← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 17062

روايات الجامع الصحيح ونسخه «دراسة نظرية تطبيقية»

جمعة فتحي عبد الحليم

Полный текст (885 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقال أيضًا في «التذكرة»: الإمام العلامة الحافظ .. شيخ الحرم (١). وقال ابن رشيد: وغلب عليه الحديث، وكان فيه إمامًا. قال ابن بشكوال: كان حافظًا فاضلًا على هدي السلف الصالح. وذكر الحافظ السلفي أنه سأل عنه أبا نصر الساجي فقال: ثقة ورع (٢). وقال فيه حاتم بن محمد أبو القاسم الطرابلسي: كان أبو ذر مالكيًّا خيرًا فاضلًا متقللًا من الدنيا، يُبْصِر الحديث وعِلَلَه ويميز الرجال (٣). مصنفاته: ذكر القاضي عِياض في «المدارك» مصنفات لأبي ذر الهَرَويّ، ونقلها عنه الذَّهَبِيّ وغيره، ومن هذه المصنفات. ١ - كتابه الكبير وهو «المسند الصحيح المخرج على البُخارِيّ ومسلم». كذا سماه القاضي عِياض في «المدارك» وذكره غير واحد، وقال: خرج على الصحيحين تخريجًا حسنًا كما قال عبد الغافر في «تاريخ نيسابور» فيما نقله عنه الذَّهَبِيّ وغيره. وذكره ابن خير الإشبيلي في مؤلفات أبي ذر التي رواها من طريق أبي العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري عن أبي ذر ﵀ (٤). ٢ - «المستدرك على الصحيحين» وهو كتاب استخرجه على «إلزامات الدارقطني».

стр. 317

قال الذَّهَبِيّ في «السير» (١): له مستدرك لطيف في مجلد على الصحيحين علقت منه، يدل على معرفته. اهـ. وقال ابن حجر في ترجمة بشر بن سحيم في «تهذيب التهذيب»: أخرج أبو ذر حديثه في «مستدركه» الذي استخرجه على «إلزامات الدارقطني».اهـ. وذكر هذه العبارة في عدة مواضع من كتابه، انظر ترجمة: ثابت بن وديعة، والحارث بن مالك بن قيس، وحبيب بن سلمة، وحمل بن مالك بن النابغة، ويسار ابن عبد أبي عزة. في كل هذه المواضع يقول: أخرج أبو ذر حديثه في «المستدرك» المستخرج على «الإلزامات». وذكره ابن حجر أيضًا في كتابه «المعجم المفهرس» أو تجريد أسانيد الكتب المشهورة (٢). قال: «المستخرج على الإلزامات»: تخريج أبي ذر الهَرَويّ للأحاديث التي ذكر الدارقطني أن الشيخين يلزمهما إخراجهما لثبوتهما على شرطيهما، وهي مرتبة على المسانيد في مجلد لطيف. ثم ساق ابن حجر إسناده إلى هذا الكتاب من رِواية شريح بن محمد القاضي، عن محمد بن أحمد بن منظور، عن أبي ذر. وذكره ابن خير الإشبيلى في «فهرسته» (٣) عقب كتاب «الإلزامات» للدارقطني ثم قال: وتخريج الإلزامات المذكورة تأليف أبي ذر الهَرَويّ أربعة أجزاء، حدثني به الشيخ أبو الحسن علي بن عبد الله بن موهب، عن

стр. 318

أبي العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري، عن أبي ذر مؤلفه ﵀ اهـ. ٣ - كتاب «فوائد أبي ذر الهَرَويّ» (١). وهي مروية بسند متصل إلى أبي ذر الهَرَويّ، وهو جزء صغير جمع فيه مؤلفه أحاديث من موضوعات شتى، ولم يرتبها ترتيبًا واضحًا، بل ساق الأحاديث والآثار بعضها إثر بعض. وبلغ عدد النصوص الواردة بهذا الجزء إحدى وعشرين نصًّا تتنوع بين أحاديث مرفوعة وآثار موقوفة، ولم يلتزم الصحة فيما يورده. ٤ - كتاب «المعجم» وقد اشتهر باسم «معجم أبي ذر الهَرَويّ» وهذا الكتاب ذكره ابنُ حجر في «اللسان» ترجمة محمد بن عبد الله أبي الفضل الشيباني قائلًا: وقال أبو ذر: كتبت عنه في «المعجم» للمعرفة، ولم أخرج عنه في تصانيفى شيئًا اهـ (٢) ذكره ابن خير الإشبيلي في «فهرسته» (٣). قال: حدثني به شيخنا الفقيه أبو القاسم أحمد بن محمد بن بقي ﵀ قراءة مني عليه، والشيخ أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث ﵀ مناولة منه لي، قالا: نا به الشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد بن أحمد بن منظور القيسي ﵀، سماعًا منهما عليه بقراءة أبي على الغساني، قال ابن مغيث: وفاتني منه شيء من أوله فأجازه لي، وحديثان عن أبي ذر عبد بن أحمد الهَرَويّ مؤلفه ﵀ اهـ. وذكره الكتاني في «فهرس الفهارس» وقال - بعد أن عرّف بأبي ذر

стр. 319

الهَرَويّ -: له معجم في مجلد قال في أوله: الحمد لله أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه، وأعوذ بالله من شر نفسي وسيئات عملي، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له .. إلى أن قال: وبعد، فإني أذكر في هذا عن شيوخي الذين كتبت عنهم في سائر البلدان عن كل واحد ما تيسر على حروف المعجم، باب الألف منهم: من اسمه أحمد. ولأبي ذر جزء آخر فيه أسماء شيوخ كثيرة رآهم ولم يكتب عنهم، وعدة من في «معجمه» هذا المذكور ثلاثمائة رجل وثلاثون رجلًا إلا رجلين، وله عن امرأة واحدة، وعدة ما فيه من الأحاديث ستمائة وعشرون حديثا. أرويه من طريق عِياض عن أبي علي الغساني عن ابن عبد البر عنه (١). اهـ. ٥ - كتاب «مناسك الحج». ذكره ابن خير الإشبيلي في «فهرسته» (٢) وقال: حدثني به شيخنا الخطيب أبو الحسن شريح بن محمد بن شريح المقري قراءة عليه وأنا أسمع مرات، قال: حدثني بها أبي ﵀ قراءة مني عليه، والشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عيسى بن منظور ﵀ قراءة عليه وأنا أسمع، قالا: نا بها أبو ذر عبد بن أحمد مؤلفها ﵀، وكان سماع أبي محمد بن شريح لها على أبي ذر في ذي الحجة من سنة (٤٣٣) هـ اهـ. كما ذكره أيضا ابن خير (٣) من مرويات أبى القاسم أحمد بن بقي وأبي الحسن علي بن موهب، عن أبى العباس بن عمر العذرى، عن أبى ذر ﵀.

