← Тараджим

Тараджим · id 17056

الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة

ابن عبد الملك المراكشي

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

أُدافعُ هَمّي عن جوانبِ هِمّتي ... وتَأْبى همومُ العارفينَ على الدّفْعِ وأَلتمسُ العُتْبى وحيدًا وعاتبي ... وصَرْفُ اللّيالي والحوادثُ في جَمْعِ وإنّيَ مِن عَزْمي وحزمي وهِمّتي ... (وما رُزِقَتْه النفْسُ من كرَم الطّبعِ) لَفي منصِبٍ تعلو السماءَ سِماتُه ... فتَثبُتُ نُورًا في كواكبِها السَّبعِ غلا صَرْفُ دَهْري إذ علا فإذا بهِ ... تُرابٌ لنَعْلي أو غُبارٌ على شِسْعي تدرَّعتُ بالصَّبرِ الجميل وأجلَبَتْ ... صُروفُ اللّيالي كي تُمزِّقَ لي دِرعي فما ملأَتْ قلبي ولا قَبَضَتْ يدي ... ولا نَحتَتْ أصلي ولا هَصَرتْ فَرْعي فإن عَرَضَتْ لي لا يَفُوهُ بها فمي ... وإن زَحَفَتْ لي لا يَضيقُ لها ذَرْعي في ثالثِ هذه الأبيات تضمينٌ، وهُو عند النُّقادِ عيب، وأنَّث السَّبْعَ في قافية الرابع غَفْلةً وحُكمُها التذكير. قال شيخُنا أبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ (١) ﵀: ونقَلتُه من خطَه وقرأتُه عليه: دخَلتُ عليه بمُرْسِيَةَ وبينَ يدَيْه شَمامةُ زَهْر، فأنشَدَني لنفسِه [الطويل]: وحاملِ طِيبٍ لم يُطيَّبْ بطيبِهِ ... ولكنّه عندَ الحقيقةِ طِيْبُ تألَّفَ من أغصانِ آسٍ وزَهْرةٍ ... فمِن صِفَتَيْه زاهرٌ ورَطِيبُ تعانَقَتِ الأغصانُ فيه كما التَقَى ... حبيبٌ على طُول النَّوى وحبيبُ وإنّ الذي أدناهُ بعدَ فِراقِهِ ... إليَّ لَسِرٌّ في الوجودِ عجيبُ مناسبةٌ للبَيْن كان انتسابُها ... وكلُّ غريبٍ للغريبِ نَسيبُ فبالأمسِ في أشجارِه وبدارِهِ ... وباليومِ في دارِ الغريب غريبُ

стр. 842

وأنشَدَني شيخُنا أبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ ﵀، ونقَلتُه من خطِّه، قال (١): أنشَدَني أبو الحَسَن -يعني هذا- لنفسِه [البسيط]: مُنغَّصُ العيشِ لا يَأوي إلى دَعَةٍ ... من كان في بلدٍ أو كان ذا وَلَدِ والساكنُ النفْسِ مَن لم تَرْضَ همّتُهُ ... سُكْنى مكانٍ ولم يَسْكُنْ إلى أحدِ [٣١ أ] وكان كريمَ النفْس نزيهَ الهِمّة حَصيفَ الرأي شريفَ الطِّباع، وَجيهًا مبرورًا مُعظَّمًا عندَ الخاصّةِ والعامّة، وفيه يقولُ الكاتبُ أبو زيد الفازَازي (٢) [مجزوء الرمل]: عجبًا للناس تاهوا ... ببُنيَّاتِ المسالكْ وَصَفوا بالفَضْل قومًا ... وهمُ ليسوا هنالكْ كَثُرَ النقْلُ (٣) ولكنْ ... صحَّ عن سَهْل ابن مالكْ نقَلتُها من خطِّ شيخِنا أبي الحَسَن الرُّعَيْنيِّ وأنشَدتُها عليه، قال: أنشَدنيها الفقيه أبو زَيْدٍ الفازَازايُّ لنفسِه، وانتَحَلَها أبو بكرٍ الجلمانيُّ (٤) وكذَبَ، سَمَحَ اللهُ له. ومحاسنُه ﵀ كثيرة، وفضائلُه جَمّة. أنشَدتُ على شيخِنا أبي الحَسَن الرُّعَيْنيِّ ﵀، ونقَلتُه من خطِّه، قال: أنشَدَني لنفسِه غيرَ مرَّة (٥) [الطويل]: نهارُكَ في بحرِ السَّفاهةِ يَسْبَحُ ... وليلُك عن يومِ الرَّفاهة يُصْبحُ وفي لفظِكَ الدَّعوى وليس إزاءَها ... منَ العملِ الزّاكي دليلٌ مُصحَّحُ

стр. 843

إذا لم تُوافقْ فَعلةٌ منك قولةً ... ففي كلّ جُزءٍ من حديثكَ تُفْضحُ تَنَحَّ عن الغاياتِ لستَ منَ اهلِها ... طريقُ الهُوَيْني في سلوكِكَ أوضحُ إذا كنتَ في سنِّ النُّهى غيرَ صالحٍ ... ففي أيِّ سنٍّ بعدَ ذلك تَصْلُحُ؟! إلى كمْ أُماشيها على الرَّغم غايةً (١) ... يُصيبُ المُزَكَّى عندَها والمُجرَّحُ لها وعليها لا تَنُوءُ ولا تَنِي ... فتَحسُنُ في عينِ السِّبَارِ وتَقبُحُ عسى وطَنٌ يَدْنو فألتمسَ الرّضا ... وأَقرَعَ أبوابَ الرّشادِ فتُفْتَحُ فقد ساءَ ظنّي بالذي أنا أهلُهُ ... وفضلُكَ يا مَوْلايَ يَعْفو وَيصْفَحُ وممّا طار من شعرِه قولُه وهُو بسَبْتةَ يتشوَّقُ إلى الجزيرة بعدَ فصولِه من مَرّاكُش (٢) [الكامل]: لمّا حطَطْتُ بسَبْتةٍ قَتَبَ النَّوى ... والقلبُ يرجو أن تُحَوَّلَ حالُهُ والجوُّ مصقولُ الأَديمِ كأنما ... يُبدي الخَفِيَّ من الأمورِ صِقَالُهُ عايَنْتُ من بلدِ الجزيرة مَكنِسًا ... والبحرُ يُمْنَعُ أن يُصادَ غزالُهُ كالشَّكلِ في المرآةِ تُبصرُه وقد ... قَرُبَتْ مسافتُه وعزَّ منالُهُ وأنشَدَني في شيخُنا أبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ قال: أنشَدَني أبو الحَسَن، يعني هذا، لنفسِه في التحريضِ على التماس العلم وأوصَى به أحدَ بَنِيه [مجزوء الرجز]: [٣١ ب] العلمُ شيءٌ حَسَنٌ ... فكُنْ لهُ ذا طَلَبِ وابدَأْهُ بالنَّحوِ وخُذْ ... مِن بعدِهِ في الأدبِ فإنْ أردتَ بعدَ ذا ... جاهًا وفَضْلَ مكسَبِ فافْهَمْ أُصولَ مالكٍ ... واحفَظْ فُروعَ المذهبِ

стр. 844

وفي وَصْفِ شمعة [الطويل]: ولا مثلَ يومٍ قد نَعِمنا بحُسنِهِ ... مُذَهَّبِ أثناءِ المُروجِ صَقيلِ إلى أنْ بَدَتْ شمسُ النهارِ تَرُوعُنا ... بسَر صحيح واصفرارِ عليلِ ولمّا توارَتْ شمسُهُ بحِجابِها ... وآذَنَ باقي نورِها برحيلِ وغابَتْ فكان الأُفْقُ عندَ مغيبِها ... كقلبيَ مُسْوَدًّا لفَقْدِ خليلي أتانا بها صَفْراءَ يَسطَعُ نورُها ... فمَزَّقَ سِربالَ الدُّجَى بفَتيلِ فرَدَّتْ علينا شمسَنا وأصيلَنا ... بمُشبِهِ شمسٍ في شبيهِ أصيلِ وكان أبو القاسم أحمدُ بن عُمر بن وَرْدٍ كثيرًا ما يُنشِدُ في تقريظِ طلبةِ العلم وبرَكة تلاقيهم للمُذاكرة [الطويل]: إذا اجتَمَعوا جاءوا بكلِّ فضيلةٍ ... وَيزدادُ بعضُ القومِ منْ بعضِهم عِلما فوطّأَ له أبو الفَضْل عِيَاضٌ بقولِه [الطويل]: ولله قومٌ كلَّما جئتُ زائرًا ... وجدتُ نفوسًا كلُّها مُلِيَّتْ حِلما وزادَ بعدَه: أولئك مثلُ الطِّيبِ كلٌّ له شَذًا ... ومجموعُهُ أذكَى أريجًا إذا شُمّا قال شيخُنا أبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ ﵀: وزاد عليه شيخُنا أبو الحَسَن سَهْلُ بنُ مالكٍ ﵀ [الطويل]: نفوسٌ على لفظِ الجِدال مقيمةٌ ... فتُبصِرُها حَرْبًا وتَعقِلُها سِلْما قال شيخُنا أبو الحَسَن الرُّعَيْنيّ: وزاد شيخُنا أبو بكرٍ محمدُ بن عَتِيق اللارِديُّ ﵀ [الطويل]: تعاطَوْا كُؤوسَ العلمِ في رَوْضةِ ... فكلُّهمُ مِن ذلك الرِّيِّ لا يَظْما

стр. 845

وكلامُه نَظْمًا ونثرًا جيِّدٌ كثير، وصنَّفَ في العربيّة كتابًا مُفيدًا رَتَّبَ الكلامَ فيه على أبوابِ "كتاب سِيبوَيْه"، وله تعاليقُ نافعةٌ على"المُستصفَى في أصول الفقه"، إلى غير ذلك من فوائدِه. مولدُه عامَ تسعةٍ وخمسينَ وخمس مئة، وتوفِّي بغَرناطةَ منتصَفَ ذي قَعْدةِ سنة تسع وثلاثينَ وست مئة، وزَعَمَ ابنُ الأبّار (١) أن وفاتَه كانت سنةَ أربعينَ وست مئة، وليس بشيء. ولله تلميذُه الكاتبُ الأبرعُ الشاعرُ المُجيد أبو عبد الله ابنُ الجَنَّان، ﵀، إذ كتَبَ إلى بَنِيه يُعزّيهم بفَقْدِه، ويَحثُّهم على استشعارِ الصبرِ من بعدِه [الطويل]: دَعُوني وتَسْكابَ الدّموعِ السوافكِ ... فدعوَى جميلِ الصبرِ دعوةُ آفكِ [٣٢ أ] أصبرٌ جميلٌ في قبيحِ حوادثٍ ... خَلَعْنَ على الأنوارِ ثوبَ الحوالكِ؟! تنَكَّرتِ الدُّنيا على الدِّينِ ضَلَّةً ... ومن شيمةِ الدّنيا تَنكُّرُ فاركِ فضمَّهما حُكمُ الرَّدى بِرِدائهِ ... فتلك وهذا هالكٌ في الهوالكِ عَفَا طَلَلٌ منها ومنه فأصبحا ... شريكَيْ عِنانٍ في بِلًى متدارَكِ فلا بهجةٌ تُهدي مسَرَّةَ ناظرٍ ... ولا حُجَّةٌ تَهدي محجَّةَ سالكِ وما انتظَمَ الأمرانِ إلا ليُؤْذِنا ... بأنْ قد دَنا نَثْرُ النجوم الشوابكِ وآنَ لمنثورِ الوجودِ انطواؤُهُ ... بِكَفَّيْ فناءٍ للفناءِ مُواشكِ أمَا قد علِمنا والعقولُ شواهدٌ ... بأنَّ انقراض العلمِ أصلُ المهالكِ إذا أذهبَ اللهُ العلومَ وأهلَها ... فما اللهُ للدّهرِ الجَهولِ بتاركِ هل العلمُ إلا الرُّوحُ، والخَلْقُ جثَّةٌ ... وما الجِسمُ بعدَ الروحِ بالمتماسكِ

