← Тараджим

Тараджим · id 17056

الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة

ابن عبد الملك المراكشي

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وأبو القاسم عبدُ الواحِد بن عليّ بن محمد بن فَهْد، بفاءٍ مفتوحة آخرُه دالٌ، العَلّافُ. وأبو الحُسَين عاصمُ بن الحَسَن بن محمد بن عليّ بن عاصِم بن مِهْرانَ العاصميُّ البغداديُّ الكَرْخيُّ، براءٍ ساكنة وخاءٍ معجَمة. وآباءُ الحَسَن العَلَيُّونَ (١): ابن الحَسَن بن الحُسَين بن محمد المِصْريُّ الخِلَعي، وابنْ الحُسَين بن عليّ بن أيّوبَ البغداديُّ البَزّاز ابن أبين (٢)، وابن محمد بن محمد بن الطيِّب الخطيبُ بواسِط. وأبو بكرٍ محمدُ بن أحمدَ بن عبد الباقي بن منصور البغداديُّ يُعرَفُ جَدُّه بابن الخاضِبة. وأبو الغنائم محمدُ بن عليِّ بن الحَسَن بن أبي عثمانَ البغداديّ. وأبو عبد الله مالك بن أحمد بن عليٍّ البَانِيَاسيُّ بباءٍ بواحدة وألفٍ ونونٍ مكسورة وياءٍ مسفولة وألفٍ وسِين مهمَل منسوبًا. وأبو الحُسَين المبارَكُ بن عبد الجَبّار بن أحمدَ بن القاسم الأزْديُّ الصَّيْرفي، ابنُ الحَمَاميِّ -مخفَّفَ الميم- وابنُ الطُّيوري. وأبو الفَتْح نَصْرُ بن إبراهيمَ بن نَصْر بن إبراهيمَ المَقْدِسيُّ النابُلُسي نزيلُ دمشق (٣). وكان فقيهًا حافظًا مُبرِّزا في عَقْد الشروطِ بصيرًا بِعلَلِها. ٢٨٠ - أحمدُ بن عبد الرّحمن بن سُليمانَ بن موسى الخَزْرَجي . رَوى عن أبي بكر ابن العَرَبي، وأبي العبّاس بن جعفرِ بن خَصِيب.

стр. 387

٢٨١ - أحمدُ بن عبد الرّحمن بن عبد الله بن مَيْدمان (١)، بَطَلْيَوْسي. كان من أهل العلِم، حيًّا سنةَ عَشْرٍ وخمس مئة. ٢٨٢ - أحمدُ بن عبد الرّحمن بن عبد الله بن يونُس القُضَاعيُّ، أبو جعفر . رَوى عن أبي عبد الله بن سَعْدونَ القَرَويِّ. ٢٨٣ - أحمدُ بن عبد الرحمن بن عبد [ . . . .] (٢). رَوى عن أبي محمد بن عَتّاب. ٢٨٤ - أحمدُ (٣) بن عبد الرّحمن بن عُبَيد الله (٤) بن محمد بن مُهَلَّب الأسَديُّ، تُدْمِيريٌّ (٥)، أبو بكر، ويقال: أبو جعفر (٦). رَوى عن أبي عليٍّ الصَّدَفي. ٢٨٥ - أحمدُ (٧) بن عبد الرّحمن بن عليِّ بن عبد الرّحمن بن هِشام بن عبد الرَّؤوف بن محمد بن صَخْر بن ثَعْلَبةَ بن سُليمان بن أَبَانِ بن صقالةَ بن بيان بن محمد بن ثَرْوانَ بن جَعُونَة النُّمَيْريُّ، غَرْناطيٌّ إلبيريُّ الأصل، أبو جعفر. له إجازةٌ من أبي عبد الله جعفرٍ حفيدِ مكِّيّ، وأبي عامرٍ محمد بن أحمد بن إسماعيلَ، وأبي القاسم بن بَقِيٍّ الحاكِم، وأبي مروانَ الباجِي، وأبي الوليد ابن رُشْد. ٢٨٦ - أحمدُ بن عبد الرّحمن بن عليٍّ المَخْزوميُّ، قُرطُبيٌّ . كان من أهل العلم والعدالة، حيًّا بعد عشرينَ وأربع مئة.

стр. 388

٢٨٧ - أحمدُ بن عبد الرّحمن بن عُمرَ الخَزْرَجي، قُرْطُبيٌّ، أبو القاسم . له إجازةٌ من أبي محمد بن عليٍّ الرُّشَاطي (١). ٢٨٨ - أحمدُ (٢) بن عبد الرّحمن بن عيسَى بن إدريسَ التُّجيبيُّ، مُرْسِيٌّ، أبو جعفرٍ وأبو العبّاس. تفَقَّه علي أبيه، و (٣) أبي محمد بن أبي جعفر، ورَوى عن أبي الحَسَن بن مُفرِّج الصِّقِلِّي، وأجاز له أبو الحَسَن العَبْسيُّ، وأبو داودَ الهِشَامي. ورَحلَ إلى المشرق فحَجَّ، وأخَذَ بمكّةَ شرَّفها اللهُ على (٤) أبوَيْ عبد الله: الحُسَين بن عليٍّ الطّبَري وابن [. . . .] (٥) النَّحْويِّ وغييرهما، وقَفَلَ إلى بلدِه مُرْسِيَةَ فأسمعَ بها الحديثَ ودرَّس الفقه، رَوى عنه أبوا القاسم المُحمَّدان: ابنُه وابنُ عليِّ ابن البُرَاق، وأبو بكر (٦) ابن هَرُودس، وأبو الخَطّاب أحمدُ بن محمد بن واجِب، وأبو ذرٍّ مُصعَبٌ، وآباءُ عبد الله: ابن الأَنْدَرْشيِّ وابن محمدٍ الشارِّيُّ وابن يوسُفَ بن عَيّاد (٧)، وأبو عُمرَ يوسُفُ بن عَيّاد، وأبوا محمد: ابن يوسُفَ وغَلْبون. وكان فقيهًا حافظًا للمسائل، مدرِّسًا، مُشاوَرًا، بصيرًا بالفَتوى في النّوازل، متقدِّمًا في معرِفة الأحكام والشّروط، مُشاركًا في علوم القرآنِ والآثارِ، ذا حظٍّ من الأدب، قديمَ النجابة، قرَأَ على أبيه "الموطَّأَ" روايةَ أبي مُصعَب من حِفظِه

стр. 389

وهو لم يُكمِلْ ثلاثَ عشْرةَ سنة، ووَلِيَ الأحكامَ ببلدِه سنينَ عدّةً بعدَ أن وَلِي قضاءَ شاطِبة، ثم صُرِفَ محمودَ السيرة معروفَ التواضُع والنَّزَاهة (١)، ثم قُلِّد القضاءَ ببلدِه، واستمرَّت ولايتُه مشكورَ الطريقة مَرْضيَّ الأحوال إلى أن توفِّي بها يومَ الاثنين ثانيَ أيام النَّحْرِ أو ثالثَها سنةَ ثلاث (٢) وستينَ وخمس مئة، ودُفنَ بعدَ ظُهر يوم الثلاثاءِ تاليه. مولدُه سنةَ ثمانٍ وثمانينَ وأربع مئة، ووَهِمَ ابنُ سُفيانَ في وفاتِه. ٢٨٩ - أحمدُ (٣) بن عبد الرّحمن بن فِهْرٍ السُّلَميُ، مَرَويٌّ، أبو عُمر. كان فقيهًا حافظًا، واستُقضيَ فعُرِف بالعدالة وإقامةِ الحقِّ والجزالة. ٢٩٠ - أحمدُ (٤) بن عبد الرّحمن بن محمد بن أحمدَ بن أصبَغَ بن جُمْهُور (٥) الجُذَاميُّ، إشبيلي، أبو جعفر، أخو أبي عبد الله. رَوى عنه أبو الحَسَن عبدُ ربِّه، وأبو محمد طلحةُ. وكان نَزِهَ النفْس، معتدِلَ الأحوال، وقُورًا، حسَنَ الهَدْي نبيلًا، ذا حظٍّ وافر من عِلم الأدبِ والمعرِفةِ بعِلم العَروض والتعديل، وقصيدتُه في معرفة المتوسِّط من المنازلِ وقتَ الفجرِ من أجوَد ما نُظِمَ في معناها (٦) وأصدَقِها شهادةً ببراعةِ مُنشِئها، أخَذَها عنه كثيرٌ من

стр. 390

الناس، وكان أبو الحُسَين محمدُ بن محمد بن زَرْقُون يَستحسنُها وَيستجيدُ نَظْمَها، وهي [الطويل]: رأيتُ أُناسًا قَرَّبوا بالمنازلِ ... قوانينَ عِلم الفجرِ للمتناوِلِ فقالوا مقالًا لا حقيقةَ عندَهُ ... فلم يَحْلُ منه السامعون (١) بطائلِ يُرِيكَ عِيانُ الأمرِ غيرَ الذي أرَوْا ... فيصبحُ ذو عِلم بها مثلَ جاهلِ فكم أطْلعوا من منزلٍ غيرَ طالعِ ... وكم أغربوا من منزلٍ غيرَ آفلِ وكم وَسَّطوا ما لا يُرى متوسِّطًا ... وللفجرِ تِبيانٌ جَلِيُّ الدّلائلِ فدونَكَ منها ما توسَّط دونَ ما ... له في خلالِ (٢) الأُفْقِ وَطْأةُ نازلِ على مذهبِ الأرصادِ والنظَرِ الذي ... أثارَتْهُ آراءُ الرجالِ الأفاضلِ تتبَّعتُ منها النيِّراتِ ولم أكُنْ ... لآخُذَ منقوصًا بحضرةِ كاملِ فقيّدتُ ذا الإشراقِ من كلِّ منزلٍ ... وأهمَلْتُ رَسْمَ الخامل المتضائلِ ومهما تَساوَى النُّورُ فيها فواحدًا ... قنَصْتُ فلم تُفلتْه كِفَّةُ حابلِ ويبْدو لكَ المأخوذُ منها حقيقةً ... بما قُلتُه في طالعاتِ المنازلِ وما قلتُه من قبلُ في غارباتِها ... فذلك يبدو جَهرةً للمُزاولِ ولا بدَّ من عِلم بعَرْضِ مدينةٍ ... أُقيمَ بها حُسبانُها غيرَ مائلِ ثلاثونَ جُزءًا قَدْرُه ثم سبعةٌ ... ونصفٌ حسابًا ثابتًا غيرَ حائلِ فها أنا أُبدي الحقَّ حيثُ علِمتُه ... وأستعصمُ الرحمنَ من كلِّ باطلِ إذا مرَّ يومٌ من أغشَّتْ توسَّط (٣) الرِّ ... شاءُ ونورُ الفجر ضافي الغلائلِ

стр. 391

وإن مَرَّ عُشرٌ منه فالنَّطحُ مِثلُه ... على رأيِه مستمسِكٌ غيرُ زائلِ وفي اثنينِ مرّا بعد عشرينَ لم يزَلْ ... لديه البطينُ حافظًا للوسائلِ ومهما انقضت (١) منه ثلاثونَ ليلةً ... تُرى للثُّرَيّا نهضةُ المتَثاقلِ وإمّا تقَضَّتْ تسعةٌ من شتنْبَرٍ ... فللدَّبَرانِ السَّبْقُ يومَ التفاضُلِ وإن بقِيَتْ منه ثمانيةٌ جَلَتْ ... له هَقْعةٌ سيفًا غدا جدُّ ناصِلِ (٢) فإن مَرَّ من أكتوبرٍ ستٌّ انبَرَتْ ... له هَنْعَةٌ (٣) تَرمي بسهمِ المناضِلِ (٤) وفي سبعةٍ من بعد عَشْرٍ مضَتْ لهُ ... تَرى لذراع اللَّيثِ إقدامَ باسلِ وإن بقِيَتْ منه ثلاثٌ فنثرةٌ ... تُساورُهُ في خُفْيةٍ كالمخاتلِ فإن مَرَّ تسعٌ من نُوَنْبِرٍ انبرَى ... له الطَّرْفُ يُوصي حِلفَهُ بالتواصُلِ وإن مَرَّ منه ستَّ عشْرةَ ليلةً ... فللجبهةِ التصميمُ حين التخاذُلِ وفي مُنقضي أيامِه شمّرَ الدُّجى ... لزَبْرتِها (٥) ذيلَ الوَنَى والتواكلِ وأمّا ثمانٍ من دجَنْبِرٍ انقَضَتْ ... فصَرْفتُها تُبدي الأسى إثْرَ راحلِ وفي تسعةٍ تمَضي له إثْرَ تسعةٍ ... تُديمُ بها العوّاءُ عضَّ الأناملِ وفي تسعةٍ من بعدِ عشرينَ تنقَضي ... يظلُّ السِّمَاكُ ساميًا غيرَ سافلِ فإنْ عشْرٌ انقَضَتْ (٦) ليَنْيِرٍ اغتَدَى ... بها الغُفرُ مُرتاحًا لإلفٍ مُواصِلِ

