← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 17062

روايات الجامع الصحيح ونسخه «دراسة نظرية تطبيقية»

جمعة فتحي عبد الحليم

Полный текст (885 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

لرِواية أبي الوَقْت عن الدّاوُدِيّ ورِواية أبي ذر عن شيوخه الثلاثة ورِواية كريمة المَرْوَزيّة عن الكشمهيني. فوجدت الحديث فيها في اللوحة رقم (٤٠) ولم يذكر الباب المختلف في إثباته وذكر هذا الحديث بين حديث عبد الله بن يوسف، عن مالك وحديث أحمد بن شبيب، عن أبيه .. إلخ. مما يدل على أن الحديث لا خلاف في ثبوته بين هذه الروايات. ومما يؤكد ذلك أن المزي قد ذكر في «تحفة الأشراف» (١) حديثًا: أن رجلًا رأى كلبًا يأكل الثرى ... إلخ. وعزاه للبخاري في كتاب الطهارة (٢) ثم قال بإسناد الذي قبله وإسناد الحديث الذي قبله هو: إسحاق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ذكوان، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وحديث إسحاق بن منصور: أن رجلًا رأى كلبًا .. الحديث. رواه البُخارِيّ في «صحيحه» في ثلاثة مواضع أخرى بأسانيد مختلفة عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا. وهي ما جاء في كتاب المساقاة، باب: فضل سقي الماء (٣) قال: حَدَّثَنا عبد الله ابن يوسف أَخْبَرَنا مالك عن سُمَيّ عن أبي صالح به مثله. وفي كتاب المظالم، باب: الآبار على الطرق إذا لم يتأذ بها (٤). قال

стр. 597

حَدَّثَنا عبد الله بن سلمة، عن مالك، عن سمي، عن أبي صالح مثله. وفي كتاب الأدب، باب: رحمة الناس والبهائم (١) قال: حَدَّثَنا إسماعيل، حدثني مالك عن سُمَيّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح به. فالموضع الذي ذكره المزي هو هذا الموضع الذي معنا. كل ذلك يدل على أنه لا خلاف على ثبوت الحديث. والله أعلم. هذا ما يتعلق بالإجابة على السؤال الأول. الثاني: هل الترجمة ثابتة أم لا؟ وإذا ثبتت فأين موضعها؟ أقول: إن نقول الأئمة في هذا الباب تدل على أن هذه الترجمة ثابتة في نسخة ابن عساكر كما نص على ذلك شراح الحديث، وكما دل عليه صنيع اليُونِينِيّ، واختلف النقل عن اليُونِينِيّ تبعًا لما نقله محققو السلطانية وهو مقتضى رمز اليُونِينِيّ نفسه، ونقلوا عن فرعين من فروع «اليُونِينيّة» أن التبويب ثابت بعد حديث عبد الله يوسف. وحكى القَسْطَلّانِيّ في الإرشاد (٢) ثلاثة أوجه: الأول: ثبوت التبويب وهو عند ابن عساكر قبل حديث عبد الله بن يوسف. والثاني: ثبوته بعده. والثالث: سقوطه أصلًا، روايتي أبي ذر والأصيلي. والراجح ثبوته عند ابن عساكر قبل حديث عبد الله بن يوسف كما جزم بذلك اليُونِينِيّ والقَسْطَلّانِيّ وهو المناسب لسياق الحديث وجميع الأحاديث بعده واضحة الدلالة على التبويب.

стр. 598

ومن أسقط الترجمة ربط هذه الأحاديث بقول البُخارِيّ في الباب السابق له: وسؤر الكلاب وممرها في المسجد. لذا قال ابن حجر في «الفتح» (١) قبل حديث عبد الله بن يوسف عن مالك، وقع هنا في رِواية ابن عساكر قبل إيراد حديث مالك: باب إذا شرب الكلب في الإناء. مثال آخر: في المناسبة بين تراجم الأبواب، ما جاء في كتاب البيوع، باب: ما قيل في اللحام والجزار (٢)، وقبله باب: بيع الخلط من التمر، وبعده باب: ما يمحق الكذب والكتمان في البيع. كذا عند جمهور الرُّواة، وفي رِواية ابن السَّكن وقعت بعد خمسة أبواب كما نص عليه ابن حجر في «الفتح» قائلًا: كذا وقعت هذه الترجمة هنا، وفي رِواية ابن السَّكن بعد خمسة أبواب، وهو أليق؛ لتتوالى تراجم الصناعات (٣) اهـ. قلت (الباحث): فقد جاء في هذا الموضع الذي أشار إليه ابن حجر قبله باب: ما قيل في الصواغ، ثم ذكر بعده بابًا: في ذكر القين والحداد، ثم بابًا: في الخياط ثم النساج. ثامنًا: إزالة نسبة الوهم إلى بعض الشراح في عزو الأحاديث بناء على ما وقع لهم من تسمية في رواياتهم أو نسخهم كما حدث الاختلاف في تسمية كتاب الطهارة هل هو: الطهارة أو الوضوء؟ جاء في «السلطانية» (٤): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب الوضوء، باب

стр. 599

ما جاء في الوضوء وقول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ...﴾ إلخ. رمز اليُونِينِيّ لتأخير البسملة عن كتاب الوضوء، ولغير ابن عساكر وأبي ذر: بابٌ (بالتنوين) في الوضوء، وفي نسخة: (الطهارة) بدل (الوضوء). وذكر ابن حجر في «الفتح» أن في رِواية الأصيلي: (ما جاء في قول الله) دون ما قبله، ولكريمة: (باب في الوضوء وقول الله .. إلخ. وذكر زكريا الأنصاري أنه وقع في نسخة: كتاب الطهارة بدل الوضوء وقال: وهي لكونها أعم من الوضوء أنسب بالأبواب الآتية. اهـ. وعند ابن الملقن (كتاب الوضوء باب ما جاء في قول الله تعالى ...) وقال: هكذا هو ثابت في النسخ الصحيحة (١). وفي نسخة أبي زرعة العراقي لوحة (٣٤) قال في آخر كتاب العلم، وأول كتاب الوضوء: (باب في الوضوء وقوله .. إلخ. وهذا الاختلاف في ثبوت هذا الكتاب جعل بعض المصنفين يعزون الأحاديث إلى كتاب الطهارة بناء على ما جاء في نسختهم في تقسيم كتب البُخارِيّ، وهو ما يجب ملاحظته ومن لا يراعي ذلك يمكن أن يتوقف عن عزو الحديث لـ «الصحيح». ويبدو أن الإمام المزي ﵀ في كتابه «تحفة الأشراف» قد فعل ذلك حيث عزا الأحاديث التي جاءت في كتاب الوضوء إلى كتاب الطهارة، مثاله: حديث عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة

стр. 600

العصر .. الحديث (١) وعزاه للبخاري في الطهارة (٢). مثال آخر: حديث أسامة بن زيد: أن رسول الله ﷺ لما أتى من عرفة أفاق إلى الشعب .. الحديث (٣) عزاه للبخاري في الطهارة في موضعين هذا أحدهما (٤). وغير ذلك انظره في «التحفة» (٥). وننصح أيضًا أن المزي قد أدخل أحاديث كتاب الغسل في كتاب الطهارة، حديث أنس بن مالك ﵁: كان يدور على نسائه .. الحديث في كتاب الغسل (٦) بينما عزاه المزي إلى كتاب الطهارة (٧). حديث عائشة ﵂: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد .. الحديث في كتاب الغسل، باب غسل الرجل مع امرأته (٨) وقد عزاه المزي للبخاري في الطهارة (٩). وغير ذلك. وأدخل أيضًا كتاب الحيض في الطهارة مثاله: حديث عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يتكئ في حجري وأنا حائض، الحديث في كتاب

