قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ: سَمِعَهُ مِنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اهـ.
هكذا إسناد الحديث عند جمهور الرُّواة عن الفَرَبْريّ.
وفي رِواية أبي ذر قبل قوله: (قال سفيان) الثانية زيادة: (قال علي بن خَشرَم) فصارت هكذا: قال علي بن خَشرَم: قال سفيان: قال سليمان بن أبي مسلم ... إلخ.
وغرض البُخارِيّ من هذه الزيادة إن ثبتت عنه أو الفربري وهو الصواب كما سيأتي - هو إثبات سماع سليمان بن أبي مسلم لهذا الحديث من طاوس؛ لأنه ذكره في أول الحديث بالعنعنة. كما نص على ذلك ابن حجر في «الفتح» (١).
ورِواية أبي ذر هذه جاءت في هامش «اليونينية» (٢) ورمز لها برمز أبي ذر، ونص عليها ابن حجر في «الفتح» (٣) والقَسْطَلّانِيّ في «إرشاد الساري» (٤) والشيخ زكريا الأنصاري في «المنحة» (٥).
وهذه الزيادة توهم في ظاهرها أن الحديث متصل بسماع البُخارِيّ لهذا الحديث من علي بن خَشرَم، عن سفيان، وليس الأمر كذلك.
وذلك لأن هذه الزيادة ليست ثابتة في جميع نسخ البُخارِيّ وإنما هي من رِواية أبي ذر وحده كما نص على ذلك ابن حجر في «الفتح».
وأيضًا فإنه على فرض ثبوت هذه الرِّواية فإن غاية ما تدل عليه أن
стр. 177
هذه الزيادة من زيادات الفَرَبْريّ على البُخارِيّ، فإنه في بعض المواضع من «الصحيح» يزيد زيادات من عنده لم يسمعها من البُخارِيّ.
ولذا قال ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١): ولعل هذه الزيادة عن الفَرَبْريّ فإن علي بن خَشرَم لم يذكروه في شيوخ البُخارِيّ، وأما الفَرَبْريّ فقد سمع من علي ابن خَشرَم كما سيأتي في أحاديث الأنبياء في قصة موسى والخضر، فكأن هذا الحديث أيضا كان عنده عاليًا عن علي بن خَشرَم، عن سفيان، فذكره لأجل العلو. والله أعلم. اهـ.
وقد نص على ذلك الذَّهَبِيّ في «السير» (٢) حيث قال في ترجمة علي بن خَشرَم عند ذكر من حدث عنه: محمد بن يوسف الفَرَبْريّ، ثم قال ما نصه: ووقع لنا روايته عنه في تعلية حديث موسى والخضر، فقال: حَدَّثَناه علي بن خَشرَم، حَدَّثَنا ابن عيينة فذكره، لكن ليس هذا في كل نسخ «الصحيح». اهـ كلامه.
قلت (الباحث): ومن الجدير بالذكر أن عليَّ بن خَشرَم معدود في طبقة أقران البُخارِيّ حيث توفي (٢٥٧) هـ.
الموضع الثاني: في باب: حديث الخضر مع موسى ﵇، من كتاب: الأنبياء.
قال البُخارِيّ (٣): حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبَكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ
стр. 178
مُوسَى آخَرُ. فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ» ثم ساق الحديث بطوله إلى أن قال في آخره: «وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ».
ثُمَّ قَالَ لِي سُفْيَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ. قِيلَ لِسُفْيَانَ: حَفِظْتَهُ قَبْلَ أَنْ تَسْمَعَهُ مِنْ عَمْرٍو؟ أَوْ: تَحَفَّظْتَهُ مِنْ إِنْسَانٍ؟ فَقَالَ: مِمَّنْ أَتَحَفَّظُهُ؟ وَرَوَاهُ أَحَدٌ عَنْ عَمْرٍو غَيْرِي؟ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ. اهـ.
ثم ساق حديثا آخر في سبب تسمية الخضر بهذا الاسم فقال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الأَصْبَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ؛ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ».اهـ.
هكذا سياق الحديثين كما هو في «اليُونِينيّة» وكما هو عند أكثر رواة البُخارِيّ، لكن وقعت هنا زيادة وهي: قال محمد بن يوسف بن مطر الفَرَبْريّ: حَدَّثَنا علي بن خَشرَم عن سفيان، بطوله. اهـ.
وهذه الزيادة أشار إليها اليُونِينِيّ في هامش نسخته، وابن الملقن، وابن حجر، والعيني، والقَسْطَلّانِيّ، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري في شروحهم.
وهذه الزيادة يتعلق بها أمران:
الأول: من راوي هذه الجملة عن الفَرَبْريّ؟ هل هو الحَمُّوييّ (أبو محمد السَّرْخَسي) كما هو عند اليُونِينِيّ والشيخ زكريا الأنصاري وغيرهما، أم هو المُسْتَمْلِيّ كما هو عند ابن الملقن وتلميذه ابن حجر العسقلاني؟
الأمر الثاني: موضع هذه الزيادة. هل هو عقب الحديث الأول في الحديثين السابقين كما هو عند ابن الملقن وابن حجر؟ أم هو عقب
стр. 179
الحديث الثاني كما هو في هامش «اليُونِينيّة» وكما ذكر الشيخ زكريا والإمام العيني؟
قلت: أما الأمر الأول: وهو راوي هذه الجملة عن الفَرَبْريّ فإنه يُلاحظ شيئان:
الأول منهما: أن كلًّا من الحَمُّوييّ - ويعرف أيضًا بالسَّرْخَسي - والمُسْتَمْلِيّ في طبقة واحدة، فكلاهما تلميذ للفربري، ومعروف بالرِّواية عنه.
الثاني: أن كلمة الحَمُّوييّ ليست في أصل اليُونِينِيّ، وإنما هي في الحاشية، ومعلم عليها بحرف الإسقاط.
وبناء على كلا الأمرين فالوهم وقع في عزو هذه الجملة إلى الحَمُّوييّ عند من عزاها إليه.
ويؤيد هذا أن الجملة غير موجودة عند الجمهور من الرُّواة عن الفَرَبْريّ، ولذلك نص ابن الملقن وتبعه ابن حجر على أن هذه الزيادة ليست من رِواية الحَمُّوييّ، وإنما هي من رِواية المُسْتَمْلِيّ.
قال ابن الملقن - رحمه الله تعالى - بعد شرح الحديث الأول بعد قول سفيان: سمعته منه مرتين أو ثلاثا وحفظته منه قال:
وهذا رواه أبو ذر الهَرَويّ: ثنا أبو إسحاق المُسْتَمْلِيّ، ثنا الفَرَبْريّ، ثنا علي بن خَشرَم، عن سفيان، فذكره. اهـ.
وتابع ابنَ الملقن تلميذُه ابن حجر فقال في «الفتح» (١): ووقع هنا في رِواية أبي ذر عن المُسْتَمْلِيّ خاصة عن الفَرَبْريّ: حَدَّثَنا علي بن خَشرَم، حَدَّثَنا سفيان بن عيينة ... الحديث بطوله. اهـ. وهذا - والله أعلم - هو
стр. 180
الصواب.
أما ما جاء في هامش «اليُونِينيّة» فقد سبق أن اليُونِينِيّ وضع على كلمة الحَمُّوييّ علامة الإسقاط، فلعل الشيخ زكريا عندما نسب هذا القول إلى الحَمُّوييّ طمس حرف الإسقاط عنده وتبعه في ذلك من عزاه إلى الحَمُّوييّ.
ولذا نجد القَسْطَلّانِيّ وهو ممن له عناية خاصة باختلاف الروايات عمومًا ونسخة اليُونِينِيّ خاصة، قد نص على وجود حرف الإسقاط على كلمة الحَمُّوييّ.
