ولذا يوجه وصية إلى ناسخ الشرح قائلًا:
فعلى الكاتب لهذا الشرح - وفقه الله تعالى - أن يوافقني فيما رسمته من تمييز الحديث متنًا وسندًا من الشرح، واختلاف الروايات بالألوان المختلفة، وضبط الحديث متنا وسندًا بالقلم كما يراه.
وذكر القَسْطَلّانِيّ أنه وجد بحاشية ظاهر الورقة الأولى سماعا مكتوبا بخط مالك أزمة الأدب العلامة النحوي اللغوي سيبويه زمانه محمد بن عبد الله بن مالك، وذكر نص هذا السماع، وكان بقراءة الحافظ شرف الدين اليُونِينِيّ وبحضور جماعة من الفضلاء (١).
وذكر أيضًا نص مقابلة بخط الحافظ شرف الدين اليُونِينِيّ وهذه المقابلة كانت بين يدي ابن مالك في إحدى وسبعين مجلسًا، وهو يراعي قراءة اليُونِينِيّ وهو يقابل بأصوله التي وقف عليها.
مما سبق يتبين ما يلي:
أولًا: أن تحرير ألفاظ «الصحيح» ورواياته اعتمد فيه القَسْطَلّانِيّ على عمل اليُونِينِيّ وذلك من خلال الفرع المنسوب للإمام المحدث شمس الدين محمد بن أحمد المزي الغزولي.
والذي جعله يعتمد هذا الفرع أنه قوبل على فرعي مدرسة الحاج مالك، وعلى أصل اليُونِينِيّ.
ثانيًا: أنه لم يترك صغيرة ولا كبيرة في هذا الفرع إلا وذكرها في كتابه، يدل على ذلك قوله: ورجعت في شكل جميع الحديث وضبطه إسنادًا
стр. 772
ومتنًا إليه، ذاكرًا جميع ما فيه من الروايات وما في حواشيه من الفوائد والمهمات.
ثالثًا: أنه بعد وقوفه على أصل اليُونِينِيّ قابل ألفاظ الحديث عليه كما ذكر، من أوله إلى آخره حرفًا حرفًا، وحكاه كما رآه حسب طاقته.
رابعًا: من نص القَسْطَلّانِيّ السابق يستفاد أنه رسم الروايات واختلافها بالألوان، وأنه انتهى من هذا الشرح في ثالث عشر جمادى الأولى سنة ست عشرة وتسعمائة. وانتهى من مقابلة الجزء الأخير من أصل اليُونِينِيّ الذي كان بين يديه في العشر الأخير من المحرم سنة سبع عشرة وتسعمائة.
خامسًا: يتبين بجلاء مدى اهتمام القَسْطَلّانِيّ بنسخة اليُونِينِيّ ويتجلى ذلك من خلال حرصه على مقابلة الفرع الذي وقف عليه أولًا، ثم بعد وقوفه على المجلد الأخير من أصل اليُونِينِيّ أعاد المقابلة عليه مرة أخرى، ثم الحرص على إتمام المقابلة على الجزء المفقود من أصل اليُونِينِيّ حتى كملت المقابلة على الأصل كله.
ثم تمييزه هذه الروايات بالألوان، ووصيته لكاتب الشرح بحكاية ما يراه من الضبط قائلًا: فعلى الكاتب لهذا الشرح - وفقه الله تعالى - أن يوافقني فيما رسمته من تمييز الحديث متنًا وسندًا من الشرح، واختلاف الروايات بالألوان المختلفة، وضبط الحديث متنًا وسندًا بالقلم كما تراه.
ويكفي للدلالة على تحريه وضبطه أن مقابلة الجزء الأخير من أصل اليُونِينِيّ قد استغرقت الفترة ما بين ثالث عشر من جمادى الأولى سنة ست عشرة وتسعمائة وحتى العشر الأخير من المحرم سنة سبع عشرة وتسعمائة من الهجرة أي: ما يزيد على سبعة أشهر.
- ترتيب الكتاب:
الكتاب مرتب على نفس ترتيب «صحيح البُخارِيّ» وقبل البدء في
стр. 773
الشرح كتب مقدمة ذكر فيها الباعث له على تأليف الكتاب، وتسميته بهذا الاسم، ثم ذكر بعض المباحث الضرورية من علوم الحديث وغيرها التي لابد منها وجعلهما من خمسة فصول:
الفَصْل الأول: في فضيلة أهل الحديث وشرفهم في القديم والحديث.
الفَصْل الثاني: في ذكر أول من دون الحديث والسنن ومن تلاه في ذلك سالكًا أحسن السنن.
الفَصْل الثالث: في نبذة لطيفة جامعة لفرائد فوائد مصطلح الحديث.
الفَصْل الرابع: فيما يتعلق بالبُخارِيّ في «صحيحه» من تقرير شرطه وتحرره وضبطه ... إلخ.
الفَصْل الخامس: في ذكر نسب البُخارِيّ ونسبته ومولده وبدء أمره ونشأته .. إلخ.
وبعد هذه الفصول بدأ يتكلم عن روايات «الجامع الصحيح» للبخاري، فذكر الروايات التي روى «الصحيح» من خلالها إجمالًا، ثم تحدث عن عناية اليُونِينِيّ بروايات ونسخ «الصحيح» وذكر وقوفه على الأصل ومقابلته بشرحه، ثم ذكر بعد ذلك عناية العلماء بشرح «صحيح البُخارِيّ» وبدأ يذكرهم شرحًا شرحًا مع بيان الشروح التي وقف عليها واستخدمها في شرحه هذا مرتبًا لهم من الأقدم إلى الأحدث.
ثم بعد ذلك ذكر أسانيده إلى البُخارِيّ في رِواية «الصحيح»، ثم بعد ذلك بدأ الشرح، وطريقته فيه أن يذكر الكلمة من الكتاب سواء كانت اسم كتاب أو باب أو كلمة من المتن أو السند ثم يبدأ بذكر اختلاف الرُّواة في هذه اللفظة، وبعد ذلك يذكر شرحها. والفوائد المتعلقة بها، وهو لا يذكر متن «الصحيح» في أول الباب؛ ولعل ذلك بسبب عدم اعتماده على رِواية معينة. وهو يفصل بين المتن وشرحه.
стр. 774
روايات الكتاب:
سبق أن قلنا أنه اعتمد في نص الصحيح على عمل اليُونِينِيّ، وقد سبق ذكر الروايات والنسخ التي قابل بها أصله.
وأن القَسْطَلّانِيّ - شأنه شأن كل العلماء والشراح - له إسناد يصله بصاحب الكتاب، وأسانيده قد ذكرها في المقدمة (١).
- ويلاحظ من خلال قراءة هذه الأسانيد ما يلي:
أولًا: أن الصحيح وقع للقسطلاني من رِواية ثلاثة رواة عن البُخارِيّ هم:
١ - أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفَرَبْريّ (٣٢٠) هـ.
٢ - إبراهيم بن معقل النَسَفْيّ (٢٩٥) هـ.
٣ - حماد بن شاكر النسوي (٣١١) هـ.
ثانيًا: رِواية الفَرَبْريّ وقعت له من رِواية ثمانية من تلاميذ الفَرَبْريّ عنه هم:
أبو علي عثمان بن السكن (٣٥٣) هـ.
أبو إسحاق المستملى (٣٧٦) هـ.
أبو الهيثم الكُشْمِيهَني (٣٨٩) هـ.
أبو محمد السَّرْخَسي الحَمُّوييّ (٣٨١) هـ.
