ما كان اَثرَها لأهل الفَضْل في ... تسميعِها للنَّقْل والمأثورِ
ما كان أنْزَهَها عن الدّنيا وعن ... طُلّابِها تَرميهمُ بالمُورِ
أين السَّماحةُ والشّجاعةُ والتُّقَى ... ها إنّها قُبِرَتْ معَ المقبورِ
يا فائتي بزمانِهِ ومكانِهِ ... ولئنْ ظفِرتُ برؤْيةٍ وحضورِ
أشكو إليكَ تعطُّشي وتوحُّشي ... لمّا حَلَلْتُ برَبْعِك المهجورِ
ماذا أصابَ الفَضْلَ بعدَك من شَجًى ... حتى لَيَرنُو من عيونٍ عُورِ
أخلَيْتَ صدرَ الدَّستِ فاختَلّتْ بهِ ... إذْ ناب قومٌ ما همُ بصُدورِ
فالآنَ يُعرَفُ قَدْرُ فضلِك إنّما ... يُدرَى ضياءُ الشمسِ بالدَّيْجورِ
فأحَلَّك الرَحمنُ دارَ نعيمِهِ ... وحُبورهِ معْ جَدِّك المَحْبورِ
وكساك في الفِردَوْسِ حَلْيًا فاخِرًا ... من لؤلؤ وزَبَرْجَدٍ وشُذورِ (١)
وسيأتي بعضُ ذلك في رَسْم أبي محمد بن يحيى عَبْدون (٢) وغيرِه إن شاء الله.
وُلد قُبَيْلَ الزّوال في ساعة الرَّواح إلى الجُمعة لخمسٍ خَلَوْنَ من شوّالِ اثنتينِ وأربعينَ وخمس مئة، ومنَ الاتّفاق الغريب أنّ كَنِيَّهُ أبا عُمر بنَ عبد البَرّ المذكورَ آنفًا وُلد يومَ الجمُعة والإمامُ يَخطُبُ لخمسٍ بَقِينَ من رَبيع الآخِر سنةَ ثمانٍ وستينَ وثلاث مئة، فبينَهما مُوافقةٌ ما.
واستُشهِدَ أبو عُمر بن عاتٍ ﵀ في وَقيعةِ العُقَاب من ناحية جَيّانَ على المسلمينَ يومَ الاثنين منتصَفَ صَفَرِ تسع وست مئة، فُقِد فيها فلم يوجَدْ حيًّا ولا ميِّتًا، وكانت هذه الحادثةُ الشَّنعاءُ معَ الناصِر أبي عبد الله محمد ابن المنصُور أبي يوسُفَ يعقوبَ من بني عبد المؤمن، وهي التي كانت السببَ الأقوى
стр. 737
في تحيُّفِ الرُّوم بلادَ الأندَلُس حتّى استَوْلَوا على مُعظمِها وأفضى إلى خَلائها من أهل المِلّة الحنيفيّة، إنّا لله وإنّا إليه راجعون.
أنشَدَني القاضي أبو محمد ابنُ القَطّان ﵀ قال: أنشَدَني الحافظُ الشّهيدُ أبو عُمر بن عاتٍ ﵀ قال: أنشَدَني الحافظُ المُتفنِّن أبو الحَسَن بنُ المُفضَّل المَقْدِسيُّ ﵀ لنفسِه، وهو من تجنيسِ القوافي البديع [الطويل]:
أيا نفْسُ بالمأثورِ عن خيرِ مُرسَلٍ ... وأصحابِه والتابِعينَ تَمسَّكي
عساكِ إذا بالغتِ في نَشْرِ دينهِ ... لِما طاب من نَشْر له أن تَمسَّكي
وخافي غدًا يومَ الحسابِ جَهنَّمًا ... إذا لَفَحَتْ نيرانُها أن تَمسَّكي
٨٥٩ - أحمدُ بن هارونَ بن خَلَف التُّجيبي، مَرْوي، أبو العبّاس .
رَوى بمدينة فاسَ عن أبي الحَسَن عَبّاد بن سِرْحان.
٨٦٠ - أحمدُ بن هشام بن أحمدَ بن قاسِم بن أحمدَ بن معاويةَ اللَّخْمي .
٨٦١ - أحمدُ (١) بن هشام بن أحمدَ بن محمد بن عبد الله بن خَلَف بن هشام الحَضْرَميّ، قُرْطُبي، سكَنَ إشبيلِيَةَ، أبو العبّاس.
رَوى عن أبوَيْ جعفر: ابن محمد بن يحيى وابن عبد الرّحمن بن مَضَاء. وكان مُقرِئًا مجوِّدًا.
مَوْلدُه بقُرطُبةَ بعد صَلاة العشاءِ ليلةَ عيد الفِطر سنةَ ستٍّ وسبعينَ وخمس مئة، وتوفِّي يومَ الأحد منتصَفَ ذي قَعْدةِ سنة ثمانٍ وعشرينَ وست مئة.
٨٦٢ - أحمدُ بن هشام بن خَلَف بن عبد الملِك الأنصاريُّ، إلشِيٌّ، أبو العبّاس .
رَوى عن أبي الوليد محمد بن أحمد بن رُشْد.
стр. 738
٨٦٣ - أحمدُ بن هشام بن عبد الغافِر، إشبِيليٌّ .
رَحَلَ إلى المشرِق، ورَوى بمكّة شرَّفها اللهُ عن أبي ذَرّ عَبْد بن أحمدَ الهَرَوي.
٨٦٤ - أحمدُ بن هشام بن عليّ بن سَعيدٍ الهاشمي (١)، أبو العبّاس.
رَوى عن أبي الحَجّاج بن محمد ابن الشّيخ.
٨٦٥ - أحمدُ بن هشام بن نَصْر الفِهرِيُّ، طُلَيْطُليٌّ .
كان من أهل العلم والعدالة، حَيًّا سنةَ إحدى وثلاثينَ وأربع مئة.
٨٦٦ - أحمدُ (٢) بن هشام الجُذَاميُّ، مَرَويٌّ، سكَنَ قُرْطُبةَ، أبو العبّاس الزَّوْزَناليُّ، بزايَيْنِ مفتوحَيْن بينَهما واوٌ ساكنة وبعدَ آخرِهما نونٌ وألفٌ ولام منسوبًا.
تَلا بالمَرِيّة على (٣) أبي الحَسَن عبد العزيز بن عبد الملِك بن شَفِيع، وبقُرْطُبةَ على أبي القاسم خَلَف بن إبراهيمَ ابن الحَصّار. وله رحلةٌ حَجَّ فيها، وتَلا بالإسكندَريّة على أبي القاسم (٤) ابن الفَحّام، وتلا على أبي عليّ (٥) العَوْسَجي، بعَيْن غُفْل مفتوح وواوٍ ساكنة وسين مفتوح وجيم منسوبًا.
تَلا عليه أبو القاسم عبدُ الرّحمن بن محمد بن غالِب ابن الشَّرّاط، وكان مُقرِئًا مُتقِنًا ضابطًا مُجوِّدًا حسَنَ السَّمْت مُلازمَ الصمت, أقرَأَ مدةَ إقرائِهِ كتابَ الله محُتِسبًا. وتوفِّي سنةَ ستٍّ وثلاثينَ وخمس مئة.
стр. 739
٨٦٧ - أحمدُ (١) بن هشام القَيْسيُّ، غَرْناطيٌّ، أبو العبّاس.
رَوى عن أبي إسحاقَ ابن الإلبِيريِّ الزاهد، رَوى عنه أبو زيد بن عليّ النُّمَيْريُّ والدُ الراوِيةِ أبي عبد الله.
٨٦٨ - أحمدُ بن هشام، إشبِيليٌّ .
رَوى عن أبي عليّ بن سُكّرة.
٨٦٩ - أحمدُ بن هشام، مَرَويٌّ، أبو العبّاس .
رَوى عنه أبو عبد الله بن الحَسَن بن سَعيد، كان مُقرِئًا حَسَنَ القيام على تجويدِ حروف القرآن.
٨٧٠ - أحمدُ بن يَبْقَى بن إبراهيمَ بن يُربُوع الحِمْيَري .
٨٧١ - أحمدُ (٢) بن يحيى بن أحمدَ بن سُعود العَبْدَريُّ، قُرْطُبيّ، نَزَل مَرّاكُش، أبو جعفرٍ وأبو العبّاس.
وقال فيه أبو عبد الله ابنُ الأبّار: أحمدُ بن يحيى بن إبراهيمَ، ووَهِمَ في ذلك.
رَوى عن أبي إسحاقَ بن مَرْوان بن حُبَيْش، وأبي بَحْر سُفيانَ بن العاص، وأبي بكر بن عبد الله ابن العَرَبي، وأبوَيْ جعفر: ابن عبد الرحمن البِطْرَوجيّ وابن عليّ ابن الباذِش، وأبوَي الحَسَن: شُرَيْح ويونُس بن محمد بن مُغيث، وأبي الطاهِر محمد بن يوسُف التَّميميّ، وأبوَيْ عبد الله: جعفرٍ حفيدِ مكّيّ وابن مَسْعود بن أبي الخِصَال، وأبوَي القاسم: عبد الرحمن بن أحمدَ بن رِضا وعبد الرحيم ابن الفَرَس.
стр. 740
رَوى عنه أبو الرّبيع بن موسى بن سالم، وأبو عبد الله بنُ محمد بن دادوش، وأبو يعقوبَ بن يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن التادَليُّ ابنُ الزَّيّات. وحدَّثنا عنه شيخُنا أبو عليّ حَسَنٌ الماقريُّ الكفيفُ.
وكان مشاركًا في فنونٍ من العلم، محدِّثًا مُسنِدًا عاليَ الرِّواية، حُلوَ النادرة، قويَّ العارضة، صَدْرًا في مشيخةِ أهل العلم بمَرّاكُشَ حظيًا عندَ الأُمراءِ مِقْدامًا في مَجالسِهم مقبولَ القولِ لديهم، مُبرِّزًا عندَ الخاصّةِ والعامة، صاحبَ مَنْظوم ومَنْثور وإجادةٍ فيهما، بارعَ الخَطّ، كتَبَ قديمًا عن بعض أُولي الأمر، وكان الأدبُ ومعرفتُه أغلَبَ عليه، واقتنَى من دفاترِ العلم ما قُوِّم بعدَ وفاتِه بستةِ آلاف دينار أو أزيَدَ.