وهذا يفسر صنيع الإمام العيني في «شرحه» (١) حيث ساق العبارة ونسبها إلى الحَمُّوييّ، ونص بعد ذلك على أنها من رِواية المُسْتَمْلِيّ خاصة عن الفَرَبْريّ مما يدل على وقوع اضطراب في العبارة عنده، ولعل ذلك من النساخ وعدم العناية بضبط النص، والله أعلم.
فالصواب: - والله أعلم - ما ذكره ابن الملقن وابن حجر من أن هذه الزيادة من رِواية المُسْتَمْلِيّ عن الفَرَبْريّ خاصة. هذا ما يتعلق بالأمر الأول.
أما الأمر الثاني: وهو موضع هذه العبارة.
فأقول: هذه العبارة وهي قول الفَرَبْريّ: حَدَّثَنا علي بن خَشرَم، حَدَّثَنا سفيان ... إلخ.
ذكرت في هامش «اليُونِينيّة» (٢) وعند الشيخ زكريا (٣) وعند العيني (٤) عقب الحديث الثاني، وذكرت عقب الحديث الأول عند ابن
стр. 181
الملقن في «التوضيح» وعند ابن حجر في «الفتح» (١).
وسياق الحديث الأول يناسب هذه الزيادة كما جاءت عند ابن الملقن وابن حجر، فالحديث الأول من رِواية علي بن عبد الله - هو المديني - عن سفيان - وهو ابن عيينة - عن عمرو بن دينار.
بينما الحديث الثاني ليس فيه أي ذكر لرِواية سفيان.
فكأن الفَرَبْريّ ذكر متابعةً لشيخ البُخارِيّ علي بن المديني عن سفيان، وهي متابعة علي بن خَشرَم، عن سفيان.
ومن المعروف - كما سبق - أن علي بن خَشرَم ليس شيخا للبخاري في هذا الموضع، وإنما هو شيخٌ للفربري، وذكر هذه الزيادات عن علي بن خَشرَم؛ لأنها وقعت له بعلو كما نص على ذلك ابن حجر فيما سبق والله أعلم. اهـ.
ونخلص مما سبق أن سماع الفَرَبْريّ من قتيبة بن سعيد بعيدٌ كما سبق نقله عن الذَّهَبِيّ.
كما أن سماع البُخارِيّ من علي بن خَشرَم غير ثابت عند من ترجموا للبخاري، والمواضع التي وقع فيها ذكر لعلي بن خَشرَم في الصحيح إنما هي من رِواية الفَرَبْريّ عنه. والله أعلم.
стр. 182
هل ذُكِر الفَرَبْريّ في نص «الصحيح»؟
الفَرَبْريّ قد وقع له ذكر في بعض نسخ البُخارِيّ كما جاء في «اليُونِينيّة» في عدة مواضعَ أذكر بعضها للتمثيل وأحيل إلى الباقي:
الأول: في كتاب: العلم، في باب: كيف يقبض العلم (١).
قال البُخارِيّ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ ..» الخ.
قَالَ الفَرَبْريّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ. اهـ.
وعند اليُونِينِيّ رمز إلى سقوط عبارة الفَرَبْريّ من رِواية ابن عساكر وأبي الوَقْت والأصيلي وإحدى النسخ غير المعروفة. اهـ. وفي بعض النسخ كما عند القَسْطَلّانِيّ بحذف: قال الفَرَبْريّ. اهـ.
وهذه زيادة من الفَرَبْريّ على كتاب البُخارِيّ وهي قليلة كما ذكر جميع الشراح.
وهذه الزيادة فائدتها متابعة مالك عن هشام، فقد تابعه - كما رواه الفَرَبْريّ - جرير؛ رواها عنه قتيبة بن سعيد.
الثاني (٢): في كتاب: المظالم، باب: إثم من ظلم شيئا من الأرض.
стр. 183
قال البُخارِيّ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا مُوسَى ابْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِخُرَاسَانَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، أَمْلاَهُ عَلَيْهِمْ بِالْبَصْرَةِ
اهـ.
هكذا نص اليُونِينِيّ، وفي الحاشية عند قوله: قال أبو عبد الله. زيادة قبلها: قال الفَرَبْريّ: قَالَ أَبُو جَعفرِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قال أبو عبد الله ... إلخ.
وهذه الزيادة من رِواية أبي ذر وحده عن شيوخه الثلاثة، كما نص على ذلك غير واحد منهم اليُونِينِيّ وابن حجر والعيني وغيرهم.
وأبو جعفر هو محمد بن أبي حاتم البُخارِيّ وراق البُخارِيّ، وقد ذكر عنه الفَرَبْريّ في هذا الكتاب فوائد كثيرة عن البُخارِيّ وغيره، رواها عنه الفَرَبْريّ من كتابه في شمائل البُخارِيّ، كما ذكر ابن حجر وغيره.
ومعنى هذه الزيادة أن ابن المبارك صنف كتبه بخراسان، وحدث بها هناك، وحملها عنه أهلها، وحدث في أسفاره بأحاديث من حفظه، زائدة على ما في كتبه هذا منها. وهذه الزيادة ليست عند الكرماني في «شرحه».
الموضع الثالث (١): في كتاب: المظالم، باب: النهبى بغير إذن صاحبه.
قال البُخارِيّ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ
стр. 184
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ ...» الحديث.
وَعَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، إِلاَّ النُّهْبَةَ. اهـ.
هذا نص اليُونِينِيّ، وبهامش نسخته بعد كلمة: النهبة من رِواية أبي ذر عن المُسْتَمْلِيّ: قَالَ الفَرَبْريّ: وَجَدْتُ بِخَطِّ أَبِي جَعْفَرٍ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: تَفْسِيرُهُ: أَنْ يُنْزَعَ مِنْهُ، يُريدُ الْإيمَانَ. اهـ.
وهذه أيضًا من الفوائد التي زادها الفَرَبْريّ ورواها عن محمد بن أبي حاتم وراق البُخارِيّ عن البخاري.
الموضع الرابع (١): في كتاب: الرقاق، باب: رفع الأمانة.
قال البُخارِيّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ، رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا: «أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ ...» الحديث.
هكذا نص الحديث في «اليُونِينيّة» وفي آخره في الهامش: قَالَ الفَرَبْريّ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حَدَّثْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَحْمَدَ بْنَ عَاصِمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدٍ يَقُولُ: قَالَ الأَصْمَعِيُّ وَأَبُو عَمْرٍو وَغَيْرُهُمَا: جَذْرُ قُلُوبِ الرِّجَالِ، الْجَذْرُ: الأَصْلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْوَكْتُ: أَثَرُ الشَّيْءِ الْيَسِيرُ مِنْهُ. اهـ.
وعزاه لرِواية أبي ذر عن المُسْتَمْلِيّ وحده دون باقي شيوخه، وهما
стр. 185
السَّرْخَسي والكُشْمِيهَني.
وفي نسخة المُسْتَمْلِيّ التي اعتمد عليها القَسْطَلّانِيّ زيادة بعد كلمة: اليسير منه: والمجل: أثر العمل في الكف إذا غلظ. اهـ.
وما ذكره الفَرَبْريّ هنا أيضا زيادة بيان وتفسير.
وهذ الزيادة عن الفَرَبْريّ ليست موجودة عند العيني في «العمدة» ولا عند ابن الملقن في «التوضيح».
وهناك مواضع أخرى فيها زيادات للفربري على «الصحيح» وصرَّح الشراح بنسبتها إلى الفَرَبْريّ، وهذه المواضع جاءت في «الفتح» لابن حجر (١).
