← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 17062

روايات الجامع الصحيح ونسخه «دراسة نظرية تطبيقية»

جمعة فتحي عبد الحليم

Полный текст (885 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ذكر الملائكة (١) قال: حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنا ابْنُ شِهابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ والأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : «إِذا كانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ كانَ عَلَى كُلِّ بابٍ مِنْ أَبْوابِ الْمَسْجِدِ الْمَلاَئِكَةُ، ...». الحديث. فعند جمهور الرُّواة عن البُخارِيّ هكذا: ابن شهاب عن أبي سلمة والأغر - بالمعجمة والراء والثقيلة - عن أبي هريرة. ووقع في رِواية الكُشْمِيهَني عن الفَرَبْريّ وحده: (والأعرج). بالعين المهملة الساكنة وآخره جيم. والأول أرجح، فإن الحديث مشهور من رِواية الأغر، وهو سلمان أبو عبد الله المديني، فقد ذكره مسلم من طريق يونس بن يزيد الأيلي (٢) والنسائي في «المجتبى» (٣) من حديث معمر كلاهما عن الزهري قال: أخبرني أبو عبد الله الأغَرُّ أنه سمع أبا هريرة ﵁ فذكره. وقال الجَيّانيّ في «تقييد المهمل» (٤): ويروى - أيضًا - من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، قال ابن السكن: ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن أبي سلمة وسعيد أبي عبد الله الأَغر. فصح بهذا كله أن الحديث حديث الأغر، لا حديث الأعرج. اهـ. وعقب على الجَيّانيّ ابنُ حجر في «الفتح» قائلًا: قلت: بل ورد من رِواية الأعرج أيضًا، أخرجه النسائي من طريق عقيل ومن طريق عمرو بن الحارث، كلاهما عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة (٥).

стр. 457

فظهر أن الزهري حمله عن جماعة، وكان تارة يفرده عن بعضهم، وتارة يذكره عن اثنين منهم، وتارة عن ثلاثة. والله أعلم (١) اهـ. ٣ - ومن هذا النوع تصحيف (هشام) إلى (همام): كما جاء في كتاب النكاح، باب: يَقِلُّ الرجال ويكثُرُ النساء (٢) قال: حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، حَدَّثَنا هِشامٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قال: لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لاَ يُحَدِّثُكُمْ بِهِ أَحَدٌ غَيْرِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ أَشْراطِ السّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَكْثُرَ الْجَهْلُ، وَيَكْثُرَ الزِّنا، وَيَكْثُرَ شُرْبُ الْخَمْرِ، وَيَقِلَّ الرِّجالُ، وَيَكْثُرَ النِّساءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْراةً الْقَيِّمُ الْواحِدُ». كذا جاء الحديث عند جمهور الرُّواة، وفي نسخة أبي محمد الأصيلى - كما عند الجَيّانيّ - عن أبي أحمد الحَمُّوييّ: حَدَّثَنا حفص بن عمر، نا همام، عن قتادة، عن أنس. وكتب أبو محمد في حاشية كتابه: في كتب بعض أصحابنا عن أبي زيد: هشام وما أراه إلا صحيحًا (٣). وقال ابن حجر في «الفتح» (٤): قوله: (حَدَّثَنا هشام) هو الدستوائي كذا للأكثر، ووقع في رِواية أبي أحمد الجُرْجانيّ (٥): (همام) والأول أولى، وهمام وهشام كلاهما من شيوخ حفص بن عمر المذكور، وهو الحوضي. اهـ.

стр. 458

وقال أبو علي الجَيّانيّ (١): وهكذا رواه أبو علي بن السكن (٢) وأبو ذر، عن مشايخه الثلاثة، وكذلك في نسخة عن النَّسفي، وهو المحفوظ. اهـ. ومما يدل على أن الحديث محفوظ لهشام عن قتادة أن البُخارِيّ خرَّجه في «الصحيح» أيضًا في أول كتاب الأشربة (٣) قال: حَدَّثَنا مسلم بن إبراهيم، حَدَّثَنا هشام، حَدَّثَنا قتادة .. فذكره، وكذا خرَّجه المزي في «تحفة الأشراف» تبعًا لأبي مسعود الدمشقي في مسند هشام الدستوائي (٤) وعزاه للبخاري في النكاح والأشربة. والخلاصة: أن الراجح في ذلك رواية من قال: «هشام» وهي رواية الجمهور، كما أن أصحاب الأطراف رجحوا ذلك. ومن هذا النوع أيضًا من التصحيف البصري الذي ينتج عنه اختلاف الراوي تصحيف (شعبة) إلى (سعيد) (٥). ٤ - وعكس ذلك كان في الحديث الذي رواه البُخارِيّ في كتاب اللباس، باب قِبالاَنِ فِي نَعْلٍ، وَمَنْ رأى قِبالًا واحِدًا واسِعًا. حَدَّثَنا حَجّاجُ بْنُ مِنْهالٍ، حَدَّثَنا هَمّامٌ، عَنْ قَتادَةَ، حَدَّثَنا أَنَسٌ ﵁ أَنَّ نَعْلَ النَّبِيِّ ﷺ كانَ لَها قِبالاَنِ. (٦) اهـ. حيث تصحفت (همام) إلى (هشام)، ورِواية الجمهور على أنه هنا

стр. 459

(همام) وجاء في رِواية ابن السكن عن الفَرَبْريّ (هشام) (١). قال ابن حجر: والذي عند الجماعة أولى. ومما يؤيد رِواية الجمهور أن أبا داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، رووه من طريق همام به (٢). ٥ - ومن الأمثلة التي كان الاختلاف بين الرُّواة ناتجًا عن التصحيف السمعي: ما جاء في «الصحيح» في كتاب اللباس باب لبس الحرير وافتراشه للرجال .. (٣) قال: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي ذُبْيانَ خَلِيفَةَ بْنِ كَعْبٍ قال: سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: قال النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ». فقوله: (أبي ذيبان) بضم المعجمة ويجوز كسرها بعدها موحدة ساكنة ثم تحتانية كذا في «السلطانية» بالضبطين ووضع فوقها رمز (معًا) إشارة إلى صحة الضبطين رِواية - وأبو ذبيان هو خليفة بن كعب التميمي - ووقع في رِواية أبي محمد بن أسد التي بخطه عن أبي علي بن السكن عن الفَرَبْريّ: (أبي ظبيان) بظاء مشالة بدل الذال (٤). قلت (الباحث): وأظنه تصحيف سمعي، وهو خطأ، وأشد منه ما جاء في رِواية أبي زيد المَرْوَزيّ عن الفَرَبْريّ: (أبي دينار) بمهملة مكسورة

стр. 460

بعدها تحتانية ساكنة ونون ثم راء. قال الجَيّانيّ في «التقييد» بعد ما ذكر ما جاء عند الجمهور على الصواب: وقال أبو محمد الأصيلى: في كتب بعض أصحابنا: عن أبي زيد: عن أبي دينار - بالدال المهملة والراء - وكذلك للبخاري في «التاريخ». قال أبو علي: هكذا وجدته في بعض النسخ من «التاريخ» للبخاري، وكناه الناس: أبا ذبيان، هكذا لمسلم بن الحجاج، وابن الجارود، والدارقطني، وقاله ابن حنبل أيضًا (١) ولعل الذي في «تاريخ البُخارِيّ» تصحيف من النقلة، لأنه لم يتقيد عن البُخارِيّ بحرف المعجم. (٢) اهـ قلت (الباحث): الذي في مطبوع «التاريخ الكبير (٣»). أبو ذبيان - بالذال المعجمة على الصواب - فلعل ما حكاه الأصيلي عن البُخارِيّ في «التاريخ الكبير» كان في إحدى النسخ، كما ذكر بعد ذلك الجَيّانيّ. والله أعلم. ٦ - مثال تصحفت فيه لفظة: (عن) إلى (بن) أو العكس وترتب على الاختلاف فيه إرسال الحديث أو وصله: ما جاء في كتاب: الحدود، باب كم التعزير والأدب: حَدَّثَنِي عَيّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنا عبد الأَعْلَى، حَدَّثَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سالِمٍ، عَنْ عبد اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُمْ كانُوا يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذا اشْتَرَوْا طَعامًا جِزافًا أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكانِهِمْ حَتَّى يُئْوُوهُ إِلَى رِحالِهِمْ. (٤)

