وقال فيه تاج الدين السبكي (٧٧١) هـ، قال: وكان ممن أجمع الناس على زهده، وورعه، وكثرة علمه، وجلالته في العلم والدين (١) اهـ.
وأقوال العلماء فيه كثيرة، وما ذكرته فيه كفاية لبيان مكانة الرجل.
وكان - رحمه الله تعالى - كثير الترحال، وجاور بمكة سبعة أعوام، وكان فقيرًا يقاسي البرد، مع قسوته في تلك البلاد، فإذا قيل له في ذلك، قال: بي علة تمنعنى من لبس المحشو. أي: الجُبة، ويقصد بالعلة الفقر، وكان لا يشتهي أن يُطلع أحدًا على باطن حاله، ثم أقبلت عليه الدنيا في آخر عمره، وقد أسن وتساقطت أسنانه، فكان لا يتمكن من المضغ وبطلت منه حاسة الجماع، فكان يقول مخاطبًا للنعمة: لا بارك الله فيك! أقبلت حين لا ناب ولا نصاب (٢).
وأبو زيد المَرْوَزيّ ﵀ يعرف بصاحب الرؤيتين؛ لأنه رأى النبي ﷺ مرتين:
أما الرؤيا الأولى: فرواها الذَّهَبِيّ بإسناده إلى أبي سهل محمد بن أحمد المَرْوَزيّ يقول: كنت نائمًا بين الركن والمقام، فرأيت النبي ﷺ فقال: يا أبا زيد إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي؟ فقلت: يا رسول الله، وما كتابك؟ فقال: جامع محمد بن إسماعيل البُخارِيّ (٣).
وقد تكون هذه الرؤية هي التي جعلته يصرف عنايته إلى سماع «الصحيح» والعناية به.
стр. 247
وأما الرؤيا الثانية: قال الحاكِم: سمعت أبا الحسن محمد بن أحمد الفقيه يقول: سمعت أبا زيد المَرْوَزيّ يقول: لما عزمت على الرجوع إلى خراسان من مكة، تقسَّم قلبي بذلك، وكنت أقول: متى يمكنني هذا، والمسافة بعيدة، والمشقة لا أحتملها، وقد طعنت في السن! فرأيت في المنام كأن رسول الله ﷺ قاعد في صحن المسجد الحرام، وعن يمينه شاب، فقلت: يا رسول الله، قد عزمت على الرجوع إلى خراسان، والمسافة بعيدة، فالتفت رسول الله ﷺ إلى الشاب، وقال: يا روح الله اصحبه إلى وطنه.
قال أبو زيد: فأريت أنه جبريل ﵇، فانصرفت إلى مرو، ولم أحس بشيء من مشقة السفر هذا أو نحوه. [قال الحاكم:] فإني لم أراجع المكتوب عندي من لفظ أبي الحسن (١). اهـ.
وفاته: توفي بمرو في يوم الخميس ثالث عشر رجب سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، فرحمه الله رحمة واسعة.
стр. 248
روايته لـ «الصحيح»
روى أبو زيد المَرْوَزيّ (٣٧١) هـ «صحيح البُخارِيّ»، عن الفَرَبْريّ (٣٢٠) هـ، عن البُخارِيّ رحمهم الله تعالى.
واشتهرت رِواية أبي زيد حتى اعتبرها كثير من العلماء أنها أجلّ رِوايات «الصحيح» نظرًا لجلالة أبي زيد ومكانته بين العلماء، فقد سبق بيان ثناء العلماء عليه وكثرة أتباعه من العلماء؛ حتى أن كبار العلماء في عصره قد رووا عنه وسمعوا منه، ومنهم: أبو عبد الله الحاكِم (٤٠٥) هـ، وأبو الحسن الدارقطني (٣٨٥) هـ، وأبو نعيم الأصبهاني (٤٣٠) هـ وغيرهم.
فهذا الحاكِم والخطيب وعبد الكريم السَّمْعاني وابن الأثير كلهم يقولون: حدث أبو زيد ببغداد، ثم جاور بمكة، وحدث هناك بـ «الصحيح» وهو أجلّ من رواه.
وكان سماع أبي زيد المَرْوَزيّ مبكرًا جدًّا، حيث رُوي عن أبي محمد الأصيلي (٣٩٢) هـ أنه قال: سألت أبا زيد المَرْوَزيّ عن مولده، فقال: ولدت سنة إحدى وثلاثمائة.
فقلت له: في أي سنة لقيت الفَرَبْريّ؟ فقال: في سنة ثماني عشرة وثلاثمائة (١).
وعلى ذلك فيكون سماعه لـ «الصحيح» من الفَرَبْريّ وعنده تسع عشرة سنة، فإذا علمنا أنه شاخ وعمَّر حتى جاوز السبعين تبين لنا علو إسناد المَرْوَزيّ عن غيره، حيث توفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة؛ ولذلك يقول السَّمْعاني (٢): وما دام بمرو من الأحياء ما كان يُقْرا على غيره؛ لفضله
стр. 249
وعلمه وإتقانه. اهـ
ومع أن أبا زيد المَرْوَزيّ شاخ وكبر واشتهر بالعلم والفقه والحديث، وحدث بـ «الصحيح» في مكة وبغداد وغيرهما من بلاد المشرق، إضافة إلى أنه أَجَلُّ من روى «الصحيح» عن الفَرَبْريّ؛ إلا أن الرِّواية عنه لم تشتهر إلا من خلال الرُّواة المغاربة كأبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي (٣٩٢) هـ، وأبي الحسن علي بن محمد القابسي (٤٠٣) هـ.
ولذلك نجد تاج الدين السبكي (٧٧١) هـ (١) يقول _بعد أن نقل قول الحاكِم والخطيب: أبو زيد أجل من روى الكتاب. يقول: وعجبت من إغفال الحاكِم سماع «صحيح البُخارِيّ» منه إن كان أغفله، ثم عجبت من إغفال الناس أخذه عن الحاكِم إن كان لم يغفله. اهـ
قلت (الباحث): وإذا كانت رِواية أبي زيد اشتهرت عند المغاربة؛ إلا أنها عرفت كذلك عند المشارقة، كما هو واضح من رِواية أبي نعيم الأصبهاني، وغير واحد منهم ممن نقل ابن عساكر أن لهم رِواية عن أبي زيد، كما هو موضح في جدول الإسناد الخاص بأبي زيد المَرْوَزيّ.
стр. 250
الرُّواة عن أبي زيد
بالتتبع والاستقراء لتراجم العلماء استطعت الوقوف على بعض الرُّواة عن أبي زيد المَرْوَزيّ، وها هي أسماؤهم مع بعض ما وقفت عليه من نقول تتعلق بهذا الشأن.
الراوي الأول: هو الحافظ الثبت العلامة عبد الله بن إبراهيم بن محمد الأصيلي وسيأتي الحديث عن روايته في أشهر الروايات.
الراوي الثاني: أبو الحسن القابسي (٤٠٣) هـ (١).
هو الإمام الحافظ الفقيه العلامة عالم المغرب أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري القيرواني القابسي المالكي.
والقابسي نسبة إلى قابس، وهي مدينة بإفريقية بين الإسكندرية والقيروان. كانت ولادته سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
حج وسمع من حمزة بن محمد الكناني الحافظ وأبي زيد المَرْوَزيّ وابن مسرور الدباغ بإفريقية.
كان عارفًا بالعلل والرجال والفقه والأصول والأحكام، مصنفًا، يقظًا دينًا تقيًا، وكان ضريرًا، وهو من أصح العلماء كتبًا، كتب له ثقات أصحابه، وضَبط له بمكة «صحيح البُخارِيّ» وحرره وأتقنه رفيقه الإمام أبو محمد الأصيلي، وكان ذلك سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة كما ذكر الجَيّانيّ (٢).