سماع الفَرَبْريّ لـ «الصحيح» من البُخارِيّ
سمع أبو عبد الله الفَرَبْريّ كتاب «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه» من مصنفه الإمام أبي عبد الله البُخارِيّ أكثر من مرة، نص على ذلك غير واحد من العلماء.
وأبدأ بذكر ما وقفت عليه من عبارات العلماء في ذلك:
من أشهر ما قيل في سماع الفَرَبْريّ ما جاء عن الحافظ أبي نصر الكلاباذي (٣٩٨) هـ أنه قال: كان سماع محمد بن يوسف الفَرَبْريّ لهذا الكتاب من محمد بن إسماعيل البخاري مرتين: مرة بفربر سنة ثمان وأربعين ومائتين، ومرة ببخارى سنة اثنتين وخمسين ومائتين. اهـ.
وهذا النص مروي عن أبي نصر الكلاباذي المولود في سنة ثلاث
стр. 186
وعشرين وثلاثمائة، والمتوفى سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة وله كما يقول الذَّهَبِيّ معرفة بـ «صحيح البُخارِيّ» وهو صاحب كتاب: «الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد الذين أخرج لهم البُخارِيّ في جامعه» وعن الكلاباذي: اشتهرت هذه المقالة حتى إنك لا تجد شارحًا لـ «الصحيح» إلا ونقل هذا القول عن الكلاباذي.
وممن روى هذا القول عن الكلاباذي راوي «الصحيح» عن الفَرَبْريّ أبو الهيثم محمد بن المكي الكُشْمِيهَني المتوفى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة؛ رواه عنه أبو ذر الهَرَويّ المتوفى سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، رواه عنه بإسناده أبو علي الجَيّانيّ في «تقييد المهمل» (١) كما رواه من طريق أبي ذر أيضًا ابن رشيد الفهري في «إفادة النصيح» (٢).
ورواه عن الكلاباذي أيضا أبو الحسين عبد الملك بن الحسين بن شياوش الكازروني رواه عنه بسنده ابن النقطة في «التقييد» (٣).
ويلاحظ على هذا النص أمرين:
الأول: أن هذا النص ليس مرويًّا عن الفَرَبْريّ، وإنما هو من قول الكلاباذي مع ملاحظة أن الكلاباذي ولد سنة (٣٢٣) هـ أي بعد وفاة الفَرَبْريّ التي هي سنة (٣٢٠) هـ بثلاث سنوات.
الثاني: هو أن النص يفيد سماع الفَرَبْريّ لـ «الصحيح» في مرتين مختلفتين في المكان والزمان:
فالأولى: كانت بفربر سنة ثمان وأربعين ومائتين.
стр. 187
والثانية: كانت ببخارى سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
والنص الثاني: ما جاء عن راوي «الصحيح» أبي علي إسماعيل بن محمد الكُشّانيّ قال: سمعت محمد بن يوسف بن مطر يقول: سُمِع «الجامع الصحيح» من أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بفربر في ثلاث سنين: في سنة ثلاث وخمسين، وأربع وخمسين، وخمس وخمسين ومائتين، وسمعت من علي بن خَشرَم سنة ثمان وخمسين ومائتين وأنا بفربر مرابطًا. اهـ.
وهذا النص يلاحظ عليه ما يلي:
أولًا: جاء نص العبارة عند ابن النقطة بلفظ: سمعت محمد بن يوسف بن مطر يقول: سمع «الجامع الصحيح» من أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بفربر في ثلاث سنين: في سنة ثلاث وخمسين، وأربع وخمسين، وخمس وخمسين ومائتين (١).
وفي العبارة إشكال وهو لفظة (سمع) هل هي حكاية من الفَرَبْريّ عن سماعه هو (٢) أو هي حكاية عن إسماع البُخارِيّ لمن أراد سماع «الصحيح» في هذه المدة التي ذكرها ويكون ضبطها بالبناء للمجهول؟
وعلى كلا الاحتمالين لا يبعد سماع الفَرَبْريّ، سواء كان حكاية عن سماعه هو أو إسماع البُخارِيّ لغيره، فلا شك أن الفَرَبْريّ وله عناية بـ «الصحيح» لا يترك إسماع البُخارِيّ بـ «الصحيح» حتى ولو تحصل له سماع خاص.
ثانيا: الأمر الثاني الملاحظ على هذه العبارة هو اختلاف الرُّواة في
стр. 188
قول الفَرَبْريّ هذا فالنص عند ابن النقطة جاء هكذا: بفربر في ثلاث سنين في سنة ثلاث وخمسين ... إلخ.
ووجد في حاشية كتاب «إفادة النصيح» (١) عند ذكره القول المتقدم عن الكلاباذي: وجد حاشية فيها تعقيب على ما رواه ابن النقطة في «التقييد» نصه: ثم وقفت على ذلك في المجلس الخامس من «أمالي أبي بكر محمد بن منصور السَّمْعاني» في نسختي التي بخط عيسى الرعيني الضابط، ونص ما ذكر: قال الفَرَبْريّ: سمعت «الجامع الصحيح» من أبي عبد الله بفربر، وكان يقرأ عليه في ثلاث سنين: في سنة ثلاث وخمسين، وأربع وخمسين، وخمس وخمسين. طرة التجيبي نقلتها من خطه. اهـ. هكذا بزيادة جملة: وكان يقرأ عليه.
قلت (الباحث): وجاءت العبارة عند التجيبي في «برنامجه» (٢) مثل سياق ابن النقطة، وجاءت عند السَّمْعاني في «الأنساب» (٣): في ثلاث سنين، في سنة ثلاث، وأربع، وخمسين ومائتين. فكأن كلمة (خمس) سقطت من النص، كما جاءت عند ابن الملقن في المقدمة: في ثلاث سنين: في سنة ثلاث وخمسين. اهـ. دون باقي النص، وكأنه اقتصر على ذلك لدلالة السياق عليه.
ثالثًا: يلاحظ على هذا النص أيضا أنه يفيد تأخر سماع الفربري، حيث كان ذلك قبل وفاة البُخارِيّ بمدة يسيرة حيث توفي في رمضان من سنة ست وخمسين ومائتين.
стр. 189
النص الثالث: الذي يفيد سماع الفَرَبْريّ من البُخارِيّ.
قال الفَرَبْريّ: أنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البُخارِيّ ﵀ سنة ثلاث وخمسين ومائتين.
رواه عن الفَرَبْريّ تلميذه وراوي «الصحيح» عنه أبو زيد المَرْوَزيّ كما جاء ذلك في سياق إسناد أبي علي الجَيّانيّ لهذه الرِّواية (١)، ورواه أبو الفرج محمد بن عبد الرحمن المقرئ في كتاب «الأربعين في الجهاد» في الحديث الأول في سياق إسناده لـ «صحيح البُخارِيّ» من رِواية السَّرْخَسي عن الفَرَبْريّ (٢) قال: قال الفَرَبْريّ: أنا أبو عبد الله ... فذكره.
قلت (الباحث): من خلال هذه النصوص يتبين لنا أن الفَرَبْريّ سمع «الصحيح» من البُخارِيّ ثلاث مرات: سنة ثمان وأربعين، واثنتين وخمسين، وثلاث وخمسين، والله أعلم.
стр. 190
أسباب اشتهار رِواية الفَرَبْريّ
لقد كتب الله السلامة لـ «صحيح البُخارِيّ» بما هيأ له من سبل الشهرة الواسعة في حياة صاحبه، فقد تسامع الناس بالكتاب في أول عهده بالظهور، وتعرف المحدثون على سمو قدره، فارتحلوا إلى البُخارِيّ من كل مكان ليتلقوا عنه كتابه، حتى بلغ من سمعوه منه عددًا لا يحصيهم إلا الله تعالى.
