← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 17062

روايات الجامع الصحيح ونسخه «دراسة نظرية تطبيقية»

جمعة فتحي عبد الحليم

Полный текст (885 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقال في «التاريخ»: وكان كبير الشأن مكثرًا متقنًا مصنفًا بعيد الصيت (١). وقال ابن حجر - بعد أن حكى اختلاف الروايات في أحد شيوخ البُخارِيّ -: والعمدة على ما قال ابن السَّكن فإنه حافظ اهـ (٢). مصنفاته: مما سبق في أقوال العلماء فيه، يتبين لنا أن ابن السَّكن كان مصنفًا بعيد الصيت مهتمًّا بهذا الشأن. ويبدو أن مصنفاته لم تنتشر عند المشارقة، ومن المصنفات التي وقفت عليها له: كتابه: «الصحيح المنتقى» والكتاب كما هو واضح من اسمه مصنف في الصحيح المجرد، وهذا الكتاب اشتهر عند المغاربة وأهل الأندلس، وكثيرًا ما ينقل منه شراح الحديث، وخاصة ابن حجر في «الفتح». قال الذَّهَبِيّ: كان ابن حزم يثني على «صحيحه المنتقى»، وفيه غرائب (٣)، وقال في «التاريخ»: وهو كبير (٤). ومن مصنفاته أيضًا والتي لها قيمة كبيرة جدًّا: كتاب في الصحابة؛ حيث لم يخلُ كتاب أُلِّف في الصحابة بعده إلا وقد استفاد منه. ولكن للأسف فإن الكتابين ما زالا مجهولين في مكتبات العالم، ولم يُعرف عنهما شيئٌ إلا من خلال الكتب التي نقلتْ عنهما. وفاته: تُوفي رحمه الله تعالى في المحرم سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة.

стр. 212

رِواية ابن السَّكن لـ «الصحيح» مما سبق يتبين لنا أن أبا علي بن السَّكن قد سمع «صحيح البُخارِيّ» من الفَرَبْريّ بخراسان، ويعتبر ابن السَّكن أول الرُّواة عن الفَرَبْريّ موتًا فيما وقفت عليهم؛ حيث توفي سنة (٣٥٣) هـ، ويبدو - والله أعلم - أن سماع أبي علي بن السَّكن من الفَرَبْريّ كان مبكرًا؛ حيث ولد ابنُ السَّكن سنة (٢٩٤) هـ وتوفي الفَرَبْريّ (٣٢٠) هـ فيكون بينهما على أقصى تقدير أربعة وعشرون عامًا. وقد صرح الذَّهَبِيّ في «سير أعلام النبلاء» في ترجمة ابن السَّكن أنه أول من جلب «الصحيح» إلى مصر وحدث به بعد أن سمعه بخراسان من الفَرَبْريّ. ولحق ابنُ السَّكن في مصر محمدَ بن محمد بن بدر الباهلي، ولم أقف على سنة وفاته، كما أدرك أبا جعفر الطحاوي المتوفى سنة (٣٢١) هـ مما يعني أنه حدث بـ «الصحيح» بعد سماعه بخراسان قبل سنة (٣٢١) هـ. وقد اشتهرت رِواية ابن السَّكن في بلاد الأندلس عن طريق ثلاثة رواة فيما وقفت عليه من تراجم: الأول: عبد الله بن أسد الجهني (٣١٠ - ٣٩٥) (١). هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أسد، أبو محمد، الجهني،

стр. 213

الطُليطِلي، البزّار، القُرْطُبِي، الفقيه الأديب. ولد سنة عشر وثلاثمائة من الهجرة. شيوخه: سمع بقرطبة من قاسم بن أصبغ وغيره، وارتحل فسمع من أبي محمد ابن الورد، وأبي علي بن السَّكن بمصر، وأبي العباس السُّكري، وابن فِراس، وحمزة الكناني وغيرهم. كما سمع بمكة من أحمد بن محمد بن أبي الموت، وصحب القاضي منذر بن سعيد، وكانت رحلته إلى المشرق سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة. وكانت رحلته هذه مع أبي جعفر أحمد بن عون الله وأبي عبد الله بن مُفَرِّج، وسمع معهما «الصحيح» من ابن السَّكن بمصر، ورُغب إليه إذ قدم الأندلس أن يحدث، فقال: لا أحدث ما دام صاحباي حيين، فلما ماتا، جلس للسماع فأخذ الناس عنه. تلاميذه: حدث عنه من كبار العلماء: أبو الوليد بن الفرضي، والقاضي أبو المطرف بن فطيس، وأبو عمر بن عبد البر، وأبو عمر الحذاء، والخولاني وغيرهم. وممن روى عنه «الصحيح»: ابن عبد البر وأبو عمر الحَذّاء. مكانته العلمية: قال القاضي عِياض: من أهل الفقه والرِّواية .. وتوسع في السماع، وكان ضابطًا متقنًا للرِواية، حسنَ الحديث، فصيحَ اللسان، حاضرَ الجواب، جليلَ القدر (١). ونقل ابن بَشْكُوال عن أبي عمر بن الحذاء قوله: كان أبو محمد هذا شيخًا فاضلًا، رفيعَ القدر، عاليَ الذكر ... ما رأيت أضبطَ لكتبه وروايته

стр. 214

منه (١). كما نقل عن الخولاني قوله فيه: كان شيخًا ذكيا، حافظًا لغويًا، من أهل العلم متقدمًا في الفهم (٢). وقال الذَّهَبِيّ: الإمام العلامة، عالم الأندلس (٣). وقال أيضًا: كان من أوعية العلم، رأسًا في اللغة، فقيهًا محررًا، عالمًا بالحديث، كبير القدر (٤). وفاته: توفي رحمه الله تعالى في يوم الإثنين لسبع بقين من ذي الحجة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، ودفن بمقبرة متعة (٥)، وصلى عليه القاضي أبو العباس بن ذكوان رحمه الله تعالى. الثاني: أبو عبد الله بن مُفَرِّج (٣١٥ - ٣٨٠) (٦) هو محمد بن أحمد بن محمد بن يحيى بن مُفَرِّج، أبو عبد الله، ويقال: أبو بكر الأندلسي القُرْطُبِي مولى بني أمية. المعروف والده

стр. 215

بالقنتوري. ولد سنة خمس عشرة وثلاثمائة. شيوخه: سمع بقرطبة من أبيه ومن قاسم بن أصبع، وبمكة أبا سعيد بن الأعرابي، وبمصر محمّدَ بن الصموت وابنَ السَّكن، وخيثمةَ بأطرابُلس الشام، وأبا ميمون بن راشد بدمشق وطبقتهم. ورحل إلى المشرق سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وبقي فيه حتى بعد سنة خمسٍ وأربعين وثلاثمائة. وعدة شيوخه مائتان وثلاثون شيخًا. تلاميذه: روى عنه: الحافظ أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد الصوفي - وهو شيخه - وأبو الوليد عبد الله بن الفرضي، وإبراهيم بن شاكر، وعبد الله بن الربيع التميمي، وأبو عمر أحمد بن محمد الطلمنكي. كان من أئمة هذا الشأن وممن له تصانيف فيه، ومنها: «مسند حديث قاسم بن أصبغ»، و «فقه الحسن البصري» و «فقه الزهري»، وغيرها. قال فيه ابن الفرضي: وكان حافظًا للحديث عالمًا به بصيرًا بالرجال، صحيح النقل، جيد الكتاب على كثرة ما جمع (١). وقال أبو عبد الله بن عفيف: كان ابن مُفَرِّج من أغنى الناس بالعلم، وأحفظهم للحديث، ما رأيت مثله في هذا الفن، من أوثق المحدثين وأجودهم ضبطًا. وقال القاضي عِياض في ترجمة أبيه: وأما ابنه أبو عبد الله فتفرد بعلم الحديث، وكان من أعلم أهل الأندلس به وأقومهم عليه وأوثقهم فيه. وقال فيه الذَّهَبِيّ: الإمام الفقيه الحافظ القاضي (٢).