стр. 320

وذكره الذَّهَبِيّ في «السير» (١) وحاجي خليفة في «كشف الظنون». ونقل منه ابن كثير في «البداية والنهاية» (٢). ٦ - «مسانيد الموطأ». ذكره ابن خير الإشبيلي في «فهرسته» (٣) وذكر أن هذا الكتاب من مروياته عن أبي الحسن شريح بن محمد عن أبي عبد الله عن أبي ذر. وذكره ابن رشيد باسم «مسانيد الموطآت» (٤). ٧ - «فهرسة الشيخ أبي ذر عبد بن أحمد الهَرَويّ». كذا ذكرها ابن خير الإشبيلى (٥) وذكر أنها من مروياته التي رواها عن أبي الحسن شريح بن محمد عن أبيه وعن أبي عبد الله بن منظور، كلاهما عن أبي ذر، كما أجازه بها أبو الحسن علي بن عبد الله بن موهب، عن أبي الوليد الباجي، عن أبي ذر، ويحتمل أن يكون هو «المعجم». ٨ - «فضائل القرآن». ذكره ابن خير في «الفهرسة» (٦) وذكر أنه من مروياته عن أبي الحسن علي بن عبد الله بن موهب، وأبي القاسم أحمد بن محمد بن بقي، كلاهما عن أبي العباس العذري عن أبي ذر. ٩ - «كتاب العيدين» ذكره ابن خير في «الفهرسة» (٧) من مؤلفات أبي ذر

стр. 321

رحمه الله ومن مروياته عن أبي الحسن علي بن عبد الله بن موهب، وابن بقي عن العذري عن أبي ذر. كما ذكره الذَّهَبِيّ في «السير» (١). ١٠ - كتاب «الربا واليمين الفاجرة وشهادة الزور»، كذا ذكره ابن خير الإشبيلي في «فهرسته» (٢)، وذكره ابن رشيد الفهرى في «الإفادة» (٣) وجعل «شهادة الزور» كتابًا مستقلًا. ١١ - كتاب «السنة والصفات»: ذكره ابن رشيد كذلك (٤)، وذكره ابن خير الإشبيلي مقتصرًا على «السنة» فقط، وذكر أنه من مروياته التي رواها عن شيخه أبي الحسن شريح بن محمد عن أبيه، وخاله أبي عبد الله أحمد بن محمد الخولاني، وأبي عبد الله محمد بن أحمد بن منظور، كلهم عنه (٥). وذكره الذَّهَبِيّ في «سير أعلام النبلاء» فقال: لأبي ذر الهَرَويّ مصنف على منوال كتاب أبي بكر البيهقي بحَدَّثَنا وأَخْبَرَنا اهـ (٦). ١٢ - «دلائل النبوة»: ذكره ابن خير في «الفهرسة» (٧) من مؤلفات أبي ذر الهَرَويّ التي رويت له عن شيخيه ابن بقي وابن موهب، كلاهما عن العذري، عن أبي ذر.

стр. 322

وذكره ابن رشيد في «الإفادة» (١). وذكره الذَّهَبِيّ في «السير» (٢) و «تذكرة الحفاظ» (٣) نقلا عن عِياض. ١٣ - «حديث الجِعرانة وخيبر». ذكره ابن رشيد في «الإفادة» (٤)، وذكره ابن خير في «الفهرسة» (٥) وتحرف في المطبوع إلى (المعدانة) و (حنين). ١٤ - «بيعة العقبة». ذكره ابن رشيد (٦) وكذا ابن خير في «فهرسته» (٧). ١٥ - كتاب «الجامع» ذكره ابن رشيد (٨)، كما ذكره الذَّهَبِيّ في «السير» (٩). ١٦ - «الدعوات». ذكره ابن رشيد (١٠) والذَّهَبِيّ في «السير» (١١) وسماه الدعاء. ١٧ - «فضل يوم عاشوراء». ذكره ابن رشيد (١٢).

стр. 323

١٨ - «كرامات الأولياء». ذكره ابن رشيد (١) والذَّهَبِيّ في «السير» (٢). ١٩ - «الرؤيا والمنامات». ذكره ابن رشيد (٣) ونقل منه ابن حجر في «الفتح» (٤). ٢٠ - أجزاء فيها من حديث أبي ذر. ذكر ابن حجر في «المعجم المفهرس» (٥) عدة أجزاء من حديث أبي ذر رواها بإسناده إلى ابنه أبي مكتوم عن أبيه، وقال: إن أول الجزء: حديث عكرمة بن أبي جهل .. وآخره: «اللهم اجعله هاديًا مهديا واهد به» (٦). وذكر جزءًا آخر بإسناده إلى أبي الحسين بن المهتدي عن أبي ذر. وأوله حديث شداد بن أوس: «الكيّس من دان نفسه» (٧). وآخره: «لم يكن شيء أحب إليك من الموت» (٨). ويليه: قال ابن صاعد فذكره.

стр. 324

وذكر جزءًا آخر له أوله: حديث ابن عباس: «موت الغريب شهادة» (١)، وآخره: «ولو بعود تعرضه عليه» (٢). رواه بإسناده إلى عبد الله بن الحسن بن عمر بن رداد المقري عن أبي ذر. ٢١ - «التفسير» ذكر في «كشف الفنون» (٣). وأضاف ابن رشيد في «إفادة النصيح» كتبًا أخرى له منها كتاب «فضائل مالك ابن أنس»، وكتاب «ما روي في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» (٤). مرويات أبي ذر الهَرَويّ: مما عرف به أبو ذر واشتهر بين العلماء رواياته لكثير من الكتب، فلم يشتهر أبو ذر بروايته لـ «صحيح البُخارِيّ» فقط، بل تعدى ذلك إلى كثير من أمهات الكتب، ومن هذه الكتب ما يلي: ١ - مرويات الحافظ الدارقطني. ومنها: كتاب «العلل» ذكره ابن حجر في «المعجم المفهرس» وذكر أنه في مروياته وذكر إسناده إلى أبي مكتوم عيسى بن أبي ذر عن أبيه (٥). كما ذكره ابن خير الإشبيلي في «الفهرسة» (٦) من رِواية العذري وأبي

стр. 325

الوليد الباجي عن أبي ذر. ومنها: كتاب «الإلزامات» للدراقطني، ذكره ابن خير في «الفهرسة» (١) من رِواية أبي الوليد الباجي وغيره. ومنها: كتاب «الضعفاء والمتروكين» ومقدمته رواها ابن خير في «فهرسته» (٢) من رِواية ابن منظور عنه. ومنها: كتاب «مسائل عن الدارقطني» فقد نقل الخطيب البغدادي (٣) أن أبا ذر كتب به إليه من مكة. ومنها: جزء فيه الأحاديث التي خولف فيها إمام دار الهجرة مالك بن أنس ذكرها ابن خير في «الفهرسة» (٤) من رِواية أبي الوليد الباجي وغيره عن أبي ذر. ٢ - مرويات الإمام البُخارِيّ الأخرى بجانب «الصحيح». ومنها: كتاب «التاريخ الكبير» فقد جاء في الكتاب وهوامش نسخته ما يدل على رِواية أبي ذر للتاريخ، فقد جاء في إسناد النسخة ما نصه (٥): «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: صلى الله على سيدنا محمد نبيه الكريم، أَخْبَرَنا الشيخ أبو ذر عبد بن أحمد ابن محمد الهَرَويّ، قال: أَخْبَرَنا أبو بكر أحمد بن عبدان بن محمد الحافظ قرأت عليه قال: أَخْبَرَنا أبو الحسن محمد بن سهل بن عبد الله المقرئ، قرأت عليه قال: حَدَّثَنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البُخارِيّ».