ومن بين من سمع «الصحيح» الإمام الفَرَبْريّ، فممّا مّن الله عليه أن هيأ له أسبابًا للقاء البُخارِيّ والسماع منه، وخصه الله تعالى ببعض الأمور التي جعلت روايته أفضلَ الروايات، وأتقنها، وأعلاها سندًا.
قال أبو إسحاق المُسْتَمْلِيّ عن محمد بن يوسف الفَرَبْريّ قال: سمع كتاب «الصحيح» لمحمد بن إسماعيل تسعون ألف رجل فما بقي أحد يرويه غيري.
وهذا النص من الفَرَبْريّ - وإن كان غير مُسَلّم؛ لما سأذكره بعد من رواة آخرين ماتوا بعده - يدل على كثرة الراوة عن البُخارِيّ، ومع ذلك كان مدار الروايات وعمدتها رِواية الفَرَبْريّ.
ولا يمكن أن تكون شهرة رِواية الفَرَبْريّ وتميزها على غيرها جزافًا اعتمد على ما توفر لها من الصيت، والسمعة، وحسن الحظ.
بل كان ذلك لما توفر لهذه النسخة وهذه الرِّواية من عوامل الحفظ والرعاية ما لم يتوفر لرِواية أخرى من روايات «الصحيح».
فلا عجب إذن أن جعلها العلماء عمدتهم في كتاب «البُخارِيّ»، وجعلوا الفَرَبْريّ - كما قال ابن رشيد الفهري -: وسيلة المسلمين إلى
стр. 191
رسول الله ﷺ في كتاب البُخارِيّ وحبلهم المتين. (١) اهـ.
وأسباب التفاوت بين الروايات والنسخ كثيرة جدًّا، يصعب حصرها، وهذه الأسباب ترجع إلى تفاوت الرواة في العدالة والضبط، بالإضافة إلى ما يحيط كل راوٍ وكل مرويٍّ من ظروفٍ وملاباساتٍ زمانيةٍ ومكانيةٍ، وهي بدورها تختلف من شخص لآخر.
ولذا أفردت مبحثًا خاصّاً بهذه الأسباب في الباب الثاني من هذه الرسالة.
ولقد جمعت النصوص التي تتحدث عن رِواية الفربري، وتحصل في النهاية توفر عدة أسباب، هي التي أعطت هذه المكانة لرِواية الفَرَبْريّ وتميزها عن غيرها.
ومن هذه الأسباب:
أولًا: عدالة الفَرَبْريّ وضبطه، وثناء العلماء عليه:
لا شك أن أول الأشياء التي ينبغي أن تتوفر في ناقل الخبر هو عدالته وثقته، حتى يكون خبره مقبولًا.
وسبق أن ذكرت ما يتعلق بأقوال العلماء في الفربري، ويكفي فيه قول ابن رشيد الفهري (٧٢١) هـ أنه عمدة المسلمين في كتاب البُخارِيّ. اهـ.
الأمر الثاني: كمال نسخته وعدم نقصانها:
من عوامل المفاضلة بين الروايات كمال الرِّواية وعدم نقصانها، فالإقبال على النسخة الأتم والأكمل أولى للرِّواية منها عن غيرها.
قال أبو علي الجَيّانيّ في «تقييد المهمل» (٢): وروينا عن أبي الفضل
стр. 192
صالح بن محمد بن شاذان الأصبهاني، عن إبراهِيم بن مَعْقِل أن البُخارِيّ أجاز له آخر الديوان، من أول كتاب الأحكام إلى آخر ما رواه النَّسفي من «الجامع» لأن في رِواية إبراهيم النَّسفي نقصان أوراق من آخر الديوان عن رِواية الفَرَبْريّ: قد علَّمتُ على الموضع من كتابي، وذلك في باب قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] (١).
روى النَّسفي من هذا الباب تسعة أحاديث، آخرها بعض حديث عائشة في الإفك، ذكر منه البُخارِيّ كلمات استشهد بها، وهو التاسع من أحاديث الباب، خرجه عن حجاج، عن النميري، عن يونس، عن الزهري بإسناده، عن شيوخه، عن عائشة، وروى الفَرَبْريّ زائدًا عليه من أول حديث قتيبة: عن مغيرة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَلاَ تَكْتُبُوهَا» إلى آخر ما رواه الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ من الديوان، وهو تسع أوراق من كتابي. اهـ.
وقال الخَطّابِيّ في «أعلام الحديث» (٢): وقد سمعنا معظم هذا الكتاب من رِواية إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي عنه، وسمعنا سائر الكتاب إلا أحاديث من آخره من طريق محمد بن يوسف الفَرَبْريّ. اهـ.
وقال برهان الدين الأبناسي (٨٠٢) هـ في كتابه «الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح» (٣) وهو يعلق على قول ابن الصلاح في عدد أحاديث
стр. 193
«الصحيح» وهو قوله: قيل: أربعة آلاف حديث ... قال: هذه رِواية الفَرَبْريّ وأما رِواية حماد بن شاكر فهو دونها بمائتي حديث، ودون هذه بمائة حديث، أي: رواية إبراهِيم بن مَعْقِل. اهـ.
وراجع أيضا «فتح المغيث» (١) للعراقي (٨٠٦) هـ، و «فتح المغيث» (٢) للسخاوي (٩٠٢) هـ، و «فتح الباقي» (٣) لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري (٩٢٦) هـ.
فهذه النصوص وغيرها تدل على أن أتم هذه الروايات هي رِواية الفَرَبْريّ، حيث تزيد على رِواية حماد بن شاكر بمائتي حديث، وتزيد على رِواية إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي بثلاثمائة حديث، على ما ذكره كل من العراقي والأبناسي والسخاوي وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وإلا فقد سبق أن ذكرت أن القطعة التي ذكرها الجَيّانيّ في إسناده لا تزيد على خمسة وستين حديثا، فالله أعلم.
الأمر الثالث: من الأمور التي تميزت بها رِواية الفَرَبْريّ صحة أصله الذي أخد منه:
ذكر أبو الوليد الباجي (٤٧٤) هـ في كتابه «التعديل والتجريح» ما يدل على أن الفَرَبْريّ كان عنده أصل الجامع الذي كان بيد البُخارِيّ حيث قال: وقد أَخْبَرَنا أبو ذر عبد بن أحمد الهَرَويّ الحافظ ﵀ ثنا أبو إسحاق المُسْتَمْلِيّ إبراهيم بن أحمد قال: انتسخت كتاب «البُخارِيّ» من أصله كان عند محمد بن يوسف الفَرَبْريّ. اهـ (٤).
стр. 194
ونقل هذا القول عن أبي الوليد الباجي ابنُ حجر في مقدمته «هدي الساري» (١)، وراجع أيضا «الفتح» (٢).
ومن النقول التي نص فيها الفَرَبْريّ أنه اطَّلع على أصل البُخارِيّ ما ذكره القاضي عِياض (٥٤٤) هـ في كتابه الذي لم يسبق إليه وهو «مشارق الأنوار» (٣) وهو يذكر الخلاف في لفظة: (أبو شريح) قال: قال أبو شريح: كل شيء من البحر، كذا في أصل الأصيلي، وفي سائر النسخ: وقال شريح - صاحب النبي ﷺ قال الفَرَبْريّ: كذا في أصل البُخارِيّ: (شريح).اهـ.
أي: بدون ذكر لفظة (أبو) ولذلك يقول ابن رشيد الفهري في كتاب «إفادة النصيح» (٤): كان عنده أصل البُخارِيّ، ومنه نقل أصحاب الفَرَبْريّ، فكان ذلك حجة له عاضدة، وبصدقه شاهدة. اهـ.