стр. 216

وفاته: توفي ﵀ ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة ثمانين وثلاثمائة، ودفن يوم الجمعة بعد صلاة العصر في مقبرة الرّبض (١) قرب قبر أبي جعفر أحمد بن عون الله رحمهما الله تعالى. الثالث: أبو جعفر بن عون الله (٣٠٠ - ٣٧٨) هـ (٢) هو أبو جعفر أحمد بن عون الله بن حدير بن يحيى بن تبع بن تبيع البزاز القُرْطُبِي، ولد سنة ثلاثمائة. شيوخه: سمع بقرطبة من قاسم بن أصبغ ومحمد بن عبد الله بن دليم وغيرهما من أهل قرطبة، ورحل فسمع بمكة من ابن الأعرابي وابن فِراس وأبي الحسن محمد ابن جبريل بن الليث العجيفي. وسمع بطرابلس الشام من خيثمة بن سليمان بن حيدرة الطرابلسي. وبدمشق من الأذرعي أبى يعقوب، وأبي الميمون الدمشقي وغيرهم. وسمع بمصر من أحمد بن سلمة الضحاك الهلالي، وعبد الله بن جعفر بن الورد البغدادي، وبكر بن العلاء القشيري القاضي، وسعيد بن السَّكن وغيرهم. تلاميذه: روى عنه: أبو الوليد بن الفرضي وأبو عمر الطلمنكي وجماعة. أقوال العلماء فيه: قال ابن الفرضي: كان شيخا صالحًا صدوقا، صارمًا في السنة، متشددًا على أهل البدع، وكان لهجًا بهذا النوع، صبورًا

стр. 217

على الأذى فيه، كتب عنه الناس قديمًا وحديثًا، وكتبت عنه (١). وقال فيه الذَّهَبِيّ: الشيخ المحدث الإمام الرحال (٢). وفاته: توفي ﵀ ليلة السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة، ودفن بمقبرة الرَّبض، وصلى عليه القاضي محمد بن يبقى رحمه الله تعالى (٣). وكان سماع هؤلاء الثلاثة من أبي علي سعيد بن السَّكن بمصر مجتمعين أثناء رحلتهم إلى بلاد المشرق، ثم عادوا إلى بلاد الأندلس، وطلب الناس من عبد الله بن محمد الجهني (٣٩٥) هـ أن يحدث بما سمع، فامتنع وقال: لا أحدث ما دام صاحباي حيَّين، فلما ماتا جلس للسماع فأخذ الناس عنه (٤). ورِواية ابن السَّكن يبدو أنها لم تنتشر إلا من خلال هؤلاء الرُّواة الثلاثة عنه، وهؤلاء الثلاثة من بلاد الأندلس، وهذا يفسر لنا اشتهار هذه الرِّواية في بلاد الأندلس. يقول أبو علي الجَيّانيّ: وقد روى «الجامع» عن ابن السَّكن جماعة من أهل الأندلس منهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يحيى بن مُفَرَّج،

стр. 218

وأبو جعفر أحمد بن عون الله وغيرهما ﵏ أجمعين (١). ومن النصوص السابقة يتبين لنا أن رِواية ابن السَّكن سمعها الثلاثة سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة هـ في أثناء رحلتهم إلى المشرق، ولم يعرف تاريخ الرجوع إلى بلاد الأندلس، ولكن مما لا شك فيه أن رجوعهم كان قبل وفاة أولهم موتًا، وهو أبو جعفر بن عون الله حيث توفي سنة (٣٧٨) هـ حيث كان سماع العلماء لهذة الرِّواية من خلال ابن عون الله وابن مُفَرِّج حتى وفاته سنة (٣٨٠) هـ، وبعدها جلس ابن أسد الجهني حتى وفاته سنة (٣٩٥) هـ. وتأخر وفاة الإمام ابن أسد الجهني حتى عام (٣٩٥) هـ يفسر لنا اشتهار رِواية ابن السَّكن من طريقه في بلاد الأندلس، حيث جعل ذلك روايته أعلى إسنادًا، مما جعل إقبال الناس عليها أولى من غيرها. ومن أشهر العلماء الذين عرفت لهم رِواية عن عبد الله بن أسد الجهني، عن ابن السَّكن: الحافظان الإمامان أبو عمر يوسف بن عبد البر المتوفى سنة (٤٦٣) هـ، والحافظ أبو عمر أحمد بن محمد بن يحيى الحذاء. ونظرًا لمكانة كلً منهما في بلاد الأندلس والمغرب العربي فقد أقبل الناس على رِواية ابن السَّكن من طريقهما. فقد روى عنهما الإمام الحافظ أبو علي الجَيّانيّ المتوفى سنة (٤٩٨) هـ (٢)، وأبو عبد الله بن عيسى القاضي، وعنهما أخذ القاضي عِياض كما في

стр. 219

«مشارق الأنوار» (١). ويروي لنا ابن بَشْكُوال في كتابه «غوامض الأسماء المبهمة» (٢) في ترجمة زينب بنت النبي ﷺ وابنتها أمامة - أو أميمة - حديثًا من رِواية ابن السَّكن، رواه عن شيخه أبي الحسن يونس بن محمد بن مغيث القُرْطُبِي ت (٥٣٢) هـ عن أبي عمر أحمد ابن محمد القاضي الحذاء، عن أبي محمد بن أسد، عن ابن السَّكن، عن الفَرَبْريّ، عن البُخارِيّ من حديث أسامة بن زيد (٣). أما رِواية رفيقَيِ ابن أسد الجهني وهما: ابن عون الله ت (٣٧٨) هـ وابن مُفَرِّج (٣٨٠) هـ، فقد عرفت في بلاد الأندلس أيضًا، فقد روى الحافظ أبو عبد الله بن نبات «صحيح البُخارِيّ» رِواية ابن السَّكن من طريقهما، وعنه: محمد بن عتاب، وعنه: ولده أبو محمد عبد الرحمن بن محمد، وعنه: القاضي عِياض ت (٥٤٤) هـ كما في «المشارق». كما ذكر لنا أيضًا ابن حزم الأندلسي المتوفى سنة (٤٥٦) هـ أحاديثَ من «الصحيح» في كتابيه «المحلى» و «جمهرة أنساب العرب» من رِواية شيخه عبد الله بن ربيع، عن ابن مُفَرَّج، عن ابن السَّكن، عن الفَرَبْريّ، عن البُخارِيّ (٤).

стр. 220

وبعد أن ظلت هذه الرِّواية - رِواية ابن السَّكن - في بلاد الأندلس عادت إلى بلاد المشرق مرة أخرى في الاشتهار في القرن التاسع وما بعده؛ حيث نجد ابن حجر العسقلاني (٨٥٢) هـ يروي رِواية ابن السَّكن من طريق أبي علي الجَيّانيّ (٤٩٨) هـ عن الحافظين ابن عبد البر وأبي عمر الحذاء، عن أبي محمد الجهني عنه (١). ومن طريق ابن حجر تتصل هذه الرِّواية بالإمام القَسْطَلّانِيّ في شرحه على «الصحيح» (٢). ومن الملاحظ أن الإمام شرف الدين اليُونِينِيّ ت (٧٠١) هـ - صاحب النسخة المشهورة من «الصحيح» والتي عليها مدار المشارقة حتى اليوم - لم يذكرها من بين الروايات التي جمعها لنسخ «الصحيح» ورواياته، ولم يشر إليها في حواشي نسخته مما يؤكد عدم اشتهار هذه الرِّواية في بلاد المشرق حتى عصر اليُونِينِيّ. مظان رِواية ابن السَّكن من أراد الوقوف على رِواية ابن السَّكن من «الصحيح» وجد صعوبة في ذلك، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى عدم دقة من قاموا بفهرسة نسخ ومخطوطات «الصحيح» في مكتبات العالم المختلفة وليس ذلك خاصًّا برِواية ابن السَّكن وحدها، إلا ما حدث مع بعض الروايات التي اشتهرت مؤخرًا، مثل رِواية أبي ذر الهَرَويّ وبعض الروايات الأخرى. وقد وقفت على ذكر للمجلد الأول من رِواية ابن السَّكن، فقد ذكر

