داعية إليها، ولم يرو ما يؤيد بدعته (١).
٢ - الورع: وهي في الأصل: الكف عن المحارم والتحرج منها، ثم استعير للكف عن المباح والحلال (٢).
وهو بمعناه الأصلي ركن في العدالة، لكنه في المعنى الذي استعير له، يزيد في عدالة القائم به، وإنما تقدم رواية الأورع؛ لأنه أشد احتياطًا فيما يروي، وأبعد عن التساهل فيما ينقل.
لكن هذا الوجه قلما يرجح به منفردًا، فلابد من مراعاة علم الراوي وضبطه مع ذلك (٣).
ومن الصفات التي تعود إلى ذات الراوي صفات ذكرها بعض الأصوليين في الترجيح بين الأخبار، لكنها لا تُعدُّ أوجهًا معتبرة، ولا نجد المحدثين يفاضلون بها بين الرواة، منها: الذكورة، والحرية، والنسب.
فمثلًا اعتبر بعض العلماء أن الذكورة من مرجحات الروايات (٤).
وذهب الجمهور إلى أن الذكورة والأنوثة لا يدخلان في الترجيح، ولا تأثير لهما في قوة الخبر، ولذلك نجد روايات لنساء عرفن بالضبط والدقة، فاعتمد العلماء على روايتهن مثل رواية كريمة المروزية (٤٦٣) هـ، بل اعتبرت من أشهر الروايات، كما نجد رواية وزيرة التنوخية التي روى من طريقها: العيني والقسطلاني وابن حجر وغيرهم.
стр. 422
ثانيًا: التفاوت في الضبط:
يعد التفاوت في الضبط أصلًا لوقوع كثير من الاختلاف بين الرواة؛ ذلك لأن شروط الضبط: اليقظة والحفظ، أو ضبط الكتاب، والعلم بما يحيل الألفاظ عن معانيها في حال الرواية بالمعنى، وقد لا تجتمع في بعض الحالات، كما أن كل شرط منها على حدة قابل للتجزؤ والتفاوت.
قال الشافعي (٢٠٤) هـ رحمه الله تعالى:
وأهل الحديث متباينون: فمنهم المعروف بعلم الحديث، بطلبه وسماعه من الأب والعم وذوي الرحم والصديق، وطول مجالسة أهل التنازع فيه، ومن كان هكذا مقدمًا في الحفظ، إن خالفه من يقصر عنه كان أولى أن يقبل حديثه ممن خالفه من أهل التقصير عنه، ويعتبر على أهل الحديث بأن إذا اشتركوا في الحديث عن الرجل بأن يستدل على حفظ أحدهم بموافقة أهل الحفظ، وعلى خلاف حفظه بخلاف حفظ أهل الحفظ له، وإذا اختلفت الرواية استدللنا على المحفوظ منها والغلط بهذا، ووجوه سواه تدل على الصدق والحفظ والغلط (١).
وأسباب اختلاف الرواة في الضبط يرجع إلى سببين إجماليين:
الأول: أمر يتعلق بالوَهْب من الله الوهاب، فالحفظ والضبط من نعم الله تعالى وفضله على خلقه، يتفضل بها على من يشاء من عباده.
الثاني: أمر يتعلق بالكسب والاجتهاد: وذلك أن تلقِّي الراوي عن شيخه يقع ضمن ظروف متعددة تحيط بكل من الشيخ والطالب، وهذه الظروف قد تكون شخصية، وقد تكون زمانية، وقد وتكون مكانية، وغير
стр. 423
ذلك مما يظهر آثارها في تفاوت الرواة (١).
ويعرف الضبط كما يرشد إليه كلام الشافعي السابق بعرض مرويات الراوي على مرويات الرواة الحفاظ، مما ينتج عنه موافقة أو مخالفة، وتظهر نسبة ما وافقهم فيه وما خالفهم، وكلما كانت نسبة المخالفة إلى الموافقة أقل كانت مرتبة الضبط أعلى (٢).
فإن كانت موافقاته غالبة، ومخالفاته نادرة دل ذلك على ضبطه، فيقبل ما تفرد به - ومما لا تعرف فيه الموافقة والمخالفة - حملًا له على الغالب، وإن كانت مخالفاته غالبة أو كثيرة، وموافقاته نادرة أو قليلة دل على اختلال ضبطه، فلا يقبل ما تفرد به - مما لا تُعرَف فيه الموافقة والمخالفة - حملًا له على الغالب.
ومن الأمور التي يعرف بها معرفة ضبط الراوي فيما تفرد به: اعتبار روايات أصحابه عنه، فإن اتفقوا دل على ضبطه لذلك الحديث، وإن اختلفوا عليه وكانوا من الحفاظ الأثبات دل على عدم ضبطه له، وتحديثه به على أكثر من وجه.
قال عبد الرحمن بن مهدي (١٩٨) هـ رحمه الله تعالى: إنما يستدل على حفظ المحدث إذا لم يختلف عليه الحفاظ (٣).
والضبط عند المحدثين نوعان: ضبط صدر، وضبط كتاب، وقد سبق تفصيلهما في التمهيد العام للبحث.
وكلا النوعين من الضبط يعرض له الخلل.
стр. 424
قال المزي (٧٤٢) هـ رحمه الله تعالى في كتابه «تحفة الأشراف»: والوهم يكون تارة في الحفظ، وتارة في القول، وتارة في الكتابة (١) فقد يعرف التصحيف والوهم للكاتب عند كتابته، ولو صان كتابه بعد ذلك، كما يتطرق التصحيف إلى سمع الراوي للاشتباه، ولو حفظ بعد ذلك (٢).
أسباب تفاوت الرواة في الضبط ووجوه الترجيح بينهم
إن أسباب التفاوت التي تعود إلى الضبط كثيرة جدًّا، بالنسبة إلى أسباب التفاوت التي تعود إلى العدالة، ولذا سأقتصر في ذلك على ما له تعلق بالروايات والنسخ، وإن وجد غير ذلك عند المحدثين في اعتبار الاختلاف بين الرواة، وممن اهتم بذكر جملة من ذلك الخطيب في «الكفاية» حين عقد بابًا في القول في ترجيح الأخبار (٣).
ويمكن تقسيم هذه الأسباب إلى أنواع يندرج في كل قسم عدد من المرجحات أو الأسباب.
النوع الأول: ما يرجع إلى ذات الراوي:
١ - الحفظ:
وهي مظهر القوة الحافظة، وهي الملكة التي أكرم الله بها الإنسان ليتذكر بها في حاضره وما سبق أن أحسن به في ماضيه.
والرواية تعتمد على ما أحس به الإنسان بالسمع أو البصر، فكلما كان المرء أملك لاستعادة ما طرف سمعه كان أحفظ، وكلما كان أكثر نسيانًا كان أبعد عن الحفظ، وممن جعل الحفظ من مرجحات الرواة والتفاوت بينهم كثير من المحدثين ولذلك أمثله لا تعد ولا تحصى.
стр. 425
٢ - الفقه:
وهو عبارة عن فهم غرض المتكلم من كلامه، وفي الاصطلاح: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية (١).
وكلما كان صاحب الرواية فقيهًا كانت روايته أرجح، وذلك لأن عناية الفقيه مما يتعلق من الأحكام أشد من عناية غيره بذلك (٢).
وروى الخطيب في «الكفاية» عن علي بن خشرم قوله: قال لنا وكيع: أي الأسنادين أحب إليكم: الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله، أو سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؟ فقلنا: الأعمش عن أبي وائل، فقال سبحان الله! الأعمش شيخ، وأبو وائل شيخ، وسفيان فقيه، ومنصور فقيه، وإبراهيم فقيه، وعلقمة فقيه، وحديث تداوله الفقهاء خير من أن يتداوله الشيوخ (٣).
ومن الروايات التي برز فيها دور الفقه في ترجيح الرواية مع المرجحات الأخرى رواية الفقيه أبي زيد المروزي (٣٦١).
٣ - العلم بالعربية:
من المرجحات التي ذكرها الأصوليون والمحدثون: ترجيح رواية العالم بالعربية لغة ونحوًا على من دونه في العربية، وترجيح رواية الأعلم بالعربية على رواية العالم بها، وذلك لأن الواقف على اللسان يمكنه من التحفظ من مواضع الزلل ما لا يقدر عليه غير العالم به، كما إنه يميز بين
стр. 426
صريح الكلام وظاهره، ومجمله ومبينه، وعامه وخاصه، وحقيقه ومجازه.
ومن الروايات التي تميزت بذلك رواية اليونيني، حيث بالغ في توثيقها، وعرضها على الإمام النحوي جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك (٦٧٢) هـ.