стр. 601

الحيض، باب قراءة الرجل في حجر امرأته (١) وقد عزاه للبخاري في الطهارة (٢) وغير ذلك. ويتبين أيضًا أن المزي أدخل كتاب التيمم في كتاب الطهارة، مثاله حديث عائشة في كتاب التيمم، باب إذا لم يجد ماء ولا ترابًا (٣) قد عزاه للبخاري في كتاب الطهارة (٤) وغير ذلك. فعدم مراعاة اختلاف ترتيب الكتب والأبواب في الروايات يوقع في حيرة وتعجب، كما حدث ذلك لابن الملقن في «شرحه»، وهو يذكر ترتيب الكتب عنده، كما جاء في روايته، ويقارن ذلك بما جاء عند غيره من الشراح كابن بطال في «شرحه». فمن المعلوم أن رواية أبي زيد المروزي فيها تقديم وتأخير لبعض الكتب والأبواب، وابن بطال اعتمد في شرحه عليها، وهي على الأكثر رواية أبي زيد المروزي. فقد تعقبه ابن الملقن متعجبًا من صنيعه - أي: ابن بطال - في اختلاف ترتيب بعض الكتب والأبواب قائلًا: ولا أدري لم ذكره هناك (٥)! ولا أدري كيف فعل ذلك (٦)!

стр. 602

تاسعًا: إيضاح فهم مراد البُخارِيّ وعلاقة الحديث بالترجمة التي سبقت له ؛ فكثيرًا ما نجد أبوابًا ساقطة، بثبوتها تظهر علاقة الحديث بها وحذفها يجعل الحديث مرتبطًا بالباب قبله كما جاء في إثبات باب: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم ... حديث (١٧٢) قد تم بيانه في عقب الكلام على الحديث في غير هذا الموضع. عاشرًا: إزالة إشكالات في فقه متن الحديث مثاله: ما جاء في الحديث الذي رواه البُخارِيّ معلقًا في كتاب: الوضوء، باب: الماء الذي يُغسل به شعر الإنسان ... (١) حيث قال البُخارِيّ: وَقال أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ: حَدَّثَنا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قال: حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عبد اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ قال: كانَتِ الْكِلاَبُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. اهـ. كذا جاء سياق الحديث في أصل اليُونِينِيّ، ورمز اليُونِينِيّ فوق كلمة: (تبول) وحرف العطف (و) بإسقاطها من عند أبي ذر الهَرَويّ عن شيوخه الثلاثة والأصيلي وابن عساكر وأبي الوَقْت وفي نسخة أخرى. وكذا ذكر القَسْطَلّانِيّ (٢) قال ابن الملقن: وقال الإسماعيلي ليس في حديث البُخارِيّ (تبول) وهو كما قال: وإن كان وقع في بعض نسخ البُخارِيّ (٣). اهـ. وهذا الحديث يرى الشراح أن لفظة (تبول) ليست في «الصحيح»

стр. 603

وذكره المزي في «تحفة الأشراف» (١) وعزاه للبخاري في الطهارة تعليقًا دون لفظة (تبول). اهـ. والحديث في نسخة أبي زرعة العراقي المخطوطة لوحة رقم (٤٠) دون لفظة (تبول) وهي رِواية أبي ذر وكريمة وأبي الوَقْت. قال ابن حجر في «الفتح» (٢): زاد أبو نعيم والبيهقي في روايتهما لهذا الحديث من طريق أحمد بن شبيب المذكور موصولًا بصريح التحديث قبل قوله: تقبل (تبول) وبعدها واو العطف، وكذا ذكر الأصيلي أنها من رِواية إبراهيم بن معقل، عن البُخارِيّ، وكذا أخرجها أبو داود والإسماعيلي من رِواية عبد الله بن وهب، عن يونس ابن يزيد شيخ شبيب بن سعيد المذكور. اهـ. وقال في «التغليق» (٣): وهذه اللفظة الزائدة ليست في شيء من نسخ «الصحيح» اهـ. قلت (الباحث): كذا ذكر ابن حجر وهو خلاف ما نقل في «الفتح» عن بعض الرُّواة وهذا الحديث رواه غير البُخارِيّ عن أحمد بن شبيب كل من: أبو نعيم في «المستخرج» (٤)، قال (٥): أَخْبَرَنا أبو إسحاق - هو ابن

стр. 604

حمزة، ثنا إسحاق بن محمد، ثنا موسى بن سعيد الدنداني، ثنا أحمد بن شبيب به بمثل إسناد البُخارِيّ، ولفظه: عن ابن عمر قال: كنت أبيت في المسجد على عهد رسول الله ﷺ فتى شابًا، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر .. والباقي مثله. ويمثل لفظ أبي نعيم في «المستخرج» أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» كتاب الطهارة، باب: نجاسة ما مسه الكلب بسائر بدنه .. (١) قال: أَخْبَرَنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن الحسن، ثنا أبو عبد الله علي بن زيد الصائغ، ثنا أحمد بن شبيب به مثله. وقال البيهقي عقبه: رواه البُخارِيّ في «الصحيح» فقال: وقال أحمد بن شبيب فذكره مختصرًا، ولم يذكر قوله: (تبول). وأخرجه أيضًا البيهقي في كتاب الصلاة، باب: من قال بطهور الأرض إذا يبست (٢) قال: وأنبأ أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أنبأ العباس بن الفضل الأسفاطي، ثنا أحمد بن شبيب به ولفظه: كانت الكلاب تبول وتقبل بالمسجد أيام النبي ﷺ فلم يكونوا يغيروا من ذلك شيئًا. كذا دون الزيادة الأولى ودون قوله: (وتدبر) وقال: (يغيروا) بدل: (يرشون). وتابع ابنُ وهب شبيب بن سعيد في روايته عن يونس، عن ابن شهاب، عن حمزة بن عبد الله، عن ابن عمر. رواه أبو داود في «سننه» كتاب الطهارة، باب في طهر الأرض إذا

стр. 605

يبست (١) ومن طريقه البغوي في «شرح السنة» كتاب الطهارة، باب البول يصيب الأرض (٢) عن أحمد بن صالح. وابن حبان في «صحيحه» كتاب الصلاة، باب: المساجد (٣)، قال: أَخْبَرَنا الحسن ابن سفيان قال: حَدَّثَنا حرملة بن يحيى. والإسماعيلي (٤) ومن طريقه البيهقي في «الكبرى» كتاب الصلاة، باب من قال بطهور الأرض إذا يبست (٥) قال: حَدَّثَنا أبو يعلى، ثنا هارون بن معروف، ثلاثتهم عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب به مثله. وكلهم يقول: (تبول وتقبل وتدبر). وعند الإسماعيلي في أوله: عن ابن عمر قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول وهو في المسجد بأعلى صوته: اجتنبوا اللغو في المسجد، قال ابن عمر: وكنت أبيت في المسجد .. فذكره. وقال البيهقي بعد أن عزاه لـ «الصحيح»: وليس في بعض النسخ عن أبي عبد الله البُخارِيّ: كلمة البول. وقد روي الحديث من وجه آخر عن ابن عمر ﵂ بمثل لفظ أبي نعيم في «المستخرج». رواه أحمد في «مسنده» (٦) قال: حَدَّثَنا سكن بن نافع الباهلي أبو