стр. 846

وما راعَني في عالَمِ الكونِ حادثٌ ... سوى حادثٍ في عالِمٍ ذي مَدارِكِ إذا أدركَتْه للمنايا قضيّةٌ ... قَضتْ باستلابٍ للأماني مُدارَكِ لذلك ما أبكي كأنّي مُتمِّمٌ ... أُتمِّمُ ما أبقى الأسى بعدَ مالكِ (١) وسهَّلَ عندي أنْ أرى الحُزنَ مالكي ... مُصابيَ بالفَيّاضِ سَهْلِ ابن مالكِ إمامُ هدًى كنّا نُقَلِّدُ رأيُهُ ... كتقليدِ رأي الشافعيِّ ومالكِ غَمامُ ندًى كنّا عَهِدنا سَماحَهُ ... يُساجِلُ دَرَّاتِ العِهادِ الحواشكِ (٢) أحقًّا قَضى ذاك الجلالُ وقُوِّضتْ ... مَباني مَعالٍ في السماءِ سوامكِ وأقْفرَ من نَجْدٍ من المجدِ رَبْعُهُ ... وعُمِّرَ قَبرٌ مُفرَدٌ بالدّكادكِ (٣) وغُيِّبَ طَوْدٌ في صعيدٍ مُلحَّدٍ ... وغُيِّضَ بحرٌ في ثَرًى مُتلاحِكِ (٤) ووارَى سَنَا شمسِ المعارفِ غَيْهبٌ ... من الخَطب يُودي بالشموس الدّوالكِ (٥) ألا أيُّها الناعي لكَ الثُّكْل لا تَفُهْ ... بها إنّها أُمُّ الدّواهي الدواهكِ (٦) لعلَّك في نَعْيِ العُلا متكذِّبٌ ... فكمْ ماحلٍ من قَبْلُ فيه وماحكِ فكَذِّبْهُمُ يَا ليتَ أنك مِثلُهُمْ ... تَواتُرَ أخبارٍ وصِدقَ مآلكِ (٧) فيا حُسنَ ذاك القولِ إذْ بأن كِذْبُهُ ... ويا قُبحَه والصِّدقُ بادي المسالكِ لقد أرجَفوا فيه وقلبيَ راجفٌ ... مخافةَ تصديقِ الظّنونِ الأَوافكِ

стр. 847

[٣٢ ب] كأنّ كمالَ الفَضْل كان يَسوءُهمْ ... فأبدَوْا على نَقْصٍ هوى متهالكِ كأنّهمُ مُستبطِيّونَ ليومِهِ ... كما استَبطَأَ المصبورُ هَبَّةَ باتكِ كأنهمُ مُستمطِرونَ لعارضٍ ... كعارضِ عادٍ للتجلُّدِ عاركِ بلى إنهمْ قد أرهَصوا لرَزِيّةٍ ... تُضعْضِعُ رُكنَ الصابرِ المتمالكِ فقد كان ما قد أنذَروا بوقوعِهِ ... فهل بعدَهُ للدهرِ صَوْلةُ فاتكِ؟ مُصاب مُصيبٌ للقلوبِ بسَهمِهِ ... رُمِي عن قِسِيٍّ لليالي عَواتكِ (١) بكَتْ حُزنَها الغَبْراءُ فيه فأَسعَدتْ ... بأدمُعِها الخضراء ذاتُ الحبائكِ (٢) على عَلَمِ الإِسلامِ قامتْ نوادبٌ ... بِهُتْنِ مَبَاكٍ أو بِهُتْمِ مضاحكِ فمِن سُنَّة سَنَّتْ على الرأسِ تُرْبَها ... ومَكرُمةٍ ناحَتْ لأكرمِ هالكِ ومن آيةٍ تَبكي مُنوّرَ صُبحِها ... إذا قام في جُنحٍ من اللّيل حالكِ ومن حكمة تَرثي لفَقْدِ مُفَجِّرٍ ... ليَنبوعِها السَّلسالِ في الأرض سالكِ فيا أسَفي! مَن للهُدى ورسُومِهِ ... ومَن لِمُنيخٍ عندَ تلك المَباركِ ومَن لِلِواء الشَّرع يرفَعُ خَفْضَهُ ... ويمنَعُ من تمزيقِه كفَّ هاتكِ ومَن لكتابِ الله يَدرُسُ وَحْيَهُ ... ويَقبِسُ منه النُّورَ غيرَ مُتاركِ ومَن لحديثِ المصطفى ومَآخذٍ ... يُبيِّنُها في فَهْمِه ومَتارِكِ ومن ذا يُزيلُ اللَّبْسَ في متشابهٍ ... ومن ذا يُزيحُ الشّكَّ عن مُتشابكِ ومَن لليراعِ الصُّفرِ طالَتْ بكفِّهِ ... فصارَتْ طِوالُ السُّمرِ مثلَ النّيازكِ ومَن للرِّقاعِ البِيضِ طارتْ بذِكرِهِ ... فجابتْ إلى الأملاكِ سُبْلَ المسالكِ

стр. 848

ومن لمقامِ الحَفْلِ يَصدَعُ بالتي ... تَقُصّ لِقُسٍّ (١) من جَنَاح المَداركِ ومن لمقالٍ كالنُّضَارِ مخلَّصٍ ... لإبريزِهِ التَّبريزُ لا للسبائكِ ومن لِفعالٍ إن ذكَرْتُ بناءَه ... فَعَالٍ وإن تُنْشَرْ فمُسكةُ فاركِ ومَن لخِلال كُرِّمتْ وضرائبٍ ... ضَرَبْنَ بقِدحٍ في غِيَاثِ الضّرائكِ (٢) ومن لِشعارِ الزُّهد أُخفِيَ بالغِنى ... ففي طَيِّه فضلُ الفُضَيْلِ ومالكِ (٣) ومَن لِشِعابِ المجدِ أو لشُعوبِهِ ... إذا اختَلطتْ ساداتُه بالصَّعالكِ؟ ألا ليس مَن فاكففْ عَوِيلَك أو فزِدْ ... فما بعدَ سَهْل في العُلا من مُشارِكِ [٣٣ أ] أُصِبْنا فيالله فيه وإنّما ... أُصِبْنا لعَمْري في الذُّرى والحواركِ فنادِ بأفلاكِ المحامدِ: أَقصِري ... فلا دَوَرانٌ، زال قُطْبُ مَداركِ وصِحْ بالسَّناءِ: اليومَ اقوَيْتَ منزلًا ... بوَطءِ المنايا لا بوطءِ السَّنابكِ على هذه حامَ الحِمَامُ محلِّقًا ... ثمانينَ حولًا كالعدوِّ المُضاحكِ فسالَمَهُ في مَعْرَكِ الموتِ خادعًا ... وحارَبَهُ إذ جازَ ضَنْكَ المعاركِ كذاك الرَّدى مهما يُساكِنْ فإنهُ ... مُحَرِّكُ جيشٍ ناهبِ العَيْشِ ناهكِ سَبَى سبَأً قِدْمًا وحيَّ السّكاسكِ ... ولم يَأْلُ عن خَوْنٍ لخانٍ وآلكِ وأفنَى منَ افناءِ البَرايا جُموعَها ... وألقَى البُرى بالرّغم فوقَ البَرامكِ سواءٌ لدَيْهِ أن يَصُولَ بفاتكٍ ... من الناسِ ناسٍ للتُّقى أو بناسِكِ ولو أنهُ أرعَى على ذي كرامةٍ ... لأرعَى على المختارِ نَجْلِ العواتكِ (٤)

стр. 849

ولو راعَه عُمْرٌ تكامَلَ أَلْفُهُ ... لَما راعَ نُوحًا في السنينَ الدكائكِ (١) وما من سبيلٍ للدَّوام وإنّما ... خُلِقْنا لأَرحاءِ المَنُونِ الدَّواهكِ فيا آلَ سَهْلٍ أو بَنيهِ مخصِّصًا ... نداءَ عمومٍ في غمومٍ مَوالكِ أعندَكمُ أنّي لِما قَد عَراكمُ ... أُمانعُ صَبْري أن يُلينَ عرائكي فكيفَ أُعزِّي والتَّعزّي مُحرَّمٌ ... عليَّ ولكنْ عادةٌ آلَ مالكِ فإنْ جَزَعٌ يَبدو فذاكَ تَكرُّهٌ ... لتجريع صَابٍ من مُصابٍ مُواعكِ وإن كانَ صَبرٌ إنّها لَحُلُومُكُمْ ... ثوابتُ في مَرِّ الرّياح السَّواهكِ (٢) ورِثتُمْ سَنَا ذاك المُقدَّمِ فأرتَقُوا ... بأعلى سَنامٍ من ذُرى العزِّ تامكِ (٣) فلم يَمْضِ من أبقَى من المجدِ أرثَهُ ... ولم يَلْقَ هُلكًا تاركٌ مثلَ مالكِ أتدرونَ لِمْ جَدَّتْ رِكابُ أبيكمُ ... كما جَدَّ سَيْر بالقِلاص الرّواتكِ (٤) تذكَّرَ في أُفْقِ السّماء قديمَهُ ... فحَنَّ إلى عِيصٍ هنالك شابكِ (٥) وكان سَمَا في حضرةِ القُدْسِ حظُّهُ ... فلم يَلْهَ عنه بالحُظوظِ الركائكِ فيا عجَبًا منّا نبكّي مُهنَّأً ... تبَوَّأَ دارًا في جِوارِ الملائِك يُلاقيه في تلك المغاني رفيقُهُ ... بوَجْهٍ مُنيرٍ بالتباشيرِ ضاحكِ فلا تحسَبوا أنّ النَّوى غالَ رُوحَهُ ... لجسيم ثَوَى تحتَ الدكادكِ سادكِ (٦)

стр. 850

[٣٣ ب] فلو أنّكمْ كوشِفتُمُ بمكانِهِ ... رأيتُمْ مُقيمًا في أعالي الأرائكِ يُنَعَّمُ في روضِ الرضا وتَجودُهُ ... سحائبُ في كُثْبانِ مسكٍ عَوانكِ (١) كذلك وعدُ الله في ذي مَنَاسبٍ ... من البِرِّ صحَّتْ بالتُّقَى ومناسكِ فيا رحمةَ الرحمن وافي جَنابَهُ ... ويا رَوْحَهُ سلِّمْ عليه وباركِ ويا لَوْعتي سِيري إليه برُقْعتي ... وقُصي شُجونًا من حديثي هنالكِ حديثُ الأشجان شجون، ووجوهُ القَراطيسِ به كوجوه الأيام جُوْن، فأَصِخْ لي أبُثَّك بَثِّي واكتئابي، أو أعِرْني نظرةً في كتابي، لتعلَمَ ما بي، فعندي ضَرَبَ الأسى خيامَه، وعلى وِرْدي أطال باغي الأسى حيامَه، وعَبْرتي أبكَتْ من القَطْرِ سِجامَه، وزَفْرتي أذكَتْ من الجَمْرِ ضِرَامَه، ومنّي تعلَّمتْ ذاتُ الهَدِيلِ كيف تَنُوح، وعنّي أخذَتْ ذاتُ الحنينِ كيف تغدو والهةً وتَروح، فما مذعورةٌ راعَها القنَّاص، وعَلِقَ بواحدِها حبلُ الحِبالة فأعوَزَه الخلاص، فهِي تتلفَّتُ إليه والمخافةُ خَلْفَها وأمامَها، وتتلهَّفُ عليه فتكادُ تُواقعُ فيه حِمامَها -بأخفقَ ضلوعًا، وأشفقَ رُوْعًا، وأضيَقَ مجالًا، وأوسعَ أوْجالًا، وأشغَلَ بَلْبالًا، بل ما طلاها، وقد رآها تَدْمَى طُلاها (٢)، حتى كاد يَشرَكُها في الحَيْن، ويَحصُلُ من الشَّرَكِ تحت جَناحَيْن، ثم أفْلتَ وهو يَشُكُّ في الإفلات، ويشكو وَحدتَه بالفلاة- بأَرْهَبَ نفْسًا، وأذهبَ أُنسًا، وألهبَ حشًا، وأغلَبَ توحُّشًا، وأضيَعَ بالمُوماة، وأضرَعَ لغير الأُمّات، منّي حينَ وافى النبأُ العظيم، ونُثِرَ للهُدى بكفِّ الرَّدى سِلكُه النَّظيم، وأصبح يعقوبَ الأحزانِ وهُو كظيم، وقيل: أُصيبتِ الدُّنيا بحَسَنتِها وحُسنِها، والدِّيانةُ بمُحَصِّنها (٣) وأبي حَسَنها (٤)، فحَقَّ على القلوبِ انفطارُها، وعلى العيون أن يَهمِي قِطارُها (٥)،