فهذه النقول تدل على أن الفَرَبْريّ قد توفر له ما لم يتوفر لغيره من اقتنائه أصل البُخارِيّ الذي كان يحدث منه، ولا شك أن أصلًا كهذا لا يعدله أصل؛ فهو جامع بين السماع والكتابة من أصل البخاري.
الأمر الرابع: من الأمور التي ميزت رِواية الفَرَبْريّ على غيرها:
علو إسناده لبقائه مدة طويلة بعد البُخارِيّ:
من العوامل التي ساعدت على انتشار رِواية الفَرَبْريّ: تأخر وفاة الفَرَبْريّ، فقد مات ﵁ لعشر بقين من شوال سنة عشرين وثلاثمائة وقد قارب التسعين عامًا.
وقد مات البُخارِيّ - رحمه الله تعالى - في مستهل شهر شوال من
стр. 195
شهور سنة ست وخمسين ومائتين.
لذا بقي الفَرَبْريّ بعد وفاة البُخارِيّ أربعة وستين عامًا، كان فيها مقصد العلماء والطلاب ممن يريدون سماع «الصحيح» عاليًا.
وبقاء الفَرَبْريّ هذه المدة بعد وفاة البُخارِيّ، كان له أهميته التي جعلت إسناده عاليًا إلى البُخارِيّ، ولا شك أن طلب الإسناد العالي من آداب المحدثين.
لذا نجد الفَرَبْريّ يقول: سمع كتاب «الصحيح» لمحمد بن إسماعيل تسعون ألف رجل، فما بقي أحد يرويه غيري.
وهذا القول من الفَرَبْريّ وإن لم يُسلم له، إلا أنه قاله على ما يعلم مما يدل على بقائه، حتى يظن أنه آخر من حدث عن البُخارِيّ ﵁.
الأمر الخامس: تكرار سماعه لـ «الصحيح» من البُخارِيّ:
قد سبق القول في مبحث سماع الفَرَبْريّ من البُخارِيّ أنه سمع «الصحيح» أكثر من مرة، فقد ذكر هو نفسه أنه سمعه من البُخارِيّ مرتين، مرة بفربر سنة ثمان وأربعين ومائتين، ومرة أخرى ببخارى سنة اثنتين وخمسين، وهناك بعض الروايات التي تدل على سماعه من البُخارِيّ سنة ثلاث وخمسين، كما جاء عن أبي زيد المَرْوَزيّ عند الجَيّانيّ، عن الفَرَبْريّ أنه سمعه في تلك السنة.
فإذا عرفنا أن هناك نصوصًا تدل على سماعه منه أيضًا سنة ثلاث وأربع وخمس وخمسين ومائتين، وتوفي البُخارِيّ بعد ذلك بسنة تبين لنا أهمية سماع الفَرَبْريّ لـ «الصحيح» في آخر حياة البُخارِيّ، مما يدل على أن نسخة الفَرَبْريّ وأصل البُخارِيّ الذي كان في يده، هو من آخر ما استقر عليه البُخارِيّ في «صحيحه» والله أعلم.
стр. 196
الطبقة الأولى من الرُّواة عن الفَرَبْريّ
قد ذكر الحافظُ ابنُ حجر - في الأسانيد التي روى «الصحيح» بها في أول «فتح الباري» (١) - من تلاميذ الفَرَبْريّ الذين رَوَوْا عنه «الجامع الصحيح» تسعةً، ثم ذكر أيضًا تلاميذ هؤلاء الأئمة الحُفّاظ التسعة الذين رَوَوْا «الجامع الصحيح»، فبلغتْ عدتهم اثني عشر شيخًا، وهذه قائمة بأسماء هؤلاء الشيوخ والتلاميذ مرتبين كما ذكرهم ابن حجر مع زيادات تتعلق بالسماع من الفَرَبْريّ والتحديث بالصحيح (٢):
١ - الإمام الحافظ المجوِّد الكبير، أبو علي، سَعِيد بن عثمان بن سَعِيد بن السَّكن المصري البزَّاز، البغدادي الأصل المتوفى سنة (٣٥٣) هـ
قال الحافظ الذَّهَبِيّ: سمع بخُراسان «صحيح البُخارِيّ» من محمد بن يوسف الفَرَبْريّ، فكان أولَ مَنْ جَلَبَ «الصحيح» إلى مصر، وحَدَّثَ به (٣).
وروى عنه «الصحيح»: عبد الله بن محمد بن أسد الجُهني (٣٩٥) هـ.
٢ - الإمام المحدث أبو إسحاق إبراهيم بن احمد بن إبراهيم بن أحمد بن داود البلخي، المُسْتَمْلِيّ (٣٧٦) هـ.
كان سماعه لـ «الصحيح» سنة أربع عشرة وثلاثمائة.
وروى عنه «الصحيح»: الحافظ أبو ذرّ عَبْد بن أحمد الهَرَويّ (٤٣٤)(٤)، وعبد الرحمن بن عبد الله الهَمْداني (٤١١).
٣ - أبو نصر أحمد بن محمد بن أحمد الأَخْسِيكَتي.
стр. 197
وروى عنه «الصحيح»: إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الصفّار الزاهد.
٤ - الشيخ الإمام المفتي، القدوة الزاهد، شيخ الشافعية، أبو زَيْد محمد بن أحمد المَرْوَزيّ (٣٧١) هـ
قال الخطيب البغدادي: خرج أبو زَيْد إلى مكة فَجاوَرَ بها، وَحَدَّثَ هناك بكتاب «صحيح البُخارِيّ» عن محمد بن يوسف الفَرَبْريّ، وأبو زَيْدٍ أَجَلُّ من رَوَى ذلك الكتاب.
وقال الذَّهَبِيّ: سُئل أبو زيد: متى لَقِيت الفَرَبْريّ؟ قال: سنة ثماني عشرة وثلاثمائة (١).
وروى عنه «الصحيح»: الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (٤٣٠)، والحافظ أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي (٣٩٢)(٢)، والإمام أبو الحسن علي بن محمد القابسي (٤٠٣)(٣).
٥ - الشيخ الثقة الفاضل، أبو علي، محمد بن عمر بن شَبُّويه الشَّبُّويي، المَرْوَزيّ (٤) سمع «الصحيح» في سنة ستّ عشرة وثلاثمائة من أبي عبد الله
стр. 198
الفَرَبْريّ، وحَدَّثَ بَمرْو بـ «الصحيح» في سنة ثمانٍ وسبعين وثلاثمائة على ما ذكر الذَّهَبِيّ في سير أعلام النبلاء.
وروى عنه «الصحيح»: سعيد بن أحمد بن محمد الصوفي العَيّار (٤٥٧)(١)، وعبد الرحمن بن عبد الله الهَمْداني (٤١١) أيضًا.
٦ - الإمام أبو أحمد، محمد بن محمد بن يوسف بن مكي، الجُرْجانيّ المتوفى سنة ٣٧٣ أو ٣٧٤ هـ
وروى عنه «الصحيح»: أبو نعيم (٤٣٠) والقابسي (٤٠٣) أيضًا.
٧ - الإمام المحدث الصدوق المسند، أبو محمد، عبد الله بن أحمد بن حمُّويه بن يوسف بن أعين، الحمُّويي خطيب سرخس (٣٨١) هـ (٢).
سمع في سنة خمس عشرة وثلاثمائة «الصحيح» من الفَرَبْريّ. وروى عنه «الصحيح»: أبو ذرّ (٤٣٤) أيضًا، وأبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المُظَفَّر الدّاوُدِيّ (٤٦٧)(٣).