стр. 221

الأستاذ محمد المنوني (١) أنه يوجد في الخزانة الوقفية بالجامع الأعظم من مدينة تازة المجلد الأول من رِواية ابن السَّكن، وهي بخط عبد المهيمن بن علي بن علي بن حرز الله التميمي عام ثمانية وتسعين وستمائة للهجرة، وهو منقول ومقابل بأصل أبي الحسن ابن مغيث المكتوب بخط أبي عمر الطلمنكي (٢). والأمر الذي يهمنا في هذا الوصف هو مقابلة هذه النسخة على أصل أبى الحسن يونس بن محمد بن مغيث القُرْطُبِي المعروف بابن الصفار، المتوفى سنة (٥٣٢) هـ وهو معروف ومشهور بروايته عن أحمد بن محمد بن يحيى بن الحذاء، عن عبد الله بن محمد بن أسد الجهني (٣٩٥) هـ عن ابن السَّكن (٣). ومما يدل على اشتهار ابن مغيث بهذه الرِّواية المسندة إلى ابن السَّكن أن ابن خير الأشبيلي في «فهرسته» يسند هذه الرِّواية من جهته (٤). وهناك بعض الكتب التي نص مؤلفوها على روايتهم لها، ومقارنتها بروايات «الصحيح» منها:

стр. 222

١ - كتاب «تقييد المهمل وتمييز المشكل» لأبي علي الجَيّانيّ (٤٩٨) هـ. ٢ - كتاب «مشارق الأنوار» للقاضي عِياض (٥٤٤) هـ. ٣ - كتاب «فتح الباري بشرح صحيح البُخارِيّ» لابن حجر العسقلاني (٨٥٢) هـ. ٤ - «إرشاد الساري شرح صحيح البُخارِيّ» للعلامة القَسْطَلّانِيّ (٩٢٣) هـ. فهذه الكتب ذكر مؤلفوها المقارنات في الألفاظ المختلف فيها من «الصحيح» بين الروايات، ومنها رِواية ابن السَّكن كما يتبين ذلك من مقدمات هذه المصنفات. ومن استقراء النصوص يمكن استخلاص بعض هذه المعالم كما يلي: ١ - اهتمامه وعنايته بنسبة شيوخ البُخارِيّ المهملين: كان ابن السَّكن - رحمه الله تعالى - ممن له عناية خاصة بنسخته من «صحيح البُخارِيّ» التي سمعها من الفَرَبْريّ بخراسان، فقد كان ممن يصنف ويَجْرَح ويعدِّل ويصحِّح ويعلِّل، كما ذكر ذلك الذَّهَبِيّ عنه (١). ونسخة ابن السَّكن كانت لها قيمة خاصة جدًّا في التعريف بشيوخ البُخارِيّ الذين أهمل أنسابهم اعتمادًا على شهرتهم، وكانت طريقته في ذلك كما جاء في «الفتح» (٢) أن يذكر نسبة الشيخ المهمل، ويذكر قبلها كلمة: (يعني) للدلالة على الزيادة من عنده على الرِّواية، فيقول مثلا: يزيد - يعني: ابن زريع -.

стр. 223

ولذلك نجد الإمام أبا علي الجَيّانيّ (٤٩٨) هـ يقول في مقدمة القسم الخاص بالتعريف بشيوخ البُخارِيّ من كتابه الشامل «تقييد المهمل» وهو يعدد من كان له مشاركة في هذا المجال قبله - يقول -: وقد نسب أبو علي ابنُ السَّكن جماعة منهم في نسخته من «الجامع» التي رواها عن محمد بن يوسف الفَرَبْريّ، عن البُخارِيّ (١).اهـ. وكثيرًا ما كان أبو علي الجَيّانيّ ينقل أقوال ابن السَّكن في شيوخ البُخارِيّ. فعلى سبيل المثال يقول في حرف الألف ممن اسمه أحمد: قال البُخارِيّ في كتاب الصلاة في موضعين، وفي الجنائز في موضعين، وفي العيدين، وفي الحج في ثلاثة مواضع، وفي الجهاد والمغازي، وبدء الخلق، وتفسير سورة الأحقاف: حَدَّثَنا أحمد، نا ابن وهب. نسبه أبو علي بن السَّكن في نسخته التي رويناها من طريق أبي محمد بن أسد عنه فقال فيه: أحمد بن صالح المصري. اهـ. فابن السكن في روايته قد ميز الشيخ المهمل للبخاري عن ابن وهب فذكر أنه ابن صالح المصري. ثم بدأ الجَيّانيّ يفرد هذه المواضع موضعًا موضعًا، ويؤيد ما ذهب إليه ابن السَّكن إن وافقه، أو يأتي بما يدل على المخالفة من أقوال العلماء إن خالفه. والمواضع في هذا القسم التي ينقل فيها أبو علي الجَيّانيّ نسبة ابن السَّكن لشيوخ البُخارِيّ كثيرة، وفي هذه المواضع يقول الجَيّانيّ: نسبه ابن السَّكن. ثم يذكر من وافقه من العلماء على نسبته هذه، وهو كثير، وأحيانا

стр. 224

يخالفه أبو علي وينازعه في هذه النسبة، فيقول مثلًا: وهو ضعيف عندي (١). ولقد حاولت استقراء هذه المواضع التي نقل فيها الجَيّانيّ عن ابن السَّكن فوجدتها كثيرة (٢). وينقل أبو علي الجَيّانيّ نقلًا مهمًّا عن ابن السَّكن يمثل قاعدة نهتدي بها ونحتكم إليها في شيوخ البُخارِيّ الذين أهمل أنسابهم فيقول. أَخْبَرَنا أبو عمر أحمد بن محمد بن يحيى بن الحذاء قراءة مني عليه قال: أخبرني أبو محمد عبد الله بن محمد بن أسد الجهني قال: نا أبو علي سعيد بن عثمان ابن السَّكن الحافظ قال: كل ما في كتاب البُخارِيّ مما يقول فيه: (نا محمد قال: أنا عبد الله)، فهو محمد بن مقاتل المَرْوَزيّ، عن عبد الله بن المبارك. وما كان فيه: (محمد) عن أهل العراق، مثل: أبي معاوية وعبدة ويزيد بن هارون ومروان الفزاري، فهو محمد بن سلام البيكندي. وما كان فيه: (نا عبد الله) غير منسوب فهو عبد الله بن محمد الجعفي المسندي، وهو مولى البُخارِيّ. وما كان فيه: (عن يحيى) غير منسوب، فهو يحيى بن موسى البلخي

стр. 225

المعروف بـ (خَت) وسائر شيوخه فقد نسبهم غير أصحاب ابن المبارك فهم جماعة. وما كان فيه: (عن إسحاق) غير منسوب فهو إسحاق بن راهويه (١). اهـ. ذكر مثالين برز فيهما قيمة رِواية ابن السَّكن في نسبة شيوخ البُخارِيّ المهملين: الأول: ما جاء في «تقييد المهمل» وغيره: قال البُخارِيّ: وقال أبو صالح: حدثني عبد الله، عن يونس (٢). هكذا في «اليُونِينيّة»، وفي حاشيتها: أبو صالح سَلَمُويَهْ. فالرِّواية عند جمهور الرُّواة هكذا: أبو صالح حدثني عبد الله. قال الجَيّانيّ: وفي رِواية أبي علي بن السَّكن: وقال أبو صالح سلمويه: حدثني عبد الله بن المبارك، عن يونس. قال أبو علي: وروايته أولى ونسبته أصح، وأبو صالح سلمويه اسمه: سليمان بن صالح، مروزي (٣) اهـ. ويذكر ابن حجر في «الفتح» مخالفة بعض العلماء لابن السَّكن، ثم يرجح رِواية ابن السَّكن قائلًا: وجزم الإسماعيلي بأنه أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث، وشيخه عبد الله - على هذا - هو ابن وهب. وزعم الدمياطي أنه أبو صالح محبوب بن موسى الفراء الأنطاكي، ولم يذكر لذلك مستندًا .. والمعتمد هو الأول (٤) اهـ. أي: رِواية ابن السَّكن.