وممن أخذ عنه: أبو عمران الفاسي، وأبو القاسم الأطرابلسي، وغيرهما.
стр. 251
ألف كتبًا كثيرة منها كتاب «الممهد» في الفقه، و «أحكام الديانات» وغير ذلك.
توفي في ربيع الآخر بمدينة القيروان سنة ثلاث وأربعمائة.
وعرفت روايته في بلاد المغرب وشمال إفريقية، وممن وقفت على رِوايتهم عنه:
١ - أبو القاسم حاتم بن محمد بن عبد الرحمن بن الطرابلسي أو الإطرابلسي.
ومن طريقه اتصلت رِواية القابسي إلى أبي علي الجَيّانيّ (٤٩٨) هـ ومن طريق أبي علي إلى عبد الحق بن عطية (٥٤١) هـ (١) وإلى ابن حجر العسقلاني (٨٥٢) هـ وعن ابن حجر إلى القَسْطَلّانِيّ (٩٢٣) هـ كما في مقدمتي شرحيهما.
٢ - أبو عمران موسى بن عيسى بن حاج الفاسي الغُفْجُومي (٤٣٠) هـ.
وروى عن الأصيلي أيضًا، ومن طريقه اتصلت رِواية القابسي بالقاضي عِياض (٥٤٤) هـ (٢).
٣ - المهلب بن أبي صفرة (٤٣٥) هـ، ومن طريقه رواه القاضي عِياض (٥٤٤) هـ (٣).
٤ - أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد الحضرمي المالكي اللبيدي المتوفى سنة أربعين وأربعمائة (٤) ومن طريقه إلى القاضي عِياض (٥٤٤) هـ (٥).
стр. 252
الراوي الثالث: أبو نعيم الأصبهاني (٤٣٠) هـ:
اسمه ونسبه (١): هو أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى ابن مهران المهراني الأصبهاني.
ولد أبو نعيم في مشرق أيام رجب عام ست وثلاثين وثلاثمائة.
وذكر الحافظ الذَّهَبِيّ أن العلماء قد أجازوا له وعمره ست سنوات، فأجاز له من واسط: المعمر عبد الله بن عمر بن شوذب، ومن نيسابور شيخها أبو العباس الأصم، ومن الشام شيخها خيثمة بن سليمان الأطرابلسي ومن بغداد جعفر الخُلْدي (٢) وغيرهم كثير كلهم من أكابر العلماء ورءوس العلم.
شيوخه: بدأ أبو نعيم طلب العلم في سن مبكرة حتى أجيز في سن السادسة من عمره، بالإضافة إلى رغبته الشديدة في لقاء العلماء حتى تهيأ له ما لم يتهيأ لغيره.
قال الذَّهَبِيّ: وتهيأ له من لُقيا الكبار ما لم يقع لحافظ (٣).
وقد تفرد بالسماع والإجازة من علماء، وممن سمع منهم أبو نعيم مسند أصبهان المعمّر أبو محمد بن فارس وأبو أحمد العسال، وأحمد بن محمد القصار، وأبو بكر الآجري، وأبو أحمد الحاكِم وغيرهم.
تلاميذه:
أخذ عن أبي نعيم جمع كبير من العلماء ممن أصبح لهم شأن كبير
стр. 253
منهم: الحافظ الخطيب البغدادي، وأبو صالح المؤذن، وأبو بكر بن إبراهيم العطار وغيرهم.
أقوال العلماء فيه:
اجتمعت لأبي نعيم أسباب كثيرة جعلته ينال مكانة عظيمة بين أقرانه، قال ابن خلكان في «وفيات الأعيان»: كان أبو نعيم من أعلام المحدثين وأكابر الحفاظ الثقات.
أما الحافظ الذَّهَبِيّ فقد أطلق عليه محدث العصر فقال: أبو نعيم الحافظ الكبير، محدث العصر .. رحلت الحفاظ إلى بابه؛ لعلمه وحفظه وعلو أسانيده.
ويقول الخطيب البغدادي: لم أر أحدًا أطلق عليه اسم الحافظ غير أبي نعيم، وأبي حازم العبدري.
ومما يدل على مكانة الرجل العلمية أن له مؤلفات وتصانيف كثيرة عظيمة النفع منها: «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء»، «دلائل النبوة»، و «ذكر أخبار أصبهان»، و «طبقات المحدثين»، و «معرفة الصحابة»، و «المستخرج على البُخارِيّ»، و «المستخرج على مسلم» .. وغير ذلك.
وفاته: امتدت حياة أبي نعيم الأصبهاني أربعة وتسعين عامًا حتى وافته منيته يوم الاثنين الحادي والعشرين من محرم سنة ثلاثين وأربعمائة، وقيل: في صفر، وقيل: تسع وعشرون وأربعمائة.
ورِواية أبي نعيم الأصبهاني رواها عنه:
أبو علي الحسن بن أحمد الحداد، مسند عصره، وشيخ أصبهان في القراءات والحديث، المتوفى سنة خمس عشرة وخمسمائة وقد قارب
стр. 254
المائة (١).
ومن طريق أبي علي الحداد هذا اتصلت رِواية أبي نعيم الأصبهاني عن أبي زيد المَرْوَزيّ إلى:
ابن حجر العسقلاني كما جاء في «مقدمة الفتح».
كما اتصلت إلى القَسْطَلّانِيّ في «إرشاد الساري» كما جاء في «مقدمته» (٢).
ولقد وقفت على رواة آخرين ذكرت روايتهم عن أبي زيد ل «الصحيح»، ومنهم:
١ - الحسين بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن الخطاب بن عمر بن الخطاب بن زياد بن الحارث بن زيد بن عبد الله، مولى عمر بن الخطاب ﵁، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالعمري.
روى عن أبي زيد محمد بن أحمد المَرْوَزيّ الفقيه عن محمد بن يوسف الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ كتاب «الصحيح».
كان يسكن في جوار أبي حامد الإسفراييني بقطيعة الربيع (٣).
٢ - أبو الحسين، عبد الوهاب بن جعفر بن علي، الدمشقي، ابن الميداني
روى عن: أبي علي بن هارون، وأحمد بن محمد بن عمارة، وأبي
стр. 255
عبد الله بن مروان، والحسين بن أحمد بن أبي ثابت، وأبي بكر بن أبي دجانة، وأبي عمر بن فضالة وخلق بعدهم وعني بالرِّواية والإكثار.
روى عنه: أبو علي الأهوازي، وأبو سعد السمان، وعبد العزيز الكتاني، وأبو القاسم بن أبي العلاء، وأحمد بن قبيس المالكي، وطائفة.
قال الكتاني: ذكر أنه كتب بمائة رطل حبر، احترقت كتبه وجددها ثم قال: كان فيه تساهل، واتهم في ابن هارون.
توفي في جمادى الأولى سنة ثماني عشرة وأربعمائة عن ثمانين سنة، وذكر ابن عساكر في ترجمته لأبي زيد المَرْوَزيّ فيمن روى عنه «صحيح البُخارِيّ» عبد الوهاب الميداني (١).
٣ - عبد الواحد بن أحمد بن محمد بن يوسف، أبو محمد بن شماس الهمداني الدمشقي حدث بـ «صحيح البُخارِيّ» عن أبي زيد المَرْوَزيّ.
وحدث عن علي بن يعقوب بن أبي العقب، والحسين بن أحمد بن أبي ثابت.