стр. 851

وعلى الصّبر أن يُمزِّقَ جِلبابَه، وعلى الصدر أن يُغلقَ في وَجْه السُلوِّ بابَه، لنَعْي الجليل السَّعْي، ورَزِيّة الجميل السَّجِيّة، ووفاةِ الكريم الصِّفات، وفَقْد الصَّميم المجد، وذهابِ السَّمح الوهّاب، وقَبْض رُوحانيِّ الأرض، وانعدام معنى الناس، وانهدام مَغْنَى الإيناس، وانكسافِ شمسِ العلم، وانتسافِ قُدْس الحِلم، يَا لهُ حادثًا، جمَعَ قديمًا من الكروب وحادثَا، ومُصابَا جَرَّع أوْصابًا، وأضحَى كلٌّ به مُصابًا. لا جرَمَ أنّي شرِبتُ من كأسِه مُستفظَعَها، وشرِقتُ بها وبدَمْعي الذي ارفَضّ معَها، فغالَتْ خَلَدي، وغالَبت جَلَدي، حتى غِبتُ عنّي، ولم أَدرِ بآلامي [٣٤ أ] التي تُعنِّي، ثم أفَقْتُ من سُكْري، ولَفَقْتُ مُبدَّدَ فِكري، فراجَعَني التَّذكارُ والتَّهمام، وطاوَعَني شَجْوٌ لا تتعاطاهُ الحمَام، فبَكَيْتُ حتى خَشِيت أن يُعْشِيَني، وغَشِيتُ إذ غَشِيَني من ذلك اليَمِّ ما غَشِيَني، وظَلْتُ لُقًى أينما شاء التَّرَحُ يُلقيني، فتارَةً يُغْنيني، وتارَةً يُبقيني. فلو أنّ احتدامي والتدامي، وجَفْنيَ الدّامي، اطَّلعتْ على بَعْضِهِ الخَنْساء، لَقالت: هذه عَزْمَةُ حُزنٍ لا يستطيعُها النِّساء، ذلك بأنّ قسمةَ المَراثي كقسمةِ الميراث، وللذُّكرانِ المزِيّة -كان السُّرورَ أو الرَّزِيّة- على الإناث، هذا لو وازَنَ مَبْكيٌّ مَبْكيًّا، ووازَى تُرابيٌّ فَلَكيًّا، أنا أَبْكي نُورَ علم، وهي تبكي ظُلمةَ جَهْل، ونَدْبتُها لصَخْر، وندبَتي لجبلٍ يدعى بسَهْل، كانت تتفجَّرُ منه الأنهار، وَينهالُ جانبُه من خَشْية الله أو يَنْهار. في مثلِه -ولا أريدُ بالمِثل سواه، فما كان في أبناءِ الجِنس مَن ساواه- يَحْسُنُ الجزَعُ من كلِّ مؤمن تَقِيّ، ويقالُ للمُتجلِّد: لا تُنزَعُ الرحمةُ إلا من شَقِيّ، فكلُّ جَفْنٍ بعدَه جافٌّ، فصاحبُه جِلْفٌ أو جافٍ، وكلُّ فؤادٍ لم تنصدعْ له صَفَاتُه، ولم تتغيَّرْ لفَقْدِه صِفاتُه، فمُتحقَّق عند العُقلاءِ معلوم، أنه معدودٌ في الحجار أو معدوم. فيا ليتَ شِعري! يومَ وَدَّعَ للتَّرحال، ودَعَا حادِيه لشدِّ الرِّحال، كيف كان حاضروهُ في تلك الحال؟ هل استطاعوا معَه صبرًا، أو أطاعوا لِتَثْبِيَتِهِ أمرًا؟ أوَ ضَعُفَ احتمالُهم، وقَوِيَ في مُفارقةِ النّفوس اعتمالُهم؟ ويا ليتَ شِعري! إذا أفادوا الماءَ (١) طهارةً زائدةً

стр. 852

بغسلِ جلالِه، هل حَنَّطوه بغير ثنائه أو كفَّنوهُ في غير خِلالِه؟ ويا ليتَ شِعري! إذِ استَقلَّ به نَعْشُه الأشرف، تُرفْرِفُ عليه الملائكةُ ويُظِلُّه الرَّفْرَف، هل رأَوْا قبلَه حَمْلَ الأطواد، على الأعواد، وسَيْرَ الكواكب، في مثلِ تلك المَواكب، فيَأْنَسوا بالإلْف، ويرفَعوا منكسِرَ الطَّرْف، ويدَعوا القَبْضَ من أثَرِ ذلك الطِّرْف؟ ويا ليتَ شِعري! إذ أودَعوا دُرّةَ الوجود، صَدَفةَ القبرِ المَجُود، لِمَ آثَروا على نفوسِهم، ورَضُوا الأرضَ مَغرِبًا لأنْوَرِ شموسِهم؟ هلّا حَفَروا له بيْنَ أحناءِ الضُّلوع، وجعَلَوا الصفيح صريحَ الحُبِّ والولوع، فيكونوا قد فازوا بقُربِه، وحازوا فَخْرًا قد حِيزَ به لتُربِه؟ ويا ليتَ شِعري! إذْ لم يفعَلوا ذلك، ولم يهتَدوا هذه المسالك، هل قَضَوْا حقَّ الحُزْن، وشَقُّوا جوانبَ الضَّريح من عَبَراتِهم بأمثالِ المُزْن؟ وهلِ اتَّصَفوا بصِفةِ الأسف أو قَنِعوا [٣٤ ب] منها بأنْ وَصَفوها، وهل تلافَوْا بقايا الأنفُسِ بعدَ المفقود الأنفَس وأتلفوها؟ [الطويل]: فكلُّ أسًى لا تذهبُ النفسُ عندَهُ ... فما هُو إلا من قَبِيلِ التصنُّعِ يَا قَدَّس اللهُ مَثْوى ذلك المُتوفَّى، ما أظُنُّ أنّ الجَزَعَ عَمَّ حقَّه ووَفَّى، ولو دَرَى الزّمانُ وبَنوه، قَدْرَ من فَقَدوه، لَوجَدوا للفاجي الفاجع أضعافَ ما وَجَدوه، فقد فَقَدوا واحدًا جامعًا للعوالم، وماجدًا رافعًا لأعلام المعالي والمعالِم، ومُفَدًّى تَقِلُّ لهُ في الفداءِ نفوسُ الأوِدّاءِ والأعداء، ومُبَكًّى ما قامَتْ على مثلِه النَّوائح، ولا حَسُنَت إلا فيه المَراثي كما حَسُنت من قبلُ فيه المدائح. رحمةُ الله عليه ورِضوانُه، ورَيْحانُ الجِنان يُحييه به رضوانُه، من لي بلسانٍ يقضي حقَّ نَدْبتِه، وجَنانٍ يُفضي بما فيه إلى جَنَنِهِ (١) وتُربتهِ، وقد بلَّهَني حُزْني عليه وبَلَّدني، وتملَّكَني حَصْرُ الحَسْرة عليه وتعبَّدني، وأين يقَعُ مُهَلْهِل البَدِيه، مما يُخفيهِ مُهلهَلُ الثُّكلِ ويُبديه؟ يمينًا، لو لِبثتُ في كهفِ الرَّوِّية ثلاث مئة سنين، واستَمْدَدتُ موادَّ الفُصحاءِ اللَّسِنِين، ما كنتُ في تأبينِ ذلك الفَضْل المُبين من المُحسِنين.

стр. 853

ألَا، لو أني أتيْتُ بالطارِف من بيانِه المُعْلَمِ: المُطارِفِ والتَّليد، ورثَيْتُ رُشْدَ كمالِه برِثائه كمالَ ابن رُشدٍ أبي الوليد، وأنشَدتُ بَنِيهِ قولَه فيه [الطويل]: أخِلّايَ إنّي من دُموعي بزاخرٍ ... بعيدٍ عن الشَّطَّيْنِ منه غريقُهُ وما كان ظنّي قبلَ فَقْدِ أبيكمُ ... بأنَّ مُصابًا مثلَ هذا أُطيقُهُ ولم أَدرِ مَنْ أشقَى الثلاثةِ بعدَهُ: ... أأبناؤه أم دَهرُهُ أم صديقُهُ؟ (١) ثُم استَوْفَيْتُ تلك الأبياتَ والرِّسالة، وأجرَيْتُ بِترجيعِها من دم الكبِدِ ونجيعِها عَبَراتي المُسالة؛ فحينَئذٍ كنتُ أُوَفّي المصابَ واجبَه، وأَشْفي صدورًا صَدِيّةً شَجِيّةً وقلوبًا واجفةً واجبة. أولو أنّ ما رَثَى به نفسَه الكريمةَ من كلماتِه حين رأى الحَيْنَ مُقْتَضيًا حُشاشةَ مَكرُماتِه، أثارَ كامنَ وَجْدي بألفاظِه المُبْكِيَة، ومعانيه التي تَحُلُّ من مَزادِ العيونِ الأوْكِتة، لأثْقَبَ لي زَنْدًا، وأعقَبَني صَفاةً تَنْدى، وأطمَعَني في أن يعودَ بُكايَ زَنْدًا (٢)، فقد بَلَغَني أنه حينَ وقَفَ على ثَنِيّة المَنِيّة، وعرَفَ قُربَ انتقالِ الساكن من البَنِيّة، جمَعَ بناتِ فِكرِه كما جمَعَ شَيْبةُ الحمدِ بناتِ خِدرِه، وقال: يَا بُنَيّاتي، قد آنَ ليوميَ أن ياتي، فهل لكُنَّ أن تَرثينَني قبلَ أن ترِثْنَني؟ فوَضَعْنَ أكبادَهنَّ على الوَشِيج، ورفَعْنَ أصواتَهنّ بالنَّشيج، وأنبَرَيْنَ يُرجِّعْنَ الأناشيد، وُيفجِعْنَ [٣٥ أ] القريبَ والبعيد، حتّى أومَأَ إليهِنّ بأنْ قد قَضَيْنَ ما عليهِنّ. فيا خَوْفاه! ومثلي بهذا النِّداء نُخِي وتَاه، أسهِموا أخاكم في ميراثِ تلكُم الكَلِم، وارحَموا فؤادًا بالمُلمِّ المؤلم قد كُلِم، ولا تقولوا: تكفيهِ مَواريثُ الأحزان، فتبْخَسُوني -وحاشاكم- في الميزان, فإنّي وإن تناولتُها باليدَيْن، وغُلِبت عليها بأنّي صاحبُ الفريضيْنِ والدَّيْن، فأنا لحَظّي من ميراثِ الحِكمةِ سائل،

стр. 854

ومعَ أنّ لي حقًّا فلي ذِممٌ ووسائل، فابعَثوا إليّ ما يُطارحُني في أشجاني، وأقفُ على رَسْمِه فأقول: شَجَاني، ولا أطلُبُ من كلام ذلكم الإِمام، العزيزِ فَقْدُه على الإسلام، قولَه في التصبير على الرُّزْءِ الكبير ووَصاتَه، لئلا يُلزِمَني -ولستُ بالمستطيع- إصغاءَ المُطيع لأوامره وإنصاتَه، فإنِ امتَثَلْتُ، أصَبْتُ مقتَلي بما نثَلت، وإن عصيْت، أبعَدْتُ نفْسي من رِضاه وأقصَيْت، ولي في استصحابِ حالي أمل، وما لم يرِدْ خطابٌ لم يلزَمْ عمل. على أنّي وإن صابَ وابلُ دَمْعي وصَبّ، وأصبحتُ بذكْرِ المصابِ الكَلِفَ الصَّبّ، فلا أقولُ إلا ما يُرضي الرّبّ، فأنا أَبكي عالِمًا كبيرًا، وعَلَمًا شَهيرًا، تُسعِدُني في بُكائه المِلّة، وتُنجِدُني بوَجْدِها فأنا الكاتبُ وهي المُمِلّة. وأما أنتُم أيُّها الإخوةُ الفُضَلاء، والصَّفوةُ الكُرَماء، فقد تلقَّيتُم وصاياهُ المبارَكةَ شَفاهًا، وداوَى صدورَكم بكلامِه النافع وشَفَاها، فلا يَسَعُكم إلا الامتثال، والصبرُ الذي تُضرَبُ به الأمثال، فعزاءً عزاءً، وانتماءً إلى التأسِّي واعتزاءً، فإنْ فَضَلَ رُزْءٌ أرزاءً، وكان جُزءٌ منه يعادلُ أجزاءً، فعلى قَدْرِها تُصابُ العلياء، وأشدّ الناس بلاءً الأنبياءُ ثم الأولياء، ذلك لتتبيَّنَ فضيلةُ الرِّضا والتسليم، وتتعيَّنَ صفةُ مَن يأتي الله بالقلبِ السليم، وُيعلَمَ كيف يَخلُفُ الكريمَ الكريم، وكيف يَحُلُ الأجرُ العظيم، بعَقْوةِ الصابرينَ فلا يبرَحُ ولا يَرِيم. وهَبَ اللهُ لكم في مُصابِكم صَبْرًا على قَدْرِه، وسكَبَ دِيَمَ مغفرِتِه على مَثْوى فقيدِكم وقَبْرِه، وطيَّبَ بعَرْف رَوْضاتِ الجنّات جَنَباتِ قَصرِه، ونفَعَه بما كان أودَعَه من أسرارِ العلوم في صَدْرِه، وخَلَفَه منكم بكلِّ سَرِيٍّ يُحِلّه المجدُ من كلِّ نديٍّ بصَدْرِه، بعِزّتِه، والسلامُ يَخُصُّكم به المُجِلِّ لشانِكم، المُجلِّي في مِضمارِ أشجانِكم، محمدُ بن محمد بن الجنان، ورحمةُ الله وبرَكاته. ومن أوّلِ مخصوصٍ بتحيّتي وسلامي، ومقصودٍ في التعزِية بإشارتي وكلامي، عملًا بقولِه ﵇: "الكُبْرَ الكُبْرَ" (١)، وطَلَبًا للتأسِّي من نفوسٍ [٣٥ ب] كريمةٍ