стр. 226

المثال الثاني: والذي يبين قيمة نسبة ابن السَّكن أيضًا. ما جاء في حديث مغيرة بن شعبة (١): وفيه جاء شيخ البُخارِيّ مهملًا هكذا: حَدَّثَنا يحيى قال: حَدَّثَنا أبو معاوية. وكذا جاء: (يحيى عن أبى معاوية) غير منسوب في موضعين آخرين من «الصحيح»، الأول: في كتاب الجنائز، باب الجريد على القبر (٢). والثاني: كتاب التفسير تفسير سورة الدخان، باب: ﴿يغشى الناس هذا عذاب أليم﴾ (٣) [الدخان: ١١]. قال أبو علي: فنسب ابن السَّكن الذي في الجنائز: يحيى بن موسى، وأهمل الموضعين الآخرين، ولم أجدهما منسوبين لأحد من شيوخنا، فالله أعلم (٤) اهـ. وقال ابن حجر في «الفتح» معقبا ومتممًا لكلام الجَيّانيّ: فينبغي حمل ما أهمل على ما بين، وقد جَزم أبو نعيم بأن الذي في الجنائز هو يحيى بن جعفر البيكندي، وذكر الكرماني أنه رأى في بعض النسخ هنا مثله. قلت: والأول أرجح؛ لأن أبا علي بن شَبُّويه وافق ابن السَّكن عن الفَرَبْريّ على ذلك في الجنائز وهنا أيضًا، ورأيت بخط بعض المتأخرين: يحيى هو ابن بكير، وأبو معاوية هو شيبان النحوي. وليس كما قال، فليس ليحيى بن بكير عن شيبان رِواية. وبعد أن ردد الكرماني يحيى بين ابن موسى أو ابن جعفر أو ابن معين

стр. 227

قال: وأبو معاوية يحتمل أن يكون شيبان النحوي، وهو عجيب؛ فإن كلًّا من الثلاثة لم يسمع من شيبان المذكور، وجزم أبو مسعود وكذا خلف في «الأطراف» وتبعهما المزي بأن الذي في الجنائز هو يحيى بن يحيى. وما قدمناه عن ابن السَّكن يرد عليهم وهو المعتمد، ولاسيما وقد وافقه ابن شَبُّويه، ولم يختلفوا في أن أبا معاوية هنا هو الضرير. (١) اهـ. ٢ - أهمية نسخة ابن السَّكن في الترجيح بين الروايات في الأوهام الواقعة في الأسانيد من قبل الرُّواة: خصص أبو على الجَيّانيّ في كتابه «تقييد المهمل» قسمًا خاصًا لبيان الأوهام الواقعة في أسانيد «صحيح البُخارِيّ» الواقعة من قبل الرُّواة. وقد نقل من رِواية ابن السَّكن نقولًا كثيرة فكان أحيانا يوافقه، وأحيانا يخالفه أو يستدرك عليه. ومن الأمثلة على ذلك (٢): ١ - ما قاله: قال البُخارِيّ في كتاب التفسير، سورة التحريم (٣): حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ فِي الْحَرَامِ: يُكَفِّرُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. هكذا روى البُخارِيّ هذا الإسناد عن شيخه معاذ بن فضالة: هشام، عن يحيى، عن ابن حكيم كما في «اليُونِينيّة»، وكلمة ابن حكيم مصححة

стр. 228

في أصل «اليُونِينيّة»، وفي حاشيتها: هو يعلى بن حكيم الثقفي. وعليه علامة التصحيح والنسبة لرِواية أبي ذر الهَرَويّ. وساق الجَيّانيّ (١) إسناد الحديث: هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن يعلى بن حكيم عن سعيد، ثم قال: هكذا إسناد هذا الحديث في روايتنا عن أبي علي بن السَّكن، وفي نسخة أبي محمد الأصيلي عن أبي أحمد وأبي زيد: نا هشام، عن يحيى، عن ابن حكيم - لم يسمه - عن سعيد بن جبير. وفي نسخة أبى ذر: عن أبي محمد الحَمُّوييّ، عن الفَرَبْريّ: نا هشام، عن يحيى ابن حكيم، عن سعيد بن جبير. قال أبو علي: وهذا خطأ فاحش، وصوابه: عن هشام عن يحيى - وهو ابن أبي كثير - عن يعلى بن حكيم كما روى عن ابن السَّكن، ورِواية أبي أحمد وأبي زيد مخلصة من الوهم. ثم ذكر الحديث بإسناده إلى إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام الدستوائي .. إلخ مؤيدًا لرِواية ابن السَّكن (٢). ٢ - ما جاء في كتاب مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة: قال البُخارِيّ: حَدَّثَنا عياش بن الوليد، حَدَّثَنا الوليد بن مسلم، حدثني الأوزاعي (٣) .. إلخ.

стр. 229

هكذا الحديث عند البُخارِيّ كما في «اليُونِينيّة» وعلى كلمة: (عياش) علامة التصحيح. قال الجَيّانيّ في «تقييد المهمل» (١): هكذا روايتنا عن ابن السَّكن: عياش - بالشين المعجمة - وكذلك قال أبو ذر الهَرَويّ عن مشايخه، وكان في كتاب أبي محمد الأصيلي غير مقيد. وقال بعضهم: هو عباس بن الوليد - بباء معجمة بواحدة وسين مهملة - وزعم أنه ابن الوليد بن مَزْيَد - بزاي معجمة بعدها ياء معجمة باثنتين - الدمشقي، ثم البيروتي وليس هذا بشيء، وقد حَدَّثَنا أبو العباس العُذري عن أبي ذر أنه قال: عباس بن الوليد البيروتي متأخر، ولا أعلم البُخارِيّ ومسلمًا رويا عنه، وإنما يروي عنه عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، وأبو بكر النيسابوري، ومن كان في طبقتهما من المتأخرين. قال: ولا أعلم للعباس بن الوليد بن مزيد رِواية عن الوليد بن مسلم، فإن أكثر ما روى: عن أبيه الوليد بن مزْيَد، وكان من أصحاب الأوزاعي ﵀. اهـ. ولذا يقول الجَيّانيّ، أيضا (٢): والصواب رِواية ابن السَّكن ومن تابعه. ٣ - ما جاء في كتاب الحدود، باب الضرب بالجريد والنعال: قال البُخارِيّ: حَدَّثَنا عبد الله بن عبد الوهاب، حَدَّثَنا خالد بن الحارث، حَدَّثَنا سفيان، حَدَّثَنا أبو حصين: سمعت عمير بن سعيد النخعي (٣). قال الجَيّانيّ: هكذا رواه أبو علي بن السَّكن وأبو أحمد: سمعت عمير

стр. 230

بن سعيد، وروي عن أبي زيد المَرْوَزيّ: عمير بن سعد - بسكون العين دون ياء بعدها - والصواب ما رواه ابن السَّكن وأبو أحمد وغيرهما (١). وما كان على الصواب عند ابن السَّكن وغيره قد أزال إشكالًا عند بعض العلماء الذين أعلوا الحديث بالاختلاف في اسم عمير واسم أبيه. قال ابن حجر في «الفتح»: وعمير بن سعيد بالتصغير، وأبوه - بفتح أوله وكسر ثانيه -: تابعي كبير ثقة. قال النووي: هو في جميع النسخ من الصحيحين هكذا. ووقع في «الجمع» للحميدي: (سعد) بسكون العين، وهو غلط، ووقع في «المهذب» وغيره: (عمر بن سعد) بحذف الياء فيهما، وهو غلط فاحش. قلت: ووقع في بعض النسخ من البُخارِيّ كما ذكر الحميدي، ثم رأيته في «تقييد» أبي علي الجَيّانيّ منسوبًا لأبي زيد المَرْوَزيّ، قال: والصواب: سعيد، وجزم بذلك ابن حزم، وأنه في البُخارِيّ: سعد بسكون العين، فلعله تابع الحميدي. ووقع للنسائي والطحاوي: (عُمَر) بضم العين وفتح الميم كما في «المهذب» لكن الذي عندهما في أبيه: (سعيد)، ووقع عند ابن حزم في النسائي: (عمرو) بفتح أوله وسكون الميم والمحفوظ: (عمير) كما قال النووي. وقد أعل ابن حزم الخبر بالاختلاف في اسم عمير واسم أبيه، وليست بعلة تقدح في روايته، وقد عرفه ووثقه من صحح حديثه. (٢) اهـ.