٨ - المحدث الثقة، أبو الهَيْثَم، محمد بن مكي بن محمد بن مكي بن زُراع الكُشْمِيهَني المتوفى سنة ٣٨٩ هـ
وقد ذكر الكُشْمِيهَني أنه سمع الكتاب من الفَرَبْريّ بفِرَبْر في ربيع الأول سنة عشرين وثلاثمائة كما في «تقييد المهمل» فيكون سماع الكُشْمِيهَني من الفَرَبْريّ في السنة الأخيرة من حياة الفَرَبْريّ، قبيل وفاته
стр. 199
بسبعة أشهر، والله أعلم (١).
وروى عنه «الصحيح»: أبو ذر (٤٣٤) أيضًا، وأبو سَهْل محمد بن أحمد الحَفْصيّ (ت ٤٦٦) (٢)، وكريمة بنت أحمد المَرْوَزيّة (٤٦٣)(٣).
٩ - وأبو علي إسماعيل بن محمد بن أحمد بن حاجب الكُشّانيّ (٣٩١) وهو آخرُ مَنْ حَدَّثَ بالصحيح عن الفَرَبْريّ (٤).
وروى عنه «الصحيح»: أبو العباس جعفر بن محمد المُسْتَغْفريّ (٤٣٢).
فهؤلاء الرُّواة عن الفَرَبْريّ عند ابن حجر.
١٠ - محمد بن خالد بن الحسن الفَرَبْريّ (٥)، فقد ذكر الخَطّابِيّ أنه روى «الصحيح» عن الفَرَبْريّ من طريقه، وذلك في أول شرحه على
стр. 200
«الصحيح» المسمى «أعلام الحديث» (١).
ورواه عنه الإمام عبد الواحد بن أحمد، أبو عمر المليحي الهروي
١١ - الإمام المسند أبو حامد أحمد بن عبد الله بن نعيم النُّعَيميّ السَّرْخَسي (٢)، نزيل هراة، المتوفى في ربيع الأول من سنة ست وثمانين وثلاثمائة وهو في عشر التسعين.
١٢ - حفيد الفَرَبْريّ أبو محمد أحمد بن عبد الله بن محمد بن يوسف الفَرَبْريّ (٣٧١).
قال السَّمْعاني في الأنساب (٣) يروي عن جده كتاب «الجامع الصحيح» روى عنه غُنْجار، وتوفي في سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. اهـ.
١٣ - والإمام الفقيه أبو بكر محمد بن أحمد بن متّ السمرقندي الإشتيخني (٤) ورواه عنه أبو نصر الدّاوُدِيّ (٥).
١٤ - أبو لقمان يحيى بن عمار الختلاني.
ذكره الكاندهلوي في مقدمة «شرح صحيح البخاري» المسمَّى «لامع الدراري».
فتحصل من كل ذلك أربعة عشر راويًا عن الفَرَبْريّ، والله أعلم،
стр. 201
وسيأتي تفصيل ذلك.
وانظر الجدول الخاص بالرواة عن الفربري.
стр. 202
المبحث الرابع
باقي الرُّواة عن البُخارِيّ
- أبو طلحة البزدوي، التعريف به وبروايته.
- أبو عبد الله المحاملي، التعريف به وبروايته.
стр. 203
رواية أبي طلحة البّزدوي (٣٢٩) ه ـ
اسمه ونسبه (١):
الشيخ الكبير المُسند أبو طلحة منصور بن محمد بن علي البّزْدي، ويُقال: البَزْدَوِي، النَّسفي دِهْقان (٢) قرية بَزْدَة.
قال الأميرُ ابنُ ماكولا: حَدَّث عن محمد بن إسماعيل بكتاب «الجامع الصحيح»، وهو آخرُ مَنْ حَدَّث به عنه، وكان ثقةً (٣).
وقال الحافظ جعفر بن محمد المُسْتَغْفريّ في «تاريخ نَسَف»: هو آخِرُ مَنْ رَوَى عن محمد بن إسماعيل «الجامع»، ويُضَعَّفُون روايته من جهة صغَره حين سمع، ويقولون: وُجِدَ سماعه بخطّ جعفر بن محمد مولى أمير المؤمنين دِهْقان تُوبَن، فقرءوا كُلَّ الكتاب من أصل حَمّاد بن شاكر، وسمع منه أهل بلده، وصارت إليه الرحلة في أيامه (٤).
مات في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
ولم أقف على ما يدل على معالم هذه الرِّواية ويبدو أنها لم تشتهر لما قيل في ضعفها والله أعلم.
стр. 204
رِواية أبي عبد الله المحاملي (٣٣٠) ه ـ
اسمه ونسبه (١):
القاضي الإمام العلامة المحدث: الحسين بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن سعيد بن أبان، أبو عبد الله، الضبي البغدادي، المحاملي، مصنف «السنن».
قال السَّمْعاني: هذه النسبة إلى المحامل التي يحمل فيها الناس على الجمال إلى مكة، وهذا بيت كبير ببغداد لجماعة من أهل الحديث والفقه.
ولد سنة (٢٣٥) هـ وأول سماعه سنة أربع وأربعين ومائتين هـ وله عشر سنين، فسمع من: أحمد بن إسماعيل السهمي صاحب مالك، ومن أحمد بن المقدام العجلي صاحب حماد بن زيد، ومن عمرو بن علي الفلاس، ومحمد بن إسماعيل البُخارِيّ ﵀، وغيرهم كثير.
وصار أسند أهل العراق مع التصدر للإفادة والفتيا ستين سنة.
وحدث عنه: دعلج بن أحمد، والطبراني، والدارقطني، وابن شاهين، وغيرهم.
مكانته العلمية: قال ابن جُميع الصيداوي: كان عند القاضي المحاملي سبعون نفسًا من أصحاب سفيان بن عيينة.
وقال أبو بكر الدّاوُدِيّ: كان يحضر مجلس المحاملي عشرة آلاف رجل.
стр. 205
وعقد سنة سبعين ومائتين بالكوفة في داره مجلسًا للفقه، فلم يزل أهل العلم والنظر يختلفون إليه.
وعن مناقبه قال محمد بن الإسكاف: رأيت في النوم كأن قائلًا يقول: إن الله ليدفع عن أهل بغداد البلاء بالمحاملي.
واستعفى من القضاء سنة عشرين وثلاثمائة، وكان محمودًا في ولايته.
وقال ابن شاهين: حضر معنا ابن المظفر مجلس القاضي المحاملي، فقال لي: يا أبا حفص، ما عدمنا من ابن صاعد إلا عينيه.
يريد أن المحاملي نظير ابن صاعد في الثقة والعلو.
وفاته: أملى المحاملي مجالس عدة، وأملى مجلسًا في ثاني عشر ربيع الآخر سنة ثلاثين وثلاثمائة ثم مرض، فمات بعد أحد عشر يومًا. وهو يوم الخميس لثمان ليال بقين من شهر ربيع الآخر، ونودي عليه في شوارع بغداد، ولم يكن على الأرض محدث أسند منه مع صدقه وثقته وستره.
روايته لـ «صحيح البُخارِيّ»:
ساق الذَّهَبِيّ في «سير أعلام النبلاء» في ترجمة البُخارِيّ بسنده عن عبد الواحد بن محمد بن مهدي قال: حَدَّثَنا أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي سنة تسع وعشرين وثلاثمائة: حَدَّثَنا محمد بن إسماعيل البُخارِيّ: حَدَّثَنا محمد بن يوسف ... فساق حديث أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ : «الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» (١) فساق حديثًا من «الصحيح» (٢).
стр. 206
فثبت سماعه شيئًا من «الصحيح» ويبقى سماعه للصحيح كاملًا محل شك.