روى عنه: علي بن الخضر، وأبو سعد السمان، وعبد العزيز الكتاني، وعلي بن محمد بن شجاع، وجماعة.
قال الكتاني: سمّعه أبوه الحديث، ولم يكن الحديث من شأنه.
توفي أبو محمد عبد الواحد بن أحمد بن أحمد بن شماس يوم السبت مستهل شهر رمضان سنة تسع عشرة وأربعمائة.
سمُّعه والدُه شيئًا كثيرًا حدث بكتاب «الجامع الصحيح» للبخاري عن أبي زيد، وحدث عن علي بن يعقوب بن أبي العقب وغيره، وكان سماعه صحيحًا غير أن الحديث لم يكن من صنعته، وذكر أبو بكر محمد بن علي
стр. 256
بن موسى الجداد أنه مات سنة ثماني عشرة، والله أعلم. وذكر أبو علي الأهوازي أنه مات في شعبان سنة عشرين وأربعمائة ودفن بباب (١) الصغير.
٤ - الشيخ الجليل، المسند العالم، أبو الحسن علي بن موسى بن الحسين، ابن السمسار الدمشقي.
حدث عن أبي زيد المَرْوَزيّ وروى عنه «الصحيح»، كما حدث عن أبيه وأخيه المحدث أبي العباس موسى، وأخيه الآخر أحمد، وأبي عمر بن فضالة، والدارقطني، وروى عن خلقٍ كثير، وكان مسند أهل الشام في زمانه.
روى عنه: عبد العزيز الكتاني، وأبو نصر بن طلاب، وأبو القاسم المصيصي، والحسن بن أحمد بن أبي الحديد، والفقيه نصر بن إبراهيم، وسعد بن علي الزنجاني، وآخرون.
قال الكتاني: كان فيه تشيع وتساهل.
وقال أبو الوليد الباجي: فيه تشيع يفضي به إلى الرفض، وهو قليل المعرفة، في أصوله سقم.
قال الذَّهَبِيّ: ولعل تشيعه كان تقية لا سجية، فإنه من بيت الحديث، ولكن غلت الشام في زمانه بالرفض، بل ومصر والمغرب بالدولة العبيدية، بل والعراق وبعض العجم بالدولة البويهية، واشتد البلاء دهرًا، وشمخت الغلاة بأنفها (٢).
ولقد وقفت على بعض الأحادث من روايته عن أبي زيد المروزي،
стр. 257
رواها عنه أبو عبد الله محمد بن سلامة المعروف بالقضاعي (٤٥٤) هـ، وذلك في كتابه «مسند الشهاب» (١).
٥ - عبدوس بن محمد بن عبدوس، أبو الفرج الطليطلي، سمع ببلده من تمام ابن عبد الله، ورحل مرتين، فسمع من الآجري، وأبي العباس الكندي، وحمزة بن محمد الكتاني، وأبي زيد المَرْوَزيّ.
وكان زاهدًا، ورعًا، فقيرًا، متقللًا، سمع منه الناس كثيرًا، وكان ثقة، حسن الضبط. توفي في ذي القعدة سنة ٣٩٠ هـ (٢).
стр. 258
وصف القطعة الموجودة من نسخة أبي زيد
لم يصل من رواية أبي زيد - فيما وقفت عليه - إلا عدة ورقات من مجموعة منجانا، وكتاب «النصيح» للمهلب بن أبي صفرة الذي روى «صحيح البخاري» فيه عن شيخه أبي محمد الأصيلي عن أبي زيد، وجعل هذه الرواية عمدته، وعضدها بروايته عن القابسي عن أبي زيد، وعن أبي ذر عن شيوخه الثلاثة.
وهذه النسخة وقف عليها الدكتور فارس السلوم وكتب عنها وصفًا استفدت منه في وصف هذه النسخة.
هذه النسخة - نسخة أبي زيد - الموجود منها اثنتان وخمسون ورقة، ثبت في الورقة الأولى ما صورته:
الجزء الثاني من «الجامع الصحيح المسند، من حديث رسول الله ﷺ وسننه» تصنيف أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري.
وهذا الجزء الذي بين أيدينا يبدأ بكتاب الزكاة، ثم كتاب الصوم، ونبه المصعولي في هامش كتاب الصوم إلى أن نسخة أبي الوقت تخالف نسخة أبي زيد في الترتيب، وأن كتاب الحج متقدم فيها.
وفي كتاب الصوم سقط كبير من النسخة، ففي آخر اللوحة الأولى من ورقة (٤٥): باب الصوم من آخر الشهر، ثم ساق إسناد حديث عمران بن الحصين.
وفي اللوحة التي تليها: باب من أين يدخل مكة، وهذا من كتاب الحج.
وآخر النسخة: باب من لم يقرب الكعبة ولم يطف.
وقد بدأ الناسخ أول الجزء بالتصريح بالسماع من أبي زيد، وكذلك
стр. 259
أوائل الكتب، وهذا ما أعلمنا بنسب النسخة وإسنادها وقدمها.
قال أول الجزء: أخبرنا أبو زيد محمد بن أحمد قال: حدثنا محمد بن يوسف قال: أخبرنا البخاري.
ثم يبدأ في أول إسناد كل حديث بقوله: أخبرنا البخاري قال .. ولم يتضح من هو كاتب النسخة، ولا يوجد في النسخة ما يدل عليه، إلا أنه متقن للغاية، فقد قابلها وراجعها، كما تدل على ذلك التصحيحات على هامش النسخة، والعلامات الدالة على بلوغ المقابلة.
ولم يعرف تاريخ نسخها إلا أن السماعات والأسانيد المثبتة على طرة النسخة، والتملكات في أولها قد دلت على الحقبة التي تلي كتابتها، وبشكل عام فإن الخط أشبه ما يكون بخطوط القرن الرابع، والله تعالى أعلم.
قال فارس السلوم: وأما ما ورد في دراسة منجانا وتبعه سزكين وغيره من تحديد تاريخ كتابتها سنة (٣٧٠) هـ فهذا لم يوجد على النسخة ما يدل عليه، وقد استنتجه منجانا استنتاجًا، كما يظهر من دراسته ولم يجده نصًا، حيث جعله قبل تاريخ وفاة أبي زيد بسنة واحدة، فإن أبا زيد توفي سنة (٣٧١) هـ، فافترض أن النسخة مكتوبة في زمانه لأجل التصريح باسمه فيها فجعله قبيل وفاته بسنة.
وقدم الخط، وسوق الإسناد من أبي زيد يدل على هذا التاريخ، وعلى أن النسخة كتبت في حياة أبي زيد، أو على الأقل في حياة راوٍ عن أبي زيد، والأول أرجح؛ لأن النسخة لو كانت لراوٍ عنه لصرح باسمه، مع أنه لا يمكننا الجزم بشيء؛ لأن الكتاب ناقص، فربما كان في الأوراق الساقطة ما يحدد تاريخ النسخ، واسم الناسخ والراوي.
وأقدم سماع على النسخة مقروء، مؤرخ في رمضان من عام (٤٦٤) هـ
стр. 260
أي بعد وفاة أبي زيد بنحو (٩٤) سنة.
السماعات:
على النسخة سماعات عدة، بعضها على الصفحة الأولى وبعضها في تضاعيف الكتاب.
