← Тараджим

Тараджим · id 17056

الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة

ابن عبد الملك المراكشي

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

٣١٦ - أحمدُ بن عبد العزيز بن خَلَف الأنصاريُّ، بَلَنْسِيٌّ، أبو العبّاس، ابنُ أبي طَوْريْنَهْ، بطاءٍ مهمَلة مفتوحة وواوٍ ساكنة وراءٍ مكسورة وياءِ مَدّ ونونٍ مفتوحة وهاءِ سَكْت . رَوى عن أبي بكر ابن العَرَبي، وأبي الحَسَنُ بن إبراهيم بن مَعْدان، وأبي عليِّ منصور بن الخَيْر، وأبي عُمرَ مَيْمون بن ياسين، وأبي عِمرانَ بن عبد الرحمن بن أبي تَلِيد، ولقِيَه بمَرّاكُش. رَوى عنه أبو الحَسَنُ بن موسى بن النَّقِرات. وكان محدِّثًا مُكثِراً عَدلاً ثقةً فيما يَرويه. ٣١٧ - أحمدُ بن عبد العزيز بن عبد الرّحمن الأَلهْانيّ، شَرْقيٌّ، أبو العبّاس . رَوى عن أبي الحَسَنُ شُرَيْح. ٣١٨ - أحمدُ (١) بن عبد العزيز بن عبد الوَليّ، أبو جعفر. رَوى عن أبي الحُسَين سِراج بن عبد الملِك، وأبي علي الصَّدَفي، رَوى عنه بالإجازةِ عبدُ الملِك بن زكريّا بن حَسّانَ الأنصاريُّ الخَزْرَجيُّ المَهْدَويُّ سنةَ خمسَ عشْرةَ وخمس مئة. ٣١٩ - أحمدُ بن عبد العزيز بن عَبْدون، أبو العبّاس . رَوى عن أبي الحَسَن شُرَيْح. ٣٢٠ - أحمدُ بن أبي بكرٍ عبد العزيز بن عُذْرةَ . له إجازةٌ من أبي مَروان بن عبد العزيز الباجِيِّ سنة عشرينَ وخمس مئة. ٣٢١ - أحمدُ (٢) بن عبد العزيز بن الفُضَيْل بن الخَلِيع الأنصاريُّ، شرُيُّونيٌّ، سَكَنَ بَلَنْسِيَة، أبو العبّاس القَبِسّي بفتح القافِ وكسر الباءِ بواحدة وسين غُفْل مشدَّد.

стр. 422

أخَذَ العربيّةَ والآدابَ عن جارِه بشرُيُّونَ أبي عبد الله بن خَلَصةَ، وأبي محمد بن السِّيْد البَطَلْيَوْسي، وتجوَّل في بلاد الأندَلُس والعُدوة، وكان متحقِّقاً بالعربيّة بارعاً في الأدب، شاعراً محُسِناً، أنيقَ الوِراقة بديعَها، معروفًا بالإتقانِ والضَّبط يُتنافَسُ فيما يوجَدُ بخطِّه من دواوينِ العلم، وكان مضعِّفاً. مولدُه بشرُيُّونَ في سنة خمس مئة، وقُتلَ صَبْراً لإشبيلِيةَ سنةَ اثنتينِ وسبعينَ وخمس مئة. ٣٢٢ - أحمدُ بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيمَ المُحارِبيُّ، غَزناطيٌّ، أبو العبّاس . رَوى عن أبي إسحاقَ بن مَروان بن حُبَيْش، وأبي الحَسَنُ شُرَيْح. ٣٢٣ - أحمدُ بن عبد العزيز بن محمد بن سِجْزِي الحَجَري، قُرطُبيٌّ . رَوى عن أبي بَحر. ٣٢٤ - أحمدُ بن عبد العزيز بن محمد بن سَعْدونَ، بَلَنْسِيٌّ . كان طبيبًا ماهراً، حيّاً في حدودِ التسعين وخمس مئة. ٣٢٥ - أحمدُ (١) بن عبد العزيز بن محمد الأزْديّ، شَقُوريٌّ، نشأ بمُرسيَةَ واستَوطنَها، أبو العبّاس ابنُ الأصفَر. سمع من أبي الحَسَنُ بن محمد بن هُذَيْل، وأبي عليٍّ الصَّدَفي (٢)، وأبي محمد عاشِرِ وأكثَرَ عنه واختَصَّ به وكتَبَ بين يدَيْه. رَوى عنه أبو عبد الله بنُ محمد بن موسى بن تَحيا. وكان من أهل الذّكاء والفَهْم موصُوفاً بالتيقُّظ والدّهاء، واتّصل بأبي العبّاس ابن الحَلال قاضي القُضاة في إمارةِ أبي [عبد الله محمد بن سَعْد] (٣) الجُذاميِّ فتقَدَّم في أشياعِه وخاصّتِه،

стр. 423

وقدَّمَه إلى الشورى بمرسِيَةَ، وأنهَضَه إلى قضاءِ شاطِبة ثم أضاف إليه قضاءَ أُورُيولةَ، فكان يتَولّاها إلى أن نُكِبَ معَ ابن الحَلال واعتُقلَ شهوراً ثم سُرِّح، ودرَّس الفقهَ على الطريقة القُرطُبيّة. وكان فقيهًا حافظاً للمسائل دَرِياً بالفتوى في النّوازل، وأعيد إلى رُتبة الشُّورى بأُورِيُولة ثم إلى قضائها، وزيد خُطّةَ المَواريث فتوَلّى ذلك مُضْطَلِعًا به محمودَ السّيرة فيه إلى أن توفِّي في محرّمِ أربع وستينَ وخمس مئة. ٣٢٦ - أحمدُ بن عبد العزيز بن مَيْمونٍ المَخْزوميُّ، شُقْري، أبو جعفر . تقَدَّم التنبيهُ عليه في رَسْم أحمدَ بن أبي الحَسَنُ بن مَيْمون فراجِعْه (١). ٣٢٧ - أحمدُ (٢) بن عبد العزيز بن هشام بن أحمد بن خَلَف بن غَزْوانَ الفِهْريُّ، من أهل شَنْت مَرِيّةِ الغَرب، يابُرِيُّ الأصل، أبو العبّاس. رَوى عن آباء الحَسَنُ: شُرَيْح وابن أحمد بن كُرز وابن خَلَف بن سَلْمان وابن عبد الرحمن بنَ أبي الدُّوْش، وأبي حَفْص (٣) ابن اليتيم، وأبي عبد الله بن سُليمانَ ابن أُخت غانم، وأبي العبّاس بن حامد، وأبوَيْ عليّ: الغَسّاني ومنصور بن الخَيْر، وأبي القاسم خَلَف بن يوسُفَ بن الأبْرَش، وأبي محمد شُعَيْب بن عيسى، ويونُسَ بن يونُس. رَوى عنه عبدُ العزيز ابنُه، وابنُ الحَسَنُ بن حارِث، وأبو عليّ حَسَنُ [ابن أحمد بن مفرج] (٤) ابن الزَّرقالة، وسالمُ بن عبد الله بن عبد العزيز، وأبو زيدٍ شُعَيْب بن إسماعيلَ، وأبو محمد عبدُ [الله بن أحمد] (٥) ابن عَلُّوش، وقاسمُ بن عبد الرحمن بن أبي حنينة، والمحمَّدونَ: ابن أحمدَ بن عبد القادر وابن إبراهيمَ بن

стр. 424

شُعَيْب وابن عبد الغَفُور وابن عليِّ بن ثابت، واليوسُفانِ: ابنُ عبد الله بن عبد الملِك وابن محمد بن يوسُف. وكان من جِلّة المُقرِئينَ المجودين وكبارِ أساتيذِ النّحْويِّين، بارعَ الخطّ، متقدِّمًا في العَروض، نافذًا في فكِّ المعَمَّى، شاعرًا محُسِنًا، كاتبًا بليغًا، وتصَدَّر للإقراءِ ببلده. وله أراجيزُ مُزْدوجةٌ كثيرةٌ منها -في القراءاتِ السبع-: مجموعةُ العَروس، وحاسمةُ الدَّعاوي. ومُفرَداتٌ: لكل إمام من السبعة أرجوزةٌ تخُصُّ قراءتَه، وفي خطِّ المصحف، وفي غريب القرآن، وفي ألِفاتِه، وفي مُشكِل نظائرِه، ومنها -في النَّحو- أرجوزةٌ سمّاها: "أُرجوزةَ الإعراب في مُجْمَل الإعراب"، وشَرَحَها في أرجوزةٍ سمّاها: "العُنوان". وكلُّ ذلك ممَّا أجاد في نَظْمِه وبرَّزَ في إنشائه، وقَفْتُ عليها كلِّها ما خلا مفرَداتِ ابن كثير وعاصِم وحَمْزة وغريبَ القرآن. ومن تصانيفِه: "فوائدُ الإفصاح عن شواهدِ الإيضاح". تَنْكيت: وقعَ فيما تقَدَّم أنّ اسمَ إحدى ارجوزتَيْه في السبع مجموعةً: "حاسمةُ الدَّعاوي"، وقد ذكَرَ ذلك في صَدرِها فقال [الرجز]: سَمَّيتُها حاسمةَ الدَّعاوي ... وقلتُها زَجْرًا لكلِّ عاوي وترجمَها بقطعة، منها [مجزوء الكامل المرفَّل]: حَسمتْ دَعاوِيهِ كما ... حَسمَ الضَّريبةَ ذو الفَقَارِ ويريدُ بالدَّعاوِي: جمْعَ دَعْوى، وهو غلَطٌ جَرى عليه كما جَرى على كثيرٍ من الشعراءِ والكتّاب قديمًا وحديثًا، فقال أبو محمد عبدُ الجَبّار بن أبي بكر بن حَمْدِيسَ الصقِلِّي من أبياتٍ في صفة الخمر صَدَرَ بها قصيدةً يمدَحُ بها المعتمِدَ أبا القاسم محمدَ بن عَبّاد (١) [بسيط]: لا يسمَعُ الأنفُ من نجوى تأرُّجِها ... إلا دعاوِيَ بين الطِّيبِ والزَّهَرِ

стр. 425

وقال شرَفُ الدّولة أبو الحَسَنُ عليُّ بن أبي الخَيْر سلامةَ بن يوسُف الدِّمشْقي (١) [المجتثّ]: وإنّ غيري على جهـ ... ـلهِ كثيرُ الدَّعاوِي وهذا البيتُ من قصيدةٍ يمدَحُ بها تاجَ الملوكِ مجدَ الدّين أبا سَعيد يُوري (٢) بن أيوبَ أخي السُّلطان صلاح الدِّين أبي المظفَّر يوسُف بن أيوبَ. وقد طَرَدَ قانونَ هذا الجمعِ في ما كان على مثالِ فَعْلى فقال في مطلَعِها [المجتثّ]: مَنِ الطبيبُ المُداوِي ... مِن طُولِ هذي الشَّكاوِي؟ وكرَّره فقال في مدحه [المجتثّ]: يا مَن (٣) بإنعامِه طا ... لَمّا أُزيلَتْ شَكاوِي وقال [المجتثّ]: تحكي الجداولُ فَيْضًا ... من راحتَيْهِ الجَداوِي وقال شَرفُ الدِّين أبو حَفْص عُمرُ بن محمد بن الفارِض من قصيدة (٤) [الطويل]: وعادِ دواعي القيلِ والقالِ وانْجُ مِن ... عَوادي دعاوٍ صِدْقُها قَصدُ سُمعةِ وقال أبو محمدٍ عبدُ الله بن عَتِيق الرَّبَعيُّ المَهْدَويُّ المعروفُ بابن الطّلّاءِ (٥) في رسالةِ "الإشعار بسرقات الأشعار" التي خاطَبَ بها أبا الفَضْل بنَ شَرَف (٦):