стр. 326

ورمز المحقق في الحاشية بما يدل على أن هذه الجملة من المخطوطة المحفوظة في القسطنطينية. وتكرر ذلك في أجزاء كثيرة من الكتاب (١) وكانت رِواية أبي ذر هذه عن شيخه أحمد بن عبدان في سنة خمس عشرة وأربعمائة كما جاء في نص الرِّواية من «التاريخ الكبير» (٢). ومن هذه الكتب التي رواها أيضًا كتاب «التاريخ الأوسط» (٣) رواه عن شيخه أبي علي زاهر بن أحمد الفقيه السَّرْخَسي قراءة عليه سنة تسع وثمانين وثلاثمائة عن أبي محمد بن زنجويه بن محمد النيسابوري، عن البُخارِيّ. وجاء ذلك في مواضع متفرقة من الكتاب (٤). والدليل على أنه «الأوسط» أن ابن حجر في كتابه «هدي الساري» لما تعرض لمؤلفات البُخارِيّ ﵀ وذكر مصنفاته ذكر المصنفات والراوين لها عن البُخارِيّ. فذكر أن «التاريخ الأوسط» يرويه عنه عبد الله بن أحمد بن عبد السلام الخفاف وزنجويه بن محمد اللباد، بينما ذكر أن «التاريخ الصغير» يرويه عنه عبد الله ابن محمد بن عبد الرحمن الأشقر. اهـ (٥). والإسناد المذكور في أول الكتاب المطبوع خطأ باسم «التاريخ

стр. 327

الصغير» هو إسناد كتاب «التاريخ الأوسط» كما سبق أن سقناه. هذا دليل. والدليل الآخر ما ذكره ابن حجر في كتاب «المعجم المفهرس» (١) أن كتاب البُخارِيّ «الأوسط» مرتب على السنين (٢)، وهو ترتيب المطبوع خطأ باسم «الأصغر». ومن هذه الكتب كتاب «الضعفاء» من رِواية أبي العباس العذري عن أبي ذر، عن عبد الله بن أحمد بن يعلى المقرئ، أنبأنا أبو الحسين علي بن إبراهيم، أنبأنا أبو الحسن محمد بن شعيب الغازي، عن البُخارِيّ رحمه الله تعالى. ذكره ابن حجر في «المعجم المفهرس» وذكر إسناده إلى أبي العباس العذري (٣). ٣ - وله رِواية لـ «الموطأ» رِواية محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، رواه عن أبي علي الصواف عن أحمد بن محمد بن مهراز، عن محمد بن الحسن، عن مالك (٤). ٤ - وله رِواية لـ «سنن أبي داود» رِواية اللؤلؤي. رواها أبو ذر عن شيخه أبي عبد الله الوراق عن اللؤلؤي به، ورويت عن أبي ذر من طريق تلميذيه أبي العباس العذري وأبي الوليد كما في «الفهرسة» لابن خير (٥) وكما في كتاب «الشفا» للقاضي عياض، فصل في وقاره ﷺ (٦) من رِواية أبي على الجَيّانيّ شيخه عن أبي العباس به.

стр. 328

٥ - كما أن له رواية لكتاب ابن أبي حاتم «الجرح والتعديل» رواه ابن خير عن تلميذيه العذري والباجي (١).

стр. 329

المطلب الثاني رِواية أبي ذر الهَرَويّ (٤٣٤) ه ـ سبق أن ذكرت في طبقة الرُّواة عن الفَرَبْريّ أبا إسحاق المُسْتَمْلِيّ (٣٧٦) هـ وأبا محمد السَّرْخَسي الحَمُّوييّ (٣٨١) هـ وأبا الهيثم الكُشْمِيهَني (٣٨٩) هـ وكل راوٍ من هؤلاء الثلاثة اشتهر بروايته لـ «صحيح البُخارِيّ». ورِواية أبي ذر الهَرَويّ عن هؤلاء الثلاثة - المُسْتَمْلِيّ، والحَمُّوييّ، والكُشْمِيهَني - تعد أشهر رِوايات «الصحيح» على الإطلاق. فقد اشتهرت وذاع صيتها في حياته وبعد وفاته، وإلى يومنا هذا لا تزال نسخته يستفيد منها القاصي والداني، وإليك تاريخ هذه النسخة وأشهر الرُّواة لها. سماع أبي ذر لـ «الصحيح»: سمع أبو ذر الهَرَويّ «الصحيح» أول ما سمع من الحَمُّوييّ (٣٨١) هـ، وكان ذلك بهراة في سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، أي: بعد ولادته بسبعة عشر عامًا. قال ابن رشيد: وسمع وقرأ على المُسْتَمْلِيّ (٣٧٦) هـ ببلخ سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، وبإسنادنا إلى أبي ذر قال: وسمعت منه، ورحلت إليه سنة أربع وسبعين وثلاثمائة ببلخ، ووجدت بعدُ عن أبي ذر أنه قال: سمعنا من أبي إسحاق في شهور من سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، وقد فرغنا من سماعه عليه يوم السبت لست خلون من المحرم من سنة خمس وسبعين وثلاثمائة. وسمع وقرأ على الكُشْمِيهَني بكشميهن سنة تسع وثمانين وثلاثمائة في محرم (١).

стр. 330

فتبين بذلك أن أبا ذر قد أتم سماعه على الشيوخ الثلاثة سنة تسع وثمانين وثلاثمائة. أي: قبل وفاته بخمس وأربعين سنة. ويذكر لنا الذَّهَبِيّ في «سير أعلام النبلاء» (١) عن أبي على الغساني ما يدل على أن أبا ذر كان يسكن بالسراة أو بسروات - وهي جبال عند تهامة، ومنها سراة بني شبابة التي سكنها أبو ذر - ويتردد بين سكناه وبين المسجد الحرام بمكة. منهج أبي ذر في رسم كتابه يعد أبو ذر الهَرَويّ أول من حاول جمع ثلاثة روايات في نص واحد؛ لكي يبتكر منهجًا فريدًا من نوعه، سبق به كل من جاء بعده، حتى عصرنا الحاضر. سمع أبو ذر أول ما سمع «الصحيح» من شيخه الحَمُّوييّ سنة ثلاث وسبعين، ثم سمع من المُسْتَمْلِيّ ببلخ سنة أربع وسبعين - أي: بينهما عام واحد - ثم سمع بعد ذلك من الكُشْمِيهَني سنة تسع وثمانين، أي: بعد ستة عشر عامًا من السماع من الأول، وخمسة عشر عامًا من الثاني. ولذلك نجد أن أبا ذر قد جعل سواد الكتاب على روايتَي أبي إسحاق والحَمُّوييّ. قال ابن رشيد الفهري في «إفادة النصيح» (٢): قرأت بخط أبي بكر بن خير - وأنا به جد خبير - مما نقله من خط الشيخ الراوية عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عيسى بن منظور ﵀: أبو ذر عن أشياخه الثلاثة: أبي محمد الحَمُّوييّ، وأبي إسحاق

стр. 331

المُسْتَمْلِيّ، وأبي الهيثم الكُشْمِيهَني، غير أن سواد الكتاب على روايته عن أبي محمد وأبي إسحاق، فإذا انفرد أحدهما أو اختلفا في شيء، فعلامة الحَمُّوييّ: (حآ) وعلامة أبي إسحاق الهمزة والسين، فإذا اتفقا وخالفهما أبو الهيثم جعل: (صح) على موضع الخلاف، وكتب رِواية أبي الهيثم في الحاشية، وعلامته (ها)، وكذلك علامته فيما ينفرد به. اهـ. ويتبين من ذلك أن أبا ذر قد استخدم الرموز في الدلالة على أصحاب هذه الروايات، وبالتأمل نجد أنه استخدم رموزًا تحمل في طياتها الدلالة على هذه الروايات، فقد استخدم في كتابه هذا أربعة رموز وهي: رمز: (حآ) للدلالة على رِواية أبي محمد السَّرْخَسي الحَمُّوييّ. رمز: (أس) للدلالة على رِواية أبي إسحاق المُسْتَمْلِيّ. رمز: (ها) للدلالة على رِواية أبي الهيثم الكُشْمِيهَني. رمز: (صح) للدلالة على صحة الكلمة أو الرِّوَاية عند المرموز له أو الكلمة. وبالتأمل في هذه الرموز يظهر منها عدة ملاحظات: ١ - أن كل رمز من هذه الرموز يتألف من حرفين. ٢ - أن هذه الحروف مستمدة من أسماء أصحابها فرمز حآ من الحَمُّوييّ، واختاره؛ لأنه أول حرف في كنيته التي اشتهر بها، ولأنها لا تلتبس بغيرها من ألقاب باقي الرُّواة، واختار أول حرفين من كنية أبي إسحاق المُسْتَمْلِيّ، واختار للدلالة على الكُشْمِيهَني حرف الهاء؛ لأنه تميز به عن سائر الرُّواة. فاختياره لهذه الرموز معبر ومستمد من أسماء هؤلاء الرُّواة. ٣ - يلاحظ أن هذه الرموز قد استخدمها من جاء بعد أبي ذر للدلالة على نفس الروايات مع تغيير طفيف، حيث غير اليُونِينِيّ مثلا رمز أبي