أبو زيد المَرْوَزيّ (٣٧١) هـ.
أبو أحمد الجُرْجانيّ (٣٧٣ أو ٣٧٤) هـ.
أبو علي الكُشّانيّ (٣٩١) هـ.
أبو علي بن شَبُّويه مات بعد (٣٧٨) هـ.
стр. 775
ثالثًا: من الروايات المشهورة التي وقعت له ما يلي:
١ - رِواية ابن عساكر (٥٧١) هـ عن محمد بن الفضل الساعدي، عن أبي سهل الحفصي (٤٦٦) هـ عن الكُشْمِيهَني عن الفَرَبْريّ.
٢ - رِواية الزبيدي (٦٣١) هـ عن أبي الوَقْت (٥٥٣) هـ عن الدّاوُدِيّ (٤٦٧) هـ، عن السَّرْخَسي الحَمُّوييّ، عن الفَرَبْريّ.
٣ - رِواية كريمة المَرْوَزيّة (٤٦٣) هـ عن الكُشْمِيهَني عن الفَرَبْريّ.
٤ - رِواية أبي ذر الهَرَويّ (٤٣٤) هـ عن شيوخه الثلاثة عن الفَرَبْريّ.
٥ - رِواية الأصيلي (٣٩٢) هـ عن أبي زيد المَرْوَزيّ عن الفَرَبْريّ.
وهذه الروايات هي التي اعتمد عليها اليُونِينِيّ في نسخته، ووقع على أصول لها عنده.
رابعًا: شيوخ شهاب الدين القَسْطَلّانِيّ في رِواية الصحيح خمسة هم:
١ - أبو العباس أحمد بن عبد القادر بن طريف الشاوي (١) هـ.
روى من طريقه: رِواية ابن عساكر والتي تنتهي بالكُشْمِيهَني عن الفَرَبْريّ.
كما روى من طريقه رِواية الزبيدي والتي تنتهي بالسَّرْخَسي عن الفَرَبْريّ.
٢ - قاضي القضاة إمام الحرم الشريف المكي أبو المعالي بن الإمام رضي الدين محمد الطبري المكي المتوفى آخر ليلة الأربعاء ثامن عشر من صفر سنة أربع وتسعين وثمانمائة.
روى عنه: رِواية أبي ذر الهَرَويّ عن شيوخه الثلاثة (الكُشْمِيهَني
стр. 776
والسَّرْخَسي والمُسْتَمْلِيّ) عن الفَرَبْريّ.
٣ - الحافظ نجم الدين عمر بن الحافظ تقي الدين محمد الهاشمي المكي المتوفى في رمضان سنة خمس وثمانين وثمانمائة عن ثلاث وسبعين سنة.
روى عنه وحده رِواية الزبيدي أيضًا السابق ذكرها، كما روى عنه رِواية كريمة المَرْوَزيّة (٤٦٣) هـ عن الكُشْمِيهَني ورِواية المستغفري (٤٣٢) هـ عن الكُشّانيّ (٣٩١) هـ عن الفَرَبْريّ.
٤ - الحافظ أبو عمرو فخر الدين بن أبي عبد الله محمد المصري
روى من طريقه بالاشتراك مع من سبقه ومن يأتي بعده باقي الروايات عن الفَرَبْريّ وهي رِواية الأصيلي (٣٩٢) هـ، والتي تنتهي بأبي زيد المَرْوَزيّ (٤٣٤) هـ ورِواية أبي أحمد الجُرْجانيّ (٣٧٤) هـ وابن شَبُّويه جميعهم عن الفَرَبْريّ.
كما روى من طريقه رِواية خلف بن محمد أبي صالح (٣٦١) هـ، عن إبراهيم بن معقل النَسَفْيّ (٢٩٥) هـ، عن البُخارِيّ كما روى أيضًا رِواية الحاكم أبي عبد الله (٤٠٥) هـ، عن ابن رميح، عن حماد بن شاكر (٣١١) هـ، عن البُخارِيّ.
٥ - الحافظ شمس الدين محمد بن زين الدين أبي محمد المصري:
روى من طريقه بالاشتراك مع شيخيه السابقين ما سبق ذكره عند شيخه أبي عمرو فخر الدين المصري.
قيمة الكتاب في الوقوف على الروايات:
مما سبق ذكره يتبين لنا قيمة كتاب «إرشاد الساري» في الوقوف على كثير من الروايات والاختلاف بينهما، خاصة وأنه اعتمد كما سبق أن صرح على عمل شرف الدين اليُونِينِيّ؛ لأنه قد استوعب كل الروايات والاختلافات
стр. 777
التي كانت في نسخة اليُونِينِيّ وتتجلى قيمة الكتاب في التوجيهات وحكاية الاختلافات ومحاولة الترجيح بينها؛ حيث يحكي اختلاف الروايات ويوجهها.
ولذا لا نبعد كثيرًا عن الحقيقة إذا قلنا: إن عمل القَسْطَلّانِيّ هذا صورة تحاكي عمل اليُونِينِيّ مع توجيه الاختلافات بينها إضافة إلى باقي الفوائد والدرر التي يقف عليها من طالع هذا الشرح العظيم من فوائد حديثية وفقهية وإسنادية وغير ذلك. فمثلًا يقول في بداية كتاب الإيمان وهو يحكي الخلاف في إثبات لفظة باب أو كتاب قال: وفي فرع «اليُونِينيّة» كهي (كتاب الإيمان وقول النبي ﷺ ) وفي أخرى: (باب الإيمان وقول النبي ﷺ )، والأول أصح، لأن ذكر الإيمان بعد ذكر كتاب الإيمان لا طائل تحته كما لا يخفى، وسقط لفظ (باب) عند الأصيلي (١).
وانظر أيضًا (٢) وهو يضبط الخلاف في لفظة (المشبهات) يقول: المشبهات بالميم وتشديد الموحدة وفي رِواية الأصيلي وابن عساكر (المشتبهات) بالميم والمثناة الفوقية بعد الشين الساكنة وفي أخرى: الشبهات بإسقاط الميم، وضم الشين وبالموحدة. اهـ.
وهو في حكايته الروايات عن اليُونِينِيّ يذكرها من فرعه الذي قابل عليه أولًا وإذا كان هناك موضع يحتاج إلى تأكيد يقول (كهي) أي كما جاء في أصل اليُونِينِيّ فمثلًا يقول في آخر الجزء الثاني ص: ٥٢٩ وهو آخر كتاب الصلاة: وزاد في فرع «اليُونِينيّة» كهي هنا: باب صلاة النساء خلف الرجال وهو ثابت فيه قبل ببابين فكرره فيه، ونبه على سقوط الأخير في الهامش بإزاءه عند أبي ذر وهو ساقط في جميع الأصول التي وقفت عليها لكونه لا
стр. 778
فائدة في تكريره. اهـ.
ولذا عندما أراد مصححو النسخة «اليُونِينيّة» التي أمر بطبعها السلطان عبد الحميد الثاني اعتمدوا على شرح القَسْطَلّانِيّ في حكاية الروايات، وتقييد ما وقع من اختلاف بين أصل اليُونِينِيّ وبين هذا الشرح العظيم.
- طبعات الكتاب: كتاب «إرشاد الساري» للقسطلاني حتى الآن لم يحظ بالعناية التامة له من حيث الإخراج وخدمة الكتاب.