وقد كثُرَ منه الاجتراءُ على الأُمراء من آل عبد المؤمن وتكرَّر تنكيته عليهم وتشنيعُ أحوالِهم حتّى أثَّرَ ذلك عندَهم واستَثْقلوهُ منه، وله في نحوِ ذلك أخبارٌ جافية، منها: أنّ أبا يوسُفَ المنصورَ قَدَّم بَنِيه وصِغارَ إخوتِه وبني أعمامِه وذوي قَرابتِه وُلاةً في البلاد ترشيحًا لهم وإشادةً بمكانتِهم لديه وتنبيهًا لقَدْرِهم، ووافَقَ ذلك فَصْلُ (١) شدّة القَيْظ، فأنكَرَ ذلك أبو العبّاس هذا أو أنكَره غيرُه من رُؤساءِ الدولة، فسَنَحَ له أو سُئل منه الاحتيالُ في فَسْخ ذلك التقديم فعَمَدَ إلى أزياءِ الملابس التي جَرَتْ عادةُ المُترَفِينَ باستعمالِها في فَصْل شدّة القُرّ كالفِراءِ وثيابِ الملف والقَباطِيِّ والبَرانِس فاستكثَرَ من لِباسِها وظاهَرَ بعضَها ببعض، وحَضَرَ بهذا الرِّياش بمجلس خوَاصِّ الطلبة ومجتمَعِهم بدار الإمارة، فعَجِبوا من استعمالِه مثلَ تلك المشار في ذلك الفَصْل واستَشْعروا أنّ فعلَه ذلك لإحدى فواقرِه، ومقدِّمةً لبعض نوادرِه، فسألوهُ عن سببِ مُظاهرتِه بتلك الملابس في ذلك الفَصْل الذي لا يستطيعُ أحدٌ استعمالَ مفرداتِها فيه، فقال لهم: إنّما قَدَّرتُ أنه فَصْلُ القُرّ وشِدّتهُ، وأنا منه في شهرِ يَنيَر، بلسان الرُّوم، وهو
стр. 741
كانونُ الآخِر يالسُّريانيّة، وهو طُوبة بالقِبْطيّة، فقيل له: وما الذي حمَلَك على هذا التقدير؟ فقال: إنّي رأيتُ المدائنَ فُرِّقت على الصِّبيان والأطفال يعبَثُونَ بها ويَعِيثونَ فيها ثم يأكُلونَها، يُورّي عن المدائنِ وهي البلاد بالمدائن (١) التي عُهِدَ ببلادِ المغرِب والأندَلُس عمَلُها في النَّيْروز منَ الدّقيق الحُوَّارَى الملتُوتِ بالزَّيت المُحكَم العَجْن بالماءِ المتّخَذة رُغُفًا مَفارَيد أو مَثَنَّيات أو مُثلَّثات كيفَما اختير عَملُها، وتُنقَشُ وتُصنَعُ فيها أشكالٌ من العجين مرَكَّبة على البَيْض المصبوغ بالحُمرة أو الخُضرة أو بغر ذلك من الألوان بحسَبِ المتخيَّر لها ثم يُفدَّمُ الجميعُ بالزَّعفَران ويُطبَخُ في الفُرن ويُجمعُ إليه أصناف الفواكه، ويَحتفِلُ كلُّ إنسانٍ في انتخابِها وتجويدِ صَنْعتها ويتَباهى في الإنفاق فيها على قَدْر وُسعِه واعتنائه بذلك، ثُم يُدفَعُ ذلك كلُه إلى الأصاغر إدخالًا للسرور عليهم وتوسيعًا في الترفيه لأحوالِهم وتبشيرًا بخِصبِ عامِهم وتفاؤلًا لبَسْط الرِّزق فيه لهم، فيَبهَجُونَ ويتمكّنُ جَذَلُهم ويتفاخَرون بمقاديرِها بينَهم، ويتَمادَى [ذلك] (٢) لديهم أيامًا بحسَبِ كثرتِها وقِلّتِها، ثم يأتونَ عليها أكلًا وتفكُهًا بما مَعها من أصنافِ الطُّرَف والفواكه، فكان فعلُ أبي العبّاس هذا سببًا في فَسْخ ذلك التقديم وصَرْف أولئك الأصاغِرِ عن تلك الوِلايات في البلاد، وله أشباهٌ لهذه الفَعْلة معَ الأُمراء، حتّى استَجْفَوه واستَثْقَلوه، ومعَ ذلك فلم يزَلْ يُحاضرُ طلبةَ العِلم بمجلسِ المنصُور الخاصِّ بهم ويُذاكرُهم بينَ يدَيْه مَرْعيَّ الجانب ملحوظًا بعَيْن التكرِمة محترَمًا لشاختِه واضْطلاعِه بالمعارِف إلى أن وُجِدَ منه يومًا بمجلس المنصُور ريحُ مُسكِر فاستُثبِتَ أمرُه بالاستنكاه وتُحقِّق، فعند ذلك أمَرَ المنصورُ بإقامةِ الحدِّ عليه وجَلْدِه بين يدَيْه، ولمّا بلَغَ جالدُه أربعينَ جَلدةً أشار إليه أبو العبّاس بأنْ يَكُفَّ وابتَدَر لباسَ ثيابِه وقال للمنصور: أنا أحد
стр. 742
عبْدانِكم، ولا يجبُ عليّ سوى أربعينَ جَلدةً منتهَى حدِّ العبد، فقبِلَ ذلك المنصورُ منه على عِلمِه بما في طيِّه من التنكيت عليه، وإنّما أشار بذلك أبو العبّاس إلى معتَقدِ آل عبد المؤمن وطائفتِهم قديمًا وحديثًا أنّ كلَّ من خرَجَ عن قبائِلهم المعتقِدة هِدايةَ مَهْديِّهم وعصمتَه فهم عَبيدٌ لهم أرِقّاءُ، فصَرَفَه المنصورُ إلى منزلِه، واستمرَّ هِجرانُه إياه ومَنْعُه حضورَ مجلسِه إلى أن توفِّي المنصورُ ووَليَ ابنُه الناصرُ فتَركَه مُغضَبًا على ما كان عليه آخِرَ أيام أبيه إلّا أنه أباحَ له التصرُّفَ في حوائِجه ولقاءَ من يريدُ لقاءه من أصنافِ الناس، وقد كان ذلك ممّا حَظَرَه عليه المنصورُ، فاستقَرَّ حالُ أبي العبّاس على ما ذُكِرَ من الإخمال إلى أن توفِّي عن سنٍّ عالية بمَرّاكُش يومَ عاشوراءِ تسع وتسعينَ وخمس مئة (١).
стр. 743
سلسلة التراجم الأندلسية
الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة
تأليف
أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الملك الأنصاري الأوسي المراكشي
(٦٣٤ هـ - ٧٠٤ هـ)
حققة وعلق عليه
الدكتور إحسان عباس
الدكتور محمد بن شريفة
الدكتور بشار عواد معروف
[المجلد الثاني]
[٢ أ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
صَلّى اللهُ على سيّدِنا محمدٍ وعلى آلِه
السِّين
١ - سابِقُ بن عبد الرّحمن بن يحيى، سَرَقُسْطِيٌّ، أبو يحيى .
رَوى عن أبي عبد الله بن منظور، وأبي الحَسَن بن عَبَادِل، وأبي سِرَاج؛ وله رحلةٌ إلى المشرِق، رَوى فيها بطَرَابُلُسَ عن أبي موسى هارونَ بن عُمرَ بن سعيد الطَّرَابُلُسي.
٢ - سابقٌ (١)، مَوْلَى خَلَف بن عليٍ الرُّعَيْنيّ، أندَلُسيٌّ، أبو العبّاس.
رَوى عن أبي مَرْوانَ بن سُليمانَ الخَوْلاني. روى عنه أبو القاسم خَلَفُ بن عُمر الباجِيُّ في صفَرِ خمسٍ وأربعينَ وأربع مئة.
٣ - سالمُ (٢) بن أحمدَ بن فَتْح، قُرْطُبيٌّ، أبو النَّجاة.
سَمِع الحديثَ وأكثر من كَتْبِه عن شيوخ بلدِه ثُم مال إلى الظاهِريّة بصَداقةِ مُتشبِّعهم (٣) في الأندَلُس أبي محمد عليِّ بن أحمدَ بن حَزْم، وكتَبَ كثيرًا من مصنَّفاتِه، وكان أوّلَ أمرِه رَفّاءً [مشهورًا بيْنَ] (٤) أهلِ عَصْرِه في ذلك، ثُم تحَوَّل إلى الكتابة فجاء في القُدرة عليها وبَطْشِه بها نسيجَ وَحْدِه، أقدَرَ أهلِ زمانِه على الانتساخ.
مَولدُه سنةَ سبع وتسعينَ وثلاث مئة، وتوفِّي عن غير عَقِب ابنَ بِضْع وستينَ سنةً، ودُفن بالمقبُرة المُحْدثَةِ تُجاهَ بابِ القَنْطرةِ، يومَ الاثنين لثلاثَ عشَرةَ
стр. 747
ليلةً بقِيَتْ من ذي قَعْدةِ سنة إحدى وستينَ وأربع مئة، وصَلّى عليه معاويةُ العُقَيْليُّ الفقيهُ، وشَهِدَه جمعٌ من الناس وأتبعوهُ ثناءً جميلًا.
٤ - سالمُ (١) بن إبراهيمَ بن عبد الرّحمن الصَّدَفيُّ، سَرَقُسْطيٌّ، استَوطَنَ مدينةَ فاس، أبو الخَيْر، ابنُ حَرَّكالُّش.
رَوى عن أبي زيدٍ الوَرّاق، وأبي علي الصَّدَفيِّ وأكثَرَ عنه، وأبي محمد بن فُورْيش. وكان محدِّثًا راوِيةً عَدْلًا فقيهًا، عاقدًا للشُّروطِ شديدَ العناية بها، حسَنَ الخَطّ، ورحَلَ إلى المشرقِ وتوفِّي بديارِ مِصرَ، نفَعَه اللهُ.
٥ - سالمُ (٢) بن صَالح بن عليّ بن صالح بن محمد بن خَلَف بن عبّاس -بالباءِ بواحدةٍ والسِّين الغُفْل- ابن سالم بن غَسّانَ بن هَمْدانَ بن حديدةَ بن زَبان -بالزاي وبالباءِ بواحدة- ابن عبد الله بن متوَكِّل بن سَعيد بن نَمِرَان؛ وحديدةُ هو الداخلُ إلى الأندَلُس ونزَلَ يُربِعُونَ بقرية تُسمَّى بني حديدةَ على وادي بِيْرة، الهَمْدانيُّ، مالَقيٌّ، أبو عَمْرو.
وكثيرًا ما كان يَختِمُ إيرادَ نسَبِه بسالمٍ، أو يَكتُبُ: ابنُ سالم، وبابنِ سالم يُشهَر؛ ولا أدري أين موقعُهُ [٢ ب] حقيقة من نَسَبه، وقد وقَفْتُ على نَسَبِه مُنوَّعًا بالطُّولِ والقِصَر، ووقَفْتُ منه على خلافٍ كثيرٍ فيه، وأتمُّ ما رأيتُ منه ما بَدأْتُ به، واللهُ أعلم.
رَوى عن أبيه، وأبي إسحاقَ الزّوالي، وآباءِ بكر: عَتِيقٍ العَبْدَريِّ وابن الجَدِّ وابن أبي زَمَنينَ وابنِ أبي القاسم بن سَمَجُون ويحيى التُّطِيليِّ، وأبي جعفر بنِ حَكَم، وأبي الحَجّاج ابن الشّيخ، وآباءِ الحَسَن: عبدِ الرّحمن بن محمد بن مَسْلَمةَ
стр. 748
وابن خَرُوف القُرْطُبيِّ الشاعر وابن فَرْحُونَ وابن كَوْثَرٍ وفائز، وآباءِ الحُسَين: ابن عمِّه لَحًّا محمد بن الحَسَن وعُبَيد الله بن قُزْمان وعليٍّ الوَقَّشي ومحمد بن جُبَيْر، واليَحْيَيَيْنِ: ابن الصّائغ وابن علي الرُّعَيْني، وأبوَيْ ذَرّ: محمد بن عبد العزيز ومُصعَب بن أبي رُكَب، وأبي الرَّبيع بن أحمدَ بن عيسى، وأبي زكريّا الأصبَهانيِّ مُقيم غَرْناطة، وأبوَيْ زَيْد: السُّهَيْليِّ والفازازي، وأبي سُليمانَ بن حَوْطِ الله، وأبي الصَّبْر أيوبَ الفِهْرِيّ، وأبي طالبٍ عَقِيل بن عَطِيَّة، وآباءِ عبد الله: الإسْتِجيِّ والأندَرْشيِّ وابن بُونُه وابن ذِمَام وابن زَرْقُون وابن صابِر وابن صاحبِ الصّلاة وابن عبد الله البَكْريِّ وابن عَرُوس وابن غالِب الرُّصَافيّ، رَآه صغيرًا معَ أبيه مرّات، وابنِ الفَخّار وابن نُوح، وآباءَ العبّاس: الأَنْدَرْشيِّ وابن شَكِيل وأصبَغَ بن أبي العبّاس، وأبويْ عليّ: الحَسَنينِ: القُرطُبيِّ وابن كِسْرى، وأبي عُمرَ بن عاتٍ، وأبويْ عِمران: المارْتُليِّ الزّاهد وابن زكريّا الكُوْمي، وأبوَيْ عُمر: رَضِيِّ بن المُنذر وهشام بن أصبَغَ، وأبي كامل صِهرِه تَمّام بن غالِب، وأبي الفَضْل ابن عمِّه العبّاس، وآباءِ القاسم: الأحْمَدَيْن: ابن سَمَجُون وابن نُصيْر، وعبدِ الرحمن الشَّرَّاط، والمحمَّدَيْن: ابن عبد الواحِد المَلّاحيِّ وابن محمد بن عبد الرزّاق، وآباءِ محمد: ابن جُمهُور وابن القُرْطُبيّ وابن حَوْطِ الله وابن محمد بن ذِمَام وعبد الحقِّ بن بُونُه وعبد المُنعِم ابن الفَرَس، وعَبْدَي الوَهّاب: ابن الأصَمِّ وابن عبد الصّمد، وأبي المتوكِّل الهيْثَم، وأبي يحيى محمد بن عليِّ بن مَسْعَدةَ، وغيرهم، لقِيَهم وأكثَرَ عن أكابرِهم، وأجاز له أكثرُهم.