стр. 426

وْيلَك! حطَطْتَ لِثامَ الحياء، وهبَبْتَ هبوبَ النَّكْباء، فكشَفْتَ غطاءَ مساويك، وأخمَدتَ نارَ دَعاوِيك. وقال فيها: أن تُبرِزَ أشعارَ أبيك، فتصحَّ أو تَسقُمَ دَعاوِيك. وللكاتب أبي محمدٍ عبد البَرِّ بنْ فُرسان (١) من رسالةِ خاطَب بها الخليفةَ العبّاسيَّ عن أبي زكريّا يحيى بن غانِيَة المسوفي: وهذه النُّبَذُ المأثورة من مساويهم، واللُّمعُ المذكورةُ من دَعاوِيهم، ما استأثَرَ بها الخواصُّ دون العوامّ، ولا جَهِلَتْها فرقةُ اليهود والنَّصارى إذْ علِمَتْها أهلُ مِلّة الإِسلام. وقال الإمامُ أبو الفَرَج ابنُ الجَوْزيِّ ﵁ في الفصل الأوّل من القسم الأوّل من المَواعظِ من الباب الخامس من كتابِ "المُدهِش" (٢) في قصّة آدمَ وفي ذكَرَ الملائكةَ منها: فأبوْا للجُرأة إلا جرَّ جريرِ الدّعاوِي، وحدَّثوا أنفُسَهم بالتُّقى بالتَّقاوِي. فالتَّقاوِي جاءت على ما جاء عليه نظائرُها، وقد أتى بها فقرةً للدّعاوِي. وقال الإمامُ عمادُ الدِّين أبو عبد الله محمدُ بن محمد بن حامِد بن محمد بن عبد الله بن عليّ بن محمود بن هِبةِ الله ابن أُله الأصبَهانيُّ في ذكْرِ القاضي كمال الدِّين الشَّهْرَزُورِيِّ من حوادثِ شهر رمضانِ سبع وستينَ، حاكياً بعضَ أفعال نُور الدِّين ما نصُّه: وقال للحاكم: انظُر أنت في العوادي وما يَجري فيها من الدّعاوِي، وميِّزْ بين المحاسنِ والمساوِي، والمُوالي والمُناوِي. فقد استعمَلَها كما ترى فقرةً للمَساوِي والمُناوِي الجارَييْنِ على قانونِهما. وقال أبو القاسم عبدُ الكريم بن عِمْران (٣) [البسيط]: دع الدَّعاوِيَ إنَّ الحِبْرَ يفضحُها ... وهاكَ ما شِئْتَ عندي من براهينِ

стр. 427

وقد كان له أن يقولَ: دعِ الدَّعاوَى فإنّ الحِبْرَ يفضحُها، ولكنّه غابَ عنه حُكمُ هذا الجَمْع. وقال الأستاذُ أبو العلاء إدريسُ بن محمد القُرطُبيُّ (١) في فَصْل من رسالتِه التي ترجَمَتُها: "رسالةُ تفضيل العَرَب وتمييزِ النَّبع من الغَرَب"، وهي المسَمّاة. صَمْصامَ التأهُّب للانتصاف، ومَصامَّ شُهُبِ الأوصاف، الكافيةَ في تعفيرِ خدِّ الباغي، الكافلة بتغيير جَدِّ اللّاغي، مما انتَهضَ بإحكامِها، وإبرام أحكامِها: إدريسُ بن محمد بن محمد بن موسى الأنصاريُّ من أهل قُرطُبةَ وفّقه اللهُ وحرَسَها، فجاءت فائدةَ انتجاع الطالب المُقيم والمرتحِل، وفائدةَ أشياع ابن سيدةَ الناحِل وابن غَرسيّةَ المنتحِل، صادقةَ الجَدِّ في أنّ حبَّ النبيِّ العَرَبيّ من آكدِ مفترَض، مُرهَفةً عن كدِّ التعرُّض لعَرَض، مُنَزَّهةً عن نقد التأرُّض لغَرَض، موجَّهةَ القصدِ لوَجْه خالقِ الجوهَر والعَرَض، سبحانَه لا إلهَ إلا هو (٢)، يرُدُّ بها على أبي عامِرٍ [أحمدَ] (٣) ابن غَرسِيّةَ في رسالتِه الشُّعوبية: يا جَدْعاوِي، بالدَّعاوِي، فإذا الدّعاوِي والشَّكاوِي والجَداوِي في جَمْع: دَعوى وشَكْوى وجَدْوى من وادٍ واحدٍ ضَلَّ فيه هؤلاءِ الجِلّةُ طريقَ القياس في جَمْع هذه الكَلِم، وإنّما تُجمَعُ على فَعالَى قياسًا. قال الإمامُ أبو بِشْر سيبوَيْه: وأمَّا ما كان على أربعةِ أحرُف، وكان آخِرُه ألفَ التأنيث، فإنْ أردتَ أن تكسِرَه فإنكَ لا تحذِفُ الزّيادةَ التي هي للتأنيث

стр. 428

وُيبنَى على فَعالَى وتُبدَلُ من الياءِ الألف، وذلك قولُك في حُبلى: حَبالَى، وذَفْرى ذَفَارَى، وقال: وقالوا بَرْقاءُ وبَرَاقٍ كقولهِم شاةٌ حَرْمى وحِرَامٌ وحَرَامَى. وقال أبو بكرٍ محمدُ بن الحَسَنُ بن دُريد بن عَتاهِتةَ بن حَنتم بن الحَسَنُ بن حماميِّ بن جَروِ بن واسع بن سَلَمةَ بن حاضِر بن جُشَمَ بن ظالم بن حاضِر بن أسَد بن عَدِيِّ بن عَمْرِو بن مالك بن فَهْم بن غُنْم بن دَوْس بن عدنان بن عبد الله ابن زَهْرانَ بن كَعْبِ بن الحارِث بن كَعْب بن عبد الله بن مالِك بن نَضر بن الأَزْدِ بن الغَوْث بن نَبْتِ بن مالكِ بن زيد بن كَهْلانَ بن سبإ بن يَشجُبَ بن يَعرُبَ بن قَحطانَ في كتابِه "الجَمْهرة" (١): والحَلْواءُ معروف يُمَدُّ وُيقصَر، فمَن قَصَرَ قال: حَلْوَى مثلَ دَعْوَى والجمعُ حَلاوَى مثلَ دَعاوَى، ومن مَدَّ قال: حَلْواءُ، والجمعُ: حَلْواواتٌ مثلَ حَمْراوات. وقال أبو عبد الله محمّدُ بن جعفرٍ التَّميميُّ القَيْروانيُّ القَزّازُ في "جامعِه" (٢): والحَلْواءُ من الطعام يُمَدُّ ويُقصَرُ، وجمعُ المقصورِ: حَلاوَى، والممدودِ: حَلْواوات، ورأيتُ لأبي الفَتْح عثمانَ بن جِنّي خلافَ هذا، فإنه قال في "المُغرِب": ويقولونَ أيضًا: حُبْلى ثم يقولونَ في الجَمْع حَبالَى، وأصلُها حَبالٍ كدَعوى ودَعاوٍ ثم يُبدِلونَ من ياءِ حَبالٍ ألفًا ويُميلونَها فيقولونَ: حَبالَى لتكونَ الألفُ على لفظِ ألفِ حُبْلى. وقال فيه: قالوا: دَعْوى ودَعاوٍ وشَهْوى وشَهاوٍ وذَفْرى. الفصْلَ. قال المصنِّفُ عَفا اللهُ عنه: أظنُّ شَهْوى مصَحَّفًا من مَهْوى فزد فيه بحثًا. وقد انجَرَّ بنا نقْدُ الدّعاوِي الواقعة في تسميةِ أبي العبّاس بن غَزْوانَ إحدى أُرجُوزتَيْه إلى ذكْرِ شيءٍ ليس من غَرَض هذا الكتاب، ولكنّها نُكتةٌ أودَعْناها هذا الموضعَ إفادةً بها، ولا ينبغي أن يُظَنَّ بها أنَّها قليلةُ الجَدْوى، فقد وقَعَتْ

стр. 429

هذه المسألةُ بمَرّاكُشَ سنةَ عشرين وست مئة في مجلس ضَمَّ لِمّةً من أعلام العلماء أثارها كَتْبُ عاقدي الشّروط: أبرَأه من جميع الدَّعاوِي، وكان فيهم القاضي الأديبُ الناقد المجتهد أبو عبد الله بنُ عيسى ابن المُناصِف الآتي ذكْرُه في موضعِه من هذا المجموع بحَوْلِ الله تعالى (١)، فأنكَرَ جمع الدَّعوى على هذا الحدّ وقال: إنّما يقال: الدَّعْوَياتُ، فسَلَّمَ له الحاضِرون ولم يقُلْ هُو ولا أحدٌ ممّن اشتملَ عليه ذلك المحفِلُ: الدَّعاوَى، وهو أقربُ نسبةً إلى إصلاح اللفظ به، إذ هُوَ جمْعُ تكسيرٍ مثلُه على توَهُّم العاقدينَ فيه وأنَصُّ في المقصود، فالدَّعاوَى إذ كان المعنيُّ به عندَهم جمع الكثرة المُقتضيَ بَتَّ أسبابِ الطلبِ وحَسْمَ موادّ الشغَب، فأمَّا ما ذكَرَه أبو عبد الله ابن المُناصِف ووافَقَه عليه جُلَساؤه فإنه جَمْعُ سلامةٍ وموضوعُه القِلّة. قال سيبَويْه (٢) آخِرَ الفصل الذي نَقلْنا قبلُ أوّلَه: وإن أردتَ أدنَى العدَد جمَعْتَ بالتاء، تقول: ذَفْرَيات وحُبْلَيات. وقال في باب تحقير ما كُسِر عليه الواحد للجَمْع: ولو حقَّرت الجَفِنات وقد جاوَزْنَ العَشْرَ لقلتَ: جُفَيْناتٌ لا تُجاوِزُ؛ لأنّها بناءُ أقل العدد. ثمَّ قال: إذا حَقّرتَ الفِتْيانَ قلت: فِتْية، فإن لم تقُلْ ذلك قلتَ: فَتِيّون، قالوا: والنّونُ بمنزلة التاء في المؤنَّث. ثم قال: وإنّما صارتِ التاءُ والواو والنّونُ لتثليثِ أقلِّ أدنَي (٣) العدَد إلى تعشيره وهو الواحدُ كما صارتِ الألفُ والنون للتثنية ومُثَنّاهُ أقلّ من مثلَّثِه، ألا ترى أنّ جرَّ التاءِ ونصبَها سواء، وجَرَ الاثنينِ والثلاثة الذين هم على حدّ التثنية ونَصبَهم سواء؟ فهذا يُقرِّبُ أنّ التّاءَ والواوَ والنّونَ لأدنَى العدَد؛ لأنه وافَقَ المثَنّى. تكميل: وإلى ذلك فقد قال سيبويهِ إثْرَ الفصل الأوّل الذي نقَلْناه من كلامِه: وقالوا: ذَفْرى ذَفارَى ولم يُنوِّنوا ذَفْرى. انتهى. ومُرادُه بهذا القول التعريفُ بشذوذ

стр. 430

ذَفَارٍ جَمع ذَفْرى غيرَ منَوَّن على القياس المطَّرِد في جمع نظائرِه حسبما قُدِّم (١) أولَ الفَصْل، فلا ينبغي أن يُقاسَ عليه. ووراءَ قولِه: "ولم يُنوِّنوا ذَفْرى" معنًى لطيفٌ سِرُّه التنبيهُ على تفرِقة العربِ بين ما ألفُه للتأنيث فلا يُنَوَّن ويُجمَعُ قياسًا على فَعالى وشَذَّ منه ذَفارى في جمع ذَفْرى، وما ألِفُه الرابعةُ مُنقلبةٌ عن أصل وعن زائدٍ للإلحاق به كأضحى جمْعَ أضْحاة ومَرمى ومَهْوى وأَرطى وذَفْرى في لُغة مَن نَوَّنها، فإنّ ذلك كلَّه يُجمَعُ بكسرِ ما بعدَ الألف نحوَ أضاحٍ ومَرامٍ ومَهاوٍ وأراطٍ وذَفارٍ وشِبهِها. وقد آنَ لنا أن نقفَ من بَسْطِ القول في هذه المسألة عند هذه الغاية ونرجعَ إلى تمام ذكْرِ أبي العبّاس بن غَزْوان، فنقول: ومن نثرِه مقامةٌ في الكلب والهِرّ بارعةٌ أبدَعَ فيها ما شاء، ومما يؤثَرُ من نظمِه قولُه [السريع]: الحمدُ لله على ما أرى ... كأنّني في زمني حالمُ يَسُودُ أقوامٌ على جَهْلِهمْ ... ولا يَسُودُ الماجدُ العالمُ وقولُه في استخراج مضمَراتِ الحروف، وهو من أجوَدِ ما نُظِم في مَغْزاه عليه [الخفيف]: طالَ هَجْري فضرّني سُهْد طَرفٍ ... فاضَ رَيًّا فسال سَيْلَ أتِيِّ رُبّ عينٍ تَسُوقُ حَيْنَ محُبٍّ ... نَظَري مُنذرٌ بحَيْنٍ وحيِّ حيث شَجْوي يُضيعُ حَظّي وعِزّي ... وهْو يَعصي وغِرَّ طوع عَصِيِّ فَرْطُ شَوْقي يذودُ زَهْوي وُيغْري ... شَغَفي في ظهورِ سرِّ خَفيِّ هُو شُغْلي وهمّه نقْص سعيي ... مُنصِفٌ كلُّ من يفي لوَفيِّ ومن تمام الإفادة بهذه الأبيات بيانُ العمل بها، وهو مَبنيّ على قاعدتَيْن: الأُولى: معرفةُ ترتيبِ حروف المعجَم المراعَى في نظمِها، فاعلَمْ أنّ ترتيبَها ببلاد المغرِب والأندَلُس وهو موافقُ ترتيبِها ببلاد المشرِق في هذا الكتاب إلى الزاي،