فبالرغم من الأهمية الكبرى للكتاب في الضبط والدقة وحكاية الاختلاف بين الروايات وغير ذلك إلا أنه طبع أكثر من طبعة، وكلها تخلو من الضبط وما أعلمه من طبعات للكتاب ما يلي:
١ - طبع في المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق عام ١٣٠٤ هـ طبعة في عشرة أجزاء، وقد ذكر زهير الناصر في مقدمة طبعة دار طوق النجاة في إخراج الطبعة «السلطانية» أنهم اعتمدوا على هذه الطبعة، وصورت كثيرًا عند كثير من المطابع، وعندي هذه الطبعة مصورة صورتها دار الكتاب العربي.
٢ - طبع في المكتبة الميمنية في اثني عشر مجلدًا مع كتابين آخرين هما:
كتاب «تحفة الباري» أو «منحة الباري في شرح البُخارِيّ» لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري وكتاب «شرح النووي على صحيح مسلم». وعندي هذه النسخة.
٣ - وقعت أخيرًا على طبعة أخرى طبعتها دار الكتب العلمية، وهي إعادة صف للكتاب عن الطبعة القديمة مع إضافة متن «صحيح البُخارِيّ» أول كل حديث، وهي طبعة مليئة بالأخطاء.
стр. 779
«شرح صحيح البخاري»
لابن بطال (٤٤٩) ه ـ
مؤلفه:
هو الشيخ العلامة الفقيه، أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال، البكري القرطبي، ثم البلنسي (١)، يعرف بابن اللجام، وقيل ابن اللحام.
روى عن: أبي المطرف القنازعي، وأبى الوليد يونس بن عبد الله القاضي، والمهلب بن أبي صفرة، وغيرهم.
وروى عنه: أبو داود المقرئ، وعبد الرحمن بن بشر، وجماعة.
قال فيه القاضي عياض: كان نبيلًا جليلًا متصوفًا.
وقال ابن بشكوال: كان من أهل العلم والمعرفة والفهم، مليح الخط، حسن الضبط، عني بالحديث العناية التامة، وأتقن ما قيد منه.
توفي رحمه الله تعالى في ليلة الأربعاء - وصُلي عليه في صلاة الظهر - آخر يوم من صفر سنة تسع وأربعين وأربعمائة (٢).
منهج ابن بطال في شرحه:
قد ساق محققو كتاب شرح ابن بطال المنهج الذي سار عليه ابن بطال في كتابه، وذلك في مقدمة التحقيق، معتمدين في ذلك على مخالطتهم
стр. 780
وتحقيقهم للكتاب، وما يهمنا الآن هو الرواية التي اعتمد عليها ابن بطال في ذكر متن الصحيح عنده.
وشرح ابن بطال يعتبر من نماذج الشروح التي حدث فيها اختلاف كبير بالتقديم والتأخير والحذف والإثبات في نص «الصحيح» وغالب الظن أن ذلك بناء على ما جاء في نسخته من الصحيح؟
وهذه أهم الملاحظات على ما جاء عنده في ذلك:
١ - قدم كتاب الصوم على كتاب الحج.
٢ - أخر كتاب الشهادات إلى ما بعد النفقات، وقبل كتاب الصلح.
٣ - أخر كتاب فضائل القرآن بعد كتاب الرقاق وقبل التمني.
٤ - أخر كتاب الأطعمة فجعله بعد الطب وقبل التعبير.
٥ - قدم كتاب العقيقة فجعله بعد كتاب الخمس وقبل كتاب الصيد والذبائح.
٦ - أخر كتاب المرضى والطب فجعلهما بعد كتاب أدب وبعده وكتاب الأطعمة.
٧ - أخر كتاب اللباس فجعله بعد كتاب الاستئذان وقبل كتاب الأدب.
٨ - قدم كتاب الاستئذان فجعله قبل كتاب اللباس وبعد كتاب استتابة المرتدين وللعائدين وقتالهم.
٩ - أخر كتاب الدعوات فجعله قبل كتاب الرقاق وبعد كتاب الفتن.
١٠ - أخر أيضا كتاب الرقاق فجعله قبل كتاب فضائل القرآن الذي هو مؤخر أيضًا قبل كتاب التمني، وبعد كتاب الدعوات.
١١ - أخر التمني فجعله قبل القدر.
رواية ابن بطال في شرحه:
من المعلوم أن شرح ابن بطال يعتبر كتاب فقه، حيث اهتم ابن بطال
стр. 781
بالجوانب الفقهية في أحاديث الصحيح، ولذلك لم يتعرض لشرح كل كتب صحيح البخاري فضلًا عن أبوابه بل كان جل اهتمامه بما له متعلق بالأحكام الفقهية، وخاصة المذهب المالكي، فهناك كتب في شرحه لم يذكرها مثل: كتاب بدء الخلق، وكتاب التفسير، وكتب الفضائل، ومناقب الصحابة والمغازي، وبناء على اهتمامه هذا نتج عن ذلك أنه لا يهتم بالإسناد، ويقوم بحذف الإسناد في أول الحديث، ويبدأ بذكر الصحابي راوي الحديث، وأحيانا يذكر بعض الأسانيد التي لها تعلق بالمتن.
وسياقه للمتن على أحوال حيث يختصرها، ويكون اختصارها من أولها، وأحيانًا أخرى في أثنائها، وكثيرًا ما يختصر آخرها ويقول: ... الحديث. وأحيانا يذكر الحديث بالمعنى، أو ما يدل عليه إذا كان مشهورًا بين العلماء.
بل إنه أحيانا يدمج بين بعض الأبواب فيذكر الحديث ثم يقول: وترجم له بباب كذا، ثم لا يذكر الباب.
ومن الملاحظ أنه يترجم أحيانًا لبعض الأبواب، ويعرض عن ذكر أحاديثها وشرحها، لعدم تعلقها بشيء من الفقه، ثم يقول في هذه الأبواب: ليس فيه فقه، أو لا فقه في هذا الباب.
ومنهج المؤلف هذا فيما يتعلق بمتن صحيح البخاري أوجد صعوبة في تحديد الرواية التي اعتمد عليها، وخاصة أنه لم يذكر أسانيده لرواية الصحيح، كما فعل كثير ممن تعرضوا لشرح الصحيح، فأصبح الأمر متروكًا للاجتهاد والاستنباط.
وقد قدم كتاب الصوم على كتاب الحج (١).
стр. 782
ومن المعروف أن الرواية التي وقع فيها تقديم كتاب الصوم على كتاب الحج هي رواية أبي زيد المروزي.
وهذه الرواية اشتهرت من خلال رواتها الأُوَل في بلاد المغرب من خلال ثلاثة من الرواة وكلهم مغاربة:
الراوي الأول: هو الحافظ الثبت العلامة عبد الله بن إبراهيم بن محمد الأصيِلي (٣٩٢) هـ.
الراوي الثاني: أبو الحسن القابسي (٤٠٣) هـ
الراوي الثالث: أبو نعيم الأصبهاني (٤٣٠) هـ.
ومن تتبع النصوص الواردة في هذا الشرح من الصحيح، ومقارنتها بروايات الصحيح يجد كثيرًا منها موافقًا لرواية الأصيلي ورواية النسفي، ولذا أشار ابن حجر في «فتح الباري» إلى مثل ذلك حيث يقول (١): في كتاب الأذان، باب رقم (١٢٦) بعد الحديث رقم (٧٩٩): قوله: (باب) كذا للجميع بغير ترجمة: إلا للأصيلي فقد حذفه، وعليه شرح ابن بطال وغير ذلك.