وكتَبَ إليه بالإجازة، من الإسكندَريّة: أبو القاسم عبدُ الرّحمن بن إبراهيمَ ابن عُمرَ بن العبّاس ابنُ الخَطيب، ومن مكّةَ كرَّمها الله: أبو محمد يونُسُ بن يحيى ابن أبي البَرَكات الهاشميُّ، وأبو الطاهِر السِّلَفيُّ بالإجازة العامّة، نقلتُه من خطِّه.
رَوى عنه أبو إسحاقَ بنُ أبي الصَّبر الفِهْرِيُّ، وأبو جعفر بنُ راشد، وأبو الحَسَن بن عبد الله الباهِليّ، وأبو الحُسَين عُبَيدُ الله بن [٣ أ] عاصِم الدائريّ، وآباءُ عبد الله: ابن أحمدَ ابن الخازِن وابن عَسْكَر وابن عليّ المُهْرِيُّ، وأبو العبّاس
стр. 749
ابن [....] (١)، وأبو محمد بنُ محمد الباهِليّ، وحدَّثنا عنه شيخُنا أبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ ﵀ (٢).
وكان أديبًا بارِعًا، شاعرًا مُجِيدًا، طيِّبَ النفْس لَوْذَعيًّا، حَسَن الخُلُق، غزيرَ الدّمعة عندَ ذِكْرِ النبيِّ ﷺ ، كثيرَ الخشوع عند سَماع أخبارِه، متواضِعًا سليمَ الصَّدر، جميلَ الصُّحبة والمعاشَرة، مُبتذَلَ الملبَس جانحًا إلى الزهد والانقباض، مُمتَّعًا متّسِعَ الرّواية، ضابِطًا شديدَ العناية بتقييد العلم ولقاءِ حَمَلتِه، أخَذَه عن أكابرِ شيوخٍ عَصْره وعن من يَتنزَّلُ منزلةَ بَنِيه فمَنْ بينَهم؛ شَغَفًا بالعلم وحرصًا عليه ورغبة في استفادتِه، كتَبَ الكثيرَ وجمَعَ، وكان مُولَعًا بانتساخ الكُتبِ الصِّغار والكراريس، وقَفْتُ على كثيرٍ منها بخطِّه في فنونٍ من العلم.
ومن شعرِه ما أنشَدتُه على شيخِنا أبي الحَسَن الرُّعَيْنيِّ، ﵀، عنه (٣) [الخفيف]:
عزَّ من لا يَموتُ يا مَنْ يموتُ ... وتَعالى فلم تَنَلْهُ النُّعوتُ
إنّ دُنْياك هذه غِرَّةٌ ما ... لثباتِ الأنام فيها ثبوتُ
فاترُكَنْها فإنّها أُمُّ دَفْرٍ ... لبَنِيها غَرَّارةٌ خَلَبوتُ
ومنه بالطريق المذكور (٤) [البسيط]:
حَسِّنْ فعالَكَ واجنَحْ للتُّقى أبدًا ... وسَلْ منَ الله حُسْنَ الخَلْقِ والخُلُقِ
وطهِّرِ القلبَ من شكٍّ ومن دَنَسٍ ... فآفةُ الثوبِ أن يُطْوَى على خَلَقِ
قال شيخُنا أبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ ﵀: وجَدتُ هاتَيْنِ القطعتينِ منسوبتينِ إليه ولا أحقِّقُهما له.
стр. 750
ومن شعرِه في الضَّراعة لربِّه والخَوْف من المؤاخَذة بذَنْبِه (١) [الوافر]:
إلهي قد عَصَيْنا منكَ ربًّا ... تَعالى أن يُقابَلَ بالمعاصي
فكيف خَلاصُنا من هولِ يومٍ ... تَشيبُ لهولِهِ سُودُ النَّواصي؟!
وكانت بينَه وبينَ أُدباءِ عَصْره مخاطَبات نظمًا ونثرًا، وهُو كان مثيرَ أُدباءِ مالَقةَ في عَصْره إلى ما يَصدُرُ عنهم من نَظْم أو نَثْر في أحوالٍ تطرَأُ وأغراض تنشَأ، وفيقيِّدُها عنهم وَينشُرُ بها محاسنَهم، عُنيَ بذلك كثيرًا وشُغِفَ به.
توفِّي بمالَقةَ ليلةَ الاثنينِ الثامنةَ عشْرةَ من رمضانِ عشرينَ وست مئةٍ وقد نَيَّفَ على السِّتين.
٦ - سالمُ بن عبد الله بن عبد العزيز بن حُسَين .
رَوى عن أبي العبّاس بن غَزْوان.
٧ - [٣ ب] سالمُ (٢) بن عبد الرّحمن بن عُمرَ بن محمد بن فُورْتِش، سَرَقُسْطيُّ، أبو المُنذِر.
رَوى سَماعًا عن قريبه القاضي أبي محمد بن إسماعيلَ سنةَ ثمانٍ وسبعينَ وأربع مئة. وأجاز له من أَهل المشرِق بإفادةِ أبي عليّ الصَّدَفيِّ: الأحامدُ: ابنُ الحَسَن بن خَيْرُون أبو الفضل وابنُ عبد القادر أبو الحُسَين وابن محمد العَبْدي أبو يَعْلَى، وجعفرُ بن محمد أبو محمد ابنُ السَرّاج، والحَسَن بن عليّ البَزّاز أبو غالب، والحُسَين بن عليّ الطَّبَريُّ أبو عبد الله، وحَمْدُ بن أحمدَ الأصبَهانيُّ أبو الفَضْل، وحمزةُ بن محمد بن الحَسَن الزُّبَيْري أبو القاسم، ورزقُ الله بن عبد الوهّاب أبو محمد، وطِرَادُ بن محمد الزَّينَبيّ أبو الفَوارس، وعَبْدا الله: ابن طاهر أبو القاسم وابن عليّ بن محمد بن أبي زكريّا أبو الفَضْل، وعبد الواحِد بن عليّ بن فَهْد أبو
стр. 751
القاسم، وعاصمُ بن الحَسَن أبو الحُسَين، والعَلِيُّونَ: ابنُ الحَسَن بن الحُسَين الشافعيُّ وابن الحُسَين بن عليّ بن أيُّوبَ وابنُ محمد بن محمد بن الطيِّب آباءُ الحَسَن، والمُحمَّدان: ابنُ أحمدَ بن عبد الباقي أبو بكر وابن عليّ بن أبي عثمانَ أبو الغنائم، ومالكُ بن أحمد بن عليّ البانْيَاسيُّ أبو عبد الله، والمبارَكُ بن عبد الجَبّار أبو الحُسَين، ونَصْرُ بن إبراهيمَ المَقْدِسي أبو الفَتْح، وقد تقَدَّم ذكْرُهم مُستوفًى في رَسْم أبي جعفر بن عبد الرّحمن بن سُليمانَ بن بالِغ فراجِعْه إن شاء الله (١).
٨ - سالمُ (٢) بن عليّ بن محمد بن سالم اللَّخْميُّ، أبو بكر.
رَوى عن أبي محمد عُلَيْم بن عبد العزيز (٣).
٩ - سالمُ بن عليّ بن محمد الأنصاريُّ، أبو علي .
رَوى عن الزّاهد أبي صالح محمد بن محمد. رَوى عنه أبو المجدِ عبدُ السلام ابن إبراهيمَ القُرَشيُّ، وكان صالحًا وَرِعًا فاضلًا.
١٠ - سالمُ بن محمد بن سالم بن عبد الرّحمن الأنصاريُّ ثم السّالِميُّ .
١١ - سالمُ (٤) بن محمد بن وَهْب الأُمويُّ، بَيْرانيٌّ -بفَتْح الباءِ بواحدة وسكون الياء المسفُول وفَتْح الراءِ وألفٍ ونون منسوبًا- أبو النَّجاة.
سَمِع أبوَيْ بكر: أُسامةَ بن سُليمان وابنَ بُرْطُلُه، وأبا الحَسَن ابنَ ذي النُّون (٥)، وأبا حَفْص بن بِيبَش، وأبا الخَطّاب بنَ واجِب، وأبا عُمر بنَ عاتٍ، وأبا محمد بنَ حَوْطِ الله وأكَثَرَ عنه. وكان مُقرئًا محدِّثًا تصَدَّى لذلك بدانية.
وتوفِّي بعدَ ثلاثينَ وست مئة بمدة.
стр. 752
١٢ - سالمُ بن محمد بن يحيى الأُمَويُّ، قُرْطُبيٌّ .
كان من أهل العلم والعدالة، حَيًّا سنةَ إحدى وخمسينَ وأربع مئة.
١٣ - سالمُ بن محمد، قُرطُبيٌّ، أبو الحُسَين .
رَوى عن شُرَيْح.
١٤ - سالمٌ (١)، أندَلُسيٌّ، أبو النَّجاة، ابنُ الرَّسَّان.
كان مُتفقِّهًا.
١٥ - السائبُ [٤ أ] بن عبد الرّحمن بن وَهْبُون، أبو الغَمْر .
١٦ - سَحْنُونُ (٢) بن حَيّ، حِجَازيٌّ.
كان ذا معرِفة بالفقه والأدب وحظٍّ من قَرْض الشِّعر.
١٧ - سحنونُ (٣) الكفيفُ.
حَدَّث عنه أبو بكر بنُ فَنْدِلة.
١٨ - سِرَاجُ بن إبراهيمَ بن محمد بن أسودَ الغَسّانيُّ، مَرَويٌّ .
كان عاقدًا للشُّروط من بيتِ عِلم وجَلالة، حيًّا عامَ عشَرةٍ وست مئة.
١٩ - سِرَاجُ (٤) بن حَسّان بن سِرَاج بن حَزْن بن سَعيد الغَسّانيُّ.
من جُندِ دِمَشْق، له رحلةٌ حَجَّ فيها، وكان من أهل الخيرِ والفَضْل عريقًا في ذلك، كان أبوه وجَدُّه فاضلَيْن واستُقضيَ بدلاية وبَرْجةَ وبشيرة مَخْزولًا عن قضاءِ كورةِ إلبيرةَ سنةَ ستٍّ وأربعينَ وثلاث مئة.