ومن هذه السماعات:
السماع الأول: وهو قديم جدًّا، مكتوب أسفل العنوان مباشرة، وصورته هكذا:
سمع مني هذا الجزء من أوله إلى آخره - بقراءة الشيخ أبي الحجاج (اسمه واسم أبيه غير واضحين) المصري -: أبو الفتوح ناصر بن موهوب، والفقيه أبو محمد عبد الباقي بن الحسين بن مسافر، وأبو محمد عبد الغني بن عبد الرحمن القرطبي، وعبد السلام بن محمد (...)، وأحمد بن إبراهيم بن الفرات، وأبو الأشبال بن علي الأنماطي، والسري بن حسن بن علي العباسي، وأبو البركات حسن بن علي الأنماطي، وأبو الوفاء عبد الكريم بن علي بن عبيدالله، وعلي بن بركات الأنماطي، وعبد العزيز بن علي بن عطية الصواف، وأبو الحسن علي بن (...) العراقي وابنه، والله عليه وحده (...)، وكتب (...) في رجب سنة ثلاث.
هكذا طمس اسم الشيخ المسمع وتاريخ السماع.
وتحت هذا السماع سماع آخر لكن بخط مغاير، صورته هكذا:
سمع مني أبو محمد عبد الله بن (...) بن شجاع، وكتابه هذا ممسك به إلى آخره. كتابي الذي سمعته على الشيخ أبي حفص عمر بن الحسن الهوزني بقراءة ولدي مروان، في أصل نسختي، وذلك بثغر الإسكندرية حماه الله (...) في شهر رمضان سنة أربع وستين وأربعمائة.
وهذا السماع على الشيخ هو بعد استشهاد الهوزني بأربع سنين؛ فإن
стр. 261
الهوزني ولد سنة (٣٩٢) هـ، وقتل سنة (٤٦٠) هـ، وكانت رحلته إلى المشرق من الأندلس سنة (٤٤٤) هـ، وصورة السماع تثبت أن النسخة قرئت على الهوزني، والله أعلم.
والهوزني روى عن أبي عبد الله الباجي ومحمد بن عبد الرحمن العواد وطبقته (١).
وفوق العنوان إلى اليسار سماعٌ مختصرٌ صورته هكذا:
قرأت جميعه على (منتخبه أو شيخه) وكتب الفقير إلى ربه: جبريل بن جميل الحنفي، بتاريخ ذي الحجة سنة أربع وسبعين وخمسمائة.
وجبريل علم مشهور وهو ابن جميل أبو الأمانة القيسي المصري، سمع من عثمان بن فرج، وعلي بن هبة الله الكاملي، وأبي طاهر السلفي، وغيرهم، توفي سنة (٦٠٠) هـ مرجعه من الحج، أي أنه تملك النسخة قبل وفاته بخمسة وعشرين سنة (٢).
ثم سماع أسفل منه غير مؤرخ، صورته:
سمع جميعه وما قبله أبو الفضل بن الصقلي الحنفي العثماني.
ثم سماع أسفل منه على شاكلته، صورته:
مسموع عبد الحق بن هبة الله بن طاهر بن حمزة القضاعي، وأوله إلى الجزء (لعله) قبله غفر الله له ولوالديه:
وإلى يمين الصفحة سماع آخر على هذا المنوال، صورته: سمعه وما قبله عبد العزيز بن صالح بن حمزة الحنفي:
стр. 262
وفي تضاعيف الكتاب سماعات مؤرخة على شيخ واحد صورتها هكذا:
سمعت على القاضي الأجل تاج الدين، محمد بن عثمان بن عمر، البُلبيسي، التاجر، من أول كتاب الصوم إلى هنا، فسمع بقراءتي (...) الفقيه الإمام جمال الدين، حمزة بن عمر بن أحمد، الهكاري، بسماعه من العز الحراني، بسماعه من ابن البيع بسنده، وأجاز لنا، وصح ذلك ثالث شهر رجب الفرد سنة خمس وأربعين وسبعمائة.
وكتب أحمد بن عبد الرحيم بن المتيحي.
وعلى يمينه سماع بخط دقيق، صورته:
بلغت قراءته من أول كتاب: الصوم إلى باب: الصوم في السفر على القاضي تاج الدين المذكور (...) بسماعه لجميع الكتاب من العز الحراني بسماعه من ابن البيع بسماعه من أبي الوقت فسمع ذلك .. محمد بن إبراهيم بن عرفات، وولد ولده ناصر الدين بن محمد (...) ونوار بنت علي بن شمس الدين (...) والشيخ شمس الدين محمد بن بدر الدين (...) وصح ذلك بمنزل المسمع بالثغر بقراءة كاتب الحروف أحمد بن عبد الرحيم بن المتيحي في شهر ربيع الأول سنة (.. .) وأربعين وسبعمائة, والحمد لله حق حمده وصلى الله على سيدنا محمد (...)
ثم في ورقة أخرى سماع على الشيخ نفسه، صورته:
بلغت قراءة من أول كتاب: الصوم على الشيخ الجليل الرئيس تاج الدين محمد ابن عثمان بن عمر البلبيسي التاجر، بسماعه من العز الحراني، أنبا ابن البيع، أنبا أبو الوقت، بسنده (لعله) فسمعه الشيخ المحدث الفقيه العدل شهاب (..) أبو العباس أحمد بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن المتيحي، وصح في سابع عشر رمضان سنة أربع وأربعين وسبعمائة، بمنزل
стр. 263
المسمع بثغر الإسكندرية، وأجاز لنا وكتب عبد الله بن محمد بن إبراهيم الوالي والحمد لله وحده.
والشيخ المسمع تاج الدين محمد بن عثمان بن عمر بن كامل، البلبيسي، توفي في الطاعون، في ليلة الثامن والعشرين من صفر، سنة (٧٤٩) هـ، وهو من أقران الإمام الذهبي والمزي والطبقة؛ فهؤلاء كلهم لهم سماع من العز الحراني.
وأما الهكاري فقد ذكره ابن رافع السلامي، في وفيات شهر رجب سنة (٧٤٩) هـ، وقال: وفي يوم الخميس ثاني عشري الشهر، توفي المحدث الخير، عز الدين أبو يعلى حمزة بن عمر بن أحمد الهكاري، الدمشقي بها وصلي عليه من يومه بجامعها، ودفن بمقابر باب الصغير، سمع من: الجزري، وبنت الكمال، وجماعة، وكتب بخطه وقرأ بنفسه.
أي أنه توفي بعد الشيخ المسمع بقليل (١).
تملكات النسخة:
توجد ثلاث تملكات على الورقة الأولى وهي:
الأول، صورته: تملكه محمد بن محمد بن عبد السلام المنوفي غفر الله له ولوالديه وللمسلمين.
الثاني، صورته: في نوبة الفقير محمد الشافعي ابن شرف الدين عفا الله عنه.
الثالث متأخر، صورته: تملكه محمد بن حسين (...) سنة (٨١٠) هـ
علاقة النسخة بابن دحية الكلبي:
هذه النسخة بالإضافة إلى أنها نسخة أبي زيد المروزي، فهي نسخة
стр. 264
العلامة الحافظ ابن دحية الكلبي صاحب التصانيف المشهورة، فقد أثبت إسناده في أولها، وجاء في الورقة الأولى ما يلي:
قال ذو النسبتين العلامة ابن دحية (...) الفاطمي الحسني (...) أيده الله.
قرأت جميعه بالأندلس على جماعة من العلماء ﵏ منهم: (أبو بكر محمد بن خير الإشبيلي (...)، وحدثني به عن جماعة من شيوخه أقربهم إسناد الإمام أبو الإصبع عيسى بن محمد بن أبي البحر، الزهري، الشنترني، ورحلت به، وسمعته على الفقيه القاضي بأوكش بقية المحدثين بقرطبة، أبي القاسم خلف بن عبد الملك ابن بشكوال الأنصاري، قال: نا به جماعة منهم: الشيخ أبو العباس أحمد بن عبد الله القونكي يعرف بالعطار قالا: حدثتنا الحرة الفاضلة كريمة بنت أحمد الكشميهنية بالحرم الشريف قالت: سمعته على الأديب أبي الهيثم الكشميهني.