стр. 606

الحسين حَدَّثَنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: كنت أعزب شابًا - فذكره. ولم يقل فيه: (تبول). وهكذا ترى أن هذه اللفظة غير ثابتة عند جمهور الرُّواة عن البُخارِيّ كما جاء ذلك عن اليُونِينِيّ، ونقله عنه القَسْطَلّانِيّ، وإن كانت ثابتة عند اليُونِينِيّ في أصل سماعه. واختلف في إثباتها بين الرُّواة عند غير البُخارِيّ أيضا كما هو واضح من التخريج. وإثبات هذه اللفظة أو عدمها له أهمية كبيرة؛ حيث يستدل بها بعض العلماء في طهارة الكلب، وهي مسألة مشهورة بين أهل العلم لا يتسع المجال لذكرها تفصيلًا؛ وإنما أكتفي بنقول بعض العلماء بما يتعلق بتوجيه هذه اللفظة: قال الإسماعيلي عقب الحديث فيما نقله عنه البيهقي: إن المسجد لم يكن يغلق عليها وكانت تتردد فيه الكلاب وعساها كانت تبول، إلا أن علم بولها فيه لم يكن عند النبي ﷺ وأصحابه ولا عند الراوي أي موضع هو، ومن حيث أمر في بول الأعرابي بما أمر دل ذلك على أن بول ما سواه في حكم النجاسة واحد وإن اختلف غلظ نجاستها. اهـ (١). وقال أبو حاتم ابن حبان: قول ابن عمر: (وكانت الكلاب تبول) يريد به خارجًا من المسجد، تقبل وتدبر في المسجد فلم يكن يرشون بمرورها في المسجد شيئًا. (٢)

стр. 607

وكذلك تأوله الخطابي في «معالم السنن» (١) قال: يتأول على أنها كانت تبول خارج المسجد في مواطنها، وتقبل وتدبر في المسجد عابرة، إذ لا يجوز أن تترك الكلاب وانتياب المساجد حتى تمتهنه وتبول فيه، وإنما كان إقبالها وإدبارها في أوقات نادرة، ولم يكن على المسجد أبواب تمنع من عبورها فيه. وقد اختلف الناس في هذه المسألة: فروي عن أبي قلابة أنه قال: جفوف الأرض طهورها، وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: الشمس تزيل النجاسة عن الأرض إذا ذهب الأثر، وقال الشافعي وأحمد: الأرض إذا أصابتها النجاسة لا يطهرها إلا الماء. اهـ. وتعقبه العيني في «عمدة القاري» (٢) وقال: إنما تأول الخطابي بهذا التأويل حتى لا يكون الحديث حجة للحنفية في قولهم، لأن أصحابنا استدلوا به على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة، فجفت بالشمس أو بالهواء فذهب أثرها تطهر في حق الصلاة، خلافًا للشافعي وأحمد وزفر، والدليل على ذلك أن أبا داود وضع لهذا الحديث باب طهور الأرض إذا يبست، وأيضًا قوله: فلم يكونوا يرشون شيئًا إذ عدم الرش يدل على جفاف الأرض وطهارتها، ومن أكبر موانع تأويله أن قوله: (في المسجد) ليس ظرفًا لقوله: تبول وما بعده كلها، ويقال الأوجه في هذا أن يقال: كان ذلك في ابتداء الإسلام على أصل الإباحة، ثم ورد الأمر بتكريم المسجد وتطهيره وجعل الأبواب على المساجد. اهـ. وقال الحافظ في «الفتح»: والأقرب أن يقال: إن ذلك كان في ابتداء

стр. 608

الحال على أصل الإباحة، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها، ويشير إلى ذلك ما زاده الإسماعيلي في روايته من طريق ابن وهب في هذا الحديث عن ابن عمر قال: كان عمر يقول بأعلى صوته: اجتنبوا اللغو في المسجد. قال ابن عمر: وقد كنت أبيت في المسجد على عهد رسول الله ﷺ وكانت الكلاب .. فأشار إلى أن ذلك كان في الابتداء، ثم ورد الأمر بتكريم المسجد حتى لغو الكلام. (١) اهـ. ولذا قال البيهقي في «السنن الكبرى» عقب الحديث: وقد أجمع المسلمون على نجاسة بولها، ووجوب الرش على بول الآدمي فكيف الكلب، فكأن ذلك كان قبل أمره بقتل الكلاب وغسل الإناء من ولوغه، أو كأن علم مكان بولها يخفى عليهم، فمن علمه وجب عليه غسله (٢). اهـ. وتعقبه ابن التركماني في «الجوهر النقي» على قوله بالإجماع فقال: مذهب مالك أنه طاهر، ذكره ابن رشد في «القواعد» وغيره. حادي عشر: إزالة تكرار حديث أو أثر أو باب في الصحيح فقد يأتي الحديث أو الأثر في موضع قبل باب مثلًا، ويأتي بعد الباب في رِواية أخرى، فيكرر الحديث أو الأثر في الموضعين مع أن كل موضع منهما خاص برِواية وساقط من أخرى. ١ - من الأمثلة الدالة على ذلك ما يلي: أثر الحسن قال: إن منعته أمه عن العشاء في جماعة شفقة عليه لم يطعها.

стр. 609

هذا الأثر جاء في «السلطانية» في كتاب الأذان في موضعين (١) جاء قبل باب وجوب صلاة الجماعة، وجاء بعدها مرة أخرى إلا أن في الموضع الأول كلمة (عليه) لابن عساكر فقط وليست في الموضع الثاني، وفي الموضع الأول رمز اليُونِينِيّ لسقوطه من عند ابن عساكر وأبي ذر والأصيلي ونسخة أخرى مما يعني وجودها عند أبي الوَقْت، وهي زيادة ذكرت عند من سبق بعد الباب، وهو الموضع الثاني وهو اللائق كما لا يخفى (٢). أما اليُونِينِيّ ساق هذا الأثر في الموضعين ليجمع اختلاف الروايات، وفي كثير من النسخ المطبوعة من «الصحيح» تجد هذا الأثر في الموضعين وهو خطأ؛ لأنه كما فعل اليُونِينِيّ ليس تكرارًا بينما هو تكرار في إثباته في الموضعين عاريًا عن الروايات. ولذا نجد جميع شراح البُخارِيّ ذكروا هذا الأثر في المكان اللائق به وهو بعد الباب وعليه شرحوا (٣) والله أعلم. ٢ - ومن هذه الأمثلة أيضًا ما جاء في كتاب: التهجد، باب: التطوع بعد المكتوبة: فقد تكرر قوله بعد حديث رقم (١١٧٢) جملة: قال ابن أبي الزناد

стр. 610

عن موسى ابن عقبة بن نافع بعد النساء في أهله، تابعه كثير بن فرقد وأيوب عن نافع (١). ورمز اليونيني أن رواية ابن عساكر بدون الحديث المعلق ومتابعته. ثم ذكر مرة أخرى هذا الحديث ومتابعته بعد الحديث الثاني في الباب وهو حديث رقم (١١٧٣) ولم يرمز اليوينيني لأي خلاف فيه. فترتب على ذلك تكرار هذا الحديث ومتابعته في الأصول المكتوبة، وإنما هو ثابت في بعض الروايات في موضع، وفي الباقي في الموضع الآخر. ٣ - من هذه الأمثلة أيضًا والتي وقع التكرار فيها لاختلاف الروايات تكرار باب وترجمة وحديثين: فقد جاء في آخر كتاب الأذان بعد باب انتظار الناس قيام الإمام العالم (٢) في «السلطانية» تكرار باب صلاة النساء خلف الرجال وحديثين تحت الباب وهما: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ ... الحديث. ثم قال: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، فذكره. فهذا الباب بحديثيه قد ذُكر في «السلطانية» في هذا الموضع وتكرر لفظًا وسندًا ومتنًا بعد بابين وهو آخر كتاب الأذان.