стр. 231

٤ - ما جاء في كتاب الرقاق، باب في الحوض (١): قال البُخارِيّ وهو يعدد أسانيد حديث أبي هريرة: وقال الزبيدي، عن الزهري، عن محمد بن علي، عن عبيدالله بن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ اهـ. كذا الإسناد في «اليُونِينيّة». وهناك علامة التصحيح على كلمة: (عبيدالله). قال الجَيّانيّ: كذا رويناه عن أبي علي بن السَّكن: عبيدالله بن أبي رافع، عن أبي هريرة. وفي نسخة أبي محمد وأبي الحسن [أي: القابسي]: عبد الله بن أبي رافع - بتكبير عبد الله - وهو وهم. ورِواية ابن السَّكن أولى بالصواب، وكذلك خرجه أبو مسعود الدمشقي من حديث عبيدالله بن أبي رافع (٢). ونقل ابن حجر في «الفتح» كلام الجَيّانيّ في رِواية الأصيلى والقابسي عن أبي زيد المَرْوَزيّ، وأقره (٣). ٥ - ما جاء في كتاب جزاء الصيد، باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين (٤) قال: حَدَّثَنا أحمد بن يونس، حَدَّثَنا إبراهيم بن سعد، حَدَّثَنا ابن شهاب، عن سالم، عن عبد الله ﵁ ... الحديث. كذا الإسناد في «اليُونِينيّة». وقد جاء هذا الإسناد مصحفًا عند أبي زيد المَرْوَزيّ وحده. قال الجَيّانيّ: أتى هذا الحديث مرسلًا في رِواية أبي زيد المَرْوَزيّ وحده: عن سالم بن عبد الله بن عمر ليس فيه: عن ابن عمر. والصواب ما رواه ابن السَّكن وأبو أحمد ومن تابعهما: الزهري عن

стр. 232

سالم، عن عبد الله بن عمر متصلًا مسندًا (١). وذكر ذلك ابن حجر أيضًا في «الفتح» وأشار إلى علة الوهم قائلًا: تصحفت (عن) فصارت (ابن) (٢). ٣ - وقوع انفردات لرِواية ابن السَّكن دون غيره من الرُّواة: من خلال تتبع النصوص التي ذكر فيها ابن السَّكن تبين أن رِواية ابن السَّكن قد انفردت ببعض الزيادات دون باقي الروايات، وهذه الزيادات منها ما هو في السند، ومنها ما هو في المتن، ومنها ما حكم العلماء بصحته، ومنها ما خالفه العلماء فيها. فمن الزيادات التي جاءت في السند عند ابن السَّكن ووافقه عليها العلماء تلك الزيادات التي سبق ذكرها في نسبة كثير من الرُّواة، وخاصة شيوخ البُخارِيّ الذين أُهمل نسبتهم، والتي سبق ذكرها والمنقولة من كتاب «تقييد المهمل» لأبي علي الجَيّانيّ. أما الزيادات في السند التي خالفه العلماء فيها فقد نبه الجَيّانيّ عليها في «تقييد المهمل» (٣) قائلًا: ولابن السَّكن انفردات في الأسانيد غريبة قد تقدم التنبيه على كثير منها. اهـ. وهذه الزيادات والانفردات أنواع: النوع الأول: منها ما انفرد ابن السَّكن به مِنْ جَعْلِهِ بعضَ الرُّواة من رجال البُخارِيّ، بحيث لو صح ما رواه ابن السَّكن لكان الراوي على شرط البُخارِيّ. ولم يقع لابن السَّكن من هذا النوع إلا في موضعين:

стр. 233

الأول: ما ذكر في أول كتاب الوصايا حيث قال البُخارِيّ: (حَدَّثَنا عمرو بن زرارة، أَخْبَرَنا إسماعيل عن ابن عون (١) ..) إلخ. كذلك ذكر شيخ البُخارِيّ في «اليُونِينيّة»: (عمرو بن زرارة)، وقال الجَيّانيّ في «تقييد المهمل» في رِواية أبي علي بن السَّكن وحده، عن الفَرَبْريّ، عن البُخارِيّ: (حَدَّثَنا إسماعيل بن زرارة، أنا إسماعيل ابن علية عن ابن عون). جعل مكان: (عمرو ابن زرارة) (إسماعيل بن زرارة) قال أبو علي: وَهِم، ولم أرَ هذا لغير ابن السَّكن. وقد ذكر أبو الحسن الدارقطني وأبو عبد الله الحاكِم في شيوخ البُخارِيّ: إسماعيل بن زرارة الثغري، ولم يذكره أبو نصر الكلاباذي (٢). وأما عمرو بن زرارة فمشهور من شيوخه، حدث عنه في غير موضع من الكتاب عن عبد العزيز أبي حازم، وهشيم بن بشيد، وزياد البكائي، والقاسم بن مالك (٣). وقال ابن حجر: ووقع في رِواية أبي علي بن السَّكن بدل: (عمرو بن زرارة) في هذا الحديث (إسماعيل بن زرارة) يعني: الرقي. قال أبو علي الجَيّانيّ: لم أرَ ذلك لغيره. قال وقد ذكر الدارقطني وأبو عبد الله بن منده في شيوخ البُخارِيّ إسماعيل بن زرارة الثغري، ولم يذكره الكلاباذي ولا الحاكِم (٤). ولم يذكر بنُ القيسراني (٥٠٧) هـ إسماعيلَ بن زرارة في كتاب

стр. 234

«الجمع بين رجال الصحيحين» لكتابي أبي نصر الكلاباذي وأبي بكر الأصبهاني. وقد راجعت كتاب «المدخل إلى الصحيح» لأبي عبد الله الحاكِم فوجدته قد ذكره في الباب الثاني عشر: ذكر مشايخ روى عنهم الشيخان في صحيحيهما وذكره فيمن انفرد بالرِّواية عنهم البُخارِيّ (١): إسماعيل بن عبد الله بن زرارة الرقي. وذكر ابن عساكر في «المعجم المشتمل» (٢) عن الدارقطني والبرقاني أنهما ذكراه في شيوخ البُخارِيّ. وذكره المزي في «تهذيب الكمال» تمييزًا - وذكر حديث الباب الذي معنا كما هو عند جمهور الرُّواة - وقال: ووقع في رِواية أبي علي بن السَّكن وحده عن الفَرَبْريّ، عن البُخارِيّ: إسماعيل بن زرارة. وذكر الدارقطني والبرقاني إسماعيل بن زرارة في شيوخ البُخارِيّ كما تقدم، وتابعهما على ذلك الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي وقال: روى عنه في الرقاق والتفسير، ولم يذكره الكلاباذي. وقال الحافظ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن سعيد بن يربوع الأشبيلي في كتابه الذي سماه: «لسان البيان لما في كتاب أبي نصر من الإغفال والنقصان»: إسماعيل بن زرارة من الشذوذ الذي لا يلتفت إليه، ولعله من طغيان القلم، والله أعلم (٣). وقال ابن حجر - بعد أن نقل كلام المزي - في «تهذيب التهذيب» (٤):

стр. 235

وقد ذكر إسماعيل بن عبد الله بن زرارة الرقي أيضًا في شيوخ البُخارِيّ الحاكِم وأبو إسحاق الحبال وأبو عبد الله بن منده وأبو الوليد الباجي، وابن خلفون في: «الكتاب المعلم برجال البُخارِيّ ومسلم». اهـ. الموضع الثاني: ما جاء في «صحيح البُخارِيّ» كتاب التفسير، باب: ومن تفسير سورة النساء في قوله تعالى: ﴿وأولى الأمر منكم﴾ (١) [النساء: ٥٩]. قال البُخارِيّ: (حَدَّثَنا صدقة بن الفضل، أَخْبَرَنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج ..) إلخ. كذا في «اليُونِينيّة» وقال الجَيّانيّ: روايتنا عن أبي علي بن السَّكن في هذا الإسناد عن الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ: (حَدَّثَنا سنيد بن داود قال: نا حجاج ..) إلخ. فجعل: (سنيد بن داود) بدل: (صدقة بن الفضل) وانفرد بذكر: سنيد بن داود (٢). وقال ابن حجر في «الفتح» قوله: (حَدَّثَنا: صدقة بن الفضل). كذا للأكثر، وفي رِواية ابن السَّكن وحده، عن الفَرَبْريّ، عن البُخارِيّ: (حَدَّثَنا: سنيد)، وهو ابن داود المصيصي، واسمه: الحسين، وسنيد: لقب، وهو من حفاظ الحديث، وله تفسير مشهور، لكن ضعفه أبو حاتم والنسائي، وليس له في البُخارِيّ ذكر إلا في هذا الموضع، إن كان ابن السَّكن حفظه، ويحتمل أن يكون البُخارِيّ أخرج الحديث عنهما جميعًا، واقتصر الأكثر على صدقه لإتقانه، واقتصر ابن السَّكن على سنيد بقرينة التفسير (٣) اهـ.