قال ذو النسبين أيده الله:
وأجازنا (به) إجازة عامة أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي الصوفي، قال: نا جمال الإسلام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي قراءة عليه وأنا أسمع، ببوشنج سنة خمس وستين وأربعمائة، أنبأنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن حمويه السرخسي، قالا: أنبأ أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري، أنبا الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن المغيرة البخاري (...)
ويلاحظ على هذا الإسناد ما يلي:
١ - الشيخ المسمع صاحب الإسناد: هو ذو النسبين أبو الخطاب عمر بن الحسن بن علي الأندلسي، ولد أبو الخطاب ابن دحية في ذي القعدة سنة سبع - أو ثمان - وأربعين وخمسمائة، وقيل: سنة (٥٤٤) هـ، وقيل غير ذلك، وتوفّي في انفجار الفجر ليلة الثلاثاء، رابع عشر ربيع
стр. 265
الأول، سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم، وهو إمام مشهور، قد حدث في رحلته بـ «صحيح البخاري»، وغيره (١).
وهذا المجلس يبدو أنه كان في مصر، لما قدمها وبنيت له دار الحديث فيها، والنسخة مكتوبة بخط أقدم من الخط الذي كتب به الإسناد، وكلا الخطين مشرقي، فالسماع في المشرق، والنسخة مكتوبة في المشرق أيضا، ولعلها كتبت في مصر، فالسماع وإن لم يكن مؤرخا إلا أنه لا شك قبل أن يصرف عن التدريس في دار الحديث.
٢ - لذي النسبتين إسنادان عن كريمة، وإسنادان عن الفربري.
أما روايته عن كريمة، فقد ذكر الإسناد الأول من طريق الشنتريني شيخ شيخه، وهو عيسى بن محمد بن عبد الله بن عيسى بن مؤمل بن أبي البحر الشيخ العالم المعمر، أبو الإصبع، الزهري، الشنتريني.
رحل إلى المشرق فسمع من كريمة، والحبال، وأبي معشر الطبري، وأبي الوليد الباجي، وابن دلهاث، وعدة، أخذ الناس عنه، وسكن العدوة.
قال ابن بشكوال: كتب لي القاضي أبو الفضل أنه توفي نحو سنة ثلاثين وخمسمائة، وأنه أخذ عنه.
وروى عنه أبو بكر بن خير، وقد روى ابن دحية عن ابن خير عنه، عن كريمة من «الصحيح» (٢) أهـ.
والثاني: من طريق أبي العباس العطار القونكي، نسبة إلى قونكة مدينة بالأندلس.
стр. 266
وأما عن الفربري، فطريق كريمة عن الكشميهني عنه، وطريق الداودي عن السرخسي عنه.
وهذان الإسنادان غير إسناد النسخة، فإنها نسخة أبي زيد المروزي عن الفربري.
ولأنه لم يثبت على النسخة الإسناد إلى أبي زيد، فإن ذلك قد يحتمل أن تكون هي نسخة أبي زيد نفسه، أو منسوخة من نسخته مباشرة، كما ذكر آنفا، والله أعلم بحقيقة الحال.
المقابلات والمراجعات:
ثبت في الصفحة الأولى من النسخة ما صورته:
قال محمد بن أحمد المصعولي: قابلت نسختي هذه بنسخة مقابلة بأصل عليه خط أبي الوقت، وعلمت له: (قت)، ولماسقط عنده: (س قت)، هكذا؛ ليعلم ذلك.
وكان معنا نسخة بأصل أبي ذر، فما كان فيه أيضا من الخلاف عليه: (ذ) فإنه له، وما كان عليه: (خ) فإنه له نسخة، والله الموفق.
فالمصعولي هذا قابل النسخة، وليست النسخة الأصل بخطه، بل حشاها بالمقابلة على روايتين أخريين، هما رواية أبي الوقت وأبي ذر، وخطه في النسخة مميز عن خط الأصل.
وهذه الطريقة التي اعتمدها هي طريقة العلماء في ضبط البخاري وتحقيقه.
وسأذكر في الخاتمة المنهج العلمي في تحقيق البخاري، والله الموفق.
стр. 267
المبحث الثالث
رِواية أبي إسحاق المُسْتَمْلِيّ (٣٧٦) ه ـ
اسمه ونسبه (١):
هو إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن داود، أبو إسحاق المُسْتَمْلِيّ - بضم الميم وسكون السين المهملة وفتح التاء - نسبة إلى الاستملاء، وكان مستمليًا على أبي بكر عبد الله بن محمد بن علي الطرخاني الحافظ (٢)، البلخي نسبة إلى بلخ، وهي مدينة خراسان العظمى، ويقال: إنها وسطى بلاد خراسان. راوي «الصحيح» عن الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ.
لم أقف له على أخبار مفصلة.
حدث عنه: أبو ذر عبد بن أحمد، وعبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمداني بالأندلس، والحافظ أحمد بن محمد بن العباس البلخي. وأبو عبد الله محمد بن أحمد ابن محمد النجار الحافظ ببخارى.
كان سماعه لـ «الصحيح» من الفَرَبْريّ في سنة أربع عشرة وثلاثمائة.
قال أبو الوليد الباجي: وأبو إسحاق المُسْتَمْلِيّ ثقة مشهور. (٣)
وقال أبو ذر الهَرَويّ: كان من الثقات المتقنين ببلخ، طوف وسمع
стр. 268
الكثير، وخرّج لنفسه معجمًا، توفي سنة ست وسبعين وثلاثمائة.
وقال فيه السَّمْعاني: كان عالمًا عارفًا بأحاديث أهل بلخ ومشايخهم والتواريخ، وجمع علومهم، وكان بندارًا في الحديث.
توفي سنة ست وسبعين وثلاثمائة ببلخ.
وقال فيه الذَّهَبِيّ: الإمام المحدث الرحال الصادق .. راوي «الصحيح» (١).
وقال ابن العماد: وكان ثقة صاحب حديث (٢).
روايته لـ «الصحيح»
كان أبو إسحاق من الثقات المتقنين، فقد سمع «الصحيح» من الفَرَبْريّ في سن مبكرة حيث سمعه من الفَرَبْريّ في سنة أربع عشرة وثلاثمائة.
قال ابن رشيد في «إفادة النصيح»: وبسندنا إلى أبي ذر قال: وكان سماعه - يعني: أبا إسحاق المُسْتَمْلِيّ - من الفَرَبْريّ في سنة أربع عشرة وثلاثمائة (٣).
وقال أبو الوليد الباجي في «التعديل والتجريح»: أنا أبو ذر، ثنا أبو إسحاق المُسْتَمْلِيّ إبراهيم بن أحمد قال: انتسخت كتاب البُخارِيّ من أصله، كان عند محمد ابن يوسف الفَرَبْريّ فرأيته لم يتم بعد، وقد بقيت عليه مواضع مبيضة كثيرة، منها تراجم لم يُثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم عليها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض.
стр. 269
ومما يدل على صحة هذا القول أن رِواية أبي إسحاق المستلمي، ورِواية أبي محمد السَّرْخَسي، ورِواية أبي الهيثم الكُشْمِيهَني، ورِواية أبي زيد المَرْوَزيّ - وقد نسخوا من أصل واحد - فيها التقديم والتأخير، وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم في ما كان في طرة أو رقعة مضافة أنه من موضعٍ ما فأضافه إليه، ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين أو أكثر من ذلك متصلة ليس بينهما أحاديث.