стр. 332

إسحاق المُسْتَمْلِيّ من (اس) عند أبي ذر إلى (سه) ورمز أبي الهيثم الكُشْمِيهَني إلى (هه) بدلا من (ها) ورمز أبي محمد الحَمُّوييّ إلى (حه) بدلًا من (حآ) وأبقى رمز (صح) كما هو، وزاد على هذه الرموز رموزًا أخرى، كما فصلته في الحديث عن رِواية اليُونِينِيّ.

стр. 333

الرُّواة عن أبي ذر الهَرَويّ لقد رحل إلى أبي ذر العلماءُ من شتى بقاع الأرض، وخاصةً في موسم الحج؛ ليسمعوا منه «صحيح البُخارِيّ» بروايته عن شيوخه، كما كان أيضًا يحدث به في كل رحلاته كما سيأتي. وقد تتبعت كثيرًا من المصادر وكتب التراجم ووقفت على رواة كثيرين عنه فآثرت - إتمامًا للفائدة من هذا البحث - أن أذكر من وقفت عليهم مع ذكر الإحالات التي تدل على هذا السماع من أبي ذر، حتى إذا انتهى ذلك ذكرت أشهر الروايات وبسطت فيها القول، فأقول وبالله التوفيق. الرُّواة عن أبي ذر الهَرَويّ: ١ - أحمد بن عمر بن أنس العذري (٤٧٨) هـ وسيأتي في أشهر الرُّواة. ٢ - أبو القاسم أصبغ بن راشد بن أصبغ اللخمي الإشبيلي المتوفى قريبًا من عام ٤٤٠ هـ: رحل وسمع من أبي محمد بن أبي زيد، وتفقه عليه، وسمع من أبي الحسن القابسي (١). وقد جاء سماعه من أبي ذر في رحلة ابن رشيد (٢) حيث يذكر ابن رشيد حصوله على نسخة عتيقة من «الصحيح»، بخط أصبغ بن راشد اللخمي، كتبه بمكة المكرمة، وسمع فيه على أبي ذر، وقد صار هذا الأصل - كما يقول ابن رشيد - للإمام المقرئ العالم أبي الحسن علي بن عبد الله بن النعمة ﵀، واعتنى به عناية جيدة، ثم صار هذا الأصل إليَّ في أصله والحمد لله. اهـ نقلا من رحلة ابن رشيد.

стр. 334

٣ - بكار بن برهون بن عيسى التغلبي الفاسي المعروف بابن الغرديس السجلماسي كان موجودًا حتى عام ٤٩٢ هـ. يقول عنه ابن الأبار في «المعجم» أثناء ترجمة أبى القاسم بن أبي الورد (١): وكان قد حج قديما وسمع «صحيح البُخارِيّ» من أبي ذر الهَرَويّ، وعمر طويلًا حتى انفرد بروايته، يقال: إنه بلغ المائة أو أربى عليها، وبيته شهير بمدينة فاس ونزل هو سجلماسة. اهـ ويقول الإمام المنجور (٩٩٥) (٢) عن ابن الغرديس: عمر طويلًا نحو مائة سنة، وسمع في رحلته من أبي ذر الهَرَويّ، فقصده للرِّواية كثير، كأبي القاسم بن ورد، وغيره (٣). ٤ - أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب الإمام التجيبي الباجي ٤٧٤ هـ وسيأتي في أشهر الرُّواة. ٥ - أبو القاسم عبد الجليل بن أبي سعيد مخلوف الجذامي (٤٥٩) هـ، هكذا ذكر في أول ورقة من أصل ابن الحطيئة من «الصحيح» الآتي ذكره في الأصول التي اعتمد عليها اليونيني (٤). ترجم له الذَّهَبِيّ في «تاريخ الإسلام» فقال: عبد الجليل بن مخلوف الإمام أبو محمد المالكي، أفتى بمصر ودرس أربعين سنة، روى السِّلفي وفاته في هذه السنة عن شخص فاضل رآه قال: وصلى عليه رفيقه الفقيه

стр. 335

عبد الحق بن محمد بن هارون السبتي (١). اهـ. ٦ - علي بن سليمان النقاشي ولم أقف له على ترجمة، وإنما ذكره في الرُّواة عن أبي ذر الذَّهَبِيّ في «تذكرة الحفاظ» (٢) و «سير أعلام النبلاء» (٣). ٧ - أبو الحسن علي بن المفرج بن عبد الرحمن الصقلي، كان حيًّا عام (٤٦٥) هـ، وروايته هذه ما زالت موجودة حتى الآن في خزانة تمكروت، ويوجد منها السِّفر الأول في نسختين بخط مغربي، حيث جاء في طالعتهما: أَخْبَرَنا الشيخ القاضي أبو الحسن علي بن المفرج الصقلي ﵁، في المسجد الحرام بمكة، سنة خمس وستين وأربعمائة، قال: أنا أبو ذر ... إلخ، والنسختان معًا في خزانة تمكروت تحت رقمي (١٤٣١، ١٤٥١) (٤). ٨ - عيسى بن أبي ذر عبد بن أحمد الهَرَويّ، أبو مكتوم، الأنصاري، الهَرَويّ، ثم السروي، سيأتي في أشهر الرُّواة. ٩ - محمد بن أحمد بن منظور، القيسي أبو عبد الله، الإمام المحدث المتقن، سيأتي في أشهر الرُّواة. ١٠ - محمد بن شريح بن أحمد بن محمد بن شريح أبو عبد الله الرعيني الإشبيلي المقرئ، ولد سنة ٣٨٨ هـ، سيأتي في أشهر الرُّواة. ١١ - أبو القاسم مضر بن الحباب النفزاوي. كذا وجد مكتوبا على ظهرية نسخة من «الصحيح» محفوظة في المكتبة الحسنية تحت رقم (٤٣٣) وقد كتب على أول هذا السِّفر نقلًا عن النسخة الأصلية!

стр. 336

هذا السِّفر السادس من «الجامع الصحيح» من حديث الرسول ﵇، عني بتصنيفه وتبويبه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البُخارِيّ، رحمة الله عليه ومغفرته، سمع جميعه أبو القاسم مضر بن الحباب النفزاوي، من أبي ذر عبد بن أحمد بن محمد الحافظ الهَرَويّ ﵁، بمكة في المسجد الحرام - عظم الله حرمته - سمعه منه سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وصار «الجامع» كله لأبي القاسم مضر بن الحباب على وجه الشراء، نفعه الله به (١). اهـ. ١٢ - موسى بن عيسى بن أبي حاج واسمه يَحُجّ - بفتح الياء وضم الحاء المهملة ثم جيم مشددة (٢) - الإمام أبو عمران، الفاسي الدار، الغفجومي النسب - بفتح الغين المعجمة والفاء أو بضم الغين وسكون الفاء، وغفجوم قبيلة من زناتة - البربري، الفقيه المالكي، نزيل القيروان، وإليه انتهت بها رئاسة العلم، تفقه على أبي الحسن القابسي، وهو أجل أصحابه، ودخل إلى الأندلس، فتفقه على أبي محمد الأصيلي، أخذ عنه الناس من أقطار المغرب الفقه والحديث. ولد سنة ثمان وستين وثلاثمائة، وتوفي في ثالث عشر رمضان سنة ثلاثين وأربعمائة (٣). ١٣ - المهلب بن أحمد بن أسيد بن عبد الله، أبو القاسم بن أبي صفرة، الأسدي المزني، القاضي الفقيه.