стр. 392

وإن مَرَّ عشْرٌ ثُم عَشْرٌ وواحدٌ ... له فالزَّباني رأيُها غيرُ فائلِ وإمّا خَلَتْ سبعٌ وسبعٌ بإثرِها ... لفِبرْيرَ فالإكليلُ جَمُّ البلابلِ وفي اثنينِ مَرَّا بعدَ عشرينَ أضرَمَتْ ... على القلبِ نارَ الشّوقِ إثْرَ الرواحلِ وفي عَشْرٍ انقَضَتْ (١) لمَرْسٍ وتسعةٍ ... تَرى شولةً سَبّاحةً في الجداولِ فإنْ مَرَّ من إبْرِيلَ عشْرٌ وأربعٌ ... فأحبِبْ بنَهْرٍ للنعائم سائلِ فإنْ مَرَّ يومانِ لمايُةٍ انتَحَى ... لبَلدتِها رامٍ حديدُ المعابلِ وإنْ بقِيَتْ منه ثلاثةٌ ارهَفَتْ ... لذابحِها أشفارَه كفُّ صاقلِ فإنْ رحَلتْ ستٌّ ليُوْنْيُهْ فإنّما ... تَرى بَلَعًا في إثْرِها مثلَ ثاكلِ وإن مَرَّ عشْرٌ ثم سبعٌ فقد أتّى ... لسعدِ السُّعودِ الفَلْج يومَ التصاولِ وفي أوّلٍ من يُوْلْيُهَ السَّعدُ حَلَّهُ ... لأخبِيَةٍ يُعزَى فهل من مُطاولِ ألا إنَّ للفَرْغ المقدَّم عزْمةً ... لسبعِ مضَتْ منه كحدِّ المناصلِ ومهما انقَضَتْ عشرونَ منهُ فإنّما ... مؤخَّرُها يُبدي ضراعةَ آملِ فهذي ثمانٍ (٢) ثُم عشرونَ قد أتّى ... عليها نظامٌ محكَم للمُحاولِ وما خِلْتُني أبقَيْتُ فيما نظمتُهُ ... وأحكَمْتُ مَبْناهُ مقالًا لقائلِ. فإن تُلفِ عَزْمًا بَتَّ أسبابَه الوَنَى ... فكنْ للذي بَتَّ الوَنَى خيرَ واصلِ وله تواليفُ فيما كان ينتحلُه من العلوم دالّةٌ على نُبلِه وجَوْدةِ إدراكِه وقَفْتُ على بعضِها. وتوفِّي لخمسٍ بقِينَ من محرَّمِ سبعٍ وعشرينَ وست مئة.

стр. 393

٢٩١ - أحمدُ (١) بن عبد الرّحمن بن محمد بن سعيدِ بن حُرَيْث بن عاصِم بن مَضَاءِ بن مُهنَّد بن عُمَيْرٍ اللَّخْميُّ. وكذا نَسَبُه في معجَم شيوخِه الذي جمَعَه له أبو الخَطّاب عُمرُ بن حَسَن بن الجُمَيِّل (٢) وطالَعَه به فوافَقَه عليه إلّا في ذكْرِه مهنَّدَ بن عُمَيْر، فإنه أنكرَهُما وقال: لا أعرفُهما، فقال له أبو الخَطّاب: يا سيّدي هما جَدّاك ذكَرَهما فُلان، يُشيرُ إلى بعض المؤرِّخينَ، فتوقَّفَ الشّيخ. قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: وهُو مع ذلك فيما يَظهَرُ لي نسَبٌ مُنقطع لبُعد زمانِ أحمدَ من زمانِ حُرَيث، فقد ذكَرَ الحُكَيِّمُ عبدُ الله بن عُبَيد الله -وتوفي منتصَفَ رمضانِ أحدٍ وأربعين (٣) - في كتابِه الذي ذكَرَ فيه الخُلفاءَ ومَن تناسَلَ منهم بالأندَلُس ومن سائر قُرَيْش ومَواليهم وأهلِ الخدمة والتصرُّف لهم ومشاهيرِ

стр. 394

العرب الداخِلينَ إلى الأندَلُس من المشرِق من غيرِ قُرَيش ومَواليهم ومشاهيرِ قبائل البَرْبرِ الذين احتَلُّوا الأندَلُس، ورَفَعَه للناصِر أبي المُطرِّف عبد الرّحمن بن محمد سنةَ ثلاثينَ وثلاث مئة، فذكَرَ أن بجَيّانَ مِن لَخْم بيتَ مُهنَّد بن عُمَيْر، قال: وهم هناك جماعةٌ أهلُ فَضْل ودِين، ولهم فُرسانٌ شُجْعان بَلَديُّون، منهم: عبدُ الرّحمن بن وافِد بن عبد الرّحمن بن يحيى بن حَرْب بن يحيى بن مُهنَّد القَسّام بَلَديّون، ومنهم النَّجاشيُّ بن حُرَيْث بن عاصِم بن مَضاءِ بن مُهنَّد، فاقتضَى هذا أنّ النَّجاشيَّ أخا سعيدٍ أبي جَدِّ أحمدَ المترجَم به، وعبدَ الرحمن بن يحيى جَدُّ عبد الرحمن ابن وافِد المذكورَيْنِ في قُعْدُدِه إلى مُهنَّد، ومَولدُ أحمدَ هذا فيما صَحَّ سنةَ ثلاثَ عشْرةَ وخمس مئة، فبيْنَ مَولِده ووفاةِ الحُكَيِّم مئة سنة وثلاثٌ وسبعون (١) سنة، ومن البعيد اللاحق بالمُحال عادةً أن يكونَ بينَه وبينَ حُرَيْث ثلاثةُ آباء، هذا على تقدير كونِ النَّجَاشيِّ معاصرًا الحُكَيِّم، وذلك من أبعدِ التقديراتِ، فإنْ قدَّرْناه أقدَمَ منه، وهو الأظهرُ، قطَعْنا بإحالةِ اتّصالِ ذلك النسَب، واللهُ أعلم. وقد ذكَرَ أبو [بكر] (٢) محمد بن أحمد (٣) الرازي (٤) وفاتَه في "استيعابه" الذي جَمَعَه للنّاصِر أيضًا: مضاءُ بن مُهنَّد بن عُمَيْر، وذكَرَ أنه كان رئيسَ جَيّان وَأحدَ عبادِ الله الصالحين. وأحمدُ المترجَمُ به: قُرْطُبيٌّ جَيّانيُّ الأصل قديمًا ثم شرانية (٥)، أبو جعفرٍ وأبو العبّاس وأبو القاسم والأخيرةُ قليلة، أكثَرَ عن أبوَي الحَسَن: عامر زَوْج

стр. 395

عمّتِه وشُرَيْح، وتلا بقراءتَي الحرميَّيْنِ عليه، وأبوَيْ بكر: ابن عبد الله ابن العَرَبي وابن محمد بن المُرْخي، وأبي جعفر بن عبد الرحمن البِطْرَوجي، وأبي الطاهِر محمد بن يوسُفَ الأَشْتَرْكُونيِّ، ولازَمَه مدّةً، وآباءِ عبد الله: جعفر حَفيدِ مكِّي، وابن محمد ابن المُناصِف، وابن مَسْعود بن أبي الخِصَال، وأبي عُمرَ أحمدَ بن صالح، وأبي القاسم عبد الرّحمن بن أحمدَ بن رضا، وتلا بالسَّبع عليه. وسَمع أبا بكر عبدَ العزيز بن مُدِير، وأبا الحَجّاج (١) الأُنْديَّ، وأبا عبد الله بن موسى بن وَضّاح، وآباءَ محمد: ابن عليٍّ الرُّشَاطيَّ وابنَ (٢) المُرسِيِّ وعبدَ الحق بن عَطِيّة، وأبوَيْ مَرْوانَ: عبدَ الرحمن بن محمد بن قُزْمان وابنَ مسَرَّة، وصحِبَ أبا عبد الله بنَ أحمد ابن الحَمْزي، ولقِيَ بسَبْتةَ أبا الفَضْل عِيَاضًا، وكلُّهم أجاز له. وتلا بحرفِ نافع على أبي الحَسَن عبد الجليل بن عبد العزيز، ورَوى عن أبي جعفر بن محمد ابن المُرْخِي، وأبي الحَسَن عبد الرحيم (٣) الحِجَاري، وأبي عبد الله بن عبد الرّحمن بن مَعْمَر، وأبي العبّاس بن خَصِيب. وتأدَّبَ في العربيّة بأبي بكر بن سُليمان بن سَمَجُون، وأبي القاسم عبد الرّحمن ابن (٤) الرَّمّاك، ودرَسَ عنده "كتابَ سِيبَوَيْه"، وأخَذَ عن الشريفِ أبي محمدٍ عبد العزيز بن الحَسَن كلامَه نظمًا ونثرًا ولم يُذكَرْ أنّ أحدًا من هؤلاءِ أجاز له. وكتَبَ إليه مجُيزًا ولم يلقَهُ: أبو بكر بنُ عبد الغنيّ بن فَنْدِلةَ، وأبو الحَسَن بن عبد الله بن مَوْهَب، وأبو مَرْوانَ بن عبد العزيز الباجِي. هؤلاء شيوخُه الذين تحقَّقْنا وجوهَ تحمُّلِه عنهم، ومنهم -ولا نعرف الآن كيفيّةَ روايتِه عنهم-: أبو الحَسَن عبدُ الرّحمن (٥) بن بَقِيّ، وأبو العبّاس بن ثَعْبان،

стр. 396

وأبو القاسم ابن بَشْكُوال، فهؤلاءِ شيوخُه (١). وحَمَّلَه أبو يعقوبَ يوسُفُ بن يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن التادَليُّ المَرّاكُشِيُّ ابنُ الزّيّات (٢) الروايةَ عن أبي بحرٍ سُفيانَ بن العاص، وأبي الحَسَن يونُس بن محمد بن مُغيث، ويَبعُدُ عندي ذلك لإغفالِ أبي جعفرٍ هذا عَدَّهما في شيوخِه، فقد كانت روايتُه تعلو عنهما ولا سيّما عن أبي بحرٍ منهما. رَوى عنه آباءُ بكر: غالبُ ابنُ الشَّرّاط، والمحَمَّدون: ابنُ عبد الله القُرْطُبيّ وابنُ عبد النُّور وابن محمد بن محُرِز، وأبو جعفر بن محمد أبو حُجّة، وأبو الحَجّاج: ابن حُسَين بن عُمر وابن عبد الصَّمد ابن نَمَويّ، وآباءُ الحَسَن: ابن عبد الله بن قُطْرال، وكتَبَ عنه بعضَ مدّةِ استقضائه، وابن عبد الصّمد ابن الجَنّان، وابنا (٣) المحمّدَيْن البَلَويُّ والشارِّي، وابن منصور وابن نَجَبة، وأبوا الحُسَين: عُبَيد الله المدائري (٤) ومحمدُ بن محمد بن سعيد بن زَرْقُون، وأبوا الخَطّاب: عُمرُ بن حَسَن بن الجُميِّل ومحمد بن أحمد بن خليل واختَصَّا بهِ، وأبو زكريّا هلال بن عَطِيّة، وبنو (٥) حَوْطِ الله: أبو سُليمانَ وأخوه أبو محمد وأبو عُمرَ محمدُ بن أبي محمد، وآباءُ عبد الله: ابن عبد الله الأَزْديُّ مُقيمُ سَبْتةَ وابنُ عبد الحقِّ التِّلِمْسيني وابنُ (٦) الصُّميل، وأبو العبّاس: المَوْرُوريُّ وابنُ محمد البُطَيْط (٧)، وأبوا علي: الحَسَن بن حَجَّاج وعُمرُ بن محمد ابن الشَّلَوبِين، وآباءُ القاسم: الأحمَدانِ: ابن أحمد البَلَويُّ شيخُنا وابن يَزيدَ بن بَقِيّ، والمحمّدانِ:

стр. 397

ابن عبد الواحد بن محمد المَلّاحي وابن محمد بن عبد الرحمن ابن الحاجِّ، وعبدُ الرحيم بن إبراهيمَ ابن الفَرَس، وأبو محمد بن الحَسَن القُرْطُبي، وأبو الوليد محمد بن أحمدَ ابن الحاجِّ، وغيرُهم. قال لي شيخُنا أبو القاسم البَلَوي: سمعتُ عليه في جماعةٍ كبيرة "المُشرِق" أحدَ تصانيفِه، بقراءة أبي محمد بن حَوْطِ الله في إشبيليَةَ، فلمّا فَرَغَ من قراءتِه استجازَه لنفسِه وللحاضرينَ فأجابَ إلى ذلك وأجاز لنا. وسأله أبو الخَطّاب أحمد بن محمد (١) بن واجِب في صَدْرِ محرَّمِ ثنتينِ وتسعينَ وخمس مئة الإجازةَ العامّة في كلِّ ما يصحُّ إسنادُه إليه على اختلافِ أنواعِه لجميع مَن أراد الرِّوايةَ عنه من طلَبة العلم الموجودينَ من (٢) حينئَذٍ، فأسعَفَ بذلك وأجارْ لهم، فرَوى عنه بهذه الإجازة جماعةٌ منهم: شيخانا: أبو إسحاقَ بن أحمد بن القَشّاش وأبو عليٍّ الحَسَن بن عليٍّ الماقري، وأبو القاسم القاسمُ بن محمد بن الطَّيْلَسان ﵏، وسواهم. وكان مُقرئًا مجوِّدًا، محدِّثًا مُكثِرًا قديم السماع، واسمع الرواية عاليَها، ضابطًا لما يحدِّث به، ثقةً فيما يأثره، نشأ مُنقطعًا إلى طلب العلم، وعُني أشدَّ العناية بلقاءِ الشّيوخ والأخْذِ عنهم، فكان أحَدَ من خُتِمت بهم المئة السادسةُ من أفراد العلماءِ وأكابِرِهم، ذاكرًا لمسائل الفقه، عارفًا بأصولِه متقدِّمًا في علم الكلام ماهرًا في كثير من علوم الأوائل كالطبِّ والحساب والهندسة، ثاقبَ الذِّهن متوقِّد الذكاء، وغير ذلك: متينَ الدِّين، طاهرَ العِرض، حافظًا للُّغات بَصيرًا بالنَّحو مختارًا فيه، مجتهدًا في أحكام العربيّة منفرِدًا فيها بآراءٍ ومذاهبَ شَذَّ بها عن مألوفِ أهلها (٣)، وصنَّفَ فيما كان يعتقدُه منها كتابَه "المُشرِق"

стр. 398

المذكورَ و"تنزيهَ القرآن عن ما لا يليقُ بالبيان" (١). وقد ناقَضَه في هذا التأليف أبو الحَسَن بن محمد بن خَرُوف (٢) ورَدَّ عليه بكتابٍ سماه: "تنزيهَ أئمّة النَّحو عن ما نُسِبَ إليهم من الخطإ والسَّهْو"، وكان بارعًا في فنِّ التصريف من العربيّة، كاتبًا بليغًا، شاعرًا مجُيدًا متحقِّقًا في معقول ومنقول، غيرَ أنه أُصيبَ بفَقْدِ أصول أسمِعتِه عند استيلاءِ الروم -دمَّرَهم اللهُ- على المَرِية [. . . .] (٣). وكان طيِّب النفْس، كريمَ الأخلاق، حَسنَ اللقاء، جميلَ العِشْرة لم يَنْطوِ قطُّ على إحْنةٍ لمسلم، عفيفَ اللِّسان صادقَ اللَّهجة، نزيهَ الهمّة كاملَ المروءة. وأدركه عندَ استحكام شَبيبَته بَغْيُ أحدِ حسَدَتِه من بني عَصْره وأهل مِصرِه اضْطَرّه إلى التحوُّل عن وطنِه قُرْطُبة والاضطراب في الأرض حتى لحِقَ بجبل تين مَلَل (٤) أحدِ الجبال الشامخة الغربيّة من مَرّاكُش، فاستَقرَّ به مدرِّسًا العلمَ ناشرًا ما لديه من المعارف، وذلك في عَشْرِ الأربعينَ وخمس مئة -ودولةُ عبد المؤمن وطائفتِه حينَئذٍ في إقبالها ورَوْنقِها وجِدَتِها- فأخَذَ عنه هناك أهلُ ذلك الموضع وغيرُهم، وأقرَأَ أبناءَ عبد المؤمن مدّةً وانتُفعَ به حتى اشتُهر وعُلِم قَدْرُه وفضلُه وعُرِفَ منصبُه وعَظُم صيتُه، وتَعرَّفَ مكانَه من العلم وجَلالتَه

стр. 399

أبو يعقوبَ بن عبد المؤمن، وتقَرَّرَ لديه ما هو عليه من التفنُن في المعارِف وحُسن المشاركة في العلوم على تفاريقِها، فاستَدعاهُ واستَدناهُ ونوَّه به ما شاء وأحْظاه، وكان هو وإخوتُه عاملينَ على إيثارِه متنافسينَ في إعظامِه وإكبارِه، وتوَجَّه معَ أبي الحَسَنُ منهم إلى فاسَ كاتبًا عنه سنةَ [...] (١) وخمسينَ وخمس مئة، ثم توجَّه إلى قُرْطُبةَ سنةَ ثلاث وستينَ معَ أخيه أبي إسحاقَ (٢) كالشّيخ له، والناظرُ في مسائل طلبةِ الحضر وقاضيها حينَئذ أبو محمد بنُ مُغيث ابن الصّفّار (٣)، وبها من رُؤساءِ الطلبة أبو محمّد بن يَغْمور، فجَرَت بينَهم مُناقَضاتٌ أثمرت وَحشة بين أبي جعفرٍ وأبوَيْ محمد، غيرَ أنّ أبا جعفرٍ لم يَشغَلْ بالَه بأمرِهما ولا أخطَرَ بفِكرِه الإلمامَ بذكْرِهما وإن كانَ خواصُّه كثيرًا ما يَعرِضُونَ إليه بثَلْبِهما لديه فيُعرِضُ عنهم ولا يسمعُ منهم، إلى أن تحرّك السيِّد أبو إسحاقَ معَ وفدِ قُرطُبة إلى زيارةِ أبي يعقوبَ بن عبد المؤمن بإشبيلِيَةَ واستَصحبَ أبا جعفرٍ مُكرَّمًا مبرورًا على جاري عادتِه، وفي تلك المدّة كتَبَ أحدُ المتشبّعينَ بالعلم ممّن كان له تردُّدٌ على أبي جعفر وتشيُّع في جانبِه، وُيعرف بالأرجوني، وكان ممن يُسخَرُ به لجهلِه وهَزْلِه، كتابًا إلى أبي جعفرٍ أودَعَه ضُروباً من الإزراءِ على أبي محمد ابن الصّفّار والتهكُّم به وتمثَّل فيه بهذا الشعر [الرجز]: * هذا أوانُ الشِّدِّ فاشتدِّي زِيمْ * يُحَرِّضُ فيه على مطالبة أبي محمد ابن الصّفّار، فكان من سوءِ الاتّفاق أن وقَعَتِ الرُّقعةُ بذلك إلى يدِ أبي يعقوبَ بن عبد المؤمن، وكان رجُلَ جِدٍّ وتصميم في البُعد عن الهَزْل، فأكبَرَ أمرَها وأنِفَ لأبي جعفرٍ منَ انحطاطِه إلى مُشافهةِ

стр. 400

ذلك النَّذْل واستعمالِه مثلَه ومُسامحتِه إيّاه في مُكاتبتِه إيّاه (١) بمثل ما تضمّنتْه تلك الرُّقعة، فصَرَفَ أبا جعفرٍ عن حضور مجلسِه ووالَى الإعراضَ عنه مدّةً إلى أنِ اقتضَىِ رأيُ أبي يعقوبَ صَرفَ أخيه أبي زكريّا إلى بِجاية، فلمّا حان وقتُ وداعِه شَفعَ عندَه لأبي جعفر بقديم انقطاعِه إليهم وكبير حُرمتِه لديهم ورَغَّبَ في العفوِ عنه وتقديمِه قاضيًا ببِجاية، فأشْفَعَه (٢) في ذلك كلِّه وانصَرفَ معَه أبو جعفرٍ مُوَفّى الحقِّ من البِرِّ والإكرام مجُرًى على معهودِه من التنويه والاحترام (٣)، وأقام ببِجايةَ قاضيًا إلى أن توفِّي السيِّد أبو زكريّا (٤)، فاستقْدَمَه أبو يعقوبَ إلى حضرتِه وأعاده إلى مكانِه ومنزلتِه، وبقِيَ من كبار حُضّارِ مجلسِه إلى أن توفِّي قاضي الجماعة أبو موسى عيسى بنُ عِمران (٥) بمَرّاكُشَ يومَ [...] (٦) لخمسٍ بقِينَ من شعبانِ ثمانٍ وسبعينَ وخمس مئة، فقُلِّد أبو جعفرٍ قضاءَ الجماعة ذلك اليوم (٧)، وقد كان استُقضيَ قبلَ بِجايةَ بفاس، وبعدَ موت أبي زكريّا بتونُسَ، فتقَلَّده واستقَرّ قاضيًا إلى أن توفِّي أبو يعقوبَ بن عبد المؤمن في العَشْرِ الأُخر من شهر ربيع الأوّل سنةَ ثمانينَ وخمس مئة، وصار الأمرُ بعدَه إلى ابنِه أبي يوسُفَ يعقوبَ المنصور، فأقرَّه على قضاء الجماعة، إلى أن تحرَّك معَه إلى إفريقيَّةَ الحركةَ الثانية المنسوبةَ إلى قَفْصة، وفَصَلَ عن مَرّاكُشَ إليها لثلاثٍ خَلَوْنَ من شوالِ اثنينِ وثمانينَ، ولمّا دَخَلَ المنصورُ القَيْروانَ وجال فيه معتبِرًا بآثارِه وعمِل

стр. 401

على الإراحةِ فيه اعتَلَّ القاضي أبو جعفر، وكان للمنصور غَرَضٌ في إنهاضِ أبي عبد الله بن عليّ بن مَرْوانَ، المذكورِ بعدُ في موضعِه من هذا الكتاب إن شاء الله (١)، وإسنادِ (٢) قضاء الجماعة إليه تَسَبُّبٌ لذلك بمرض أبي جعفر، وقَدمَ أبا عبد الله مكانه (٣) وأقلَعَ من القَيْروان إلى تونُس فاستقَرَّ بها أبو جعفر، وفَصَلَ المنصورُ إلى حضرةِ (٤) مَرّاكُش، ثمَّ أبَلَّ أبو جعفرٍ وخاطَبَ المنصورَ يستأذِنُه في القدوم على مَرّاكُش، فكتَبَ له بالتقديم على قضاءِ بِجاية فتولّاه بُرهةً ثم أخّر عنه، وتوجَّه إلى الأندَلُس للقاء المنصورِ بها فاستقَرَّ بإشبيلِيَةَ يُسمِعُ الحديث ويؤخَذُ عنه ضروبُ ما كان عندَه من العلوم. وما ذكَرَه أبو الخَطّاب بن الجُميّل من أنّ أبا جعفرٍ كان المستعفيَ من القضاءِ معتِذراً بكَبر السنّ والضَّعف عن الوفاء بما يجبُ من القيام بالأحكام، وأن المنصورَ أسعَفَه في ذلك وأعفاه مُكرَّمًا مبروراً، فقولٌ لم يَنْبَنِ على تحقيق، وكذلك ما ذكَرَه الأستاذُ أبو محمد طَلْحةُ، من أنّ أبا القاسم بنَ بَقِي وَليَ خُطّةَ قضاءِ الجماعة لمّا [أسَنَّ أبو جعفر ابنُ مَضَاء، [غيرُ] (٥) صحيح أيضًا، وإنّما وَلِيَ أبو القاسم قضاءَ الجماعة لمّا] (٦) صُرِف عنه أبو عبد الله بنُ مَروانَ بإشبيلِيةَ لسببٍ سيُذكَرُ في اسم ابن مَروان إن شاء [اللهُ] تعالى.