стр. 611

وعلى كلمة (باب) في الموضع الأول حاشية ونصها: هذا الباب في الأصل مخرج في الحاشية مصحح عليه ثم ذكر بعد بابين ا. هـ. من «اليُونِينيّة» وذكره هنا هو الذي في أصول كثيرة وجرى عليه الشراح. اهـ. وذكر أيضًا هذا الباب وحديثه مكررًا في آخر الكتاب بعد بابين من الموضع الأول وعلى كلمة باب حاشية نصها: سقط الباب والترجمة عند (ة) (١). كذا في «اليُونِينيّة» وكأنه إشارة إلى أن هذا الباب في حديثه مكرر مع ما سبق اهـ. من هامش الأصل. وما نقله محققو «السلطانية» في الموضع الأول وقالوا بعده: من «اليُونِينيّة» وهو يوهم أنه من الأصل، وضحه القَسْطَلّانِيّ بقوله: وفي هامش فرع «اليُونِينيّة» هنا ما نصه: وهذا الباب في الأصل مخرج في الحاشية مصحح عليه ثم ذكره بعد بابين. وقال القَسْطَلّانِيّ أيضًا بعد آخر حديث في باب استئذان المرأة زوجها بالخروج إلى المسجد: قال: وزاد في «اليُونِينيّة» كهي (٢) هنا باب صلاة النساء خلف الرجال، وهو ثابت فيه قبل بابين فكرره فيه ونبه على سقوط الأخير في الهامش (٣) بإزائه عند أبي ذر، وهو ساقط في جميع الأصول التي وقفت عليها لكونه لا فائدة في تكريره اهـ. وكل الشراح الذين وقفت على شروحهم اقتصروا على إيراد الباب وما تحته في الموضع الأول إلا ما جاء عند ابن الملقن فقد جاء عنده

стр. 612

اختلاف في الترتيب مع اقتصاره على ذكر الباب والحديثين مرة واحدة. (١) ثاني عشر: ثبوت أحاديث ومعلقات أو سقوطها من الصحيح ١ - من هذه الأمثلة ما جاء في «الصحيح» في كتاب الوصايا، باب مَنْ تَصَدَّقَ إِلَى وَكِيلِهِ ثُمَّ رَدَّ الْوَكِيلُ إِلَيْهِ. وَقال إِسْماعِيلُ: أَخْبَرَنِي عبد العَزِيزِ بْنُ عبد اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عبد اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، لاَ أَعْلَمُهُ إِلاَّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قال: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] جاءَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ... وذكر الحديث بطوله (٢). كذا جاء سياق الإسناد عند اليُونِينِيّ - كما جاء في «السلطانية» - ورمز بما يدل على أن هذا الباب وحديثه ساقط من كل النسخ التي اعتمد عليها إلا رِواية الكُشْمِيهَني خاصة لكن وقع في روايته: (وعلى وكيله) بدلًا من: (إلى وكيله) وثبتت الترجمة وبعض الحديث في رِواية الحمّويي كما ذكر ابن حجر في «الفتح» (٣) ولم أر في «اليُونِينيّة» ما يدل إلا على الباب فقط عند الحمّويي. قال ابن الملقن في «التوضيح» (٤): والبُخارِيّ ساقه هنا فقال: حَدَّثَنا

стр. 613

إسماعيل أخبرني عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن إسحاق به. اهـ. فذكره موصولا. وذكره المزي في «تحفة الأشراف» (١) وعزاه للبخاري في الوصايا تعليقًا: وقال إسماعيل - هو - ابن أبي أويس، أخبرني عبد العزيز بن أبي سلمة عن إسحاق به. فذكره. وفي آخر الحديث حاشية نقلها المحقق من النسخة المخطوطة لـ «تحفة الأشراف» والمحفوظة في مكتبة محمد نصيف نقلت من نسخة ابن كثير سنة (٧٧٤) هـ وفي كلام ابن حجر الآتي ما يدل على أنها من حواشي المزي نفسه، وفي هذه الحاشية: في كتاب أبي مسعود وكتاب خلف: وقال إسماعيل بن جعفر. والصواب - إن شاء الله - إسماعيل بن أبي أويس اهـ. وقال ابن حجر في «النكت الظراف» معلقا على كلام المزي: قلت: هذه الطريق ليست في رِواية أبي الوَقْت، ولا في رِواية أبى ذر، (عن النَّسفي) (٢) ونقل المزي في الهامش عن أبي مسعود أنه جزم بأنه ابن جعفر ورد عليه، وقد وافق أبو نعيم في «المستخرج» أبا مسعود وقال: إنه رآه كذلك في نسخة أبى عمرو (٣) التي كتبها عن الفَرَبْريّ. وزعم مغلطاي أن في «الأطراف» للطرقي (٤): خ عن الحسن بن شوكر عن إسماعيل بن

стр. 614

جعفر، ولم نر أحدًا ذكر الحسن بن شوكر في شيوخ البُخارِيّ. (١) اهـ. قلت: (الباحث) مما سبق يتلخص أن في هذا الباب وحديثه الوارد فيه ثلاثة إشكالات: الأول: ثبوت هذا الحديث وبابه، ويفهم مما سبق نقله أن هذا الحديث وبابه ثابت في رِواية أبي ذر عن الكُشْمِيهَني والحَمُّوييّ إلا أنها عند الحَمُّوييّ جزء من الحديث فقط. ولم يقع في روايته عن المُسْتَمْلِيّ ولا في رِواية أبي الوَقْت عن الدّاوُدِيّ عن الحَمُّوييّ، ولا في رِواية ابن عساكر ولا الأصيلي، على ما جاء في «اليُونِينيّة». الإشكال الثاني: في الحديث هل هو معلق أو متصل. فهو معلق على ما جاء في «اليُونِينيّة» وكما جاء عند ابن حجر في «تغليق التعليق» (٢) وبه جزم المزي في «تحفة الأشراف» وحكاه عن أصحاب الأطراف قبله كما جاء في حاشية «التحفة» وأيده ابن حجر في «النكت الظراف». وجاء عند ابن الملقن في «التوضيح» مسندًا بلفظ: حَدَّثَنا إسماعيل وقال: والذي ألفيناه في أصل الدمياطي مسندًا. الإشكال الثالث: هو في تعيين المعلق عنه وهو إسماعيل: فالذي يتبادر إلى الذهن - كما ذكر ابن حجر في «التغليق» أنه إسماعيل بن أبي أويس وهو شيخ البُخارِيّ فقد روى الكثير عن عبد الله بن أبي سلمة ويدل عليه أن في بعض الروايات قد جاءت صيغة التحديث:

стр. 615

حَدَّثَنا إسماعيل، فيتعين أن يكون ابن أبي أويس لاسيما وأن ابن جعفر متقدم فيكون حديثه معلقًا أيضًا. وصوب ذلك ابن الملقن أيضًا، وجزم به المزي في «التحفة» كما سبق. وقال ابن حجر في «التغليق»: وزعم أبو العباس الطرقي أن البُخارِيّ أسنده في «الجامع» فقال: حَدَّثَنا الحسن بن شوكر ثنا إسماعيل بن جعفر ثنا عبد العزيز به، ولم يذكر أحد الحسن بن شوكر في شيوخ البُخارِيّ. اهـ. قلت (الباحث): فتبين من ذلك أن ثبوت رِواية أبي ذر ومقتضاها أن تكون هذه الزيادة من الفَرَبْريّ الراوي عن البُخارِيّ، وعدم ثبوتها يترتب عليه أن هذه الزيادة من البُخارِيّ وساقها لبيان سماع سليمان له من طاوس. والله أعلم. ٢ - ومن الأمثلة التي ترتب على الاختلاف فيها وجود تعليق أو عدم وجوده. ما ذكره ابن حجر في «تغليق التعليق» في باب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء (١) قوله فيه (٢): وقال الأويسى: حدثني محمد بن جعفر عن يحيى بن سعيد وشريك سمعا أنسًا عن النبي ﷺ أنه رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه قلت: (أي ابن حجر): سقط هذا التعليق من أكثر الروايات وهو ثابت في رِواية أبي ذر وقد كرره المؤلف في موضع آخر في الدعوات. اهـ. وقال في «الفتح»: (٣): وهذا التعليق ثبت هنا (٤) للمستملي (٥) وثبت لأبي