стр. 236

وقال المزي في «التهذيب» في ترجمة سنيد بعد أن ذكر حديث الباب الذي معنا: وروى أبو علي سعيد بن عثمان بن السَّكن وحده، عن الفَرَبْريّ، عن البُخارِيّ قال: حَدَّثَنا سُنيد، عن حجاج بن محمد. فذكره بإسناده. قال أبو محمد عبد الله بن أحمد بن سعيد بن يربوع الأشبيلي - صاحب أبي علي الغساني في كتابه الذي صنفه على كتاب أبي نصر الكلاباذي -: والصواب ما روت الجماعةُ وليس بمبعد؛ فإن سنيدًا هذا صاحب تفسير، وذِكْر ابن السَّكن له في التفسير من الأوهام المحتملة؛ لأنه إنما ذكره في بابه الذي هو مشهور به، فهو قريب بعيد وبالله التوفيق (١). النوع الثاني: الزيادات التي جاءت وهي بمعنى الإقحام في السند: ومن أمثلة هذا النوع ما يلي: أ - ما جاء في البُخارِيّ: كتاب صلاة الكسوف، باب قول الإمام في خطبة الكسوف: أما بعد (٢). (وقال أبو أسامة: حَدَّثَنا هشام قال: أخبرتني فاطمة بنت المنذر عن أسماء ..) الحديث. كذا الإسناد في «اليُونِينيّة» لكن قال الجَيّانيّ: وقع في رِواية ابن السَّكن في إسناد هذا الحديث وهم، وذلك أنه زاد في الإسناد رجلًا، أدخل بين هشام وفاطمة: عروة ابن الزبير، والصواب: هشام عن فاطمة (٣). وتعقبه الحافظ ابن حجر في «الفتح» وقال: لعله كان عنده [أي: ابن السَّكن] هشام بن عروة بن الزبير، فتصحفت (ابن) فصارت (عن) وذلك من

стр. 237

الناسخ، وإلا فابن السَّكن من الحفاظ الكبار (١). ب - ما جاء في البُخارِيّ، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ﴾ (٢) [الفتح: ١٥] قال البُخارِيّ: حَدَّثَنا أبو نعيم، حَدَّثَنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة .. إلخ. كذا الإسناد في «اليُونِينيّة». وقال الجَيّانيّ: هكذا إسناد هذا الحديث عند جميع الرُّواة، ما خلا ابن السَّكن، فإنه قال فيه: نا أبو نعيم قال: نا سفيان، نا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. فزاد في الإسناد رجلًا وهو سفيان الثوري (٣). وقال ابن حجر: ورأيت في رِواية القابسي عن أبي زيد المَرْوَزيّ: (حَدَّثَنا أبو نعيم، أراه: حَدَّثَنا سفيان الثوري: حَدَّثَنا محمد) فحذف لفظ (قال) بين قوله: أراه، وحَدَّثَنا. و: أراه بضم الهمزة، أي: أظنه، وأبو نعيم سمع من الأعمش ومن السفيانين عن الأعمش، لكن سفيان المذكور هنا هو الثوري جزمًا، وعلى تقدير ثبوت ذلك فقائل: أراه. يحتمل أن يكون البُخارِيّ، ويحتمل أن يكون من دونه وهو الراجح. وقد خرجه أبو نعيم في «المستخرج» من رِواية الحارث بن أبي أسامة، عن أبي نعيم، عن الأعمش بدون الواسطة، وهذا من أعلى ما وقع لأبي نعيم من العوالي في هذا «الجامع الصحيح» (٤).

стр. 238

النوع الثالث: انفراد ابن السَّكن بجعل راو مكان آخر، وكلاهما معروف بالرِّواية عن شيخ واحد. ومن ذلك ما يلي: ١ - ما جاء في «الصحيح» من كتاب اللباس، باب الحرير للنساء (١) قال: (حَدَّثَنا سليمان بن حرب، نا شعبة. وحدثني محمد بن بشر قال: نا غندر، نا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن زيد بن وهب، عن علي قال: كَسَانِي النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ ...) الحديث. كذا في «اليُونِينيّة». وقال الجَيّانيّ: هكذا إسناد الحديث عند رواة الفَرَبْريّ، وعند غيرهم من رواة البُخارِيّ إلا أبا علي بن السَّكن فإن في روايته: (شعبة عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال، عن علي قال: كساني النبي ﷺ ) هكذا قال، جعل: (النزال بن سبرة) بدل: (زيد بن وهب)، والحديث محفوظ عن شعبة، عن عبد الملك ابن ميسرة، عن زيد بن وهب، عن علي. وقد تقدم هذا الحديث في «الجامع» في موضعين في كتاب الهبة (٢) وفي كتاب النفقات (٣) أيضًا عن حجاج بن منهال، عن شعبة، عن عبد الملك، عن زيد بن وهب. ورواه ابن السَّكن في الموضعين كما روته الجماعة على الصواب من حديث زيد بن وهب، وكذلك خرجه مسلم في كتاب اللباس (٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن غندر، عن شعبة بهذا.

стр. 239

وحَدَّثَناه حكم بن محمد، نا أبو بكر قال: نا أبو بشر الدولابي، نا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر قال: (نا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن زيد بن وهب، عن علي) بهذه القصة (١). وقال ابن حجر في «الفتح»: قوله: (عن زيد بن وهب). كذا للاكثر، وتقدم كذلك في الهبة والنفقات، وكذا عند مسلم، ووقع في رِواية أبي علي بن السَّكن [تحرفت في المطبوع من الفتح إلى: علي بن السكن] هنا وحده: (عن النزال بن سبرة) بدل: (زيد بن وهب)، وهو وهم، كأنه انتقل من حديث إلى حديث؛ لأن رِواية عبد الملك عن النزال، عن علي إنما هي في الشرب قائما كما تقدم في الأشربة (٢)، وقد وافق الجماعة في الموضعين الآخرين (٣). ٢ - ومنها أيضًا ما جاء في «الصحيح» من كتاب الأدب، باب لا تسبوا الدهر (٤) قال البُخارِيّ: (حَدَّثَنا يحيى بن بكير، حَدَّثَنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة قال: قال أبو هريرة ﵁ ..) الحديث. كذا الإسناد في «اليُونِينيّة». قال الجَيّانيّ: هكذا رُوِي هذا الإسناد من حديث الليث عن يونس، عن ابن شهاب. وفي روايتنا عن ابن السَّكن: (نا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب). جعل عقيلًا مكان يونس. قال أبو علي: والحديث محفوظ ليونس بن يزيد عن الزهري بهذا الإسناد.

стр. 240

وكذلك ذكره مسلم بن الحجاج من حديث ابن وهب عن يونس (١). وقال محمد بن يحيى في كتاب «علل حديث الزهري»: (نا أبو صالح، نا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ..) الحديث. وهذه الرِّواية تقوي ما في رِواية ابن السَّكن إن كان حفظه (٢). فتبين من كلام الجَيّانيّ أن الحديث محفوظ ليونس عن الزهري، وقد خالفه ابن حجر في «الفتح» فقال: الحديث عند الليث عن شيخين (٣). ٤ - وجود بعض المواضع سقط فيها بعض الرُّواة الذين ثبت ذكرهم عند باقي النسخ أو وجود بعض الأوهام. ومن هذه المواضع: ١ - ما جاء في كتاب الشفعة باب أي الجوار أقرب (٤) وفي كتاب التفسير باب: ومن سورة الفتح (٥). حيث جاء شيخ البُخارِيّ هكذا: (علي نا شبابة). هكذا غير منسوب في كثير من الروايات، ومنها رِواية أبي ذر الهَرَويّ كما في «اليُونِينيّة» (٦)، ونسبه ابن السَّكن فقال: (علي بن عبد الله) قال الجَيّانيّ: وهذا ضعيف عندي (٧).