стр. 855

تُحسِنُ لدى كلِّ كريهة الصَّبر: سادةُ الإخوان، وعِلْيةُ الأعيان، وسُراةُ بني الزمان، أبناءُ أخي السيِّد الفقيد، والسّعيدِ المتَواري الأنوارِ بالصَّعيد، قَدَّس اللهُ لَحْدَه، وآنسَ قلوبَهم بعدَه، فما أحسَبُ أنّ كمُضاعَفِ غمِّهم بعدَ عمّهم غَمًّا، فإنّهم فَقَدوا منه أبًا شريفًا وعمًّا، فهم يَبْكُونَه من جانبَيْن، وَيطلُبُهم التحزُّنُ عليه بواجبَيْن، واللهُ يَأجُرُهم في سَنائه، ويُصبِّرُهم وسائرَ أبنائه، بعِزّتِه، ومُعادُ التحيّة على جميعِهم كثيرًا، وعلى كلِّ مَن لديهم صغيرًا وكبيرًا، والرحمةُ والبركة. كتَبَ في مُنسلَخ ذي الحجة عامَ تسعةٍ وثلاثينَ وست مئة. قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: لمّا استَطرَدَ هذا الكاتبُ المُجيد، نفَعَه الله، إلى ذكْرِ الأبياتَ التي رَثَى أبو الحَسَن بها أَبا الوليد، وكانت من جُملة أبياتٍ صَدَّر بها رسالةً كتَبَ بها إلى بني أبي الوليد تعزِيةً في أبيهم، رأيتُ إثباتَها بجُملتِها تكميلًا للفائدة، ولئلا يتشوَّقَ إليها مُطالع فتعوزَه، وهي [الطويل]: ألا ليتَ شِعري هل لطالِبِ غايةٍ ... وصولٌ وأحداثُ الزمانِ تَعوقُهُ مضَى عَلَمُ العِلْمِ الذي بِبَيانِهِ ... تبيَّنَ خافِيْه وبانَ طريقُهُ أخِلّايَ إنّي من دُموعي بزاخرٍ ... بعيدٍ عن الشّطَّيْنِ منه غريقُهُ وما كان ظَنّي بعدَ فَقْدِ أبيكمُ ... بأنَّ مُصابًا مثلَ هذا أُطيقُهُ ولم أدرِ من أَشقَى الثلاثةِ بعدَه: ... أأبناؤُه أم دَهْرُه أم صَديقُهُ؟ ومَن شاهَدَ الأحوالَ بعدَ مَماتِهِ ... تَيَقَنَ أنّ الموتَ نحن نَذوقُهُ رجوعًا إلى الصّبرِ الجميلِ فحقُّهُ ... علينا قضَى ألا تُوفَّى حقوقُهُ أُعزّيكمُ في البُعدِ منه فإنّني ... أُهنّيه قُربًا مِنْ جوارٍ يَرُوقُهُ فما كان فينا منهُ إلا مكانُهُ ... وفي العالَم العُلْويِّ كان رفيقُهُ إيهٍ عن المَدامع! هل تلا انحدارَ الدّمعةِ انحدارُها، والمَطالع! أثَبَتَ على قُطبٍ مدارُها، والفجائع! أغيرُ دارِ بني رُشْدٍ دارُها؟ فإنه حديثٌ أتعاطاه مُسكِرًا،

стр. 856

وأستريحُ إليه مُفكِرًا، وأبُثُّه باعثًا على الأشجانِ مُذْكِرًا, ولا أقولُ: كفَّى، وقد ذَهَبَ الواحدُ أرى به ألفًا, ولا صَبْرًا، وقد أُسكِنَ العالِمُ قبرًا، بل أُعرِي الأجفانَ من مائها، وأستوهِبُ الأشجانَ غَمْرةَ غَمائها، وأستَدعي الأحزانَ بالشّهيرِ من أسمائها، ثم أتهالكُ تهالُكَ [٣٦ أ] المجنون، وأستَجيرُ من الحياةِ برَيْب المَنُون، وأُنافرُ السُّلوَّ مُنافَرةَ اليقين لوَساوسِ الظُّنون. ولا عَتْبَ، فإذا خامَرَ الَوالهَ جَزَعُه، فإلى نُصرةِ المدامع فزَعُه، وإذا ضَعُفَ احتمالُه، فإلى غَمْرة الإغماءِ مآله، ومَن قال: الصبرُ أوْلَى، ولَّيْتُهُ من ذلك ما توَلَّى، أمّا أنا فأستَعيذُ من هذا المقام وأستعفيه، وأُنزِّه نفْسَ الوفاءِ عن الحلولِ فيه، فإنه متى بَقِيَ للصَّبر مكان، ففي محلِّ الحُزْن لِقبولِ ما يقاومُه إمكان، وقد خان الإخاءَ وجَهِل الوفاء، مَن رامَ قلبُه السُّلُوَّ أو أَلِفَتْ عينُهُ الإغفاء؛ هُو الخَطْبُ الذي نفَى الهُجود، وألزَمَ أعيُنَ الثَّقَلَيْنِ أن تَجُود، وبه أعظَمَ الدّهرُ المُصاب، وفيه أخطأ سَهْمُ المَنيّة حين أصاب، فحقُّنا أن نتجاوزَ القلوبَ إلى الجيوب، وننقلبَ إذا غالَبَنا الحُزنُ بصَفْقةِ المغلوب، وإذا كان الدّهرُ السالِب فلا غَضاضةَ على المستريح لأنَّةِ المسلوب، أستغفرُ الله! فقد أتذكَّرُ من مفقودِنا ﵁ حِكَمَه، وأشاهدُ بعَيْن البصيرة شِيَمَه، فأجِدُهما يَكُفّانِ من واكفِ الدّمع دِيَمَه، ويقولان: الولَهُ عندَ مُماسّةِ المصابِ، ومُزاحمةِ الأوصاب، أمر إن وقَع، فقد ضَرَّ فوقَ ما نفَع، فإنه لا أَلمُ الحُزنِ شفاه، ولا حقُّ المصيبة وفّاه، ولا الذاهبُ الفائتُ استرجَعَه وتَلافاه، فربّما جَنَحْتُ إلى الصبرِ لا رغبةً فيه بل إنابةً لمقصدي رَحمَةَ الله وتشفيعًا لوصاياي فيه، فأستَرْوِحُ رائحةَ السُّلوّ، وأنحَطُّ قابَ قوس أو أدنى عن سِدر ذلك العُلُوّ، وأقفُ بمقام الدَّهَش بينَ معنى الحُزنِ المُستحكِم ولفظِ العزاءِ المَتْلُوّ، فأبكي بُكاءَ النِّساء، وأصبرُ صبرَ الرُّؤساء، وأجدُ رَزايا الفُضَلاء، تفَضُلُ رَزايا الأخِسّاء، مُوازنةً بين هذا الوجود، وبُخْلٍ يتعاقَبُ على محَلِّ الجُود، فالدّهرُ يَسترجعُ ما وَهَب، كان الصُّفرَ أو الذهبَ، وإذا تحقَّق عدمُ ثَباتِه، وعُلِم استرجاعُه لجميع هِباتِه، صار المتعرِّضُ لكثيرِه، محَلًّا لتأثره، فلا غَرْوَ أنْ دهَمَكم الرُّزءِ، يَؤودُ الفَلَكَ الدائرَ منه الجُزء، فطالما بِتُّم تُرضعُكمُ الحِكمةُ أخلافَها، وتَهَبُكم الخلافةُ آلافَها، وتؤمِنُكم الأيامُ خِلافَها،

стр. 857

وإذا ظمِئَتِ العقول، وضَنَّ بما لديه المعقول، وصارتِ الأذهانُ إلى حيثُ لا تتَصَوَّر والألسنةُ بحيثُ لا تقول، ورَدتُم مَعِينًا، ووجَدتُم مُعينًا، وافتَضَضْتُموها كأمثال اللُّؤلؤِ المكنون حُورًا عِينًا. أظننتُم أنّ عينَ الدَّهر تنام، أم رُمتُم أن يكونَ صَرْحًا إلى إلهِ موسى ذلك السَّنام؟ لَشَدَّ ما شِدتُم البناء، وألزَمتُم اتّباع الأبناءِ الكرام الآباء، حتّى غرِقَ الأوّلُ في الآخِر، وصار السَّلَفُ [٣٦ ب] على ضخامتِه أقلَّ المفاخِر، ومَن عَلَتْ في عُلوِّها قَدَمُ ترَقِّيه، ولم يُطِفْ بكمالِه عَيْبًا يحفَظُه مِن عين العائن ويَقيه، فكثيرًا ما يأتيه محذورُه من جهةِ توَقِّيه، هذا أبوكم ﵁ حين استكمَلَ تعَرُّفَ الضارِّ والشافي، وتعذَّرت صِفاتُ كمالِه على الحرفِ النافي، ورأى منكم حَفَظةً لوجودِه إنْ أدرَكَه التَّلَفُ ففيكم التلافي، صار وأنتُم كالرَّسْم البَلْقَع وثلاثِ الأثافي، فإنّا لله لفظةً أُواليها، وأُتبعُها زَفْرةً تَلِيها. لقد بَحَثَتِ الأيامُ عن حَتْفِها بظَلْفِها، وسعَتْ على قَدَمِها إلى رَغْم أَنفِها، حين أتلَفتِ الواحدَ يَزِنُ مئةَ ألْفِها، فمَن لِبَثِّ الوَصل ورَعْي الوسائل، وإلى مَن يُلجَأُ في مُشكلاتِ المسائل، ومنِ المجيبُ إذا لم يكنِ المسؤولُ بأعلمَ من السائل؟ اللهمَّ صبِّرْنا على فَقْد الأُنْسِ بالعلم، وأدِلْنا من خُفُوفِ الوَلَه بوَقارِ الحِلم، وأخلِفْه في بَنِيه، وعامّةِ أهليه بشَبيه، ما أوْلَيْتَه في جِوارِك المقدَّس وتُوْليه. وإليكم أيُّها الإخوةُ الأولياء، والعِلْيةُ الذَين عليهم قُصِرَتِ العَلْياء، أعتذرُ من إيجادِ الشيء من الكلام تَنقُصُهُ الأشياء، فقد خانَ في هذا الزّمن حتى اللِّسان، وفُقِدَ حتّى منهُ "الإحسان" وليس لتأبينِ محمدٍ ﷺ إلا حَسَّان، فالعُذرُ مُنفسِحُ المجال، وإلى التقصر في حقِّ رُزْئكمُ الكبير مَصيرُ ذي الرَّوِيّة والارتجال، ولذلك عدَلْتُ إلى الإيجاز، واعتَقدتُ إرسالَ القول في هذا الموضِع ضَرْبًا من المجاز، ومُبْلِغُ النفس عُذْرَها معَ العَجْزِ كالصائرِ إلى الإعجاز. وأمّا حُسنُ العزاء، على تعاقُب هذه الأرزاء، فأمرٌ لا أهَبُه بل أستَجْديه، ولا أُذكِرُكم به ونفْسُ صَبْرِكم متوغِّلةٌ فيه، فسِواكم يُلْهَمُ إلى الإرشاد، ويُذكَّرُ بطُرُقِ الرَّشاد، جعَلَ اللهُ منكم لآبائكم خَلَفًا، وأبقَى منكم لأبنائكم سَلَفًا, ولا أراكُم الوجودَ بعدَها تَلَفًا، بمَنّ الله وكرَمِه، والسّلام.