وإذا اعتبرنا أمرًا آخر في شهرة الروايات في بعض الأقطار الإسلامية نجد أن أشهر الروايات عند المغاربة كانت تعتمد على رواية أبي زيد المروزي، ورواية إبراهيم بن معقل النسفي وبعض الروايات الأخرى عن الفربري (٢).
والكتاب مطبوع طبعته مكتبة الرشد في سنة ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م في أحد عشر مجلدًا بالفهارس العلمية.
стр. 783
«التلخيص شرح الجامع الصحيح»
للإمام النووي (٦٧٦) ه ـ
مؤلفه:
هو الإمام الحافظ، االقدوة شيخ الإسلام، أبو زكريا محيي الدين بن شرف بن مُري بن حسن بن حسين الحزامي، النووي، الدمشقي.
والحزامي نسبة إلى جده، والنووي نسبة إلى نوى، مدينة بالجولان، وهي الآن بسوريا.
ولد رحمه الله تعالى في سنة (٦٣١) هـ، وتوفي سنة (٦٧٦) هـ.
ونشأ في بيت العز والتقوى والصلاح، وتتلمذ على مشايخ عصره
وممن أخذ عنهم الحديث وعلومه:
١ - المحدث الإمام ضياء الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى بن يوسف المرادي الأندلسي (٦٦٧) هـ (١).
٢ - الإمام الزاهد تقي الدين مسند الشام، أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن أحمد ابن فضل، المعروف بابن الواسطي الصالحي الحنبلي (٦٠٢ - ٦٩٢) هـ (٢).
٣ - زين الدين أبو البقاء خالد بن يوسف النابلسي الدمشقي (٣) وغيرهم كثير.
وترجمة الإمام النووي منثورة في مؤلفات كثيرة، وقد ذكر محقق كتابة «التلخيص شرح الجماع الصحيح» مصادر ترجمته على سبيل
стр. 784
الاستيعاب، كما ذكر الرسائل العلمية في الجامعات المصرية وغيرها، وينظر على سبيل المثال: «تاريخ الإسلام للذهبي» (١٥/ ٣٢٤)، و «طبقات الشافعية الكبرى» للسبكي (٨/ ٢٩٥) وغيرها.
وممن أفرده بالترجمة من العلماء: تلميذه علاء الدين على بن إبراهيم ابن العطار (٧٢٤) هـ في كتاب: «تحفة الطالبين في ترجمة الإمام محيي الدين».
وشمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي (٩٠٢) هـ في كتابه «المنهل الروي في ترجمة الإمام النووي».
وللحافظ السيوطي (٩١١) هـ كتابان في ترجمته. وغير ذلك كثير.
له من المؤلفات الكثير وأقوال العلماء في الثناء عليه لا حصر لها، ومصنفاته تدل على إمامته وتميزه على أقرانه، حتى لقب بشيخ الإسلام، ومنها شرحه على الصحيحين.
وفاته: توفي ﵀ ليلة الأربعاء الثلث الأخير من الليل رابع عشر سنة (٦٧٦) هـ بنوى ودفن بها صبيحة الليلة المذكورة.
الكتاب
هذا الكتاب من أواخر ما كتب النووي، ولذا حالت الوفاة دون إتمامه، وقدم له بمقدمة موجزة، يحتاج إليها كل طالب علم يريد المعرفة بالجامع الصحيح، وتحدث فيها عن رواه الصحيح، واقتصر فيها على أشهر رواية، وهي رواية الفربري، ولم يشر إلى الروايات الأخرى، ثم ذكر سبعة من رواة الجامع الصحيح عن الفربري، ثم أشار إلى ما اشتهر من هذه الروايات في بلاد الشام، وهي رواية أبي الوقت السجزي، ثم ترجم للبخاري، كما تكلم عن الصحيح، وشرط البخاري فيه، وعدد أحاديثه، وتبع في ذلك ما روي عن الحمويي رحمه الله تعالى، ثم ذكر عدة فصول أخرى تتعلق بالصحيح،
стр. 785
ثم ترجم للرواة الذين روى الصحيح من خلالهم إلى البخاري، فترجم للفربري، والحمويي، وأبى الوقت، والزبيدي، وشيخه أبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن قدامة.
ثم عقد عشرين فصلًا تتعلق بقواعد علوم الحديث، ثم ذكر الباعث له على تأليف هذا الشرح، وأبان منهجه في الكتاب حيث يقول:
شرح متوسط بين المختصرات والمبسوطات، لا من المختصرات المخلات ولا من المبسوطات المخلات ... إلخ.
روايته للصحيح:
اختار الإمام النووي ﵀ رواية أبي الوقت السجزي ليعتمد عليها في شرحه، وهي أشهر رواية عند المشارقة في ذلك الوقت، وذلك لا تكاد تجد مشرقيا إلا ويروى الصحيح من هذه الطريق.
ورواية أبي الوقت هي عن الحمويي عن الفربري عن البخاري وقد اتصلت له هذه الرواية عن شيخه العلامة أبي محمد عبد الرحمن بن الشيخ الصالح الإمام المجمع على جلالته أبى عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي عن الزبيدي عن أبي الوقت.
وهو في شرحه مثل كثير من الشراح يذكر الحديث بما يدل عليه، وقد يذكر جملة من الحديث تدل عليه، إذا كان الحديث طويلًا، كما فعل في حديث عائشة ﵂ في بدء الوحي (١) والمحقق يذكر الحديث بتمامه من السلطانية.
وهو حينما يحكى اختلافًا للرواة في لفظه، لا يميز بين الرواة، فيكتفي بقوله: روى كذا وكذا، ولكنه يوجه جميع الروايات الواردة في اللفظة.
стр. 786
وهذا الكتاب من أواخر ما ألفة النووي رحمه الله تعالى، والتي حالت دون إتمامه منيتُهُ، وقد تناول بالشرح باب بدء الوحي وكتاب الإيمان إلى آخر حديث فيه وقد نال إعجاب العلماء، واستفاد منه جمع من العلماء ممن قاموا بشرح الصحيح بعده ومنهم:
١ - شمس الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف الكرماني (٧٨٦) هـ في شرحه «الكواكب الدراري».
٢ - سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد المعروف بابن الملقن (٨٠٤) هـ في شرحه «التوضيح لشرح الجامع الصحيح».
٣ - الحافظ أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني (٨٥١) هـ في شرحه «فتح الباري».
٤ - وبدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد العيني (٨٥٥) هـ في شرحه «عمدة القاري».
٥ - وشهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد القسطلاني (٩٢٣) هـ في «إرشاد الساري» وغيرهم.
طبعات الكتاب:
وقد طبع شرحه هذا لأول مرة عام (١٣٤٧) هـ طبعته إدارة الطباعة المنيرية بالقاهرة في (٢٨٠) صفحة من القطع الكبير كما صورته دار الكتب العلمية في بيروت في (٢٨٠) صفحة من غير تاريخ ضمن مجموعة شروح هي:
١ - شرح النووي هذا المذكور.
٢ - إرشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري للقسطلاني (٩٢٣) هـ.
٣ - عون الباري لحل أدلة البخاري لصديق حسن خان القنوجي (١٣٠٧) هـ.
стр. 787
جاعلين الشروح الثلاثة في جداول، وفي أعلى الصفحة «شرح النووي»، وبعده «شرح القسطلاني»، ثم تحتها «عون الباري».