стр. 241

قلت (الباحث): قول الجَيّانيّ هذا فيه نظر؛ فإن الحديث في الموضعين جاء عند الأصيلي غير منسوب، ولم ينسبه أبو مسعود الدمشقي في الموضعين كما ذكر الجَيّانيّ، وقال أبو نصر الكلاباذي في إسناد حديث عائشة - وهو الأول من الموضعين السابقين -: يقال: هو علي بن سلمة اللبقي (١). وكذلك نسبه أبو ذر في روايته عن أبي إسحاق المُسْتَمْلِيّ وابن السَّكن، كما ذكر الجَيّانيّ. وكذا نسبته كريمة، كما ذكر ابن حجر (٢): (علي بن عبد الله). وكذا هو في أصل «اليُونِينيّة». ونسبه ابنُ شَبُّويه: ابنَ المديني. وصنيع الجَيّانيّ يرجح أنه اللبقي. وذكره الكلاباذي وابن طاهر أيضا كما أشار إلى ذلك ابن حجر، وهو الذي ثبت عند أبي ذر عند المُسْتَمْلِيّ كما نبه الجَيّانيّ وابن حجر. قال الحافظ: وهذا يشعر بأن البُخارِيّ لم ينسبه وإنما نسبه من نسبه من الرُّواة بحسب ما ظهر له، فإن كان كذلك فالأرجح أنه ابن المديني؛ لأن العادة أن الإطلاق إنما ينصرف لمن يكون أشهر، وابن المديني أشهر من اللبقي، ومن عادة البُخارِيّ إذا أطلق الرِّواية عن علي إنما يقصد به علي بن المديني (٣). أما الموضع الثاني من حديث ابن مغفل، فقد جاء في «اليُونِينيّة»

стр. 242

منسوبًا: علي ابن عبد الله، وفي الحاشية نسبه: علي بن سلمة. ورَمَز لرِواية أبى ذر عن المُسْتَمْلِيّ وحده وكذا جاء عند الجَيّانيّ ولم ينسبه أبو نصر. قال ابن حجر: علي بن عبد الله المديني، كذا للأكثر (١). ومن الأوهام التي جاءت في رِواية ابن السَّكن: ما جاء في كتاب الأدب، باب منه (٢) قال البُخارِيّ: وحدثني محمد بن زياد، نا محمد بن جعفر، نا عبد الله بن سعيد .. إلخ. كذا في كل الروايات كما جاء عند اليُونِينِيّ وعند الجَيّانيّ. وفي رِواية عن ابن السَّكن: حَدَّثَنا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر وهو وهم كما نص عليه الجَيّانيّ (٣). قال أبو نصر في «الهداية» (٤): هو محمد بن زياد بن عبيدالله بن الربيع بن زياد، ليس له في «الجامع» غير هذا الحديث. اهـ. وقال أبو أحمد بن عدي في «أسامي من روى عنهم البُخارِيّ» (٥): هو محمد ابن زياد الزيادي بصرى. اهـ. ومن هذه الأوهام التي جاءت في رِواية ابن السَّكن تصحيف اسم (همام) إلى (هشام) في حديث أنس في كتاب اللباس، باب قبالان في نعل (٦). قال البُخارِيّ: حَدَّثَنا حجاج بن منهال، حَدَّثَنا همام، عن قتادة، حَدَّثَنا

стр. 243

أنس .. الحديث. كذا الإسناد عند جمهور الرُّواة كما عند اليونينى وكما جاء عند الجَيّانيّ وغيره وذكر الجَيّانيّ في «التقييد» (١) أن في نسخة أبي محمد بن أسد عن ابن السَّكن: هشام، عن قتادة. فذكر هشامًا بدل همام وليس بشيء. اهـ. ومن هذه الأوهام سقوط شيخ البُخارِيّ في بعض الأحاديث التي ثبت ذكرها عند باقي الرُّواة، انظر لذلك مثالًا: سقوط شيخ البُخارِيّ محمد هكذا مهملًا وذلك في مواضع، كما ذكر الجَيّانيّ ذلك في «تقييد المهمل» (٢). ٥ - أهمية هذه الرِّواية في التراجم التي وضعها البُخارِيّ. لم تقتصر أهمية هذه الرِّواية في حل الإشكالات في الأحاديث فقط، بل كان لها أثر في تراجم الأبواب، فقد جاء في كتاب البيوع، باب: ما قيل في اللحام والجزار (٣)، وقبله باب: بيع الخلط من التمر، وبعده باب: ما يمحق الكذب والكتمان في البيع. كذا عند جمهور الرُّواة، وفي رِواية ابن السَّكن وقعت بعد خمسة أبواب كما نص عليه ابن حجر في «الفتح» قائلًا: كذا وقعت هذه الترجمة هنا، وفي رِواية ابن السَّكن بعد خمسة أبواب، وهو أليق؛ لتتوالى تراجم الصناعات (٤) اهـ. قلت (الباحث): فقد جاء في هذا الموضع الذي أشار إليه ابن حجر قبله باب: ما قيل في الصواغ، ثم ذكر بعده بابًا: في ذكر القين والحداد، ثم بابًا: في الخياط ثم النساج.

стр. 244

المبحث الثاني رِواية أبي زيد المَرْوَزيّ (٣٧١) ه ـ اسمه ونسبه (١): هو محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد، أبو زيد، المَرْوَزيّ، الفاشاني، الإمام المفتي القدوة الزاهد، شيخ الشافعية، راوي «الصحيح» عن الفَرَبْريّ. والمَرْوَزيّ نسبة إلى مرو، والفاشاني نسبة إلى فاشان - بفاء مفتوحة ثم ألف ثم شين معجمة ثم ألف ثم نون - وهي إحدى قرى مرو. قال عن نفسه: ولدت سنة إحدى وثلاثمائة. شيوخه: حدث ببغداد وبنيسابور ودمشق ومكة عن: محمد بن يوسف الفَرَبْريّ، وعمر بن عَلَّك المَرْوَزيّ، ومحمد بن عبد الله السَّعْدي، وأبي العباس محمد بن عبد الرحمن الدَّغولي، وأحمد بن محمد المُنْكدري وأخذ الفقه عن أبي إسحاق المَرْوَزيّ. تلاميذه: أكثر الفقيه أبو زيد المَرْوَزيّ الترحال؛ فسمع منه الكثيرُ من العلماء ببغداد ونيسابور ودمشق ومكة. وممن اشتهر برِواية «الصحيح» عنه: عبد الله بن إبراهيم الأصيلي (٣٩٢) هـ - وهو من أجلّ الرُّواة عنه - وأبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري القابسي (٤٠٣) هـ، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني (٤٣٠) هـ،

стр. 245

وعبدوس الطُليطلي (٣٩٠) هـ، وغيرهم (١). وحدث عنه الإمام أبو عبد الله الحاكِم (٤٠٥) هـ وترجم له في «تاريخ نيسابور»، والإمام أبو الحسن الدارقطني (٣٨٥) هـ، وأبو عبد الرحمن السُّلَمي، وأبو بكر البرقاني، ومحمد بن أحمد المحاملي البغدادي، وعلي بن السمسار، وغيرهم. ثناء العلماء عليه: لقد كان الفقيه أبو زيد المَرْوَزيّ أحد الأئمة الأعلام وأحد شيوخ الإسلام، كان وحيد زمانه، وفريد عصره وأوانه، حافظًا للمذهب الشافعي، إمامًا فيه، مشهورًا بالزهد والورع إلى جانب ما حباه الله به من روايته لـ «صحيح البُخارِيّ». قال الحاكِم: كان أحد أئمة المسلمين، ومن أحفظ الناس للمذهب، وأحسنهم نظرًا وأزهدهم في الدنيا، سمعت أبا بكر البزاز يقول: عادلت الفقيه أبا زيد من نيسابور إلى مكة فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة (٢). وقال الخطيب: وكان أحد أئمة المسلمين، حافظًا لمذهب الشافعي، حسن النظر، مشهورًا بالزهد والورع، ورد بغداد وحدث بها فسُمع منه .. وخرج أبو زيد إلى مكة فجاور بها وحدث هناك بكتاب «صحيح البُخارِيّ» عن محمد بن يوسف الفَرَبْريّ، وأبو زيد أجلّ من روى ذلك الكتاب (٣). وقال فيه الذَّهَبِيّ: الشيخ الإمام المفتي القدوة الزاهد شيخ الشافعية (٤).