стр. 402

ولمّا قَدِمَ أبو جعفرٍ الأندَلُس تفَرَّغ لإفادةِ العلم صابرًا محتسِبًا ممكِّنًا طلّابَه منه إلى أن توفِّي عَفَا اللهُ عنه بإشبيلِيةَ قُبَيْلَ صلاة العصرِ من يوم الخميس لثمانٍ بَقِينَ من جُمادى الأ [ولى] (١) سنةَ ثنتينِ وتسعينَ وخمس مئة، وصُلِّي عليه بجامع إشبيلِيَةَ عقِبَ صلاة الجمُعة من اليوم الثاني ليوم وفاتِه، ودُفِن إثْرَ الصلاة عليه بمقابرِ السادة خارجَ بابِ جَهْوَر أحدِ أبواب إشبيليَة، ومَوْلدُه بقُرطُبةَ ليلةَ عيدِ الفِطر من سنة إحدى عشْرةَ، وقيل: ثلاثَ عشْرةَ وخمس مئة، وهو أصحّ. قرأتُ على شيخِنا أبي الحَسَنُ الرُّعَيْنيِّ ﵀، ونُقلتُه من خطِّه: قال لي صاحبُنا المقرئُ أبو القاسم: أنشَدَني أبو القاسم ابنُ بَقِيّ وأبو بكر بن غالبٍ، قالا: أنشَدَنا أبو العبّاس ابن مَضاءٍ لنفسِه وقدِ اشتاقَ إلى قُرْطُبةَ وطنِه وهو ببلادِ العُدْوة [البسيط]: يا لَيْتَ شِعريْ وليتٌ غيرُ نافعةٍ ... من الصَّبابة هلْ في العُمْر تنفيسُ؟ متى أرى ناظرًا في جَفْن قُرْطُبةٍ ... وقد تغيّبَ عن عَيْنيَّ نَفِّيسُ؟ (٢) وقد أنبأني بهذينِ البيتينِ إجازةً إن لم يكنْ سَماعًا شيخُنا أبو القاسم البَلَويُّ عن قائِلهما (٣). ٢٩٢ - أحمدُ (٤) بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن الصَّقْرِ الأنصاريّ الخَزْرَجيّ، أبو العبّاس. أصلُه من الثَّغْر الأعلى من سَرَقُسْطَة حيثُ منازلُ الأنصار هنالك، وانتقلَ جَدّ أبيه عبد الرّحمن بابنِه محمد صغيرًا منها لحدوثِ بعض الفِتَن بها إلى بَلَنْسِيَة،

стр. 403

فوُلِدَ له بها ابنُه عبدُ الرّحمن (١) أبو أبي العبّاس هذا، ثم انتقلَ به أبوه إلى المَرِيّة فوُلِد بها (٢) أبو العبّاس، ونقَلَه أبوه منها إلى سَبْتةَ ابنَ نحوِ سبعةِ أعوام وأقام فيها به مُدَيْدة، ثُم (٣) تحوَّلَ إلى مدينة فاس فاستقَرَّ بها، ثُم استَوْطن أبو العبّاس مَرّاكُش بعدَ رحلتِه إلى الأندَلُس كما سيُذكَر بحَوْل الله تعالى. تَلا برواية وَرشِ أبي سعيد -ويقال: أبو عَمْرٍو وأبو القاسم- عثمانُ بن سَعيد المِصْريُّ عن أبي عبد الرحمن -ويقال: أبو رُؤَيْم، وأبو الحَسَنُ، وأبو عبد الله- نافعِ بن عبد الرحمن بن أبي نُعَيْم مَوْلى جَعْوَنة (٤) بن شَعُوب اللَّيْثيّ حَليفِ حمزةَ بن عبد المطَّلب، ويقال: حليفُ العبّاس بن عبد المطَّلب، ويقال: حليفُ بني هاشم، تَلا بها على أبيه وأكثَرَ عنه وأجازَ له، وبها أيضًا على أبي عبد الله بن حُسَين الطُّلَيْطُلي المُقْرئ، قال: وهو أوّلُ من قرأتُ عليه، وبقراءةِ نافع على أبي عليٍّ الحَسَنُ بن عبد الله المَرَوي (٥) وأبي عبد الله بن عبد الله، وبقراءةِ أبي عَمْرٍو على أبي عبد الله بن أحمد، وبالسَّبع على أبي العبّاس بن فِيرُّه بن مُفَضَّل اليَحصُبيّ وأبي القاسم عثمانَ بن إدريس، وأخَذَ عنه جُملةً صالحةً من مصنَّفاتِ أبي عَمْرٍو الدّانِي، وتَلا على أبي العبّاس بن عبد الله بن الغِربال ولم يعيِّنْ مَتْلوَّه، وكلُّهم بعدَ المَرَويِّ طُلَيطُليّ. رَوى عن أبي إسحاقَ بن أبي الفَضْل بن صَواب، وأبي بَحرٍ سُفيان بن العاص، وآباءِ بكر: عبد الله بن طَلْحةَ اليابُريِّ، وغالب بن عَطِيّة، وابن أغلَبَ وأكثَرَ عنه، وابن العَرَبي، ويحيى بن عبد الله التُّجِيبي، وأبوَيْ جعفر: ابن الباذِش وتدبَّجَ معَه، ومحمد بن حَكَم بن باقٍ وأكثَرَ عنه، وأبوَي الحَجّاج: ابن عبد العزيز

стр. 404

ابن عُدَيْس وابن موسى الكفيف، وأبوَي الحَسَنُ: عبد العزيز بن شَفِيع، وحضَرَ إقراءه القرآن وسمع عليه جُملةً، وعَبّادِ بن سِرحانَ وأكثَرَ عنه، وابن محمد بن دُرِّي وحضَرَ عنده، وأبوَي الرَّبيع: ابن سَبعْ وابن عبد الله بن البيغي، وآباءِ عبد الله: ابن أحمدَ بن وَضّاح وابن حَسُّون، وبَني أعبُدِ الرّحمن: ابن المحتسِب وابن مَعْمَر النُّمَيْري وأجاز هو له وابن عبد العزيز اليَعْمُريِّ وابن عُمرَ الزُّبَيْدي وابن عيسى التَّمِيميِّ وابن يحيى الأزْدي وأكثَرَ عنه، وأبي (١) عامر أحمد بن الفَرَج، وأبي عُمرَ مَيْمونِ بن ياسين اللَّمْتُونيِّ، وأبي عِمرانَ بن أبي الرَّبيع القشوبريِّ (٢)، وأبي الفَضل عِياض ولازَمَه، وأبوَي القاسم الخَلَفَيْن: ابن بَشْكُوال وابن يوسُف ابن الأبْرش، وآباءِ محمد: ابن أحمدَ الوَحِيدي بمالَقةَ وابن عليٍّ سِبط أبي عُمرَ بن عبد البَرِّ بأغْمات وريكة وعبدِ الحقِّ بن عَطِيّةَ بغَرناطة وعبد المَجِيد بن عَبْدونَ بمَرّاكُش، أخَذَ عنهم قراءةً وسَماعًا، وجالَسَ أبا عبد الله بنَ أبي الرّبيع البُونتِي كثيرًا وأجازوا له، وسَمع أبا عبد الله بن أحمدَ الجَيّانيَّ البغداديَّ وناوَلَه، ومالكَ بن وُهَيبْ ولازَمَه بمَرّاكُش، وأبا القاسم محمّدَ بن هشام بن أبي جَمْرةَ واختَصّ به، ولم يَذكُرْ أنّهم أجازوا له، ولقِيَ أبا الأصبَغ عبدَ العزيز بن عيسى بن عُبادةَ الجَيّانيَّ، وأبا الحَسَنُ بنَ محمد بن كُرز (٣) قديمًا وحضَرَ مجلسَه، وأبا عبد الله بنَ داود العَكِّي، وأبا علي منصورَ بن الخَيْر، وأبوَيْ حمد: جابرَ بن المعتمِد بن عَبّاد وابنَ محمد النَّفْزِيَّ المُرْسِيَّ وناوَلَه، وأبا الوليد هشامَ بن أحمد بن بَقْوِي، وأجازوا له، وأجاز له أبو الحَسَنُ ابنُ الباذِش ولم يَذكُر لُقْياهُ إياه.

стр. 405

وله شيوخٌ غيرُ هؤلاءِ لا أتحقَّقُ الآنَ كيفيّةَ تحمُّلِه عنهم، منهم: أبو عبد الله ابنُ الرُّيُوطي، وأبو العبّاس بن عثمانَ بن مكحول. رَوى عنه ابنُه أبو عبد الله، وأبو خالدٍ يَزيدُ بن رِفاعةَ، وأبو محمد بن محمّد بن عليِّ بن وَهْب القُضاعيُّ. وكان محدِّثًا مُكْثِرًا ثقةً ضابطًا مُقرئًا مجوّدًا حافظًا للفقه ذاكِرًا لمسائلِه عارفًا بأصولِه، متقدّمًا في علم الكلام، عاقدًا للشّروطِ بصيرًا بعلَلِها حاذقًا بالأحكام، كاتبًا بليغًا، شاعرًا محُسِنًا، ألقَ أهلِ عصرِه خطًّا وأجملَهم فيه منزِعًا، وكتَبَ من دواوين العلم ودفاترِه ما لا يُحصىَ كثْرةً وجَوْدةً وضبطًا (١). وعُني به أبوه في صِغَره فأسمَعَه كثيرًا من الشيوخ وشارَكَه في بعضِهم، منهم: أبو بحر، وآباءُ بكر: ابنُ طلحةَ وابنُ العَرَبي وابنُ عَطِيّة، وأبو الحَجّاج بن عُدَيْس، وأبو الحَسَنُ بن شَفِيع، وأبو الرَّبيع ابن البيغي، وآباءُ عبد الله: ابن المحتسِب وابن عَمْرو وابن عيسى وابن يحيى، وأبو العبّاس بن مكحول، وأبو محمدٍ سِبطُ ابن عبد البَرّ وأبو الوليد بن بَقْوِي المذكورون. عُنيَ هو بنفسِه واشتَدَّ كلَفُه بالعلم وحِرصُه عليه وتواضَعَ في التماسِه شَغَفًا به، فأخَذَه عن الكبير والصغير والنَّظير من كلِّ من قَدَّر عندَه فائدة، واستَكثَرَ من ذلك حتى اتّسعت روايتُه وجَلَّتْ معارفه. وكتَبَ عن القاضي أبي عبد الله بن حَسُّونَ ابنِ البَزّاز أيامَ استقضائه المرّة (٢) الأولى بمَرّاكُشَ سنةَ سبع وعشرينَ إلى أنْ صُرف، ولمّا خَبِرَه أبو القاسم بن أبي جَمْرة المذكورُ وتعَرَّفَ ما عندَه من العَفاف والتصاوُن والإدراكِ حظِيَ لديه وقَبَضَ عليه بكلتا يدَيْه واستَصحبَه، إذ وَليَ قضاءَ غَرناطة، فانتقلَ إليها بجُملتِه ونَوَّه به أبو القاسم كثيرًا واستَخْلَصَه، وكانت له فيه آمالٌ حالَ الموتُ بينَه وبينَ توفِيتها