стр. 858

٢٣٠ - سَهْلُ بن محمد بن محمد بن سَهْل المَعافِريُّ، إشبيليٌّ . كان فقيهًا عاقدًا للشّروط، مُبرِّزا في العدالة معروفًا بالفَضْل، حيًّا سنةَ تسع وثلاثينَ وست مئة. ٢٣١ - سَهْلُ (١) بن مُفرِّج بن خَلَف بن سَهْل المَعافِريُّ، أبو حَبِيب. رَوى عن أبي العبّاس بن زَرْقُون، وأبي عبد الله ابن الرَّمّامة، وأبي عليّ منصور بن أبي فوناس. ٢٣٢ - سُهَيل (٢) بن محمدِ بن سهَيْل بن محمدِ بن سُهَيْل بن عَيْشُونَ بن عَمْرِو ابن عَيْشُونَ بن عامر بن ذي نُجَيْل بن مُقدَّم بن طَرِيف بن مُقدَّم الداخِل إلى الأندَلُس ابن طَرِيف بن عُمر بن أبي سَلَمةَ بن [٣٧ أ] عبد الرّحمن بن عَوْف الزُّهْريّ، من ساكني مُرْسِيَة، وأصلُه من نَواحي شاطِبة، أبو محمد. كان خيِّرًا فاضلًا عَلَمًا في الصّلاح والزُّهد، محُبّبًا إلى الخاصّةِ والعامة، وَليَ الصَّلاةَ بجامع مُرْسِيَةَ دَهْرًا طويلًا. وتوفّي سنةَ ستَّ عشْرةَ وست مئة. ٢٣٣ - سيِّدُ بن عُبَيْد الله بن سيِّد، يُعرَفُ بابن الدُّودة . ٢٣٤ - سيِّدُ بن عبد الرّحمن بن سيِّد الأَنْصَارِيّ . ٢٣٥ - سيِّدُ (٣) بن عليّ، أبو بكر. رَوى عن أبي عبد الله (٤) بن أحمدَ بن عُبَيد ابن الوَشّاء، رَوى عنه أبو محمد قاسمُ ابن الصابوني. ٢٣٦ - سيِّدُ بن موسى بن طالب، مَرْجيقيٌّ، أبو بكر . رَوى عن شُرَيْح. ٢٣٧ - سيِّدُ بن يَعْلَى، أبو بكر . رَوى عن شُرَيْح.

стр. 859

الشِّين ٢٣٨ - شاكرُ (١) بن محمد بن الحَسَن بن محمدِ بن كاملٍ الحَضْرَميّ، مالَقيّ، أبو الحُسَين، ابنُ الفَخّار. رَوى عنه ابنُ أُختِه أبو بكر بنُ دَحْمان، وأبو عَمْرو بنُ سالم. وكان أديبًا شاعرًا مجُيدًا، حسَنَ العِشرة، ذكيًّا طيِّبَ النفْس، كريمَ الطِّباع، لَوْذَعيًّا، مُمتِعَ الحديث، صَحِبَ كثيرًا الأديبَ أَبا عليّ ابن كسرى، وحُمِلَ إلى إشبيلِيَةَ مكبولًا معَ مَن حُمل من مالَقةَ عند كائنةِ الجَزيريّ الثائر، فبَرَّأهمُ اللهُ جميعًا من تَبِعتِها (٢)، وعَرَضَ له حينَئذٍ خوفٌ كان سببَ منيّتِه، وذلك بإشبيلِيَةَ سنةَ ستٍّ وثمانينَ وخمس مئة. ٢٣٩ - شاكرُ بن محمد بن شاكِر بن عبد الله بن موسى التُّجِيبيُّ، رِكْليُّ الأصل . ٢٤٠ - شاكرُ (٣) بن مُسلم بن شاكر، أُورِيُولي. رَوى عن أبي القاسم خَلَف بن محمد ابن العَرَبي، وأبي محمد بن عَتّاب. رَوى عنه أبو عِمرانَ بنُ حَجّاج الأشيريُّ سنةَ إحدى وثلاثينَ وخمس مئة. ٢٤١ - شامخُ بن عبد الحقِّ بن إبراهيمَ بن أحمدَ بن محمد بن رَشِيق التَّغلَبيّ . ٢٤٢ - شَرَفٌ، فتى أبي إسحاقَ إبراهيمَ بن عُبَيد الله بن محمدِ بن أحمدَ بن يوسُفَ المَعافِري (٤)، ابنُ النّجّار، النواله، قُرْطُبيٌّ.

стр. 860

رَوى عن مَوْلاه أبي إسحاقَ المذكور، وكان من نُبَلاءِ أهل العِلم، جيِّدَ الخَطّ. ٢٤٣ - شُعَيْبُ بن أحمدَ بن شُعَيْب، طُلَيْطُليٌّ . كان من أهل العلم، حيًّا سنةَ إحدى وأربعينَ وأربع مئة. ٢٤٤ - شُعَيْبُ (١) بن إسماعيلَ بن شُعَيب بن إسماعيلَ بن شُعَيْبِ بن عبد الله الصَّدَفيُّ، كذا وقَفْتُ على نَسَبِه بخطِّه، وجعَلَ ابنُ الأبّار بعدَ إسماعيلَ الأعلى: ابنَ محمد، ولم يزد، إشبِيليٌّ، أبو زيد، ابنُ سُكَّر بضمِّ السِّين الغُفْل وتشديد الكافِ المفتوح وراءٍ. تَلا بالسّبع على أبي الأصبَغ الطَّحّان. ورَوى عن أبوَيْ بكر: ابن خَيْر [٣٧ ب] واختَصَّ به، وابن فَنْدِلَة، وأبي العبّاس ابن غَزْوان، وأبي محمد ابن مَوْجُوَال، وأبي الوليد ابن حَجَّاج. وكان مُقرِئًا ماهِرًا حسَنَ الأداء مَعْنيًّا بالتقييد والضّبط على ضَعْفِ خطِّه، موصُوفًا بالحفظِ والذكاء، قُتلَ بدارِه في حَوْمة مسجدِ الشُّهداء في ربيع الأول سنةَ ستٍّ وثمانينَ وخمس مئة. ٢٤٥ - شُعَيْب (٢) بن الحُسَين الأَنْصاريّ، إشبِيليٌّ، قطنياني، وقيل: مَنْتُوجَبِيُّ (٣) الأصل، سكَنَ بأَخَرةٍ بِجَايةَ، أبو مَدْيَن.

стр. 861

أخَذ عن أبي الحَسَن بن إسماعيلَ بن حرزهم (١)، وأبي الحَسَن بن غالب، وأبي الحَسَن السَّلَويّ، وأبي عبد الله الدَّقّاق. رَوى عنه أبو أحمدَ النارِيُّ، وأبو جعفرٍ ابنُ السَّرّاج، وأبو الصَّبرِ أيّوبُ الفِهْرِيّ (٢)، وأبو عبد الله بنُ عبد الحقِّ التِّلِمْسيني، وأبو علي بن زُلَال. وقال أبو عبد الله محمدُ بن إبراهيمَ الأَنْصاريّ: خَرَّجَ أبو مَدْيَنَ ألفَ تلميذٍ ظَهَرتْ على يدِ كلِّ واحد منهم كرامة. وكان أحدَ عبادِ الله المُخلَصين ممّن أجرَى اللهُ الحِكَمَ على لسانِه بما قَذَفَ في قلبِه من أسرارِ توفيقِه، وأفاض عليه من أنوارِ هدايتِه، وكان مُعرِضًا عن التكسُّبِ زُهدًا في الدّنيا وتقلُّلًا منها، مَبسُوطًا بالعلم مقبوضًا بالمُراقبة، مُبرِّزًا في مقام التوكُّل، لا يكاد يُعدَلُ به أحدٌ من أهل زمانِه فيه، عامرَ القلب بمُراقبةِ الله تعالى وخَشْييه، رَطْبَ اللِّسان بالذِّكْر، وقَطَعَ كثيرًا من عُمره في السِّياحة. وقال أبو علي حَسَنُ بن محمد الغافِقيُّ الصّوّاف، وكان قد صَحِبَ أَبا مَدْيَنَ نَحْوًا من ثلاثينَ سنةً وما فارَقَه حتى مات: سمِعتُه يقول: المُلتفِتُ إلى الكرامة كعابدِ الوَثَن، فإنه إنّما يُصلِّي ليَرى كرامة. وحدَّثني قال: صلَّيتُ مع عُمر الصَّبّاح صلاةَ المغرِب، فلمّا سلَّمنا قال لي: رأيتُ وأنا في الصلاة ثلاثًا من الحُور أو أربعًا وهُنَّ يلعَبْنَ في رُكنِ البيت، فقلتُ له: أرأيتَهنّ؟ فقال لي: نعم، فقلتُ له: أعِدْ صلاتَك، فإنّ المُصَلِّيَ إنّما يُناجي ربَّه، وأنت إنّما ناجَيْتَ الحُور. وقال عبد الله بن ماكسن الصُّنهاجيّ: جاء رجُلٌ إلى الشّيخ أبي مَدْيَنَ ليعترضَ عليه، فأراد القارئُ أن يقرَأَ عليه الكتاب، فسَكَّتَه أبو مَدْيَنَ وقال له: اسكُتْ، ثم التَفَتَ إلى الرجُل وقال له: لمَ جئت؟ فقال له الرجُل: جئتُ لأقتبِسَ من أنوارِك، فقال له: ما الذي في كُمِّك؟ فقال له: المصحف، فقال له أبو مَدْيَن: أخرِجْه، فأخرَجَه من كُمِّه، فقال له: اقرَأْ أوّلَ سطر، فأخرَجَه وفتَحَه وقرَأَ أوّلَ

стр. 862

سطر، فإذا فيه: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٢] فقال له أبو مَدْيَن: [٣٨ أ] أما يَكفيكَ هذا (١)؟ واستَوطَنَ قديمًا مدينةَ فاس، فأقام بها قليلًا ولم يَزلِ المقامُ (٢) بها، وفَصَلَ عنها كارهًا جِوارَ أهلِها، وانتَقَل إلى تِلِمْسينَ ثُم إلى بِجَاية فاستقَرَّ بها. وكان شيخَ الصوفية في وقتِه ونفَعَ اللهُ بصُحبتِه خَلْقًا كثيرًا. ثُم إنّ المنصُورَ من بني عبد المُؤمن استَدعاه والشّيخَ أَبا زكريّا المَغِيليَّ (٣) إلى حضرتِه مَرّاكُشَ لأمرٍ اقتفَى ذلك عندَه، وكان أبو زكريّا ساكنًا بحَوْمةِ مِلْيانَةَ أو قريبًا منها، فأمّا أبو زكريّا فلم يُجِبْه، وكان من قوله: [...] (٤)، وأمّا أبو مَدْيَنَ فقال: أمّا أنا فأتوجَّهُ إليه غيرَ أنه لا يَراني ولا أراه، فأتَتْه منِيّتُه بتِلِمْسين، وصَدَقَ اللهُ أُمنيّتَه وحقَّقَ وعْدَه، وكان آخِرُ ما سمِعَ من كلامِه عند آخِر الرَّمَق: اللهُ الحَيّ. وقال أبو علي الصوّاف (٥): لمّا احتُضِر أبو مَدْيَن استحيَيْتُ أن أقولَ له: أوصِني، فأتَيْتُه برَبِيبِه وقلتُ له: هذا فلانٌ فأوصِهِ، فقال لي: سُبحانَ الله! وهل كان عُمري معَكم كلُّه إلا وَصِيّة، وأيُّ وصيةٍ أبلغُ من مشاهدةِ الحال؟ وسمِعتُه عندَ النَّزْع وهُو يقول: الله الله الله، حتى رَقَّ الصّوتُ وتُوفِّي بيُسْر، في حدودِ التّسعينَ وخمس مئة، قيل: عامَ أربعةٍ وتسعينَ، وقيل: عامَ ثمانيةِ وثمانين، ودُفن بمقبُرة العَبّاد العُلْيا قِبْليّ تلمسينَ إلى جَنْب الصّالح الشَّهير أبي محمدٍ عبد السلام التونُسيّ رحمَهما الله، وقَبْراهُما هنالك متبرَّكٌ بهما مَزُورانِ متَعرَّفان (٦) البَرَكة، نفَعَ اللهُ بهما، وقد زُرتُهما أنا ووَلَدي أحمد، هداهُ الله.

стр. 863

٢٤٦ - شُعَيْب بن عبد الغَفُور، قُرْطُبيّ، أبو مَدْيَن . رَوى عن أبي الحَسَن ابنِ الفَقّاص (١)، وأبي القاسم ابنِ الطَّيْلَسان. ٢٤٧ - شُعَيْب (٢) بن عامِر بن محمد القَيْسي، إشبِيليّ، أبو محمد، وهُو سِبطُ شُعَيْب الأشجَعيِّ الآتي بعدُ بحَوْل الله تعالى. تَلا على جَدِّه للأُمِّ شُعَيْبٍ المذكور، وسَمِع منه كثيرًا واختَصَّ به. رَوى عنه أبو بكر بنُ عبد النُّور، وحَدَّث عنه بالإجازة أبو القاسم ابن الطَّيْلَسان، وكان مُكتبًا مُقرئًا مجُوِّدًا فاضلًا خيِّرًا، حيًّا سنةَ تسع وتسعينَ وخمس مئة. ٢٤٨ - شُعَيْب (٣) بن عيسى بن عليّ بن جابِر بن عَدِيِّ بن جابِر الأشجَعيُّ، يابُرِيٌّ، استَوطَنَ إشبيلِيَةَ، أبو محمد. وكَنّاه أبو العبّاس ابنُ الرُّوميّة: أَبا مَدْيَن، والحَسَنُ بن أحمدَ بن أبيمن: أَبا الحَسَن، وكلاهما غيرُ معروف. تَلا على خالِه أبي القاسم خَلَف بن شُعَيْب. وروى عن آباءِ بكر: عبد الله بن طلحةَ وعَيّاش بن مِخْرَاش ومحمد بن المُفرِّج الرَّبوبْلة، وذكر ابنُ الشكان أنه

стр. 864

خالُه، وفيه نَظَر، وأبوَي الحَسَن: شُرَيْح وابن قلبريل اليابُريِّ. وأجاز له: أبو الحَسَن عَبّادُ بن سِرْحان، وأبو القاسم عبدُ الرحمن (١) [٣٨ ب] [وأبو الوليد الباجِيُّ، وأبو عَمْرِو الداني، وجَمْعٌ. ورَوى عنه أبوا بكرِ: ابنُ خَيْر وابنُ صافٍ، وهشامُ بن أَبَان، وأبو الحَسَن نَجَبةُ بن يحيى وجماعةٌ، وصنف في القراءاتِ وما يتعلَّقُ بها. ماتَ عاشرَ، وقيل: حاديَ عَشَر، جُمادى الأُولى سنةَ ثمانٍ وثلاثينَ وخمس مئة.