стр. 431

ويلي الزايَ عند أهل الأندَلُس والمغرب: ط ظ ك ل م ن ص ض ع غ ف ق س ش هـ وي، وُيدرِجونَ بين الواوِ والياء لامَ ألِف ولا عبرةَ به في نَظْم هذه الأبيات. الثانية: معرفةُ أُسوسِها التي اعتُبِرت في أبياتِها، فاعلَمْ أنّ لكلِّ بيتٍ أُسًّا يخُصه، فأسُّ الأوّل واحد، وأسُّ الثاني اثنان، وأسُّ الثالث أربعة، وأسُّ الرابع سبعة، وأسُّ الخامس أربعةَ عشَر، وفي هذه الأُسوس مفردَةً أو مجموعًا بعضُها إلى بعض توجَدُ الأعدادُ على تواليها من الواحد إلى الثمانيةِ والعشرينَ عدَدَ حروفِ المعجَم، فمقاديرُ الأُسوس بيِّنةٌ، وما عداها من الأعداد الثلاثةِ والخمسةِ والسِّتة والثمانيةِ وما بعدَها إلى الثلاثةَ عشَرَ والخمسةَ عشَرَ وما بعدَها إلى الثمانيةِ والعشرينَ قائمٌ من مجموع تلك الأُسوس كلِّها أو من مجموع بعضِها إلى بعض، فالثلاثةُ من أُسَّي الأوّل والثاني، والخمسةُ من أُسَّيِ الأوّل والثالث، والستّةُ من أُسَّيِ الثاني والثالثَ، والثمانيةُ من أُسَّيِ الأوّل والرابع، والتِّسعةُ من أُسَّي الثاني والرابع، والعشَرةُ من أُسوس الأوّل والثاني والرابع، وهكذا إلى جَمْع الأُسوس كلِّها، فتقومُ منه الثمانيةُ والعشرون، مثالُ ذلك: أنه إذا أُضمِرَ لك حرفٌ أمَرْتَ مُضمِرَه بالتماسِه في الأبيات بيتًا بيتًا، فإذا أعلَمَك بموقعِه في الأبيات واحدًا أو زائدًا حفِظتَ أُسَّ ذلك وعدَدتَ به الحروفَ من أوّلها، فحيث فَنِيَ لك محفوظُك من الأُسِّ فهو الحرفُ المُضمَر، مثالُ ذلك: أنه لو أضمَرَ لك حرفًا وذكَرَ أنه لم يجده إلا في البيتِ الأول لَعلِمتَ أنه الألفُ؛ لأنَّ أُسَّ البيتِ الأوّل واحد كما تقَدَّم، والألفُ أوّلُ الحروف، وكذلك لو أعلَمَك أنه لم يجده إلا في الثاني لَعلِمتَ أنه الباءُ؛ لأنَّ أُسَّ البيتِ الثاني اثنان والباءُ ثانيةٌ في الحروف، ولو أعلَمَك أنه لم يجده إلا في الثالث لَعلِمتَ أنه الثاءُ؛ لأنَّ أُسَّ البيتِ الثالث أربعةٌ والثاءُ رابعةٌ، ولو أعلَمَك أنه لم يجده إلا في الرابع لَعلِمتَ أنه الخاءُ؛ لأنَّ أُسَّ البيتِ الرابع سبعةٌ والخاءُ سابعة، ولو أعلَمَك أنه لم يجدْه إلّا في الخامس لعَلِمتَ أنه الكافُ؛ لأنَّ أُسَّ البيتِ الخامس أربعةَ عشَرَ والكافُ رابعَ عشْرةَ، وكذلك لو أعلَمَك أنه في الأوّلِ والثاني لا غيرُ، لَعلِمتَ أنه التاءُ؛ لأنَّ مجموعَ أُسَّيِ البيتِ الأول والثاني

стр. 432

ثلاثةٌ كما تقَدَّم، والتاءُ ثالثة، ولو أعلَمَك أنه في الأولِ والثالث لا غيرُ لَعلِمتَ أنه الجيم؛ لأنَّ مجموعَ أُسَّي الأول والثالثِ خمسةٌ كما سَلَف، والجيمُ خامسة، ولو أعلمك أنه في الأول واَلثاني والرابع لا غيرُ لَعلِمتَ أنه الراءُ؛ لأنَّ مجموعَ أُسوسِها عشَرة، والراءُ عاشرة، وهكذا إلى أن يُعلِمَك أنه في الأبياتِ كلِّها فتعْلَمَ أنه الياءُ؛ لأنَّ مجموعَ أُسوس الأبياتِ كلِّها ثمانية وعشرون؛ لأنَّ الواحدَ إلى اثنينِ ثلاثة، والثلاثةَ إلى الأربعة سبعة، والسبعةَ إلى مِثلِها أربعةَ عشَرَ، والأربعةَ عشَرَ إلى مِثلِها ثمانيةٌ وعشرون، والياءُ ثامنةٌ وعشرون، إذْ هي آخِرُ الحروف فاعلَمْ ذلك. وتقريبُ ذلك أنْ تَرسُمَ لكلِّ بيتٍ اسمه إمّا تحتَه أو عليه وإمّا محُاذيًا له من أحَدِ طرفَيْه وتضَعَ جدولَيْن متَحاذيَيْنِ أحَدُهما فوقَ الآخَر وتقسِمَهما بثمانيةٍ وعشرينَ قسمًا، وتَرسُمَ في أحدِهما الحروفَ على نَسَقِها من الألفِ إلى الياء، وتَرسُمَ من الآخَر الأعدادَ متَواليةً من الواحدِ إلى الثمانيةِ والعشرين، فإذا أُضمِرَ لك حرفٌ وأُعلِمتَ بموقعِه واحدًا فصاعدًا حفِظَت أُسَّه ونظَرتَ إلى ما يُحاذيه من الحروف، فهو المُضمَر، فاعلَمْ ذلك. وهذه صورةُ الجدولَيْنِ لك عمَلُهما عَرضًا هكذا ولكَ عَمَلُهما طُولًا بحسَب ما تختارُ أو يسَعُهُ موضعُ عَملِهما: الجدول غير ظاهر في الأصل. وبهذين الطريقين أو بما شئتَ منهما تَستخرجُ حروفَ الكلمة واحدًا بعدَ واحد إذا أُضمِرَ لك اسمٌ أو فعلٌ أو حرف، فاعلَمْ ذلك واللهُ الموفق (١).

стр. 433

ورأيتُ لبعض المتأخَّرينَ أبياتًا في مغزَى هذه الأبيات وعلى طريقتِها وهي [مخلع البسيط]: جرَتْ سَفينٌ إلى دِياري ... فسرّ ضرّابهنّ طيُّ وقَرَّ عَيْني برَبْع ميِّ ... وسرّ عُذري ميْتٌ وحيُّ يضيعُ حظِّي وطَوْعُ عزِّي ... حيث عويصُ هوى شجيُّ قطري بدو وزر ظهر ... رُشْدٌ وغَيّ سر خفيُّ من لم يكنْ سمعُه ضعيفٌ ... يغشيه نصٌّ لهُ قويُّ وقَفْتُ على بعضِ ما أملاه سنةَ ثلاثٍ وخمسينَ وخمس مئة. ٣٢٨ - أحمدُ بن عبد العزيز بن يوسُفَ بن محمد بن حَكِيم الأنصاريّ . كان من أهل العلم، حيًا سنةَ ثمانٍ وتسعينَ وأربع مئة. ٣٢٩ - أحمدُ بن عبد العزيز الحَضرَميُّ، أبو القاسم المَيْرانيُّ، بميم مفتوحة وياءٍ مسفولة وراءٍ وألفٍ ونونٍ منسوبًا . رَوى عن ابن الحَسَن شُرَيْح، وأخشَى أن يكونَ أحمدَ بنَ عبد العزيز بن الحَسَن الحَضرميَّ المذكورَ قبلُ (١) بالرِّواية عن أبي محمد بن عَتّاب، فيُحقَّقُ إن شاء الله. ٣٣٠ - أحمدُ بن عبد العزيز الصَّدَفيُّ . رَوى عن شُرَيْح. ٣٣١ - أحمدُ (٢) بن عبد الغَفُور الصَدَفيُّ، ابن عبد الجَبّار، القُرَشيُّ العَبْشَميُّ، شاطبيٌّ، أبو جعفر. رَوى عن أبي إسحاقَ أحمدَ بن جماعةَ، وأبي بكرٍ عَتِيق، وآباءِ الحَسَن: طارقِ بن يَعيش وابن هُذَيْل وابن النِّعمة، وأبوَيْ عبد الله: ابن الحَسَن بن

стр. 434

سَعيد الدانيِّ وابن يوسُفَ بن سَعادة، وأبي عامرٍ محمد بن حَبِيب، وأبي الوليد ابن الدّبّاغ. رَوى عنه أبو الرَّبيع بن موسى بن سالم. وكان محدّثًا فقيهًا بَصيرًا بعَقْدِ الشروط حسَنَ الخطِّ دَرِبًا في الأحكام، واستُقضي بغير موضع من جهاتِ شاطِبةَ فحُمِدَتْ بها أحوالُه، وأصابه صمَمٌ بأخَرةٍ فكان يسمعُ بلفظِه، وكان له حظٌّ من نَظْم الشعر. وتوفِّي قبلَ التسعينَ وخمس مئة. ٣٣٢ - أحمدُ بن عبد القادر بن إبراهيمَ بن عامِر الهَمْدانيُّ، غَرْناطيّ، أبو جعفر، الطَّوَسيُّ، بفتح الطاءِ الغُفْل والواو والسِّين الغُفْل منسوبًا (١)، نزَلَها سَلَفُه قديمًا. رَوى عن أبي مَروانَ بن مَسَرّة. وكان شيخًا صالحاً خيِّرًا من أفاضلِ أهل العلم شديدَ الانقباض عن مخالطة الناس. مولدُه سنةَ سبع وعشرينَ وخمس مئة، وتوفِّي سنةَ ستٍّ وست مئة. ٣٣٣ - أحمدُ (٢) بن عبد القويِّ بن عبد المُعطي، بَطَلْيَوْسي، أبو عَمْرو. سمع ببلدِه من أبي علي حُسَين بن محمد الغَسّانيِّ حين قَدِمَ عليهم سنةَ تسع وستينَ وأربع مئة، وبقُرطُبةَ من أبي عبد الله بن عَتّاب، وأبي القاسم حاتمٍ ابن الأطْرابُلُسي. وأجاز له أبو عبد الله بنُ الحبِيب بن شماخ، وابنُ سَعْدون القَرَويُّ. وكان ذا عنايةٍ بالرواية حريصًا على الأخْذِ عن المشايخ. ٣٣٤ - أحمدُ (٣) بن عبد الكريم، جَيّانيٌّ، سكَنَ قُرْطُبة. رَوى عنه محمد بن أصبَغَ دُريوِد. وكان ذا حظّ من العربيّة والشّعر مؤدِّبًا بهما.

стр. 435

٣٣٥ - أحمدُ (١) بن عبد الَمَجيد بن سالم بن تَمّام بن سَعيد بن عيسى بن سعيد الحَجْري، مالَقيٌّ، أبو جعفر، الجَيّار. رَوى عن آباءِ (٢) بكرِ: عَتِيقِ بن عليِّ ابن قَنْترال (٣) وعُمرَ بن عثمان الباخَرزِي، وأبوَيْ جعفرِ: ابن عليِّ بن حَكَم وابن محمد بن عيّاش الكِناني، وأبي الحَجّاج بن محمد ابن الشَّيخ، وآباءِ الحَسَن: ابن أحمدَ بن كوْثَر وابن يوسُف بن زُلَال ومحمد بن عبد العزيز الشَّقُوريِّ، وأبي خالدِ يزيدَ بن محمد بن رِفاعةَ، وأبي زكريّا بن عبد الرحمن الأصبَهاني، وأبي سُليمان بن سُليمان بن حَوْطِ الله وهُو في عِدادِ أصحابِه، وأبي الصَّبر أيوبَ بن عبد الله، وآباءِ عبد الله: ابنَي الأحمدَيْن: الإستِجيِّ والبَيْساني، وابن إبراهيمَ ابن الفَخّار وابن أيوبَ بن نُوح وابن عبد الله بن العَوِيص وابن عليِّ بن حَفْص، وآباءِ القاسم: أحمدَ بن عبد الودود بن سَمَجُون وخَلَف بن عبد الملك بن بَشْكُوال، وعبدَي الرحمن: ابن عبد الله السُّهَيْليِّ وابن محمد بن غالب، وأبي كامل تَمّام، وآباءِ محمد: ابن الحَسَن ابن القُرطُبي وابن سُليمان بن حَوْطِ الله وابن محمد بن عبيد الله (٤) وعبدِ الحقِّ بن عبد الملِك بن بُونُه وعبد الوهّاب بن عليّ، وأبي مَروانَ عُبَيد الله بن عَيّاش، لقِيَهم وقرَأَ عليهم وسمع وأجازوا له. وأجاز له من أهل الأندَلُس: أبو بكر بنُ عبد الله بن أبي زَمَنين، وأبو جعفر بنُ عبد الرحمن بن مَضاء، وأبوا (٥) عبد الله: ابن أحمدَ بن عَرُوس وابن جعفر بن حَمِيد، وأبو القاسم عبدُ الرحمن بن محمد بن حُبَيْش، وأبوا محمد: عبدُ الحقِّ الإشبيليُّ نزيلُ بِجايةَ وعبدُ المُنعم بن محمد ابن الفَرَس.