стр. 753
٢٠ - سرَاج (١) بن عبد الله العُثْمانيّ، نزَلَ المَرِيّة، أبو الحُسَين.
رَوى عنه أبو سُليمان بن حَوْطِ الله للقاضي أبي محمد بن عَطِيّة في وَصْف اللَّمتُونيِّينَ المُلَثَّمين (٢) [الطويل]:
إذا لُثِّموا بالرَّيْطِ خِلتَ وجوهَهمْ ... أزاهيرَ تبدو من فُتُوقِ كمائمِ
وإن قُنِّعوا بالسّابِريّةِ أَبْرَزُوا ... عيونَ الأفاعي في جلودِ الأراقمِ
ويُمكنُ أن يكونَ ابنُ عَطِيّةَ من شيوخِه.
٢١ - سِرْحانُ بن محمد بن يَحيى بن أحمدَ بن سِرْحانَ الأنصاريُّ .
كان حسَنَ الخطّ متقنَ الضّبط، وكتَبَ بخطِّه الكثير، وعُني بتفريق الكَلِم في ما كان يَكتُب، وكان حيًّا بعدَ العشرينَ وخمس مئة.
٢٢ - سَعادةُ بن عبد الرّحمن الأنصاريّ، أبو عثمان .
رَوى عنه أبو عَمْرٍو زيادُ بن الصّفّار، وكان شَيْخًا فاضلًا مُكْتِبًا.
٢٣ - سَعدُ الله بن عبد الله بن واجِب، باجِيٌّ، أبو محمد .
رَوى عن أبي بكرٍ ابن العَرَبي.
٢٤ - سَعْدُ بن أحمدَ بن عبد الله بن يوسُفَ بن سَعيد الأنصاريُّ الساعِديُّ، بَلَنْسِيٌّ فيما أظنُّ، أبو عثمان .
رَوى عن أبي جعفر بن عَوْن الله، وأبي الخَطّاب بن واجِب.
٢٥ - سَعْدُ (٣) بن أحمد بن محمد بن الحَسَن بن خَلَف بن يحيى الأُمَويُّ، دانيٌّ، أبو الطيِّب، ابنُ بَرُنْجال.
стр. 754
رَوى ببلدِه عن أبيه وأبي بكرٍ أسامةَ بن سُليمان، وببَلَنْسِيةَ عن أبي الخطّاب بن واجِبٍ وغيره. وكان من أهل العناية بالتقييد والرِّواية حسَنَ الخَطّ، كتَبَ عِلمًا كثيرًا.
وتوفِّي ببَلَنْسِيَةَ صدْرَ ستٍّ وعشرينَ وست مئة، ودُفن بالمُصلَّى من ظاهرِها.
٢٦ - سَعْدُ بن أبي الفَتْح بن سَلَمةَ، قُرْطُبيّ .
كان فقيهًا عاقدًا للشُّروط عَدْلاً، حيًّا سنةَ ثمانٍ وعشرينَ وخمس مئة.
٢٧ - سَعْدُ بن خالِص بن مَهْديِّ بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الكريم ابن محمد الجَرَويُّ، لَوْشيٌّ, أبو عَمْرو [٤ ب] وأبو عثمان .
رَوى عن أبيه، ورَحَلَ صُحبتَه إلى المشرِق رحلتَه الثانية، وعُني به أبوه فأسمَعَه من بقايا الشّيوخ الذين أدرَكا بالبلاد، واستجاز له جماعةً وافرة، فممّن سَمِعَ أبو عَمْرو عليه أو قرَأَ: عيسى بنُ مُجَلِّي بن حُسَين، عَرَضَ عليه عن ظهرِ قلبٍ القصيدةَ الشاطِبيّةَ في القراءات، وحَدَّثه بها عن صِهرِه ناظمِها؛ وعليُّ بن محمود بن أحمدَ بن عليّ المحموديُّ الصَّابونيّ، ورشيدُ الدِّين أبو يحيى بن عليّ بن عبد الله القُرَشيُّ ابنُ العَطّار، وأحمدُ بن عُمرَ بن إبراهيمَ الأنصاريُّ القُرطُبيّ، قال أبو علي: يُعرَفُ بابن المُزيِّن، وعزُّ الدِّين أبو [محمد] (١) عبد العزيز بن عبد السّلام بن أبي القاسم السُّلَميُّ [الدمشقي] (٢)، وأبو [محمد] (٣) عبد الحميد بن عيسى الخُسْروشاهيّ، وأبو [....] (٤) محمد بنُ عليّ بن هشام الإشبِيليُّ نَزيلُ
стр. 755
القاهرة، وعليُّ بن موسى بن يوسُفَ الدَّهّانُ، ومحمدُ بن إبراهيمَ بن عبد الرّحمن الأنصاريُّ التِّلِمْسينيُّ نَزيلُ القاهرة ابنُ الجِرْش (١)، وأبو محمد عبدُ العزيز بن عبد الوهّاب بن أبي الطاهر بن عَوْف، وأبو الحَسَن عليُّ بن المُقيَّر، ويوسُفُ بن عبد المُعطي بن منصُور، وأبو سَهْل يونُسُ بن يوسُف، ومحمدُ بن إسماعيلَ بن عبد الجَبّار بن أبي الحَجّاج المَقْدِسيّ، وعبدُ العظيم بن عبد القوِيِّ بن عبد الله المُنذِريُّ، ومحُيي الدِّين أبو [بكر] (٢) محمد بن إبراهيمَ بن سُرَاقةَ، ومحمدُ بن عبد الله بن محمد بن أبي الفَضْل السُّلَميُّ، ومحمد بن أبي بكر بن عَفْيُونَ الغافِقيّ، مغرِبيٌّ نَزَل القاهرةَ، لقِيَهم وناوَلَه بعضُهم، وكلُّهم أجازوا له.
٢٨ - سَعْدُ (٣) بن خَلَف بن سَعيد، قُرْطُبيّ، أبو الحَسَن.
تلا بالسَّبع على أبي الأصبَغ بن خِيَرةَ، وأبي القاسم ابن النَّخّاس، وسمع أبوَيْ بكرٍ: خازمًا وابنَ العَرَبي، وأبا الحَسَن شُرَيْحًا، وأبوَيْ عبد الله: ابن الحاجِّ وابن الطَّلّاع، وأبا عليّ الغَسّانيَّ، وأبا محمد بنَ عَتّاب، وأبا الوليد بن رُشْد.
стр. 756
رَوى عنه أبو عليّ الحَسَن القُرْطُبيُّ. وكان مُقرئًا فاضلاً، كريمَ العِشْرة، أمَّ في صلاة الفريضة بمسجدِ الظافِر داخلَ قُرطُبة، وتصَدَّر به للإقراءِ وإسماع الحديث وتعليم العربيّة والآداب.
وتوفِّي في محرَّمِ اثنينِ وأربعينَ وخمس مئة. ذكَرَه ابنُ بَشْكُوال مُقتَضَبًا وقال: إنه توفِّي في شهر ربيع الأوّل من السنة، فاللهُ أعلم.
٢٩ - سَعْدُ (١) بن سَعيد بن سَعْد بن جُزَيّ، بَلَنْسِيٌّ، أبو عثمان.
رَحَلَ إلى الشرِق وسمعَ بمِصرَ على أبي عليّ ابن السَّكَن "صحيحَ البخاري" وكتبَه عنه سنة [٥ أ] خمسٍ وأربعينَ وثلاث مئة، واتّصلت نَباهةُ عَقِبه ببَلَنْسِيَةَ إلى أن تغَلَّب عليها الرُّوم ثانيةً في وَسَط صَفَرِ ستٍّ وثلاثينَ وست مئة، اختَصَرَ ذكْرَه ابنُ الفَرَضيِّ ولم يُسَمِّ له شيخاً، وقال: توفِّي سنةَ ثمانٍ وسبعينَ وثلاث مئة أو نحوَها.
٣٠ - سَعْدُ (٢) بن سَعيد، وَشْقِيّ، أبو عثمان.
سَمِع محمدَ بن يوسُف بن مَطْروح وابنَ مُزَيْن، رَوى عنه سَعيدُ بن فَحْلُون، وقد ذكَرَ ابنُ الفَرَضيِّ سَعيدَ بنَ سَعيد بن كثِير الوَشْقيَّ (٣)، فلعلّه أخوه، أو هُو هذا، وغَلِطَ فيه، قاله ابنُ الأبّار. قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: ولعلّه غيرُهما، واللهُ أعلم.
٣١ - سَعْدُ بن عبد الله بن يوسُف بن عليّ الأنصاريّ، بَلَنْسِيّ، أبو المعالي، ابنُ الجُعَيْدي .
стр. 757
رَوى عن أبوَيْ إسحاق: ابن حِصْن وابن محمد بن عبد الرّحمن، وأبوَيْ بكر: ابن العَرَبي الحاجِّ وابن مَيْمونٍ الشَّرِيشِيّ، وأبي الخَطّاب بن واجِب، وأبي القاسم ابن جُرْج.
قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: لعلّه سَعْدُ بن أحمدَ بن عبد الله المبدوءُ به (١)، فيُحقَّقُ وُيعمَلُ بحسَبِ ذلك إن شاء الله.
٣٢ - سَعْدُ بن عبد العزيز بن عَبّاد اللَّخْميُّ .
٣٣ - سَعْدُ بن عبد الملِك بن سَعْدِ الخَيْر، أبو الحَسَن .
رَوى عن أبي عبد الله بن أبي الخِصَال، وكان أستاذَ عربيّة ضابطًا مُتقِنًا.
٣٤ - سَعْدُ (٢) بن عليِّ بن محمد بن عبد الرّحمن بن زاهِر الأنصاريُّ، بَلَنْسِيٌّ.
تَلا بالسَّبع على أبي جعفر بن عَوْن الله، وأبوَيْ عبد الله: ابن أيُّوبَ بن نُوح وابن عبد العزيز بن سَعادةَ، وأبي عليّ الحُسَين بن يوسُف بن زُلَال، ورَوى عن أبي الخَطّاب بن واجِب، وأبي القاسم بن بَقِيّ، وأبوَيْ محمد: ابن حَوْطِ الله وغَلْبُون.
رَوى عنه أبو الحَسَن محمدٌ وأبو القاسم أحمدُ وأبو بكر عبدُ الله وأبو عبد الله محمدٌ بَنو أبي محمد حِزْب الله، وأبو عبد الله بن صَالح الكِنَانيُّ، وأبو إسحاقَ بن عبد الرّحمن بن عَيّاش، وأبو العبّاس بن محمد بن الغَمّاز، وهُو آخِرُهم (٣)، وكان مُقرئًا مجوِّدًا متحقِّقًا بصَنْعة الإقراء.
٣٥ - سَعْدُ (٤) بن عُمرَ الفقيه، حِجَاريٌّ، أبو عثمان.
стр. 758
رَوى عن أبي بكرٍ محمدِ بن مُعاويةَ القُرَشي، ووَهْبِ بن مسَرّة، حدَّث عنه الصاحبانِ: أبو إسحاقَ بن شِنْظِير وأبو جعفر بن مَيْمون، وغَلِطَ فيه ابنُ بَشْكُوال فأثبتَه في باب سعيد (١)، وإنّما هو سَعْد، قرأته بخطِّ ابن مَيْمون ولا إشكالَ فيه، قاله ابنُ الأبّار.
قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: قد وقَفْتُ عليه في نُسخة جيِّدة من برنامَج الصاحبَيْن المشترَك بينَهما كما ذكَرَ ابنُ بَشْكُوال، وسَعيدٌ فيه بياءٍ بيِّنة والعينُ مكسورةٌ مجوَّدةُ الضّبط، [٥ ب] وهذه النُّسخةُ صحيحة، كانت لأبي الحَسَن بن مُؤمن وعانَى خدمتَها وأتقَنَ تصحيحَها، وكتَبَ محُاذيًا لهذه الترجمة في الحاشية: سعيدٌ هكذا، جَرْيًا على عملِه في جميع المذكورِينَ في هذا البرنامَج، وصار بعدَه لأبي عبد الله الرُّنْديِّ المُسَلْهَم، وعلى الجُملة فهي نُسخة صحيحة، وقد كتَبَ ناسخُها في آخِرِها: قوبِلَ جميعُه بالأصل فصَحّ، وما ذكَرَه ابنُ الأبّار من وقوفِه عليه في خطِّ ابن مَيْمونٍ لم يُبيِّنْ أنه فيه مضبوطٌ بإسكان العين، فتَقْوَى الثّقةُ به وإن كان قد قال: لا إشكالَ فيه، فقد كان في خطِّ ابنِ مَيْمونٍ ﵀ إدماجٌ ومَشْقٌ للحُروف، فالرُّجوعُ إلى ما عندَ ابن بَشْكُوال وما في هذه النُّسخة التي ذكَرْتُ آنفًا أوْلى، واللهُ أعلم. ولم يَذكُر ابنُ الأبّار تاريخَيْ مولدِه ووفاتِه، وقد ذكَرَهما ابنُ بَشْكُوال فقال: مولدُه سنةَ سبعَ عشْرةَ وثلاث مئة، وتوفِّي بعدَ الثمانينَ وثلاث مئة. وفي "البرنامَج" المذكورِ ما نصُّه: وُلد سنةَ خمس وعشرينَ، وتوفِّي في نيِّف وثمانينَ وثلاث مئة بالمشرِق.
٣٦ - سَعْدُ بن محمد بن سَعيد بن عَزِيزيْ -بفَتْح العَيْن الغُفْل وزايَيْنِ مكسورينِ بينَهما وبعد أُخراهُما ياءا مَدّ- التُّجيبيُّ، أبو عَمْرو .
رَوى عن أبي محمد عبد المُنعِم ابن الفَرَس. رَوى عنه أبو عَمْرو أحمدُ بن عليّ بن عمريل، وأبو محمد طَلْحةُ، وكان محدِّثًا عَدْلًا فاضلًا خطيبًا.
стр. 759
٣٧ - سَعْدُ بن محمد بن شَجَرة .
٣٨ - سَعْدُ بن محمد بن عُبَيدٍ الأنصاريُّ، مالَقيٌّ، أبو الطاهر .
٣٩ - سَعْدُ (١) بن محمد بن محمد الأنصاريُّ، غَرْناطيٌّ، أبو الحَسَن وأبو عثمانَ، الحَفّار.
تَلا بالسّبع على أبي الحَسَن بن كَوْثَر، وأبي خالد يزيدَ بن رِفَاعة، وأبي عبد الله بن حَمِيد، وهو آخِرَ الرُّواةِ بالقراءة عنه. ورَوى عن أبي الحَسَن نَجَبة، وآباءِ عبد الله: ابن عَرُوس وابن الكِنَاني وابن المُناصِف.
رَوى عنه أبو بكر أحمدُ وحميدُ ابنا القُرْطبيّ، وأبوا عبد الله: ابن إبراهيمَ مَسْمَغُور وابنُ عِيَاض، وأبو النَّجم فَرْقَدُ بن يَعْمَر. وحدَّث عنه بالإجازةِ أبو عبد الله الطَّنْجاليّ. وحدَّثنا عنه من شيوخِنا أبوا جعفرٍ: ابنُ الزُّبَير وابن الطَّبَّاع، وأبو عبد الله بن أُبيّ، وأبو علي ابن الناظِر.
وكان مُقرئًا مجوِّدًا مُتقِنًا، حافظًا، صحيحَ السَّماع ضابِطًا، ثقةً فيما يَرويه، زاهدًا صالحًا وَرِعًا فاضلاً، عاليَ الرِّواية لعُلوِّ سِنِّه وانفرادِه بالأخْذ عن مُعظَم الشّيوخ الذين أخَذَ عنهم.
قال أبو جعفر بنُ الزُّبَيْر: وشيخُنا أبو الحَسَن يُعَدُّ آخرَ من حدَّث عن ابن كَوْثَر بالقراءةِ والسماع [٦ أ].
قال المصنّفُ عَفَا اللهُ عنه: وَهِمَ أبو جعفر في هذا، فقد رَوى عن ابن كَوْثَر بالقراءةِ والسَّماع أبو الحَسَن ابن قُطْرال بغَرْناطَةَ عام ثلاثةٍ وثمانينَ وخمس مئة، وتوفّي بمَرّاكُش يومَ الاثنينِ لإحدى عشْرةَ ليلةً خَلَتْ من جُمادى الأُولى عامَ أحدٍ وخمسينَ وست مئة، وتوفِّي أبو الحَسَن الحَفّارُ في صَفَرِ ستٍّ وأربعينَ وست مئة بغَرْناطة.
стр. 760
٤٠ - سَعْدُ بن ناصِح، أركَشِيٌّ .
رَوى عن أبي القاسم بن بَشْكُوال.
٤١ - سَعْدٌ، مَوْلى المشاوَر أبي عبد الله بن يحيى، مُرْسِيّ، أبو الحَسَن .
رَوى عن مَوْلاه، ورَحَلَ إلى المشرِق، وحَجَّ وسَمِعَ بمكّةَ كرَّمها اللهُ عن أبي محمد عبد الواحِد بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسُف في محرَّمِ ثمانِ عشْرةَ وخمس مئة.
٤٢ - سَعْدُ الخَيْر بن عبد الله بن سَعْد، أبو الحَسَن .
رَوى عن أبي محمد بن عَتّاب، وأبي القاسم بن محمد بن بَقِيّ.
٤٣ - سَعْدُ الخَيْر (١) بن محمد بن سَهْل بن سَعْد الأنصاريُّ، مَغْرِبيٌّ أندَلُسيٌّ في قول ابن الجَوْزي، بَلَنْسِيٌّ في قول ابن نُقطة، أبو الحَسَن.
سافَرَ الكثيرَ بَرَّا وبحرًا واختَرقَ من الأندَلُس إلى بلاد الصِّين، واستَوطَنَ مكّةَ زادَها اللهُ تشريفًا مدّةً طويلة، وسمعِ بها من أبي مكتوم عيسى بن أبي ذَرّ الهَرَوي، وببغدادَ من أبي بكر بن طَرْخان، وأبوَي الحَسَن: ابن أيّوبَ البَزّازِ وأحمدَ بن عبد القادر، وأبي الحُسَين المبارَك بن عبد الجَبّار، والشَّريفَيْن: النّقيبِ أبي الفَوارس طِرَاد وأبي طالب الحُسَين الزَّيْنَبيَّيْنِ، وأبي الخَطّاب ابن البَطِر، وأبي محمد جعفرِ ابن السَّرّاج، وأبي المعالي ثابت بن بُنْدار، وأبوَيْ منصور: الخَيّاط
стр. 761
وعبد المُحسِن بن محمد. وتفَقَّه عندَ الإِمام أبي حامد الغَزّالي، وتأدَّب بأبي زكريّا التّبريزي، وبأصبَهانَ من جماعةٍ كأبي سَعْد محمد بن أبي عبد الله محمد بن أحمدَ بن سِنْدَه -بكسر السِّين الغُفْل وسكون النُّون ودالٍ وهاءِ سَكْت مفتوح- المُطَرِّز، وأبي عليّ وأبي الفَتْح الحدادَيْن، وأبي القاسم إسماعيلَ بن محمد بن الفَضْل، والشّيخةِ الصّالحة أُمّ إبراهيمَ فاطمةَ بنتِ عبد الله بن أحمدَ بن القاسم بن عَقِيل الجَوْزذانية -بجيم وواوٍ وزاي وذال معجَم وألف ونون وياءِ نسَب وتاءِ تأنيث-, وبخُراسان من أبي الحَسَن عليِّ بن عبد الله النَّيْسابُوري، وبها أو بغيرِها من أبي الحَسَن بن مُفرّج اللَّخْمي، وأبي محمد بن عبد الرّحمن بن حَمْد الدّوني، وأبي نَصْر أحمدَ بن الحُسَين بن محمد بن عبد الله الدّينَوَريّ الكَسّار وغيرِهم.
وله برنامَجٌ ضمَّنَه معظمَهم [٦ ب] وجُلَّ ما أخَذَ عنهم، وقَفْتُ عليه ونَقلتُ منه ما احتَجْتُ إليه. ونزَلَ الإسكندَريّةَ بأَخَرةٍ وحدَّث بها.
رَوى عنه أبو إسحاقَ إبراهيمُ بن بَدْر البِنَارِيُّ -بكسر الباءِ بواحدة ونون وألف وراءٍ منسوبًا- وأبو الثَّناءِ حَمّاد بن هِبةِ الله الحَرّاني، وآباءُ الحَسَن: ابن عبد الله بن حَمّود المِكْناسيُّ وابنُ عبد الرحيم العَصّار -بالعَيْن غيرِ المعجَم والصّاد الغُفْل- مُهذَّبُ الدِّين وابنُ عليّ بن إبراهيمَ بن نَجَا -بنون مفتوح وجيم وألف- ابن غنائم الواعظُ ابنُ نُجَيَّة -بضمّ النُّون وفتح الجيم وياءٍ مسفُول مشدَّد وتاءِ تأنيث- وابنُ مُنذِر الطَّرْطُوشيُّ، وأبو حَفْص عُمرُ بن أبي السَّعادات بن أبي الحَسَن محمد بن أحمدَ بن صِرْما، وأبو طالبٍ عبدُ الجَبّار بن محمد المَعافِريّ، وأبو العبّاس أحمدُ بن يحيى بن بَرَكةَ بن محفوظٍ الدَّبِيقيُّ -بفَتْح الدال الغُفْل وكسر الباءِ بواحدة وياءِ مَدّ وقافٍ منسوبًا- وأبو عليّ ابنُ العَرْجاء، وأبو الفَرَج ابنُ الجَوْزي، وأبو القاسم ابنُ عساكر الإمامُ الحافظُ، وأبوا محمد: إسماعيلُ بن سَعْد الله بن محمد بن عليّ بن حَمْدي وابنُ أبي اليابِس، وأبو المظفَّر محمدُ بن عليّ بن الحُسَين الشَّيْبانيُّ الطَّبَريّ، وأبو منصُور محمدُ بن أبي محمد عبد الله بن أبي البَرَكات المبارَكِ ابن البَنْدَنِيجي، وإسماعيلُ وعثمانُ ابنا إبراهيم بن فارِس بن مُقَلَّد البغداديُّ،
стр. 762
وجعفرُ بن محمد بن المُنَمْنَم، وأبو اليُمْنِ زيدُ بن الحَسَن الكِنْديّ. وممّن رَوى عنه ابنتُه الحُرّةُ الفاضلةُ الصالحة أُمُّ عبد الكريم فاطمةُ (١).
وكان محدِّثًا حافظًا مُكثِرًا صحيحَ السَّماع ثقة، صَالحًا زاهدًا فاضلاً، خَيِّرًا ديِّنًا، حدَّث بغيرِ بلد ثُم عاد إلى بغدادَ فتوفِّي بها يومَ السّبت لأربع خَلَوْنَ من محرَّم أحدٍ وأربعينَ وخمس مئة، وصَلّى عليه ابنُه بجامع القَصْر وشَهِدَ جَنازتَه خَلْقٌ كثير، وحضَرَ قاضي القُضاة الزَّينَبيُّ، ودُفن إلى جانبِ عبد الله بن أحمدَ بن حَنْبل بوصيّةٍ منه بذلك نفَعَه الله.