стр. 616

الوَقْت وكريمة في آخر الباب الذي بعده، وسقط للباقين رأسًا لأنه مذكور عند الجميع في كتاب الدعوات وقد وصله أبو نعيم في «المستخرج». اهـ. وهذا التعليق لم يثبت في أصل «اليُونِينيّة» كما في «السلطانية» وكتب محققو «السلطانية» ما نصه في هذا الموضع: وقال الأويسى: حدثني محمد بن جعفر عن يحيى بن سعيد وشريك سمعا أنسًا عن النبي ﷺ (أنه) (١) رفع يديه حتى رأيت (حتى يثرَى) (٢) بياض إبطيه. ثم قالوا: هذا ثابت عند أبى ذر وابن عساكر وأبي الوَقْت وفي حاشية أبي ذر حديث الأويسى لأبي إسحاق (٣) وحده وحديث محمد بن بشار (٤) لأبي إسحاق وأبي الهيثم جميعًا إلا أن حديث ابن بشار مؤخر عند أبي الهيثم ا. هـ من هامش الأصل (٥). قلت (الباحث) وما ذكره محققو «السلطانية» هنا يؤيد ما ذكره ابن حجر السابق ذكره، والله أعلم. وهذا التعليق اتفقت كل الروايات على ذكره في كتاب الدعوات، باب: رفع الأيدي في الدعاء (٦) ولم يحك اليُونِينِيّ فيه خلافًا وكذا الشراح، وذكره

стр. 617

المزى في «تحفة الأشراف» (١) وعزاه للبخاري تعليقًا في كتاب الدعوات. وكرره ابن حجر في «الفتح» في الموضعين (٢). ٣ - ومن الأمثلة التي نتج عنها وجود حديث أو حذفه: ما جاء كتاب العلم باب حفظ العلم (٣) قال البُخارِيّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ. قَالَ: «ابْسُطْ رِدَاءَكَ» .. الحديث. ثم قال البُخارِيّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ بِهَذَا، أَوْ قَالَ: غَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ. كذا جاء سياق الحديث عند اليُونِينِيّ كما في «السلطانية» ورمز اليُونِينِيّ لحذف هذا الحديث أي من أول قوله: حَدَّثَنا إبراهيم بن المنذر، إلى قوله: غرف بيده فيه من عند ابن عساكر والأصيلي وأبي ذر في روايته عن المُسْتَمْلِيّ أي أنه ثابت في رِواية أبي الوَقْت وأبي ذر عن شيخيه الكُشْمِيهَني والحَمُّوييّ. ولذا ذكرها ابن الملقن لأن روايته عن أبي الوَقْت، وكذا ذكر القَسْطَلّانِيّ سقوطها من عند هؤلاء ووقع فيه خطأ حيث قال: ساقط في رِواية أبي ذر والأصيلى والمُسْتَمْلِيّ وابن عساكر ا. هـ لأن رِواية المُسْتَمْلِيّ إحدى روايات أبى ذر كما هو واضح في رموز اليُونِينِيّ رحمه الله تعالى (٤).

стр. 618

فهذا الحديث ساقط من بعض النسخ وثابت في بعضها مما يترتب عليه زيادة أو نقص بعض الأحاديث. وهذا الحديث أخرجه البُخارِيّ كاملًا في كتاب المناقب باب بعد باب سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية فأراهم انشقاق القمر (١) قال: حدثني إبراهيم بن المنذر حَدَّثَنا ابن أبي الفديك، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قلت يا رسول الله: إني سمعت منك حديثًا كثيرًا .. فذكره. اهـ. قلت (الباحث): فكأن سقوط الرِّواية الأولى عند بعض الرُّواة اكتفاء بما هنا، والله أعلم. ٤ - ومن الأمثلة التي نتج عنها وجود حديث أو حذفه: ما جاء في كتاب الأذان باب فضل صلاة الجماعة (٢) فقد جاء هامش «السلطانية» ما يلي: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً». ورمز في الحاشية على هذا الحديث ما يدل على أنه ثابت في رِواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر وأبي الوَقْت ونسخة أخرى. وهذا الحديث ليس في أصل «السلطانية» فلست أدري هو هكذا في أصل اليُونِينِيّ أم هو في صلب اليُونِينِيّ وتم استدراكه وحالت طريقة الطباعة من وضعه في المتن، هذا يتوقف على النظر في أصل اليُونِينِيّ.

стр. 619

وقال القَسْطَلّانِيّ في «الإرشاد»: وقد اطلع على أصل اليُونِينِيّ (١) وهذا الحديث ساقط في رِواية غير الأربعة. اهـ. والمزي في «تحفة الأشراف» ذكر هذا الحديث (٢) وعزاه للبخاري في الصلاة عن عبد الله بن يوسف، عن الليث، عن ابن الهاد به. قلت: وجميع الشراح للصحيح أثبتوا هذا الحديث في شروحهم، مع حكاية اختلاف النسخ فيه، وقال ابن بطال (٣) قال بعد ذكره حديث ابن عمر: وفيه أبو سعيد مثله، وكذا قال ابن الملقن في «التوضيح» (٤) ثم قال: وأما حديث أبي سعيد فهو ساقط في بعض النسخ، وهو ثابت في «الأطراف» لأبي مسعود وخلف دون الطرقي وهو من أفراد البُخارِيّ وذكره أبو نعيم هنا بعد حديث ابن عمرو ذكره الإسماعيلي أول الباب قبله. ا. هـ. وذكر هذا الحديث أيضا في هذا الموضع ابن رجب الحنبلي في شرحه «فتح الباري» (٥) أما الكرماني فقد شرح الحديث دون التعرض للاختلاف في إثباته كأنه لم يقع له خلاف فيه، ومما تجب الإشارة إليه هنا أن الناشر وقد وضع متن «الصحيح» من عنده أهمل ذكر هذا الحديث اعتمادًا على ما جاء في أصل «السلطانية» بينما شرحه المصنف، وهو من الهفوات التي تقع لمن يتصدر لطباعة شروح «الصحيح» دون وضع اختلاف النسخ في الاعتبار، والله أعلم.

стр. 620

أما الحافظ ابن حجر فقد شرح هذا الحديث وجعله بعد حديث ابن عمر ثم قال بعده: تنبيه: سقط حديث أبي سعيد من هذا الباب في رِواية كريمة وثبت للباقين، وأورده الإسماعيلي قبل حديث ابن عمر (١). وكذا فعل العيني في «عمدة القاري» (٢) وقال مثل قول ابن الملقن السابق. وكذا شرحه شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في «منحة الباري» (٣)، والسيوطي في «التوشيح» (٤) وسبق ذكر ما قاله القَسْطَلّانِيّ. وخلاصة القول في ذلك: أن هذا الحديث ثابت في «الصحيح» كما هي رِواية الجمهور وما حدث من حذفه في بعض طبعات «الصحيح» إنما هو من وضع هذا الحديث في الحاشية كما في «السلطانية»، والله أعلم.