стр. 406

إيّاه. ولمّا توفِّي أبو القاسم هذا واستُقضيَ بغَرناطةَ أبو الفضل عِياضٌ اشتَملَ عليه واستَكْتبَه وآثَرَه لصُحبة قديمة كانت بينَهما ومَواتَّ متأكِّدةِ وقراءتِه عليه قبلُ، إلى أن صُرف عنها سنةَ أربع وثلاثينَ بأبي عبد الله بن علي الأزْديِّ الجَيّانيِّ بن الحاجّ الأفطَس، فقَدَّمه إلى الأحكام والصلاة بوادي آشَ فأقام بها إلى أن توفِّي أبو عبد الله سنةَ ستٍّ وثلاثينَ فعاد إلى غَرْناطة. وذكَرَ ابنُ الزُّبير أنه استُقضيَ بغَرناطة فحُمِدت سيرتُه وشُكِر عَدْلُه وشُهِرت نزاهتُه، ودام بها حتى ظُنَّ من أهلِها. قال المصنِّفُ عَفا اللهُ عنه: تولّيهِ القضاءَ مستبِدّاً طويلًا لا أعرِفُه، إنّما كان مدّةً يسيرةً كما سأذكُرُه إن شاء الله، ولعلّه كان بحكم النّيابة أحيانًا عن مُستكتِبيه من القُضاة أو بعدَهم، فإنّ مُعظَمَ أخبارِه لخّصتُها من رَسْمِه في كتاب: "أنوارِ الأفكار فيمَن حلَّ جزيرةَ الأندَلُس من الزُّهّادِ والأبرار"، وهو كتاب ابتدَأَ تأليفَه أبو العباس هذا وتوفِّي دون إتمام غَرَضِه منه، فكمَّلَه وهذَّبَه ونقَّحَه ورتَّبه أبو عبد الله ابنُه (١)، ومعَ ذلك فلم يَذكُرْ فيه استنابتَه في القضاء بغَرناطةَ أصلًا، وإنّما ذكَرَ استقضاءه بها مدّةً لا تُشعِرُ بطُول. ولو كان الأمرانِ أو أحدُهما لَمّا أغفَلَه (٢)، واللهُ أعلم. ولأوّلِ وصُولِه إلى مَرّاكُشَ عَرَفَه أحدُ سُراةِ لَمْتُونةَ وتحقَّقَ ما عندَه من الانقباضِ وحُسن الهَدْي، وكان ذلك اللَّمْتُونيُّ حينَئذٍ عاملَ دكالة فرغِبَ منه أن ينقطعَ إلى صُحبتِه ويَخرُجَ معَه إلى عِمالتِه ذلك العامَ، وضمِنَ له أن يُعطيَه ألفَ دينارٍ ذهبًا مُرابِطيّة، فامتَنعَ من ذلك وقال: والله لو أعطيتَني مِلءَ الدّنيا على أن أخرُجَ عن طريقتي وأفارقَ دَيْدَني من خِدمة أهل العلم ومُداخَلة الفقهاءِ والانخراطِ في سِلكِهم ما رَضِيت، فعجِبَ اللَّمْتُونيُّ من عُلوّ همّتِه ورغِبَ في

стр. 407

صُحبتِه على ما أرادَه، وكان من أماثلِ أهل طبقتِه وأعيانِ قومِه وكبارِ رؤسائهم، فصَحِبَه على الطريقةِ المحمودة والسبيل المشكور إلى أن فرّقَ الموتُ بينَهما، ووافَقَ ذلك عَوْدَ أبي عبد الله بن حَسُّون إلى قضاءِ مَرّاكُشَ ثانيةً فاستدعاهُ إلى الكتابة عنه لثقتِه به ولما تحقَّقه قبلُ من حالِه، فقدِمَ عليه واستعمَلَه إلى أن صُرِف. واستقَرَّ أبو العبّاس بمَرّاكُشَ متولِّيَ أحكامِها والصلاة بمسجدِها إلى أنِ اختَلَّت أحوالُ اللَّمْتُونيِّين وآذنَتْ أيامُهم بالإدبار ودولتُهم بالانقراض فاستعفَى عن الأحكام فأُعفِي ورُغِّبَ في التزام خُطّةِ القضاءِ فامتَنعَ وبقِيَ على الإمامةٍ بالجامع (١) إلى أن تغلّب عبدُ المؤمن وحِزبُه على مَرّاكُش يومَ السبت لاثنتَيْ عشْرة ليلةً بقِيَتْ من شوّالِ أحدٍ وأربعينَ وخمس مئة على الوجهِ المشهور (٢)، واستُبيحت دماءُ كلِّ من اشتَمَلت عليه من الذكورِ البالغينَ إلا من تستَّر بالاختفاءِ في سِرب أو غرفةٍ أو مخبَإٍ، وتمادَى القتلُ فيهم ثلاثةَ أيام، ثم نوديَ في سِكَكِها بالعَفْو عمّن أسأَرَتْه تلك الفَتْكةُ الشَّنعاء والبَطْشةُ الكبرى، فظَهَرَ منهم عددٌ ليس بالكثير يقال: إنّهم نحوُ سبعينَ رجلًا وبِيعوا بيعَ الأُسارى المشركين هم ونساؤهم وذَرارِيهِم وعُفِي عن بعضِهم، فكان أبو العبّاس هذا ممن شمِلَه احترامُ أبي محمدٍ عبد المؤمن وعَرَفَ جلالتَه وفَضْلَ علمِه فألحَقَه بجُملةِ طلَبةِ العلم الملازِمينَ حضورَ مجلسِه وبالَغَ من الإحسان إليه والتحفِّي به وقَدَّمَه إلى الأحكام لحضرتِه مَرّاكُش فأقام بها مُدةً، ثم وَلّاه قضاءَ غَرناطة ثمَّ صَرَفَه عنها إلى قضاءِ إشبيلِيَةَ صُحبةَ ابنِه وليِّ عهدِه أبي يعقوب. ولمّا صار الأمرُ إلى أبي يعقوبَ ألزَمَه خُطّةَ (٣) الخِزانة العالية، وكانت عندَهم من الخُططِ الجليلة التي لا يُعيَّنُ لتوليها إلا عِلْيةُ أهل العلم وأكابرُهم،

стр. 408

وكانت مواهبُ عبد المؤمن له جزيلةً وأُعْطِياتُه مترادِفة وصِلاتُه متَوالية، وربّما وصَلَه في المرّةِ الواحدة بخمس مئة دينارٍ ونحوها، فلا يَبِيتُ عندَه منها شيءٌ ولا يقتَني منها درهماً ولا يدَّخرُ منه قليلًا ولا كثيراً لِما نشَأَ عليه وألِفَه واعتاده مدّةَ حياةِ أبيه من الزُّهد في الدنيا والتخَلِّي عنها، إنّما كان يَصرِفُ ما يصيرُ إليه منه في المحاويج من مَعارفِه وأهلِه والضُّعفاءِ والمساكينِ من غيرِهم. واستمَرَّ له هذا الحالُ معَ ابنِه أبي يعقوبَ الوالي بعدَه لِما تقَرَّر لديه من سَدادِ أحوالِه وتبيَّنَ عندَه من استقامةِ أمورِه، لم تختلفْ له حالٌ ولا تبدَّلتْ له سيرة، ولا اكتَسَبَ قطُّ شيئًا من عَرَض الدنيا ولا وَضَع مَدَرةً على أُخرى مقتنِعًا باليسير راضيًا بالدُّون من العَيْش، معَ الهمّة العَلِية والنفْس الأبِيّة، على هذا قَطَعَ عُمُرَه، وهذا كان دأْبَه إلى أن فارق الدنيا. ولم تكنْ همّتُه مصروفة إلا إلى العِلم وأسبابِه، فاقتنَى من الكتُبِ جُملةً وافرةً سوى ما نَسَخَ بخطِّه الرائق كما تقَدَّم، وامتُحِنَ فيها مرّاتٍ بضُروبٍ من الجَوائح كالغَرَق والنَّهْب بغَرْناطة، فقد كان استَصحَبَ إليها من مَرّاكُش خمسةَ أحمال، ولمّا فَصَلَ عنها ترَكَها معَ ما صار له منها مدّةَ مقامِه بها، فأتَى عليه النَّهْبُ في الكائنة على أهل غَرناطةَ عند قيامِهم على لَمْتُونةَ وتحصُّنِ لَمْتُونةَ بقَصَبتِها وما دارَ بينَهم من القتال إلى أن تغَلَّب أهلُ القَصَبة على أهلِ البلد وتمكَّنوا من البلد تمكُّنَ عَنْوة، واستَباحوهُ استباحةَ قَهْر، وفرّ معظمُ الناس عن منازلهِم، فكان ممّن فَرَّ عن منزلِه عِيالُ أبي العبّاس هذا وبعض ولَدِه الذين ترَكَهم بها حين توجَّه إلى مَرّاكُش، فنُهِبَ ما كان بدارِه من كتُب وغيرِها، وكذلك طرَأَ له بمَرّاكُشَ حين دخَلَها عبدُ المؤمن وطائفتُه، فقد كان جَمَعَ منها بمَرّاكُشَ عظيماً، وأُخبرَ أنه كان في حينِ حصارِ مَرّاكُش -والحالُ بها ضيِّقُ والسعرُ شديد- أنه كان يَخرُجُ بالدّرهم ليشتريَ به قُوتًا لنفسِه ولعيالِه، فربّما صادَفَ في طريقِه كتابًا بيدِ إنسان فيشتريهِ منه بذلك الدِّرهم وَيرجعُ دونَ قُوت، ويبقى هو وعِيالُه طاويًا إلى أن ييسِّرَ اللهُ في غيرِه.

стр. 409

وكان معَ تقدُّمِه وتبريزِه في المعارِف بَكيءَ اللِّسان قصيرَ باع الكلام لا يكادُ يؤلِّفُ بين كلمتَيْن لفَرْط حياءٍ كان قد غَلَبَ عليه حتى مَلَكَه، فإذا خَلا بنفسِه لإنشاءٍ أو تصنيف، أو فاوَضَ مَن عادتُه التبسُّطُ معَه والتأنُّسُ به، تفَجَّرت منه بُحورُ علم لا يُكدِّرُها الدِّلاء. وله تصانيفُ مفيدةٌ تدُلُّ على إدراكِه وجَوْدةِ تحصيلِه وإشرافِه على فنونٍ من المعارِف، كشَرْحِه "الشِّهاب" فإنه أبدَعَ فيه ما شاء. ومن شعرِه في الطريقة الزُّهديّة التي لا يَنفُذُ فيها من الشِّعر إلا من قَوِيَتْ عارضتُه وتوفَّرت مادّتُه وعُلِمت في الإجادةِ رُتبتُه: قولُه [الطويل]: إلهي لك المُلكُ العظيمُ حقيقةً ... وما للورى مهما منَعتَ نَقيرُ تجافَى بنو الدُّنيا مكاني فسَرَّني ... وما قَدْرُ مخلوق جَدَاهُ حقيرُ وقالوا: فقيرٌ، وهْو عندي جلالةٌ ... نعَمْ صَدَقوا إنّي إليكَ فقيرُ وقولُه [الكامل]: أَرْضِ العدوَّ بظاهرٍ مُتصنَّع ... إن كنتَ مَضْطَرًّا إلى إرضائهِ (١) كم مِن فتًى أَلقَى بثغرٍ (٢) باسمٍ ... وجَوانحي تنقَدُّ من بَغْضائهِ (٣) وقولُه في وَداع القبرِ المكرَّم قبرِ النبيِّ ﷺ [الكامل]: حسبُ المحبِّ من الحبيب سلامُ ... يُقْفَى به يومَ الوداع ذِمامُ رُحنا ورَوْعُ البَيْن يُخرِسُ نُطقَنا ... ومن الدُّموع إشارةٌ وكلامُ يا أرضَ يثربَ لا عَداكِ غَمامُ ... أنتِ المُنى لو تُسعِفُ الأيامُ للقلبِ في تلك العِراصِ عَرامةٌ (٤) ... مضمونُها كَلَفٌ بها وغرامُ