ذكَرَه أبو الفَرَج ابنُ الجَوْزي وأبو بكر بنُ نُقْطة، وذكَرَه ابنُ الأبّار مختصَرًا، وقال: لا أدري أوُلدَ بالأندَلُس أم لا.
٤٤ - سَعْدُ السُّعود (٢) بن أحمدَ بن هشام بن إدريسَ بن محمد بن سَعيد بن سُليمانَ بن عبد الواحِد (٣) بن عُفَيْر الأُمويُّ، وقد تقَدَّم الإعلامُ بالخلاف في نَسَبِهم في رَسْم ابنِه إبراهيم، لَبْليٌّ, أبو الوليد.
رَوى عن أبوَيْ بكر: ابن يحيى النّيّار وابن يوسُف، وأبوَي الحَسَن: شُرَيْح وابن مؤمن، وأبي العبّاس بن أبي مَرْوان، واختَصَّ به كثيرًا، وأبي القاسم ابن بَشْكُوال [٧ أ] وأبي محمد بن أبي عَمْرو بن كَوْثَر، وغيرهم. وله إجازةٌ من الرّاوِية أبي الحَكَم بن غَشِلْيان.
رَوى عنه ابنُه القاضي أبو أُميّة (٤)، وأبو بكر بنُ عبد النُّور، وأبو عبد الله بن خَلْفُون، وأبو عامر بكرُ بن إبراهيم، وأبو العَبّاس ابنُ الرُّوميّة، وكان محدِّثًا حافظًا سُنيًا فاضلًا مُثابِرًا على اقتفاءِ الآثارِ النَبويَّة، ظاهِريًّا مصمِّمًا على القول
стр. 763
به، سَمْحًا هَيِّنًا ليِّنًا متواضِعًا، صَليبًا في الحقّ لا تأخُذُه في الله لَوْمةُ لائم، سليمَ الباطن صحيحَ الدِّخْلة، مُلازِمًا الإمامةَ والأذانَ بمسجدِه عاليَ الصّوت، فإذا أذَّن سُمع من نحوِ أربعةِ أميال نفَعَه الله. وجمَعَ في السُّنن كتابًا حَفِيلًا سَمّاه "السَّبيل"، ووَصَفَه بعضُ من ذكَرَه أنه كان ذا حَظّ من الأدبِ وقَرْض الشّعر. وقد تقَدَّم في رَسْم ابنِه إبراهيم ما نُسِبَ إليه من الشِّعر وتبَيَّن هنالك أنّ ذلك الشعرَ ليس له.
وأنشَدتُ على شيخِنا القاضي أبي الوليد بن عُفَيْر ﵀ عن أبيه القاضي أبي أُمَيّةَ ممّا خاطَبَه به أبوه الشّيخ أبو الوليد سَعْدُ السُّعود ضِمنَ كتابٍ إليه [الكامل]:
ضرَبَتْ عليَّ رِواقَها الأنكادُ ... فبِساطُها الأحشاءُ والأكبادُ
ووِسَادُها قلبي وسافحُ أدمُعي ... لنزيلِها كأسٌ ولحميَ زادُ
أودَتْ ببعضِ بَنيَّ غائلةُ الرَّدى ... ونأَتْ ببعضِهمُ عليَّ بلادُ
فنَعِيُّ إبراهيمَ شبَّ بأضْلُعي ... لَهَبًا، مَشيبُ الرأسِ عنهُ رمادُ
وأذمَّ عُمْري بعدَ فَقْدِ محمدٍ ... أنْ لم يَحِنْ منه عليه نَفَادُ
حَسْبي دموعٌ مَن يُعايِنْها يَقُلْ ... متعجِّبًا: أمِنَ الجُفونِ عهادُ؟!
ولوَ أنَّ إسماعيلَ يَبعَثُ صُحْفَهُ ... نَحْوي رُقًى نفَثاتُهنَّ مِدادُ
لَنَفَى شياطينَ الأسى عن أضلُع ... لم يَثْوِ فيها منذُ شطَّ فؤادُ
قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: أنا أُبعِدُ أن يكونَ هذا النَّظمُ لأبي الوليد هذا، فقد وقَفْتُ في "برنامَجه" الذي كتبَه بخطِّه إلى بعضِ سائلي الرواية عنهُ على ضروب من الخَلَل والتّصحيف الشَّنيع وفسادِ الهجاء ممّا يَكادُ أيسَرُه يُناقضُ التلبُّسَ بأدنَى رُتبةٍ من العلم أو الارتسام به جُملةً، ولعلّه كَلَّفَه غيرَه فأنشَأَها له وبعَثَ بها إلى ابنِه وهو الظاهرُ والله أعلم، فأجابَه وهُو حينَئذٍ ابنُ سبعةَ عشَرَ عامًا, ولم يكنْ قبلَ ذلك رأى له نَظْمًا فقَصَدَ اختبارَ فأجابه بقولِه [٧ ب] [الكامل]:
стр. 764
لبَّيْكَ ما يَعتاقُ عنكَ بِعادُ ... تَدْنو نفوسٌ إنْ نَأتْ أجسادُ
كم مِن مُشافَهةٍ يَضِيقُ بيانُها ... عمّا تبلِّغُ رُقْعةٌ ومِدَادُ
يا رُبَّ أعجَمَ مُفصِحٍ عن شأنِهِ ... تَحْيا به الألبابُ وهْو جمادُ
أنطَقْتَ أخرَسَه فلوْ لم ينتَسِبْ ... لك لادَّعَتْهُ وائلٌ وإيادُ
عَلَّمْتَهُ قَدْحَ المعالي فهْو لا ... يَخْبو بنارِ الفهمِ منه زِنادُ
وَرِيَتْ به بعدَ الخمودِ قريحتي ... فشِهابُها بادي السَّنا وقَّادُ
وأحَلَّني في رُتبةِ الأدبِ التي ... عَيٌّ زهيرٌ دونَها وزيادُ (١)
فبأيّ ألسنةٍ نُنَظِّمُ شُكْرَها ... في والدٍ شَرُفَتْ به أولادُ
حَسْبي اعتقادي أنَّ ما أرضاكَ قد ... أرضَى الإلهَ وما سخِطتَ عِنادُ
مولدُه في منتصَفِ ذي قَعْدةِ ثلاثَ عشْرةَ وخمس مئة، وتوفِّي بقريته بَرجُلانَةَ، إحدى قرى لَبْلة، من علّة الشُّوصة (٢) -نفَعَه الله بالشّهادة- في ليلةِ الجُمعة منتصَفَ ذي قَعْدةٍ أيضًا سنةَ ثمان وثمانينَ وخمس مئة، وقال حين احتُضِر: والله لا أُبالي بالموت ثقةً بحبِّ رسُولِ الله ﷺ , صَدَّق اللهُ رجاءه. وصُلِّي عليه إثْرَ صلاةِ العَصر من يوم الجُمعةِ المذكور ودُفِنَ بجَوْفي دارِه، ومنذ سنينَ كان يُوصي بدفنِه في ذلك الموضع ويتَعاهدُه بتقديسِه والقراءةِ فيه، نفَعَه اللهُ بذلك القَصْد، وجعَلَه لهُ رَوْضةً من رِياض الجنّة.
٤٥ - سَعْدونُ (٣) بن سُليمانَ بن مُفرِّج بن غَزْلُون، لارِديٌّ، أبو عثمان.
رَوى عن بعض أصحابِ أبي بكرٍ إسماعيلَ بن أبي محمد بن إسحاق، ابنِ عَزْرة.
стр. 765
٤٦ - سَعدون بن محمد بن فتوح بن محمد الأنصاريّ، بَرْشانيٌّ، سكَنَ مَرّاكُش، أبو الحَسَن وأبو محمد .
رَوى عن أبي جعفر بن مَضَاء، وآباءِ عبد الله: ابن حُمَيْد وابن زَرْقُون وابن عَمِيرةَ وابن الفَخّار، وأبي عبد الملِك مَرْوان بن عبد العزيز، وأبوَيْ محمد: الحَجريِّ وعبد المُنعِم ابن الفَرَس.
وكان عارِفًا بالقراءات مجوِّدًا لحروفِ القرآن العظيم، محاثًا عَدْلًا واسعَ الرِّواية كثيرَ الأسمِعة، فقيهًا نَظّارًا شديدَ العناية بالعلم، رَيّانَ من الأدب، كتَبَ الكثيرَ بخطِّه وأتقَنَ ضَبْطَه، ومسجدُه أوّلَ دربه الشهير باسمِه في حَوْمة الأُرجُوانيِّينَ من مَرّاكُش معروفٌ، واستُقضيَ بغير مَوضع فحُمِدت سِيرتُه.
٤٧ - سَعْدونُ (١) بن [٨ أ] مسعودٍ المُراديُّ، لَبْليٌّ، سكَنَ شِلْبَ، ثم مالَقةَ بأَخَرةٍ، أبو الفتح.
رَوى عنه أبو بكر ابنُ فَنْدلة بِشِلْبَ في دخولِه إليها من الأُشبونة عامَ أحدٍ وسبعينَ وأربع مئة، وأبو محمد القاسمُ بن دَحْمان.
وكان متقدِّمًا في علم العربيّةِ والأدب، حسَنَ المشارَكة في الفقه كثيرَ البرِّ بطَلَبة العلم، واسعَ الصّدر لهم، حسَنَ الخُلُق، وله مسألةٌ في نَفْي الزّكاة عن التِّين ناظَرَ فيها أبا القاسم بنَ منظور قاضي إشبيلِيَةَ بمجلس الأمير أبي محمد سَيْر بن أبي بكر بقَصْرِه من قُرطُبةَ سنةَ خمس وثمانينَ وأربع مئة. واستُقضي بلَبْلةَ، وتأخَّرتْ وفاتُه إلى نحوِ العشرينَ وخمس مئة.
٤٨ - سَعْدونُ (٢) بن يوسُف بن سَعْدونَ الصَّدَفيّ، غلوري، أبو الحَسَن.
له رحلةٌ رَوى فيها بمِصرَ عن أبي عبد الله محمد بن بركات بن هلالٍ الصُّوفي النَّحْويِّ اللُّغَوي. رَوى عنه أبو الوليد سُليمانُ بن عبد الملِك بن رَوْبيل.
стр. 766
٤٩ - سعودُ جنب مِسْعود .
رَوى عن أبي العاص الحَكَم بن إفرانك.
٥٠ - سَعيدُ (١) بن أحمدَ بن إبراهيمَ بن عبد الله الأَزْديّ، لقنتيّ، أبو عثمان، ابنُ مُغْزال.
رَوى عن أبي جعفر بن عَوْنِ الله الحَصّار، ورَحَلَ فحَجَّ ولقِيَ في وِجهتِه أبا القاسم عيسى بنَ عبد العزيز الوَجيه، وكان يُجيدُ كَتْبَ المصاحف، حَيًّا بتونُس بعدَ الأربعينَ وست مئة.
٥١ - سَعيدُ (٢) بن أحمد بن سَعْديل (٣) بن عبد الله بن فُطَيْس، مَوْلى بُرَيْهةَ ابنةِ عبد الرّحمن بن معاوية.
كان من ألطفِ الناس ذِهنًا وأدقِّهم نظرًا بارِعًا في علوم الحِساب والفرائِض والهندسة والمِساحة، متقدِّمًا في ذلك كلِّه إمامًا فيه.