стр. 246

وقال فيه تاج الدين السبكي (٧٧١) هـ، قال: وكان ممن أجمع الناس على زهده، وورعه، وكثرة علمه، وجلالته في العلم والدين (١) اهـ. وأقوال العلماء فيه كثيرة، وما ذكرته فيه كفاية لبيان مكانة الرجل. وكان - رحمه الله تعالى - كثير الترحال، وجاور بمكة سبعة أعوام، وكان فقيرًا يقاسي البرد، مع قسوته في تلك البلاد، فإذا قيل له في ذلك، قال: بي علة تمنعنى من لبس المحشو. أي: الجُبة، ويقصد بالعلة الفقر، وكان لا يشتهي أن يُطلع أحدًا على باطن حاله، ثم أقبلت عليه الدنيا في آخر عمره، وقد أسن وتساقطت أسنانه، فكان لا يتمكن من المضغ وبطلت منه حاسة الجماع، فكان يقول مخاطبًا للنعمة: لا بارك الله فيك! أقبلت حين لا ناب ولا نصاب (٢). وأبو زيد المَرْوَزيّ ﵀ يعرف بصاحب الرؤيتين؛ لأنه رأى النبي ﷺ مرتين: أما الرؤيا الأولى: فرواها الذَّهَبِيّ بإسناده إلى أبي سهل محمد بن أحمد المَرْوَزيّ يقول: كنت نائمًا بين الركن والمقام، فرأيت النبي ﷺ فقال: يا أبا زيد إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي؟ فقلت: يا رسول الله، وما كتابك؟ فقال: جامع محمد بن إسماعيل البُخارِيّ (٣). وقد تكون هذه الرؤية هي التي جعلته يصرف عنايته إلى سماع «الصحيح» والعناية به.

стр. 247

وأما الرؤيا الثانية: قال الحاكِم: سمعت أبا الحسن محمد بن أحمد الفقيه يقول: سمعت أبا زيد المَرْوَزيّ يقول: لما عزمت على الرجوع إلى خراسان من مكة، تقسَّم قلبي بذلك، وكنت أقول: متى يمكنني هذا، والمسافة بعيدة، والمشقة لا أحتملها، وقد طعنت في السن! فرأيت في المنام كأن رسول الله ﷺ قاعد في صحن المسجد الحرام، وعن يمينه شاب، فقلت: يا رسول الله، قد عزمت على الرجوع إلى خراسان، والمسافة بعيدة، فالتفت رسول الله ﷺ إلى الشاب، وقال: يا روح الله اصحبه إلى وطنه. قال أبو زيد: فأريت أنه جبريل ﵇، فانصرفت إلى مرو، ولم أحس بشيء من مشقة السفر هذا أو نحوه. [قال الحاكم:] فإني لم أراجع المكتوب عندي من لفظ أبي الحسن (١). اهـ. وفاته: توفي بمرو في يوم الخميس ثالث عشر رجب سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، فرحمه الله رحمة واسعة.

стр. 248

روايته لـ «الصحيح» روى أبو زيد المَرْوَزيّ (٣٧١) هـ «صحيح البُخارِيّ»، عن الفَرَبْريّ (٣٢٠) هـ، عن البُخارِيّ رحمهم الله تعالى. واشتهرت رِواية أبي زيد حتى اعتبرها كثير من العلماء أنها أجلّ رِوايات «الصحيح» نظرًا لجلالة أبي زيد ومكانته بين العلماء، فقد سبق بيان ثناء العلماء عليه وكثرة أتباعه من العلماء؛ حتى أن كبار العلماء في عصره قد رووا عنه وسمعوا منه، ومنهم: أبو عبد الله الحاكِم (٤٠٥) هـ، وأبو الحسن الدارقطني (٣٨٥) هـ، وأبو نعيم الأصبهاني (٤٣٠) هـ وغيرهم. فهذا الحاكِم والخطيب وعبد الكريم السَّمْعاني وابن الأثير كلهم يقولون: حدث أبو زيد ببغداد، ثم جاور بمكة، وحدث هناك بـ «الصحيح» وهو أجلّ من رواه. وكان سماع أبي زيد المَرْوَزيّ مبكرًا جدًّا، حيث رُوي عن أبي محمد الأصيلي (٣٩٢) هـ أنه قال: سألت أبا زيد المَرْوَزيّ عن مولده، فقال: ولدت سنة إحدى وثلاثمائة. فقلت له: في أي سنة لقيت الفَرَبْريّ؟ فقال: في سنة ثماني عشرة وثلاثمائة (١). وعلى ذلك فيكون سماعه لـ «الصحيح» من الفَرَبْريّ وعنده تسع عشرة سنة، فإذا علمنا أنه شاخ وعمَّر حتى جاوز السبعين تبين لنا علو إسناد المَرْوَزيّ عن غيره، حيث توفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة؛ ولذلك يقول السَّمْعاني (٢): وما دام بمرو من الأحياء ما كان يُقْرا على غيره؛ لفضله

стр. 249

وعلمه وإتقانه. اهـ ومع أن أبا زيد المَرْوَزيّ شاخ وكبر واشتهر بالعلم والفقه والحديث، وحدث بـ «الصحيح» في مكة وبغداد وغيرهما من بلاد المشرق، إضافة إلى أنه أَجَلُّ من روى «الصحيح» عن الفَرَبْريّ؛ إلا أن الرِّواية عنه لم تشتهر إلا من خلال الرُّواة المغاربة كأبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي (٣٩٢) هـ، وأبي الحسن علي بن محمد القابسي (٤٠٣) هـ. ولذلك نجد تاج الدين السبكي (٧٧١) هـ (١) يقول _بعد أن نقل قول الحاكِم والخطيب: أبو زيد أجل من روى الكتاب. يقول: وعجبت من إغفال الحاكِم سماع «صحيح البُخارِيّ» منه إن كان أغفله، ثم عجبت من إغفال الناس أخذه عن الحاكِم إن كان لم يغفله. اهـ قلت (الباحث): وإذا كانت رِواية أبي زيد اشتهرت عند المغاربة؛ إلا أنها عرفت كذلك عند المشارقة، كما هو واضح من رِواية أبي نعيم الأصبهاني، وغير واحد منهم ممن نقل ابن عساكر أن لهم رِواية عن أبي زيد، كما هو موضح في جدول الإسناد الخاص بأبي زيد المَرْوَزيّ.

стр. 250

الرُّواة عن أبي زيد بالتتبع والاستقراء لتراجم العلماء استطعت الوقوف على بعض الرُّواة عن أبي زيد المَرْوَزيّ، وها هي أسماؤهم مع بعض ما وقفت عليه من نقول تتعلق بهذا الشأن. الراوي الأول: هو الحافظ الثبت العلامة عبد الله بن إبراهيم بن محمد الأصيلي وسيأتي الحديث عن روايته في أشهر الروايات. الراوي الثاني: أبو الحسن القابسي (٤٠٣) هـ (١). هو الإمام الحافظ الفقيه العلامة عالم المغرب أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري القيرواني القابسي المالكي. والقابسي نسبة إلى قابس، وهي مدينة بإفريقية بين الإسكندرية والقيروان. كانت ولادته سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. حج وسمع من حمزة بن محمد الكناني الحافظ وأبي زيد المَرْوَزيّ وابن مسرور الدباغ بإفريقية. كان عارفًا بالعلل والرجال والفقه والأصول والأحكام، مصنفًا، يقظًا دينًا تقيًا، وكان ضريرًا، وهو من أصح العلماء كتبًا، كتب له ثقات أصحابه، وضَبط له بمكة «صحيح البُخارِيّ» وحرره وأتقنه رفيقه الإمام أبو محمد الأصيلي، وكان ذلك سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة كما ذكر الجَيّانيّ (٢). وممن أخذ عنه: أبو عمران الفاسي، وأبو القاسم الأطرابلسي، وغيرهما.
следующие страницы →