وإني أوردت هذا لما عُني به أهل بلدنا من طلب معنى يجمع بين الترجمة والحديث الذي يليها، وتكلفهم - في تعسف - التأويلَ ما لا يسوغ اهـ (١).
ويقول ابن حجر معلقًا على ذلك: وهذه قاعدة حسنة يفزع إليها حيث يتعسر وجه الجمع بين الترجمة والحديث، وهي مواضع قليلة جدًّا ستظهر كما سيأتي إن شاء الله تعالى اهـ (٢).
وقال ابن رشيد: وإنما وقع للبخاري ﵁ هذا - أي ترك أماكن مبيضة من الكتاب - لما كان عليه من النفوذ في غوامض المعاني والخلوص من مبهماتها والغوص في بحارها والاقتناص لشواردها، وكان لا يرضى إلا بدرة الغائص وطيبة القانص، فكان ﵁ يتأنى ويقف وقوف تخير لا تحير؛ لازدحام المعاني والألفاظ في قلبه ولسانه، فحم له الحِمام ولم تمهله الأيام اهـ (٣).
وهذه الرِّواية أشهرها الإمام الحافظ أبو ذر عبد بن أحمد مع قرينيه
стр. 270
أبي محمد الحَمُّوييّ وأبى الهيثم الكُشْمِيهَني.
وستأتي ترجمتهما ويأتي مزيد تفصيل لهذه الرِّواية عند الحديث عن رِواية أبي ذر الهَرَويّ.
стр. 271
المبحث الرابع
رِواية أبي محمد الحَمُّوييّ (٣٨١) ه ـ
اسمه ونسبه (١):
هو عبد الله بن أحمد بن حمويه بن مردويه بن أحمد بن يوسف بن أعين السَّرْخَسي، يكنى أبا محمد، ويشتهر بالحَمُّوييّ.
قال ابن ناصر الدين بعد أن ساق نسبه (٢): وجدته هكذا منسوبًا في عدة مواضع من نسختي بـ «صحيح البُخارِيّ» قرئت على الحَمُّوييّ في سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، وقرئت كلها في سنة ثمان وسبعين، وقبلها على أبي بكر محمد بن حَمّ، كلاهما عن الفَرَبْريّ اهـ.
واشتهر بالحَمُّوييّ نسبة إلى جده جريا على عادة أهل المشرق (٣).
стр. 272
وينسب أيضا عبد الله بن أحمد الحمويي، ويقال له السَّرْخَسي وهي نسبة إلى سَرخَس من مدن خراسان، ويقال لها سَرْخَس بفتح السين وسكون الراء وفتح الخاء المعجمة وآخره سين مهملة، وسُرخس بضم السين. وكثيرًا ما ينسبه الإمام أبو الفرج ابن الجوزي (٥٩٧ هـ) إلى جده الأعلى أعين، ولد الحَمُّوييّ عام ثلاثة وتسعين ومائتين. ونزل بوشنج وهراة، وكان رحل إلى بلاد ما وراء النهر.
شيوخه:
سمع عبد الله الحَمُّوييّ سنة ست عشرة وثلاثمائة من الفَرَبْريّ بفربر «صحيح البُخارِيّ»، سمع بسمرقند أبا عمر العباس بن عمر السمرقندى راوي الدارمي، أبا إسحاق إبراهيم بن خزيم الشاشي راوي «مسند عبد بن حميد» وغيرهم.
تلاميذه:
سمع منه «صحيح البُخارِيّ» وحدث به عنه الحافظان جمال الإسلام أبو الحسن الداودي وأبو ذر الهَرَويّ مقيم مكة شرفها الله تعالى.
كما حدث عنه أبو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم القراب، ومحمد بن عبد الصمد الترابي المَرْوَزيّ، وعلي بن عبد الله ومحمد بن أحمد بن
стр. 273
محمد الهَرَويّان.
ثناء العلماء عليه:
قال أبو ذر الهَرَويّ: قرأت عليه وهو ثقة وصاحب أصول حسان (١).
وقال ابن رشيد: وكان أبو محمد ثقة حافظًا عدلًا.
ونقل ابن رشيد عن أبي الوليد سليمان بن خلف أنه قال: أبو محمد الحَمُّوييّ شيخ ثقة (٢).
وقال فيه الذَّهَبِيّ: الإمام المحدث الصدوق المسند .. خطيب سَرخس (٣).
وقال فيه ابن العماد: المحدث الثقة (٤).
وله جزء مفيد عد فيه أبواب «الصحيح» وعد ما في كل كتاب من الأحاديث، فأورد ذلك الشيخ محيي الدين في «مقدمة ما شرح من الصحيح» ويعتبر حديثه أعلى شيء يروى في سنة ثلاثين وسبعمائة عند أبي العباس الحجار اهـ (٥).
وفاته:
قال ابن النقطة في «التقييد» (٦): قرأت في تاريخ أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم القراب الحافظ: توفي أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه
стр. 274
السَّرْخَسي في ذي الحجة لليلتين بقيتا منه سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. اهـ.
وقال أبو ذر بعد أن ذكر وفاة المُسْتَمْلِيّ في سنة ست وسبعين وثلاثمائة: والحَمُّوييّ بعده ولا أحقه في أي سنة (١).
وروايته قد اشتهرت من خلال راويين:
الأول: هو أبو ذر الهَرَويّ (٤٣٤) هـ، وقد أشهرها مع قرينيه المُسْتَمْلِيّ والكُشْمِيهَني. وسيأتي الحديث بالتفصيل عن هذه الرِّواية (رِواية أبي ذر).
الثاني: أبو الحسن الدّاوُدِيّ (٤٦٧) هـ
اسمه ونسبه (٢) هو الإمام العلامة، الورع، القدوة، جمال الإسلام، مسند الوَقْت، أبو الحسن، عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود بن أحمد بن معاذ بن سهل بن الحاكِم بن شيرزاد الدّاوُدِيّ - نسبة إلى جده الأعلى داود بن أحمد - البُوشَنْجِي.
مولده:
ولد الدّاوُدِيّ في ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وثلاثمائة (٣).
شيوخه: روى الدّاوُدِيّ عن أئمة كبار منهم: أبو بكر القفال المَرْوَزيّ،
стр. 275
وأبو الطيب سهل الصعلوكي، وأبو حامد الإسفراييني، وأبو سعيد يحيى بن منصور الفقيه، وأبو الحسن بن الصلت المجبر، وعلي بن عمر التمار، وأبو عبد الله الحاكِم الحافظ، وأبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح، وأبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السَّرْخَسي، وهو آخر الرُّواة عنه. وجماعة كثيرة من هذه الطبقة.
قال السبكي: وما أظن شافعيًا اجتمع له مثل هؤلاء الشيوخ (١).
تلاميذه:
روى عنه: أبو الوَقْت عبد الأول بن عيسى السجزي بهراة، وهو أجل من روى عنه، وأبو الحسن مسافر، وأبو محمد أحمد ابنا محمد بن علي البسطامي بنيسابور، وأبو المحاسن أسعد بن علي الحنفي بمالين، وأم الفضل عائشة بنت أبي بكر بن بحر البلخي ببوشنج، وغيرهم.
سماعاته:
سمع «الصحيح» في صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، و «مسند عبد بن حميد»، و «تفسيره»، و «مسند أبي محمد الدارمي» من أبي محمد بن حمويه السَّرْخَسي ببوشنج، وتفرد في الدنيا بعلو ذلك.