стр. 461

هكذا روي الحديث بهذا الإسناد مسندًا متصلًا عن أبي علي بن السكن وأبي زيد وأبي ذر وغيرهم (١). وفي نسخة أبي محمد الأصيلي، عن أبي أحمد الجُرْجانيّ، عن الفَرَبْريّ: سالم بن عبد الله بن عمر أنهم كانوا ... الخ. فتصحفت (عن) إلى (بن) وهو خطأ، فإن الحديث محفوظ على الاتصال، وكذلك رواه البُخارِيّ في مواضع أخرى من «الصحيح» كما في كتاب: البيوع، باب: ما ذكر في بيع الطعام والحكرة (٢) من طريق الأوزاعي، عن الزهري به مرفوعًا متصلًا. وفي كتاب البيوع أيضًا، باب: من رأى إذا اشترى طعامًا جزافًا (٣) من طريق يونس، عن الزهري به مرفوعًا متصلًا. قلت (الباحث): ففي هذا المثال تصحيف لفظي سببه البصر ونتج عنه إرسال الحديث، فالترجيح بين هذه الروايات - كما جاء عند الجمهور - يكون من خلال تكرار الحديث عند البخاري. ٧ - وعكس ذلك - أي تصحيف (ابن) إلى (عن) - ما جاء في حديث أسماء، كتاب: الكسوف، باب: قول الإمام في خطبة الكسوف، أما بعد (٤) حيث قال البُخارِيّ: وَقال أَبُو أُسامَةَ: حَدَّثَنا هِشامٌ قال: أَخْبَرَتْنِي فاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْماءَ قالتْ فانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ، فَحَمِدَ اللَّهَ

стр. 462

بِما هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قال: «أَمّا بَعْدُ». قال أبو علي الجَيّانيّ: وقع في رِواية ابن السكن في إسناد هذا الحديث وهم، وذلك أنه زاد في الإسناد رجلًا، أدخل بين هشام وفاطمة، عروة بن الزبير، والصواب: هشام عن فاطمة. اهـ (١). وقال ابن حجر متعقبًا الجياني: لعله كان عنده: هشام بن عروة بن الزبير، فتصحفت (ابن) فصارت (عن)، وذلك من الناسخ وإلا فابن السكن من الحفاظ الكبار. اهـ (٢). ومن أمثلة التصحيف تصحيف (أبي) إلى (ابن) كما جاء في كتاب: الحج، باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة (٣) من قول عروة: ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ ﵁ فَأَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ. كذا جاء اللفظ عند اليونيني وهو عند جمهور الرواة هكذا، وعند أبي ذر عن الكشميهني (ابن) بدلًا من (أبي) فصارت ابن الزبير وهو خطأ. قال القاضي عياض: وهو تصحيف (٤). ٨ - ومن التصحيف في الأسماء وترتب عليه اختلاف الراوي ما جاء في تصحيف (أبو هارون) إلى (أبو هريرة) في حديث جابر بن عبد الله ﵄ من كتاب: الجنائز، باب: هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة (٥) وفيه: (قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ

стр. 463

قَمِيصَانِ .... الخ. كذا جاء في «اليونينية» (أبو هريرة) ورمز أنه كذا عند الأصيلي أيضًا، وفي الهامش رمز إلى أن في رواية أبي ذر الهروي مصححًا: (وقال أبو هارون) ا. هـ. وقال ابن حجر في الفتح: قوله (قال سفيان: وقال أبو هارون .. الخ) كذا وقع في رواية أبي ذر وغيرها، ووقع في كثيرٍ من الروايات (وقال أبو هريرة) وكذا في مستخرج أبي نعيم وهو تصحيف، وأبو هارون المذكور جزم المزي بأنه موسى بن أبي عيسى الحناط، بمهملة ونون المدني، وقيل هو الغنوي، واسمه: إبراهيم بن العلاء من شيوخ البصرة، وكلاهما من أتباع التابعين، فالحديث معضل، وقد أخرجه الحميدي في مسنده عن سفيان، فسماه عيسى، ولفظه: حدثنا عيسى بن أبي موسى. فهذا هو المعتمد. ا. هـ (١). ٩ - ومن أدق التصحيفات التي حدثت وترتب عليها اختلاف الراوي ما جاء في تصحيف (عمرو بن عوف) إلى (عمر وابن عوف) أي جعل الراوي اثنين. وذلك في كتاب الحرث والمزارعة، باب: من أحيا أرضًا مواتًا (٢) فقد جاء في «اليونينية» (ويروى عُمَرَ وابنِ عوف) وفي الحاشية كتب المصححون: كذا في الأصول التي بأيدينا، وقال القسطلاني: وفي بعض النسخ المعتمدة، وهي التي في الفرع وأصله: عن عمْرِو بن عوف. وصحح هذه الكرماني ا. هـ. وقال ابن حجر في «الفتح» ووقع في بعض الروايات: (وقال عمر

стр. 464

وابن عوف) على أن الواو عاطفة، وعمر بضم العين، وهو تصحيف ا. هـ (١). وعند ابن بطال في شرحه (٢) (ويروى عن عمر وابن عوف) بإثبات حرف العطف وجاء عند ابن الملقن في روايته التي شرح عليها على الصواب (٣) ثم قال: وحديث عمرو حديث محفوظ كما قال الجياني ثم ساق بسنده الجياني في «تقييد المهمل» (٤) وذكر القاضي عياض أن رواية الجمهور بفتح العين في عمرو، ورواية الأصيلي بضم العين وفتح الواو للعطف ثم قال: والأول الصواب وهو عمرو بن عوف المزني ا. هـ (٥). وقال الجياني في «تقييد المهمل» بعد أن ساقه على الصواب بفتح العين: وقع في روايتنا عن أبي زيد وأبي أحمد: (ويُروى عن عُمرَ وابن عوف) وعند ابن السكن وأبي ذر: عن عمرو بن عوف عن النبي ﷺ (٦). وقد ذكر القاضي عياض في المشارق نظائر كثيره (٧) في تصحيف عمر إلى عمرو، ومن الجدير بالذكر في هذا المثال السابق أن (عمرو بن عوف) الذي صحف إلى راوٍ آخر غيره هو عمرو بن عوف المرئي جد كثير بن عبد الله، وليس لعمرو بن عوف هذا في البخاري غير هذا الموضع مما يعطي أهمية كبيرة لتصويب هذا الموضع حيث جهل بذلك من رواة

стр. 465

الصحيح. وهو غير عمرو بن عوف الأنصاري البدري (١). ١٠ - ومن أنواع التصحيف في المتن ما جاء في تصحيف كلمة (الرجال) إلى (الدجال)، وذلك في كتاب فضائل المدينة، باب: المدينة تنفي الخبث (٢). فقد جاءت على الصواب في «اليونينية» «إِنَّهَا تَنْفِي الرِّجَالَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» أي بالراء المهملة. وفي الحاشية: رمز أنها لأبي ذر عن الكشميهني (الدجال) أي بالدال. وقال ابن حجر: وللكشمينهي (الدجال) بالدال وتشديد الجيم، وهو تصحيف (٣). ١١ - ومن التصحيفات في المتن أيضًا ما جاء في تصحيف كلمة (منبرى) إلى (قبرى) وذلك فيما جاء في كتاب: فضائل المدينة، بابٌ بعد باب كراهية النبي ﷺ أن تعرى المدينة (٤) في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» كذا في «اليونينية» وفي الحاشية على كلمة (منبري): وقبري ورمز لثبوتها هكذا عند ابن عساكر ثم قال المصححون: هذكا بزيادة الواو في وقبري والتخريجة بعد ومنبري في «اليونينية» وعابرة «الفتح» و «القصطلاني» وفي رواية ابن عساكر: (قبري) بدل (بيتي) ا. هـ.