стр. 436

ومن أهل المشرِق: أبو إبراهيمَ إسحاقَ بن إبراهيمَ التونُسيّ، وعُبَيد الله بن محمد بن عبد اللّطيف بن محمد الخُجَنْدي، وأبو بكر حَرزُ الله بن حَجّاج التونُسيُّ القَفَصي، وأبو شُجاع زاهِرُ بن رُسْتُم، وأبو الطاهِر برَكاتُ بن إبراهيمَ الخُشوعيُّ، وأبو عبد الله محمدُ بن إسماعيلَ بن أبي الصَّيف اليَمَنيُّ، والأسعدُ أبو القاسم عبد الرحمن بن مُقرَّب بن أبي القاسم عبد الكريم بن أبي الحَسَن بن أبي محمد عبد الكريم التُّجِيبي، وهو أصغرُ منه وتأخَّرتْ وفاتُه عنه، وهو ابنُ بنت الإمام أبي الطاهِر بن عَوْف، وأبوا محمد: القاسمُ بن أبي القاسم عليُّ بن عساكرَ ويونُسُ ابن يحيى ابن القَصّار، وسواهم جَرى ذكْرُهم في رَسْم أبي الطاهِر أحمدَ بن عليٍّ السَّبْتي. رَوى عنه آباءُ عبد الله: ابنُه (١) وابنُ عبد العزيز المالَقيُّ وابن عليّ بن عَسْكر، وأبوا بكر: عَتِيقُ بن أحمد بن مجبر وابن أحمدَ بن سيِّد الناس، وأبو جعفر بن يحيى ابن مُفرِّج، وأبو الحَسَن بن محمد الرُّعَيْنيُّ وأبو عليٍّ الحُسَين بن عبد العزيز ابن الناظِر شَيْخانا، وأبو القاسم القاسمُ بن محمد بن الطَّيْلَسان، وأبوا محمد: ابن القاسم الحَرّارُ وابن محمد الباهِليّ. وحدَّث عنه بالإجازة جماعةٌ منهم: أبو عليٍّ الحَسَن بن أبي الحَسَن الماقريُّ شيخُنا، وأبو محمد طَلْحةُ، وأجاز لكلِّ من أدرَكَ حياتَه من أهل العلم جميعَ رواياتِه وما يصحُّ له التحديثُ به. وكان محدِّثًا مُكثِرًا حافظًا شديدَ العناية بشأن الرِّواية، سَنِيًّا فاضلًا، أحرَصَ الناس على نَشْر العلم وإذاعتِه، وافرَ الحظِّ من الأدب، حسَنَ الخَطِّ (٢)، طيِّبَ النفْس، جميلَ الهيئة والعِشرة، كثيرَ الإيثار، متينَ الدِّين، مشهورَ الزُّهد والوَرَع، جاريًا على مناهج السَّلَف الصّالح، مُثابِرًا على التهجُّد، يغلِبُ عليه الخُشُوع، ويُكثِرُ استعمالَ أفضل الطِّيب، حتى كان عَرْفُه يَضُوع ويَسطَعُ على بُعد،

стр. 437

وتحرَّفَ حينًا بالتِّجارة في العِطْر، وعلى الجُملة فكان من أجمعِ الناس لخِصال الخَيْر وممّن اتُّفِق على فضلِه وما أعَزَّ هذا الصّنف! قال أبو القاسم ابنُ الطَّيْلَسان: سألتُه يومًا عن ما يَدَّعيه قوم من المُناجاة والمكاشَفة، فقال لي: كنتُ ليلةً من اللّيالي قد قُمتُ إلى وِرْدٍ كنتُ ألتزمهُ فتوضّأتُ وتطيَّبتُ بماءِ الوَرد القُرطُبي على جاري عادتي، وتنفَّلْتُ بما شاء الله، ثُم إنّي قَعدتُ في مُصَلّايَ وجعلتُ أُفكّرُ وألومُ نفسي على التقصير في العمل وأقولُ: يا لَيْتَ شِعري! هل عَملي هذا متقبَّل؟ فنُوديتُ: ما أحببتَنا حتى أحببناك، ولا وفَّقْناك للعمل إلا وقد رَضِيناكَ وقَبِلناك، أو نحوَ هذا من القول. وقال أبو القاسم أيضًا: أنشَدَني لنفسِه بمنزلِه بقُرطُبة [المجتث]: رَضِيتُ سُقْميَ حالا ... حقيقةً لا محالا وصار لي منهُ أُنسٌ ... إن دام لي وتوالَى فحَلَّ في القلبِ نورٌ ... من الرضا يتَلالا فالحمدُ لله ربِّي ... ثم الصلاةُ على مَن ... بَذّ الأنامَ كمالا وكان قد أكملَ حَوْلًا متلزمَ الفراش لا يستطيعُ القيامَ لاعتلالٍ بركبتيه (١)، فقال هذه الأبيات، فمَنَّ اللهُ عليه بالبُرءِ وصار يتَصرَّفُ في جميع حوائجِه. أسمَعَ الحديثَ طويلًا بمالَقةَ ثم بقُرطُبة لمّا استَدعاه إليها أبو العلاءِ إدريسُ ابنُ المنصور الملقَّبُ بعدُ من ألقابِ الخلافة بالمأمون، إذْ كان واليًا عليها، وكان ابنُه عبدُ المجيد متّصلًا بأبي العلاءِ هذا، فأقام بها أيامَ ولايته إيَّاها، وكان أبو العلاءَ يُعظّمُه وَيعرِفُ حقَّه وُيكثرُ التبرُّكَ به، ثمّ عاد إلى مالَقةَ لمّا فصلَ أبو العلاءِ عن قُرطُبة وأكبرُ أسباب إقامتِه معَه تأنيسُ ولدِه عبد المجيد المذكور، ثم وَليَ أبو العلاءِ إشبيلِيةَ فاستَدْعاه أَيضًا إليها وألَحَّ عليه في الوصول فتوجَّه نحوَه وأقام عندَه معظَّمًا

стр. 438

مبرورًا منقطِعًا إلى الاشتغال ببَثِّ العلم وإسماعِه الحديثَ والاتّصافِ بما كان عليه من الوَرَع والزُّهد، إلى أنْ توفِّي فيها مبطونًا نفَعَه اللهُ بالشّهادتَيْن عشِيّةَ ليلة الجمُعة لستّ أو خمس بَقِينَ من جُمادى الآخِرة سنةَ أربع وعشرينَ وست مئة، ودُفن عقِبَ صلاة الجمُعة بجَبّانةِ بابِ قَرمُونةَ، وشهِدَ جَنازتَه جمعٌ عظيم وأثنَوا عليه خيرًا وكان أهلَه، ومولدُه في شعبانِ ثمانٍ وأربعينَ وخمس مئة. ٣٣٦ - أحمدُ بن عبد المجيد بن هُذَيْل الغَسّانيُّ . رَوى عن أبي إسحاقَ بن محمد بن عَبْديس (١). ٣٣٧ - أحمدُ (٢) بن عبد الملِك بن أحمدَ بن عبد الله الراوِية ابن محمد بن عليِّ بن شَريعةَ بن رِفاعةَ بن صَخْر بن سَماعةَ الداخِلِ إلى الأندَلُس، إشبيليٌّ باجيُّ الأصل باجةَ القَيْروان بالباءِ بواحدةٍ، أبو عُمر. رَوى عن عمِّه أبي عبد الله (٣)، رَوى عنه ابنُ أخيه أبو مَروانَ بن عبد العزيز (٤). ٣٣٨ - أحمدُ بن عبد الملِك بن أصبَغَ، قُرطُبيٌّ، أبو عُمرَ المُدلي . رَوى عن أبي القاسم خَلَف بن فَرَج السميسر. رَوى عنه أبو عُمرَ بن عبد البَرّ (٥) مؤلَّف أبي شَيْبة (٦). وكان من أهل العلم، حيًّا سنةَ أربع وثمانينَ وأربع مئة.

стр. 439

٣٣٩ - أحمدُ بن عبد الملِك بن أرقمَ، أبو جعفر . رَوى عن أبي عبد الله بن عَتّاب. ٣٤٠ - أحمدُ بن عبد الملِك بن أحمد، قُرطُبيٌّ، أبو العبّاس . رَوى عنه أبو الحَسَن عليُّ بن عبد الرزّاق بن حَمّاد القَرَويُّ مُستوطِنُ فاسَ، لقِيَه ببعض بلادِ المشرق. ٣٤١ - أحمدُ (١) بن عبد الملِك بن بُونُه بن سَعيد بن عصام بن محمد بن ثَوْر العَبْدَري، مُنَكَّبِيٌّ، سكَنَ معَ أبيه مالَقةَ طويلًا حتى ظُنَّ أنّهما من أهلِها، وأصلُ سَلفِه من وادي الحِجارة، أبو جعفر، ابنُ البِيطار. رَوى عن أبيه وشارَكَه في كثيرِ من شيوخِه، وسمع بقراءتِه عليهم، كأبي بحرٍ سُفيانَ بن العاص، وأبي بكر غالِب بن عَطِيّة، وأبوَي الحَسَن: ابن أحمدَ ابن الباذِش ويونُسَ بن مُغيث، وأبي محمد عبد الرّحمن بن محمد بن عَتّاب، وأبي الوليد محمد بن أحمدَ بن رُشْد، وأبي عبد الله بن عبد الرّحمن بن مَعْمَر، وعبد الحقِّ بن غالِب بن عَطِيّة، وأبي الوليد أحمدَ بن عبد الله بن طَرِيف (٢). وأجاز له معَ أبيه أبو علي الصَّدَفيّ. ورَوى هو عن أبي بكر، وكان من بيتِ علم وحديث. مولُده في ذي القَعْدة من سنة سبع وتسعينَ وأربع مئة، وتوفي في سابع ربيعٍ الآخِر سنةَ أربع وستينَ وخمس مئة (٣). ٣٤٢ - أحمدُ بن عبد الملِك بن سُليمان بن مُحِبِّ بن سُليمان بن إدريسَ بن يحيى الأَزْدي . كان من أهل العلم، حيًّا سنةَ ثلاثٍ وتسعينَ وأربع مئة.

стр. 440

٣٤٣ - أحمدُ (١) بن عبد الملِك بن عبد العزيز بن عبد الملِك بن أحمدَ بن عبد الله الراوِيةِ ابن محمد بن عليِّ بن شَريعةَ بن رِفاعةَ بن صَخْر بن سَماعةَ اللَّخْميُّ، إشبيليٌّ، أبو عُمرَ الباجِيُّ، بواحدةٍ، باجةَ القَيْروان. رَوى عن أبيه، وأبي بكر ابن العَرَبي، وأبي الحَسَن شُرَيْح، وأبي الحَكَم عَمْرِو بن أحمدَ بن حَجّاج، وأبي عبد الله بن أحمدَ بن المُجاهد وأطال صُحبتَه، وأبي القاسم خَلَف بن بَشْكُوال وهُو من أصحابِه. رَوى عنه ابناه: أبو عبد الله وأبو مروان. وكان محدِّثًا عَدلًا فاضلًا نَبيهَ البيت أكبرَ حُسَباءِ بلدِه بشَرَفِ العلم المتوارَثِ على القِدَم. توفي عند صلاة الظّهر من يوم السّبتِ لثلاثٍ خَلَوْنَ من ربيعٍ الأوّل سنةَ أربع وسبعينَ وخمس مئة، وصَلَّى عليه شيخُه أبو عبد الله ابنُ المُجاهد. ٣٤٤ - أحمدُ (٢) بن عبد الملِك بن عَمِيرةَ بن يحيى الضَّبِّي، لُورَقيٌّ بَلِّسِيُّ الأصل، بالباءِ بواحدة ولام مشدَّدة مكسورة وسِين غُفْل منسوبًا، أبو جعفرٍ وأبو العبّاس. رَحَلَ إلى مُرسِيَةَ سنةَ ثلاثَ عشْرةَ وخمس مئة فأخَذَ بها عن أبي عليّ بن سُكّرةَ ولازَمَه إلى أنِ استُشهِد، وأبي محمد بن أبي جعفر. ورَحَلَ إلى قُرطُبةَ سنةَ خمسَ عشْرةَ فلقِيَ بها أبا عبد الله بنَ عبد العزيز بن أبي الخَيْر، وأبا محمد بنَ عَتّاب، وأبا الوليد بنَ رُشْد وغيرَهم فقرَأَ عليهم مدّةً. ثمَّ رحَلَ إلى مالَقةَ فتلا فيها بالسَّبع على أبي عليٍّ منصور بن الخَيْر وأجاز له. وقَفَلَ إلى بلدِه وقد نال قِسطًا وافرًا من العلم. ثم رَحَلَ إلى المشرِق فأدَّى فريضةَ الحج، وعاد إلى بلدِه فتصَدَّر للإقراءِ وإسماع الحديث.