٥٢ - سَعيدُ (٤) بن أحمدَ بن سَعيد بن عبد البَرِّ بن مُجاهدٍ الأنصاريُّ، بَطَلْيَوسِيٌّ، سكَنَ إشبيلِيَةَ، أبو الطيِّب، ابنُ زَرْقون.
لقَبٌ غلَبَ على أحمد أبيه لقَّبَه به المعتضِد بن عَبّاد لشِدّةِ حُمرةٍ كانت في وَجْهه فيما ذَكَرَ حفيدُه أبو الحُسَين، وكان أبو عبد الله بن خَلْفونَ يَنكرُ ذلك ويُخبِرُ عن أبي عبد الله بن سَعيدٍ أنه أخبَرَه أنّ الملقَّبَ بزَرْقُونَ سعيدٌ والِدُ أحمد كان الصِّبيانُ يَدْعُونَه بذلك، ونحوَ ذلك قال ابنُ الأَبَّار.
رَوى أبو الطيِّب عن أبي عُبَيد البَكْريِّ، وأبي عِمرانَ بن أبي تَلِيد، لِقيَه بمَرّاكُشَ، وأبي القاسم الهَوْزَني، سَمعَ منهم، وأجاز له أبوا عبد الله: أحمدُ الخَوْلانيُّ وابنُ شِبْرِين.
стр. 767
رَوى عنه ابنُه أبو عبد الله. وكان من أهلِ العلم في الأدبِ، كاتبًا بَليغًا، كتَبَ عن المتوكِّل بن الأفطَس [٨ ب] صاحبِ بَطَلْيَوْسَ وعن غيره، وتوفِّي في حدود العشرينَ وخمس مئة.
٥٣ - سَعيدُ (١) بن أحمدَ بن سَعيدٍ الأنصاريُّ، سَرَقُسْطيٌّ.
خرَجَ منها في صَغِرِه حاجًّا وتجَوَّل ببلادِ المشرِق، وجاوَرَ بمكّة شرَّفها اللهُ إمامًا للحنَفيّة بها، ورَوى عن عليِّ بن أبي القاسم ابن البَنّاءِ المَهْدَويِّ صاحبِ أبي مَعْشَر الطَّبَريِّ وغيره، وكان حيًّا سنةَ أربع وأربعينَ وخمس مئة.
٥٤ - سَعيدُ بن أحمدَ بن سَعيدٍ الهِلاليّ، أبو عليّ .
رَوى عن أبي عبد الله بن عليّ من نَوالِشَ الأقليم. رَوى عنه أبو بكر أحمدُ بن عبّاس.
٥٥ - سَعيدُ بن أحمدَ بن عبد الله بن يوسُفَ الخَزْرَجيُّ، قُرْطُبيٌّ فيما أحسَب، أبو عثمان، ابنُ الحَدّاد .
رَوى عن أبي الحَسَن ابن القَفَّاص (٢)، وأبي القاسم ابن الطَّيْلَسان.
٥٦ - سَعيدُ (٣) بن أحمدَ بن محمد بن سَعيدٍ الأنصاريُّ، مالَقيٌّ، أبو بكر البَيّاسِيّ.
رَوى عن أبي الحَجّاج ابن الشيخ، وله رحلة إلى المشرِق حَجّ فيها.
٥٧ - سَعيدُ بن أحمدَ بن محمد الكَلْبيُّ، بليانيّ، أبو عِمران .
رَوى عن أبي جعفر بن زكريّا الكَسَّاد.
стр. 768
٥٨ - سَعيدُ (١) بن أحمدَ الأنصاريُّ، أندَلُسيٌّ، أبو عثمان.
رَوى عن أبي الحَسَن عليّ بن أحمدَ المَقْدِسي سنةَ ستٍّ وتسعينَ وأربع مئة.
٥٩ - سَعيدُ (٢) بن إبراهيمَ بن محمد بن عَبْد ربِّه بن حَبِيب بن حُدَيْر -بضمِّ الحاءِ الغُفْل وفَتْح الدّال وياءِ تصغير وراء- ابن سالم، مَوْلى الأمير هشام بن عبد الرّحمن بن مُعاوية، قُرْطُبيٌّ، أبو عثمان.
وقال فيه صاعدٌ: سَعيدُ بن عبد الرّحمن بن محمد، والصَّحيحُ ما تقَدَّم، وهُو ابنُ أخي أبي عُمرَ بن عبدِ ربِّه وجعَلَه أبو عُمرَ بنُ عَفِيفَ وَلدًا له وغَلِط.
رَوى عنه عمُّه أبو عُمر، وكان فقيهًا مُشاوَرًا في الأحكام أيامَ قضاءِ مُنذِر بن سَعيدٍ البَلُّوطيّ، بارعَ الأدب حسَنَ الخُلُق، شاعرًا مُجِيدًا، ماهرًا في الطّبِّ ولهُ فيه أُرجُوزةٌ مُزْدَوجةٌ (٣) دلَّت على تقَدُّمِه في الصِّناعة الطِّبيّة وتحقُّقِه بآراءِ قُدماءِ أهلِها واقتدارِه على النَّظْم، وعَمِيَ بأَخَرة من عُمرِه بنزولِ الماء في عينيه، فأُشيرَ عليه بقَدْحِهما، فأبى من ذلك وصَبَرَ على بَلْواه، وقال: أنا راضٍ بما قُدِّر لي ولما وَرَدَ في الحديثِ المأثور من قولِ النبيِّ ﷺ : "لا تذهَبُ حبيبَتا عبدِ فيصبِرُ ويحتَسِب إلا جعَلتُ جزاءه الجنة" (٤). وكان أوحَدَ في الفضائل النَّفْسيّة وسَرَاوةِ
стр. 769
الهمّة، جميلَ المذهبِ، مُنقبِضًا عن الملوك لم يَخدُمْ أحدًا منهم بالطِّبّ، وهُو القائلُ في انقطاعِه إلى تعلُّم الطبِّ وأُنْسِه بمُطالعة كتُب رُؤسائه (١) [الكامل]:
لمّا عَدِمتُ مُؤانسًا وجَليسا ... نادَمتُ بُقْراطًا وجالينوسا
وجعَلتُ كُتْبَهما شفاءَ تفرُّدي ... وهما الشِّفاءُ لكلّ جُرْحٍ يُوسَى
ومن نَظْمِه آخِرَ عمُرِه، وقد تزَهَّد وانقبَضَ عن الناس في التوكُّل على الله والتنزُّه عن التعرّضِ إلى خَلْقِه (٢) [الطويل]:
أمِن بعدِ غَوْصي في علوم الحقائقِ ... وطُول انبساطي في مواهبِ خالقي
وفي حينِ إشرافي على مَلَكوتِهِ ... أُرى طالبًا رِزقًا إلى غير رازقِ
وقد آذَنتْ نَفْسي بتقويضِ رَحْلِها ... وأسرع في سَوْقي إلى الموتِ
وإنّي وإن أوغَلْتُ أو سرتُ هاربًا ... منَ الموتِ في الآفاقِ فالموتُ لاحِقي
وُيروَى في البيتِ الثاني: "ومن بَعْدِ إشرافي"، وفي الثالث: "رحلةٍ، وأعنَفَ في سَوْقي"، وفي البيتِ الرابع: "وإنّي وإن نقَّبتُ أو رُغْتُ"، ويُروَى فيه: "أو رُحتُ"، و"عن الموتِ بالآفاقِ".
وحَكَى عنه عمُّه أبو عُمَر، قال: دخَلتُ على ابن أخي وأنا مُكتئبٌ حزين، فقال في: مالكَ يا عمُّ؟ فقلتُ له: اشتَدَّ كَرْبي بأضراسي، فإنها قد وَهَتْ وضَعُفت عن قَطْع الطعام ومَضْغِه وتألَّمت، فقال: يا عمُّ، إنّ تدبيرَ الله اقتضى هذا, ولكلِّ شيء مُدّة، وإنّ بعدَ قُوّةٍ ضعفًا، وهذه أرحاءُ القَنْطَرة لا تصبِرُ على الطَّحن أكثرَ من عام ثم تَضمحِلُّ وربّما بُدِّلت قبلَ العام، أفلا تَعذُرُ أضراسَك على طَحْنِها سبعينَ عامًا ولم تُبدِّلْها! قال: فوعَظَني وسلَّاني وأضحَكني.
وتوفِّي سنةَ اثنتينِ وأربعينَ وثلاث مئة.
стр. 770
٦٠ - سَعيدُ (١) بن إبراهيمَ، من أهل رَيُّه.
توفِّي سنةَ ستَّ عشْرةَ وثلاث مئة. ذكَرَه أبو الوليد ابنُ الفَرَضيِّ (٢) ولم يذكُرْ وفاتَه.
٦١ - سَعيدُ بنُ أبيضَ الكاتب .
٦٢ - سَعيدُ (٣) بن أسَلَمِ بن عبد العزيز بن هاشم بن خالدِ بن عبد الله بن حَسَن بن جَعْد بن أسلَمَ بن أَبَانِ بن عَمْرٍو مَوْلى عثمانَ بن عفّانَ ﵁.
سَمِع أباه وغيرَه، وكان عَريقًا في النَّباهة، وهُو الذي توَلَّى الصّلاةَ على أبيه القاضي حين توفِّي سنةَ تسعَ عشْرةَ وثلاث مئة، وقيل: إنّ المُصَلِّيَ عليه أحمدُ بن بَقِيّ، فاللهُ أعلم.
٦٣ - سَعيدُ (٤) بن بَكْر الأُمَويُّ، إستِجيٌّ.
كان من أهل الطّلَبِ والفقه والجَمْع، واعتُبِط وعاجَلتْه مَنيّتُه ﵀.
٦٤ - سَعيدُ (٥) بن ثابِت بن قاسم بن ثابِت بن عبد الرّحمن بن مُطَرِّف بن سليمانَ بن يحيى العَوْفيّ، سَرَقُسْطيٌّ.
وقد تقَدَّم في رَسْم ابنِه ثابت [٩ ب] ما قيل في نَسَبِهم، فمَن شاء راجَعَه إن شاء الله (٦).
رَوى عن أبيه، رَوى عنه ابنُه ثابتٌ المذكورُ. وله رحلةٌ إلى المشرِق، وحَجَّ في موسم خمسٍ وخمسينَ وثلاث مئة، وقَدِمَ الأندَلُسَ في جُمادى الأُولى سنةَ ستٍّ
стр. 771
بعدَها، وكان من أهل العلم بالحديث والإشرافِ على معانيه وهُو الذي صَلّى على أبيه عند وفاتِه ودَفنه يومَ الأربعاءِ لستٍّ خَلَوْنَ من شوّالِ اثنينِ وخمسينَ وثلاث مئة.
٦٥ - سَعيدُ بن جُبَيْر، أبو عثمان .
رَوى عن أبي الوليد الوَقَّشيِّ سنةَ أربع وسبعينَ وأربع مئة.
٦٦ - سَعيدُ (١) بن الحُسَين بن سَعيد بن خَلَف (٢) بن محمد بن عبد الله الداخِل إلى الأندَلُس معَ ابن عمِّه سُليمان، ابن أحمدَ بن الحَسَن بن سَعْد بن الحَسَن بن عبد الله بن سَعْد بن عَمّار بن ياسِر العَنْسِيُّ، غَرْناطيٌّ أصلُه من قلعة يَحصُب، وهي دارُ عَنْس بالأندَلُس، تَجوَّل ببلادِ المغرِب واستَوطَنَ إفريقيّة، أبو الحُسَين وأبو عثمان.