النوع الثاني: ما يرجع إلى أحوال الراوي مع شيخه:
وهذا القسم إجمالًا مما اعتنى المحدثون بإفراده اعتناءً بالغًا، وأكثروا من التفضيل بين الرواة بسببه.
ومما يندرج تحت هذا القسم.
١ - البلديَّة:
والمراد بالبلديَّة أن يشترك الراوي مع شيخه، الذي روى عنه «الصحيح» في النسبة على بلد، والاشتراك قد يكون في المحلة أو المدينة أو الإقليم.
والغالب على الراوي إذا اشترك مع شيخه في النسبة إلى مكان أن يكون أضبط لحديثه وأتقن، فإذا خالفه الغرباء عن شيخه، كانت روايته مقدمة على رواية غيره، لغلبة الظن أن يكون أضبط منهم، وقد كان بعض المحدثين يؤثرون أهل بلدهم على الغرباء (١).
قال حماد بن زيد ﵀: كان الرجل يقدم علينا من البلاد، ويذكر الرجل ويحدث عنه، ويحسن الثناء عليه، فإذا سألنا أهل بلاده، وجدناه على غير ما يقول، قال: وكان يقول: بَلَديُّ الرجل أعرف بالرجل (٢).
стр. 427
فالبلديَّة لها أثرها في ضبط المرويات، كما أن لها أثرًا في الجرح والتعديل.
وقد تكون البلدية باعثة على المنافسة والتنافر، لا سيما بين الأقران، كما حدث بين محمد بن عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله الحضرمي مُطيَّن رحمهما الله تعالى، حيث حط كل منهما على الآخر.
قال ابن عدي: وابتلي مُطيَّن بالبلديَّة، لأنهما كوفيان جميعًا قال فيه ما قال (١).
٢ - القرابة:
القرابة بين الشيخ والراوي عنه قرينة تقوي الظن بضبط الراوي حديثَ شيخه، لقربه منه، ومعرفته بأحاديثه، وملازمته.
ومن أقوى الأمثلة على ترجيح الروايات بالقرابة، اشتهار رواية أبي ذر الهروي، من طريق ابنه أبي مكتوم عيسى بن أبي ذر، حيث اشتهرت عنه هذه الرواية في بلاد المغرب وغيرها.
كما فُضلت رواية ابن سعادة الأندلسي التي رواها عن شيخه وصهره أبي على الصدفي. وكثيرًا ما تجد المحدثين يؤثرون أبناءهم بأصح الروايات وأتقنها.
٣ - تقديم الشيخ للطالب وإيثاره بالرواية:
لا يُنكر اختيار الشيخ لبعض أصحابه لمزيد فهم وعلم، واختصاص الطالب بالشيخ بحيث يروي عنه ما يرويه غيره.
والأصل في ذلك ما رواه البخاري في كتاب العلم، باب مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لاَ يَفْهَمُوا: عن أنسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
стр. 428
وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ». قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: «يَا مُعَاذُ». قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. ثَلاَثًا، قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ ...» الحديث (١).
ومما يندرج في هذا الأصل إعطاء الشيخ لتلميذه نسخته الخاصة به، وذلك مثل اختصاص الفربري بالسماع من البخاري عدة مرات، وحصول الفربري على أصل البخاري بعد وفاته ليحدث منه.
النوع الثالث: ما يرجع إلى أحوال التحمل:
تحيط بالتحمل ملابسات وظروف كثيرة، تورث تفاوتاً بين المتحملين، بل التفاوت في تحمل الراوي نفسه، تبعًا لاختلاف المكان والزمان والأحوال، إضافة إلى التفاوت بين وجوه التحمل، فبعضها أقوى من بعض، وبعضها لا يعتبر به أصلًا.
لقد كان تحمل الصحابة ﵃ عن النبي ﷺ بالسماع والرؤية، ثم تبعهم في ذلك التابعون، وبعد ذلك نشطت حركة التدوين في قرن التابعين، فتحمل عنهم أتباعهم بالسماع تارة، والقراءة تارة أخرى، ثم ظهرت بعد ذلك بدايات التحمل بالإجازة والمناولة، وغير ذلك من وجوه التحمل التي لم تكن شائعة قبل هذا، حتى ازدهر التصنيف في بدايات القرن الثالث، وأصبح العمدة في الرواية على السماع والعرض والقراءة.
ومن الملابسات التي اعتبرها المحدثون في أحوال الرواية:
١ - السن في حال التحمل:
لقد قَبِل المحدثون رواية الصبي، واعتبروا التمييز في صحة التحمل.
لكنهم قدموا رواية من تحمل بالغًا، على رواية من تحمل صبيًّا، في
стр. 429
حال اختلاف الروايتين، لمظنة رجحان ضبط البالغ على ضبط الصبي.
وربما تطرقت تهمة إلى الراوي إذا روى عن شيخ لا يحتمله سنه ولُقِيّه. ومما يتعلق بسن الرواية قدم التحمل.
وقدم التحمل من أسباب التفاوت بين الرواة، فيكون ما رواه قدماء الرواة عن الشيخ، أرجح مما رواه المتأخرون من أصحابه، لأن القدماء أقرب عهدًا بسماع الشيخ أو تحمله عن شيخه، فيكون أضبط له.
ولهذا عَدَّ المحدثون من أنواع العلو، العلو المستفاد من تقدم السماع، والعلو المستفاد من تقدم وفاة الراوي.
ولهذا صلة بنوع السابق واللاحق حيث يشترك في الرواية عن الشيخ متقدمٌ ومتأخرٌ، تباين وقت وفاتيهما تباينًا شديدًا (١).
ومما لا بد من ملاحظته أن قِدَم التحمل أو السماع مقدمٌ في الطبقة التي تلي طبقة أصل الحديث، بمعنى أن المتأخر الذي روى عن الرسول في آخر حياته أولى من المتقدم، ولذلك فإذا اعُتبر أن البخاري هو مدار الإسناد، وكتابه هو أصل الرواية، أدى ذلك إلى تفضيل رواية المتأخر على المتقدم، فلا شك أن من تأخر سماعه من البخاري كان أفضل ممن تقدم لدلالة ذلك على اكتمال صورة «الصحيح» عند البخاري في آخر أمره. هذا بالنسبة للشيخ.
أما بالنسبة للراوي فلا شك أن من تقدم سماعه في صغر سنه أولى ممن سمع في حال كبره، ما دام التحمل كان بعد بلوغ سن التميز.
وتميزت لذلك رواية الفربري التي سمعها من البخاري ما بين سنوات (٢٤٨ - ٢٥٥) هـ في حين كانت وفاة البخاري سنة (٢٥٦) هـ
стр. 430
ولذلك فإن كثيرًا من الروايات المشهورة من «صحيح البخاري»، - خاصة بعد طول الإسناد - كانت عالية الإسناد.
ومن أعلى الأسانيد في رواية «الصحيح» رواية ابن الملقن التي اعتمد عليها في شرحه «التوضيح».
وذلك لأن غالب رواته رووه في الصغر؛ فأبو الوقت سمعه في السابعة وكذا الحجار، والزبيدي في الثامنة، والداودي دون العشرين، ونحوه الفربري والحموي، وعمّروا أيضًا فالداودي وأبو الوقت جاوزا التسعين والباقون قاربوها، والحجار جاوز المائة (١).
وابن الملقن روى «الصحيح» عن أبي العباس أحمد بن أبي طالب الحجار (٧٣٠)، عن الزبيدي (٦٣١) هـ، عن أبي الوقت (٥٥٣) هـ، عن الداودي (٤٦٧) هـ، عن الحموي (٣٨١) هـ عن الفربري (٢٣٠) هـ عن البخاري (٢٥٦) هـ.
٢ - وجه التحمل:
سبق أن ذكرت في التمهيد أن أوجه التحمل متفاوتة في القوة، وهي ثمانية أوجه، وبعض هذه الأوجه اتفق العلماء على العمل به وقبوله، وبعضها اختلف فيه العلماء بين القبول والردِّ، وبعضها ردَّه العلماء بالاتفاق.
ولا شك أن أرفعها: السماع من لفظ الشيخ، ثم القراءة على الشيخ وتسمى عرْضًا، ثم الإجازة، ثم المناولة .. إلخ أوجه التحمل.
فالرواية التي تحملها صاحبها بالسماع من لفظ شيخه أرفع من القراءة فقط وهكذا.
стр. 431
والتفاوت بين أوجه التحمل مبحثٌ كبير بين العلماء قديمًا وحديثًا، ولا مجال هنا لبسط القول فيه (١).
واعتبره كثير من الأصوليين مرجحًا من مرجحات التفاوت بين الروايات المختلفة (٢).