стр. 441

رَوى عنه قريبُه أبو جعفر بنُ يحيى بن عَمِيرة (١)، وأبو سُليمانَ وأبو محمد ابنا حَوْطِ الله. وكان من أهل العلم النافع والعمل الصالح، خطيبًا، فاضلًا، ديِّنًا، إماماً في الزهد والتصوّف، من بيتِ علم. قال أبو جعفر بن يحيى بن عَمِيرة: ساكَنْتُه أيامًا فما رأيتُه من الليالي إلا قائماً ولا من النهار إلا صائمًا. قال: وقال لي: كنتُ قبلَ أن أرحَلَ أرى الناسَ يُعظِّمونَ العلمَ وأهلَه، فلمّا قدِمتُ من رحلتي لم أرَ ما عَهِدتُ وأبصَرتُ أمري. وأقبلَ على العمل وترَكَ التصنّعَ ونَبذَ الدُّنيا إلى أن توفِّي سنةَ سبع وسبعينَ وخمس مئة، وقد ناهَزَ المئة. ٣٤٥ - أحمدُ بن عبد الملِك بن عيسى اليَحْصُبيُّ . له إجازةٌ من أبي عُمرَ بن عبد البَرِّ كتبَها في شوّالِ ثِنتينِ وخمسينَ وأربع مئة، وقال: وكتب وهو لا يَرى حيثُ يضَعُ قلمَه: إلى الله الشَّكوى، وهُو المرْجُوُّ للعافية. ٣٤٦ - أحمدُ (٢) بن أبي مَروانَ عبدِ الملِك بن محمد بن إبراهيمَ بن محمد بن أحمدَ بن عبد الملِك الأنصاريُّ، إشبيليٌّ، سكَنَ لَبْلةَ، أبو العبّاس، وكَنّاه أبو عبد الله ابنُ الأَبّار أبا جعفرٍ وأبا عُمر، والمعروفُ ما قدَّمتُه؛ ابنُ أبي مَرْوان. رَوى عن أبي إسحاقَ بن مَروان بن حُبَيْش، وأبوَيْ بكر: ابن أحمدَ بن طاهِر المحدِّث وابن عبد الغَنيِّ بن فَنْدِلة، وأبوَي الحَسَن: ابن شُرَيْح ومُفرِّج بن سَعادةَ المحدِّث الظّاهريِّ ولازَمَه كثيراً، وأبي الحَكَم عَمْرِو بن أحمدَ بن حَجّاج، وأبي عُمر (٣) أحمدَ بن صالح الكفيف، وأبي مَروانَ بن عبد العزيز الباجِيِّ، وغيِرهم.

стр. 442

رَوى عنه صِهرُه أبو الوليد سَعْدُ السُّعود بن عُفَيْر، وأبو زيدٍ وأبو العبّاس ابنا خَليل، وخَضِرُ بن محمد بن نَمِر، وأبو الحَسَن بن عَتِيق بن موسى، وأبوا محمد: ابن أحمدَ بن جُمهور وعبدُ الجليل بن عُفَيْر. وكان محدِّثًا حافظًا لأسانيدِ الحديث ومُتونه (١) يَستظهرُ من كُتبِ الحديث جُملةً منها: "صحيحُ مسلم" حتى لَيُؤْثَرُ عنه أنه نَسَخَ منه نُسَخًا من حِفظِه ذاكرًا لأسماءِ الرِّجال وتوارنحهم وتعديلِهم وتجريحهم مُميزاً لهم، بَذّ في ذلك كلِّه أهلَ عصرِه حتى كان يقالُ فيه: ابنُ مَعِينِ وقتِه، وكان أبو محمد بن جُمهور يقولُ فيه: كان بُخاريَّ زمانِه. وقال أبو العبّاس ابنُ خليل: سألتُه أن يُمليَ عليّ كتابًا في رجال الحديث، فأملَى عليّ من ذلك كثيرًا دونَ تأمُّل في كتاب ولا استمداد من ديوان، ثم إنه نَقَّر بعدُ عن صحّةِ ما أملاه فوافَقَ ما قيَّده المحقِّقونَ والحُفّاظ المتقدِّمونَ من أصحاب التواريخ في أسماءِ الرجال وأحوالِهم. وكان فقيهًا ظاهريَّ المذهب حَزْميَّه، زاهدًا وَرِعًا، حديثَ السِّنِّ كبيرَ المعرِفة، بارعَ الخطِّ متقدِّمًا في جَوْدة الضبط، وألّف في السُّنَن كتابَه الكبير المسَمَّى بـ "المنتخَب المنتقَى" جمَعَ فيه مفترِقَ الصحيح من الحديث الواقع في المُصنَّفات والمُسنَدات، وطريقَه هذا حَذا أبو محمدٍ عبدُ الحقّ بن عبد الرحمن ابن الخَرّاط في كتابِه "الأحكام"، إذ كان ملازمًا له ومُستفيدًا منه. وكان أيامَ الفتنة يَعمُر البواديَ والبراري، ويتعيّشُ من المُباحات كالصَّيد وأشباهِه. واستُشهدَ نفَعَه الله قبلَ سنِّ الكهولة في قَتْلة أهل لَبْلةَ الشَّنعاءِ، أنصَفَهم اللهُ ممّن اعتَدى عليهم، يومَ الخميس لأربعَ عشْرةَ ليلةً خَلَتْ من شعبانِ تسعةٍ وأربعينَ وخمس مئة حسبَما تقَدَّم ذكْرُه في رَسْم أبي عامرٍ أحمدَ بن عبد الله بن الجَدّ (٢)، وصَلّى عليه أبو الحَسَن ابنُ مؤمن.

стр. 443

٣٤٧ - أحمدُ بن عبد الملِك بن مكحولٍ اللَّخْميُّ، أبو القاسم . رَوى عن أبي الحَسَن شُرَيْح. ٣٤٨ - أحمدُ (١) بن عبدِ الملِك بن موسى بن عبد الملِك بن وليد بن محمد بن وليد (٢) بن مَروانَ بن عبد الملِك، مُرسِيٌّ، أبو العبّاس، ابنُ أبي جَمْرة. وقد تقَدَّم رفْعُ نسَبِهم وذكْرُ أوّليّتِهم في رَسْم قريبِه أبي جعفر بن عبد الرحمن (٣). رَوى عن أبيه وتفَقَّه به، وقريبِه أبي جعفر المذكور، وأبوَي الوليد: صِهرِه الباجِيِّ وهشام بن أحمد بن وَضّاح، وأبي بكر بن موسى والدِ أبي محمد بن أبي جعفر، وسَمعَ من لفظِ أبي الحسَن بن خَلَف بن بَطّال شَرحَه صحيحَ البخاري. وأجازَ له أبو العبّاس بن عُمر العُذْريُّ، وأبو عُمرَ يوسُفُ بن عبد الله بن عبد البَرّ، ولقِيَه وأبا (٤) محمدٍ عليَّ بن أحمد بن حَزْم ببَلَنْسِيَةَ معَ أبيه، وأبو عَمْرٍو عثمانُ بن سَعيد الدانيُّ ابنُ الصَيْرَفيِّ باستجازة أبيه إيّاهم له. رَوى عنه ابنُه أبو بكر، وأبو الوليد يوسُفُ بن عبد العزيز ابن الدّبّاغ. وكان من بيتِ علم وأصالةٍ وحسَب وجلالة، وجَدُّه عبدُ الملك الأعلى روى عن أبي سعيدٍ سَحنون بنِ سعيد بن حَبِيب بن حَسّان بن هلال بن بَكّار بن رَبيعةَ التَّنُوخيِّ القَيْرَوانيِّ الحِمْصيِّ الأصل، وعلى توالي نسَبِه ابنًا عن أب إليه يَروي "المُدوَّنَة" عن سَحنون، وكان فيما أرى آخر (٥) الرُّواة عن هؤلاء الذين أجازوا له وبعض الذين لقِيَهم.

стр. 444

وكان محدِّثًا راوِيةً، فقيهًا حافظًا مُشاوَرًا، ماهرًا في علم العربيّة، ذاكرًا للآداب، حاشِدًا للّغات، مُشرِفًا على التواريخ، متقدِّمًا في ذلك كلِّه، مُمَتَّعًا (١) بحواسِّه وببَصِره على طُول عُمُرِه، وكان القاضي أبو أُميّةَ بنُ عِصام (٢) يعتمدُ عليه ويَستَنيبُهُ على مُرسِيَةَ إذا غابَ عنها وعلى قضاءِ إلْش، إذْ كان أبو أُميَّةَ كثيرًا ما يَجُولُ في المَشْرق يتفقَّدُ بلادَه. واستَوطَنَ دانِيةَ كثيرًا، وتوفِّي بمرْسِتةَ بعدَ صلاة الجمُعة لأربع خَلَوْنَ من رمضانِ ثلاثةٍ وثلاثينَ وخمس مئة وقد زاحَمَ التسعين، وأُدرج في ثيابٍ شَهِدَ بها صلاةَ الجمُعة أربعينَ سنة، ودُفن بمسجدِه بإزاءِ قبرِ أبيه وجدِّه، ﵏. ٣٤٩ - أحمدُ (٣) بن عبد المؤمن بن موسى بن عيسى بن عبد المؤمن القَيْسيُّ، وكان أبو الحَسَن بن لَبال يُثْبِتُ نسَبَهم في بني أُميّة، شَرِيشيٌّ، أبو العبّاس. وأخبَرَني شيخُنا أبو عليٍّ الحَسَن بن أبي الحَسَن الماقريُّ أنه يُعرَفُ بابن مؤمن، وأنّ ذلك لقَبٌ له عندَ أهل بلدِه، ولم أتلَقَّ ذلك ولا سمِعتُه عن غيره، ولعلّ ذلك إنْ صَحَّ تغييرٌ من عبد المؤمن لمكان التَّقِيّة من غَير آلِ عبد المؤمن من مشاركتِهم في الشُّهرةِ بالانتساب إلى جَدِّهم، فكثيرًا ما كانوا يفعَلونَ ذلك وُيغيِّرونَ الأسماءَ والكُنَى والأنسابَ، والمُتَّهم على الجُملة بسببِه، واللهُ أعلم. رَوى أبو العبّاس ببلدِه عن آباءِ بكر: ابن (٤) عُبَيد وابن مالك ويحيى بن عيسى بن أزهَر، وأبي الحَسَن بن أحمدَ بن لَبّال، وأبي العبّاس بن عبد الواحد