ثم أفرد الكتاب مستقلًا الدكتور مصطفى ديب البغا أستاذ الحديث وعلومه في كلية الشريعة بجامعة دمشق.
ثم الطبعة التي اعتمدت عليها، وهي طبعة دار طيبة في المملكة العربية السعودية، بتحقيق أبي قتيبة نظر محمد الفاريابي في مجلدين، وذلك في سنة (١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م).
стр. 788
«الكواكب الدراري شرح صحيح البخاري» للكرماني (٧٨٦) ه ـ
مؤلفه:
هو العلامة شمس الدين محمد بن يوسف بن على الكرماني ثم البغدادي.
ولد في جمادى الآخرة سنة (٧١٧) هـ، وأخد عن أبيه بهاء الدين وجماعة ببلده، ثم ارتحل إلى شيراز، فأخد عن القاضي عضد الدين، ولازمه اثني عشرة سنة، حتى قرأ عليه تصانيفه، ثم حج واستوطن ببغداد، ودخل الشام ومصر لما شرع في شرح البخاري، فسمعه بالجامع الأزهر، من لفظ المحدث ناصر الدين الفارقي.
وله كثير من المصنفات غير شرح الصحيح: منها: شرح المواقف، وشرح مختصر ابن الحاجب، وحاشية على تفسير البيضاوي، وغير ذلك.
تصدى لنشر العلم ببغداد ثلاثين سنة، وكان مقبلًا على شأنه، لا يتردد إلى أبناء الدنيا، قانعًا باليسير، ملازمًا للعلم، مع التواضع والبر بأهل العلم (١).
وقال السيوطي في «بغية الوعاة» كان تام الخلُق ... يأتي إليه السلاطين في بيته، ويسألونه الدعاء والنصيحة ا. هـ (٢).
توفي ﵁ يوم الخميس، سادس عشر المحرم، سنة ست وثمانين وسبعمائة، بطريق الحج، فنقل إلى بغداد، ودفن بقبر أعده لنفسه (٣).
стр. 789
الكتاب:
شرح الكرماني لصحيح البخاري يعتبر أيضًا من الشروح الجامعة لكل ما يتعلق بنص الصحيح، سواء كان ذلك متعلقًا بالسند أو بالمتن، فيشمل الكلام على التراجم والأبواب، والعلاقة بين هذه التراجم والأحاديث، والكلام على رجال الأسانيد وتراجمهم، وما يشتمل عليه المتن من فوائد فقهية، وغير ذلك.
وبالنسبة لمتن الصحيح فقد ذكر المتن أعلى الصفحة، وتحته الكلمات أو الجمل المشروحة مدمجة في النص المشروح، يسبقها كلمة: (قوله) للدلالة على التنصيص.
وقد ساق المصنف في مقدمته أسانيده التي روى من خلالها الصحيح، ومن الملاحظ عليها ما يلي:
١ - روى الصحيح عن البخاري من خلال روايين هما: أبو عبد الله الفربري (٣٢٠) هـ، وأبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي (٣٣٠) هـ.
٢ - رواية الفربري وقعت له من خلال ثلاثة من الرواة هم: الكشميهني (٣٨٩) هـ، والمستملي (٣٧٦) هـ، والسرخسي (٣٨١) هـ.
وهذه الثلاثة تمثل ثلاثة روايات مشهورة بين العلماء:
أولهما: رواية أبي ذر الهروي (٤٣٤) هـ التي رواها عن هؤلاء الثلاثة.
والثانية: رواية أبي الوقت (٥٥٣) هـ التي رواها عن الداودي (٤٦٧) هـ عن السرخسي (٣٨١).
والثالثة: رواية كريمة المروزية (٤٦٣) هـ التي روتها عن الكشميهني (٣٨٩) هـ.
٣ - روى الكرماني الصحيح عن ثلاثة شيوخ له هم:
١ - الإمام العلامة محدث الجامع الأزهر ناصر الدين محمد بن أبى
стр. 790
القاسم بن إسماعيل بن محمد، أبو عبد الله الفارقي، وكان قد داوم سنين على قراءة شيء من صحيح البخاري كل يوم بالجامع الأزهر، مات في حدود سنة ستين وسبعمائة.
وروى عنه الصحيح برواية أبى الوقت.
٢ - الشيخ الإمام الحافظ، محدث الحرم الشريف النبوي، أبو الحسن، على بن يوسف بن الحسن الزَرَندي - بفتح الزاي والراء وإسكان النون وبالمهملة - الأنصاري المتوفى سنة اثنين وسبعين وسبعمائة.
وروى عنه الصحيح برواية كريمة المروزية.
٣ - الشيخ الكبير جمال الدين، محمد بن الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الله ابن عبد المعطي، الأنصاري، المكي، محدث الحرم الشريف، سمع عليه صحيح البخاري بمكة المشرفة، بالمسجد الحرام، بباب الرحمة، تجاه الكعبة المعظمة، حذاء الركن اليماني، إلا من كتاب الشهادات إلى سورة الفتح، فإنه كان بداره المباركة، التي يقرب الباب المشهور بباب إبراهيم من الحرم الشريف، في ثلاثة أشهر، أخرها شهر رمضان، سنة خمس وسبعين وسبعمائة.
وروى عنه الكرماني الصحيح برواية أبى ذر الهروي، كما روى عنه الصحيح برواية المحاملي عن البخاري.
وكتاب «الكواكب الدراري» مطبوع في خمسة عشر جزءًا، مجموعة في تسع مجلدات، من منشورات مؤسسة المطبوعات الإسلامية بشارع الصنادقية بميدان الجامع الأزهر.
стр. 791
كتاب «فتح الباري شرح صحيح البخاري» لابن رجب الحنبلي (٧٩٥) ه ـ
المؤلف:
هو الإمام الحافظ العلامة، زين الدين عبد الرحمن، بن أحمد بن عبد الرحمن الملقب رجب، بن الحسن بن محمد، بن أبي البركات مسعود، السَّلاميَّ، البغدادي، ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن رجب، وهو لقب جده عبد الرحمن.
ولد ابن رجب في بغداد سنة (٧٣٦) هـ وجاء في «الدر الكامنة» أنه ولد سنة (٧٠٦) هـ وهو خطأ.
نشأ ابن رجب في أسرة علمية عريقة في الإمامه في العلم، مما جعل ابن رجب يطلب العلم مبكرًا، حيث اشتغل بالحديث بعناية والدة.
شيوخه: تلقى ابن رجب العلم عن أكابر عصره، فسمع بدمشق من محمد الخباز، وإبراهيم بن داود العطار، وسمع بمكة من الفخر عثمان بن يوسف، وبمصر من صدر الدين أبي الفتح الميدومي، وغيرهم، ولقد كان مرافقًا للإمام العراقي عبد الرحيم بن الحسين في السماع كثيرًا.
ولقد أثنى على ابن رجب كثير من العلماء، مما يبين مكانته، ويكفى فيه قول ابن حجر:
مهر في فنون الحديث أسماء ورجالًا وعللًا وطرقًا وإطلاعًا على معانيه (١).
وأقوال العلماء فيه كثيرة، ومؤلفاته غزيرة، توفي رحمه الله تعالى في
стр. 792
سنة (٧٩٥) هـ (١).
الكتاب: كتاب «فتح الباري» لابن رجب يعد من أفضل شروح الصحيح، وأعظمها نفعًا، وأرفعها قدرًا، وذلك لجلالة مصنفه، وغزارة علمه، ومع أن الحافظ وافته المنية قبل تمامه، حيث لم يبلغ فيه إلا إلى كتاب الجنائز من الصحيح، فقد مدحه الواصفون، وبالغ في الثناء عليه المزكون، حتى قيل: هو من عجائب الدهر، ولو كمل كان من العجائب (٢).