٣ - حال الشيخ عن التحمل:
وذلك بمراعاة حال الشيخ من قوة حفظه وتمام يقظته، فإذا تعرض الشيخ لنوع من اختلال الضبط، كالاختلاط مثلًا أو ضياع أصوله أو فقده لها، كاحتراقها مثلًا، إذا تعرض الشيخ لمثل ذلك عده العلماء مختلطًا، فيراعى من تحمل عنه حال ضبطه، ومن تحمل عنه حال اختلاطه.
ومن تتبع صنيع المحدثين يجد أنهم ردوا روايات لبعض الرواة، لروايتهم لها في حالة الاختلاط.
ويلتحق بذلك إذا كان الشيخ متساهلاً في الإسماع، أو يغلبه النعاس أو النوم، أو ينشغل عمن يقرأ عليه، فرواية من تحمل بهذه الصفة مرجوحة، تُرَجَّحُ عليها رواية من تحمَّل حال السلامة من ذلك.
٤ - الصحبة والملازمة:
هذا الوجه من أكثر الوجوه التي عول عليها المحدثون ترجيح بعض الروايات على البعض الآخر.
واعتبار الصحبة والملازمة من أقوى المرجحات، لأن ذلك يحصل
стр. 432
به زيادة الظن في معرفة أحوال المصحوب، ومجالسة المحدثين تزيد من الوقوف على مصطلحات الشيخ، وما يعتري الرواية من الخلل، والرجوع إلى الشيخ فيما يظهر فيه إشكال أو يحتاج إلى إيضاح.
ولعل الأصل في ذلك ما حدث مع أبي هريرة ﵁ من كثرة روايته للحديث عن رسول الله ﷺ ، وانفراده ببعض الأحاديث التي لا تروى إلا من خلاله، وذلك لشدة ملازمته لرسول الله ﷺ في حله وترحاله، وقد أفصح بذلك أبو هريرة نفسه، عندما بلغه إنكار البعض عليه كثرة رواياته.
روى البخاري في كتاب: العلم، باب حفظ العلم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وِإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشِبَعِ بَطْنِهِ وَيَحْضُرُ مَا لاَ يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لاَ يَحْفَظُونَ (١).
ويترتب على كثرة الملازمة كثرة المرويات والمسموعات من الشيخ فيروي العدد من الأحاديث لا يشاركه فيها غيره.
كما يؤدي ذلك إلى تكرار سماع التلميذ الأحاديث من الشيخ، وفي ذلك فوائد لا تعد ولا تحصى، منها حصول معارضة المسموع أو المروي، مما يفيد التثبت في الرواية.
ومن أهم ما يترتب على الملازمة أيضًا: وقوف التلميذ على ما استجد عن الشيخ من رأي أو رواية، وذلك له أهميته خاصة في ما يحتاج إلى اجتهاد ونقد.
ولذلك فضل العلماء كثيرًا من روايات «الصحيح» التي عرف عن
стр. 433
أصحابها ملازمتهم لشيوخهم في ذلك، ولعل الفربري (٣٢٠) هـ من أكثر الأمثلة للدلالة على هذا الأمر حيث سمع «الصحيح» من البخاري في ثلاث سنين مرتين وقيل ثلاث مرات على ما سبق توضيحه في رواية الفربري.
ومن هذه الأمثلة أيضًا تفصيل العلماء الرواية ابن سعادة الأندلسي لملازمته، لشيخه وصهره أبي علي الصدفي وغير ذلك.
٥ - عناية المحدث بكتابه:
كانت الرواية في القرنين الأول والثاني جل الاعتماد فيها على الذاكرة، فلما بعد الإسناد وقلت الهمم بدأ الاعتماد على الكتابة، ثم جاء عصر التصنيف، وأصبح المعول عليه الكتاب أو النسخة مضافًا إلى الحفظ، ولذلك نجد المحدثين اعتنوا عنايةً تامةً بكتابة الحديث وضبطه وتقييده، حتى جعلوه عِلمًا من علوم الحديث، وقد سبق في التمهيد الحديث عن ضوابط كتابة الحديث عند المحدثين.
فكانت عناية المحدث بنسخته ومعارضتها، من أهم عوامل الترجيح بين الروايات لـ «الصحيح»، ولا يتأتى ذلك إلا لمن رزقه الله التبحر في الحديث وعلومه.
فإذا انضم إلى المعارضة أو المقابلة اقتناء نسخة الشيخ التي حدَّث منها، كان لذلك الأثر البالغ في تقديم هذه الرواية، ولذلك كانت رواية الفربري (٣٢٠) هـ الرواية عن البخاري أصح الروايات وأكثرها انتشارًا لوجود أصل «الصحيح» معه.
كما تميزت رواية أبي مكتوم ابن أبي ذر الهروي (٤٩٧) هـ لوجود أصل أبيه معه حتى باعه لأحد أمراء المغرب.
стр. 434
وبلي هذه المرتبة معارضة النسخة على أصل الشيخ المروي عنه.
ولذلك نجد القطعة الموجودة من رواية أبي زيد المروزي (٣٧١) هـ التي كتبت في حياة أبي زيد، وقوبلت على روايته اكتسبت أهمية كبيرة.
ولقد تميزت كريمة المروزية (٤٦٣) هـ في إسماعها «الصحيح» أنها كانت لا تعطي إجازة بالرواية إلا بعد مقابلة النسخة التي كتبها التلميذ على نسختها، حتى اشتهر عنها ذلك وعرفت به.
ومما يدل على عناية بعض العلماء بروايتهم محاولة تعيين المهمل من الرواة، أو زيادة التعريف بهم، بما يمنع الالتباس بغيرهم، كما فعل ابن السكن (٣٥٣) هـ في نسخته حيث نقل عنه الجياني (٤٩٨) هـ في كتابه «تقييد المهمل» عدة نصوص تمثل قواعد في ذلك سبق ذكرها.
كما توجد بعض الزيادات من بعض الرواة على هامش نسخهم، وهذه الزيادات قد تكون تعريفًا لراو، أو وصلًا لمعلق، أو غير ذلك مما سبق بسطه عند الحديث عن وصف النسخ.
ومما يدخل في عناية المحدث بكتابه مقابلته على عدة روايات، ومحاولة الوصول إلى وجه الصواب في نسخته، كما فعل ذلك أبو ذر الهروي (٤٣٤) هـ، فقد جمع في روايته ثلاث روايات، وقابل بينها، وعرفت هذه الرواية برواية أبي ذر الهروي عن شيوخه الثلاثة وهم: أبو إسحاق المستملي (٣٧٦) هـ، وأبو محمد الحموي (٣٨١) هـ، وأبو الهيثم الكشميهني (٣٨٩) هـ.
وأيضًا ما فعله شرف الدين اليونيني (٧٠١) هـ، فقد جمع كل ما وقف عليه من روايات لـ «الصحيح»، ورتبها على نسق لم يسبق إليه، بعد أن اختار أوثق الروايات وأصحها، ثم عرضها على الإمام اللغوي ابن مالك؛
стр. 435
لتوجيهها من ناحية العربية، فبلغت نسخته مبلغا عظيمًا من الدقة والكمال، لما بذل فيها من عناية، فنالت منزلة عظيمة بين العلماء.
وعناية المحدثين برواية «الصحيح» ونسخه، لا يمكن استيعابها، وما ذكرته فيه إشارة سريعة، لتناسب المقام، وقد بسطت في كل رواية ما بذله صاحبها من عناية بها.
النوع الرابع: ما يرجع إلى أحوال الأداء (١).
أداء الرواية هو تبليغها وإلقاؤها للتلميذ بصورة من صور الأداء، وكما جعل المحدثون صورًا للتحمل جعلوا أيضًا صورًا للأداء، وكما يتفاوت الرواة في التحمل، يتفاوتون في الأداء.
ولقد عرفت بعض الأشياء عند المحدثين جعلوها من قبيل الاحتياط في الرواية والتشديد في إسماعها، فمن التزم بها عرف بضبطه وثقته، ومن عرف عنه عكسها نزل بسببها في رتبته عمن تمسك بها.
ومن هذه الأمور التي جعلها المحدثون من قبيل التساهل في الأداء:
النوم وهو يُقرأ عليه أو النسخ حال القراءة عليه، أو الانشغال بالتحدث عن الحديث. والتحديث من غير أصل مقابل، وقبول التلقين في الحديث.
ومن الاحتياط:
أن يكون أصل الراوي عند القراءة عليه بيده، أو بيد غيره وهو أهل لذلك.