стр. 445

القَلّاد، وبإشبيلِيَةَ عن أبوَيْ بكر: ابن عبد العزيز السُّلاقيِّ ولزِمَه حَوْلًا كاملًا وابن عليّ ابن المُرْخِي، وأبي الحَسَن نَجَبةَ، وأبي الحُسَين محمّد بن محمد (١) بن زَرْقُون، وأبيه أبي عبد الله بن سَعيد، وأبي العبّاس بن محمد بن مِقْدام، وبها ثمَّ بفاسَ عن أبي ذرٍّ مُصعَبِ بن محمد (٢)، وبفاسَ عن أبوَي الحَسَن: ابن عَتِيق بن مُؤْمن وابن موسى ابن النَّقِرات، وأبي الحُسَين يحيى بن محمد ابن الصَّائغ، وأبوَيْ عبد الله: ابن عبد الكريم ابن الكَتّاني وابن عليِّ ابن السَّقّاط، وبسَبْتةَ عن أبوَي الحَسَن ابنَي المحمَّدَيْن: ابن خَروف وابن عبد الله الحَضْرَميّ، وأبي الحُسَين محمد بن أحمد بن جُبَيْر، وأبي الصَّبر أيوبَ، وأبي العبّاس بن محمد بن أحمد العَزفي، وبها وبسِجِلْماسَةَ قبلَها عن أبي العبّاس بن محمد بن عليِّ بن جَوْهر اللَّيْثي الفاسِيِّ الحَصّار، وكتَبَ عنه أيامَ استقضائه بسَبْتَة وقَدَّمه في خُطّة المَناكح بها ولازَمَه كثيرًا، وبالجزيرةِ الخَضْراءِ عن الخطيبِ بها أبي الحَسَن حاجِز، وبقُرطُبةَ عن أبي جعفر بن محمد بن يحيى. وأجاز له أبو القاسم عبد الرحيم (٣) بن عيسى ابن المَلْجُوم ورآه ببلدِه فاسَ وبإشبيلِيةَ ولم يُشافِهْه. وممّن لم يَلْقَه من أهل المغرِب والأندَلُس: آباءُ عبدِ الله: ابن أحمدَ بن عبد الله الهَمْداني من أهل الجزيرةِ الخضراء وابن إبراهيمَ ابن الفَخّار وابن عبد الحقِّ التِّلِمْسيني، وابن قاسم بن عبد الكريم. ومن أهل المشرِق: أبو عبد الله محمدُ بن محمد بن الحَسَن الرَّبَعيُّ الكِرْكنتي. رَوى عنه أبو عبد الله بنُ عبد الله ابن الأبّار، وأبو العبّاس بن يوسُف ابن فَرْتون، وشيخانا: أبو الحَسَن بن محمد الرُّعَيْنيُّ وأبو عليّ الحَسَنُ بن علي الماقريُّ ولقِيَه بمَرّاكُش. وحدَّث عنه بالإجازةِ جماعةٌ منهم: أبو بكر بنُ أحمد ابن البَنّاءِ الكاتب، وأبو الحَسَن بن يحيى ابن عمريل الكَتّاني (٤) ابن الفَخّار،

стр. 446

وكان كاتبًا بليغًا فاضلًا ثقةً فيما يأثرُه، قديمَ النَّجابة، عُنيَ بالرحلة في طلب العلم، مُبرِّزًا في المعرِفة بالنَّحو، حافظًا للُّغات ذاكرًا للآداب، شُهِرَ بحفظَ تصانيفَ لُغَويّة وأدبيّة وجُملةٍ من الأشعارِ الجاهليّة والإِسلاميّة وكثيرٍ من كتُبِ الحديث المختصَرة، و "تفريعِ" (١) أبي القاسم عُبَيد الله بن الحَسَن [...] (٢) ابن الجَلّاب وغيرِ ذلك. وتصدّر لإقراء اللُّغة والأدبِ والعربيّة والعَروض ببلدِ وبسِواه، وصنَّفَ في "شَرح مقاماتِ الحَريريِّ" ثلاثةَ تصانيف: بسيطًا أمتَعَ فيه بذكْرِ مقاصدِهِ الأدبيّة، ووَسيطًا انتَخبَه من هذا البسيط، ووَجيزًا اقتَصرَ فيه على شَرح ما اشتَملتْ عليه من اللغات (٣)، وله في شَرح "الإيضاح" كتابٌ حافل، وفي شَرح "الجُمَل" كذلك، وألَّف في العَروض، وجمَعَ مشاهيرَ قصائدِ العرب، واختَصَر "أمالي أبي عليّ القالي" وكلُّ ذلك ممَّا شهِدَ بتقدُّمِه وإدراكِه وسَعة حِفظِه وجَوْدة انتقائه. توفِّي بشَرِيشَ في عَشْر ذي حِجّة من سنة تسعَ عشْرةَ وست مئة. ٣٥٠ - أحمدُ (٤) بن عبد الواحدِ بن عيسى الهَمْداني، بسكونِ الميم ودالٍ غُفْل، غَرناطيّ، أبو جعفر. رَوى عن أبي حَفْص وأبي مَروان ابنَيْ عمِّه محمد بن عيسى، وعن خالِه أبي عبد الله بن مالك، وكان فقيهًا مُشاوَرًا، واستُقضيَ بوادي آش.

стр. 447

مولدَه في حدود خمس مئة، واستَشهدَ نفعَه الله في دخول اللمْتَونيّينَ غَرناطة سنة تسع وثلاثينَ وخمس مئة (١)، وسنُلمعُ بذكْرِ طرفٍ من الخَبَرِ عن دخولهِم إيّاها في رَسْم أبي الحَسَن بن عبد الله بن ثابتٍ إن شاء الله (٢). ٣٥١ - أحمدُ (٣) بن عبد الودودِ بن عبد الرّحمن بن عليّ بن عبد الملِك بن إبراهيمَ بن عيسى بن صالح الهلاليُّ، غَرْناطيٌّ، سكَنَ المُنَكَّبَ أحيانًا، طَنْجيُّ الأصل، أبو القاسم، ابنُ سَمَجُون بفَتْح الميم وضمّ الجيم، وهُو لقبٌ لعبد الملك (٤) جَدِّ جَدِّه. رَوى عن أبيه وأبوَيْ إسحاقَ: ابن أحمد بن صَدَقةَ وابن خَلَف ابن فَرقَد، وأبوَيْ بكرٍ: ابن مسعود بن أبي رُكَب ويحيى بن الخلف بن النَّفيس، وآباءِ الحَسَن: ابن صالح بن غرِّ الناس وابن محمدٍ المُراديِّ وابن البَرشَكيِّ البَجائي، وأبي عبد الله بن علي ابن الرَّمّامة، وأبوَي العبّاس: ابن خَلَف ابن الأبرَش وابن عليٍّ الزَّرهونيِّ المِكْناسي، وأبوَي القاسم: خَلَف بن عبد الملِك بن بَشْكُوال وعبد الرحمن ابن محمد بن حُبَيْش، لقِيَهم وأجازوا له وأخَذَ عنهم قراءةً وسَماعًا. وكتَبَ إليه مجُيزًا ولم يلقَهُ أبو بكر ابنُ العَرَبي وأبو الطاهِر السِّلَفيُّ وغيرُهما. رَوى عنه آباءُ جعفر: ابن عبد المجِيد الجَيّار وابن عثمانَ الوَرّاد وابن يوسُفَ ابن الدّلّال، وآباءُ عبد الله: ابن أحمدَ الواشِريُّ وابن سعيدٍ الطَّرّاز وابن عليِّ بن عَسْكَر وابن (٥) الفَحّام، وأبو العبّاس بن عليِّ بن هارون، وأبو عَمْرٍو

стр. 448

سالمُ بن صالح بن سالم، وأبوا القاسم: القاسمُ ابن الطَّيْلَسان ومحمد بن عبد الواحد المَلّاحيُّ، وأبو موسى عِمرانُ السَّلَوي (١)، وأبَوا الوليد: إسماعيلُ بن يحيى العَطّار ومحمد بن أحمد ابن الحاجّ، والعَطّارُ هذا آخِرُ السامِعينَ عليه بالأندَلُس. وآخِرُ الرُّواةِ عنه بالإجازة أبو الحَجّاج بن محمد بن أبي رَيْحانة. وكان من أهل الفضلِ التامّ وحُسن العِشرة وكرَم الصُّحبة وبَراعةِ الخطِّ، والمعرفةِ الكاملة بطُرُق الرِّواية والحَذْق بعلم الأدب، وكان أغلَبَ عليه معَ وفورِ الحظِّ من علوم شتّى يَقْرِضُ نَفِيسَ الشِّعر ويُجيدُ إنشاءَ الخُطَب والرَّسائل، ومنظومُه كثيرٌ في الزُّهد وغيرِه، ومنه ما كتَبَ به شافعًا في حقِّ بعض طلبةِ العلم إلى أحدِ أصدقائه من أهل الأدب [الكامل]: أهلُ الأصالةِ لا يَضيعُ لديهِمُ ... رجُلٌ حَسِيبٌ قد توشَّح بالأدبْ وموصَّلُ المكتوبِ إنْ باحثتَه ... جمَعَ الصّيانة والتعفُفَ والطّلبْ واستُقضيَ بالمُنَكَّب وغيِرها من بُنَيّاتِ غَرناطة، وكان من بيتِ علم وقضاءٍ ترَدَّد منهم في ثمانية عشَرَ قاضيًا من سَلَفِه وشُهِر بالعَدْل والنّزاهة والطهارة وتمشِية الحقّ والإنصاف، إلى أن أسَنَّ وضَعُف عن تقليدِ القضاء فلازَمَ إقراءَ الحديث وإفادةَ العِلم وعَلَتْ روايتُه لعُلوِّ سِنّه فتُنوفِسَ في الأخْذِ عنه وعُرِف بالثقةِ والعدالة. مَولدُه صَبيحةَ اليوم المُتَجَلّي عن اللّيلة الثانيةَ عشْرةَ من صَفَرِ ثمان وعشرينَ وخمسَ مئة، وتوفّي بغَرناطةَ فُجاءةَ بعدَ صلاة العشاء من ليلة الأحد الرابعةَ عشْرةَ من ربيع الآخِر سنةَ ثمان وست مئة. قال أبو القاسم المَلّاحيّ: فارقْتُه عند المغرِب بسُوق العَطّارينَ بغَرْناطة فنُعِيَ لي عند الصُّبح، ودُفن إثْرَ صلاة العصر من يومِه برَوْضة سَلَفِه بمقبُرة باب إلبِيرةَ، وكان الحفلُ في جَنازته عظيمًا والثناءُ عليه جَسِيمًا.

стр. 449

٣٥٢ - أحمدُ (١) بن عبد الوَدُود بن غالِب بن تَمّام بن رخون (٢)، كذا وقَفْتُ على نسَبِه بخطِّه، مُرْباطري، أبو جعفر. رَوى عن أبوَيْ عبد الله: ابن عبد الرحيم (٣) ابن الفَرَس وابن يوسُفَ بن سَعادة، وأبي علي حُسَين بن محمد ابن عَرِيب، وأبي القاسم عبد الرحمن بن محمد بن حُبَيْش. وكان فقيهًا مُشاوَرًا نبيهَ البيت رائقَ الخَطّ، معَ إتقان وضَبْط ذا عنايةٍ بالرواية، ووَلِيَ أحكامَ بلدِه فحُمِدت سيرتُه. ٣٥٣ - أحمدُ (٤) بن عبد الوَلي بن أحمد بن عبد الوَليّ: بَلَنْسِيٌّ، أبو جعفر، البَتّي، بالباءِ بواحدة والتاءِ معلُوّةً مشدَّدةً منسوبًا. كان قائمًا على الآداب وكتُب النَّحو واللُّغة والأشعارِ الجاهليّة والإِسلامية، وقد كتَبَ عن بعض الوُزَراء، قال فيه الرُّشاطيُّ: كاتبٌ شاعرٌ بليغٌ مطبوعُ القول كثيرُ التصَرُّف مليحُ التظَرُّف، فممّا أُنشِدتُه له [الطويل] (٥): غَصَبْتِ الثُّرَيّا في البِعادِ مكانَها ... وأودعتِ في عينيَّ صادقَ نَوْئها وفي كلّ حالٍ لا تزالي بخيلةً ... فكيف أعَرْتِ الشَّمسَ حُلّةَ ضَوْئها وقَفْتُ على هذينِ البيتَيْن كما رسَمتُهما بخطّ الراوِية النّسّابة أبي محمد بن عليّ الرُّشاطي في كتابِه "اقتباسِ الأنوار والتماسِ الأزهار" في الإنساب (٦)، وكَتْبُه

стр. 450

فيهما: "لا تزالي" لحنٌ فاحش؛ لأنَّ الشاعرَ لم يُرِدِ الأمرَ ولا ما يَتنزَّلُ منزلتَه من الدُّعاء فيَنجزمَ الفعلُ لذلك بحَذْفِ نونِه، وصوابُه: لم تَزالي كما أنشَدَه أبو نَصْر الفتحُ بن عُبَيْد الله (١) في كتابِه "قلائدِ العِقْيان" (٢) وعَزا البيتَيْنِ إلى أبي جعفر ابن البِنيِّ اليَعْمُريّ (٣)، بباءٍ بواحدة مكسورة ونونٍ مشدَّد منسوبًا (٤)، قال أبو عبد الله