стр. 466

وقال ابن حجر: (ما بين بيتي ومنبري) كذا للأكثر، ووقع في رواية ابن عساكر وحده: (قبري) بدل: (بيتي) وهو خطأ ا. هـ (١). ١٢ - ومن التصحيفات التي فصلت فيها الكلمة الواحدة إلى كلمتين ما جاء في كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة .. (٢) قال: وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَصِيرِ بْنَ أَسِيدٍ الثَّقَفِيَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ? مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا فِي الْمُدَّةِ .. إلخ. كذا في جاءت كلمة (مؤمنًا) في «اليونينية» وفي الحاشية: رمز أن الرواية عند أبي ذر الهروي عن شيخيه الحموبي والمستملي (مِنْ منِى) كذا وهو تصحيف كما قال ابن حجر في الفتح (٣). ١٣ - ومن التصحيفات التي جاءت في حذف حرف ترتب عليه نسبة قول خطأ إلى أحد الرواة ما جاء في تصحيف (وقاله عمرو) إلى (قال عمرو). وذلك في أول كتاب المكاتب (٤) ولفظه كما في «اليونينة»: وَقَالَ رَوْحٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالاً أَنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ إِلاَّ وَاجِبًا. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَتَاثُرُهُ عَنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: لاَ ... إلخ. وقال ابن حجر في «الفتح» بعد أن ساق اللفظ كما عند اليونيني: هكذا وقع في جميع النسخ التي وقعت لنا عن الفربري، وهو ظاهر في هذا

стр. 467

الأثر من رواية عمرو بن دينار عن عطاء .. ينقل من الفتح حتى قوله: (أي القول المذكور) (١). ثانيًا: ومن الأسباب التي تؤدى إلى الاختلافات: بعض الأسباب التي تؤدي إلى وقوع الإدراج المُدْرَجُ لغة - بضم الميم وفتح الراء -: اسم مفعول من (أدرج)، تقول: أدرجت الكتاب إذا طويته، وتقول: أدرجت الميت في القبر إذا أدخلته فِيْهِ، وتقول: أدرجت الشيء في الشيء إذا أدخلته فِيْهِ وضمنته إيّاه (٢). قال ابن فارس: الدال والراء والجيم أصل واحد يدل عَلَى مُضِيِ الشيء والمُضِيِّ في الشيء (٣). وأدَرَجَ الكتيب في الكِتاب: جعله في درجه - أي - في طيه وثنيه، ومنه: الدَّرَجة وَهِيَ المرقاة؛ لأنها توصل إلى الدخول في الشيء حسيًا أو معنويًا، فهي من باب تسمية السبب بنتيجته. وفي اصطلاح الْمُحَدِّثِيْنَ: هُوَ ما كانت فِيْهِ زيادة ليست مِنْهُ. أو هُوَ الْحَدِيْث الَّذِيْ يعرف أن في سنده أو متنه زيادة ليست مِنْهُ، وإنما من أحد الرُّواة من غَيْر توضيح لهذه الزيادة (٤).

стр. 468

العلاقة بَيْنَ المعنى اللغوي والاصطلاحي: معنى الفعل الثلاثي المجرد (دَرَجَ) يدور عَلَى أمرين: - طيّ الشيء. - إدخال الشيء في الشيء. وكأنَّ المُدْرِج طوى البيان، فَلَمْ يوضّح تفصيل الأمر في الْحَدِيْث. أو كأنه أدخل الْحَدِيْث في الْحَدِيْث، فالاستعمال الاصطلاحي باقٍ عَلَى الوضع اللغوي الأول، وَلَمْ يخرج إلى المجاز. والمدرج نوعان: النوع الأول: الإدراج في الْمَتْن. النوع الثاني: الإدراج في السند. أسباب وقوع الإدراج: إن الباعث للراوي عَلَى الإدراج يختلف من شخص لآخر، ومن حَدِيْث إلى حَدِيْث، ما بَيْنَ بيان لتفسير كلمة، أَوْ استنباط لحكم، أَوْ قلة ضبط. ومن أهم هذه الأسباب: ١ - أن يريد الرّاوِي تفسير بعض الألفاظ الغريبة الواردة في متن الْحَدِيْث، فيحملها عَنْهُ بعض الرُّواة من غَيْر تفصيل لتفسير تِلْكَ الألفاظ. ٢ - اختصار الْحَدِيْث والرِّواية بالمعنى. ٣ - الخطأ الناشئ عن عدم ضبط الرّاوِي لمروياته. قلت (الباحث): كذا ذكر العلماء تعريف الإدراج وأنواعه وأسبابه وكل

стр. 469

ما سبق يمكن ذكره في النسخ ورِواية المصنفات. فالإدراج في المتن أن يدرج الرواي في نسخته ما في الحاشية ظنًا منه أنه من الأصل وقد يكون زيادة بيان. ويكون الإدراج في السند كما يكون في المتن فيترتب عليه اختلاف الراوي أو المعني، ومنه ما يكون زيادة توضيحية، كتميز مهمل أو نسبة أحد الرُّواة. مثال على الإدراج في المتن: ما جاء في كتاب: الصلاة، باب إِثْمِ الْمارِّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي. (١) حَدَّثَنا عبد اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قال: أَخْبَرَنا مالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ - مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عبيداللَّهِ - عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خالِدٍ أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ ماذا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي؟ فَقال أَبُو جُهَيْمٍ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ يَعْلَمُ الْمارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي ماذا عَلَيْهِ لَكانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ، خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ». قال أَبُو النَّضْرِ: لاَ أَدْرِي أَقال: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً؟ كذا جاء الحديث عند اليُونِينِيّ: (لَوْ يَعْلَمُ الْمارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي ماذا عَلَيْهِ) وذكر في الحاشية على كلمة (عليه) ما نصه: (من الإثم) ثم وضع عليها اليُونِينِيّ علامة (لا خـ) ومعناها: عدم ثبوتها في أي نسخة. قال القَسْطَلّانِيّ في «الإرشاد» (٢): هي ثابتة في «اليُونِينيّة» من غير عزو. اهـ ورجح ابن رجب الحنبلي في «فتح الباري» أنها مدرجة من بعض

стр. 470

الرُّواة (١). وقال ابن الملقن - بعد أن ساق الحديث بدون هذه الزيادة في روايته - في «شرحه»: وقوله: (ماذا عليه من الإثم) هو هكذا ثابت في بعض روايات أبي ذر عن أبي الهيثم، وعليه مشى شيخنا علاء الدين في «شرحه»، وأما شيخنا قطب الدين فقال في «شرحه»: قوله: (ماذا عليه) يعني: من الإثم. (٢) اهـ. أما ابن حجر في «الفتح» (٣) فقال: قوله: (ماذا عليه) زاد الكُشْمِيهَني: (من الإثم) وليست هذه الزيادة في شيء من الروايات عند غيره، والحديث في «الموطأ» بدونها وقال ابن عبد البر (٤): لم يختلف على مالك في شيء منه وكذا رواه باقي الستة وأصحاب المسانيد والمستخرجات بدونها، ولم أرها في شيء من الروايات مطلقا، لكن في «مصنف ابن أبي شيبة»: يعني من الإثم، فيحتمل أن تكون ذكرت في أصل البُخارِيّ حاشيةً فظنها الكُشْمِيهَني أصلًا؛ لأنه لم يكن من أهل العلم ولا من الحفاظ بل كان راوية. وقد عزاها المحب الطبري في «الأحكام» للبُخارِيّ وأطلق، فعيب ذلك عليه وعلى صاحب «العمدة» في إيهامه أنها في الصحيحين (٥).