стр. 865

الصّاد ٢٤٩ - صالحُ (١) بن خَلَف بن عامِر الأنصاريُّ الأَوْسيُّ البَرْجِيّ، أبو الحَسَن، ابنُ السَّكَني. رَوى عن أبي الحَسَن بن] الغَمّاد، وأبي الحُسَين ابنُ الطَّرَاوة، وأبي عليّ منصُور الأحدَب، وأبي مَرْوانَ بن مُجْبَر (٢)، ورَحَلَ إلى المشرِق واجتازَ بفاسَ فأخَذَ بها عِلمَ الكلام عن أبي جعفرٍ محمد بن باقٍ، وبتونُسَ عن أبي محمد عبد الرزّاق، وبالمَهْدِيّة عن أبي عبد الله المازَرِي. رَوى عن أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيدٍ القَرَويِّ ابن المُبيِّض. رَوى عنه أبو بكر بن أحمدَ بن خليل، وابنا حَوْطِ الله. وكان مُقرِئًا مجُوِّدًا عارِفًا بالقراءاتِ ضابِطًا لأحكامِها، ماهرًا في عِلم العربيّة، ذا حَظّ صالح من الفقه، متقدِّمًا في علم الكلام، مَوْلدُه سنةَ خمس مئة، وتوفِّي في أوائل رمضانَ سنةَ ستٍّ وثمانينَ وخمس مئة. ٢٥٠ - صالحُ (٣) بن سيِّد. كان أديبًا تاريخيًّا, وله تاريخٌ سمّاه "وُسْطَى السُّلوك"، ذَكَرَ فيه بناءَ المعتمدِ محمد بن عَبّاد الحِصْنَ الزاهر (٤).

стр. 866

٢٥١ - صالحُ بن عبد الرّحمن الأنصاريُّ . رَوى عن أبي عليّ الصَّدَفي. ٢٥٢ - صالحُ (١) بن عبد الملِك بن سعيدٍ الأَوْسيّ، من ساكِني مالَقةَ، أبو الحَسَن. تَلا بحرف نافع على أَبيه، وأبي بكر عَيّاش بن فَرَج، وأبي القاسم أحمدَ بن محمد بن ذِرْوةَ، وبالسَّبع على أبي زيد السَّرَقُسْطيِّ الوَرّاق، وأبي عبد الله بن عيسى الشَّرقي البيغيِّ، وأبي عليّ منصورِ بن الخَيْر. ورَوى عن أبي بحرٍ سُفيانَ بن العاص، وآباءِ بكر: ابن أسوَدَ وابن العَرَبيِّ وغالبِ بن عَطِيّة وابن حَبيب وابن فَنْدِلةَ، وأبوَيْ جَعْفر: ابن عبد العزيز ابن المُرْخِي وابن باقٍ محمد، وأبي الحَجّاج القُضَاعي، وآباءِ الحَسَن: شُرَيْح وابن اللَّوّان وغِربِيب بن خَلَف بن قاسم وابن غَمّاد، وأبي الحُسَين ابن الطَّرَاوة، وآباءِ عبد الله: جعفر حفيدِ مكِّي والجَيّاني البغداديِّ وابن الحاجِّ الشَّهيد وابن زُغَيْبةَ وابن مَعْمَر وابن أُختِ غانم، وأبي العبّاس ابن الزَّنْقِيّ، وأبوَي القاسم: ابن منظور وابن وَرْد، وأبوَيْ محمد: ابن الجُبَيْر الكاتبِ وابن عاتٍ، وأبوَيْ مَرْوان: ابن عبد العزيز الباجِيِّ وابن مُجبر، وآباءِ الوليد: ابن رُشْد وابن بَقْوَى بلَوْشَة وابنِ الدَّبّاغ، ولقِيَ أَبا الأصبَغ ابنَ أبي البَحْر الشَّنْتَرينيَّ وأجاز له. وكتَبَ إليه مُجيزًا ولم يلقَهُ: أبوا الحَسَن: ابنُ النِّعمة وابنُ هُذَيْل، وأبَوا عبد الله: بن (٢) يوسُف بن سَعادةَ والمازَرِيُّ مقيمُ المَهْديّة، وأبو محمد عبدُ الرزّاق الفقيهُ بتونُس. رَوى عنه أبوا بكر: عَتِيقُ بن قَنْتَرال وابنُ أبي زَمَنِين، وأبو الخَطّاب ابنُ الجُمَيِّل، وأبو سُليمانَ بنُ حَوْطِ الله، وأبو الصَّبر السَّبْتيّ، وأبو عبد الله الأَنْدَرْشيُّ، وأبو عليّ الرُّنْديّ، وأبو عَمْرو بنُ عَيْشونَ المُرْسِي، وآباءُ محمد: ابنُ حَوْطِ الله

стр. 867

[٣٩ أ] وابن القُرْطُبيّ وعبدُ الصَّمد بن إبراهيمَ بن طارِق وغَلْبونُ بن غَلْبون. وحدَّث بالإجازة أبو العبّاس العَزَفي، وأبو الفَضْل عِيَاضٌ إن لم يكنْ سَمِعَ عليه. وكان متفنِّنًا في معارفَ مُقرِئَا مجُوِّدَا وَرِعًا زاهدًا فاضلًا مُشاركًا في الأصُول، ولم يكنْ بالضّابط، وله مقالةٌ في الإيمان والإِسلام، وقدِ استُقضيَ في حدود الثلاثينَ وخمس مئة. وتوفِّي في أوائلِ رمضانِ ستّةِ وثمانينَ وخمس مئة، ومَولدُه سنةَ خمس مئة. ٢٥٣ - صالحُ (١) بن عليّ بن صالح بن محمدِ بن سالم الهَمْدانيّ، مالَقيٌّ، أبو الحَسَن، وهو والدُ الأديب أبي عَمْرٍو ابن سالم (٢). وقد تقدَّم رَفْعُ نَسَبِه والتنبيهُ على حالِه في رَسْم ابنِه أبي عَمْرو سالم. رَوى عن أبي بكر ابن العَرَبي، وأبي الحَسَن شُرَيْح، وأبي الحُسَين ابن الطَّرَاوة، وأبي عبد الله ابن أُختِ غانم، وأبي مَرْوانَ عبد الرّحمن بن قَزْمان. وأجاز له من أهل الأندَلُس: أبو الحَكَم عبدُ السّلام بن عبد الرّحمن بن بَرَّجان، ومن أهل المشرِق: أبَوا الطاهِر: الخشُوعيُّ والسِّلَفيّ، وأبوا محمد: الدّيباجيّ والقاسمُ بنُ عليِّ بن عَساكر. رَوى عنه ابنُه أبو عَمْرو سالم. ٢٥٤ - صالحُ (٣) بن عليّ بن عبد الرّحمن بن إبراهيمَ بن سَلَمةَ الأَنْصاريُّ، مالَقيٌّ، أبو التّقَى، ابنُ المُعلِّم. رَوى عن أبي الخَطّاب بن واجِب، وابنَيْ حَوْطِ الله، وأبي عليّ الرُّنْدي، وأبي محمد ابن القُرْطُبي. وكان من أهل الاجتهاد في طلبِ العِلم والاعتناءِ التامِّ بطُرُق الرّواية والتصَرُّف الحَسَن في النَّحو والأدب.

стр. 868

قال أبو بكر بن خَمِيس (١): حدَّثني صاحبُنا الفقيهُ الزَّكيُّ أبو [...] (٢) بن أبي التُّقَى صالحٍ هذا قال: كنتُ في وقتٍ أدرُسُ كتابَ الزّكاة من"المُوطَّإ"، فأطَلْتُ القراءةَ ليلةً من اللّيالي حتى غَلَبَني النّوم، فكنتُ أرى والدي ﵀ جالسًا معي، فكنّا نتحدَّثُ في القراءةِ والطّلب، فكنتُ أقولُ له: هل عمِلتَ قَطُّ شِعرًا؟ فكان يُنشِدُني [الطويل]: وقَفْتُ أمامَ الحيِّ أرصُدُ غَفْلةً ... أُساعدُ طَرْفي ساعةً (٣) وأُناظرُ فإنْ غَفَلَ الواشُونَ عنا تكلَّمتْ ... حواجبُنا عمّا تُكِنُّ الضمائرُ قال: وكان يقولُ لي: هما مُقيَّدانِ على ظهرِ سِفْرٍ من"كتاب سِيبوَيْه"، قال: فنظرتُهما فوجَدتُهما كما ذَكَرَ. وتوفِّي ضَحْوةَ يوم الأربعاءِ لستٍّ بَقِينَ من ربيعٍ الآخِر سنةَ خمس وعشرينَ وست مئة. ٢٥٥ - صالحُ بن محمد بن أحمدَ بن صالح الأَزْديُّ، أبو الحَسَن . رَوى عن أبي بكر ابن العَرَبيِّ، وأبي الحَسَن شُرَيْح. ٢٥٦ - صالحُ (٤) بن محمد بن سُليمان. رَوى عن أبي الحَجّاج الأُنْديِّ وأبي الرَّبيع بن سالم. ٢٥٧ - صالحُ بن محمد بن صالح، أندَلُسيٌّ، أبو التُّقَى . له رحلةٌ أخَذَ فيها بمكّةَ [٣٩ ب] شرَّفَها الله عن أبي الفُتُوح نَصْر بن أبي الفَرَج ابن الحُصْريّ سنةَ ستَّ عشْرةَ وست مئة.

стр. 869

٢٥٨ - صالحُ بن محمد بن عُبَيدِ الله بن عَلْقَمةَ القَيْسيّ، بَلِّيشِيٌّ، بفَتح الباءِ بواحدةٍ وشدّ اللام وياءِ مَدّ وشينٍ معجَم منسوبًا . ٢٥٩ - صالحُ بن محمد بن عليّ الأنصاريُّ، إشبِيليٌّ . ٢٦٠ - صالحُ بن مُعاذ الأنصاريُّ، أبو الحَسَن . رَوى عن شُرَيْح. ٢٦١ - صالحُ (١) بن مُعافَى بن حَمّاد الغَسّاني، قُرْطُبي. كان خَيِّرًا فاضلًا عَدْلًا حَسَنَ الهَدْي مقبولَ الشّهادة، عالمًا بالعربيّة راوِيةً للأشعار، أدَّبَ عند بني فُطَيْس، وكتَبَ عن بعضِ القُضاة، واشتُهِر بالفَضْل ومَتَانة الدِّين. ٢٦٢ - صالحُ (٢) بن يحيى بن صالح الأَنْصاريّ، قُرطُبي، أبو الحَسَن. تَلا بالسّبع على أبي بكر بن جعفرِ بن صافٍ، وأبي الحَسَن عبدِ الجَليل. تَلا عليه ابنا حَوْطِ الله ورَوَيا عنه، وكان مُكْتِبًا مجُوِّدًا شيخًا فاضلًا، تصدَّرَ للإقراءِ بمسجدِه داخِلَ قُرطُبة على مَقْرُبة من بابِ طُلَيْطُلةَ أحدِ أبوابِها. وتوفِّي في ذي الحِجة سنةَ ثمانينَ وخمس مئة. ٢٦٣ - صالحُ (٣) بن أبي الحَسَن يَزيدَ بن صالح بن موسى بن أبي القاسم بن عليِّ بن شَريف، رُنْديّ، أبو الطّيِّب، ابنُ شَريف.