стр. 451

ابنُ الأبّار: وأحدُهما غالطٌ من قِبَل اشتباهِ نسَبَيْهِما (١). قال المصنِّفُ عَفا اللهُ عنه: يترجَّحُ عندي ما ذَهَب إليه الفتحُ من وَجْهَيْن، أحدُهما: أنّ الفتح (٢) أشدّ عناية بهذا الشأنِ من أبي محمد، والثاني: أنّ هذينِ البيتَيْن ثابتانِ في غير نُسخة من شعر اليَعْمُري حسبَما وقَفْتُ عليه، واللهُ أعلم. قال الرُّشاطي عقِبَ إنشادِه البيتَيْن ومن خَطِّه نقَلتُه: أحرَقَه القَنْبِيطُورُ لعنَه الله في حينِ تغلُّبه على بَلَنْسِية، وذلك في سنة ثمانٍ وثمانين وأربع مئة. انتهى. وذكَرَ ابن عُزَيْرٍ أنّ إحراقَه كان سنةَ تسعين. ٣٥٤ - أحمدُ بن عبد الوهّاب بن عبد الله بن رَزْقُون، إشبيليٌّ، أبو العبّاس . رَوى عنه أبو محمد بن قاسم الحَرّار. وكان كاتباً بليغاً جيِّدَ الخط، وهُو الذي ساجَلَ أبا عَمْرو عثمانَ بن أحمدَ بن العَوّام في "الرسالةِ التَّبرِيزية (٣) في الصِّلة

стр. 452

الإبرِيزيّة للرِّحلة الباجِيّة والعروس التّاجِيّة (١) " وستأتي إلى ذلك الإشارةُ في رَسْم أبي عَمْرٍو المذكور إن شاء الله (٢). ٣٥٥ - أحمدُ بن عامر بن وَهْبُون الكِلابيُّ، أُنتلياني، بهمزةٍ مضمومة ونونٍ ساكنة وتاءٍ معْلُوّة [مضمومة] (٣) ولام ساكنة وياءٍ مسفولة وألفٍ ونونٍ منسوبًا، أبو جعفر. رَوى عن أبي عبد الله بن عبد الله بن أبي زَمَنِين وكتَبَ عنه كثيرًا من تصانيفه وعن غيره، وتوفِّي بعدَ أربع مئة. ٣٥٦ - أحمدُ (٤) بن أبي القاسم عبّاس بن أبي زكريّا، ويقالُ: ابنُ زكريّا وابنُ أبي زكريّا في خطِّ ابن التياني، وقال فيه: الوزيرُ ابنُ الوزير، وقال: أعلى اللهُ قَدْرَهما، الأنصاريُّ، مَرَويٌّ، أبو جعفر. رَوى عن أبي غالبٍ تَمّام بن غالبٍ التَّيّاني، وأبي عبد الله ابن صاحب الأحباس. وكان كاتبًا حسَنَ الكتابة، بارعَ الخطّ، فصيحًا، غزيرَ الأدب، قويًّ العربيّة، شارِعًا في الفقه، مُشارِكًا في العلوم، حاضرَ الجَواب، ذكيَّ الخاطِر، جامعًا للأدواتِ السُّلطانية، جميلَ الوجهِ، حسَنَ الخِلْقة، كَلِفًا بالأدب، مؤْثِرًا له على سائر لَذّاتِه، جَمّاعًا لدواوين العلم مُنتَقِيًا لجيِّدِها مُغاليًا بها نَفّاعًا مَن خَصَّه بها، لا يُستخرَجُ منه شيءٌ لفَرْط بُخلِه إلا في سبيلِها، حتى لقد أثْرَى كثيرٌ من الوَرّاقينَ والتُّجّارِ معَه فيها، وجمَعَ منها ما لم يكنْ عند مَلِك (٥)، وكان عظيمَ اليَسار، ويُذكَرُ أنه وَرِثَ عن أبيه من العِين ما بلَغَ خمسَ مئة ألفِ مِثقالٍ جَعْفَريّة

стр. 453

سوى الفِضّة والآنِية والحِلْية، وأمَّا الأمتعةُ في المخازِن والكُسْوة والطيب والفُرُش فبحَسْبَ ذلك، ثم حاط ذلك بعِظَم الجاه وأثَّله بالحِرص على الاكتساب والجَمْع والمبالغة في المَنعْ حتى أضْعَفَت (١) أضعافاً، ولم يوفقْه اللهُ قطّ إلى بِرٍّ يصنَعُه أو خيرٍ أو وجهٍ من الوجوه المشكورة يضَعُه، مُضيفًا ذلك إلى الكِبْر والعُجب والصَّلَف والتِّيه، وكان قد وَلعَ قُبَيْلَ محنتِه ببيتٍ من الشعر لا يكاد يَفتُر عن إنشادِه أوانَ لعبِه بالشطرنج الذي كان أغلب شَهَواتِه عليه أو معنى يَسنَحُ له وهو [المتقارب]: عيونُ الحوادثِ عنّي نِيامُ ... وهَضْمي على الدّهرِ شيءٌ حرامُ وذاعَ بيتُه هذا في الناس وغاظَهم حتى قَلَبَ له مِصراعَه الأخيرَ بعضُ الأُدباء فقال: "سيوقظُها قَدَرٌ لا ينامُ"، فلم يكنْ إلا قليلٌ حتى تنبَّهتِ الحوادثُ لهَضْمِه، وتلك عادةُ الأيام في أُولي البَطَر والأشَر. وتلخيصُ مقتلِه (٢): أنه كان وزيرًا لزُهَيرٍ العامِري المُستولي عليه، ولمّا أوقَعَ باديسُ بن حَبُوس بن ماكْسَن بن زيري بن مناد بجيشِ زُهَيْر هذا بالفونت بمقرُبةٍ من غَرناطة وترَدَّى زُهيرٌ يومَئذٍ من جُرفٍ هنالك خفيَ له مصرعه أسَرَ باديسُ خواصَّه، وكان فيهم أبو جعفرٍ هذا، ويقال: إنه كان الجارَّ هذه الحادثةَ على زُهير بسُوء تدبيره، فسَرَّح باديسُ كلَّ من أسَرَ منهم إلا أبا جعفرٍ هذا، فأخَذَ يَستعطفُه ويَضْرَعُ إليه في الإبقاءِ عليه وبَذَلَ في افتكاكِ نفسِه من إسارِه ثلاثينَ ألفَ مثقالٍ جَعْفريّة. قال بُلقينُ بن حَبُوس: دَخَلْتُ في بعضِ الأيام على أخي باديس، فألفَيْتُه معَ وُزرائِه وخاصّتِه، وكنتُ راكبًا على فَرَسي، فلِقيتُ ابنَ عبّاس خارجًا من عنده يَرْسُفُ في قيودِه، فلمّا بَصُرَ أخي بي استوقفَه على بُعدٍ منّا وقال: يا أخي، ما تقولُ في أمرِ هذا الرجُل الذي بَذَلَ ثلاثينَ ألفَ مثقالٍ

стр. 454

جَعْفَريّة عن فِكاكِ نفسِه وقد رأيتُ أخْذَها منه؟ فما رأيُك في ذلك؟ فقلتُ: وأيُّ رأي لي معَ رأيِكم وقد اتَّفقْتُم لا محالةَ عليه؟ فقال لي: وعلى ذلك فلا بدّ والله أن تقولَ فيه برأيِك حتى أرى إن كان مُوافِقًا لرأينا وأُنفِذُ بعد ذلك ما فيه الصّوابُ إن شاء الله، قال بلقينُ: فقلتُ له: والله لئنْ أخَذْتَ منه الثلاثينَ ألفًا وخلَّيْت سبيلَه لتقَعَنَّ معه بعدَ ذلك في فتنة تُنفقُ فيها أزيَدَ من مئتي ألفٍ ثم لا تدري ما عاقبةُ ذلك، فقال لي: صَدقْت، يموتُ والله، فشأنَك به، قال بلقينُ: وكانت هذه المُحاورةُ بينَنا برَطانةِ البَربر، قال بلقينُ: فعَطَفْتُ بفَرَسي على ابنِ عبّاس وضرَبْتُه بمِزْراق في محِجَمِه حتى بَرزَ مَن فيه وكبا لوجهِه وأجهَزَ الحاضرونَ عليه. ويقال: إنَّ باديسَ هو الذي بدَرَه بمِزْراقِه فاعتَوَرَه بلقينُ بزَرقاتٍ كثيرة كبَّتْه على وجهِه، وذلك بعدَ نحوِ اثنينِ وخمسينَ يومًا من أسْرِه، ومات وهُو ابنُ ثلاثينَ سنةً وأشهُر عشِيّةَ يوم السّبت لعَشْر بَقِين من ذي الحجة سنةَ تسع وعشرينَ وأربع مئة. ٣٥٧ - أحمدُ بن عبّاس الحَرّانيُّ، أبو بكر . رَوى عن أبي عليٍّ سَعيد بن أحمدَ الهِلالي، رَوى عنه أبو الحَسَن لُبُّ بن علي. ٣٥٨ - أحمدُ (١) بن عَتِيق بن الحَسَن بن زياد بن جُرج، بَلَنْسِيٌّ، مرويُّ الأصل، أبو جعفرٍ وأبو العبّاس، الذّهَبيُّ. تَلا بالسبع على أبي عبد الله بن جعفرِ بن حَمِيد، ورَوى عن أبي بكر بن بِيبَش، وأبي جعفر بن مَضاء، وأبوَي القاسم عبدَي الرحمن: ابن إسماعيلَ التونُسيِّ وابن محمد بن حُبَيْش، وكان دونَه سِنًّا وعلمًا. وتأدَّبَ بأبي محمد بن يحيى عَبْدون. وأجاز له أبو الطاهِر بن عَوْف، وأبو عبد الله بنُ عبد الرحمن بن محمد بن منصُور بن

стр. 455

محمد بن الفَضْل بن منصُور بن أحمدَ بن يونُس بن عبد الرحمن بن اللَّيث بن عبد الرحمن بن المُغيث (١) بن عبد الرحمن بن العلاءِ بن الحَضْرَميِّ صاحبِ رسُولِ الله ﷺ عاملِه على البحرَيْن، وأبو القاسم مَخْلوف بن جارة. رَوى عنه ابنُه أبو بكر عَتِيقٌ، وأبو جعفر بن عليّ بن عَيْشُون، وأبو عبد الله بن الحَسَن ابن التُّجِيبي. وكان أعلمَ أهل زمانِه بالعلوم القديمة وبالتعاليم منها خصوصًا، ماهرًا في العربيّة، وافرَ الحظّ من الأدبِ، يَقرِضُ يسيرًا من الشِّعر فيُجيدُ فيه، متحقِّقًا بأصُول الفقه، ثاقبَ الذّهن، متوقِّدَ الخاطر، غَوّاصًا على دقائق المعاني، بارعَ الاستنباط، وَرَدَ مَرّاكُشَ مُستدعًى إليها من قِبَلِ المنصور أبي يوسُف، فحَظِي عندَه وجَلَّت منزلتُه ونال عندَه وعندَ ابنِه الناصِر أبي عبد الله بعدَه جاهًا عريضًا، وكان من أجلِّ من يحضُرُ مجلسَهما من أهل العلم، وقَدَّمه المنصورُ للشُّورى والفَتْوى في القضايا الشّرعية، فكانت الفتاوى في نوازلِ الأحكام تَصدُرُ عنه فتَبلُغُ القاضيَ الحافظَ أبا لعبّاس بن محمد بن عليِّ بن جَوْهر الحَصّار فيَنسُب كلَّ فتْوى إلى قائلِها من أهل المذهب المالكي، وكثُرَ ذلك منهما، فأُنهيَ إلى أبي جعفرٍ فقال: ما أعلمُ مَن قال بتلك الأقوال التي أُفتيْ بها، ولكنّي أُراعي أصُولَ المذهب فأُفتي بما تقتضيه وتدُلُّ عليه، فكان يُقضَى العَجَبُ من حِذْق أبي جعفرٍ وإدراكِه وجَوْدةِ استنباطِه، ومن حفظِ أبي العبّاس وإشرافِه على أقوالِ الفقهاء وحضورِ ذكْرِه إيّاها، وكان العَجَبُ من أبي جعفرٍ أكثر، وقد قُيّد عنه من أجوِبتِه على المسائل الفِقهيّة وغيرها الكثيرُ الحَسَن البديع. ولمّا امتُحِن أبو عبد الله بنُ إبراهيمَ وأبو الوليد محمدُ بن أحمد بن رُشْد محِنتَهما المشهورةَ حسبَما سنُلمعُ بنُبذة منها في رَسْم أبي الوليد إن شاء الله، لَحِق

