةَ ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ [النساء: ١٢٠]، فيمنَعُها مِن أن تقطعَ فيها حاجزُ ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥]: إنّها لَتُسافرُ في عالَم الكسْبِ فتعترضُها في تلك الفَلاة وتَختِلُها عند الغَفَلات، والحارسُ يُنادي: يا خيلَ الله اركَبي.
ومنها، في قصّة بلالٍ وأُميّةَ بن خَلَف بن وَهْب بن حُذافةَ بن جُمَحَ واسمُه تَيْمُ بن عَمْرو بن هصيص بن كَعْب بن لُؤيِّ بن غالبِ بن فِهْرِ بن مالِك بن النَّضْر بن كِنَانةَ بن خُزَيْمةَ بن مُدرِكةَ بن إلياسَ بن مُضَرَ بن نِزار بن معَدِّ بن عدنان، وكان ممّن يُعذِّبُ بلالًا على الإسلام: المرءُ بضره لا بغيرِه، وبفضيلتِه لا بفصيلتِه، تَقْوى الرجُل سببٌ تنتهي عندَه الأسباب، ونسَبٌ تَهونُ معَه الأنساب، دُعِي إلى الإسلام أخو جُمَح فجَمَحَ وما جَنَح، وكان في رِقِّه بلالٌ فرَقَّ قلبُ الرَّقيق، وصَدَقَ عتِيقُ الصِّدِّيق، يومَ الفتح تبيَّنَ خَطَلُ ابنِ أخطل وقد عاذ بمكانِه، ونَعِمَ بالُ بلال حين غاظ بعضَ السامعينَ بأذانِه، ما ضَرَّ الحبَشيَّ لونُه وإنِ ازدَرَوْه، ولا نفَعَ القُرَشيَّ كونُه أحدَ من داروا حولَه وداروه، ما أقرَضَه بمكّةَ سلًّا لسيفِ العُدوان وانتَضَاه، فعلى القَليبِ قَضاهُ إيّاه، وخِيارُكم أحسَنكم قضاءً، لم يَرْعَ له ولايةَ الحقّ، فأعرَضَ عن حُرمة أسرِه المستحَقّ، أغرى به سُفهاءَ مكّةَ فحشَرَ عليه سَراةَ يَثْرِب، أقعَدَه في الرَّمضاءِ حتى حَمِيَ فضَرَبَه بسيوفِ الأنصار حتى بَرَد [الكامل]:
صاحِبْ رجاءَ غدٍ عسى الأيامُ أنْ ... يَرجِعْنَ قومًا كالذي قد كانوا
واستعمِل البُقْيا حَذارِ جنايةً ... تُجزَى بها فكما تَدِينُ تُدانُ
ضَلَّ امرُؤٌ جعَلَ الإساءةَ عادةً ... ويَرى المَثُوبةَ أنها إحسانُ
وله مجالسُ وَعْظيّةٌ كان يصنَعُها للواعظِ الفاضل الصالح أبي محمد بن عليِّ بن أبي خُرْص، ﵀، ومِن قِبَلِه استفَدْناها، منها في قصّة آدمَ وإهباطِه من الجنّة إلى الأرض: رَوى الضّحّاكُ عن ابن عبّاس ﵁ قال: بَيْنا آدمُ
стр. 352
يَبكي بعدَ أن أُهبِطَ من الجنّة، جاء جِبريلُ ﵇ فسَلَّمَ عليه، فبَكَى آدمُ حتى بَكى جِبريلُ لبكائه ثُم قال: يا آدمُ، ما هذا البكاء؟ قال: يا جِبريل، وكيف لا أبكي وقد حوَّلَني ربِّي من السماءِ إلى الأرض، ومن دارِ النعيم إلى دار البُؤْس؟ كان إذا رأى الملائكةَ ذَكَرَ الوَطَن فهاجَتْ حسَراتُه، ومتى تفكَّرَ فيما إليه نَزلَ سالت بالدّمِ عَبَراتُه، وكيف لا يتَجرَّعُ الأسفَ كلَّه، ومَن سجَدَ له بالأمسِ يرحَمُ اليومَ ذُلَّه؟! [الطويل]:
كفى حَزَنًا مثوايَ في أرضِ غُربةٍ ... وقلبيْ بأُخرى مُستهامٌ متَيَّمُ