ففي «لسان الميزان» لابن حجر في ترجمة محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري البلنسي، يعرف بالأندرشي: وقال أبو جعفر بن الزبير: رأيت بخطه (١) إسناد «صحيح البُخارِيّ» عن السلفي عن ابن البطر عن ابن البيع عن المحاملي عنه. وليس عند السلفي بهذا الإسناد سوى حديث واحد.
قال ابن حجر: قلت: اغتر بعض المتأخرين بهذا التركيب، وحدثوا به، والله المستعان. اهـ. (٢).
وفي «الفتح» قال بعد أن ذكر ما قيل من أن البزدوي آخر من روى «صحيح البُخارِيّ»: وقد عاش بعده (٣) ممن سمع من البُخارِيّ القاضي الحسين بن إسماعيل المحاملي البغدادي، ولكن لم يكن عنده «الجامع الصحيح» وإنما سمع منه مجالس أملاها ببغداد في آخر قدمة قدمها البُخارِيّ، وقد غلط من روى «الصحيح» من طريق المحاملي المذكور غلطًا فاحشًا (٤).
وتخلص مما سبق أن هذه الرواية قد وردت في نصوص لبعض العلماء بما يدل على أمرين:
الأمر الأول: ممن عرف عنه رواية عن المحاملي راويان:
أحدهما: عبد الواحد بن محمد بن مهدي كما جاء عند الذهبي في «السير».
стр. 207
الثاني: جاء في «لسان الميزان» ابن البيع ولا يعرف بهذه الكنية إلا أبا عبد الله الحاكم صاحب المستدرك على الصحيحين، ولكن يبدو أنه تصحيف في المطبوع وإنما هو ابن المؤدب كما جاء في إسناد الكرماني.
الأمر الثاني: أن ابن حجر يرى أن المحاملي لم تكن له رواية لـ «صحيح البخاري» وإنما هي مجالس أملاها البخاري في بغداد، واعتبر من وقف على رواية المحاملي عن البخاري فظن أن ذلك هو الصحيح.
وغلّط ابن حجر من روى «الصحيح» من طريق المحاملي ويقصد به الكرماني (٧٧٦) هـ لأنه هو الذي روى «الصحيح» من رواية المحاملي وإسناده إليه من طريق شيخه جمال الدين محمد بن أحمد بن عبد الله الأنصاري (٧٧٥) هـ عن رضى الدين أبي إسحاق إبراهيم الطبري (٧٢٢) هـ عن ركن الدين عبد الرحمن بن أبي حرمى بن بنين عن أبي طاهر أحمد بن محمد بن سلفه (٥٧٦) هـ عن أبي الخطاب نصر بن أحمد بن البطر القارئ (٤٩٤) هـ عن أبي محمد عبد الله بن عبيدالله بن يحيى بن زكريا المؤدب (٤٠٨) هـ عن أبي عبد الله الحسين المحاملي (٣٣٠) هـ عن البخاري رحمه الله تعالى.
стр. 208
الفَصْل الثاني
«الرُّواة عن الفَرَبْريّ»
ويتكون من ستة مباحث:
المبحث الأول: رِواية أبي علي بن السَّكن (٣٥٣) هـ
المبحث الثاني: رِواية أبي زيد المَرْوَزيّ (٣٧١) هـ
المبحث الثالث: رِواية أبي إسحاق المُسْتَمْلِيّ (٣٧٦) هـ
المبحث الرابع: رِواية أبي محمد الحَمُّوييّ (٣٨١) هـ
المبحث الخامس: رِواية أبى الهيثم الكُشْمِيهَني (٣٨٩) هـ
المبحث السادس: باقي الرُّواة عن الفَرَبْريّ:
السادس: رِواية أحمد بن عبد الله الفَرَبْريّ «حفيد الفَرَبْريّ» (٣٧١) هـ.
السابع: رِواية أبي أحمد الجُرْجانيّ (٣٧٣) هـ
الثامن: رِواية ابن شَبُّويه (٣٧٨) هـ.
التاسع: رِواية النُّعَيميّ (٣٨٦) هـ.
العاشر: رِواية الإشتيخني (٣٨٨) هـ
الحادي عشر: رِواية الكُشّانيّ (٣٩١) هـ
الثاني عشر: رِواية الأخسيكتي
الثالث عشر: رِواية محمد بن خالد الفَرَبْريّ
الرابع عشر: أبو لقمان يحيى بن عمار الختلاني
стр. 209
المبحث الأول
رِواية أبي علي بن السَّكن (٢٩٤ - ٣٥٣) ه ـ
اسمه ونسبه (١):
هو سعيد بن عثمان بن السَّكن، أبو علي، الحافظ، البزاز، نزيل مصر، وأصله من بغداد.
ولد سنة أربع وتسعين ومائتين، نزل مصر بعد أن أكثر الترحال ما بين النهرين: نهر جيحون، ونهر النيل.
شيوخه: لقد سمع ابن السَّكن من شيوخ كثيرين ومن أقطار متعددة، فسمع ببغداد من أبي القاسم البَغَويّ، وابن أبي داود وطبقتهما، وسمع بحرّان من الحافظ أبى عروبة وطائفة.
وبدمشق من أحمد بن عمير بن جوصا، وسعيد بن عبد العزيز الحلبي، ومحمد ابن خزيم وجماعة من بقايا أصحاب هشام بن عمار.
وبخراسان سمع «صحيح البُخارِيّ» من محمد بن يوسف الفَرَبْريّ، فكان أول من جلب «الصحيح» إلى مصر وحدث به، ولحق بمصر محمدَ بن محمد بن بدر الباهلي، وعليَّ بن أحمد بن علان، وأبا جعفر الطحاوي، وغيرهم.
وسمع بنيسابور من أبي حامد بن الشرقي، ومكي بن عبدان.
وكان ﵀ واسع الرحلة، وأعانه على ذلك التكسبُ بالتجارة؛ فقد كان معروفًا بتجارة البزِّ.
стр. 210
تلاميذه:
لقد تتلمذ على يد ابن السَّكن كثير من العلماء، حيث سمعوا منه مروياته ومسموعاته كما سمعوا منه «صحيح البُخارِيّ».
وممن سمع منه «الصحيح» وحدث به: عبد الله بن محمد بن أسد القُرْطُبِي (٣١٠ - ٣٩٥) هـ، وأبو جعفر بن عون الله (٣٠٠ - ٣٧٨) هـ، والقاضي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مُفَرِّج (٣١٥ - ٣٨٠) هـ.
كما حدث عنه أبو سليمان بن زَبَر، وأبو عبد الله بن منده، وعبد الغني بن سعيد الأزدي، وعلي بن محمد الدَّقّاق، وعبد الرحمن بن عمر بن النَّحاس، وجماعةٌ من الأندلسيين والمصريين.
مكانته العلمية:
وصف ابنَ السَّكن كثيرٌ من العلماء بأعلى صفات المدح والثناء، فقد قال فيه الإمام الذَّهَبِيّ: الإمام الحافظ المجوَّد الكبير (١)، وقال فيه أيضًا: الحافظ الحجة (٢).
وقال ابن العماد: صاحب التصانيف وأحد الأئمة ... وكان ثقة حجة (٣).
ولم تقتصر عبارات العلماء على وصفه بالإمامة والحفظ، وإنما وصف رحمه الله تعالى بأنه ممن كان له عناية بعلوم الحديث والتصنيف فيها.
قال الذَّهَبِيّ: وعُني بهذا الشأن، وجمع، وصنف وبَعُد صيتُه (٤)، وقال في «السير»: جمع وصنف، وجرح وعدل، وصحح وعلل (٥).
стр. 211
وقال في «التاريخ»: وكان كبير الشأن مكثرًا متقنًا مصنفًا بعيد الصيت (١).
وقال ابن حجر - بعد أن حكى اختلاف الروايات في أحد شيوخ البُخارِيّ -: والعمدة على ما قال ابن السَّكن فإنه حافظ اهـ (٢).