стр. 337

سمع من: أبي محمد الأصيلي وصحبه وكان صهره، وأبي الحسن القابسي، وأبي ذر الهَرَويّ وغيرهم. وحدث عنه: أبو عمر بن الحذاء، والقاضي ابن المرابط، وحاتم بن محمد الطرابلسي، وغيرهم، له كتاب في شرح «صحيح البُخارِيّ» وكتاب «النصيح في اختصار الصحيح» توفي (٤٣٥) هـ (١). ١٤ - يوسف بن حمود بن خلف، أبو الحجاج الصَّدفي، السبتي، الفقيه المالكي، قاضي سبتة نيفًا وعشرين سنة، سمع بالأندلس من أبي بكر الزبيدي، وأبي محمد الأصيلي، وغيرهم. كان صالحًا متواضعًا أديبًا شاعرًا، قال ابن بشكوال: توفي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، ومولده سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. وروايته لـ «الصحيح» عن أبي ذر الهَرَويّ أثناء رحلته إلى الحج. قال ابن بشكوال: وخرج إلى الحج .. فسمع في رحلته من أبي ذر الهَرَويّ (٢). ١٥ - أبو بكر بن أبي محرز السجلماسي. لم أقف له على ترجمة، لكن المكتبة الحسنية بالرباط تحتفظ بروايته في نسخة من «الجامع الصحيح»، تشتمل على الأسفار الثلاثة الأولى تحت رقم (٤٣٣٠)، وقد كتب بهذه الأسفار نقلًا عن الأصل المنتسخ منه بعد ذكر اسم الكتاب ومؤلفه: سمعه أبو بكر بن أبي محرز السجلماسي من أبى ذر عبد بن أحمد بن محمد الحافظ الهَرَويّ المالكي ﵁ بمكة في

стр. 338

المسجد الحرام - حرسه الله وعظم حرمته - سنة ثلاث عشرة وأربعمائة (١). ١٦ - أحمد بن علي بن الحسين بن زكريا، أبو بكر الطريثيثي، البغدادي، الصوفي، المعروف بابن زهراء. صحب أبا سعد النيسابوري، وابن الحسين القطان، وأبا القاسم اللالكائي، وغيرهم. روى عنه: أبو القاسم السمرقندي، وأبو طاهر السلفي، وابن طاهر المقدسي، وغيرهم. قال السَّمْعاني: صحيح السماع في أجزاء، لكنه أفسد سماعاته بأن روى منها شيئًا وادعى أنه سمعه من ابن أبي الحسن بن رزقويه، ولم يصح سماعه منه. ولد سنة إحدى عشرة، وقيل: اثنتي عشرة وأربعمائة، وتوفي سنة إحدى وتسعين وأربعمائة (٢). ١٧ - أبو عبد الله أحمد بن محمد بن غلبون، الخولاني، القرطبي، ثم الإشبيلي، مسندِ الأندلس. ولد سنة ثماني عشرة وأربعمائة، وسمع من أبيه الحافظ أبي عبد الله كثيرًا، وسمع من أبي عبد الله الأحدب، وعلي بن حمويه الشيرازي. وأجاز له يونس بن عبد الله بن مغيث القاضي، وأبو عمر أحمد بن محمد الطَّلمنكي، والحافظ أبو ذر الهَرَويّ، وغيرهم. قال ابن بشكوال: كان شيخًا فاضلًا عفيفًا منقبضًا، من بيت علم ودين وفضل، ولم يكن عنده كبير علم أكثر من روايته عن هؤلاء الجلَّة، وكانت عنده أصول يلجأ إليها، ويُعوَّل عليها، حدث عنه أبو الوليد بن الدباغ، وعلي بن الحسين اللواتي، وجماعة.

стр. 339

توفي في شعبان سنة ثمان وخمسمائة وله تسعون سنة (١). وروايته لـ «الصحيح» ذكرها القاضي عِياض في مقدمة «مشارق الأنوار» (٢) حيث قال وهو يذكر رِواية أبي ذر: وأخبرني الشيخ أبو عبد الله أحمد بن محمد بن غلبون بمدينة إشبيلية عن أبي ذر الهَرَويّ إجازة. اهـ كما ذكرها التجيبي في «برنامجه» (٣) وذكر أن الراوي لها عنه أبو عبد الله بن رزقويه اهـ. ١٨ - أبو عبد الله محمد بن معاذ التميمي القيرواني. لم أقف على من ترجم له، وروايته عن أبي ذر جاءت في «فهرس ابن عطية» (٤) حيث يقول: قال لي - أي: والده -: وقرأته بالمهدية قبل طلوعي إلى الحج سنة تسع وستين وأربعمائة على الشيخ الأجل أبي عبد الله محمد بن معاذ التميمي القيرواني، وأخبرني أنه قرأه غير مرة، على الشيخ أبي ذر عبد بن أحمد ... إلخ. اهـ. ١٩ - أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر، القضاعي (٤٥٤) هـ، مصنف كتاب «مسند الشهاب». وروايته جاءت في «مسنده» حيث روى بعض الأحاديث عن أبي ذر الهروي (٥).

стр. 340

أشهر الروايات عن أبي ذر الهَرَويّ روى عن أبي ذر «الصحيح» رواة كثيرون، حيث لا نكاد نجد عالمًا في عصره إلا والتقى به وسمع منه «الصحيح» أول ما يسمع منه. ولكن هناك بعض الروايات اشتهرت عنه في الآفاق، وأخص بالذكر منها ما يلي مع التركيز على مصير هذه الروايات حتى وقتنا الحاضر. ١ - الراوي الأول: أبو مكتوم عيسى بن أبي ذر عبد بن أحمد، الأنصاريّ الهَرَويّ، ثمّ السَّرَويّ. تزوّج أبو ذَرّ في العرب في سَرَوات بني شبابة، وسكن هناك مدّة، ووُلِد له أبو مكتوم في حدود سنة خمس عشرة وأربعمائة. سمع من أبي عبد الله الصّنعانيّ جملة من «مُسْنَد عبد الرّزّاق». وسمع من أبيه «صحيح البخاريّ»، وكتاب: «الدّعوات» لأبيه، وغير ذلك. روى عنه «الصحيح» جماعة، منهم: أبو التّوفيق مسعود بن سعيد الأندلسيّ، وأبو عُبَيْد نعمة بن زيادة الله الغَفاريّ، وعليّ بن حُمَيْد بن عمّار المكّيّ، وميمون بن ياسين المرابط. وروى عنه بالإجازة أبو طاهر السلَفيّ انقطع خبره بعد سنة سبع وتسعين وأربعمائة (١). وهذه الرِّواية كانت أشهر الروايات في بلاد المشرق والمغرب: ولعل ذلك بسبب قرابته، وملازمته لأبي ذر، بالإضافة إلى أن أصل والده كان معه.