أو عدم روايته من كتاب لم يعارضه، أو من نسخة ليس عليها سماعه، وعدم روايته إلا ما تحمله بطريق السماع أو العرض لاختلاف
стр. 436
المحدثين في جواز الرواية بالإجازة.
ومن الحيطة بيان ما عرض له في سماعه من وهن أو خلل كالسماع في مجلس مذاكرة وغير ذلك.
ومما يلاحظ أن نسخ «الصحيح» التي اشتهرت عرف عنها ذلك، ولا مجال لتفصيله هنا، وقد فصلته في وصف الروايات.
النوع الخامس: ما يرجع إلى صفة الرواية:
وهو اشتهار هذه الرواية وكثرة الناقلين لها.
وهذا وجه مهم جدًّا في أوجه التفاضل بين الروايات، فلا شك أن كثرة الرواة عن الراوي يدل على وثوقهم بهذه الرواية، فهو بمنزلة موافقه وقبول لهذه الرواية في الوقت الذي اشتهرت به، خاصة أن المحدثين لا يتحملون إلا الرواية التي تتميز بالضبط، والصحة، والوثوق بمن رويت عنه.
ولذلك نجد في كل طبقة من الطبقات بعد عصر الإمام البخاري رواة كثيرين، وتشتهر من بينهم في كل طبقة بعض الروايات التي يقبل عليها العلماء لأسباب عرفت عن هذه الروايات.
فمثلًا في الطبقة الأولى التي تلي البخاري اشتهرت فيها أربع روايات، واشتهرت بينهم رواية الفربري، وفي الطبقة التي تليها اشتهرت رواية ابن السكن، ورواية الكشمينهي ورواية المستملي ورواية الحموي ورواية أبي زيد المروزي ... إلخ.
وفي الطبقة التي تليهم رواية أبي ذر الهروي، ورواية كريمة المرورية، ورواية الأصيلي وهكذا.
حتى عصر اليونيني فاشتهرت روايته وما تفرع عنها في بلاد
стр. 437
المشارقة.
كما اشتهرت رواية أبي علي الصدفي في بلاد المغرب والأندلس ..
فشهرة الرواية تدل على عناية المحدثين بهذه الرواية وغير ذلك.
المجموعة الثانية: أسباب الاختلافات التي تتعلق بالمروي وهو «الصحيح»:
أسباب اختلاف الروايات كثيرة جدًّا يصعب حصرها، وهذه الاختلافات منها ما يعود إلى منهج البخاري في «صحيحه»، ومنها ما يرجع إلى العوامل البشرية للرواة، أو العوامل الطبيعية، أو تقادم الزمان.
ولذا سأقتصر على أهمها مع ذكر بعض النماذج لما وقع في «الصحيح» منها، مع مراعاة أن كثيرًا من الأمثلة يدخل في أكثر من سبب.
١ - الاختلاف في النقل عن أصل البخاري نفسه:
سبق ذكر عناية البخاري بـ «صحيحه» وإسماعه لخلق كثيرين.
وممن اشتهر من الرواة عنه الفربري وروايته اشتهرت، وتميزت عن غيرها لأسباب سبق ذكرها في مبحث روايته.
ولقد بلغت عنايته بـ «الصحيح» أنه كتب نسخته منه بخطه، وكان الرواة عنه يقابلون نسخهم بنسخته عند المعارضة.
وهناك أسئلة - تحتاج إلى إجابة - والوصول إليها، يزيل كثيرًا من الإشكالات:
وهذه الأسئلة هي: هل كتب البخاري نسخة من «الصحيح» تامة تمثل الصورة النهائية لـ «الصحيح» أم لا؟
وإذا كتب فأين هي الآن؟ ولماذا وجدت هذه الاختلافات في الطبقة
стр. 438
الأولى والثانية عن البخاري إذا كانوا قد نسخوا من كتاب واحد؟
قلت (الباحث): من المؤكد أن الإمام البخاري كانت له نسخته الخاصة به من «الصحيح» فقد عرف ذلك واشتهر عنه، وهذه النسخة كتبها محمد بن أبي حاتم الوراق كاتب البخاري، وقد نص غير واحد على ذلك من أقدمهم أبو إسحاق المستملي (٣٧٦) هـ.
وقد نقل أبو الوليد الباجي (٤٧٤) هـ في كتابه «التعديل والتجريح» عن المستملي نصًّا، اختلف العلماء في توجيهه.
قال الباجي: وقد أخبرنا أبو ذر عبد بن أحمد الهروي الحافظ ﵀ حدثنا أبو إسحاق المستملي إبراهيم بن أحمد قال انتسخت كتاب البخاري من أصله، كان عند محمد بن يوسف الفربري، فرأيته لم يتم بعد، وقد بقيت عليه مواضع مبيضة كثيرة، منها تراجم لم يُثبِت بعدها شيئا ومنها أحاديث لم يترجم عليها فأضفنا بعض ذلك إلى بعض (١).
فهذا النص - وهو صحيح الإسناد إلى المستملي - يصرح فيه المستملي أنه انتسخ نسخته من أصل كتاب البخاري، الموجود عند محمد بن يوسف الفربري، ولا شك أن ذلك - على أدنى تقدير - الصورة التي روى عليها الفربري «الصحيح» من البخاري، وقد سمع الفربري الصحيح من البخاري في سنوات (٢٤٨) هـ إلى (٢٥٥) هـ وهو مقارب جدًا لوفاة الإمام البخاري المتوفي سنة (٢٥٦) هـ.
وبناء تصبح رواية الفربري أقربَ الصور التي استقر عليها البخاري في «صحيحه».
وكلام المستملي يفيد صراحة أنه لم يِتَم بعد، وبقاء بعض المواضع
стр. 439
مبيضة أي: ترك مكانها بياضًا لم يكتب فيه شيئًا، وأن هذه المواضع كثيرة، ومنها تراجم لأبواب لم يكتب فيها أحاديث، وأحاديث لم يكتب لها ترجمة.
قال المستملي: فأضفنا بعض ذلك إلى بعض.
وقول المستملي: (فأضفنا) يفيد اطلاع غيره على هذا الأصل، وكأنه يعني بعض الرواة عن الفربري، كما فصله هو بعد ذلك، كما يفيد أنهم اجتهدوا في إلحاق الأحاديث بالتراجم المبيضة.
وإذا كان وضع الأحاديث تحت التراجم المبيضة كان مرجعه إلى اجتهاد كل راوٍ، فلاشك في حدوث اختلاف بين هذه الروايات لاختلاف اجتهادات الرواة.
وهذا النقل عن أبي الوليد الباجي الذي ساقه بسنده إلى المستملي اختلفت وجهة نظر العلماء والشراح الذين جاءوا بعده فيه.
فالباجي نفسه يدلل على صحة ما نقله عن المستملي بقوله: ومما يدل على صحة هذا القول أن رواية أبي إسحاق المستملي، ورواية أبي محمد السرخسي، ورواية أبي الهيثم الكشميهني، ورواية أبي زيد المروزي - وقد نسخوا من أصل واحد - فيها التقديم والتأخير، وإنما ذلك بحسب ما قَدَّرَ كلُّ واحد منهم، فيما كان في طرة، أو رقعة مضافة، أنه من موضع ما، فأضافه إليه، ويبين ذلك: أنك تجد ترجمتين أو أكثر من ذلك متصلة، ليس بينها أحاديث (١).
ويؤكد ابن رشيد الفهري (٧٢١) هـ في كتابه «إفادة النصيح» ما جاء عن الباجي فيقول: ونقل أبو إسحاق (يقصد المستملي) فرعه من أصل
стр. 440
البخاري (١).
وقد نقل الحافظ ابن حجر في «هدي الساري» ما جاء عن الباجي السابق ذكره، من اختلاف نسخ الأربعة المذكورين عن الفربري، وقد نسخوا من أصل واحد، وهو أصل البخاري نفسه ثم يقول: وهذه قاعدة حسنة يفزع إليها حيث يتعسر وجه الجمع بين الترجمة والحديث، وهي مواضع قليلة جدًّا (٢).
ويقول ابن حجر أيضًا في «الفتح» في شرح باب: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا ...﴾ قال: وهذا يؤيد ما تقدم من النقل عن أبي ذر الهروي أن أصل البخاري كان عند الفربري، وكانت فيه إلحاقات في الهوامش وغيرها، وكان من ينسخ الكتاب يضع الملحق في الموضع الذي يظنه لائقًا به، فمن ثَمَّ وقع الاختلاف في التقديم والتأخير، ويزاد هنا أن بعضهم احتاط فكتب الملحق في الموضعين فنشأ عنه التكرار .. (٣).
وهذه النصوص من ابن حجر وابن رشيد تدل على موافقتهما لأبي إسحاق المستملي فيما نقله عنه الباجي.