стр. 621

الفصل الرابع: وسائل توجيه الاختلافات

стр. 622

وسائل توجيه الاختلافات مما لا شك فيه أن هناك بعض العوامل تساعد في الترجيح بين الروايات المختلفة. فاختلاف الروايات في صورة من صور الاختلاف التي سبق ذكرها سواء أكان ذلك في سياق الصحيح أو الأحاديث أو ما كان خاصًا بالرواة أو المتون، لا يعني بالضرورة التعارض، ودفع أحد الوجهين للآخر. فمسائل تفاوت الروايات والتفضيل بينها من أصعب المسالك التي يسلكها الناقد أو المجتهد. وهي مجال لا يحيط به إلا من رزقه الله تعالى الحفظ والإتقان، والوقوف على كثير من الروايات حتى ينقدح في ذهن الناقد الترجيح بين الروايات المختلفة إن تعذر الجمع بينها. فبالنسبة للرواة عن «الصحيح» يمكن إعمال بعض القواعد التي اصطلح عليها الناقد في عصر الرواية على الرواة بالإضافة إلى اعتبارات أخرى اقتضتها الظروف الزمانية وبعد الإسناد عن النبي ﷺ (١). فينبغي الوقوف على عدة أمور: ١ - الحكم بتفاوت الروايات وتفضيل بعضها على بعض أمر اجتهادي. فيحكم كل إمام من الأئمة في ترجيح رواية على أخرى بمقتضى علمه، وعلم النقاد والأئمة يتفاوت كمًا وكيفًا. ٢ - أن الترجيح بين الروايات يشتمل على أمرين: الأول: تفضيل رواية كاملة على رواية أخرى، أو نسخة كاملة على نسخة أخرى.

стр. 623

الثاني: التفضيل في الاختلافات في كل موضع. والمجال التطبيقي في بحثي هذا يدور على الأمر الأول. أما الأمر الثاني فيحتاج إلى تتبع وحصر وليس هذا مجاله، وإنما اكتفيت بذكر أمثلة تطبيقية للدلالة على المراد فقط. ٣ - أنه لا يلجأ المجتهد إلى الترجيح بين الروايات إلا بعد تعذر الجمع بين الروايتين أو الأكثر، فكثير من الاختلافات تكون أوجه مختلفة لحقيقة واحدة، كأن يكون الخلاف في ذكر اسم راوٍ، فيذكر في بعض الروايات بما يدل عليه، وفي الأخرى باسمه وكنيته، وفي بعضها الآخر بالاسم والكنية واللقب، وهكذا (١). وبعض الاختلافات الواقعة في الأسانيد والطرق تكون محفوظة عمن رويت عنه بأكثر من وجه فيكون الجمع بين الروايات أولى من الترجيح بينها. ٤ - أن نتيجة الترجيح لا تكون بالضرورة رد المرجوح كما إذا لم يكن ثم مخالفة، بل قد يكون الترجيح للاختيار والتفضيل. لكن إذا كانت نتيجة الترجيح الحكم برد المرجوح لمخالفته للراجح، فهنا يجب العمل بالراجح دون المرجوح، وهذا في مجال المفاضلة بين الاختلافات الجزئية. ٥ - أن كثيرًا من وجوه الترجيح بين الروايات التي يذكرها الأصوليون أو المحدثون للترجيح بين الرواة لا تصلح عند التطبيق العملي؛ وذلك لاختلاف الزمان وكيفية الرواية واختلاف المنهجين.

стр. 624

كما أن هناك بعض وجوه الترجيح التي تختص بالترجيح بين الروايات أو النُسخ، وهذه الوجوه هي التي تتعلق بالنُسخ وضبطها وكتابتها، وغير ذلك كما أن هناك بعض وجوه الترجيح عند الأصوليين لا تصلح للترجيح بين النسخ والروايات (١). ٦ - قد يجتمع في الرواية عدة مرجحات، وقد يكون بعضها أقوى في الدلالة على الترجيح من بعض، وهي ليست مرتبة بحيث لا يلجأ للمرجح الثاني إلا بعد فقد الأول منهما. ٧ - هناك وسائل مساعدة ترجع إلى ما قبل البخاري، وذلك باعتبار المتابعات التي تأتي عن شيوخ البخاري أو شيوخ شيوخه أو غير ذلك. فأبو علي الجياني مثلًا كثيرًا ما يستدل على ترجيح بعض الروايات باعتبار الرواة عن مالك مثلًا. أو غير ذلك. ٨ - الترجيح بين الاختلافات الواقعة بين الروايات ينبغي أن يكون موضعًا موضعًا، ولا يكون ذلك بترجيح رواية مطلقة ولا رد رواية مطلقة. وإنما يكون ذلك بعدة مرجحات، فتقديم العلماء لرواية معينة لا يعني ترجيح ما فيها مطلقًا، وإنما يجب اعتبار عدد من المرجحات. ٩ - أن الاختلاف بين الرواة قد يقع في طبقة الرواة عن البخاري وقد يقع الاختلاف بينهم فيما بعد ذلك من طبقات، كما وقع الخلاف بين الرواة عن الفربري من قبل أبي زيد والكشميهني عنه ... الخ، وكما وقع الخلاف بين الرواة على أبي زيد من قبل الرواة عنه مثل: الأصيلي والقابسي وعبدوس، وكما وقع الخلاف بين أبي ذر الهروي وكريمة في

стр. 625

روايتهما عن الكشميهني، وكما وقع الخلاف بين الرواة عن الحمويي من قِبَلْ أبي ذر الهروي والداودي. مراعاة صحة بعض الروايات، وشهرتها بين العلماء: مما لا شك فيه أن تلقي العلماء لبعض الروايات بالقبول وإقبالهم على روايتها، دليل على صحة ما فيها، فيجب مراعاة الأقرب إسنادًا للبخاري، فعلو الإسناد يتضح من خلال تقارب الرواة في طبقة واحدة وغير ذلك. فمثلًا وجود بعض الروايات الصحيحة، مثل رواية أبي ذر الهروي، ورواية الأصيلي، ورواية أبي الوقت، ورواية كريمة المروزية. فكلما كانت النسخ المتداولة بين أيدينا ترجع إلى هذه الروايات، كانت أولى بالترجيح. مراعاة الأقرب من طبقات الرواة للبخاري: لا شك أن عوامل الزمن تسبب كثيرًا من الاختلافات، فكلما كان العهد قريبًا بالبخاري كان ذلك أقرب إلى الصحة: فمن الأمور التي ميزت رِواية الفَرَبْريّ على غيرها: علو إسناده لبقائه مدة طويلة بعد البُخارِيّ. فقد بقي بعد وفاة البُخارِيّ أربعة وستين عامًا، كان فيها مقصد العلماء والطلاب ممن يريدون سماع «الصحيح» عاليًا. ولا شك أن طلب الإسناد العالي من آداب المحدثين. والمتفق عليه بين الرواة عن أبي زيد المروزي (٣٧١) هـ أولى من المتفق عليه بين الرواة عن أبي ذر الهروي (٤٣٤) هـ لأن الأول أقدم طبقة من الثاني وهكذا.