стр. 471

وأنكر ابن الصلاح في «مشكل الوسيط» على من أثبتها في الخبر فقال: لفظ الإثم ليس في الحديث صريحًا (١). ولما ذكره النووي في «شرح المهذب» بدونها قال: وفي رِواية رويناها في «الأربعين» لعبد القادر الرهاوي (٢): ماذا عليه من الإثم (٣). ا. هـ من «الفتح». قلت: ورِواية ابن أبي شيبة التي أشار إليها ابن حجر هي في «المصنف»، كتاب الصلاة، باب من كان يكره أن يمر الرجل بين يدي الرجل وهو يصلي (٤) قال: نا وكيع ابن الجراح، عن سفيان، عن سالم أبي النضر، عن (بشر بن سعيد، عن عبد الله بن جهم) (٥) مرفوعًا: «لو يعلم أحدكم ما له في الممر بين يدي أخيه وهو يصلي من الإثم لوقف أربعين». كذا في المطبوع وهو يختلف في سياقه عن الذي ذكره ابن حجر إلا أن فيه: «من الإثم»، ولعل ما ذكره ابن حجر في موضع آخر لم أقف عليه،

стр. 472

والله أعلم. ومن العجيب أن يذهل ابن حجر عن عدم وجود هذه اللفظة في «الصحيح» كما ذكر ابن حجر نفسه، ويذكر هذه اللفظة في الحديث ويعزوها للبخاري في كتاب «بلوغ المرام» في باب سترة المصلي (١). والخلاصة: أن لفظة: (من الإثم) ليست ثابتة في «الصحيح» ولا في روايات الحديث - كما هو واضح من التخريج - وإنما هي مدرجة عند من ذكرها. ومفهوم هذه اللفظة يفهم من سياق الحديث، ولذلك ترجم البُخارِيّ له: باب: إثم المار بين يدي المصلي. والله أعلم. من الأمثلة التي يمكن أن تكون تحت المدرج ويترتب عليها زيادة المتن أو نقصانه: ما جاء في الحديث الذي رواه البُخارِيّ في كتاب الصلاة، باب التعاون في بناء المسجد .. قال: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنا عبد العَزِيزِ بْنُ مُخْتارٍ قال: حَدَّثَنا خالِدٌ الْحَذّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ: قال لِي ابْنُ عَبّاسٍ وَلاِبْنِهِ عَلِيٍّ: انْطَلِقا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فاسْمَعا مِنْ حَدِيثِهِ. فانْطَلَقْنا فإذا هُوَ فِي حائِطٍ يُصْلِحُهُ، فأخَذَ رِداءَهُ فاحْتَبَى ثُمَّ أَنْشا يُحَدِّثَنا حَتَّى أَتَى ذِكْرُ بِناءِ الْمَسْجِدِ، فَقال: كُنّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرآهُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَنْفُضُ التُّرابَ عَنْهُ وَيَقُولُ: «وَيْحَ عَمّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْباغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النّارِ». قال: يَقُولُ عَمّارٌ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ (٢).

стр. 473

كذا جاء سياق المتن عند اليُونِينِيّ كما في «السلطانية» ورمز لسقوط جملة: (تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْباغِيَةُ) من عند أبي ذر الهَرَويّ والأصيلي. وكذا جاءت هذه الزيادة عند البُخارِيّ في الموضع الآخر في «الصحيح» كتاب الجهاد، باب مسح الغبار عن الناس في السبيل (١) قال: حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنا عبد الوَهّابِ، حَدَّثَنا خالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قال لَهُ وَلِعَلِيِّ بْنِ عبد اللَّهِ: ائْتِيا أَبا سَعِيدٍ فاسْمَعا مِنْ حَدِيثِهِ. فأتَيْناهُ وَهُوَ وأخُوهُ فِي حائِطٍ لَهُما يَسْقِيانِهِ، فَلَمّا رآنا جاءَ فاحْتَبَى وَجَلَسَ فَقال: كُنّا نَنْقُلُ لَبِنَ الْمَسْجِدِ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَكانَ عَمّارٌ يَنْقُلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَمَسَحَ عَنْ رأسِهِ الْغُبارَ وَقال: «وَيْحَ عَمّارٍ، تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْباغِيَةُ، عَمّارٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النّارِ». ورمز اليُونِينِيّ لسقوط جمِلة: «تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْباغِيَةُ، عَمّارٌ» من عند أبي ذر الهَرَويّ فقط. وقال الحميدي محمد بن فتوح بعد أن ذكر الحديث من رواية خالد الحذاء بدون هذه الزيادة في كلا الموضعين عند البخاري: في هذا الحديث زيادة مشهورة لم يذكرها البخاري أصلًا في طريقي هذا الحديث، ولعلها لم تقع إليه فيهما، أو وقعت فحذفها لغرض قصده في ذلك. وأخرجها أبو بكر البرقاني وأبو بكر الإسماعيلي قبله، وفي هذا الحديث عندهما: «وَيْحَ عَمّارٍ، تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْباغِيَةُ، عَمّارٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النّارِ». قال أبو مسعود الدمشقي من كتابه: لم يذكر البخاري هذه الزيادة، وهي في حديث عبد العزيز بن المختار، وخالد بن عبد الله الواسطي، ويزيد

стр. 474

بن زريع، ومحبوب ابن الحسن، وشعبة، كلهم عن خالد الحذاء. ورواه إسحاق بن عبد الوهاب هكذا. وأما حديث عبد الوهاب الذي أخرجه البخاري دون هذه الزيادة فلم يقع إلينا من غير حديث البخاري. هذا آخر معنى ما قاله أبو مسعود. (١) وأخرجه البيهقي في «الدلائل» من رواية أبي كامل الجحدري، عن عبد العزيز بن المختار، عن خالد الحذاء به، وفيه جملة: «تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْباغِيَةُ» ثم قال: ورواه البخاري في «الصحيح»، عن مسدد، عن عبد العزيز، إلا أنه لم يذكر قوله: «تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْباغِيَةُ». (٢) ثم رواه من طريق ابن أبي سمينة، عن عبد الوهاب الثقفي به بالزيادة السابقة، ثم قال: أخرجه البخاري عن إبراهيم بن موسى عن عبد الوهاب دون هذه اللفظة، وكأنه إنما تركها لمخالفة أبي نضرة عن أبي سعيد عكرمةَ في ذلك. (٣) وذكر الحديثَ القاضي عياض في «المشارق» (٤) وذكر أن في «الصحيح» بدون الزيادة، وعند ابن السكن بها. ولما ذكر المزي الحديث في «تحفة الأشراف» ذكره بدون هذه الزيادة في كلا الموضعين عند البُخارِيّ ثم قال في آخره وليس فيه: «تقتل عمارًا

стр. 475

الفئة الباغية» (١). وهذه الزيادة ثابتة في الطرق الأخرى للحديث؛ فقد أخرج الحديث الإمام أحمد في «المسند» (٢) وابن حبان في «صحيحه» كتاب إخباره ﷺ عن مناقب الصحابة .. (٣)، والبيهقي في «الدلائل» باب ما أخبر عنه المصطفى ﷺ (٤) من طرق عن خالد الحذاء عن عكرمة به مثل إسناد البُخارِيّ بزيادة جملة: «تقتله الفئة الباغية» وقال البيهقي عقبه: رواه البُخارِيّ إلا أنه لم يذكر قوله: «تقتله الفئة الباغية». وروي من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن خالد الحذاء به دون أن يذكر ابن عباس. رواه أحمد (٥) والنسائي في «الكبرى» كتاب الخصائص باب ذكر قول النبي ﷺ : «عمار تقتله الفئة الباغية». وروي من طريق آخر عن أبي سعيد الخدري وقال فيه: فحدثني أصحابي. رواه الطيالسي في «المسند» (٦)، وابن سعد في «طبقاته» (٧)، وأحمد (٨)، والبزار في «مسنده»، كما في «كشف الأستار» كتاب علامات النبوة، باب

стр. 476

مناقب عمار بن ياسر (١)، والبيهقي في «الدلائل» (٢). كلهم من طرق عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: فحدثني أصحابي، وعند أحمد والبزار زيادةُ: ولم أسمعه من رسول الله ﷺ . فقد تبين أن أبا سعيد رواه عن صحابي آخر أخبر عنه أبو سعيد فيما جاء عند مسلم وغيره أنه أبو قتادة، وهو عند مسلم في «صحيحه» في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل (٣)، وابن سعد (٤) وأحمد (٥) والنسائي في «الكبرى» (٦)، وابن أبى عاصم في «الآحاد والمثاني» (٧)، والبيهقي في «السنن» كتاب قتال أهل البغي، باب الخلاف في قتال أهل البغي (٨) وفي «الدلائل» الموضع السابق (٩). جميعهم من طرق عن شعبة عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري قال: أخبرني من هو خير مني، أبو قتادة، أن رسول الله ﷺ قال لعمار بن ياسر: «بؤسًا لك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية». والحديث روي عن جمع من الصحابة رضوان الله عليهم كما ذكر ابن حجر في «الفتح».