стр. 870

رَوى عن آباءِ الحَسَن: أَبيه والدَّبَاج وابن الفَخّار الشَّرِيشي وابن قُطْرال، وأبي الحُسَين بن زَرْقُون، وأبي القاسم ابن الجَدِّ التّونُسي. رَوى عنه جماعةٌ من أصحابِنا، وكتَبَ إليّ بإجازةِ ما رَواهُ وألَّفَه وأنشَأَه نَظْمًا ونَثْرًا، وكان خاتمةَ الأُدباء بالأندَلُس بارعَ التصرُّف في منظوم الكلام ومنثورِه، فقيهًا حافظًا فَرَضيًّا متفنِّنًا في معارفَ جَليلة نبيلَ المَنازِع متواضِعًا، مقتصِدًا في أحوالِه، وله مقاماتٌ بديعة في أغراضٍ شتى، وكلامُه نظمًا ونثرًا مُدوَّن، وصَنَّف في الفرائضِ وأعمالِها مختصَرًا نافعًا نَظْمًا ونَثْرًا, وله تأليفٌ في العَروض وتأليفٌ في صَنْعة الشِّعر سَمّاه "الكافي (١) في علم القوافي" وأودَعَه جُملةً وافرةً من نَظْمه، فمنه في باب التشبيه (٢) [الخفيف]: عَلِّلاني بذِكْرِ تلك اللّيالي ... وعهودٍ عهِدتُها كاللَّآلي لستُ أنسَى للحُبِّ ليلةَ أُنْسٍ ... صالَ فيها على النَّوى بالوِصالِ غَفَلَ الدّهرُ والرَّقيبُ وبِتْنا ... فعجِبْنا منَ اتِّفاقِ المُحالِ ضَمَّنا ضمَّةَ الوِشاحِ عِنَاقٌ ... بيمينٍ معقودةٍ بشِمالِ فبَرَدْتُ الحَشَا بلَثْمِ بَرودٍ ... لم يزَلْ بي حتّى خَبَا لي خَبَالي وكؤوسُ المُدام تَجْلو عَروسًا ... أضحَكَ المَزْجُ ثَغْرَها عن لَآلِ [٤٠ أ] ولنَحْرِ الدُّجى ذوابلُ شَمْعٍ ... عَكَسَتْ في الزُّجاجِ نُورَ الذُّبالِ والثُّريّا تَمُدُّ كفًّا خَضِيبًا ... أَعجَمَتْ بالسِّماكِ نونَ الهلالِ وكأنّ الصّباحَ إذْ لاح سَيْفٌ ... يُنتضَى مِنْ غينٍ وميمٍ ودالِ ومسَحْنا الكَرَى إلى غانياتٍ ... غانياتٍ بكلِّ سحرٍ حلالِ

стр. 871

في رياضٍ تَبَسَّمَ الزَّهرُ فيها ... لغَمامٍ بكَتْ دموعَ دلالِ وجَرَى عاطرُ النّسيم عليلًا ... يتَهادَى بين الصَّبا والشَّمالِ فاكتَسَى النَّهرُ لَأْمةً منهُ لمّا ... أنْ رمَى القَطْرُ نحوَه بنِبالِ [يا ليالي مِنًى سلامٌ عليها ... أتراها تعودُ تلك اللّيالي؟] قوله: "أعجَمَتْ بالسِّماك نونَ الهلالِ" غلَطٌ جَرى عليه جُمهورُ الكُتّاب؛ لأنّ النونَ المتطرِّفةَ لا وَجْه لنَقْطها، إذْ هي متميِّزةٌ بصورتِها، وإنّما تُنْقَطُ مبتدأً بها وموَسَّطة، وحالُها في ذلك حالُ الفاءِ والقافِ والياءِ المسفولة، فإنّهنّ إذا ما تطَرَّفْن تميَّزْنَ بصُوَرِهنّ، فاستُغنيَ عن نَقْطِهنّ؛ إذِ الداعي إلى النَّقْط خوفُ الإلباس، فإذا ارتفعَ الإلباسُ كان الإعجامُ عَبَثًا وكُلفةً لا جَدْوى [فيها] , والهلالُ إنما يُشبَّهُ بالنونِ المتطرّفة كما يُشبَّهُ بالراء أول ليلة، واللهُ أعلم. ومنه في التشبيهِ أَيضًا من قصيدة (١) [الوافر]: وليلِ صبابةٍ (٢) كالدهرِ طُولًا ... تنكَّرَ لي وعَرَّفَهُ التَّمامُ كأنّ سماءَه رَوْضٌ تَحلَّى ... بزَهْرِ الزُّهر، والشّرقُ الكُمامُ كأنّ البدرَ تحتَ الغَيْمِ وجهٌ ... عليه من ملاحتِهِ لِثَامُ كأنّ الكوكبَ الدُّرّيَّ كأسٌ ... وقد رَقَّ الزُّجاجةُ والمُدامُ كأنَّ سُطورَ أفلاكِ الدَّراري ... قِسِيٌّ والرّجومُ لها سهامُ كأنّ مدارَ قُطْبِ بناتِ نَعْشٍ ... نَدِيٌّ والنجومُ به نِدَامُ كأنّ بناتِه الكُبرى جَوارٍ ... جَوارٍ والسُّهَى فيها غلامُ كأنّ بناتِه الصُّغرى جُمَانٌ ... على لَبَّاتِها منه نظامُ

стр. 872

كواكبُ بِتُّ أرعاهُنَّ حتى ... كأني عاشق وهْيَ الذِّمامُ إلى أن مَزَّقَتْ كفُّ الثّريا ... جُيوبَ الأُفْقِ وانجابَ الظلامُ فما خِلتُ انصداعَ الفجرِ إلّا ... قِرابًا يُنْتَضَى منه حُسامُ وما شَبَّهتُ وجهَ الشمسِ إلا ... لوجهِكَ أيها الملكُ الهُمَامُ [وإنْ شَبَّهتُه بالبدرِ يومًا ... فللبدرِ المَلاحةُ والتَّمامُ] (١) ٢٦٤ - [صَفْوانُ (٢) بن إدريس بن إبراهيمَ بن عبد الرّحمن بن عيسى بن إدريس التُّجيبيُّ المُرْسِيّ، أبو بَحْر. رَوى عن أَبيه وخالِه ابن عمِّ أَبيه القاضي أبي القاسم بن إدريسَ، وأبي بكر بن مُغاوِر] , [٤٠ ب] وأبي رجال بن غَلْبون، وأبي عبد الله بن حَمِيد، وأبي العبّاس بن مَضَاء، وأبي القاسم بن حُبَيْش، وأبوَيْ محمد: الحَجْريِّ وابن حَوْطِ الله، وأبي الوليد بن رُشْد، وأجاز له أبو القاسم ابنُ بَشْكُوال. ورَوى عنه أبو إسحاقَ اليَابُريّ، وأبو الرَّبيع بنُ سالم، وأبو عبد الله بن أبي البقاء، وأبوا عَمْرو: ابن سالم ومحمدُ بن محمد بن عَيْشُون.

стр. 873

[كان أديبًا حَسيبًا مُمتَّعًا من الظَّرْف، رَّيان من الأدب، حافظًا سريعَ البديهةِ، تَرِفَ النشأة، على تصاونٍ وعَفافٍ، جميلًا سريًّا، ممن تساوى حظه من النظم والنَّثر على تباين الناس في ذلك. وله تواليفُ أدبيّة، منها: "زادُ المسافر"، وكتابُ "الرِّحلة"، وكتابُ "العُجَالة" سِفْرانِ يتضمَّنانِ من نَظْمِه ونَثْرِه أدبًا لا كِفَاءَ له، وانفردَ من تأبينِ الحُسَين وبُكاءِ أهل البيت بما ظَهَرتْ عليه برَكتُه من حكاياتٍ كثيرة]. وله من رسالةٍ خاطَبَ بها قاضيَ الجماعة أَبا القاسم بنَ بَقِيّ حين قُلِّد خُطّةَ القضاءِ سنةَ ثِنتينِ وتسعينَ وخمس مئة [الطويل]: سلامٌ على أهْلِ العُلا والمكارمِ ... كما عَتقَتْ أَنفاسُ زَهْرِ الكمائمِ وقد بأن كما بانتِ الواضحةُ الجَلِيّة، أنّ قليلاً تنطلقُ عليه هذه الكُلِّيّة، حتّى إذا انقَبَضت عنها مَراجي الطَّمَاعة، عُلِم أنها مخصوصةٌ بقاضي الجماعة، حُسْنِ الأيام وجمالِها، ومآلِ الآمالِ وثُمالِها، وبصَرِ المعارفِ وسَمْعِها، وواحدِ الفضائل وجَمْعِها, لِينٌ يتضمَّنُ الاكتفاء، ونجدةٌ لا تَبلُغُ الجَفاء، وضالَّةٌ لمن نَشَدَ الوفاء، أبو القاسم بنُ بَقِيِّ بن مَخْلَد، بورِكَ في والدٍ وما وَلَد [الكامل]: نَسَبٌ كأنّ عليه مِن شمسِ الضُّحى ... نُورًا ومِن فَلَقِ الصباحِ عَمُودا أدامَهُ اللهُ حَلْيًا يتنزَّلُ من مشاهدِ المعارف، تَنَزُّلَ الرُّقُمِ من أردانِ المطارِف، وهذا شيءٌ سألتُ الله فيه وقد فَعَل، فإياه أسألُه كما جعَلَه من الكمال حيثُ جعَل، أن يُهنِّئ الأحكامَ ما تأتَّى لها من تَوَلّيهِ وانفعل؛ لأنّ (١) قَدْرَه دام عُمرُه، وامتُثِل نَهْيُه الشَّرعيُّ وأمرُه، أعلى رُتبةً وأكرمُ محلًّا، من أن يتَحلَّى بخُطّةٍ هي به تتَحَلَّى، كيف يُهنَّأُ بالقعودِ لسَماع دعاوَى الباطل، والمعاناةِ لإنصافِ الممطول من الماطل، والتّعبِ [٤١ أ] في المعادلة، بينَ ذَوي المجادَلة؟ أمَا لو عَلِم المتشوِّفونَ إلى خُطّة الأحكام، المُستشرِفونَ إلى ما لها من التبسُّط والاحتكام، ما يجبُ لها من اللّوازم، والشّروطِ الجَوازم، كبَسْطِ الكَنَف، ورَفْع الجَنَف، والمساواة بين العدوِّ ذي

стр. 874

الذَّنْب، والصاحبِ بالجَنْب، وتقديم ابنِ السّبيل، على ذي الرَّحِم والقَبِيل، وإيثارِ الغريب، على القريب، والتوسُّع في الأخلاق، حتى لمَن ليس له مِن خَلَاق، إلى غير ذلك مما عِلْمُ قاضي الجماعة أحصاه، واستعمَلَ خُلُقَه الفاضلَ أدناهُ وأقصاه، لَجَعلوا خُمولَهم مأمولَهم، وأضرَبوا عن ظهورِهم، فنَبَذوه وراءَ ظهورِهم، اللهمَّ إلا من أُوتيَ بَسْطةً في العلم، ورَسَا طَوْدًا في ساحة الحِلم، وتساوَى ميزانُه في الحَرْب والسِّلم، وكان كقاضي الجماعة في المُماثَلة بين أجناسِ الناس، فقُصاراهُ أن يتقلَّدَ الأحكامَ للأجْر، لا للتعنيفِ والزَّجْر، ويتَولّاها للثّواب، لا للغِلظةِ في ردِّ الجواب، ويأخُذَها لحُسن الجزاء، لا لقُبح الاستهزاء، ويَلتزمَها لجَزيل الذُّخْر، لا للإزراءِ والسُّخْر، فإذا كان ذاك كذلك، وسَلَكَ المتولِّي هذه المسالك، وكان مثلَ قاضي الجماعة ولا مثلَ له، ونفَعَ الحقُّ به عللَه، ونقَعَ غللَه، فيومئذٍ تُهَنَّى به خُطَّةُ القضاء، وتُعرَفُ بما لله عليه من اليدِ البيضاء (١)، فأنهَضَ اللهُ قاضيَ الجماعة بما قلَّده، وأيَّدَ على احتمالِ صُداع المتحاكمينَ جَلَدَه، وإلى ذلكُم أدام اللهُ مُدّةَ عِمادي الأكرم، ومَلاذي الذي أنفُخُ من حدِّه في ضرَم، وأحُلُّ من الاختصاص به محلَّ الحَرَم، فقبلَ هذه الأُمّة، كنتُ تحت تلك الذِّمّة، وكنتُ في حَرْبِ حنين فنصرْتَني نَصْرَ الصمّة، ولِم تتمنَّ ما تمَنّاه يومَئذٍ دُرَيْدُ بنُ الصِّمّة (٢)، نهضْتَ بي وكلُّ مُقدَّم قد تحَيَّر، وصَفوتَ وكلُّ ممسوح بجناح الظلِّ قد تغَيَّر، ولأمرٍ ما تخَيَّرتُ عُلاك ومَن أخصبَ تخَيَّر، وما كنتُ إلا كالغريبِ ارتادَ الجِوار، والمُحَلَّى انتَقى المِعصَمَ حين صاغَ السِّوار (٣)، فأمّا وقد حِمى انتهاضِكَ أعطاني لله ما أعطاني، وحين ورَدَتْ هذه البِشارةُ العامة أوطاني، "فاليومَ يَا عِزّي ويا سُلطاني" [المنسرح]: قد كنتُ أسلمتُ فيك مقتضِيًا ... فهاتِ إذْ حَلَّ أَعطِني سَلَمي