رحلاته:
رحل إلى: نيسابور وقرأ الفقه على أبي الطيب سهل الصعلوكي.
وكان حال التفقه يحمل ما يأكله من بلاده احتياطًا وتورعًا.
ورحل إلى هراة، وسمع أبا محمد عبد الرحمن بن أبي شريح.
ومرو، وقرأ الفقه على أبي بكر القفال المَرْوَزيّ. وسمع فيها من أبي عبد الله الحاكِم الحافظ، وابن يوسف، وابن يحمش.
стр. 276
وبغداد، وسمع فيها من: أبي الحسن بن الصلت المجبر، وابن مهدي الفارسي، وعلي بن عمر التمار، وكان مجيئه إلى بغداد سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، فأقام بها أعوامًا. وقرأ على أبي حامد الإسفراييني حتى برع في المذهب والخلاف، ثم عاد إلى بوشنج وقرأ على أبي سعيد يحيى بن منصور الفقيه، وأخذ في التدريس والفتوى والتصنيف، وعقد مجالس التذكير ورِواية الحديث إلى أن توفي.
زهده وورعه:
قيل: إنه كان يبالغ في الورع، ومحاسنه جمة.
وقال أسعد بن زياد: كان شيخنا الدّاوُدِيّ بقي أربعين سنة لا يأكل لحما، وقت تشويش التركمان، واختلاط النهب، فأضر به، فكان يأكل السمك، ويصطاد له من نهر كبير، فحكي له أن بعض الأمراء أكل على حافة ذلك النهر، ونفضت سفرته وما فضل في النهر، فما أكل السمك بعد (١).وقال المختار بن عبد الحميد البُوشَنْجِي: صلى أبو الحسن الدّاوُدِيّ أربعين سنة ويده خارجة من كمه استعمالا للسنة، واحتياطا لأحد القولين في وضع اليدين، وهما مكشوفتان حالة السجود.
قال السلفي: سألت المؤتمن عن الدّاوُدِيّ، فقال: كان من سادات رجال خراسان، ترك أكل الحيوانات وما يخرج منها منذ دخل التركمان ديارهم.
قال أبو القاسم عبد الله بن علي، أخو نظام الملك: كان أبو الحسن الدّاوُدِيّ لا تسكن شفته من ذكر الله، فحكي أن مُزينًا أراد قص شاربه،
стр. 277
فقال: سكن شفتيك. قال: قل للزمان حتى يسكن.
ودخل أخو نظام الملك عليه، فقعد بين يديه، وتواضع له، فقال لأخي: أيها الرجل! إنك سلطك الله على عباده، فانظر كيف تجيبه إذا سألك عنهم (١).
ثناء العلماء عليه:
قال ابن النجار: كان من الأئمة الكبار في المذهب، ثقة، عابدا، محققا، درس وأفتى، وصنف ووعظ (٢).
قال ابن الجوزي: درس وأفتى ووعظ وصنف، وكان له حظ من النظم والنثر وكان لا يفتر عن ذكر الله تعالى (٣).
قال السَّمْعاني: وجه مشايخ خراسان فضلا عن ناحيته، والمشهور في أصله وفضله وسيرته وورعه، له قدم راسخ في التقوى.
يستحق أن يطوى للتبرك بلقائه فراسخ، وفضله في الفنون مشهور، وذكره في الكتب مسطور، وأيامه غرر وكلماته درر (٤).
قال السبكي: وكان فقيها إماما صالحا زاهدا ورعا شاعرا أديبا صوفيا، وقد سمع مشايخ عدة وكان يصنف ويفتي ويعظ ويكتب الرسائل الحسنة (٥).
قال الحافظ أبو محمد عبد الله بن يوسف الجُرْجانيّ: شيخ عصره، وأوحد دهره، الإمام المقدم في الفقه والأدب والتفسير، وكان زاهدا ورعا
стр. 278
حسن السمت، بقية المشايخ بخراسان، وأعلاهم إسنادا، وكان سماعه لـ «الصحيح» في صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وهو ابن ست سنين (١).
قال الصفدي: كان من الأئمة الكبار في معرفة المذهب والخلاف والأدب مع علو الإسناد، وله حظ من النظم والنثر (٢).
قال اليافعي: شيخ خراسان علمًا وفضلًا وجلالة وسندًا (٣).
وفاته:
قال الحسين بن محمد الكتبي: توفي ببوشنج (٤) في شوال، سنة سبع وستين وأربعمائة (٥).
روايته لـ «الصحيح»
قال علي بن سليمان المرادي: كان أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل يقول: سمعت «الصحيح» من أبي سهل الحَفْصيّ، وأجازه لي الدّاوُدِيّ، وإجازة الدّاوُدِيّ أحب إلي من السماع من الحَفْصيّ.
وقد سمع الدّاوُدِيّ «الصحيح» من السَّرْخَسي، وهو يعتبر آخر من رواه عنه، وذلك في صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وسمعه منه أبو
стр. 279
الوَقْت السجزي.
ويمكن القول أن أبا الوَقْت هو أجلُّ من روى «الصحيح» عن الدّاوُدِيّ، والعمدة عند العلماء في رِواية الدّاوُدِيّ من طريق أبي الوَقْت؛ ولذا قد أفردت هذه الرِّواية في الفَصْل الخاص بأشهر الروايات عن أبي ذر الهَرَويّ.
стр. 280
المبحث الخامس
رِواية أبى الهيثم الكُشْمِيهَني (٣٨٩) ه ـ
اسمه ونسبه (١):
هو محمد بن المكي بن محمد بن المكي بن زُراع بن هارون بن زراع الكُشْمِيهَني المَرْوَزيّ، يكنى أبا الهيثم.
وزُراع اختلف العلماء في ضبطها، فقال ابن رشيد (٢): بزاي في أوله مضمومة، بعدها راء مفتوحة خفيفة، كذا قيده غير واحد، وبالتخفيف ضبط في الأصل العتيق المسموع على أبي ذر بمكة، وكذلك قرأته بخط المتقن أبي بكر بن خير. اهـ.
قلت (الباحث): وجرى على ذلك ابن ماكولا في «الإكمال» (٣) والمرتضى الزبيدي في «تاج العروس» تبعًا لصاحب «القاموس» (٤).
لكن ابن النقطة في كتابه «تكملة الإكمال» نص على التشديد، ونص عبارته: وأما زراع أوله زاي بعدها راء مشددة مفتوحة، فهو أبو القاسم
стр. 281
محمد بن المكي (١).
والكُشْمِيهَني - بضم الكاف وسكون الشين المعجمة وكسر الميم، وبعدها ياء لينة، وفتح الهاء ثم نون بعدها ياء النسب - منسوب إلى قرية كشميهن وهي في خراسان، وهي من عمل مرو، وبينها وبين مرو خمسة فراسخ. ويقال فيها أيضا: كشماهن بالألف بدل الياء وينسب إليها فيقال كشماهني (٢).
شيوخه:
رحل أبو الهيثم الكُشْمِيهَني إلى العراق والحجاز، وأدرك الشيوخ فسمع بفربر أبا عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفَرَبْريّ، سمع منه «صحيح البُخارِيّ» وبمرو عمر بن أحمد بن علي الجوهري، وبسرخس أبا العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي (٣٢٥) هـ (٣)، وبنيسابور أبا العباس محمد بن يعقوب الأصم، وبالري أبا حاتم محمد بن عيسى الوسقندي (٣٤١) هـ (٤)، وببغداد أبا محمد جعفر بن محمد بن نصير الخلدي، وبالكوفة أبا الحسن علي بن محمد بن محمد بن عقبة الشيباني، وبمكة أبا سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي وجماعة كثيرة سواهم.