стр. 626

وأقدم ما وقفت عليه من الروايات هي القطعة الموجودة في مجموعة المستشرق منجانا، وهي قطعة من «الصحيح» برواية أبي زيد المروزي (٣٧١) هـ وكتبت في حياة أبي زيد وتقع في سبعة وخمسين لوحة وقد ذكرت وصفًا لها في مبحث رواية أبي زيد المروزي. ومن أقدم ما عُثر عليه أيضًا نسخة بخط أبي علي الصدفي (٥١٤) هـ عن شيخه أبي الوليد الباجي (٤٧٤) هـ عن أبي ذر الهروي (٤٣٤) هـ وقد أفردتها بمبحث مستقل. ويليها نسخة ابن سعادة أبي عمران الأندلسي (٤٢٢) هـ وهي مأخوذة من النسخة السابقة حيث كان صهرًا لأبي علي الصدفي وتلميذًا له، وكتبها نجله، ونشرها المستشرق ليفي بروفنسال بالتصوير الشمسي وأفردتها بمبحث مستقل أيضًا. بعض الوسائل التي تساعد في الوصول إلى توجيه الاختلافات: ١ - النسخ من «الصحيح» التي قارنت بين هذه الروايات: فالرجوع إلى هذه النسخ يحكي لنا الخلاف بين هذه الروايات، مما يجعلنا نستطيع مراعاة المتفق عليه بين الرواة والمختلف فيه، والكثرة العددية من أقوى المرجحات بين الرواة التي ذكرها العلماء. مثل نسخة أبي ذر الهروي التي قارن فيها بين روايات شيوخه الثلاثة: ونسخة شرف الدين اليونيني (٧٠١) هـ التي قارن فيها بين عدة أصول لروايات مختلفة. ٢ - الرجوع للكتب المتعلقة بـ «الصحيح»: وخاصة التي عرف عن أصحابها مراعاة الروايات المختلفة لـ «الصحيح»، وهذه الكتب أنواع، أذكرها إجمالًا:

стр. 627

أ - شروح «الصحيح»: لاشك أن شروح «الصحيح» تناولت جانبًا مهمًا من الروايات، بل هي الميدان التطبيقي الحقيقي لبيان الروايات في الألفاظ المختلفة، وتوجيهها، ومن أشمل الشروح في هذا الميدان: شرح ابن حجر العسقلاني (٨٥٢) هـ. وشرح شهاب الدين القسطلاني (٩٢٣) هـ ولذا تناولتهما بالتفصيل في الباب الثالث. ب - الكتب التي اهتمت بتقييد هذه الاختلافات وتوجيهها: ومن أهمها وأقدمها: كتاب أبي علي الجياني (٤٩٨) هـ: «تقييد المهمل وتمييز المشكل». وكتاب القاضي عياض (٥٤٤) هـ «مشارق الأنوار على صحاح الآثار». وكتاب ابن قرقول (٥٦٩) هـ: «مطالع الأنوار على صحاح الآثار». وقد عرفت بهذه الكتب وقيمتها في ضبط الروايات وتمييزها في الباب الثالث. ج - كتب الأطراف: وهي الكتب التي رتبت أحاديث بعض الكتب المسندة ورُتِبت فيها على المسانيد، فهذه الكتب اعتمد أصحابها على نسخ وروايات معينة من «الصحيح»، وبعضهم يذكر أكثر من رواية. فالمزي مثلًا في «تحفة الأشراف» يذكر المتفق عليه بين الروايات في مظانه، وينبه على ما انفردت به بعض الروايات، بل إنه أحيانًا يكرر الحديث في أكثر من موضع على مقتضى كل رواية، إذا كان الخلاف في الراوي الأعلى، وبمراجعة بعض الأمثلة السابقة يتبين بوضوح اعتماد الشراح

стр. 628

للأحاديث في الترجيح بين الروايات على ما يذكره أصحاب الأطراف. د - الكتب المتعلقة بتمييز رجال الصحيح: وهذه الكتب كثيرة وهي أنواع: فمنها كتب الكنى والأسماء ومن أهم المصنفات المطبوعة في ذلك: - كتاب «الكنى» للإمام النسائي (٣٠٣) هـ. - كتاب «الأسماء والكنى» لأبي بشر الدولابي (٣١٠) هـ. - كتاب «الكنى» لأبي أحمد الحاكم محمد بن محمد النيسابوري (٣٧٨) هـ. - «الاستغناء في معرفة الكنى» لابن عبد البر القرطبي (٤٦٣) هـ - «المقتنى في سرد الكنى» للذهبي (٧٤٨) هـ. ومنها كتب المؤتلف والمختلف: وهو ما اتفق في الخط واختلف في اللفظ. أو هو ما تتفق في الخط صورته ويختلف في اللفظ صيغته. وقد ألَّف في هذا النوع عدد من الأئمة، أقدمهم أبو أحمد العسكري ضمن كتابه «تصحيفات المحدثين». «المؤتلف والمختلف» للدارقطني (٣٨٥) هـ. وألف تلميذه عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري كتابين هما: «مشتبه الأسماء» و «مشتبه النسبة». وتتابع التأليف فيه حتى ألف فيه الأمير أبو نصر بن ماكولا (٤٧٥) هـ كتابه الحافل «الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب» وعده ابن الصلاح أكمل وأحسن ما صنف في هذا الباب على إعواز فيه. وجمع الإمام الذهبي (٧٤٨) هـ في ذلك مختصرًا سماه «المشتبه في

стр. 629

أسماء الرجال» فقام الحافظ ابن حجر (ت٨٥٢) هـ بتوضيحه في كتاب سماه «تبصير المنتبه بتحرير المشتبه». ومنها المصنفات الخاصة بتمييز رواة الصحيح مثل: - «أسامي من روى عنهم البخاري» تصنيف ابن عدي الجرجاني المتوفى سنة (٣٦٠) هـ. - «ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته من الثقات عند البخاري» للدارقطني (٣٨٥) هـ. - «أسماء رجال صحيح البخاري» ويسمى أيضًا «الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد الذين أخرجهم البخاري في جامعه» لأبي نصر الكلاباذي (٣٩٨) هـ. - «التعديل والتجريح لمن خرج عنه البخاري في الجامع الصحيح» لأبي الوليد الباجي (٤٧٤) هـ. - «رجال البخاري ومسلم» للدارقطني (٣٨٥) هـ. - «الجمع بين رجال الصحيحين» لمحمد بن طاهر بن علي، ابن القيسراني (٥٠٧) هـ. - «تسمية شيوخ البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي في مصنفاتهم عن الصحابة والتابعين إلى شيوخهم» للحافظ البرقاني (٤٢٥) هـ. - «المعجم المشتمل على ذكر شيوخ الأئمة النبل» لأبي القاسم بن عساكر (٥٧١) هـ اقتصر فيه على شيوخ أصحاب الكتب الستة دون الرواة الآخرين (١). وهذه الكتب أهميتها تظهر في تعيين رجال البخاري المختلف فيهم

стр. 630

بين الرواة. وكثيرًا ما يرجع إليها أبو علي الجياني في «تقييد المهمل»، وابن حجر في «فتح الباري» للترجيح بين الروايات. وهذا الأمر له أهمية كبيرة وخاصة في الرجال الذين جاء ذكرهم في «الصحيح» في موضع أو موضعين واختلف في هذه المواضع في هؤلاء الرجال. وقد سبق ذكر أمثلة لبعض الاختلافات في رجال «الصحيح»، ولم يذكروا إلا مرة واحدة، مما يترتب على هذا الاختلاف جعل هذا الراوي من رجال «الصحيح»، أو لا وذلك لأن علماء الجرح والتعديل جعلوا إخراج البخاري لراوٍ في «الصحيح» حكمًا بتعديله. ومما يلتحق بذلك الكتب المؤلفة في بيان أحوال الرجال مثل كتب التواريخ والتراجم والطبقات. هـ - الكتب المؤلفة في العلل: وهي كثيرة منها: - «العلل» لعلي بن المديني (٢٣٤) هـ. - «العلل» للإمام أحمد بن حنبل (٢٤١) هـ. - «العلل الكبير» و «العلل الصغير» كلاهما للترمذي (٢٧٩) هـ. - «العلل» لابن أبي حاتم (٣٢٧) هـ. - «العلل الواردة في الأحاديث النبوية» للدارقطني (٣٨٥) هـ. وهذه الكتب تظهر أهميتها في الترجيح بين الروايات المختلفة إذا كان الاختلاف ترتب عليه علة من العلل التي تقدح في صحة الحديث. وقد سبق ذكر بعض الأمثلة أدى الاختلاف فيها إلى إيهام وجود علة من العلل وقد أزالتها كتب العلل مثل: كتاب «العلل» للدارقطني، و «علل