أقول لبُعدِ الدار: يا طُولَ شِقوتي ... كأنّي بطِيب القُرب لم أكُ أنعَمُ
أُصانعُ لحْظَ العينِ عندَكَ خِيفةً ... واكتُمُ ما بي فيك واللهُ أعلمُ
وألثُمُ عُلْويَّ الرِّياح إذا سَرَتْ ... وما كنتُ لولا أنت للرِّيح ألثُمُ
ربيعيَ ذاك الوجهُ لو كان زائري ... وأوّلُ عامي من هواهُ المحرَّمُ
وَيْحَ ابنِ آدم، أمَا يَذكُرُ قصّةَ أبيه، ويقيسُ يسيرَ جِنايتِه بعظيم ما يجنيه؟! زادَ عليه في المخالفة طُولًا وعَرْضًا، فليتَه أُعطيَ من ندامتِه ولو بعضًا، زلَّةٌ أهبَطتْه من جنّة المأوى، وأدنفَتْه حتى أعلى بالشّكوى [مجزوء المنسرح]:
أتَى الخِيامَ بقلبٍ ... معَ الأصِحّاءِ صاحِ
وراح منها سَقيمًا ... نشوانَ من غيرِ راحِ
ولم يكنْ ما شَجَاهُ ... منه يَلوحُ لِلاحِ
لولا إفاضةُ دمعٍ ... قضَى لهُ بافْتضاحِ
والله ما راقَ عيني ... سَنا جَبينِ الصّباحِ
ولا انثناءُ غصونٍ ... ولا ثنايا أقاحِ
مُذْ قدَّرَ اللهُ بَعْدي ... عن أرضِكمْ وانتزاحي
стр. 353
ومنها في الوَعْظِ والتوبيخ: يا هذا، مِدادُ الذُّنوب إنّما يَمْحوهُ ماءُ الدّمع، أفلا تعِدُّ له عينًا باكية، وخَطَرُ العقل يَقتُلُ غلامَ الهوى، وأنت تقولُ: أقتَلْتَ نفْسًا زاكية؟! اعترضَتْك شُبهةُ الغَيّ، فهذا دليلُ الرُّشدِ قد تبيَّن، وإن خرَجْتَ خائفًا من مِصرِ المعصِيةِ فأجهِدْ نفْسَك على أن ترِدَ ماءَ مَدْيَن، عَزْمُ الكرام وكيلُ أمين الغيب، وهمّةُ الرجال ما التأنيثُ لاسمِها بعَيْب، قالت أسماءُ لولَدِها وقد خشِيَ المُثْلة: الشّاةُ الميِّتة لا تألَمُ السَّلْخ، ونادى ابنُ أدهم مَنْ شَجَّه: إنّ الرأسَ الذي يحتاجُ إلى [المُخ] (١) تركتُه ببَلْخ (٢) [الطويل]:
أيعلمُ مَن أوْدَى بصبريَ ما ألقَى ... وأنّ نَعيمي في هواهُ بأنْ أشقَى
إذا قيلَ: هذا عاشقٌ، قلتُ: ميِّزوا ... فأكثرُ مَن تلقَوْنَه يدَّعي العشقا
ويا بأَبي ذاك الحبيبُ الذي ثَوَى ... من القلب مثوًى لم أُسامحْ به خَلْقا
تجافَيْتُ عن إعراضِه وجفائِه ... فمِن حقَّه أن لا أرى معَهُ حَقّا
وجمجَمتُ في شكوايَ إذْ لم أجدْ لها ... محلًّا لإلْقائي ولم أستطعْ نُطقا
وكنتُ أرى والصِّدقُ شانيَ في الهوى ... بأنّي على حالي سأُجزَى به صِدقا
فأخلَفَ ظنِّي والمُحبُّ ظُنونُه ... متى حاولَتْ جَمْعًا تُحوِّلُه فَرْقا
وللشّرقِ في قلبي لُبانةُ عاشقٍ ... فيا ليتَ [شِعري] (٣) من يُبلِّغُها الشَّرقا
ألا إنّ ماءً فيه ماكنت أشتكي ... لهيبَ الحشا لو كنتُ يومًا به أُسقَى
وطِيبُ نسيم لا يُرى مَن أضَلَّهُ ... سوى اليأسِ منه أويرى ذلك الأُفْقا
فمَن مُبلغٌ سُكّانَهُ أنّ عهدَهمْ ... وإن همْ أضاعوهُ على حِفظِه أبقى
سلامٌ عليهمْ كيف كانوا فإنّهمْ ... وإن لم يَرِقُّوا لا أزالُ لهمْ رِقّا
стр. 354
ومحاسنُه في هذا الباب كثيرة.