وقال في وصفه ابن مفلح (٨٨٤) هـ: وشرع في شرح البخاري سماه «فتح الباري في شرح البخاري»، ونقل فيه كثيرًا من كلام المتقدمين (٣).
ومنهج ابن رجب في شرح الصحيح قد بسطه محققو «فتح الباري»، والذي يهمنا الآن روايته في هذا الكتاب لصحيح البخاري.
إن السبيل إلى معرفة رواية المصنف للصحيح هو تنصيص المصنف نفسه، وللأسف الشديد فإن جميع مخطوطات هذا الشرح التي توفرت لمن قام بنشره، قد فقد فيها مقدمة المصنف وسبع أحاديث بشرحها حيث بدأ بالحديث الثامن من الصحيح.
ووقفت في بعض مؤلفاتة الأخرى على بعض الأحاديث المسندة منه إلى البخاري التي تدل على روايته.
стр. 793
قال ابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة»
في ترجمة: عبد الرحمن بن عمر بن الغزّال البغدادي:
أخبرنا محمد بن إسماعيل الأنصاري أخبرنا يحيى بن الصيرفي الفقيه أخبرنا عبد الرحمن بن عمر الواعظ، أخبرنا أبو الوقت أخبرنا أبو الحسن الداودي أخبرنا أبو محمد الحموي، أخبرنا محمد بن يوسف بن مطر، حدثنا البخاري حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: كَانَ جِدَارُ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مَا كَادَتِ الشَّاةُ تَجُوزُهَا (١).
وفي ترجمة عبد الساتر بن عبد الحميد:
أخبرنا محمد بن إسماعيل الأنصاري أخبرنا عبد الساتر بن عبد الحميد، وإسحاق بن إبراهيم قالا: حدثنا الحسين بن الزبيدي أنبأنا أبو الوقت أنبأنا الداودي أخبرتا الحموي أخبرنا الفربري حدثنا البخاري قال: حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْمَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٢).
فهذه الأحاديث تدل على أن رواية ابن رجب هي رواية أبي الوقت عن الداودي، وخاصة إذا أضفنا إلى ذلك أن هذه الرواية كانت أشهر الروايات في بلاد المشرق في ذلك الوقت.
وابن رجب الحنبلي في شرحه سار على منهج كثير من الشراح، حيث لم يلتزم حرفيًا برواية معينة، أو قصد ضبط نص الصحيح وذكره قبل كل
стр. 794
شرح، وإنما قَطَّع النص وخاصة المعلقات، حيث يورده جملةً جملةً، ويفرده بالشرح والتحليل، ولا يجمع بين أكثر من نص إلا لمناسبة تقتضي ذلك.
وبمقارنة النصوص التي نص عليها، تبين أن هناك بعض الاختلافات عن نص اليونيني، وهذه الاختلافات قد تصل أحيانا إلى زيادة حديث أو جملة عنده، وليست في اليونينية وقد يكون الاختلاف بالنقص حيث يكون في اليونينية ما ليس عنده.
كما وقعت بعض الاختلافات بالتقديم والتأخير، وقد أثبت المحققون كل هذه الاختلافات في موضعها من الشرح، وقد أحسنوا في ذلك، حيث التزموا بتمييز نص المصنف كما جاء عنه، والإشارة في الحواشي إلى هذه الاختلافات.
فمثلا جرت عادة المصنف في كتاب الإيمان أن يضع كلمة (فصل) بدلًا من (باب)، وأحيانا يذكر كلمة (فصل)، ولا يذكر اسم الترجمة مثل ما جاء في باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وباب إطعام الطعام من الإيمان، وباب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأحيانا يذكر الترجمة داخل الشرح، وغير ذلك.
أما من حيث الترتيب فمثلا: باب من الدين الفرار من الفتن، وفيه حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم ...» وهو رقم (١٢) في ترتيب اليونيني فلم يذكر في موضعه عند ابن رجب، وإنما ذكر بعد الباب رقم (١٦).
ومثلًا قد سقط باب وما تحته من أحاديث وهي أحاديث رقم (٣٠)، (٣١) مع وجودهما في اليونينية، ولا توجد إشارة في اليونينية لسقوطهما من أي نسخة.
كما سقط عدة أبواب وما تحتها من أحاديث وهي الأبواب من (٢٤)
стр. 795
حتى (٢٨) والأحاديث التي تحتها وهي أحاديث (٣٣) حتى (٣٨).
ويبدو أن ذلك من النسخ الأصلية للكتاب والله أعلم، وأحيانا يختصر الإسناد مثل ما جاء في حديث رقم (٢٤٨) في الباب الأول من كتاب الغسل، وحديث رقم (٣٠٧)، (٣٠٨) وغير ذلك كثير، مما يدل على أن نسخ الكتاب ناقصة، وقد أحال إلى مواضع من شرحه، وهي ليست موجودة فيما وقف عليه المحققون، كما جاء في المجلد الأول ص: ٢٤٦ حيث عزا إلى مواضع من كتاب الوضوء، وليس موجودًا في المطبوع.
وابن رجب في ثنايا شرحه قد اهتم بتحرير ألفاظ الصحيح فتكلم عليها، ووجه بعض الاختلافات في النسخ، وإن كان لا يهتم بتمييز أصحاب هذه الاختلافات، إلا أنه كان يحاول توجيهها، شأنه في ذلك شأن كثير من الشراح، ينظر مثلا توجيهاته للفظة (حبائل) في حديث الإسراء في كتاب الصلاة (١). وينظر ضبطه لكلمة (مؤخرة) (٢).
والكتاب مطبوع طبعتين:
إحداهما: من منشورات مكتبة الغرباء الأثرية بالمدينة المنورة، بتحقيق ثمانية من المحققين وهي في تسع مجلدات وكانت سنة ١٩٩٦ م.
وهي أفضل الطبعتين وعليها اعتمدت في نقل النصوص في هذه الرسالة.
والثانية: من منشورات دار ابن الجوزي بالسعودية بتحقيق طارق عوض الله، وذلك في سنة ١٩٩٦ م أيضا وهي في سبع مجلدات.
стр. 796
كتاب «التوضيح لشرح الجامع الصحيح» لابن الملقن (٨٠٤) ه ـ
مؤلفه:
هو العلامة الإمام، أبو حفص، عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله، سراج الدين، الأنصاري، الأندلسي الأصل، المصري، الشافعي، المعروف بابن الملقنز
ولد ابن الملقن في ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة وتوفي في سنة (٨٠٤) هـ.
وأقوال العلماء في الثناء عليه كثيرة جدًا، ومن أراد المزيد فعليه بالرجوع إلى مقدمة كتابه «التوضيح».
الكتاب:
«التوضيح لشرح الجامع الصحيح» هو كتاب كبير جدًا، جمع فيه ابن الملقن جهود من سبقه من العلماء، وأودعها في شرحه هذا، والكتاب مطبوع طبعته وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بقطر في ستة وثلاثين مجلدًا، وقد أوضح المؤلف منهجه في المقدمة التي صنفها في أول الشرح، وضمتها مباحث هامة تتعلق بالصحيح خاصة، وبعلوم الحديث عامة، وكل ذلك في مقدمة الكتاب فليرجع إليها من أراد المزيد.