стр. 477

أما شراح الحديث عند البُخارِيّ فقد شرح كل منهم الحديث، ووجه الزيادة على مقتضى روايته لـ (الصحيح»، وأول من تعرض لهذه الزيادة من الشراح - فيما أعلم - هو المهلب بن أبي صفرة (٤٣٥) في كتابه «النصيح» فقد نقل ابن بطال في شرحه عنه أنه قال في قوله: «يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار»، قال: إنما يصح ذلك في الخوارج الذين بعث إليهم علي عمارًا ليدعوهم إلى الجماعة، وليس يصح في أحد من الصحابة .. إلخ. (١) اهـ. وعلق على ذلك ابن حجر في «الفتح» بعد أن نقل قول ابن بطال والمهلب: وتابعه على هذا الكلام جماعة من الشراح، وفيه نظر من أوجه: أحدها: أن الخوارج إنما خرجوا على علي بعد قتل عمار، بلا خلاف بين أهل العلم بذلك، فإن ابتداء أمر الخوارج كان عقب التحكيم، وكان التحكيم عقب انتهاء القتال بصفين، وكان قتل عمار قبل ذلك قطعًا، فكيف يبعثه إليهم بعد موته؟! ثانيها: أن الذين بعث إليهم علي عمارًا إنما هم أهل الكوفة، بعثه يستنفرهم على قتال عائشة ومن معها قبل وقعة الجمل، وكان فيهم من الصحابة جماعة كمن كان مع معاوية وأفضل، وسيأتي التصريح بذلك عند المصنف في كتاب الفتن، فما فر منه المهلب وقع في مثله مع زيادة إطلاق عليهم تسمية الخوارج وحاشاهم من ذلك. ثالثها: أنه شرح على ظاهر ما وقع في هذه الرِّواية الناقصة، ويمكن حمله على أن المراد بالذين يدعونه إلى النار كفار قريش، كما صرح بذلك

стр. 478

بعض الشراح. (١) اهـ. فقول ابن حجر على ظاهر ما وقع في هذه الرِّواية الناقصة، يقصد روايته وهي رِواية أبي ذر التي شرح ابن حجر عليها، وكذا رِواية الأصيلي عن أبي زيد المَرْوَزيّ والتي شرح عليهما المهلب بن أبي صفرة وابن بطال كما هو معروف عن المغاربة (٢) في طرق رِوايتهم لـ «الصحيح». ولذلك نجد هذه الزيادة غير موجودة في متن ابن بطال كما في «شرحه» (٣) وعلى عدم ذكرها شرح الحديث. كما أنها ليست عند ابن رجب الحنبلي كما في «فتح الباري» وقد التزم ذكر نص روايته. (٤) ينظر كلامه على هذه الزيادة (٥). وأما ابن الملقن في «شرحه» والذي اعتمد على رِواية أبي الوَقْت عن الدّاوُدِيّ عن الحَمُّوييّ، عن الفَرَبْريّ فقد أثبت هذه الزيادة وعليها شرح، وهو بذلك يوافق ما جاء في «اليُونِينيّة». وكذا الكرماني في «شرحه»، وكذا ابن الأثير في «جامع الأصول». وصنيع بدر العيني يشعر بأن هذه الزيادة عنده حيث شرح لفظة: (الفئة الباغية)، لكنه يرد جواب من يجعل الضمير في قوله (يدعوهم) راجعًا إلى كفار مكة. بقوله: وهذا أيضًا لا يصح؛ لأنه وقع في رواية ابن السكن

стр. 479

وكريمة وغيرهما، زيادة توضيح بأن الضمير يعود على قتلة عمار، وهم أهل الشام (١). فهذا يدل على أن ما جاء عند ابن السكن زيادة توضيحية على ما جاء في روايته. أما ابن حجر فلم يذكر هذه الجملة؛ لأن روايته عن أبي ذر لكنه استدرك على رِواية أبي ذر قائلا: لكن وقع في رِواية ابن السكن وكريمة وغيرهما وكذا ثبت في نسخة الصغاني التي ذكر أنه قابلها على نسخة الفَرَبْريّ التي بخطه زيادة توضح المراد وتفصح بأن الضمير يعود على قتلته وهم أهل الشام، ولفظه: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم ..» الحديث. (٢) اهـ. وقال القَسْطَلّانِيّ: لكنهم معذورون للتأويل الذي ظهر لهم؛ لأنهم كانوا مجتهدين ظانين أنهم يدعونه إلى الجنة، وإن كان في نفس الأمر بخلاف ذلك، فلا لوم عليهم في اتباع ظنونهم فإن المجتهد إذا أصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر اهـ. والقَسْطَلّانِيّ في «إرشاد الساري» قد صرح أنها ليست عنده في توجيه الضمير في قوله (يدعوهم) حيث قال: وهم غير مذكورين صريحًا لكن وقع في رِواية ابن السكن .. إلخ. اهـ (٣). وزكريا الأنصاري في «المنحة» (٤) قال: «تقتله الفئة الباغية» ساقط من

стр. 480

نسخة ا. هـ مما يعني ثبوتها عنده، وقد رجعت إلى نسخة المخطوط وهي نسخة أبي زرعة العراقي وهي رواية أبي ذر ومقابلة على رواية كريمة فوجدتها مثبتة. أما ابن الأثير في «جامع الأصول» فقد ساق الحديث من غير هذه الزيادة وعزاه للبخاري في «صحيحه» ثم قال بعد أن نقل كلام الحميدي السابق: قلت أنا: والذي قرأته في «كتاب البخاري» - من طريق أبي الوقت عبد الأول السِّجْزي ﵀ من النسخة التي قرئت عليه، عليها خَطُّه: أمَّا في متن الكتاب، فبحذف الزيادة، وقد كتب في الهامش هذه الزيادة، وصحح عليها وجعلها في جملة الحديث، وأنها من رواية أبي الوقت هكذا، بإضافتها إلى الحديث، وذلك في موضعين من الكتاب: أولهما: في باب: التعاون في بناء المسجد، من كتاب الصلاة. والثاني: فى باب: مسح الغبار عن الناس في السبيل، في كتاب: الجهاد. وما عدا هذه النسخة، فلم أجد الزيادة فيها، كما قاله الحميدي ومن قبله، والله أعلم (١). وقد تكلم ابن حجر على هذه الزيادة بما يدل على عدم ثبوت هذه الجملة، فقال في «الفتح»: واعلم أن هذه الزيادة لم يذكرها الحميدي في «الجمع»، وقال: إن البُخارِيّ لم يذكرها أصلًا، وكذا قال أبو مسعود. قال الحميدي: ولعلها لم تقع للبخاري، أو وقعت فحذفها عمدًا، قال: وأخرجها الإسماعيلي والبرقاني في هذا الحديث. قلت (والكلام لابن حجر): ويظهر لي أن البُخارِيّ حذفها عمدًا،