стр. 341

قال الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفيّ (٥٧٦) هـ في كتابه «الوجيز في ذكر المجاز والمجيز» في ترجمة أبي مكتوم بن أبي ذر: وقد كان ميمون بن ياسين الصنهاجى من أمراء المرابطين، رغب في السماع منه بمكة، واستقدمه من سراة بني شبابة وبها كان سكناه، وسكنى أبيه أبي ذر من قبل، فاشترى منه «صحيح البُخارِيّ» أصل أبيه الذي سمعه فيه على أبي إسحاق المُسْتَمْلِيّ (١) .. إلخ. وهذه الرِّواية حملها عن أبي مكتوم كثيرٌ من العلماء من بلاد المشرق والمغرب. ومن أشهر الرُّواة عن أبي مكتوم: أبو الحسن علي بن حميد بن عمار الطرابلسي (٥٧٦) هـ المكي النحوي، راوي «الصحيح» عنه، والمتفرد بذلك، بقي إلى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وقيل: إنه بقي حتى سنة ست وسبعين. روى عنه: المحدث محمد بن عبد الرحمن، التجيبي الأندلسي، وناصر بن عبد الله المصري العطار، وعبد الرحمن بن أبي حَرَمِيّ، وسليمان بن أحمد السعديُّ المغربي (٢). وقال الفاسي في «العقد الثمين»: توفي في شوال سنة ست وسبعين وخمسمائة بمكة، كذا وجدت وفاته ملحقة في وفيات الحافظ أبي الحسن علي بن المفضل المقدسي بخط شخص لا أعرفه، وذكر أنه وجدها في ظهر نسخة من وفيات ابن المفضل بخط أبي الحسن التونسي. اهـ (٣).

стр. 342

وهؤلاء الرُّواة عن أبي الحسن علي بن حميد الطرابلسي أشهرهم على الإطلاق أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي حَرَمِيّ المكي بن بنين (٦٤٥) هـ (١). ومن طريقه رواه الوادي آشي (٢) كما في «برنامجه» (٣)، والكرماني كما في «مقدمة شرحه» (٤)، وابن حجر العسقلاني كما في «المعجم المفهرس» (٥)، و «الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع» ص: ١٠٩ رقم (١٠)، و «فتح الباري» (٦)، و «تغليق التعليق» (٧)، والقَسْطَلّانِيّ كما في «إرشاد الساري» (٨). ومن طريق ابن أبي حَرَمِيّ أيضًا اتصلت هذه الرِّواية بولي الدين العراقي كما في أول لوحة من المخطوط (٩).

стр. 343

ومن الرُّواة عن أبي مكتوم أيضًا: - أبو طاهر السلفي إجازة كما جاء ذلك في كتابه «الوجيز والمجاز» (١) وكما نقل عنه الذَّهَبِيّ ذلك في «السير» (٢) نقلا عن علي بن المفضل. - أبو عُبيد نعمةُ بن زيادة الله الغفاري، وعنه السلفي (٣). ومما يلاحظ أن رِواية أبي ذر بعد ذلك اشتهرت عند المشرقيين من خلال رِواية ابنه أبي مكتوم، ويعتبر أبو الحسن علي بن حميد بن عمار الطرابلسي المنفرد بذلك عنه، وذلك لتأخر وفاته؛ حيث توفي (٥٧٦) هـ. ٢ - الراوي الثاني عن أبي ذر: أبو عبد الله بن منظور (٤٦٩) هـ هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن منظور، القيسي، الإشبيلي (٤). اعتمده الأندلسيون، وعوّلوا عليه في صحيح البخاري، راوية أبي ذر لصحبته له ومجاورته معه، حتى كتب «الجامع الصحيح» للبخاري، وعارض فرعه بأصله، وفرغ من نسخه بمكة، في رجب من سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وقابله مع أبي عبد الله الورّاق محمد بن عليّ بن محمود (٥).

стр. 344

وكتب أيضًا عن أبي ذر غير ما شيء، وسمع عليه كتاب «المعجم» له، فهو ثَبت فيه. وكانت رحلته إلى المشرق من إشبيلية بلده في شعبان، سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وحجّ حجّتين سنتي ثلاثين، وإحدى وثلاثين، فسمع «الصحيح» من أبي ذر الهروي بمكة المكرمة. ولقي أيضًا في رحلته أبا النجيب الأُرْمَوِي، وأبا عمرو الصفاقسي وغيرهما. وانصرف إلى الأندلس فدخل إشبيلية سنة أربع وثلاثين. قال ابن بشكوال: قال أبو علي الغسّاني: كان من أفاضل الناس، حسن الضبط، جيّد التقييد للحديث، كريم النفس خِيارا. وقال لنا أبو الحسن يونس بن محمد: كان ذكي الخاطر، حسن المجالسة، من بيت علم وذكر وفضل، ﵀. وقال أبو جعفر بن عَميرة الضْبّي: فقيه محدّث عارف راوية. وقال: إنَّه كان قاضيًا بإشبيلية. قال أبو علي: وتوفي بإشبيلية يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من شوال من سنة تسع وتسعين وأربعمائة، ودفن ضحوة يوم الخميس بعده، وانتهى عمرُه سبعين عامًا، ﵀. (١) سماعه لـ «الصحيح»: سمع «صحيح البخاري» بمكة - شرفها الله - على أبي ذرّ الهَرَوي عند باب الندوة سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة في محرّم، وانتهى في سماعه في

стр. 345

هذه المرة الأولى إلى بعض من كتاب الأَيْمان والنذور. قال ابن رشيد الفهري: قرأت بخطّ أبي بكر بن خير في كتاب، مقابل قوله في أوّل حديث من كتاب الأَيمان والنذور: «إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي» ما نصه: إلى هنا انتهيت بالسماع في المرة الأولى. صحّ من خطّ (ظ). وكتب ابن خير في كتابه المذكور أنَّه يعني بالظاء حيث وقعت من كتابه ابنَ منظور. قال أبو عبد الله بن منظور: وقرئ عليه أيضًا مرة ثانية وأنا أسمع، والشيخ أبو ذر ينظر في أصله، وأنا أصلحُ في كتابي في المسجد الحرام عند باب النَّدوة. كان ابتداء هذا السماع الثاني الذي كمل فيه جميع الكتاب في شهر شوال من سنة إحدى وثلاثين المذكورة، وتمامه في ذي القعدة منها (١). حدّث عنه الجلّة من الأندلسيين. وأجلّهم: أبو الحسن شُرَيْح بن محمد؛ والقاضي أبو القاسم أحمد بن محمد بن منظور؛ وأبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عثمان التجيّبي القيظي السَّرَقُسْطي، وكتب عنه «صحيح البخاري»، وقرأه مرة، وسمعه أخرى بقراءة أبي محمد بن العربي. قال ابن رشيد: وكان أصل القيظي هذا من الأصول المعتمدة في الأندلس محبسًا بجامع العدَبْس من إشبيلية - طهَّره الله من دنس الكفر، وأعادها الله دار

стр. 346

إسلام -. وهذا الأصل - جبره الله - من الأصول التي اعتمدها ضابط الأندلسيين في وقته أبو بكر بن خير، وعارض كتابه الحافل به الذي بخطّ أبيه خير رحمهما الله. وفيه كان سماعي وسماع بُنيّ محمد - هداه الله - مع الجماعة على شيخنا الفقيه الفاضل العدل أبي فارس - أبقاه الله - والشيخ أبو فارس يمسك أيضًا أصله أيضًا بخط أبيه ﵀ وفيه سمع على شيخه أبي مروان ﵀ (١). وهذه الرِّواية اشتهرت من خلال اثنين من الرُّواة: الأول: أبو الحسن شريح بن محمد بن شريح (٢) الذي يقال له: الخطيب شيخ المقرئين والمحدثين، الإمام، الرعيني، الإشبيلي، المالكي. قال فيه ابن رشيد: جليل مصره بل جليل عصره، المقرئ، المشهور في أقطار الأرض شرقًا وغربًا، رئيس في العربية والإقراء، متفق على جلالته وعدالته وإتقانه، وعمر وأسن حتى روى عنه الآباء والأبناء والأجداد والأحفاد وألحق الصغار بالكبار (٣). وقال: روى عنه أبو الحكم عمرو بن حجاج وكان يقول: قرأت على شريح أنا وابني وحفيدي. وقد روى عنه أيضًا القاضي أبو القاسم أحمد بن يزيد بن عبد الرحمن بن بقي هو وأبوه وجده، وهو آخر من حدث عنه بالإجازة، ولم يزل على ذلك إلى أن غلبه الكبر وأقعده عن التصرف، فلزم داره واستخلف على