لكن الإمام شهاب الدين القسطلاني في مقدمة «إرشاد الساري» قال بعد نقله ما جاء عن الباجي: وهذا الذي قاله الباجي فيه نظر من حيث إن الكتاب قرئ على مؤلفه، ولا ريب أنه لم يقرأ عليه إلا مرتبًا مبوبًا، فالعبرة بالرواية، لا بالمسودة التي ذُكر صفتها (٤).
стр. 441
قلت (الباحث): ما ذكره القسطلاني مخالفًا بذلك ابن حجر وابن رشيد والباجي فيه نظر من حيث الواقع، فالرواة عن البخاري ومن بعده وقع بينهم بعض الاختلافات لا يمكن توجيهها إلا بإعمال هذه القاعدة، وهذه المواضع قليلة جدًّا كما ذكر ابن حجر، كما أنها لا تعني وجود تعارض يطعن في «الصحيح»؛ لأنها متعلقة بالسياق العام وترتيب الكتاب، وليست من العلل التي تقدح في صحة الأحاديث، وترك بعض المواضع مبيضة في نسخة الإمام البخاري في موضع تراجم بعض الأبواب لما عرف من تأني الإمام البخاري - كما ذكر ابن رشيد - وحرصه على دقة الاستنباط للأحكام من الأحاديث، وهو أمر لا يعاب به فاعله، لاسيما مع ما عرف به الإمام من حسن النية، وجميل الفعلة فيما أنجزه من تراجم الكتاب وهو الغالب كما قدمت (١).
وبناء على ما سبق فإن من أسباب وجود اختلافات بين الروايات أن الرواة الأُوَل الذين نقلوا من أصل البخاري اجتهدوا في وضع بعض الأحاديث تحت بعض التراجم المبيضة. والله أعلم.
٢ - كثرة الرواة عن البخاري:
لقد بذل البخاري ﵀ قصارى جهده وعنايته في انتقاء أحاديث «الصحيح»، واستغرق في تأليفه سنواتٍ كثيرةً، ثم عرضه على صفوة النقاد في عصره لهذا لم يكن غريبًا أن يعد هذا الكتاب أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، مما جعل جمهور الأمة الإسلامية في زمانه يحرصون على سماع هذا «الصحيح» عن مؤلفه، ثم ممن سمعه، ويكتبونه من أصله، ثم ما تفرع منه من النسخ المعتبرة.
стр. 442
وعرف عن البخاري ﵀ كما جاء ذلك في تراجمه أنه كان يعقد مجالسَ لإملاء الحديث، ويكتب فيها عنه حتى كان له في بغداد وحدها ثلاثة من المستملين مما يدل على اجتماع ألوف من السامعين في مجالسه.
ولهذا فإن «الصحيح» قد تواتر نقله عن البخاري سماعًا وقراءة جيلًا بعد جيل من مختلف الأقطار، وثبتت كتابته أيضًا من نسخته الأصلية الخاصة، التي كانت تحت يد أشهر تلاميذه وهو الفربري.
ولذا يقول محمد بن يوسف الفربري: سمع كتاب «الصحيح» لمحمد بن إسماعيل تسعون ألف رجل، فما بقي أحد يُروَى عنه غيري.
وقد سبق ذكر الرواة الذين وقفت عليهم عن البخاري، ثم عن الطبقة التي تليه، ثم عن الطبقة التي تليهم وهكذا.
وهكذا تعددت الروايات لـ «الصحيح» وانتشرت في ربوع العالم الإسلامي، وتعددت لذلك نسخه الخطية؛ ولأجل كل ذلك حدث فروق بين النسخ الخطية لـ «الصحيح» في صور كثيرة من الاختلافات بعضها يتعلق بالسياق العام للكتاب، وبعضها يتعلق بالأسانيد، وبعضها يتعلق بالمتون وبعضها يتعلق بالكتب والتراجم الموضوعة للأبواب وغير ذلك.
وهذه الكثرة العددية كانت سببًا - نتيجة لاختلاف ضبط الرواة - لوجود كثير من الاختلافات بفعل العوارض التي تعرض للبشر من اختلافهم في الدقة والضبط والعناية وغير ذلك.
كما أن كثرة النسخ تؤدي إلى وقوع كثير من العيوب التي تنشأ من عامل الزمن والعوامل الطبيعية، وغير ذلك.
وهذه الفروق الموجودة لا تعد قادحة في سلامة عموم نصوص «الصحيح» ولا معارضة لثبوت تواتر مجموعه سماعًا ونقلًا عن البخاري
стр. 443
فمن بعده إلى يومنا هذا.
٣ - ومن الأسباب التي تعود إلى العوامل البشرية:
أولًا: التصحيف والتحريف
وهما من الأمور الطارئة التي تقع في الحديث سندًا ومتنًا عند بعض الرُّواة، وهو من الأمور المؤدية للاختلاف بين الرُّوايات في الحديث.
وأبدأ بمعناه اللغوي ثم أتبعه بمعناه الاصطلاحي عند المحدثين.
قال أبو أحمد العسكري في كتابه: «شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف» (١): فأما معنى قولهم: (الصحفي) و (التصحيف) فقد قال الخليل بن أحمد: إن الصحفي الذي يروي الخطأ على قراءة الصحف بأشباه الحروف.
وقال غيره: أصل هذا أن قومًا كانوا أخذوا العلم عن الصحف من غير أن يلقوا فيه العلماء، فكان يقع فيما يروونه التغيير، فيقال عنده: قد صحفوا، أي: رددوه عن الصحف، وهم مُصَحِّفوِن، والمصدر التصحيف ا. هـ.
وقال ابن منظور: والمُصَحِّفُ والصحفي الذي يروي الخطأ عن قراءة الصحف بأشباه الحروف، مولدة .. والتصحيف: الخطأ في الصحيفة (٢).
وقال الفيومي: والتصحيف: تغيير اللفظ حتى يتغير المعنى المراد من الموضع، وأصله: الخطأ، يقال: صحفه فتصحف، أي: غيَّره فتغير حتى التبس (٣).
стр. 444
وقال الجُرْجانيّ في «التعريفات» (١): التصحيف: أن يقرأ الشيء على خلاف ما أراد كاتبه، أو على (٢) ما اصطلحوا عليه. ا. هـ.
ومن الملاحظ على هذه التعريفات أنها تختص بنوع واحد من أنواع التصحيف، وهو تصحيف البصر، وبعضهم خصَّه بما يترتب عليه تغير المعنى، ولا شك أن التصحيف أعم من ذلك.
أما التحريف: فقد قال ابن منظور: وتحريف الكلم عن مواضعه: تغييره، والتحريف في القرآن والكلمة: تغيير الحرف عن معناه، والكلمة عن معناها، وهي قريبة الشبه كما كانت اليهود تغير التوراة بالأشباه، فوصفهم الله تعالى بفعلهم فقال: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّواضِعِهِ﴾ [سورة النساء آية: ٤٦] (٣).
وقال الجُرْجانيّ: التحريف: تغيير اللفظ دون المعنى (٤).
ومن الملاحظ أن القدامى من المحدثين لم يعتنوا بتعريف التصحيف والتحريف أكثر من اعتنائهم بسرد أمثلة كثيرة من التصحيفات الواقعة في المتون والأسانيد تحذيرًا من الوقوع فيها، وبيان وجه الصواب فيها.
كما أنهم لم يفرقوا بين التصحيف والتحريف، وإن كانت كلمة التصحيف أكثر استعمالًا عندهم؛ لأنها المصطلح الذي اختص به أهل الحديث وتولد في أحضانهم.
بل إن بعضهم كان يستعمل كلمة التصحيف بدلًا من التحريف
стр. 445
والعكس.
حتى جاء الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة (٨٥٢) هـ وعرف التصحيف والتحريف وفرق بينهما.
قال ابن حجر في «نزهة النظر شرح نخبة الفكر»:
إن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخط في السياق، فإن كان ذلك بالنسبة إلى النقط فالمُصَحَّف، وإن كان بالنسبة إلى الشكل فالمُحرَّف (١). ا. هـ.
يشير هذا التعريف الذي وضعه الحافظ ابن حجر إلى أن التصحيف هو تغيير الحرف أو الحروف الناتج عن تغيير النقط في الحروف المتماثلة في الرسم مثل: (الباء والتاء والثاء والياء والنون)، و (الجيم والحاء والخاء) و (الدال والذال) و (الراء والزاي)، و (السين والشين)، و (الصاد والضاد)، و (الطاء والظاء)، (والعين والغين) و (الفاء والقاف).