стр. 456

أبو جعفرٍ هذا بقاشْرُهْ (١) واختَفى بها حَذَرًا من إدخالِه معَهما في تلك المِحنة ولم يُعرَفْ بمكانِه حتى خَلَصا فظَهَرَ وفي ذلك يقول متبرِّمًا بحالِه [الطويل]: أفي الحقِّ أن أُقْصىَ وما أنا مذنبٌ ... وأُترَكَ تَجْفي اللَّحظَ عنّي النواظرُ غريبًا عن الأوطانِ والأهل لا أرى ... أنيسًا سوى ما تجتليهِ الخواطرُ وُيقْصَدَ ظُلْمي ليس إلا لأنّني ... أُحسُّ بتقصير الذي هو قاصرُ فيا ربِّ مَبْغيّ عليه فقُمْ لهُ ... بنَصْر فقد أوجَبْت أنك ناصرُ وقلِّبْ لهُ قلبَ الخليفةِ علَّهُ ... تُنظَّمُ أشتاتٌ له وأواصرُ وفي أُنسِه بنفسِه وفَقْدِه في تلك الحال ملاءمة من أبناء (٢) جنسِه يقول [الطويل]: إذاكان أُنسُ الناس بالناسِ لم يكنْ ... أَنيسي سوى نفْسي وما هُو مِن نَفْسي أَيُونِسُني شيءٌ سواها وبعضُ ما ... أُشاهدُ فيها عالَما الحسِّ والقُدسِ؟! ثم إنّ المنصورَ استدعاه واستَخْلَصَه وبَسَطَ أملَه، ولم تزَلْ مكانتُه لديه تترَقَّى حتى بَلَغَ الغايةَ التي ليس وراءَها مطمَح، وتَلمَذَ له المنصورُ في بعض ما كان ينتحِلُه من العلوم النَظريّة، فَيذكُرُ أنه فَهِمَ يومًا من إلقائه عليه مسألةً منها حَسُنَ موقعُ فَهْمِه إيّاها منه وسُرَّ بتحصيلِها، فوَصَلَه بألفِ دينار من ضَربِه، ولم يزَلْ إحسانُه إليه متَواليًا عليه حتى أثْرَتْ حالُه وتأثّل أموالًا جَمّةً، وقال له يومًا: يا أبا جعفر، ما صَدَرَ عنّا من إنعام عليك فلْيكُنْ مستورًا لا يطّلعُ أحدٌ عليه، فإن ببابنا قومًا سَلَفَتْ لأسلافِهم خِدَمٌ لا يَبعُدُ أن تُدرِكَنا غفلةٌ عن مُعاهدتهم بما يؤمِّلونَه منّا، فإن بَلَغَهمُ الخبَرُ من إحسانِنا إلى مَن لم تتقدَّمْ لأوّليّته خدمةٌ لهذه الدولة أمكَنَ أن يؤثِّر ذلك في نفوسِهم فيكونَ داعيةً إلى تغيُّر بواطنِهم وسببًا في فساد ضمائرهم ومَنْشَأً لحَسدِك والبغي عليك.

стр. 457

مولدُه سنةَ أربع وخمسينَ وخمس مئة وتوفِّي بتِلِمْسانَ صُحبةَ الناصِر أبي عبد الله إلى إفريقيّةَ سنةَ إحدى وست مئة. وفي الرُّواةِ عن أبوَي (١) الحَسَن ابن هُذَيْل سنةَ ثلاثٍ وستين، وعن أبي الحَسَن بن النّعمة ووَصَفَه بالمُقرئِ النَّجيب سنةَ سبع وستينَ: أبو جعفرٍ أحمدُ بن عَتِيق بن الحَسَن الكُتَاميُّ، ويغلِبُ على الظنّ أنه الذّهَبيُّ هذا، فإن يكنْ إيّاه فهو من أصدقِ الدّلائل على قِدَم نَجابتِه، واللهُ أعلم. ٣٥٩ - أحمدُ بن عَتِيق بن عليِّ بن خَلَف بن أحمدَ بن عُمر بن سَعيد بن محمد بن الأيمَن بن يحيى بن سعيد بن الأيمَن بن عَمْرِو بن يحيى بن وليد بن محمد بن عُبَيد بن عُمر (٢)، وعُمرُ هذا من وَلَد أبي المُطرِّف عبد الرحمن الداخِل إلى الأندَلُس ابن مُعاويةَ بن هشام بن عبد الملِك بن مَروانَ، الأُمَويُّ، مالَقيٌّ، سَرَقُسْطيُّ الأصل ثُم مُرباطِريُّه، أبو القاسم، ابنُ قَنْتَرال بقافٍ مفتوحة ونونٍ ساكنة وتاءٍ معْلُوّة مفتوحة وراءٍ وألفٍ ولام. رَوى عن أبيه، وأبي القاسم محمد بن عبد الواحد المَلّاحي. وكان من جِلّة أهل العلم ونبهائهم، معروفاً بحُسن التصرُّف في الطّب والاعتناءِ بعلوم الأوائل حتى غلَبَت عليه، واستُقْضيَ بشَرِيش فاستُحسِنت سِيرتُه واختَصَّ بأبي العلاء إدريسَ المتلقّب بالمأمونِ ابن أبي يوسُفَ (٣) المنصور، وكان أثيرَ المحَلِّ عندَه كثيرَ الحُظْوة لديه، ومن قَبْلِها أُتِيَ عليه حينَ وجَّهَه من الأندَلُس إلى قبائل العُدوة فتكلَّم معَ وُلاتها وجِلّة شيوخِها إذْ كتبَوا إليه بَيْعتَهم (٤) ليتوثَّقَ له منهم، فحَسُنَ منابُهُ في ذلك وأنْجَحَت سِفارتُه فتأكَّدت لديه أثَرتُه حتى كان فوقَ أكابرِ وُزرائه، ثُم لمّا فَصَلَ أبو العلاءِ عن الأندَلُس قاصداً العُدْوةَ صَحِبَه إلى سَلَا ثم

стр. 458

بَدَتْ له مَخايلُ الهَرَج الذي وقَعَ بعدُ بالعُدوة فاستَأْذَنه في العَوْد إلى الأندَلُس فأذِنَ له عن تغيُّر خاف أبو القاسم سوءَ مغَبّتِه، فأسرع اللَّحاقَ بالأندَلُس، ولمّا وَصَلَ مالَقةَ ألْفَى أهلَها وقد قاموا بدعوةِ العبّاسيِّينَ داخِلينَ في طاعة الأمير أبي عبد الله محمد بن يوسُف بن هُود المتلقّب بالمتوكِّل على الله أمير المسلمين (١)، فأحاطَتِ العامة بموضع نزوله ظنًّا منهم أنه إنّما وَصَلَ داعيًا لصاحبِه المأمون عن إذْنِه في ذلك ومخُيِّبًا أصنافَ الناس ببلاد الأندَلُس على ابن هُود، فاستَدعاه والي البلد واستَطْلَعَه أمرَه حتى تحقَّق براءتَه ممَّا اتُّهِم به، وهَمَّ بالكَتْبِ في شأنِه إلى المتوكِّل فأبَتِ العامّة إلا قتلَه، وتحرَّشوا للوالي حتى خاف منهم ثورةً عليه أو اختلالَ حال، فأخرَجَه إليهم وقتَلَه ضَحوةَ يوم الاثنين لستٍّ بقِين من ربيعٍ الآخِر من سنة سبع وعشرينَ وست مئة، ﵀ ونفَعَه. ومن غرائبِ الاتّفاق ما ذكَرَه أبو القاسم بنُ عِمران ونقَلْتُه من خطِّه، قال: كنتُ بسَبْتةَ عامَ سبعةٍ وعشرينَ فرأيتُني عند الفقيه شيخِنا أبي العبّاس العَزَفي ﵀ في دُوَيْرة غير دارِه المعلومة له وقدِ اجتَمعَ حولَه حلقةٌ من طلبَة العلم، فبَيْنا نحن نتَذاكرُ قال قائل: أتى السَّيْلُ أتى السَّيل! ونال الحاضرينَ لذلك رَوْعٌ، ثم سمِعتُ من سألَ: من أين جاء؟ قيل: من أَزْمُور، وها هو أحمرُ مُنحدِرٌ إلى البحر، فقال لي شخصٌ كان يُقابُلني مِن أولئك الطلبة: أجزْ [مجزوء الرمل]: * قد أتى الوادي بسَيْلٍ * فقلتُ: * أحمرٍ لِلُّجِّ قاصدْ * فلم يُجِبْني، فقلت: فهُما لابسُ دِرْع ... قَرْنُه في الماءِ راقدْ

стр. 459

فجَعَل يقولُ: ما معنى هذا؟ فقلتُ له: معناه بَيِّنٌ: عادةُ الشُّعراءِ أن تُشبِّهَ النهرَ إذا جَرَتِ الريحُ على مَتْنِه بالدّارع، فهذه صفتُه قبلَ أن يرِدَ عليه السَّيل، ولونُ السّيل أحمر، فالوارِدُ الآنَ هو المتشحِّطُ في دمِه، فضَرَبَ على رُكبتي إنسانٌ كان على يساري ولم أكنْ عَرَفتُ من هو وقال لي: صدَقْتَ صدَقْت، فالتفتُّ فإذا هو أبو القاسم بنُ عَتِيق، فلم تمُرَّ إلا أيامٌ يسيرةٌ وجاء وعبَر البحرَ إلى مالَقةَ فقُتلَ بها لمدّة قريبة، ﵀ ورَزَقَنا العافيةَ بمَنِّه. ٣٦٠ - أحمدُ بن عثمانَ بن حَجّاج بن خَلَف . رَوى بمِصرَ عن القاضي أبي الحَسَن يحيى بن خَلُوف بن مَسْعودٍ التَّميميِّ في شعبانِ ثلاثٍ وستينَ وأربع مئة. يُبحَثُ عنه إن شاء الله. ٣٦١ - أحمدُ بن عثمانَ بن عثمانَ بن أبي بكرٍ الجُهَنيُّ، إشبيليٌّ فيما أحسَب، أبو العبّاس . رَوى عن أبي الحَسَن شُرَيْح، وأبي عبد الله بن أبي العافية. ٣٦٢ - أحمدُ (١) بن عثمانَ بن عَجْلانَ القَيْسيُّ، إشبيليٌّ، سَكَن بأَخَرةٍ تونُس، أبو العبّاس. تَلا بالسَّبع على أبي صالحِ محمد بن محمد المالَقي، ورَوى الحديثَ عن أبي بكر بن عبد الله القُرطُبي، وتفقّه بأبي محمد بن عليّ بن ستاري، وأخَذَ العربيّة عن أبي حَسَن بن جابِر الدّبّاج، وأبي عليٍّ عُمرَ بن محمد الشَّلَوبين. وأخَذَ في طُرُوقه (٢) إلى تونُس بتِلِمْسين (٣) عن أبي زكريّا بن أبي بكر بن عُصفُور، وبِبجايةَ عن أبي الحَسَن بن أبي نَصْر.

стр. 460

وكان محدِّثًا فقيهًا نَحوياً متقدِّمًا في ذلك كلِّه، مشهورًا بالزُّهد والوَرَع والفَضْل، معَظَّمًا عند العامّة والخاصّة. مولدُه بإشبيلِيَةَ سنةَ سبع وست مئة. ٣٦٣ - أحمدُ (١) بن عثمانَ بن محمد بن إبراهيمَ التُّجيبيُّ، غَرناطيٌّ، أبو جعفرٍ الوَرّادُ. وقال فيه أبو جعفر بن إبراهيمَ بن الزُّبير: أحمدُ بن محمد بن عثمان، وهو غَلَط. تَلا بقراءَتَي الحرمِيَّيْن على أبي الحَسَن محمد بن جابِر ابن الرَّمالْيُهْ (٢)، ورَوى عن أبي جعفر بن عبد الله بن شَراحيل، وأبوَي الحَسَن: سهل بن مالك وابن جابِر بن فَتْح، وأبي زكريّا بن عبد الرحمن الأصبَهاني، وأبي عبد الله بن أحمدَ ابن صاحبِ الأحكام، وأبي عامرٍ يحيى بن عبد الرحمن بن رَبيع، وأبي القاسم أحمدَ بن عبد الوَدُود بن سَمَجُون، وأبي محمد ابن الكَوّاب لقِيَهم ببلدِه، وقَرأ وسَمع عليهم وأكثَرَ عنهم وأجازوا له، وحدَّث بالإجازة عن أبي بكر بن عليِّ بن حَسْنُون، وأبي عَمْرو (٣) ابن عَيْشون، وأبوَيْ محمد: ابن عبد الرحمن بن عليِّ الزُّهْري وغَلْبُون. حدثنا عنه أبو جعفر بنُ الزُّبَير، وكان مُقرِئًا مُتْقِنًا لُغَوّيًا ضابطًا ثقةً فيما يَرويه أديبًا مُقيِّدًا سَنِيًّا ذا مشاركة في فنون من العلم، طبيبًا ماهرًا حسَنَ المجالَسة مُمتِع المحاضرة توفِّي بغَرناطةَ في رمضانِ ستٍّ، وقال ابنُ الزُّبَير: ثمانٍ وخمسينَ وست مئةٍ وقد أرْبَى على السبعين. ٣٦٤ - أحمدُ (٤) بن عثمانَ بن عَجْلانَ القَيْسيُّ، إشبيليٌّ، نزَلَ تونُس، أبو العبّاس.
следующие страницы →