ومن نَظْمِه، وله تعلُّقٌ بنوعٍ من التاريخ في ذكْرِ ملِكٍ اختَلّتْ حالُه بداخلةٍ دخَلَت عليه [الكامل]:
أخْذٌ وترْكٌ لا تأمُّلَ فيهما ... للحال في المتروكِ والمأخوذِ
نبَذوا عهودَهمُ ويا لكَ ضِلّةً ... مِن نَبْذِها لمشرّدٍ منبوذِ
عمَّت أذاياتُ الزمان ودونَ ما ... صِرنا إليه كلُّ أمرٍ مُوذي
فاعجَبْ لفارِ السّدِّ في وَهْنِ القُوى ... حيث انتَهى وبَعُوضةِ النُّمروذِ
وله في الحنينِ إلى الأوطانِ وما لقِيَ به من التقلُّب في البُلدان ومُفارقة الإخوان [البسيط]:
كم التنقُّلُ في سُكرٍ بلا طرَبٍ ... مشيَ النَّزيف صَريع الجَنْبِ بالبَنْجِ
مِن منزلٍ نحوَ ثانٍ ليس يُشبهُهُ ... كأنّما حمَلَتْنا خيلُ شِطْرَنْجِ
وهذان البيتانِ وإن كانا كما تراهما في غايةٍ من تحسين المُبْنى وتحصين المعنى فقد شَذَّ في قافيتِهما عن المعهودِ في مثلِهما من التزام الرِّدْف لحَذْفِ ما حُذِفَ منه على ما أُحْكِم في عِلم القوافي. وفي نحوٍ من ذلك، وكتَبَ إلى صاحبه أبي عبد الله بن محمد المُرْسِيِّ ابن الجَنّان (١) الكاتبِ ﵀ [الطويل]:
تَذكَّرَ عهدَ الشّرقِ والشرقُ شاسعُ ... وذابَ أسًى للبَرْقِ والبرقُ لامعُ
وأتْبَعَ ذكْرَ الجَزْع أنّةَ مُوجَعٍ ... له أبدًا قلبٌ على الجَزْع جازعُ
كفى حزَنًا نأْيٌ عن الأهل بعدَما ... نأَيْنا عن الأوطانِ فهْي بَلاقعُ
نوَى غُربةً حتى بمنزلِ غُربةٍ ... لقد صنَعَ البَيْنُ الذي هو صانعُ
أحِنُّ إلى أرض تَقادَمَ عهدُها ... ومن دونِها أيدي الخطوبِ الموانعُ
وكيف بشُقْرٍ أو بزُرقةِ مائهِ ... وفيه لشُقْرٍ أو لزُرقٍ مَشارعُ
стр. 355
هكذا قال ووقَفْتُ عليه بخطِّه، ولو قال: "أو بزُرقِ مياهِه وفيها" لكان أتمَّ في التجنيس، فتأمَّلْه.
ومنه، وكتَبَ به إلى شيخِنا أبي الحَسَن الرُّعَيْنيِّ ﵀ [المنسرح]:
صاح بهم صائحُ الرِّحيلِ فما ... فيهمْ على البَيْن واحدٌ سَلِما
وجاسَ بالرَّوع عُقْرَ دارِهمُ ... من بعدِ ما كان سِربُهمْ حَرَما
فهمْ عبَاديدُ في البلادِ ولا ... شَمْلَ بكفِّ الخطوبِ مُنتظِما
قد أقسَمَ الدّهرُ أن يُفرّقَهمْ ... وجَنَّبَ الحِنْثَ ذلك القَسَما
ياسائلي عن بُكايَ بعدَهمُ ... بكَيْتُ دمعًا حتى بكيتُ دما
وفي الأدبِ وحِرفتِه [الكامل]:
أدب وحِرفتُه وها أنا منهُما ... مع مُبصِرٍ صَنِع وأعمى أخرقِ
ما فكّ قَيْدَ الخطِّ ذا إلا بَدَا ... لأخيه فيه فردةٌ للمُطبِقِ
ومن تضميناتِه العجيبة قولُه من قصيدةٍ يمدَحُ بها المستنصِرَ بالله [الكامل]:
ولقد أقَدْتَ من الزمانِ فكاذبٌ ... مِن قولهم: جُرحُ الزمانِ جُبَارُ
وأطَلْتَ أيامَ السّرورِ فلم يُصِبْ ... مَن قال: أيامُ السرورِ قِصَارُ
وكان يُستحسَنُ كثيرًا من كلامِه هذا البيتُ [الطويل]:
لك الفضلُ يحيى خالدًا بك ذكْرُهُ ... فلا ذكْرَ للفضل بن يحيى بن خالدِ
لترديدِ ألفاظ الذِّكْر ويحيى وخالدٍ في العَجُز السابقة في الصَّدْر، وهو من أبياتٍ خاطَبَ بها الأميرَ أبا العبّاس [الطويل]:
أسيِّدَنا الأعلى إذا المرءُ لم يجِدْ ... نَداكَ على حالٍ فليس بواجدِ
وإنْ هُو لم ينعَمْ بوجهِك ساعةً ... من الدّهرِ لم تَظفَرْ يداهُ بفائدِ
لك الفضلُ يحيى خالدًا بك ذكْرُه ... فلا ذكْرَ للفضلِ بن يحيى بن خالدِ