فهذه الحروف متماثلة في الرسم لا يميزها عن بعضها إلا النقط.
وأما معنى التحريف عند ابن حجر فمرده إلى التغيير في الحرف أو الحروف الناتج عن التشابه في شكل الحروف كالدال والراء والذال واللام والميم والعين .. إلى آخره.
وهذا التعريف الذي وضعه الحافظ ابن حجر للتصحيف والتحريف مفرقًا بينهما بما سبق، مما انفرد به، ونظرًا لمنزلته ومكانته، فإن من جاء بعده نقل عنه هذا التعريف، حتى اشتهر وانتشر بين المحدثين.
والناظر في أقوال المحدثين القدامى قبل ابن حجر يجد أنهم لا يفرقون بين التصحيف والتحريف كما قال ابن حجر، وإنما اعتبروا أي
стр. 446
تغيير في صورة الكلمة يعد عندهم تصحيفًا.
قال الشافعي ﵀ (٢٠٤) هـ كما نقله عنه الحاكم بإسناده في «معرفة علوم الحديث»: صحف مالك في عمر بن عثمان، وإنما هو عمرو بن عثمان، وفي جابر بن عتيك وإنما هو جبر بن عتيك، وفي عبد العزيز بن قرير وإنما هو عبد الملك بن قريب (١). ا. هـ.
فقد أطلق الشافعي لفظ التصحيف على ما لا يتعلق بنقط الحروف.
وكذلك فعل الإمام أحمد بن حنبل (٢٤١) هـ فقد روى من طريقه عن محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة بن مالك بن عرفطة .... قال: صحف شعبة فيه ﵀ وإنما هو خالد بن علقمة (٢).
يقصد في قوله: عن مالك بن عرفطة.
وأطلق الخطابي (٣٨٨) هـ التصحيف على سقط بعض الحروف كما في كتابه «إصلاح غلط المحدثين» حيث قال في كلمة حيري الدهر: يصحفون فيه فيقولون: حير الدهر (٣).
وكذلك الحاكم في كثير من الأمثلة يطلق لفظ التصحيف على ما ليس بتغيير في النقط كما قال في «معرفة علوم الحديث»: ذِكْر (الوجه) تصحيف من الرُّواة لاجتماع الثقات والأثبات من أصحاب عمرو بن دينار على
стр. 447
روايته عنه: «ولا تغطوا رأسه» وهو المحفوظ (١). اهـ.
وكذا قال: صحف بقية بن الوليد في ذكر صفية، ولم يتابع عليه، والحديث عند يحيى بن سعيد وغندر والناس: عن شعبة عن قتادة، عن أبي أيوب العتكي، عن جويرية بنت الحارث عن النبي ﷺ نحوه. (٢) اهـ.
فقد أطلق على تغيير كلمة (الوجه) بدلًا من (الرأس) تصحيفًا، كما ذكر أن تغيير صفية بنت حُيي بدلًا من جويرية بنت الحارث تصحيف، وهذا لا يطلق على ما اصطلح عليه ابن حجر في تعريف التصحيف أو التحريف.
وأيضًا أبو نعيم الأصبهاني (٤٣٠) هـ فقد ذكر في «معرفة الصحابة» في ترجمة: كريم بن جزيء قال: كريم بن جزيء أتى النبي ﷺ فسأله عن خشاش الأرض، وهو وهم وتصحيف إنما هو خزيمة بن جزيء (٣).
وابن عبد البر (٤٦٣) هـ في «التمهيد» أطلق التصحيف على التغيير بغير النقط، قال في عبد الرحمن الصنابحي: وزهير بن محمد لا يحتج به إذا خالفه غيره، وقد صحف فجعل كنيته اسمه وكذلك فعل كل من قال فيه: عبد الله لأنه أبو عبد الله، وقد قال فيه الصلت بن بهرام عن الحارث بن وهب: عن أبي عبد الرحمن الصنابحي، فهذا صحَّف أيضًا فجعل اسمه كنيته، وكل هذا خطأ وتصحيف (٤) اهـ.
وكذا القاضي عِياض (٥٤٤) هـ قال في «المشارق» في قوله: (وأخذ بأذني اليمنى يفتلها) وقع في كتاب الأصيلى: (بيدي اليمنى) وهو
стр. 448
تصحيف (١). اهـ.
وقال في قوله: (لو غير أَكَّارٍ قتلني) بفتح الهمزة وتشديد الكاف، هو الحفار والحراث .. وجاء في بعض روايات مسلم: (لو غيرك كان قتلني) وهو تصحيف وخطأ (٢). اهـ.
وكذا جاء عن الشيخ أبي عمرو بن الصلاح (٦٤٣) هـ والحافظ أبي الحجاج المزي (٧٤٢) هـ، والحافظ أبى عبد الله الذَّهبي (٧٤٨) هـ حتى الحافظ ابن حجر العسقلاني نفسه، قد جاء عنه كثير من الأمثلة التي تدل على عدم التزامه بما عَرَّف به التصحيف والتحريف (٣).
ويردُّ على الحافظ ابن حجر أيضًا تلك التقسيمات الواردة عن المحدثين بشأن التصحيف، حيث قسموه إلى: تصحيف البصر، وتصحيف السمع، وتصحيف اللفظ، وتصحيف المعنى .. إلخ.
ولذا نجد الحافظ زين الدين العراقي شيخ الحافظ ابن حجر قال: وقد أطلق من صنف في التصحيفِ التصحيفَ على ما لا تشتبه حروفه بغيره، وإنما أخطأ فيه راويه، أو سقط بعض حروفه من غير اشتباه (٤).
فقد تأكد بعد كل ذلك أن المحدثين توسعوا في استعمال التصحيف إلى أعمَّ مما قيده به الحافظ ابن حجر، ولذلك ما أشمل وأجمل التعريف الذي ذكره الحافظ السخاوي في «فتح المغيث»، وتابعه عليه الصنعاني في كتابه «توضيح الأفكار» (٥) بأنه تحويل الكلمة عن الهيئة المتعارفة إلى
стр. 449
غيرها (١)!
ويدخل في الكلمة أسماء الرُّواة سواء كانت مفردة أم مركبة، كما يدخل في ذلك أيضًا المتون، وإذا كان اصطلاح المحدثين كذلك فقد سرت على هذا التعريف وهو عموم إطلاقه على تغيير الهيئة والله أعلم.
أهمية الاحتراز عن التصحيف والتحريف:
لقد حذر الحفاظ من خطر التصحيف والتحريف وأكدوا على ضرورة أخذ العلم عن أهله المتقنين له تلقيًا ومشافهةً، ومنعوا من أخذه عن الصحف وأهلها.
يقول سعيد بن عبد العزيز التنوخي - أحد الثقات الأثبات -: لا تحملوا العلم عن صحفي، ولا تأخذوا القرآن عن مصحفي (٢).
وقال سليمان بن موسى: لا تأخذوا الحديث عن الصحفيين ولا تقرءوا القرآن على المصُحفيينَ (٣).
وقال يحيى بن معين: من حدث، وهو لا يفرق بين الخطأ والصواب فليس بأهل أن يحمل عنه (٤).
وكان الحفاظ يتشددون في أمر التصحيف والتحريف فلا يأخذون من مُصحِّف. قال مجاهد. قلت لحماد بن عمرو: أخرج إلى كتاب خُصيف
стр. 450
فأخرج إلى كتاب حُصين، فإذا هو ليس يفصل بين خُصيف وحُصين فتركته (١).
ومن أجل الإتقان في الحفظ وصيانة الرِّواية من الإخلال والخلل حرص طلبة الحديث على ملازمة الشيوخ والسماع منهم سماعًا شفهيًّا.
كما كانوا يحرصون على قراءة الحديث من أصولهم على شيوخهم من أجل ضبطها، وهو العرض والمقابلة، ولذا كانت كريمة المروزية لا تجيز الرِّواية من نسختها إلا بعد العرض والمقابلة، كما سبق ذكر ذلك في روايتها، وقد ذكرت في التمهيد ما يدل على العناية التامة من المحدثين بكتبهم وطرقهم في ذلك، للاحتراز عن وقوع خلل في الروايات وغير ذلك.
أقسام التصحيف:
لقد قُسم التصحيف بأكثرَ من اعتبار، فقد قسمه المحدثون إلى: تصحيف في الإسناد، وتصحيف في المتن، وقسمه العلماء أيضًا إلى: تصحيف البصر، وتصحيف السمع، قُسم أيضًا إلى تصحيف المعنى وتصحيف اللفظ.