стр. 347

الصلاة، ولم ينقطع الأخذ عنه إلى أن عطَّله الكبر والخرف فقطع، ولا أعلم أحدًا حدث عنه في خرفه (١). روى وسمع من والده ومن أبي عبد الله بن منظور «الصحيح» وسمع من علي بن محمد الباجي وأبي محمد بن خزرج وطائفة، وأخذ أبو الحسن القراءات عن أبيه أبي عبد الله عرضًا، وأخذ عنه جميع ما كان يرويه وسمع منه أكثر ما عنده، وورث منزلته وارتقى فوقها درجات، وسمع البُخارِيّ منه وعلى أبي عبد الله بن منظور. وحدث عنه بـ «الصحيح» ابن خير الإشبيلي (٥٧٥) هـ وأبو بكر محمد بن عبد الله ابن الجد (٥٨٦) هـ، وأبو محمد عبد الله بن محمد الحجري (٥٩١) هـ، ومحمد بن جعفر بن حميد البلني (٥٨٦) هـ، وخلق آخرهم: عبد الرحمن بن علي الزهري، الذي حدث عنه بـ «صحيح البُخارِيّ» سنة (٦١٣) هـ. جلس الإمام أبو الحسن شريح للتحديث والإقراء مبكرًا، حيث جلس بجامع إشبيلية سنة اثنتين وأربعمائة بتقديم المعتمد أبي القاسم بن عباد. ذكره تلميذه أبو عبد الله محمد بن جعفر بن حميد كما جاء عند ابن رشيد (٢). وقال المحدث الشهيد أبو الربيع بن سالم - فيما قرأه ابن رشيد من خطه -: أخذ الناس عنه قديمًا - أي: أبو الحسن شريح - وحديثا على اختلاف طبقاتهم، وطال عمره حتى انفرد بعلو الإسناد في «صحيح البُخارِيّ» لسماعه له من ابن منظور، وأبيه عن أبي ذر. وكان الناس يرحلون إليه بسببه، وكان عَيَّنَ لقراءته شهر رمضان، فيكثر الازدحام عليه في هذا

стр. 348

الشهر، ويتواعد أهل الأقطار المتباعدة للاجتماع فيه عنده. ثم قال ابن رشيد: حدثني شيخنا أبو محمد بن عبد الله أنه قرأه عليه سنة أربع وثلاثين بعد أن ارتقب النميري، إذ كان موعودًا بقراءته ذلك العام، فلم يصل. قال: وسمعه بقراءتي عالم كثير، أظنه قال: ثلاثمائة رجل. وحدثني أبو عبد الله بن حميد أنه سمعه عليه سنة خمس بعدها في نحو المائتين أو دونها. اهـ (١). وكانت قراءة أبي محمد عبد الله بن محمد الحَجري على شريح لـ «صحيح البُخارِيّ» ويسمع معه الحاضرون، وكان قد قدم في شهر رمضان فيمن وفد على شريح ليسمع منه. قال ابن رشيد: قال المتقن طلحة بن محمد القارئ: حدثني الأصولي أبو إسحاق بن قسوم (٢)، أنا أبو محمد بن عبد الله، أن شريحا كان يُسمع «الجامع» للبخاري في كل شهر رمضان ويقدم الناس عليه من الأقطار لذلك. قال: توفدت فيمن وفد فاجتمع أهل المرية وأهل قرطبة وغيرهم، فقدموني لقراءته؛ لعلمهم بنفوذي، فقال لهم شريح: نختبره وإلا رجعنا إلى قارئنا - لرجل من أهل إشبيلية كان أبدًا يقرؤه عليه - قال: فابتدأت القراءة، وكان معه ذلك اليوم جالسًا ليسمعه عليه أبو القاسم بن صاحب الرد (٣)

стр. 349

فقال لي أبو القاسم هذا: يا أبا محمد، إن قراءتك لتملأ العيون قرة والقلوب مسرة. قال: فغار أهل إشبيلية لذلك، وقالوا: نرفعه لقراءة التفسير في آخر الكتاب. قال: فكانت قراءتي له أحسن من قراءتي لسائره (١). ومناقبه كثيرة وفضائله غزيرة،، توفي رحمه الله تعالى لساعة واحدة مضت من ليلة الثلاثاء في العشر الأخير من جمادى الأخرى سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وكان مولده ليلة الثلاثاء لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى وخمسين وأربعمائة. وروايته هذه رواها عنه خلق كثيرون منهم: ١ - ابن خير الإشبيلي (٥٧٥) هـ كما في «الفهرسة» (٢)، وكما ذكره ابن رشيد. ٢ - أبو بكر محمد بن عبد الله بن يحيى بن الجد الفهري (٥٨٦ هـ) (٣) ومن طريقه التجيبي كما ذكر في «برنامجه» (٤) ومن طريقه ابن رشيد. ٣ - أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي الحجري (٥٩١ هـ) (٥) ومن طريقه التجيبي (٦) وابن رشيد.

стр. 350

٤ - أبو عبد الله محمد بن جعفر بن أحمد بن حميد (٥٨٦ هـ) (١) ومن طريقه الوادي آشي (٢). الراوي الثاني: أبو القاسم بن منظور (٣) (٤٣٦ - ٥٢٠). هو أحمد بن أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن منظور بن عبد الله بن منظور القيسي، من أهل إشبيلية ووجوهها، يكنى أبا القاسم، ولي قضاء إشبيلية ببلده مدة، كما ولي أبوه أبو بكر (٤٦٤) هـ قرطبة، استقضاه عليها المعتمد على الله محمد بن عباد. وكان أبو القاسم فقيها محدثا، روى عن أبيه القاضي أبي بكر، وسمع من حفيد عم أبيه الراوية أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عيسى بن محمد بن منظور بن عبد الله ابن منظور - وفي محمد بن منظور يجتمعان. قلت (الباحث): وقد أدى هذا التقارب - في الأسماء والطبقات - إلى خلط من بعض الرُّواة في الاسم: ومنهم ابنُ بشكوال، حيث يقول في ترجمته (٤): أحمد بن محمد بن أحمد بن عيسى بن منظور، وذكر أنه سمع من ابن عم أبيه: أبي عبد الله محمد بن أحمد، - وليس في نسب أحمد هذا من اسمه عيسى. وقد أعاد هذا الغلط أيضًا في اسم أبيه أبي بكر محمد (٥).