مصنفاته:
مما سبق في أقوال العلماء فيه، يتبين لنا أن ابن السَّكن كان مصنفًا بعيد الصيت مهتمًّا بهذا الشأن.
ويبدو أن مصنفاته لم تنتشر عند المشارقة، ومن المصنفات التي وقفت عليها له: كتابه: «الصحيح المنتقى» والكتاب كما هو واضح من اسمه مصنف في الصحيح المجرد، وهذا الكتاب اشتهر عند المغاربة وأهل الأندلس، وكثيرًا ما ينقل منه شراح الحديث، وخاصة ابن حجر في «الفتح».
قال الذَّهَبِيّ: كان ابن حزم يثني على «صحيحه المنتقى»، وفيه غرائب (٣)، وقال في «التاريخ»: وهو كبير (٤).
ومن مصنفاته أيضًا والتي لها قيمة كبيرة جدًّا: كتاب في الصحابة؛ حيث لم يخلُ كتاب أُلِّف في الصحابة بعده إلا وقد استفاد منه.
ولكن للأسف فإن الكتابين ما زالا مجهولين في مكتبات العالم، ولم يُعرف عنهما شيئٌ إلا من خلال الكتب التي نقلتْ عنهما.
وفاته:
تُوفي رحمه الله تعالى في المحرم سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة.
стр. 212
رِواية ابن السَّكن لـ «الصحيح»
مما سبق يتبين لنا أن أبا علي بن السَّكن قد سمع «صحيح البُخارِيّ» من الفَرَبْريّ بخراسان، ويعتبر ابن السَّكن أول الرُّواة عن الفَرَبْريّ موتًا فيما وقفت عليهم؛ حيث توفي سنة (٣٥٣) هـ، ويبدو - والله أعلم - أن سماع أبي علي بن السَّكن من الفَرَبْريّ كان مبكرًا؛ حيث ولد ابنُ السَّكن سنة (٢٩٤) هـ وتوفي الفَرَبْريّ (٣٢٠) هـ فيكون بينهما على أقصى تقدير أربعة وعشرون عامًا.
وقد صرح الذَّهَبِيّ في «سير أعلام النبلاء» في ترجمة ابن السَّكن أنه أول من جلب «الصحيح» إلى مصر وحدث به بعد أن سمعه بخراسان من الفَرَبْريّ.
ولحق ابنُ السَّكن في مصر محمدَ بن محمد بن بدر الباهلي، ولم أقف على سنة وفاته، كما أدرك أبا جعفر الطحاوي المتوفى سنة (٣٢١) هـ مما يعني أنه حدث بـ «الصحيح» بعد سماعه بخراسان قبل سنة (٣٢١) هـ.
وقد اشتهرت رِواية ابن السَّكن في بلاد الأندلس عن طريق ثلاثة رواة فيما وقفت عليه من تراجم:
الأول: عبد الله بن أسد الجهني (٣١٠ - ٣٩٥) (١).
هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أسد، أبو محمد، الجهني،
стр. 213
الطُليطِلي، البزّار، القُرْطُبِي، الفقيه الأديب.
ولد سنة عشر وثلاثمائة من الهجرة.
شيوخه: سمع بقرطبة من قاسم بن أصبغ وغيره، وارتحل فسمع من أبي محمد ابن الورد، وأبي علي بن السَّكن بمصر، وأبي العباس السُّكري، وابن فِراس، وحمزة الكناني وغيرهم.
كما سمع بمكة من أحمد بن محمد بن أبي الموت، وصحب القاضي منذر بن سعيد، وكانت رحلته إلى المشرق سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة.
وكانت رحلته هذه مع أبي جعفر أحمد بن عون الله وأبي عبد الله بن مُفَرِّج، وسمع معهما «الصحيح» من ابن السَّكن بمصر، ورُغب إليه إذ قدم الأندلس أن يحدث، فقال: لا أحدث ما دام صاحباي حيين، فلما ماتا، جلس للسماع فأخذ الناس عنه.
تلاميذه: حدث عنه من كبار العلماء: أبو الوليد بن الفرضي، والقاضي أبو المطرف بن فطيس، وأبو عمر بن عبد البر، وأبو عمر الحذاء، والخولاني وغيرهم.
وممن روى عنه «الصحيح»: ابن عبد البر وأبو عمر الحَذّاء.
مكانته العلمية:
قال القاضي عِياض: من أهل الفقه والرِّواية .. وتوسع في السماع، وكان ضابطًا متقنًا للرِواية، حسنَ الحديث، فصيحَ اللسان، حاضرَ الجواب، جليلَ القدر (١).
ونقل ابن بَشْكُوال عن أبي عمر بن الحذاء قوله: كان أبو محمد هذا شيخًا فاضلًا، رفيعَ القدر، عاليَ الذكر ... ما رأيت أضبطَ لكتبه وروايته
стр. 214
منه (١).
كما نقل عن الخولاني قوله فيه: كان شيخًا ذكيا، حافظًا لغويًا، من أهل العلم متقدمًا في الفهم (٢).
وقال الذَّهَبِيّ: الإمام العلامة، عالم الأندلس (٣).
وقال أيضًا: كان من أوعية العلم، رأسًا في اللغة، فقيهًا محررًا، عالمًا بالحديث، كبير القدر (٤).
وفاته: توفي رحمه الله تعالى في يوم الإثنين لسبع بقين من ذي الحجة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، ودفن بمقبرة متعة (٥)، وصلى عليه القاضي أبو العباس بن ذكوان رحمه الله تعالى.
الثاني: أبو عبد الله بن مُفَرِّج (٣١٥ - ٣٨٠) (٦)
هو محمد بن أحمد بن محمد بن يحيى بن مُفَرِّج، أبو عبد الله، ويقال: أبو بكر الأندلسي القُرْطُبِي مولى بني أمية. المعروف والده
стр. 215
بالقنتوري. ولد سنة خمس عشرة وثلاثمائة.
شيوخه: سمع بقرطبة من أبيه ومن قاسم بن أصبع، وبمكة أبا سعيد بن الأعرابي، وبمصر محمّدَ بن الصموت وابنَ السَّكن، وخيثمةَ بأطرابُلس الشام، وأبا ميمون بن راشد بدمشق وطبقتهم.
ورحل إلى المشرق سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وبقي فيه حتى بعد سنة خمسٍ وأربعين وثلاثمائة.
وعدة شيوخه مائتان وثلاثون شيخًا.
تلاميذه: روى عنه: الحافظ أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد الصوفي - وهو شيخه - وأبو الوليد عبد الله بن الفرضي، وإبراهيم بن شاكر، وعبد الله بن الربيع التميمي، وأبو عمر أحمد بن محمد الطلمنكي.
كان من أئمة هذا الشأن وممن له تصانيف فيه، ومنها: «مسند حديث قاسم بن أصبغ»، و «فقه الحسن البصري» و «فقه الزهري»، وغيرها.
قال فيه ابن الفرضي: وكان حافظًا للحديث عالمًا به بصيرًا بالرجال، صحيح النقل، جيد الكتاب على كثرة ما جمع (١).
وقال أبو عبد الله بن عفيف: كان ابن مُفَرِّج من أغنى الناس بالعلم، وأحفظهم للحديث، ما رأيت مثله في هذا الفن، من أوثق المحدثين وأجودهم ضبطًا.
وقال القاضي عِياض في ترجمة أبيه: وأما ابنه أبو عبد الله فتفرد بعلم الحديث، وكان من أعلم أهل الأندلس به وأقومهم عليه وأوثقهم فيه.
وقال فيه الذَّهَبِيّ: الإمام الفقيه الحافظ القاضي (٢).