стр. 481

وذلك لنكتة خفية، وهي أن أبا سعيد الخدري اعترف أنه لم يسمع هذه الزيادة من النبي ﷺ ، فدل على أنها في هذه الرِّواية مدرجة، والرِّواية التي بينت ذلك ليست على شرط البُخارِيّ، وقد أخرجها البزار من طريق داود بن أبي هند، عن أبى نضرة، عن أبي سعيد .. فذكر الحديث في بناء المسجد وحملهم لبنة لبنة، وفيه: فقال أبو سعيد: فحدثني أصحابي، ولم أسمعه من رسول الله ﷺ أنه قال: «يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية» (١). ا. هـ وابن سمية: هو عمار وسمية أمه، وهذا الإسناد على شرط مسلم، وقد عين أبو سعيد من حدثه بذلك، ففي مسلم والنسائي من طريق أبي سلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: وحدثني من هو خير مني أبو قتادة .. فذكره فاقتصر البُخارِيّ على القدر الذي سمعه أبو سعيد من النبي ﷺ دون غيره. وهذا دال على دقة فهمه، وتبحره في الاطلاع على علل الأحاديث. (٢) اهـ. ونخلص مما سبق في جملة «تقتله الفئة الباغية» إلى: أن الصواب - فيما أرى - عدم ثبوتها في رِواية أبي سعيد الخدري عند البخاري، كما جاء في نسخة أبي ذر عن شيوخه الثلاثة، ورِواية الأصيلي، ولذلك جُلُّ الشراح على عدم ثبوتها، وكما جاء أيضًا في كتب الأطراف والمستخرجات كما سبق بيانه، وكما وجهه ابن حجر وانتهى إلى إدراجها ممن ثبتت عندهم من رواة «الصحيح»، وأن البُخارِيّ حذفها عمدًا، لعدم ثبوتها عنده من رِواية أبي سعيد. ومن أثبت هذه الجملة إنما ذكرها لثبوتها؛ فكثير من الطرق للحديث عند غير البخاري كما سبق حكايته عن ابن الأثير في رواية أبي الوقت.

стр. 482

وهذه الزيادة ثابتة من طرق أخرى كثيرة عن جمع من الصحابة، فهي ثابتة عن النبي ﷺ . والله أعلم. والأولى القول بثبوتها ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية ﵁ بغاة تكفيرهم فإنهم مجتهدون، وليس كل مجتهد مصيبًا، وقد جاء في القرآن ما يشير إلى ذلك. قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. ويكون معنى العبارة أنهم كانوا مجتهدين يظنون أنهم يدعونه إلى الجنة حسب اجتهادهم وحسب اجتهاد عمار يدعونه إلى النار. ثالثًا: ومن أسباب الاختلافات: اختلاف العلماء في حكم تغيير جمل الثناء على الله أو الصلاة والسلام على النبي ﷺ أو الترضي والترحم على العلماء فمن يري جواز التغيير لا يتقيد بالرِّواية في ذلك، فيقول - مثلًا - (قال الله بدلًا من (قال الله تعالى) أو العكس. وانظر في تفصيل هذه المسألة ما جاء عن ابن الصلاح وسبق ذكره في التمهيد في المحور الثاني. ويدخل تحت هذا السبب جملة كثيرة من الاختلافات الواقعة في نسخ «الصحيح»، والأمثلة عليها كثيرة تظهر مع أدنى تأمل في حواشي الطبعة السلطانية. رابعًا: اختلاف العلماء في حكم جواز إصلاح الخطأ وتقويم اللحن فقد اختلفوا إذا وقع في رِواية الراوي لحن أو تحريف: فمنهم من كان يرى أنه يرويه على الخطأ كما سمعه. فروى الرامهرمزي، والخطيب، وابن عبد البر، والقاضي عِياض، عن

стр. 483

أبي معمر عبد الله بن سخبرة قال: إني لأسمع الحديث لحنًا، فألحن اتباعًا لما سمعت (١). وروي مثله عن نافع مولى ابن عمر، فروى الخطيب، وابن عبد البر عن إسماعيل ابن أمية قال: كنا نرد نافعًا عن اللحن فيأبى، يقول: إلا الذي سمعته (٢). ومثله عن محمد بن سيرين، فروى الخطيب عن ابن عون عن ابن سيرين أنه كان يلحن في الحديث (٣). وروى الخطيب أيضًا عن أشعث قال: كنت أحفظ عن الحسن وابن سيرين والشعبي، فأما الحسن والشعبي فكانا يأتيان بالمعنى، وأما ابن سيرين فكان يحاكي صاحبه حتى يلحن كما يلحن (٤). ومنهم من كان يلحن اتباعًا لمن سمع منه الرِّواية، فروى الخطيب عن عفان قال: كان يزيد بن إبراهيم التستري إذا حدث عن الحسن لم يلحن، وإذا حدث عن محمد لحن (٥). قلت: محمد هو ابن سيرين وهو ممن كان يرى رِواية الحديث على لحنه، كما قدمت عنه. ومثل هذا إنما هو من النوع الأول الذي كان يرى أن يروي الحديث

стр. 484

على الخطأ كما سمعه. وأما المذهب الثاني: من يرى تغييره وإصلاحه وروايته على الصواب، فروى الرامهرمزي، وابن عبد البر، والقاضي عِياض عن الشعبي قال: لا بأس أن يُقوَّم اللحن في الحديث (١). ومثله عن الأوزاعي، فروى الرامهرمزي، والخطيب، وابن عبد البر، والقاضي عِياض من طرق عنه قال: أعربوا الحديث؛ فإن القوم كانوا عربًا، وفي آخر: لا بأس بإصلاح اللحن في الحديث (٢). وروى الرامهرمزي والخطيب - مختصرًا - عن عمر بن شبة قال: قال لي عفان: قال لنا همام: ما سمعتم من حديث قتادة فأعربوه؛ فإن قتادة كان لا يلحن. ثم قال لنا عفان: قال لنا حماد بن سلمة: من لحن في حديثي فليس يحدث عني (٣). وروى الرامهرمزي، والخطيب أيضًا عن الحسن بن علي الحلواني قال: ما وجدتم في كتابي عن عفان لحنًا فعرّبوه؛ فإن عفان كان لا يلحن. وقال لنا عفان: ما وجدتم في كتابي عن حماد بن سلمة لحنًا فعرّبوه؛ فإن حمادًا كان لا يلحن، وقال حماد: ما وجدتم في كتابي عن قتادة لحنًا فعرّبوه؛ فإن قتادة كان لا يلحن (٤).

стр. 485

ورواه الخطيب عن الحسن بن علي بلفظ آخر قال: ثنا عفان قال: قال لنا همام: إذا حدثتكم عن قتادة فكان في حديثه لحن فقوموه؛ فإنه كان لا يلحن (١). وروى أيضًا عن حماد بن زيد قال: من لحن في حديثي فليس يحدث عني (٢). وروى الرامهرمزي عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال: إذا سمعت الحديث فيه اللحن والخطأ فلا تحدث إلا بالصواب؛ إنهم لم يكونوا يلحنون (٣). وروى الخطيب عن علي بن الحسن بن شقيق قال: قلت لعبد الله - يعني: ابن المبارك الرجل يسمع الحديث فيه اللحن، يقيمه؟ قال: نعم، كان القوم لا يلحنون (٤). وروي مذهب الإصلاح هذا وتصويب اللحن عن يحيى بن معين وأحمد بن صالح وأحمد بن حنبل والحسن بن محمد الزعفراني (٥). والصواب في هذا الباب: ما قاله أصحاب المذهب الثاني، وهو تغيير اللحن وإصلاحه وروايته على الصواب. قال الخطيب: والذي نذهب إليه: رِواية الحديث على الصواب، وترك اللحن فيه، وإن كان قد سُمع ملحونًا؛ لأن من اللحن ما يحيل الأحكام،

стр. 486

ويصير الحرام حلالًا والحلال حرامًا، فلا يلزم اتباع السماع فيما هذه سبيله، والذي ذهبنا إليه قول المحصلين والعلماء من المحدثين (١). وقال أيضًا: إذا كان اللحن يحيل المعنى فلابد من تغييره، وكثير من الرُّواة يحرفون الكلام عن وجهه ويزيلون الخطاب عن موضعه (٢). وصوبه ابن عبد البر، فقال: والقول في هذا الباب ما قاله الحسن والشعبي وعطاء ومن تابعهم، وهو الصواب (٣). وقال ابن الصلاح عن المذهب الثاني هذا: وهو مذهب المحصلين والعلماء من المحدثين، والقول به في اللحن الذي لا يختلف به المعنى وأمثاله، لازم على مذهب تجويز الرِّواية بالمعنى (٤). وما أجود وأكمل ما قال القاضي عِياض حيث قال في «الِإلماع»: الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ نقل الرِّواية كما وصلت إليهم وسمعوها، ولا يغيرونها من كتبهم، حتى أطردوا ذلك في كلمات من القرآن استمرت الرِّواية في الكتب عليها بخلاف التلاوة المجمع عليها، ولم يجيء في الشاذ من ذلك في «الموطأ» والصحيحين وغيرها حماية للباب، لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على خطئها عند السماع والقراءة وفي حواشي الكتب، ويقرءون ما في الأصول على ما بلغهم. ومنهم من يجسر على الإصلاح وكان أجرأهم على هذا من المتأخرين القاضي الوقشي، وكذلك لغيره ممن سلك هذا المسلك.