стр. 410

قبرٌ تضمَّنَ أعظُمًا تعظيمُها ... عنه يصحُّ الدِّينُ والإِسلامُ وَرَدَتْ بها نفسُ المَشُوقِ مَناهلًا ... كلُّ المناهلِ بعدَهنَّ حرامُ وشعرُه في هذه المَناحي كثير، وكلُّه سلِسُ المَقادة دالٌّ على جَوْدة الطّبع. وُلدَ بالمَرِيّة كما تقَدَّم في أحَدِ شهرَيْ ربيع سنةَ اثنتينِ وتسعينَ وأربع مئة، وتوفِّي بمَرّاكُشَ بين صَلاتي الظّهر والعصر من يوم الأحد لثمانٍ خَلَوْنَ من جُمادى الأُولى سنةَ تسع وستّينَ وخمس مئة، ودُفن يومَ الاثنينِ بعدَه عقِبَ صلاةِ الظهر، وصَلّى عليه القاضي أبو يوسُف حَجّاجُ بن يوسُف، وكانت جَنازتُه عظيمةَ الحَفْل كثيرةَ الجَمْع برَزَ لها الرِّجالُ والنساء ورَفَعوا نعْشَه على الأيدي ﵀، وبَلَغَ نبأُ وفاتِه جارَه وصديقَه أبا بكر بنَ طُفَيْلٍ وهُو بإشبيلِيَةَ صُحبةَ رِكابِ أبي يعقوبَ بن عبد المؤمن، فكتَبَ إلى ابنيه يُعزِّيهما به وبعَثَ معَ الكتاب (١) قصيدةً رثاهُ بها وهي [الوافر]: لأمرٍ ما تغيَّرتِ الدّهورُ ... وأظلمتِ الكواكبُ والبدورُ وطال على نجِيِّ الهمِّ ليلٌ ... كأنّ النَّجمَ فيه لا يَغورُ لِنبأةِ صارخ وطروقِ خطْبٍ ... تكادُ له الجوانحُ تستطيرُ مجُيري بل كبيري كان أوْدى ... وما يبقَى الصّغيرُ ولا الكبيرُ (٢) فبانَ لوَجْدِه أسَفٌ وحُزنٌ ... وبان لفَقْدِه كرَمٌ وخِيرُ وضَنَّ الدهرُ أن يأتيْ بمثلٍ ... لهُ والدهرُ وَلّادٌ حَصُورُ وأنّى للزّمانِ به سَماحٌ ... وأُمّ الدهرِ مِقلاةٌ نَزورُ أبا العبّاس جادَتْك الغَوادي ... ولاقَتْك الكرامةُ والحُبورُ لقد فقَدَ الأيامَى واليَتامى ... مكانَك والمحافلُ والصدورُ

стр. 411

وعُطّلتِ المدارسُ من مُفِيضٍ ... علومَ الوَحي ليس له نظيرُ تمثَّلَ قائلٌ فأجاد فيهِ ... وقد يتقَدَّمُ المعنى الأخيرُ: (لَعَمْرُك ما الرَّزِيّةُ فَقْدُ مالٍ ... ولا شاةُ تموتُ ولا بعيرُ ولكنَّ الرَّزيّةَ فقدُ قَرْمٍ ... يموتُ بموتِه بَشرٌ كثيرُ) حبيبٌ بانَ لا خبَرٌ يُوافي ... بفَيْئتِهِ ولا يَأتي بشيرُ إذا قَفَل الرِّفاقُ صدَدْتُ عنهمْ ... لعِلمي أنّه فُقِد الخَبيرُ وإنْ أهدَى السّلامَ أخو اشتياقٍ ... إلى العَرَصاتِ شاقَتْني القُبورُ فلا بَرحتْ قبورُ الغَربِ يُهدَى ... إليها الرَّيُّ والعَذْبُ النَّميرُ ولازَبَها معَ الرَّيْحانِ رَوْحٌ ... ورُحمَى ما تطاولتِ العُصورُ ولم يَتخلَّفْ ﵀ لا دينارًا ولا درهمًا، ولا عَبْدًا ولا أَمَةً، ولا عَقارًا ولا ثيابًا إلا أشياءَ (١) لا قَدْرَ لقيمتِها (٢)، لِما كان عليه من المواساةِ والصَّدَقة والإيثارِ نفَعَه الله. ٢٩٣ - أحمدُ بن عبد الرّحمن بن محمد بن عبد الحقِّ الخَزْرَجي (٣)، قُرْطُبيٌّ، أبو جعفر. تَلا على ابن عمِّه أبي القاسم عبد الرّحمن بن الحَسَنُ بن سَعيد، ورَوى عن أبي العبّاس بن (٤) المهدوي (٥)، وأبي عَمْرٍو عثمانَ بن سعيد ابن الصَّيْرَفي، لقِيَه

стр. 412

بالمَرِيّة، وأبي محمد مكِّي، تَلا عليه أبو الأصبَغ عيسى بن حَزْم بن اليَسَع، وأبو عبد الله بن فَرَج القَيْسي، وأبو عَمْروٍ زيادُ ابن الصّفّار، وأبو القاسم أحمدُ بن محمد ابن اللَّخْمي ابن نُصَيْر، وعبد الرّحمن بن قاسم، وأبو محمد بن عبد الغَفُور، كان من كبارِ المُقرِئينَ وجِلّة المُتْقنينَ للأداءِ المُجوِّدينَ، أقْرأَ القرآن بمسجدِ سَعْدون من قُرطُبةَ طويلًا. ٢٩٤ - أحمدُ (١) بن عبد الرّحمن بن محمد بن عبد الرّحمن اليَنّاقي (٢)، إشبيليٌّ، أبو عامِر، وهو أخو أبي القاسم محمد. رَوى عن شُرَيْح، رَوى عنه أبو إسحاقَ بن الأعلَم، وأبو الحُسَين سُليمان (٣) بن أحمد. ٢٩٥ - أحمدُ بن عبد الرّحمن بن محمد الجُمَحِي . رَوى عن شُرَيْح. ٢٩٦ - أحمدُ بن عبد الرّحمن بن موسى المُرادي، أبو العبّاس . حدَّث بالإجازةِ عن الحَسَنُ بن عبد الله (٤) بن عُمرَ المُقرئ المُجاوِر بمكّةَ شرَّفَها الله. ٢٩٧ - أحمدُ (٥) بن عبد الرّحمن بن وليد بن محمَد بن وليد بن وليد بن مَروانَ بن عبد الملِك بن أبي جَمْرةَ محمدِ بن مَروانَ بن خَطّاب بن عبد الجَبّار بن

стр. 413

خَطّاب بن مَروان بن نَذِير مَوْلى مَروان بن الحَكَم، مُرسِيٌّ، أبو جعفر، ابنُ أبي جَمْرة. له رحلةٌ إلى المشرِق سنةَ ست وعشرينَ وأربع مئة، رَوى فيها بمِصرَ عن نزيلِها أبي محمد بن الوليد. ٢٩٨ - أحمدُ بن عبد الرّحمن بن يَزيدَ بن خَلَف بن عليِّ بن محمد بن فَرقَد المَعافِريّ . كان من أهل العلم، حيًّا سنةَ ثلاثينَ وخمس مئة. ٢٩٩ - أحمدُ (١) بن عبد الرحمن اللَّخْميُّ، قُرْطُبيٌّ، أبو جعفر. رَوى عن أبي جعفر بن محمد بن يحيى، وأبي القاسم عبد الرحمن بن محمد الشَّرّاطِ وغيرهما. رَوى عنه أبو القاسم القاسمُ ابن الطَّيْلَسان، وقال: إنه كان ممّن له معرفةٌ تامّةٌ بجيِّد الكلام من زائِفه، قائلًا للنَّفيس منه نَظْمًا ونثرًا، كتبَ قديمًا عن بعض الملوك، ثم قَعَدَ عن الخِدمة والتزم عِمارةَ أرضٍ كانت له بخارج قاشترة (٢)، صَحِبَ فيها أهلَ البادية وانقطعَ عن أهل الحاضِرة إلى أن توفّي في العَشْر الأُوَل من شوّالٍ سنةَ ست (٣) عشْرة وست مئة فأوحَشَ أهلَ الآدابِ مكانُه، قال: وأنشَدَني لنفسِه في فَوّارر رُخام (٤)، قال المصنِّفُ عَفا اللهُ عنه: وهي لُزوميّة [المنسرح]: ما شغلَ الطَّرفَ مثلُ فائرةٍ ... تمُجُّ صِرفَ الحياةِ منْ فِيها

стр. 414

أشرِفْ بها والحَبابُ في جذَلٍ ... يُظهرُها حُسنُهُ ويُخفيها تكادُ من رِقّةٍ تَضمَّنُها ... تخطئها (١) العينُ إذْ توفِّيها كأنها درّةٌ منعمةٌ ... زهراءُ قد غاب نصفُها فيها ٣٠٠ - أحمد (٢) بن عبد الرحمن، شُقْرفيٌّ، أبو جعفر، ابنُ حاضِر. رَوى عن أبي بكر بن (٣) عِقال، وأبي جعفر بن (٤) طارق، وآباءِ الحَسَن: ابن محمد بن هُذَيْل وابن عبد الله بن النِّعمة وعُلَيْم، وأبي عبد الله بن يوسُفَ بن سَعادةَ، وأبي محمدٍ عاشِر. وكان بارعَ الأدبِ شاعرًا محُسِنًا، زاهدًا فاضلًا ذا عنايةٍ بالتصَوُّف وصنَّف فيه كتابًا حسَنًا سمّاه بـ "الاستيقاظ من سِنَة الغَفْلة، والاستنقاذ من جَهْل التسويفِ والمُهْلة" (٥). ٣٠١ - أحمدُ (٦) بن عبد الرّحمن، أبو العبَّاس، ابنُ الشّيخ. رَوى عن أبي القاسم عبد الرّحمن بن محمد بن حُبَيْش، وكان فقيهًا ذاكِرًا بَصيرًا بنوازِل الأحكام، واستُقضي. ٣٠٢ - أحمدُ بن عبد الرحمن، من أهل [...] (٧) الأقصى، أبو العبّاس. رَوى عن أبي عليٍّ الغَسّاني، وأبي نَصْر (٨) القَسْطَلي. رَوى عنه أبو عليٍّ حسَنُ بن أحمد ابن الزرقاله. وكان راوِيةً للحديثِ عَدْلًا فيما يرويه، فقيهًا حافظًا للمسائل.

стр. 415

٣٠٣ - أحمدُ (١) بن عبد الرحيم، قُرطُبيٌّ. كان حاسبًا فَرَضيًّا ماهرًا في الفنَّيْن، وصنَّف فيهما، وله رحلةٌ إلى المشرِق. ٣٠٤ - أحمدُ بن عبد الجليل بن سُليمان الغَسّاني . رَوى عن أبي عليٍّ الصَّدَفي. ٣٠٥ - أحمدُ (٢) بن عبد الجليل بن عبد الله، مَرَويٌّ، أبو العبّاس التُّدْمِيريُّ؛ إذْ كان أصله منها. رَوى عن أبي الحَجّاج بن يَبْقَى بن يَسْعُون، وأبوَيْ عبد الله: ابن أحمدَ بن موسى بن وَضّاح وابن عُمرَ بن سُليمانَ الأنصاري، وأبوَيْ محمد: ابن الزَّهِيري بفتح الزاي (٣) وكسر الهاء بعدَها ياءٌ مسفولة آخِرُه راءٌ منسوبًا، [وعبد الحقِّ بن عَظِيمةَ، وأبي الوليد بن يوسُفَ بن عبد العزيز ابن الرَّبّاع. وكان متقدِّمًا] (٤) في صَنْعةِ الإعراب ضابطًا للّغات حافظاً للآداب، ذا حظِّ من قَرض الشِّعر، سكَنَ بِجايةَ مدّة، وألّفَ فيها لمحمد بن عليِّ بن حَمْدون وزيرِ بني الناصِر الصُّنْهاجيَّينِ كتابًا سَمّاه: "نظمَ القُرطَيْن، وضمَّ أشعارِ السِّقطَيْن: كاملِ الثُّمالي ونوادرِ القالي" وقَفْتُ عليه بخطِّه، وكان جيِّدَ الخطّ. ومن تصانيفه: "التَّوطِئة" في النَّحو، و"شَرح الفصيح" وقَفْتُ عليه، وشَرَحَ أبياتَ "الجُمَل" بكتابٍ جمِّ الإفادة كثيرِ الإمتاع وسمّاه: "شفاءَ الصدور"، وفرَغَ من تأليفِه سنةَ ثمان وثلاثينَ وخمس مئة، ثُم اختَصَرَه في كتابٍ سمّاه: "المُختزَل"، وله كتابُ "الفوائدِ والفرائد"، وشَرَحَ