تلاميذه:
روى عنه «الصحيح» كثيرون منهم:
أبو ذر الهَرَويّ، وأبو عثمان سعيد بن محمد البحيري، وأبو الخير
стр. 282
محمد بن أبي عمران الصفار، وأبو سهل محمد بن أحمد الحَفْصيّ، وكريمة المَرْوَزيّة.
كما سمع منه أبو عبد الله محمد بن علي بن حسن الخبازي الجُرْجانيّ (٤٤٩) هـ المقري مقيم بنيسابور إمام القراء في عصره، وأبو بكر محمد بن أبي سعيد بن سختويه الإسفرايني، وأبو عبد الله محمد بن أحمد الغُنْجار البُخارِيّ، وأبو العباس جعفر بن محمد بن المعتز المُسْتَغْفريّ الحافظ، وإسماعيل بن أحمد بن عبد الله الحيري النيسابوري الضرير (١)، وجماعة غيرهم.
ثناء العلماء عليه:
عرف العلماء لأبي الهيثم قدره ومكانته حيث كان يشد إليه الرحال؛ طلبًا لسماع «صحيح البُخارِيّ» منه، فقد سمع «الصحيح» من الفَرَبْريّ في سنة عشرين وثلاثمائة.
كما أنه عمَّر حتى اعتبره بعض العلماء آخر الرُّواة عن الفَرَبْريّ موتًا.
قال ابن رشيد الفهري في «الإفادة» (٢) وبسندنا إلى أبي ذر قال: وذكر أبو الهيثم أنه سمع الكتاب من الفَرَبْريّ بفربر في ربيع الأول سنة عشرين وثلاثمائة، وروى أيضًا عن غير الفَرَبْريّ، ووجدت لأبي ذر في «معجمه» قال: وأرجو أن يكون ثقة: اهـ.
ثم ساق بسنده إلى أبي الوليد قال: وأبو الهيثم الكُشْمِيهَني صاحب عربية، روينا بإسناد عن الحافظ أبي بكر بن ياسر الجَيّانيّ أنه قال فيه: إمام
стр. 283
أديب ثقة. اهـ (١).
وقال السَّمْعاني في «الأنساب»: اشتهر في الشرق والغرب بروايته كتاب «الجامع»؛ لأنه آخر من حدث بهذا الكتاب غالبًا بخراسان، كان فقيها أديبًا زاهدًا ورعًا، رحل إلى العراق والحجاز وأدرك الشيوخ (٢).
وقال الذَّهَبِيّ في «السير»: المحدث الثقة، وقال: وكان صدوقًا (٣).
وقال ابن نقطة نقلا عن ابن السَّمْعاني في «أماليه»: وكان يُرحل إليه في سماع كتاب «الصحيح» وهو آخر من حدث بذلك الكتاب بمرو عن الفَرَبْريّ، وبقي بعده أبو علي الكُشّانيّ يرويه عن الفَرَبْريّ بكشانية، وكان يسمع قبل أبى الهيثم بمرو من الشيخ الإمام أبي زيد الفاشاني، فلما توفي سمعوه من أبي علي الشَّبُّويي، فلما توفي سمعوه من أبي الهيثم، وحل أبو الهيثم البلد سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة وقرئ عليه الكتاب في مسجد عبدان إلى أوائل شهور سنة تسع وثمانين، وسمع منه الخلق الكثير. اهـ (٤).
وفاته:
أجمع كل من ترجم للكشميهني أن وفاته كانت في يوم عرفة سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، ولكن نقل ابن النقطة في «التقييد» (٥) عن محمد بن طاهر المقدسي أنه قال: وتوفي - على ما بلغني - في سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، فإن صحت وفاة أبي الهيثم فيكون آخر من مات، يعني: من أصحاب الفَرَبْريّ. اهـ.
стр. 284
قلت: ولكن الصحيح ما ذهب إليه الجمهور من أن وفاته كانت سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، وهو بذلك آخر من مات من أصحاب الفَرَبْريّ بمرو والله أعلم.
وروايته هذه اشتهرت من خلال ثلاثة من الرُّواة:
الأول: أبو ذر الهَرَويّ (٤٣٤) هـ وسيأتي الحديث تفصيلًا عن هذه الرِّواية التي قرن فيها الكشميهني مع روايتي المُسْتَمْلِيّ والسَّرْخَسي.
الثاني: الصالحة كريمة المَرْوَزيّة (٤٦٣) هـ وقد أفردتُ هذه الرِّواية في الفَصْل الخاص بأشهر الروايات عن الفَرَبْريّ
الثالث: أبو سهل الحَفْصيّ ت (٤٦٦) هـ
اسمه ونسبه (١):
هو محمد بن أحمد بن عبيدالله بن عمر بن سعيد بن حفص، أبو سهل الحَفْصيّ المَرْوَزيّ راوي «الصحيح» عن أبي الهيثم الكُشْمِيهَني.
كان رجلًا مباركًا من العوام عُرِفَ بروايته «الصحيح» عن الكُشْمِيهَني.
وحدث عنه بـ «الصحيح» كثيرون منهم: إسماعيل المؤذن، وأبو حامد الغزالي، ووجيه الشحامي وآخرون.
قال عبد الغافر الفارسي في «المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور» (٢): شيخ مستور سليم النفس والجانب، ظهر له سماع «صحيح البُخارِيّ» عن الكُشْمِيهَني بمرو، وهو آخر من رواه عنه فيما أظنه، فسمع
стр. 285
منه المشايخ بمرو، وظهر له العز والقبول بذلك السماع، وحمل إلى نيسابور بسبب ذلك، وأكرمه نظام المُلكِ، وقرئ عليه «الصحيح» في المدرسة النظامية، وحضر أولاد القضاة والأئمة والرؤساء، واتفق له مجلس قام بهم وبالفقهاء قل ما عهدنا مثله، وكنا حاضرين، ولما فرغ منه ردَّه مكرمًا إلى مرو، وكان من جملة العوام، إلا أنه كان صحيح السماع كما ذكر ... وكان حضوره سنة خمس وستين وأربعمائة. اهـ.
وقال السَّمْعاني في «الأنساب»: شيخ سليم الجانب لا يفهم شيئًا من الحديث غير أنه صحيح السماع، سمع «الجامع الصحيح» عن أبي الهيثم محمد بن المكي الكُشْمِيهَني، وحمله نظام الملك أبو علي الوزير إلى نيسابور حتى حدث بهذا الكتاب بها، وسمع منه أكثر علماء الوَقْت بنيسابور، وقرئ عليه الكتاب في المدرسة النظامية، روى لي عنه أبو عبد الله محمد بن الفضل الفُراويّ جميع «صحيح البُخارِيّ» وأبو محمد عبد الجبار بن محمد الخواري، وأبو القاسم زاهر وأبو بكر وجيه ابنا طاهر الشحامي وجماعة سواهم، وآخر من حَدَّثَنا عنه أبو الأسعد هبة الرحمن بن عبد الواحد القشيري (١) اهـ.
وفاته: توفى رحمه الله تعالى في سنة ست وستين وأربعمائة.
روايته لـ «الصحيح»:
أبو سهل الحَفْصيّ لم يعرف إلا بروايته لـ «الصحيح» وكما ذكر عبد الغافر الفارسي فإن سماعه صحيح، وتأخر وفاته جعل إسناده عاليًا، فلذا أقبل العلماء على روايته واشتهرت روايته في نيسابور؛ نظرًا لسماع حفاظ وقته منه عندما حدث به في المدرسة النظامية، وحضر مجلسه أولاد القضاة