стр. 487

وحماية باب الإصلاح والتغيير أولى؛ لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن ويتسلط عليه من لا يعلم، وطريق الأشياخ أسلم مع التبيين، فيذكر اللفظ عند السماع كما وقع وينبه عليه، ويذكر وجه صوابه، إما من جهة العربية أو النقل أو وروده كذلك في حديث آخر، أو يقرءونه على الصواب، ثم يقول: وقع عند شيخنا أو في روايتنا كذا أو من طريق فلان كذا، وهو أولى؛ لئلا يقول على النبي ﷺ ما لم يقل. وأحسن ما يعتمد عليه في الإصلاح أن ترد تلك اللفظة المغيرة صوابًا في أحاديث أخرى، فإن ذكرها على الصواب في الحديث أمن أن يقول عن النبي ﷺ ما لم يقل، بخلاف إذا كان إنما أصلحها بحكم علمه ومقتضى كلام العرب. وهذه طريقة أبي علي ابن السكن البغدادي في انتقائه روايته لـ «صحيح البُخارِيّ»، فإن أكثر متون أحاديثه ومحتمل روايته هي عنده متقنة صحيحة من سائر الأحاديث الأخر الواقعة في الكتاب وغيره. اهـ. ملخصًا (١). وقال ابن الصلاح: وأما إصلاح ذلك وتغييره في كتابه وأصله فالصواب تركه وتقرير ما وقع في الأصل، على ما هو عليه مع التضبيب عليه، وبيان الصواب خارجًا في الحاشية؛ فإن ذلك أجمع للمصلحة وأنفى للمفسدة (٢). فهذا الاختلاف بين العلماء في حكم إصلاح الخطأ في المروي إلى اختلاف الروايات فمن يرى الجواز صوب الخطأ على ما في ظنه، وقد

стр. 488

يكون الصواب فيما ظنه خطئًا، وقد نتج عن هذا السبب وجود اختلافات كثيرة، والبعض منها من تَصَرُّفِ الرُّواة. ونتج عن ذلك وجود كثير من الأخطاء الواضحة التي لا يستقيم المعنى إلا بها، وهذا الخطأ أنواع: فمنه ما يكون في آيات القرآن، ومنه ما يكون في الأسانيد، ومنه ما يكون في المتون. أولًا: ومن الأمثلة التي وقعت في القرآن الكريم: ١ - ما جاء في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماء ..﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]. وقع في أول كتاب التيمم «(اليُونِينيّة» ١/ ٧٣ - ٧٤) قول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماء ..﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦] كذا جاء لأكثر رواة «الصحيح» كما عند اليُونِينِيّ، وهو الصحيح الموافق للقراءة والتلاوة. لكن جاء عند النَّسفي وعبدوس وأبي ذر، عن كل من المُسْتَمْلِيّ والحَمُّوييّ - كما جاء عند ابن حجر -: (فإن لم تجدوا) قال أبو ذر: كذا في روايتنا، والتلاوة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾. قال الحافظ: ظهر لي أن البُخارِيّ أراد أن يبين أن المراد بالآية المبهمة في قول عائشة في حديث الباب: (فأنزل الله آية التيمم)، أنها آية المائدة، وقد وقع التصريح بذلك في رِواية حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه عن عائشة في قصتها المذكورة، قال: فأنزل الله آية التيمم: فإن لم تجدوا ماءً فتيمموا ... الحديث. فكأن البُخارِيّ أشار إلى هذه الرِّواية المخصوصة، واحتمل أن تكون قراءة شاذة لحماد بن سلمة أو غيره، أو وهمًا منه، وقد ظهر أنها عنت آية المائدة، وأن آية النساء قد ترجم لها المصنف في التفسير، وأورد حديث

стр. 489

عائشة أيضًا، ولم يرد خصوص نزولها في قصتها. اهـ. وقال العيني: الظاهر أن هذا وهم من حماد أو غيره، أو قراءة شاذة لحماد. اهـ. قلت: بحثت في مظان شواذ القراءات فلم أجد فيها قراءة شاذة لحماد أو لغيره، والله أعلم. (١). وقد وقع في كتاب الوضوء، باب: الماء الذي يغسل به شعر الإنسان: وَقال الزُّهْرِيُّ: إِذا وَلَغَ فِي إِناءٍ لَيْسَ لَهُ وَضُوءٌ غَيْرُهُ يَتَوَضّا بِهِ. وَقال سُفْيانُ: هَذا الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ؛ يَقُولُ اللَّهُ تَعالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] وَهَذا ماءٌ، وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ، يَتَوَضّا بِهِ وَيَتَيَمَّمُ (٢). كذا عند اليُونِينِيّ على الصواب، ولم يشر إلى أي اختلاف، وعند ابن حجر كذا لأكثر رواة «الصحيح»، ووقع في رِواية أبي الحسن القابسي عن أبي زيد المَرْوَزيّ في حكاية قول سفيان: (يقول الله تعالى: (فإن لم تجدوا ماءً)، وكذا حكاه أبو نعيم في «المستخرج على البُخارِيّ»: حكى ذلك الحافظ والعيني والقَسْطَلّانِيّ. والأول الذي هو للأكثرين، الصواب الموافق للتلاوة، وقال القابسي: وقد ثبت ذلك في «الأحكام» لإسماعيل القاضي - يعني: بإسناده إلى سفيان - قال: وما أعرف من قرأ بذلك. قال الحافظ والقَسْطَلّانِيّ: لعل الثوري حكاه بالمعنى وكان يرى جواز ذلك.

стр. 490

لكن اعترض العينيُّ ابنَ حجر فقال في «العمدة»: لا يصح هذا أصلًا؛ لأنه قلب كلام الله تعالى، والظاهر أنه سَهْوٌ أو وقع غلطًا اهـ. وراجعت «انتقاض الاعتراض» فوجدت الحافظ لم يعقب. وقال القَسْطَلّانِيّ: قد تتبعت كثيرًا من القراءات، فلم أر أحدًا قرأ بها. قال الحافظ: وكأن هذا هو الذي جر المصنف أن يأتي بمثل هذه العبارة في كتاب التيمم كما سيأتي. اهـ (١). ٢ - ومن ذلك أيضًا: ما وقع في كتاب الصلاة، باب الأَسِيرِ أَوِ الْغَرِيمِ يُرْبَطُ فِي الْمَسْجِدِ (٢). قال: حَدَّثَنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْراهِيمَ قال: أَخْبَرَنا رَوْحٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبارِحَةَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَها - لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلاَةَ، فأمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فارَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سارِيَةٍ مِنْ سَوارِي الْمَسْجِدِ؛ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمانَ: رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي». [ص: ٣٥] قال رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خاسِئًا (٣). كذا جاءت الآية عند اليُونِينِيّ (رب هب لي ملكا ...) ورمز لسقوط لفظة: (رب) من عند ابن عساكر فقط. مما يعني رسم الآية كما سبق عند باقي الرُّواة عنده بينما حكى ابن حجر في «الفتح» عن أبي ذر كما هو موافق للتلاوة: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾، ووقع لابن عساكر: ﴿وَهَبْ لِي﴾ فقط بإسقاط سابقه، أما القَسْطَلّانِيّ فقد ساقه كما هو موافق