رَوى عن أبي جعفرٍ ابن الباذِش، وأبي سُليمانَ بن يَزيدَ السَّعْدي. وكان صالحا خيِّرًا مُثابِرًا على أفعال البِرّ، معَ ذُكْرةٍ وشَجاعة وَرِثَها عن سَلَفِه، وَلِيَ قديما بعضَ أعمال إفريقيّة، مَوْلدُه بقَلْعة بني سَعيد سنةَ سبع وعشرينَ وخمس مئة، وتوفِّي بتونُس سنةَ خمس وست مئة، وقبرُه بالموضِع المعروفِ بالزَّلَّاج، منها.
٦٧ - سَعيدُ (٣) بن حَكَم بن عُمرَ بن أحمدَ بن حَكَم بن عبد العزيز بن حَكَم القُرَشيُّ، طَبِيريٌّ، أبو عثمان.
стр. 772
أخَذَ بإشبيلِيَةَ عن أبوَيْ بكر: السَّقَطيِّ والقُرْطُبي، وأبي الحَسَن الدَّبّاج، وأبي الحُسَين ابن زَرْقُون، وأبي عبد الله بن خَلْفون، وأبي عليٍّ ابن الشَّلَوبِين، وأبي القاسم بن بَقِيّ، وغيرهم، وأجازوا له. ولقِيَ بإفريقيّةَ سنةَ أربع وعشرينَ وست مئة أبا الحَسَن عليَّ بن محمد بن إسماعيلَ بن محمد بن عبد الرّحيم بن إسماعيلَ بن نباتةَ المَيّافارقِيني، وأخَذ عنه بعضَ مُنشَداتِه.
وأجاز له من أهل الأندَلُس: أبو إسحاقَ بن عُبَيْدِيس، وأبوا بَكْر: ابن الطيِّب وابن مُحرِز، وأبو الحَسَن بن مُؤْمن ابن عُصفُور، وأبو الحُسَين ابن السَّرَّاج، وأبو زكريّا بن أبي الغُصْن، وأبوا عبد الله: ابن عبد الله ابن الأبّار وابن عبد الكريم الجُرَشِيّ وابن عِيَاض، وأبو محمد ابن بُرْطُلُه، وأبو الوليد ابنُ العَطّار، وأبو يحيى ابنُ الفَرَس. ومن أهل العُدْوة: أبو الحَسَن بن أبي نَصْر البجَائيُّ وأبو زكريّا بن عُصفُورٍ التِّلِمْسينيّان، وأبو العَيْش بن عبد الرحيم، وأَبو العبّاس بن يوسُف ابن فَرْتون. [١٠ أ] ومن أهلِ المشرِق جماعةٌ كبيرة منهم: أبو الحَسَن عليُّ بن أحمدَ بن عليّ القَسْطَلّاني، وأبو الكَرَم لاحِقُ بن عبد المُنعِم الأرْتَاحيُّ الحَنْبَليُّ في آخَرِين. ورَوى بالإجازة العامة عن بهاءِ الدِّين أبي حَفْص عُمر بن بدر بن سَعيدٍ المَوْصِليِّ الحَنَفيِّ لمن أدرَكَ حياتَه.
رَوى عنه ابنُه أبو عَمْرٍو حَكَمٌ ومَوْلاهما أبو محمد عبدُ الله الرُّومي، وأبوا عبد الله: ابنُ أبي بكرٍ البرّيُّ وابنُ أحمدَ ابن الجَلّاب، وأبو الحَجِّاج يوسُف بن أبي الحُسَين عبدِ الملكِ بن أحمدَ بن مُفَوَّز، وأبو الحَكَم العادلُ بن إبراهيم، وأبو عليٍّ عُمرُ بن عليّ ابن الشاطِبيّ، وأبو الحَسَن بن يحيى التُّجِيبيُّ المَنُرْقي، وأبو عامرٍ أحمدُ بن أبي بكرٍ محمدِ بن محمد بن مُحرِز، وأجاز لكلِّ من أدرَكَ حياتَه من أهلِ العِلم، وقال في ذلك [مجزوء الوافر]:
أبحتُ لمُدْرِكي عَهْدي ... روايةَ كلِّ ما عندي
وما أبدَيْتُ من نَظْمٍ ... ومن نثرٍ وما أُبدي
стр. 773
وما أُقْرئْتُ أو أُسْمِعـ ... ـتُ من هَزْلٍ ومن جَدِّ
وما نُووِلْتُهُ وأُجِزْ ... تُهُ فيُزادُ في العَدِّ
فإنّ سعيدًا الحَكَمى ... يُهْديه لمُسْتَهْدِ
وتصحيحُ الذي يَرْوُونَ ... عنّي غايةُ القَصْدِ
وبالله اعتَمَدْتُ على ... أُموري كلِّها جَهدي
وكان نَحْوّيًا أديبًا حسَنَ التصَرُّف في إنشاءِ الكلام نَظْمًا ونَثْرًا، مُشارِكًا في الفقه والحديث ومعرِفة رجالِه، ذا حظٍّ صالح من عِلم الطبّ.
خرَجَ عن الأندَلُس قديمًا في فَتائه إلى إفريقيّة، فكتَبَ بها عن بعضِ أُمرائها، ثُم دَخَلَ مَيُوْرْقَةَ في الأم يحيى بن أبي عِمران (١)، ومنها استُعمِلَ على مَجْبى منرقة وأمْرِ الأجنادِ بها، فدخَلَ إليها في رمضانِ أربع وعشرينَ وست مئة، واستمرَّ نظَرُه على ذلك إلى أن تغَلَّب النّصارى على مَيُورْقَةَ [....] (٢) والتمسَ من أهل مَنُرْقَة عَقْدَ الصُّلح بينَهم وبينَ المتغلِّب على مَيُورْقة، فتوجَّه إليه وأحْكَمَ رِبَاطَ الصُّلح بينَه وبينَهم وعاد إلى مَنُرْقةَ وأمرُها راجعٌ إليه، ثُم نشَأَ ما دَعاهُ إلى التوَجُّه إلى مَيُورْقةَ للأخْذ معَ المتغلِّب عليها، فرَبَطَ الصُلحَ معه ثانيةً عن أهل مَنُرْقة إلى أن طَرَأتْ فتنةٌ جَلَتْ عن استيلائه على ثَغْر مَنُرْقة وخُلوصِها له، وذلك [١٠ ب] لثلاثٍ خَلَوْنَ من شوّالِ أحدٍ وثلاثينَ وست مئة، فضَبَطَه أحْكَمَ ضَبْط وسار فيه أعدَلَ سِيرة واستقام أمرُ الثَّغْر على يدِه وهابَه النَّصارى المُصاقِبونَ له من كلِّ جهة، فجَرَتْ أحوالُ المسلمينَ به على خير تامّ وصَلاح عامّ بحُسن سياستِه وجميل نَظَرِه، وصار مقصودًا من البلاد النّائية مرغوبًا في لقائه من أصنافِ الناس، فانتابَهُ أهلُ العلم وطلَبتُهُ من بلاد الأندَلُس وبَرِّ العُدْوة، فكان يُحسِنُ إليهم وَيستجلِبُ وُدَّهم وُيجيدُ القيامَ بهم ما أقاموا لديه وُيحسِنُ صَرْفَ مَن
стр. 774
أحبَّ الانصرافَ عنه، ومنهم من لم يتَأتَّ له قَصْدُه إليه فيُخاطبُه فيرُدُّ جوابه بأجملِ القول أو أجزَل الفعل أو بهما؛ ولقد عُنيَ بعضُ خواصِّه بجَمْع المُستجادِ من مُخاطبتِهم إيّاه فتَحصَّلَ منها ديوانٌ كبيرٌ في ثلاثةِ أسفار ضَخْمة (١). وترَدَّدَ إليه التّجار من أقاصي البلاد فأوَسَعَهم رِفْقًا وبِرًّا وتأنيسًا، سالكًا في ذلك كلِّه سَنَنَ العَدْل والفَضْل، وهُو معَ ذلك لا يَغِبُّ نظرًا في العلم وإفادتِه واستفادتِه شَغَفًا به وتفضيلًا له، وكان حسَنَ الخَطّ بارعَ المَنازع فيه، يَكتُبُ خطوطًا مختلفةً كلُّها نهايةٌ في الحُسن، شديدَ العناية بجمَعُ دفاترِ العلم وأعلاقَ الكُتُب حتى جَمَع منها ما لا نَظيرَ له كثْرةً وجَوْدة، إذ كان مقصودًا بها من المسلمينَ والنَّصارى، فكان يتَخدَّمُ بها إليه النَّصارى كما يتقرَّبُ بها إليه المسلمون، وكان يُجيدُ قَرْضَ الشِّعر، رأيتُ من شعرِه مجلَّدًا جيِّدًا يكونُ أشفَّ من ديوان شعرِ المتنبِّي أو نحوَه بخطِّ ابنهِ أبي عَمْرو (٢) حَكَم ﵀، ومنه ما كتَبَ به إلى كاتبِه أبي القاسم أحمدَ بن محمد بن نَجوت المعروفِ بابن يامين (٣) وقد كتَبَ إليه كاتبُه المذكورُ [البسيط]:
أنفِقْ من المالِ ما آتاكَ مكسَبُهُ ... ولا تصُدَّنَّهُ ما جارَ عن طُرُقِهْ
فالمالُ كالماءِ إن سُدَّتْ مسالكُهُ ... فجارُ غمْرَتَهُ لا بدَّ من غَرَقِهْ
فأجابه الرئيسُ أبو عثمانَ ﵀ وأجاد [البسيط]:
من يُمسكِ المالَ بُخلًا لا مِساكَ لهُ ... ومن يُفرِّقْه جُودًا كنتُ من فِرَقِهْ
لا تشدُدَنْ وَرِقًا للضَّعفِ تحذَرُهُ ... فالغُصنُ يقْوَى إذا خفَّفتَ من وَرَقِهْ
стр. 775
وكتَبَ إليه أبو القاسم المذكورُ مودِّعًا حين عزَمَ على الرَّحيل عن حضرتِه بقصيدةٍ مطلَعُها [الطويل]:
* ألا في سبيلِ الله أستودعُ العُلا *
يقولُ فيها:
سلامٌ وإنْ كان الوداعُ حقيقةً ... ولكنْ أُوَرِّي بالسلام تعَلُّلا
وَدِدتُ وحُلوُ العَيْش أشهى لُبَانةً ... لوَ أني بمُرِّ العَيْش أَفْدي التَرحُّلا
فراجَعَه بقصيدةٍ أوّلُها [الطويل]:
عزيزٌ علينا أن نُقيمَ وتَرْحَلا ... ونختَطَّ شِقَّ الشَّوق بعدَكَ منزِلا
وليس ببَيْنٍ ما جَرى عن مَودّةٍ ... ألا إنّما البَيْنُ الذي جَرَّه القِلى
ومن شعرِ الرئيس أبي عثمانَ، سوى ما ذُكِر، يُحضُّ على الكرَم، وهُو من الأشعار السُّلطانيّة (١) [مجزوء الكامل]:
لا تمنَعِ المعروفَ يو ... مًا مُعْرِضًا ومُعَرِّضا
فكلاهما من حقِّهِ ... فيه لهُ أنْ يُفرَضا
هذا تَنَزَّهَ فاستحَقَّ ... على نَزاهتِه الرِّضا
والآخرُ استحيى من ... التّصريح فيه فعَرَّضا
هذا الذي ما زلتُ أفعـ ... ـل أو أقولُ مُحَرِّضا
مَوْلدُه في نحوِ الثُّلثُ الأوّل من الساعة الثانية من ليلة السّبت السادسةِ من جُمادى الآخِرة سنةَ إحدى وست مئة.
وتوفِّي ﵀ آخِرَ الساعة الرابعة من يوم السّبت لثلاثٍ بقِينَ من رمضانِ ثمانينَ وست مئة.