стр. 875

قاضي الجماعة يَعلمُ كيف كان ارتحالي، عن ذلك الأُفُق الحالي، وما لقِيتُ من تعسُّفِ مَن شاء اللهُ وتَعتُّبِه، وكيف بَهْرَجني في ذلك المِعيارِ العَدْل وكنت نفَقْتُ به، فلا تُخْطئني مساعيك الجميلةُ عَوْدًا على بَدْء، فحسبي بذلك الحالِ من نصيرٍ ورِدْء، والعَوْدُ أحمد، لا سيّما بمن عليه يُعتمَد، واللهُ تعالى يُديمُ مدَّة قاضي الجماعة الأَسْرى، وكَلِمُ حَمْدِه أسْيَرُ من الأمثال [٤١ ب] وأسْرَى، ونِعَمُ الله سبحانَه عليه تَتْرَى، وما يُريهِ من نعمةٍ إلا هِي أكبرُ من الأخرى، بمَنِّ الله تعالى وكرَمِه، والسّلام. ٢٦٥ - صُمادِح (١) بن زيد بن مُسلم بن سَعيد بن أبي هالةَ، الأزديُّ، إشبِيليٌّ. كان فقيهًا زاهدًا. ٢٦٦ - صَنْدَل، مَوْلى المأمونِ أبي الحَسَن يحيى بن الظافِر أبي محمد إسماعيلَ ابن عبد الرّحمن بن إسماعيلَ بن عامِر بن مُطَرِّف، ابنُ ذي النون، طُلَيْطُيٌّ . حَكَى عنه أبو الحَسَن محمدُ بن عبد الله الغافِقيُّ قال: أسلَمَني مَوْلايَ المأمونُ معَ ابنِه مَوْلاي القادرِ إلى الأديب أبي بكر ابن فَضْلون ليؤدِّبَه، وقال له: إذا أَنْتَ أدَّبتَ ابني هذا أو أتى بنكير فاضربْ فتاهُ صَنْدَلًا هذا مكانَه، قال: فكان يفعَلُ كذلك، فنَجُبتُ أنا في التعلُّم ولم يَنجُبْ مولايَ القادر. وكان صَنْدَلٌ هذا من أهل النُّبل والعلم والمعرِفة بسياسةِ المُلك، وقد كتَبَ عن مَوْلاه القادرِ، وعليه كان مُعَوَّلُه في تدبر رياستِه ببَلَنْسِيَة. ٢٦٧ - صُهَيْبُ بن أسامةَ بن عليّ بن عبد الله بن عبد الواحِد بن عبد الله بن زِمَام الهريريّ .

стр. 876

الضاد ٢٦٨ - ضِرْغامُ (١) بن عُرْوةَ بن عُمَر بن حَجَّاج بن أبي قُرَيْعَة يزيدَ مَوْلى عبد الرّحمن بن معاويةَ والداخِل معَه إلى الأندَلُس، لَبْليٌّ. له رحلةٌ إلى المشرِق، وكان فقيهًا. ٢٦٩ - ضِمَامُ (٢) بن عبد الله بن نَجَبَة العامِريُّ مَوْلاهم، بَجَّانيّ، أبو عبد الله. رَوى عن أبي مَرْوانَ عبد السّلام بن مَسْلَمةَ بن سُليمانَ القُرَشِيّ الأندَلُسيّ، وله رحلةٌ إلى المشرقِ ودخَلَ بغدادَ. رَوى عنه أبو الفَرَج أحمدُ بن القاسم الخَشّابُ البغداديّ. قال المصنّفُ عَفَا اللهُ عنه: كذا ثَبَتَ بالضّاد في "تاريخ أهل مِصرَ والمغرب" تصنيف أبي سَعيدٍ عبد الرّحمن بن أحمدَ بن يونُس بن عبد الأعلي بن موسى بن مَيْسَرةَ بن حَفْص بن حَيّانَ الصَّدَفي، وكذلك وقَعَ في "غرائبِ حديث مالك" وفي "الرُّواةِ عنه"، وكلاهما جَمْعُ الإِمام أبي الحَسَن الدّارَقُطْني، وفي رواية الراوِية أبي زكريّا بن عانِدٍ عنه؛ وكذلك ذكَرَه الأميرُ أبو نَصْرٍ ابنُ ماكُولَا في "إكمالِه" (٣)، وهُو الصَّحيح؛ وقال بعضُهم فيه: هَمَّام بفَتْح الهاء وتشديدِ الميم، وكذلك ذكَرَه أبو الوليد ابنُ الفَرَضيّ في "تاريخِه" (٤) ووقَفتُ في خطِّ أبي عبد الله

стр. 877

ابن أبي العبّاس بن الصَّقْر في رَسْم مَسْلَمةَ بن سُليمانَ من كتابِه، وقد أورَدَ إسنادَ الحديث الذي رواه ضِمَامٌ هذا عن عبد السلام بن مَسْلَمةَ المذكورِ فقال فيه: "هَمّام" كما عندَ ابن الفَرَضي، وهو وَهَم. وقال فيه أبو سعيد بنُ يونُس: مُعرَّفٌ ببلدِه. توفِّي [٤٢ أ] في نحو العشرينَ وثلاث مئة وقد حدَّث؛ وقال فيه الدّارَقُطْنيُّ في "الغرائب": ضعيف، وقال أبو عبد الله النُّمَيْريُّ فيه وفي شيخِه وأبيه: إنّهم غيرُ معروفين، ومن خطِّ النُّمَيْري نقَلتُه.

стр. 878

الطاء ٢٧٠ - طارقُ (١) بن موسى بن طارق، من وَلَد يَمَن (٢) بن سعيدٍ والد جَحّاف (٣)، المَعافِريُّ، بَلَنْسِيٌّ، أبو جعفر وأبو العبّاس. وسمّاه ابنُ سُفيان: أحمدَ، غَلَطًا أوقعَه فيه كُنْيتاهُ أو إحداهُما. تَلا في بلدِه بالسَّبع على أبي الأصبَغ ابن المُرابِط، وأبي الحَسَن بن هُذَيْل بعدَ العشرينَ وخمس مئة؛ وبها رَوى عن أبي بكرٍ عَتِيق بن أَسَد وابن بَرُنْجال وابن العَرَبيِّ في ترَدُّدِه غازيًا على بَلَنْسِيَة، وأبي الحَسَن طارقِ بن موسى بن يَعيشَ، وأبي عبد الله بن يوسُف بن سَعادة، وأبي محمد القَلَنِّي. ورحَلَ إلى مالَقةَ فأخَذ بها عن أبي الحُسَين ابن الطَّراوة، وأبي عبد الله ابن أُختِ غانم، وأبي عليّ ابن الخَيْر، وإلى إشبيلِيَةَ فأخَذ بها عن أبي الحَسَن شُرَيْح. رَوى عنه أبو الحَسَن بن خِيَرةَ، وأبو عليّ الحُسَين بن زُلَال؛ وكان شيخًا فاضلًا مُقرِئًا حسَنَ القيام على كتابِ الله وتجويدِ حروفِه، وذلك الذي كان يَعتمد، وإن كان آخِذًا بحظٍّ وافر من روايةِ الحديث، وتصَدَّرَ للإقراء ببلدِه في حياة شيخِه أبي الحَسَن بن هُذَيْل في المسجد الجامع ويُصَلِّي التّراويحَ في رمضان؛ وقد وَصَفَه أبو الحَسَن بنُ هُذَيْل بالمقرئ سنةَ أربع وعشرينَ، وتوَلَّى المَواريثَ والحِسْبة. وقُتِلَ نفَعَه الله غِيلةً عند بُكورِه إلى صلاة الغَدَاة من يوم السّبت في جُمادى الأُولى سنةَ ستٍّ وستينَ وخمس مئة.

стр. 879

٢٧١ - طارقُ (١) بن موسى بن يَعيشَ بن الحُسَين بن عليّ بن هِشام المَخْزُوميّ، من سُكّان بَلَنْسِيَةَ، أبو الحَسَن وأبو محمد المُنْصِفيّ (٢)، وصِهرُ الأُقْليجي. سَمِع الكثيرَ بالأندَلُس وغيرِها، ورَحَلَ إلى المشرِق رحلتَيْن، أُولاهما: قبلَ العشرينَ وخمس مئة وحَجَّ وجاوَرَ بمكّة شرَّفها الله، ورَوى بها عن إمامِ الحرمَيْنِ أبي عبد الله الحُسَين بن عليّ الطَّبَري (٣)، وأبي محمد عبد الباقي المعروفِ بشُقْران أحدِ أصحابِ أبي حامدٍ الغَزّالي، وسَمِع بالإسكندَريّة على أبي بكر الطَّرْطُوشيِّ وأبي الحَسَن بن مُشرَّف، وأبي الطاهر السِّلَفي، وأبي عبد الله الرّازي، وروى أَيضًا عن أبي إسحاقَ إبراهيمَ بن سعيد، وأبي الحَسَن بن عبد الجَبّار اللُّغَوي، ثُم قَفَلَ إلى بلدِه. رَوى عنه أبو إسحاقَ بنُ قُرْقُول، وآباءُ بكر: أحمدُ بن جُزَيّ، وبِيْبَش، وعَتِيقُ ابن أحمد بن الخَصْم، وابنُ خَيْر، وأبَوا جعفر: ابنُ عبد الله بن سَعيد وطارقُ ابن موسى بن طارق، وأبو الحَسَن: ابنُ سَعْدِ الخَيْر وابنُ هُذَيْل، وأبو زكريّا [....] (٤) المُصَلِّي بمسجدِ العَيْثَم (٥) من [٤٢ ب] مِصر، وأبو عبد الله بنُ حَمِيد،

стр. 880

وأبو عبد الملِك مَرْوانُ بن عبد العزيز، وأبو العبّاس الأقليجي، وأبو عليّ المنصورُ بن محمد اللَّمْتُوني، وأبو عُمَر بنُ عَيّاد، وأبَوا محمد: القَلَنِّي وعبد الحقّ ابن الخَرّاط، وأبو مَرْوان ابن الصَّيْقَل. وكان محدِّثًا ضابطًا عَدْلًا ثقةً صحيحَ السَّماع، دَيِّنًا خيِّرًا متواضِعًا، تنافَسَ النَّاسُ في الأخْذِ عنه والسَّماع منه لعُلوِّ سنَدِه وصحّة سَماعِه. قال ابنُ عَيّاد: لم ألقَ أفضلَ منه، وكان مجابَ الدّعوة، وقال: أحفَظُ من رأيتُه أربعة: أبو محمد القَلنّي وعُلَيْم، وأبوا الوليد: ابنُ خِيَرة وابنُ الدَّبّاغ، وأزهدُ من رأيتُه أربعة: أبو بكر بنُ رِزقْ وأبو الحَسَن بن هُذَيْل واصبوا محمد: طارقُ بن يَعيشَ وعُلَيْم. ثُم رحَلَ ثانيةً إلى المشرِق صُحبةَ صِهرِه أبي العبّاس الأُقْلِيجي وأبي الوليد ابن خِيَرةَ سنةَ اثنتينِ وأربعينَ وخمس مئة، فأقام بمكّةَ شرَّفها الله مُجاوِرًا إلى أن تُوفِّي بها سنةَ تسع وأربعينَ وخمس مئة وقد أنافَ على السّبعين. ٢٧٢ - طالبٌ، الفتَى الكبير . كان من فِتيانِ القَصْر بقُرْطُبة، مذكورًا بالعلم والأدب، حَكَى عنه أحمدُ ابن أبي الفَيّاض. ٢٧٣ - طالوتُ (١) بن جَرّاح الكَلاعيُّ، قُرْطُبيّ، أبو محمد. رَوى عن أبي عبد الله بن عليّ بن أبي الحُسَين القُرْطُبيِّ القاضي بالثَّغْر الشَّرقي، وكان من أهل الضَّبطِ والإتقان والمعرِفة بالعربيّة والحِفظ للغريب، وقد عَلَّم ذلك وأدَّبَ به. ٢٧٤ - طالوتُ (٢) بن عبد الجَبّار بن محمد بن أيُّوبَ بن سُليمان بن صالح ابن السَّمْح المَعافِريُّ، قُرْطُبيٌّ، أبو [...] (٣).
следующие страницы →