لقد ذكر ابن الملقن رحمه الله تعالى سند روايته للصحيح في المقدمة، وذكر فيها أن صحيح البخاري سمعه من شيخين:
أولهما: الشيخ زين الدين أبو بكر بن قاسم الكناني، المولود سنة ست وستين وستمائة، والمتوفى سنة تسع وأربعين وسبعمائة، شهيدًا بالطاعون،
стр. 797
وكان خيرًا صالحًا، وزين الدين رواه عن شرف الدين اليونيني، صاحب النسخة المعروفة من الصحيح.
وثانيهما: أبو العباس أحمد بن أبي طالب بن نعمة الحجار
كلاهما (اليونيني والحجار) عن أبي عبد الله الحسين بن أبي بكر الزبيدي (٦٣١) هـ عن أبي الوقت عبد الأول السجزي (٥٥٣) هـ عن أبي الحسن عبد الرحمن الداودي (٤٦٧) هـ عن أبي محمد الحموي السرخسي (٣٨١) هـ عن أبي عبد الله محمد بن يوسف الفربري (٣٢٠) هـ عن البخاري.
وترجم ابن الملقن في مقدمته هذه لهؤلاء الرواة.
أهمية الكتاب في بيان هذه الرواية:
لقد سلك ابن الملقن طرقًا مختلفة في ذكر أحاديث الباب، فهو أحيانا يذكر الحديث بإسناده ومتنه كاملًا وهذا قليل، وهو في أول الكتاب أكثر من آخره.
وأحيانًا أخرى يختصر سنده ومتنه، وخاصة الأحاديث المطولة والمكررة.
وأحيانًا أخرى يشير إلى الحديث بما يدل عليه إن كان الحديث معروفًا.
والجزء الذي ذكره من الصحيح يصلح للمقارنة بين هذه الرواية وغيرها من روايات الصحيح (١).
ولذلك في الأمثلة التطبيقية في هذه الرسالة، كنت أحرص على الرجوع إلى ما جاء عند ابن الملقن، ولو أثبت لنا النص كاملًا لكان ذلك له قيمة كبيرة جدًا في المقارنة بين هذه الرواية وغيرها من الروايات.
стр. 798
«عمدة القاري شرح صحيح البخاري» لبدر الدين العيني (٨٥٥) ه ـ
مؤلفه:
هو العلامة قاضي القضاة، بدر الدين، محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد، العيني، الحنفي.
ولد في رمضان سنة اثنتين وستين وسبعمائة بعنتاب، ونشأ بها وتفقه، واشتغل بالفقه وبرع ومهر، وانتفع في النحو وأصول الفقه والمعاني بالعلاَّمة جبريل من صالح البغدادي، وأخد عن الجمال يوسف الملطي والعلاء السيرافي، ودخل معه القاهرة، وولى نظر الحسبة بالقاهرة مرارًا ثم نظر الأحباس، ثم قضاء الحنفية، ودرس الحديث بالمؤيدية، وتقدم عند الأشرف برسباي، وكان إماما عالمًا علامة عارفا بالعربية والتصريف وغيرهما حافظًا للغة، كثير الاستعمال لحواشيها سريع الكتابة، عمر مدرسة بقرب الجامع الأزهر، ووقف بها كتبه.
له مصنفات كثيرة غير الشرح منها: «شرح معاني الآثار»، و «طبقات الحنفية» و «مختصر تاريخ ابن عساكر» و «البناية في شرح الهداية» في الفقه، وكانت بينه وبين شيخ الإسلام ابن حجر منافسة شديدة.
مات ﵁ في ذي الحجة سنة خمس وخمسين وثمانمائة (١).
الكتاب:
هذا الشرح تناول فيه العيني كل نصوص الصحيح بالشرح والتحليل، وهو شرح جامع، فهو يسوق متن الصحيح، ثم يشرح كل ما جاء فيه،
стр. 799
فيشمل شرح التراجم، والمعلقات والأسانيد والمتون، وغير ذلك.
أما بالنسبة لنص الصحيح فقد ساق العيني نص الصحيح قبل الشرح، وقد ساق العيني أسانيده في مقدمة الشرح، والروايات التي روى من خلالها الصحيح، ويلاحظ على هذه الأسانيد ما يلي:
١ - كل الطرق والأسانيد التي روى من خلالها الصحيح تنتهي إلى الفربري أشهر راو للصحيح، ولم تقع له رواية من الطرق الأخرى مثل إبراهيم بن معقل النسفي أو حماد بن شاكر أو غيرهما.
٢ - وقعت له رواية الفربري من خلال ثلاثة من الرواة هم: الكشميهني (٣٨٩) هـ، والسرخسي (٣٨١) هـ، وأبو علي بن شبويه.
٣ - وقعت له من الروايات المشهورة بين العلماء:
رواية كريمة المروزية (٤٦٣) هـ وهي عن الكشميهني (٣٨٩) هـ.
ورواية أبي الوقت السجزي (٥٥٣) هـ وهي عن الداودي (٤٦٧) هـ عن السرخسي (٣٨١) هـ.
٤ - روى الصحيح عن شيخين له هما: زين الدين العراقي (٨٠٦) هـ. وتقي الدين محمد بن معين الدين محمد بن حيدرة البصري.
تنبيه: ومما يجب التنبيه عليه أن الروايات التي ذكرها العيني في ثنايا شرحه أكثر مما ساق أسانيده، وذلك لأنه اعتمد في مصادره على كتب أخرى، كانت تعتني بضبط هذه الروايات، مثل كتاب «تقييد المهمل» للجياني، و «مشارق الأنوار» للقاضي عياض.
وهذا الأمر يكاد يكون في كل الشروح المتأخرة، والله أعلم.
وكتاب «عمدة القاري» طبعته شركة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي في عشرين مجلدًا، من القطع الكبير وكانت الطبعة الأولى منه في سنة ١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م.
стр. 800
الباب الثالث:
عناية الأمة بضبط هذه الاختلافات
الفصل الثالث: أهم المصنفات التي تعتني بضبط هذه الاختلافات:
المبحث الثاني: كتب تقييد الألفاظ واختلاف الروايات والنسخ
- كتاب «تقييد المهمل» لأبي علي الجياني.
- كتاب «مشارق الأنوار» للقاضي عياض.
- كتاب «مطالع الأنوار» لابن قرقول.
стр. 801
كتاب «تقييد المهمل وتمييز المشكل» لأبي علي الجَيّانيّ
مؤلفه:
هو الحسين بن محمد بن أحمد أبو علي الغساني (١) الزهري (٢) المعروف بالجَيّانيّ (٣).
ولد أبو علي في ليلة الأحد لخمس خلون من المحرم سنة (٤٢٧) هـ ونشأ بالأندلس فتتلمذ على أكابر علماء بلده، وكان من أهمهم في بداية طلبه للعلم حكم بن محمد بن حكم الجزامي أبو العاصي (٤٤٧) هـ وكان ثقة عالي الإسناد متأخر الوفاة إذ توفي عن بضع وتسعين سنة، وعرف
стр. 802
بالرحلة إلى المشرق، كما تحمل أيضًا عن حاتم بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي القرطبي (٤٦٩) هـ وكان معروفًا أيضًا بالرحلة إلى بلاد المشرق وعمر أيضًا حتى ألحق الأحفاد بالأجداد، إذ توفي عن إحدى وتسعين سنة.