ويمكن القول أن التقسيم الأول باعتبار موضع التصحيف وهو السند أو المتن، والتقسيم الثاني باعتبار سبب التصحيف وهو السمع أو البصر، والتقسيم الثالث باعتبار الأثر المترتب على التصحيف، وإليك تعريف هذه الأقسام بإيجاز.
١ - تصحيف الإسناد: هو التغيير أو التبديل الذي يقع في أسماء الرُّواة، ووقوع التصحيف في أسماء الرُّواة أكثر من وقوعه في ألفاظ المتن،
стр. 451
وله صور متعددة فقد يُصحف راوٍ من رواه السند بما يترتب عليه اختلاف الراوي، وقد يكون أحدهما ثقة والآخر ضعيفًا، كما قد يقع التصحيف في اسم الراوي أو اسم أبيه أو النسبة أو الكنية وغير ذلك.
ولا يقتصر التصحيف على أسماء الرُّواة فقد يقع التصحيف في صيغ الأداء كأن تصحف كلمة (حَدَّثَنا) إلى (أَخْبَرَنا)، خاصة عند استخدام الرموز في التعبير عن صيغ الأداء، وطرق التحمل، وقد يؤدى هذا النوع من التصحيف إلى الجمع بين راويين أو التفريق بين راوٍ وأبيه مثلًا، كأن تصحف كلمة (عن) إلى (ابن) أو العكس وسيأتي أمثلة على ذلك إن شاء الله تعالى.
٢ - أما تصحيف المتن: فهو التغيير الذي يحصل في ألفاظ الأحاديث النبوية، أو أقوال الصحابة، أو فتاوى التابعين، كما يشتمل أيضًا في «الصحيح» على ما هو أعمُّ من ذلك، فيشمل الأبواب، والكتب، والمعلقات، والآيات القرآنية الواردة في «صحيح البُخارِيّ».
ومن هذه التصحيفات ما يترتب عليها تغيير للمعنى ويجعله على خلاف المراد منه، ومنها ما لا يؤثر في المعنى وإن أثر في اللفظ، وسيأتي أمثلة لذلك.
٣ - وتصحيف البصر: هو التغيير الذي يقع للراوي إذا حفظ الكتاب أو حدث منه، وحصل له أشتباه بين بعض الحروف لتقارب رسمها، فيقرأ الكلمة ويحدث بها على غير وجهها الصحيح.
وهو يشمل الإسناد والمتن وغير ذلك من النصوص، وهذا النوع قد يكون سببه التقارب بين رسم الكلمتين مثل (سعيد) (وشعبة) ومثل التقارب بين (سفيان) وبين (شقيق) وخاصة أن المد قد يحذف في كلمة (سفيان).
стр. 452
وقد يكون سببه التقارب بين رسم الحروف نفسها والاعتماد في التمييز بينها على النقط، مثل حروف الباء والتاء والثاء وغير ذلك مما سبق ذكره.
ومما يساعد على انتشار هذا النوع أن الأصول كانت مكتوبة باليد، فلم تكن هناك آلات للطبع تميز بين العين والفاء مثلًا وسيأتي أمثلة وقعت في «الصحيح» من هذا النوع.
٤ - وأما تصحيف السمع: فهو كما قال العراقي: أن يكون الاسم، واللقب، أو الاسم واسم الأب على وزن اسم آخر ولقبه، أو اسم آخر واسم أبيه والحروف مختلفة شكلًا ونطقًا، فيشتبه على السمع، كأن يكون الحديث عن عاصم الأحول، فيجعله بعضهم عن واصل الأحدب فقد ذكر الدارقطني أنه من تصحيف السمع وكذا عكسه (١). اهـ
ويكون هذا النوع في الإسناد، وقد يكون في المتن.
٥ - وتصحيف اللفظ: هو التغيير الذي يقع في أسماء الرُّواة، وفي متون الأحاديث، أو غير ذلك بسبب الخطأ الذي يقع في شكل الكلمات أو إعرابها، أو في نقط الحروف أو تغييرها، وليس راجعًا إلى الفهم الخطأ الذي يتبادر إلى ذهن الراوي، ومن هذا النوع ما يكون مغيرًا للمعنى بعد التصحيف.
كما قد يطلق هذا النوع على ما وقع فيه التغيير ولا يؤثر على المعنى، وهو عكس النوع الآتي.
وهذا النوع يشمل أيضًا الأسانيد والمتون وغير ذلك.
٦ - وتصحيف المعنى: هو التغيير الذي يقع في الأسماء أو الرُّواة أو
стр. 453
الألفاظ أو غير ذلك مما يكون سببه الفهم الخطأ عند الراوي، مما ينتج عنه تغير المعنى، وقد يكون اللفظ واحدًا.
فالعمدة فيه تغيير المعنى بخلاف الذي قبله، فالعمدة فيه على تغير اللفظ، ومثاله ما ذكره العراقي عن الدارقطني أن أبا موسى محمد بن المثنى العنزي الملقب بالزَّمِن أحد شيوخ الأئمة الستة، وهو المراد في قولي: إمام عنزة - قال يومًا: نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة، قد صلى ﷺ إلينا، يريد أن النبي ﷺ صلى إلى عنزة، فتوهم أنه صلى إلى قبيلتهم، وإنما العنزة هنا الحربة تنصب بين يديه (١). اهـ.
وللتصحيف أسبابٌ كثيرةٌ، ومعظمها يشترك مع أسباب الاختلاف في الروايات.
وإنما توسعت في تعريف التصحيف وبيان أقسامه؛ لأنه من أهم الأسباب التي توقع كثيرًا من الاختلافات بين روايات «الصحيح»، ويشمل كل صور الاختلافات، فهو يشمل الأسانيد والمتون، كما يشمل الكتب والأبواب.
ولأهمية هذا الباب فقد عده العلماء من المباحث الأساسية في علوم الحديث حتى إن الحاكم رحمه الله تعالى قد عده بقسميه نوعين منفصلين، حيث ذكر في النوع الرابع والثلاثين من علوم الحديث معرفة التصحيفات في المتون.
وجعل النوع الخامس والثلاثين: معرفَة التصحيفات في الأسانيد، وكذا كل من أتى بعده اعتبر التصحيف نوعًا من أنواع علوم الحديث، وهو فن جليل لا يقوم به إلا الحذاق من الرُّواة والعلماء.
أمثلة من الاختلافات بين الرُّواة وسببها التصحيف:
стр. 454
١ - جعل (شعبة) بدلًا من (سعيد).
جاء في «الصحيح» في كتاب: الغسل، باب: الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره (١) قال:
حَدَّثَنَا عَبْدُالأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ.
قال الجَيّانيّ في «تقييد المهمل» بعد أن ساق الحديث كما جاء عند اليُونِينِيّ (٢): وفي نسخة أبى محمد الأصيلي، عن أبي أحمد: (يزيد بن زريع حَدَّثَنا شعبة) جعل شعبة بن الحجاج بدل سعيد بن أبي عَروُبة وقال الأَصيلى: في عَرْضتنا بمكة على أبي زيد: سعيد: - يعني: ابن أبى عروبة - وكذلك رواه أبو علي ابن السكن وغيره من رواة الفَرَبْريّ، وهو الصواب. اهـ.
قلت: (الباحث): وهذا الحديث أورده البُخارِيّ أيضًا معلقًا عقب حديث هشام عن قتادة عن أنس. في كتاب: الغسل، باب: إذا جامع ثم عاد (٣).
ثم أسنده هنا في هذا الموضع من حديث يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة.
وفي كلا الموضعين عند جمهور الرُّواة: (سعيد) - أي: ابن أبي عروبة - وعند الأصيلى عن الجُرْجانيّ: (شعبة).
قال ابن حجر في «تغليق التعليق»: وقد رواه أحمد بن حنبل في
стр. 455
«مسنده» عن عبد العزيز العَمِّي، عن شعبة، عن قتادة، والله أعلم (١). اهـ.
وقد راجعت المطبوع من «المسند» فإذا فيه: (سعيد) على الصواب (٢) فلعله في نسخة ابن حجر، ولم يقف عليها محققو هذه الطبعة من «المسند» ولم أقف على من ذكر الحديث عن شعبة، بل جاء الحديث عند النسائي (٣) وابن حبان والبيهقي مثل رِواية الجمهور عند البُخارِيّ، فكلهم تابعوا البُخارِيّ من طريق يزيد بن زريع عن سعيد، عن قتاده به مثله (٤) وهذا ما يؤيد رِواية الجمهور إلا أن الحديث في مسلم عن شعبة عن هشام بن زيد عن أنس به (٥) ولعل هذا سبب التحريف أن للحديث أصلًا عن شعبة. والله أعلم.