стр. 416

شواهدَ "نُزهةِ القلوب في غريبِ القرآن" لأبي بكرٍ محمد بن عُزَيْرٍ -بعَيْن غُفْل وزاي آخِرُه راء مصغرًا على لفظِ الواقع في سورة التوبة (١) - السَّجِسْتانيِّ، وسمّاه: "تسديدَ قواصدِ الميز، في شَرحِ شواهدِ ابن عُزَيْز" (٢)، وهذا تفقيرٌ مبنيّ على أن عُزَيْزاً بزايَيْن، وقد نَبَّه على ذلك في صَدْر هذا الكتاب، والصوابُ ما قدَّمناه، بيَّنه المُحَدِّث الحافظُ المُقيِّدُ المُفيد الضابطُ أبو بكر محمد بن عبد الغنيّ بن أبي بكر ابن شُجاع يُعرَفُ بابن نُقْطة البغداديُّ (٣)، وذكَرَه كذلك غيرُه وُيمكنُ تصحيفُ زاي الفقرةِ الأُولى الواقعة عندَه براءٍ عملًا على الصّحة في هذا الاسم فتأمَّلْه. ومن نَظْمِه: قولُه في استيلاءِ الجهل على أهل مصرِه [الطويل]: ألا ليْتَ شِعري هل أبيتَنَّ ليلة ... أُخاطبُ فيها صافيَ الذِّهْن ماجدا فيفهَمَ عنّي ما أقولُ فطالَما ... عَرفتُ من الأقوام أبلَهَ جامدا كفَى حزَناً أنّي مُقيمٌ بِبلْدةٍ ... أُعَدُّ بها شخصًا من النّاسِ واحدا ومنه قولُه في نحوه [البسيط]: قيل: اطُّرِحتَ، فقلتُ: القومُ في شُغُلٍ ... عنّي بأهوائهمْ والحقُّ مُطَّرَحُ للقوم شُربانِ من جَهْل ومن حُمُقٍ ... صِرفاً فمُغْتبِقٌ طَوْراً ومُصْطبِحُ واستأدبَهُ (٤) أبو محمد عبدُ المؤمن بن عليٍّ لبَنِيه بمَرّاكُش، وتوفِّي بفاسَ مَقْفَلَه من المَهْديّة، وحضورِ فَتْحِها سنةَ خمس وخمسينَ وخمس مئة.

стр. 417

٣٠٦ - أحمدُ (١) بن عبد الحقّ بن سِماكٍ العامِليُّ، غَزناطيّ، أبو جعفر. رَوى عن أبي القاسم السُّهَيْلي، وأبي محمد بن طاهِر الوَنجِي، حدَّثنا عنه شيخُنا أبو الحَسَنُ الرُّعَيْنيُّ. وكان قد جالَسَه كثيرًا بغَرْناطة، وكان شيخًا صالحاً من أهل العَفاف والدِّيانة والنّزاهة، فقيهًا عاقدًا للشّروط، قال: وحضَرتُ جَنازتَه، وعند تكفينِه أُخرِجَتْ بَطائقُ كثيرةٌ قَدْرَ ما يملأُ عِدْلَيْنِ وفي كلِّ بطاقة مكتوبًا (٢) البَسْملةُ والتّصليةُ بما كان يقطعهُ (٣) من العقودِ ويُمسِكُه، وعَهِدَ أن يُجعَلَ ذلك كلُه معَه في تابوتِ إقبارِه نفَعَه اللهُ بذلك. قال المصنِّفُ عَفا اللهُ عنه: هذا المقصدُ (٤) وإن كان ظاهرُه جميلًا فإنه يَقْبُحُ من قِبَلِ التعرض بهذه البطائق المشتملة على ما ذُكِر لِما يَستحيلُ إليه جسَدُ الميِّتُ (٥) من الصَّديد والتغيُّرات التي تُنزَهُ تلك الأذكارُ المبارَكةُ أنْ تُخْلَطَ بها، واللهُ أعلم. ٣٠٧ - أحمدُ (٦) بن عبد السّلام بن عبد الملك بن موسى الغافِقيُّ، إشبيليٌّ، أبو العبّاس، المَسِيلي. رَوى عن أبي الأصبَغ عبد العزيز بن عليِّ بن الحاج (٧)، وأبي الحَكَم عَمْرِو بن أحمد بن حَجّاج، وعبد الرحمن بن عبد الله الأنصاريِّ القَرَمُوني. ورَحَل إلى المشرِق فأدَّى فريضةَ الحجّ وأخَذ بالإسكندَريّة عن نزيلِها أبي سَعْد ويقال:

стр. 418

أبو عبد الله، محمد بن أبي السَّعادات [المروروذي الخراساني] (١)، وقَفَلَ إلى بلدِه. حدَّث عنه ببعضِ فوائدِه أبو بكر بنُ خَيْر وهو من أصحابِه. ٣٠٨ - أحمدُ (٢) بن عبد الصّمد بن أبي عَبِيدةَ، بفتح العَيْن الغُفْل وكسرِ الباء بواحدة بعدَها ياءُ مدّ، محمد بن أحمدَ بن عبد الرّحمن بن محمد بن عبد الحقّ الأنصاريُّ الخَزْرَجيُّ السّاعِدِيُّ، يُنسَبُ إلى سَعْد بن عُبادةَ صاحبِ رسُول الله ﷺ ورضيَ عنه، قُرطبيٌّ، سكَنَ غَرناطةَ مدّةً وبِجايةَ أخرى ثم استَوطَن مدينةَ فاس، أبو جعفر. رَوى عن أبي بكر بن عبد الله ابن العَرَبي، وأبي جعفر بن عبد الرحمن البِطْرَوجيِّ، وأبوَي الحَسَنُ: شُرَيْح وعبد الرحيم الحِجاريّ، وأبي الحُسَين سُليمان بن محمد ابن الطَّراوة، وأبوَيْ عبد الله: جعفرٍ حَفيدِ مكِّيّ وابن مَسْعود ابن أبي الخِصال، وأبي القاسم بن وَرْد، وغيرهم. وله برنامَجٌ في ذكْرِهم. رَوى عنه أبوا الحَسَنُ: ابنُ عَتِيق بن مؤمن لقِيَه ببجاية، وابنُ إبراهيمَ ابن القَفّاص (٣)، وأبو سُليمان وأبو محمدٍ: ابنا حَوْطِ الله، وأبو عيسى محمدُ بن محمد بن أبي السَّداد، وأبو القاسم أحمدُ بن يزيدَ بن بَقِيّ. وكان في شَبِيبتِه معروفًا بالذّكاء والنُّبل، مشهورًا بالحفظِ للحديث ذاكرًا للتواريخ والقِصَص مُمتعَ المجالَسة متينَ الأدب، وتعلَّق بالرِّياسة فنالَ حُظْوةً وجاهًا، وكُفَّ بصَرُه نفَعَه اللهُ ولم ينقِص من حِفظِه وذكائه شيئًا، وكان له مملوكٌ من أبناءِ الرُّوم قد عَلّمَه الكتابةَ فكان يكتُبُ عنه كلَّ ما يؤلِّف أو يَصدُرُ عنه من

стр. 419

نَظْم أو نثر. ونُكِبَ نَكَباتٍ نفَعَه اللهُ وامتُحِن بالأسْر سنةَ أربعينَ وخمس مئة وحُمِلَ إلى طُلَيْطُلةَ وبها ألّف كتابَه المسَمَّى بـ "مَقامعِ هاماتِ الصُّلْبان ورواتعِ (١) رِياض الإيمان" يرُدُّ به على بعض القِسِّيسِينَ بطُلَيْطُلة، وتَركَه في نُسَخ بأيدي جماعة من المسلمينَ المُبْتلَيْنَ بالأسْرِ هناك لمّا يَسَّر اللهُ في تخلّصِه، فانفصلَ عنها سنةَ اثنتينِ وأربعينَ وخمس مئة، وله تصانيفُ مفيدة ككتابِه "آفاقِ الشموس" في الأقضيةِ النَّبَوية، ومختصَرِه "إشراقِ الشُّموس"، و"نَفَس الصّباح" في غريبِ القرآن وناسخِه ومنسوخِه، و"حُسن المُرتفَق في بيان ما عليه المتّفَق فيما بعد الفجر وقبل الشّفَق"، و "قَصدِ السبيل في معرفةِ آيات الرسُول" ﷺ ، و "مقام المُدرِك في إفحام المشرِك"، وكلُّ ذلك من أحفلِ ما أُلِّف في معناه، إلى غير ذلك من الأجوِبة عن المسائل التي كانت ترِدُ عليه، وكان أبو القاسم بن بَقِيّ يُكثرُ الثناءَ عليه ويقولُ بفضلِه. ولمّا قَدِمَ مدينةَ فاسَ التزَم إسماعَ الحديث والتكلُّمَ على معانيه بجامع القَرَوّيينَ إحدى عُدوتَيْ فاس، واستمَرَّ على ذلك صابرًا محتسِبًا ونفَعَ اللهُ به خَلْقًا كثيرًا، وحضَر مجلسَه يومًا خَطَّابٌ رَئيسُ أهل المَعدِن فسمع كلامَه وأُعجِبَ به وسألَ عن مؤونتِه فأُخبِر أنها من تفقُّد الإخْوانِ وإحسانِهم فتقَدَّم إليه وتعرَّف له وسألَه تعيينَ ما يحتاجُ إليه عن نفَقةٍ في كلِّ سنة فقال له: ثلاث مئة دينارٍ وسِتُّونَ دينارًا، فدفعَ له خَطّابٌ ثمان مئة دينار وقال له: هذه جِرايةُ عامَيْنِ لك دون ما تحتاجُ إليه من كُسْوة ومُؤَنِ مواسم، ورَتَّب له هذه الجِرايةَ ولم يقطَعْها عنه مدّةً من تسعةِ أعوام، جزاهُ اللهُ أفضلَ جزاءِ المحسِنين إلى أن توفِّي أبو جعفرٍ بفاسَ عقِبَ ذي الحجّة من سنة ثِنتينِ وثمانينَ وخمس مئة، ومولدُه سنةَ تسعَ عشْرةَ وخمس مئة. ٣٠٩ - أحمدُ بن عبد العزيز بن إبراهيمَ الجُذَاميُّ . رَوى عن أبي محمد بن أبي جعفر.

стр. 420

٣١٠ - أحمدُ (١) بن عبد العزيز بن أبي الخَيْر بن عليِّ الأنصاريُّ، سَرَقُسْطيٌّ، سكَنَ قُرطُبة، أبو جعفر، المَوْرُوريُّ، أخو القاضي أبي عبد الله المَوْرُوريِّ. سَمع أبا الوليد سُليمان بن خَلَف الباجِي، واستجازَ له أبو عليّ الصَّدَفيُّ طائفةً من شيوخِه المَشْرِقيِّين تقَدَّم ذكْرُهم في رَسْم أبي [جعفرٍ أحمدَ] (٢) بن عبد الرحمن بن بالِغ، وأبا المَعالي ثابت [ابن بندار] (٣)، وأبا طاهِر [بن سِوار] (٤). رَوى عنه أبو القاسم ابنُ بَشْكُوال في معجَم شيوخِه. توفِّي سنة تسعَ عشْرةَ وخمس مئة بعدَ أخيه بعام. ٣١١ - أحمدُ بن عبد العزيز بن أَيُّوب . رَوى عن شُرَيْح. ٣١٢ - أحمدُ بن عبد العزيز بن حارِث الأَصبَحِيُّ، أظُنُّه بَلَنْسِيًّا . كان من أهل العلم جيِّدَ الخَطّ، حيًّا سنة ستٍّ وعشرينَ وخمس مئة. ٣١٣ - أحمدُ بن عبد العزيز بن الحَسَنُ الحَضْرميُّ . رَوى عن أبي محمد بن عَتّاب، وأجاز له أبو الحَسَنُ أحمدُ بن أحمد بن القَصِير. ٣١٤ - أحمدُ (٥) بن عبد الصّمد بن وَهْبُونَ اللَّخْميُّ، إشبيليٌّ. كان عاقدًا للشّروط مُبرِّزًا في العَدالة، حيًّا سنةَ تسع وأربعينَ وخمس مئة. ٣١٥ - أحمدُ بن عبد العزيز بن خالِص التُّجيبيُّ، أبو العبّاس . رَوى عن أبي عليٍّ الصَّدَفي (٦).