стр. 631

ابن أبي حاتم»، و «علل الإمام أحمد» و «علل الترمذي». و- الكتب المؤلفة في المستخرجات: وهذه الكتب تظهر أهميتها في تمييز بعض الرواة المهملين، أو العلل الواردة في السند أو بعض الألفاظ المختلف فيها من المتن. ولذا نجد أن أبا علي الجياني كثيرًا ما يرجح بين الروايات باستخراجه على بعض الأحاديث، حيث يسوق الإسناد منه إلى الراوي المختلف فيه، ويلتقي مع البخاري في شيخه أو شيخ شيخه. كما أكثر من ذلك ابن حجر في «فتح الباري» من الترجيح بين الروايات باعتماده على المستخرجات، وخاصة في الاختلافات الواقعة في الأسانيد. ومما يلتحق بهذا النوع كتاب ابن حجر «تغليق التعليق» الذي وصل فيه كل المعلقات التي جاءت في الصحيح، وذلك له أهمية كبيرة في بعض الاختلافات التي تتعلق بتعليق بعض الأحاديث أو وصلها كما سبق ذكر ذلك في الأمثلة. ز - كتب السنة المسندة: وذلك في تخريج الحديث للوقوف على العلل الواردة في الأسانيد. مثل «صحيح مسلم» والسنن الأربعة ومصنفات بعض شيوخ البخاري أو شيوخ شيوخه: مثل كتب: «الموطأ» للإمام مالك (١٧٩) هـ وكتاب: «مسند إسحاق بن راهويه» (٢٣٨) هـ. وكتاب «المصنف» و «المسند» لابن أبي شيبة (٢٣٥) هـ وكتاب «المصنف» لعبد الرزاق (٢١١) هـ. وغير ذلك. فاعتبار روايات هؤلاء الموجودة في كتبهم وذلك في الأحاديث التي رواها البخاري من طريقهم، أمر له أهمية كبيرة، وممن أكثر من ذلك أبو

стр. 632

علي الجياني وشراح «الصحيح» مثل ابن الملقن وابن حجر وغيرهما. ومما يلتحق بذلك الكتب المسندة ويكون الإسناد فيها من طريق البخاري. مثل كتاب: «البحر الزخار» للبزار (٢٩٢) هـ. حيث ساق بعض الأحاديث عن شيخه البخاري وهذه الأحاديث في الصحيح. وكذلك الإمام البيهقي في كتبه ساق مجموعة من الأحاديث عن أبي عبد الله الحاكم بسنده إلى البخاري وهذه الأحاديث في الصحيح وقد سبق ذكرها. وللإمام أبي القاسم البغوي في كتابه «شرح السنة» كثير من الأحاديث التي تزيد على السبعمائة رواها بإسناده إلى البخاري وهي في الصحيح وقد سبق توضيح ذلك. وغير هذه الكتب كثير. فهذه الكتب يمكن الرجوع إليها واعتبار هذه الأحاديث التي جاءت بمثابة روايات لبعض النصوص من الصحيح، ويمكن الاستعانة بها في مقارنة الروايات والترجيح بها. ي - الكتب التي اهتمت بضبط غريب الحديث: مثل كتاب «غريب الحديث» للخطابي، «مشارق الأنوار» أيضًا، و «مطالع الأنوار» وكتاب ابن مالك الذي ألفه في توجيه روايات الصحيح في بعض الكلمات من حيث العربية. فالخطابي (٣٨٨) قد ذكر في كتابيه: «غريب الحديث» و «أعلام الحديث» الاختلافات اللغوية التي جاءت في الصحيح، وراعى في ذلك حكاية كل الروايات الواردة في الكلمة.

стр. 633

خاتمة الباب الثاني ١ - يتبين أن هناك أسبابًا كثيرة لوجود الاختلاف بين الروايات، وهذه الأسباب منها ما يعود إلى منهج البخاري نفسه كبقاء بعض الأبواب والأحاديث مبيضة، ومنها ما يرجع إلى كثرة الرواة عن البخاري، ومنها ما يتعلق بالعوامل البشرية التي تعتري أي إنسان. ٢ - هناك نتائج عن هذه الاختلافات، وهذه النتائج تزيل كثيرًا من الإشكالات التي تنتج عن عدم مراعاة هذه الاختلافات، ويعد أبو علي الجياني وابن حجر العسقلاني ممن لهم عناية بإزالة كثير من الإشكالات الناتجة عن الاختلافات. ٣ - هناك عوامل تساعد في التوفيق بين هذه الاختلافات، ويعد من أهم هذه العوامل اعتبار أصح النسخ والروايات وهي رواية أبي ذر الهروي. ٤ - يتبين بوضوح أن صور هذه الاختلافات متعددة فمنها ما يرجع إلى السياق العام لـ «الصحيح» من حيث الترتيب بين الأحاديث والكتب والأبواب. ومنها ما يكون في بعض الأسانيد، ومنها ما يكون في بعض المتون، ومنها ما يكون نتيجة لبعض الزيادات من قبل بعض الرواة. وبناء على ما سبق: فإن ما نجده من فروق بين نسخ «صحيح البخاري» التي بين أيدينا المخطوطة أو المطبوعة لا يعد قادحًا في سلامة عموم الكتاب ونصوصه ولا يعارض ما سبق تقريره من تواتر الصحيح عن البخاري، حيث تتابعت عناية البخاري نفسه بالصحيح وكتابته، وإسماعه

стр. 634

للآلاف من السامعين والرواة، ثم تلته عناية رواة «الصحيح» عنه، فمن بعدهم، وكذلك ناسخوه عن أصله وما تفرع عنه من متقدمين ومتأخرين، ثم عناية الشراح بضبط تلك الفروق، والتوفيق بين ما يمكن الجمع بينه بوجه معتبر، أو ترجيح ما يظهر رجحانه ببعض الوجوه المعتبرة في الترجيح التي سبق ذكرها. والله أعلم. ولذا جعلت الباب الثالث في عناية العلماء في ضبط هذه الاختلافات.

стр. 635

الباب الثالث «عناية الأمة بضبط الاختلافات» وفيه ثلاثة فصول الفَصْل الأول: عناية المشارقة بالصحيح: المبحث الأول: ترجمة اليُونِينِيّ. المبحث الثاني: نسخة اليُونِينِيّ، أصوله، ورموزه، عمله، مصير هذه النسخة. المبحث الثالث: الطبعة «السلطانية». الفَصْل الثاني: عناية المغاربة بالصحيح: ويتكون من ثلاثة مباحث: المبحث الأول: عناية المغاربة بالصحيح وأهم الروايات عندهم. المبحث الثاني: نسخة أبي علي الصَّدفي. المبحث الثالث: نسخة ابن سعادة. الفَصْل الثالث: أهم المصنفات التي تعتني بضبط هذه الاختلافات: أما المبحث الأول: ضبط الاختلافات من خلال كتب الشروح. المبحث الثاني: كتب تقييد الألفاظ.
следующие страницы →