وهذا النوع من التصحيف ترتب عليه تغيير الراوي وسببه تصحيف البصر، ويمكن معرفة وجه الصواب فيه عن طريق الترجيح بين الروايات، وتخريج الحديث.
٢ - ومن أمثلة هذا النوع أيضًا وهو تصحيف البصر الذي ينتج عنه اختلاف الراوي:
ما جاء في الحديث الذي رواه البُخارِيّ في كتاب بدء الخلق، باب
стр. 456
ذكر الملائكة (١) قال: حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنا ابْنُ شِهابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ والأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : «إِذا كانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ كانَ عَلَى كُلِّ بابٍ مِنْ أَبْوابِ الْمَسْجِدِ الْمَلاَئِكَةُ، ...». الحديث.
فعند جمهور الرُّواة عن البُخارِيّ هكذا: ابن شهاب عن أبي سلمة والأغر - بالمعجمة والراء والثقيلة - عن أبي هريرة. ووقع في رِواية الكُشْمِيهَني عن الفَرَبْريّ وحده: (والأعرج). بالعين المهملة الساكنة وآخره جيم.
والأول أرجح، فإن الحديث مشهور من رِواية الأغر، وهو سلمان أبو عبد الله المديني، فقد ذكره مسلم من طريق يونس بن يزيد الأيلي (٢) والنسائي في «المجتبى» (٣) من حديث معمر كلاهما عن الزهري قال: أخبرني أبو عبد الله الأغَرُّ أنه سمع أبا هريرة ﵁ فذكره.
وقال الجَيّانيّ في «تقييد المهمل» (٤): ويروى - أيضًا - من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، قال ابن السكن: ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن أبي سلمة وسعيد أبي عبد الله الأَغر. فصح بهذا كله أن الحديث حديث الأغر، لا حديث الأعرج. اهـ.
وعقب على الجَيّانيّ ابنُ حجر في «الفتح» قائلًا: قلت: بل ورد من رِواية الأعرج أيضًا، أخرجه النسائي من طريق عقيل ومن طريق عمرو بن الحارث، كلاهما عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة (٥).
стр. 457
فظهر أن الزهري حمله عن جماعة، وكان تارة يفرده عن بعضهم، وتارة يذكره عن اثنين منهم، وتارة عن ثلاثة. والله أعلم (١) اهـ.
٣ - ومن هذا النوع تصحيف (هشام) إلى (همام): كما جاء في كتاب النكاح، باب: يَقِلُّ الرجال ويكثُرُ النساء (٢) قال: حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، حَدَّثَنا هِشامٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قال: لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لاَ يُحَدِّثُكُمْ بِهِ أَحَدٌ غَيْرِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ أَشْراطِ السّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَكْثُرَ الْجَهْلُ، وَيَكْثُرَ الزِّنا، وَيَكْثُرَ شُرْبُ الْخَمْرِ، وَيَقِلَّ الرِّجالُ، وَيَكْثُرَ النِّساءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْراةً الْقَيِّمُ الْواحِدُ».
كذا جاء الحديث عند جمهور الرُّواة، وفي نسخة أبي محمد الأصيلى - كما عند الجَيّانيّ - عن أبي أحمد الحَمُّوييّ: حَدَّثَنا حفص بن عمر، نا همام، عن قتادة، عن أنس. وكتب أبو محمد في حاشية كتابه: في كتب بعض أصحابنا عن أبي زيد: هشام وما أراه إلا صحيحًا (٣).
وقال ابن حجر في «الفتح» (٤): قوله: (حَدَّثَنا هشام) هو الدستوائي كذا للأكثر، ووقع في رِواية أبي أحمد الجُرْجانيّ (٥): (همام) والأول أولى، وهمام وهشام كلاهما من شيوخ حفص بن عمر المذكور، وهو الحوضي. اهـ.
стр. 458
وقال أبو علي الجَيّانيّ (١): وهكذا رواه أبو علي بن السكن (٢) وأبو ذر، عن مشايخه الثلاثة، وكذلك في نسخة عن النَّسفي، وهو المحفوظ. اهـ.
ومما يدل على أن الحديث محفوظ لهشام عن قتادة أن البُخارِيّ خرَّجه في «الصحيح» أيضًا في أول كتاب الأشربة (٣) قال: حَدَّثَنا مسلم بن إبراهيم، حَدَّثَنا هشام، حَدَّثَنا قتادة .. فذكره، وكذا خرَّجه المزي في «تحفة الأشراف» تبعًا لأبي مسعود الدمشقي في مسند هشام الدستوائي (٤) وعزاه للبخاري في النكاح والأشربة.
والخلاصة: أن الراجح في ذلك رواية من قال: «هشام» وهي رواية الجمهور، كما أن أصحاب الأطراف رجحوا ذلك.
ومن هذا النوع أيضًا من التصحيف البصري الذي ينتج عنه اختلاف الراوي تصحيف (شعبة) إلى (سعيد) (٥).
٤ - وعكس ذلك كان في الحديث الذي رواه البُخارِيّ في كتاب اللباس، باب قِبالاَنِ فِي نَعْلٍ، وَمَنْ رأى قِبالًا واحِدًا واسِعًا. حَدَّثَنا حَجّاجُ بْنُ مِنْهالٍ، حَدَّثَنا هَمّامٌ، عَنْ قَتادَةَ، حَدَّثَنا أَنَسٌ ﵁ أَنَّ نَعْلَ النَّبِيِّ ﷺ كانَ لَها قِبالاَنِ. (٦) اهـ.
حيث تصحفت (همام) إلى (هشام)، ورِواية الجمهور على أنه هنا
стр. 459
(همام) وجاء في رِواية ابن السكن عن الفَرَبْريّ (هشام) (١).
قال ابن حجر: والذي عند الجماعة أولى.
ومما يؤيد رِواية الجمهور أن أبا داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، رووه من طريق همام به (٢).
٥ - ومن الأمثلة التي كان الاختلاف بين الرُّواة ناتجًا عن التصحيف السمعي: ما جاء في «الصحيح» في كتاب اللباس باب لبس الحرير وافتراشه للرجال .. (٣) قال: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي ذُبْيانَ خَلِيفَةَ بْنِ كَعْبٍ قال: سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: قال النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ».
فقوله: (أبي ذيبان) بضم المعجمة ويجوز كسرها بعدها موحدة ساكنة ثم تحتانية كذا في «السلطانية» بالضبطين ووضع فوقها رمز (معًا) إشارة إلى صحة الضبطين رِواية - وأبو ذبيان هو خليفة بن كعب التميمي - ووقع في رِواية أبي محمد بن أسد التي بخطه عن أبي علي بن السكن عن الفَرَبْريّ: (أبي ظبيان) بظاء مشالة بدل الذال (٤).
قلت (الباحث): وأظنه تصحيف سمعي، وهو خطأ، وأشد منه ما جاء في رِواية أبي زيد المَرْوَزيّ عن الفَرَبْريّ: (أبي دينار) بمهملة مكسورة
стр. 460
بعدها تحتانية ساكنة ونون ثم راء.
قال الجَيّانيّ في «التقييد» بعد ما ذكر ما جاء عند الجمهور على الصواب: وقال أبو محمد الأصيلى: في كتب بعض أصحابنا: عن أبي زيد: عن أبي دينار - بالدال المهملة والراء - وكذلك للبخاري في «التاريخ».
قال أبو علي: هكذا وجدته في بعض النسخ من «التاريخ» للبخاري، وكناه الناس: أبا ذبيان، هكذا لمسلم بن الحجاج، وابن الجارود، والدارقطني، وقاله ابن حنبل أيضًا (١) ولعل الذي في «تاريخ البُخارِيّ» تصحيف من النقلة، لأنه لم يتقيد عن البُخارِيّ بحرف المعجم. (٢) اهـ
قلت (الباحث): الذي في مطبوع «التاريخ الكبير (٣»). أبو ذبيان - بالذال المعجمة على الصواب - فلعل ما حكاه الأصيلي عن البُخارِيّ في «التاريخ الكبير» كان في إحدى النسخ، كما ذكر بعد ذلك الجَيّانيّ. والله أعلم.
٦ - مثال تصحفت فيه لفظة: (عن) إلى (بن) أو العكس وترتب على الاختلاف فيه إرسال الحديث أو وصله:
ما جاء في كتاب: الحدود، باب كم التعزير والأدب:
حَدَّثَنِي عَيّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنا عبد الأَعْلَى، حَدَّثَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سالِمٍ، عَنْ عبد اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُمْ كانُوا يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذا اشْتَرَوْا طَعامًا جِزافًا أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكانِهِمْ حَتَّى يُئْوُوهُ إِلَى رِحالِهِمْ. (٤)