стр. 351

ثم تلاه في هذا الغلط وزاد - كما قال ابن رشيد - المحدث أبو جعفر بن عميرة الضبي، وقرأته بخطه فقال: أحمد بن محمد بن أحمد بن عيسى بن منظور أبو القاسم الإشبيلي، قاضي إشبيلية فقيه، محدث، مشهور، توفي سنة عشرين وخمسمائة، يروي أبوه عن أبي ذر - عبد بن أحمد الهَرَويّ - يروي عنه أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث وغيره. فجعله كما ترى ابنًا للراوية عن أبي ذر - وهو أبو عبد الله - وذلك هو الذي حمله في اسم الراوية أبي عبد الله أن قال: إنّه كان قاضيًا، ثم أبعد فقال: بإشبيلية، وذلك كله تخليط (١). وحدث بـ «الصحيح» عن أبي القاسم بن منظور: أبو بكر محمد بن عبد الله بن يحيى بن الجد الفهري (٥٨٦) هـ حدثه به عن حفيد عم أبيه أبي عبد الله بن منظور عن أبي ذر. توفي أبو القاسم رحمه الله تعالى سنة عشرين وخمسمائة، وكانت ولادته سنة ست وثلاثين وأربعمائة. ومن طريق أبي بكر محمد بن الجد، اشتهرت هذه الرِّواية، ومن طريقه رواها التجيبي في «برنامجه» (٢)، وابن رشيد كما جاء في «الإفادة» (٣). ٣ - الراوي الثالث عن أبي ذر: أبوعبد الله بن شريح (٤٧٦) (٤). هو محمد بن شريح بن أحمد بن شريح بن يوسف بن عبد الله بن

стр. 352

شريح الرعيني، المقرئ، الإشبيلي، إمام القراءة في عصره، يكنى أبا عبد الله، وزاد ابن بشكوال: بين أحمد وشريح محمدًا، ولم يرفع ما بعده (١) وتبعه في ذلك غير واحد منهم الذَّهَبِيّ (٢) ثم ذكره الذَّهَبِيّ على الصواب كما ذكرته (٣). قال ابن رشيد: والصحيح في نسبه ما ذكرته، وكذلك قرأته بخط المتقنين: الضابط أبي بكر بن خير، والشهيد أبي الربيع بن سالم، وغيرهما من المتقنين. ورحل إلى المشرق سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، فسمع في طريقه بالمهدية أبا حفص عمر بن حسين المقري، المعروف بابن النفوس، في ذي القعدة من السنة المذكورة. وسمع بمصر سنة ثلاث، أبا العباس أحمد بن علي بن هاشم المقرئ (٤٤٥) هـ، وأبا علي الحسن بن محمد بن إبراهيم المقرئ البغدادي المالكي (٤٣٨) هـ. وحج في موسم سنة ثلاث وثلاثين، فسمع بالحرم الشريف أبا ذر الهَرَويّ، سمع عليه «صحيح البُخارِيّ» عند باب الندوة، وسمع عليه أيضًا «مناسك الحج» من تأليفه، في ذي الحجة من السنة المذكورة. وسمع بمصر أيضا في سنة أربع، على أبي العباس بن النفيس المقرئ المصري الطرابلسي (٤٥٣) هـ، ثم قفل إلى الأندلس، وجلس ببلده لإقراء القرآن، فكانت الرحلة في وقته إليه، وألف كتبا في علوم القرآن.

стр. 353

قال فيه ابن بشكوال: كان من جلة المقرئين وخيارهم، ثقة في روايته (١). وقال فيه ابن رشيد: إمام القراءة في عصره - حدث عنه من لا يحصى كثرة، وأجلهم في وراثة علمه ابنه أبو الحسن، وأبو العباس بن عيشون (٢). وقال ابن عميرة الضبي: فقيه مقرئ نحوي أديب رئيس وقته في صنعته. قال ابن بشكوال: توفي ﵁ يوم الجمعة عند صلاة العصر، اليوم الرابع من شوال من سنة ست وسبعين وأربعمائة، وكمل له من العمر أربعة وثمانون عاما إلا خمسة وخمسين يومًا، ومولده سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، أخبرني بوفاته الخطيب أبو الحسن شريح بن محمد ﵀ (٣). وهذه الرِّواية - رِواية أبي عبد الله بن شريح، عن أبي ذر - رواها عنه وأشهرها ونشرها كل من: ابنه أبو الحسن الخطيب شريح بن محمد (٥٣٩) هـ، وأبو القاسم بن منظور (٥٢٠) هـ هي ورِواية أبي عبد الله بن منظور السابقة، وقد سبق ترجمتهما في الراوي الثاني عن أبي ذر. وعن ابنه أبي الحسن شريح روى ابن خير الإشبيلي كما في «فهرسته» (٤)، وعنه أيضًا روى أبو بكر محمد بن عبد الله بن يحيى بن الجد (٥٨٦) هـ ومن طريقه التجيبي كما جاء في «برنامجه» (٥) وابن رشيد كما جاء في «إفادة النصيح» (٦).

стр. 354

وروى عن أبي عبد الله بن شريح أيضًا: أبو عبد الله محمد بن جعفر بن أحمد بن حميد (٥٨٦ هـ) ومن طريقه الوادي آشي في «برنامجه» (١). ٤ - الراوي الرابع عن أبي ذر: أبو الوليد الباجي (٤٧٤) هـ (٢) هو سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث الإمام أبو الوليد التجيبي - بضم التاء المعجمة وكسر الجيم وسكون الياء نسبة إلى تجيب وهي قبيلة (٣) - القرطبي الباجي - بالباء المفتوحة والجيم المكسورة بعد الألف - وهذه النسبة إلى ثلاثة مواضع: أحدها باجة بلدة بالأندلس وإليها ينسب أبو الوليد (٤). أصله بطليوسي نسبة إلى بطليوس - بفتح الباء والطاء وبسكون اللام وفتح الياء وسكون الواو وآخرها سين مهملة - مدينة بالأندلس (٥) وانتقل آباؤه إلى باجة، وقد ولد في سنة ثلاث وأربعمائة. سمع من أهل بلدة ومنهم: يونس بن عبد الله بن مغيث ومكي بن أبي طالب وجماعة، ثم رحل إلى بلاد المشرق سنة ست وعشرين وأربعمائة أو نحوها، فأقام بمكة مع أبي ذر الهَرَويّ ثلاثة أعوام، وحج فيها أربع حجج، وكان يسكن معه بالسراة ويتصرف له في جميع حوائجه. ثم رحل إلى بغداد فأقام فيها ثلاثة أعوام يدرس الفقه ويكتب

стр. 355

الحديث، ولقي فيها جلةً من الفقهاء كأبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري رئيس الشافعية وغيره. وأقام بالموصل مع أبي جعفر السمناني عامًا كاملًا يدرس عليه الفقه، وكان مقامه في رحلته بالشرق نحو ثلاثة عشر عامًا. ومن شيوخه المحدثين: أبو عبد الله الصوري محمد بن علي، وأبو النجيب الأرموي الحافظ، وأبو الخطيب البغدادي، وهو ممن روى عنه. وروى عنه: الحافظ أبو عمر بن عبد البر وهو أكبر منه، وأبو علي بن سكرة الصَّدفي، وأبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي، ومحمد بن أبي الخير القاضي، وغيرهم مما لا حصر لهم. له من المصنفات الكثير منها «المنتقى في شرح الموطأ» مناقبه: قال ابن ماكولا: فقيه متكلم أديب شاعر، رحل وسمع بالعراق .. وكان جليلا رفيع القدر والخطر (١) اهـ. وقال أبو علي الصَّدفي: ما رأيت أحدًا على سمته وهيبته وتوقير مجلسه مثل أبي الوليد الباجي .. اهـ (٢). وقال ابن بشكوال نقلًا عن أبي علي الصَّدفي: هو أحد أئمة المسلمين (٣). وقال القاضي عِياض: كان أبو الوليد ﵀ فقيهًا نظارًا محققًا راويةً محدثًا، يفهم صيغة الحديث ورجاله، متكلمًا أصوليًا، فصيحًا، شاعرًا (٤).
следующие страницы →