стр. 491

للتلاوة ثم ذكر عن أبي ذر ما ذكره عنه ابن حجر نقلا عنه ثم قال: ووقع لابن عساكر: ﴿وَهَبْ لِي﴾ فقط بإسقاط سابقه: كما في الفرع وأصله. اهـ. وكأنه يميل إلى خطأ ما جاء في «اليُونِينيّة». والصواب الموافق للقراءة والتلاوة الذي وقع لأبي ذر. ووجه الكرماني ما وقع للأكثر فقال: لعله ذكره على قصد الاقتباس من القرآن لا على قصد أنه قرآن. قال الحافظ: وقع عند مسلم كما في رِواية أبي ذر على نسق التلاوة، فالظاهر أنه تغيير من بعض الرُّواة (١). ٣ - ومن ذلك أيضًا: ما وقع في كتاب: مواقيت الصلاة، باب: فَضْلِ صَلاَةِ الْعَصْرِ. حَدَّثَنا الْحُمَيْدِيُّ قال: حَدَّثَنا مَرْوانُ بْنُ مُعاوِيَةَ قال: حَدَّثَنا إِسْماعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ قال: كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً - يَعْنِي: الْبَدْرَ - فَقال: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَما تَرَوْنَ هَذا الْقَمَرَ، لاَ تُضامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فإنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا». ثُمَّ قَرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]. قال إِسْماعِيلُ: افْعَلُوا، لاَ تَفُوتَنَّكُمْ (٢). كذا سياق الآية في ﴿وَسَبِّحْ﴾ وذكر في الحاشية أن عند أبي ذر الهَرَويّ وأبي الوَقْت والأصيلي وابن عساكر: (فسبح) بالفاء.

стр. 492

قلت (الباحث): والأول الصواب الموافق للتلاوة، وقد نبه على ذلك غير شارح (١). ٤ - ومن ذلك أيضًا: ما وقع في كتاب العيدين، باب فَضْلِ الْعَمَلِ فِي أَيّامِ التَّشْرِيقِ. وَقال ابْنُ عَبّاسٍ: واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ: أَيّامُ الْعَشْرِ، والأَيّامُ الْمَعْدُوداتُ: أَيّامُ التَّشْرِيقِ (٢). كذا جاء عند اليُونِينِيّ وفي رِواية أبي ذر عن الكُشْمِيهَني: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات). وفي رِواية أبي ذر عن الحَمُّوييّ والمُسْتَمْلِيّ: (ويذكروا الله في أيام معدودات)، كما في حاشية اليُونِينِيّ. ووقع في رِواية كريمة وابن شَبُّويه كما عند اليُونِينِيّ في الأصل. ذكره ابن حجر. وما جاء عن الكُشْمِيهَني هو الصواب الموافق للتلاوة، دون الآخرين. قال الكرماني: لا يريد به لفظ القرآن. وقال الحافظ: أجيب بأنه لم يقصد التلاوة، وإنما حكى كلام ابن عباس، وابن عباس أراد تفسير المعدودات والمعلومات. وقال نحوه العيني (٣). ٥ - ومن ذلك أيضًا: ما جاء في كتاب الجنائز، باب قول النبي ﷺ : يعذب الميت ببعض بكاء

стр. 493

أهله عليه، وهو كقوله: ﴿وان تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِها ...﴾. وقع عند أبي ذر وحده: (وإن تدع مثقلة - ذُنُوبًا - إلى حملها ..). والأول الصواب الموافق للتلاوة. قال الحافظ: ليست (ذنوبًا) في التلاوة؛ وإنما هو في تفسير مجاهد فنقله المصنف عنه (١). ثانيًا: ومن هذا النوع ما يكون الخطأ في الإسناد أو المتن بإصلاح كلمة أو حذفها. ويلتحق بهذا النوع إلحاق ما هو ساقط في السند ولا يستقم المعنى إلا بإلحاقه، كحذف واو العطف مثلا - أو إثباتها في بعض الروايات. كما جاء في «الصحيح» في كتاب: الصلاة، باب الْخَوْخَةِ والْمَمَرِّ فِي الْمَسْجِدِ. (٢). حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنانٍ قال: حَدَّثَنا فُلَيْحٌ قال: حَدَّثَنا أَبُو النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قال: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقال: «إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيا وَبَيْنَ ما عِنْدَهُ، فاخْتارَ ما عِنْدَ اللَّهِ». كذا إسناد الحديث في «اليُونِينيّة»: عن عبيد بن حنين، عن بسر بن سعيد، عن أبى سعيد الخدري. ورمز لسقوط قوله: (عن بسر بن سعيد) من عند أبي ذر الهَرَويّ والأصيلي عن أبى زيد، ووضع علامة التصحيح. وساق ابن الملقن الحديث كما عند اليُونِينِيّ وقال: هكذا ثبت في

стр. 494

روايتنا (١): عبيد، عن بسر، عن أبي سعيد (٢). وقال ابن حجر في «الفتح»: قوله: (عن عبيد بن حنين عن بسر بن سعيد) هكذا في أكثر الروايات، وسقط في رِواية الأصيلى عن أبي زيد ذكر (بسر بن سعيد) فصار: عن عبيد بن حنين عن أبي سعيد. اهـ (٣) وساق الجَيّانيّ الحديث في «تقييد المهمل» (٤) بحذف (بسر بن سعيد) ثم قال: هكذا الإسناد عند أبى زيد المَرْوَزيّ، ووقع عند ابن السكن وأبي أحمد الجُرْجانيّ: فليح حَدَّثَنا أبو النضر، عن عبيد بن حنين، عن بسر بن سعيد، عن أبى سعيد الخدري. قال ابن السكن عن الفَرَبْريّ: قال أبو عبد الله: هكذا رواه محمد بن سنان عن فليح - يعني: عن عبيد بن حنين عن بسر عن أبى سعيد - وهو خطأ، وإنما هو: عن عبيد بن حنين، وعن بسر - يعني: بواو العطف. اهـ. فذكر فيه وجها ثالثًا وهو عطف عبيد بن حنين على بسر بن سعيد. قال الجَيّانيّ: فهذه ثلاثة أوجه مختلفة عن فليح بن سليمان، ولعل فُليحًا كان يحدث به مرة عن عبيد بن حنين، ومرة عن بسر بن سعيد، ومرة يجمعهما، وكلٌّ صوابٌ. اهـ. قلت: (الباحث): فتحصل بعد التخريج أربعة أوجه عن أبي النضر. أولها: ما رواه محمد بن سنان (كما جاء في رِواية ابن السكن وأبي

стр. 495

أحمد الجُرْجانيّ لهذا الحديث على ما حكاه الجَيّانيّ وكما هو في «اليُونِينيّة» في الأصل عن فليح: حَدَّثَنا أبو النضر، عن عبيد بن حنين، عن بسر بن سعيد، عن أبى سعيد الخدري .. وتابع محمدًا معافى بنُ سليمان الحراني في روايته كما أخرجه الجَيّانيّ في «تقييد المهمل» (١) فرواه عن فليح، عن أبى النضر، عن عبيد بن حنين، عن بسر، عن أبى سعيد. الثاني: ما رواه أبو عامر العقدي، عن فليح، عن أبى النضر، عن بُسر بن سعيد، عن أبى سعيد الخدري، كما رواه البُخارِيّ في «الصحيح» كتاب: فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ : سدوا الأبواب (٢) قال: حدثني عبد الله بن محمد، حَدَّثَنا أبو عامر به، مثله. الثالث: ما رواه مالك، عن أبى النضر، عن عبيد بن حنين، عن أبي سعيد الخدري، مثله. رواه البُخارِيّ في «الصحيح» كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي ﷺ (٣). قال: حَدَّثَنا إسماعيل بن عبد الله قال: حدثني مالك به. ورواه مسلم في «صحيحه» (٤) قال: حَدَّثَنا عبد الله بن جعفر بن يحيى بن خالد، حَدَّثَنا معن، حَدَّثَنا مالك به. وأخرجه أيضًا الجَيّانيّ في «تقييد المهمل» (٥) قال: حَدَّثَنا أبو عمر النمري، نا أبو محمد بن أسد، نا أحمد بن محمد ابن أبى الموت، نا على
следующие страницы →