стр. 421

٣١٦ - أحمدُ بن عبد العزيز بن خَلَف الأنصاريُّ، بَلَنْسِيٌّ، أبو العبّاس، ابنُ أبي طَوْريْنَهْ، بطاءٍ مهمَلة مفتوحة وواوٍ ساكنة وراءٍ مكسورة وياءِ مَدّ ونونٍ مفتوحة وهاءِ سَكْت . رَوى عن أبي بكر ابن العَرَبي، وأبي الحَسَنُ بن إبراهيم بن مَعْدان، وأبي عليِّ منصور بن الخَيْر، وأبي عُمرَ مَيْمون بن ياسين، وأبي عِمرانَ بن عبد الرحمن بن أبي تَلِيد، ولقِيَه بمَرّاكُش. رَوى عنه أبو الحَسَنُ بن موسى بن النَّقِرات. وكان محدِّثًا مُكثِراً عَدلاً ثقةً فيما يَرويه. ٣١٧ - أحمدُ بن عبد العزيز بن عبد الرّحمن الأَلهْانيّ، شَرْقيٌّ، أبو العبّاس . رَوى عن أبي الحَسَنُ شُرَيْح. ٣١٨ - أحمدُ (١) بن عبد العزيز بن عبد الوَليّ، أبو جعفر. رَوى عن أبي الحُسَين سِراج بن عبد الملِك، وأبي علي الصَّدَفي، رَوى عنه بالإجازةِ عبدُ الملِك بن زكريّا بن حَسّانَ الأنصاريُّ الخَزْرَجيُّ المَهْدَويُّ سنةَ خمسَ عشْرةَ وخمس مئة. ٣١٩ - أحمدُ بن عبد العزيز بن عَبْدون، أبو العبّاس . رَوى عن أبي الحَسَن شُرَيْح. ٣٢٠ - أحمدُ بن أبي بكرٍ عبد العزيز بن عُذْرةَ . له إجازةٌ من أبي مَروان بن عبد العزيز الباجِيِّ سنة عشرينَ وخمس مئة. ٣٢١ - أحمدُ (٢) بن عبد العزيز بن الفُضَيْل بن الخَلِيع الأنصاريُّ، شرُيُّونيٌّ، سَكَنَ بَلَنْسِيَة، أبو العبّاس القَبِسّي بفتح القافِ وكسر الباءِ بواحدة وسين غُفْل مشدَّد.

стр. 422

أخَذَ العربيّةَ والآدابَ عن جارِه بشرُيُّونَ أبي عبد الله بن خَلَصةَ، وأبي محمد بن السِّيْد البَطَلْيَوْسي، وتجوَّل في بلاد الأندَلُس والعُدوة، وكان متحقِّقاً بالعربيّة بارعاً في الأدب، شاعراً محُسِناً، أنيقَ الوِراقة بديعَها، معروفًا بالإتقانِ والضَّبط يُتنافَسُ فيما يوجَدُ بخطِّه من دواوينِ العلم، وكان مضعِّفاً. مولدُه بشرُيُّونَ في سنة خمس مئة، وقُتلَ صَبْراً لإشبيلِيةَ سنةَ اثنتينِ وسبعينَ وخمس مئة. ٣٢٢ - أحمدُ بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيمَ المُحارِبيُّ، غَزناطيٌّ، أبو العبّاس . رَوى عن أبي إسحاقَ بن مَروان بن حُبَيْش، وأبي الحَسَنُ شُرَيْح. ٣٢٣ - أحمدُ بن عبد العزيز بن محمد بن سِجْزِي الحَجَري، قُرطُبيٌّ . رَوى عن أبي بَحر. ٣٢٤ - أحمدُ بن عبد العزيز بن محمد بن سَعْدونَ، بَلَنْسِيٌّ . كان طبيبًا ماهراً، حيّاً في حدودِ التسعين وخمس مئة. ٣٢٥ - أحمدُ (١) بن عبد العزيز بن محمد الأزْديّ، شَقُوريٌّ، نشأ بمُرسيَةَ واستَوطنَها، أبو العبّاس ابنُ الأصفَر. سمع من أبي الحَسَنُ بن محمد بن هُذَيْل، وأبي عليٍّ الصَّدَفي (٢)، وأبي محمد عاشِرِ وأكثَرَ عنه واختَصَّ به وكتَبَ بين يدَيْه. رَوى عنه أبو عبد الله بنُ محمد بن موسى بن تَحيا. وكان من أهل الذّكاء والفَهْم موصُوفاً بالتيقُّظ والدّهاء، واتّصل بأبي العبّاس ابن الحَلال قاضي القُضاة في إمارةِ أبي [عبد الله محمد بن سَعْد] (٣) الجُذاميِّ فتقَدَّم في أشياعِه وخاصّتِه،

стр. 423

وقدَّمَه إلى الشورى بمرسِيَةَ، وأنهَضَه إلى قضاءِ شاطِبة ثم أضاف إليه قضاءَ أُورُيولةَ، فكان يتَولّاها إلى أن نُكِبَ معَ ابن الحَلال واعتُقلَ شهوراً ثم سُرِّح، ودرَّس الفقهَ على الطريقة القُرطُبيّة. وكان فقيهًا حافظاً للمسائل دَرِياً بالفتوى في النّوازل، وأعيد إلى رُتبة الشُّورى بأُورِيُولة ثم إلى قضائها، وزيد خُطّةَ المَواريث فتوَلّى ذلك مُضْطَلِعًا به محمودَ السّيرة فيه إلى أن توفِّي في محرّمِ أربع وستينَ وخمس مئة. ٣٢٦ - أحمدُ بن عبد العزيز بن مَيْمونٍ المَخْزوميُّ، شُقْري، أبو جعفر . تقَدَّم التنبيهُ عليه في رَسْم أحمدَ بن أبي الحَسَنُ بن مَيْمون فراجِعْه (١). ٣٢٧ - أحمدُ (٢) بن عبد العزيز بن هشام بن أحمد بن خَلَف بن غَزْوانَ الفِهْريُّ، من أهل شَنْت مَرِيّةِ الغَرب، يابُرِيُّ الأصل، أبو العبّاس. رَوى عن آباء الحَسَنُ: شُرَيْح وابن أحمد بن كُرز وابن خَلَف بن سَلْمان وابن عبد الرحمن بنَ أبي الدُّوْش، وأبي حَفْص (٣) ابن اليتيم، وأبي عبد الله بن سُليمانَ ابن أُخت غانم، وأبي العبّاس بن حامد، وأبوَيْ عليّ: الغَسّاني ومنصور بن الخَيْر، وأبي القاسم خَلَف بن يوسُفَ بن الأبْرَش، وأبي محمد شُعَيْب بن عيسى، ويونُسَ بن يونُس. رَوى عنه عبدُ العزيز ابنُه، وابنُ الحَسَنُ بن حارِث، وأبو عليّ حَسَنُ [ابن أحمد بن مفرج] (٤) ابن الزَّرقالة، وسالمُ بن عبد الله بن عبد العزيز، وأبو زيدٍ شُعَيْب بن إسماعيلَ، وأبو محمد عبدُ [الله بن أحمد] (٥) ابن عَلُّوش، وقاسمُ بن عبد الرحمن بن أبي حنينة، والمحمَّدونَ: ابن أحمدَ بن عبد القادر وابن إبراهيمَ بن

стр. 424

شُعَيْب وابن عبد الغَفُور وابن عليِّ بن ثابت، واليوسُفانِ: ابنُ عبد الله بن عبد الملِك وابن محمد بن يوسُف. وكان من جِلّة المُقرِئينَ المجودين وكبارِ أساتيذِ النّحْويِّين، بارعَ الخطّ، متقدِّمًا في العَروض، نافذًا في فكِّ المعَمَّى، شاعرًا محُسِنًا، كاتبًا بليغًا، وتصَدَّر للإقراءِ ببلده. وله أراجيزُ مُزْدوجةٌ كثيرةٌ منها -في القراءاتِ السبع-: مجموعةُ العَروس، وحاسمةُ الدَّعاوي. ومُفرَداتٌ: لكل إمام من السبعة أرجوزةٌ تخُصُّ قراءتَه، وفي خطِّ المصحف، وفي غريب القرآن، وفي ألِفاتِه، وفي مُشكِل نظائرِه، ومنها -في النَّحو- أرجوزةٌ سمّاها: "أُرجوزةَ الإعراب في مُجْمَل الإعراب"، وشَرَحَها في أرجوزةٍ سمّاها: "العُنوان". وكلُّ ذلك ممَّا أجاد في نَظْمِه وبرَّزَ في إنشائه، وقَفْتُ عليها كلِّها ما خلا مفرَداتِ ابن كثير وعاصِم وحَمْزة وغريبَ القرآن. ومن تصانيفِه: "فوائدُ الإفصاح عن شواهدِ الإيضاح". تَنْكيت: وقعَ فيما تقَدَّم أنّ اسمَ إحدى ارجوزتَيْه في السبع مجموعةً: "حاسمةُ الدَّعاوي"، وقد ذكَرَ ذلك في صَدرِها فقال [الرجز]: سَمَّيتُها حاسمةَ الدَّعاوي ... وقلتُها زَجْرًا لكلِّ عاوي وترجمَها بقطعة، منها [مجزوء الكامل المرفَّل]: حَسمتْ دَعاوِيهِ كما ... حَسمَ الضَّريبةَ ذو الفَقَارِ ويريدُ بالدَّعاوِي: جمْعَ دَعْوى، وهو غلَطٌ جَرى عليه كما جَرى على كثيرٍ من الشعراءِ والكتّاب قديمًا وحديثًا، فقال أبو محمد عبدُ الجَبّار بن أبي بكر بن حَمْدِيسَ الصقِلِّي من أبياتٍ في صفة الخمر صَدَرَ بها قصيدةً يمدَحُ بها المعتمِدَ أبا القاسم محمدَ بن عَبّاد (١) [بسيط]: لا يسمَعُ الأنفُ من نجوى تأرُّجِها ... إلا دعاوِيَ بين الطِّيبِ والزَّهَرِ

стр. 425

وقال شرَفُ الدّولة أبو الحَسَنُ عليُّ بن أبي الخَيْر سلامةَ بن يوسُف الدِّمشْقي (١) [المجتثّ]: وإنّ غيري على جهـ ... ـلهِ كثيرُ الدَّعاوِي وهذا البيتُ من قصيدةٍ يمدَحُ بها تاجَ الملوكِ مجدَ الدّين أبا سَعيد يُوري (٢) بن أيوبَ أخي السُّلطان صلاح الدِّين أبي المظفَّر يوسُف بن أيوبَ. وقد طَرَدَ قانونَ هذا الجمعِ في ما كان على مثالِ فَعْلى فقال في مطلَعِها [المجتثّ]: مَنِ الطبيبُ المُداوِي ... مِن طُولِ هذي الشَّكاوِي؟ وكرَّره فقال في مدحه [المجتثّ]: يا مَن (٣) بإنعامِه طا ... لَمّا أُزيلَتْ شَكاوِي وقال [المجتثّ]: تحكي الجداولُ فَيْضًا ... من راحتَيْهِ الجَداوِي وقال شَرفُ الدِّين أبو حَفْص عُمرُ بن محمد بن الفارِض من قصيدة (٤) [الطويل]: وعادِ دواعي القيلِ والقالِ وانْجُ مِن ... عَوادي دعاوٍ صِدْقُها قَصدُ سُمعةِ وقال أبو محمدٍ عبدُ الله بن عَتِيق الرَّبَعيُّ المَهْدَويُّ المعروفُ بابن الطّلّاءِ (٥) في رسالةِ "الإشعار بسرقات الأشعار" التي خاطَبَ بها أبا الفَضْل بنَ شَرَف (٦):
следующие страницы →