وبعد هذين الشيخين لازم الإمامَ الحافظ يوسف بن عبد الله بن عبد البر القرطبي (٤٦٣) هـ حافظ المغرب وأخذ عليه كثيرًا من الكتب ومن رأسها مؤلفاته.
وكان مع اهتمام أبي علي بعلوم الحديث، وإكثاره من السماع والتقييد والضبط كانت له عناية بعلوم اللغة العربية وآدابها، فأخذها عن العالم الأندلسي أبي مروان عبد الملك بن سراج القرطبي (٤٨٩) هـ، وعن عبد الملك بن زيادة الله التميمي الطبني (٤٦٩) هـ.
ولم تكن له رحمه الله تعالى رحلة إلى بلاد المشرق، كما هي دأب المحدثين في زمانه، إلا أنه تتلمذ على يد كثير ممن رحلوا إلى بلاد المشرق، ولم يأثر التاريخ له رحلة إلى المشرق، حتى لأداء فريضة الحج، وإلا لنقلها العلماء الذين التقى بهم، حيث كان الحج مكانًا لالتقاء الشيوخ بالتلاميذ، بل نص غير واحد على عدم خروجه من الأندلس.
ومع أنه لم تكن له رحلة إلى بلاد المشرق إلا أنه كان كثير الترحال في بلاد الأندلس، حيث كان يرحل إلى شاطبة وبلنسية وأشبيلية وبطليوس وطليطلة والمَرِيَّة وكلها من مدن الأندلس، حيث نزلها فسمع وأسمع والتقى بالشيوخ والتلاميذ.
وقد سمع أبو علي من كثيرين حتى أنه ألف كتابًا في أسماء شيوخه، وذكر ما رواه عنهم من كتب العلم لكنه لم يصل إلينا، وقد أكثر ابن خير في فهرسته وابن بشكوال في «الصلة» من النقل عنه.
أما تلاميذه والآخذين عنه فيكفي في الدلالة على كثرتهم قول القاضي
стр. 803
عِياض تلميذه: شيخ الأندلس في وقته وصاحب رحلتهم ... رحل إليه الناس من الأقطار وحملوا عنه (١).
وقال ابن بشكوال تلميذه (٥٧٨) هـ: ورحل الناس إليه وعولوا في الرِّواية عليه (٢).
وقال ابن الأبار تلميذه: فكثر الراحلون إليه، وغصَّ مجلسُه (٣).
كل ذلك جعل أبا علي الغساني يتبوأ مكانة علمية كبيرة في حياة شيوخه وبعد وفاتهم، وقد أثنى عليه من ترجم له من العلماء بعبارات هي من أعلى ما يقال في بيان المكانة العلمية لعَلَمٍ من العلماء فهذا تلميذه أبو محمد بن عطية (٥٤١) هـ يقول في «فهرسته» (٤): الفقيه الإمام الحافظ ... أحد من انتهت إليه الرياسة بالأندلس في علم الحديث وإتقانه والمعرفة بعلله ورجاله مع تعرُّفٍ في علم النحو والغريب والأدب والشعر. اهـ.
وقال القاضي عِياض تلميذه (٥٤٤) هـ: الشيخ الحافظ ... شيخ الأندلس في وقته، وصاحب رحلتهم وأضبط الناس لكتاب، وأتقنهم لرِواية، مع الحظ الوافر من الأدب والنسب والمعرفة بأسماء الرجال وسعة السماع. ا. هـ (٥).
وقال ابن بشكوال: رئيس المحدثين بقرطبة ... وكان من جهابذة المحدثين وكبار العلماء والمسندين (٦).اهـ.
стр. 804
وقال الذَّهبي ٧٤٨ هـ في «سير أعلام النبلاء»: الإمام الحافظ، المجود، الحجة، الناقد محدث الأندلس ... كان من جهابذة الحفاظ، قوي العربية، بارع اللغة، مقدمًا في الآداب والشعر والنسب (١).اهـ.
وكذا في كتبه «التذكرة» و «العبر» و «تاريخ الإسلام». كما ذكر بأعلى الصفات وأبلغ العبارات في الثناء والرفعة والتقدم على أهل زمانه في الفنون المختلفة، ورحلة العلماء إليه، والوقوف بين يديه، والاغتراف من علمه، والفوز بالسماع منه والرِّواية عنه أصح ما وجد في زمانه. وانظر في ذلك أقوال العلماء في كتبهم مثل: ابن عبد الهادي (٧٤٤) هـ في «طبقات علماء الحديث» (٢)، والصفدي (٧٦٤) هـ في «الوافي بالوفيات» (٣)، وابن فرحون المالكي (٧٩٩) هـ في «الديباج المذهب» (٤) وغيرهم.
مؤلفاته:
التأليف موهبة من الله ورزقًا يرزق به من يشاء، وأبو علي الغساني مع أن شهرته التي ملأت الآفاق إلا أنه لم يكن مكثرًا من التأليف، وإنما عرف عنه عدد قليل من الكتب من أهمها وأوسعها كتابه «تقييد المهمل»، وله كتاب آخر اسمه «تسمية شيوخ أبي داود السجستاني في مصنفه» (٥).
وله كتاب «التاريخ» ذكره ابن بشكوال في «الصلة» (٦).
стр. 805
وله «ذيل الاستيعاب». ينظر: الذَّهبي في «السير» (١)، والسهيلي في «الروض الأنف» (٢) وهذا الكتاب من مصادر ابن الأثير في «أسد الغابة» كما صرح به في مقدمته، وله كتب أخرى.
وفاته:
وبعد هذه الرحلة الحافلة بالسماع والإسماع والضبط والتقييد والرِّواية والتصنيف، أصيب أبو علي ﵀ قبل وفاته بثلاث سنوات بمرض مزمن، ذكر ابن الأبار أنه الفالج، فذهب إلى المَرِيَّة للاستشفاء بها ثم عاد منها إلى قرطبة، وقد كان لزم بيته في آخر عمره، وتوفي في قرطبة ليلة الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة (٤٩٨) هـ ودفن يوم الجمعة، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة.
الكتاب
الكتاب الذي نتناوله من أهم الكتب التي ألفت لخدمة الصحيحين في ضبط المشكل من أسماء الرجال وكناهم وأنسابهم وتعيين الشيوخ الذين روى عنهم البُخارِيّ وأهمل أنسابهم وقبائلهم وبلدانهم، والتنبيه على الأوهام الواقعة في الصحيحين في الأسانيد وأسماء الرجال من قبل رواة الكتابين، وبيان الصواب في ذلك بأسلوب لم يسبق إليه.
ولقد قسم المؤلف كتابه هذا إلي أربعة أقسام وقدم له بمقدمة نفيسة ذكر فيها طرفًا من الأخبار التي تحث علي تقييد العلم وكتابته وضبطه، ثم ترجم للبخاري ومسلم وذكر بعضًا من أخبارهما الدالة على فضلهما وإشادة العلماء بمنزلتهما، وختم هذه المقدمة بذكر أسانيده إلى الكتابين.
стр. 806
الباعث على تأليف الكتاب:
- ذكر أبو علي أن الباعث له على تأليف الكتاب كان سؤالًا من أحد المهتمين بالعلم يحثه على تأليف كتاب يجمع فيه المؤتلف والمختلف وغيره من فنون الحديث قال أبو علي الغساني في المقدمة (١):
أما بعد، يرحمك الله فإنك سألتني أن أجمع لله ما اشتبه عليك مما يأتلف خطه ويختلف لفظه من أسماء الرُّواة وكناهم وأنسابهم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين، ممن ذكر في الكتابين الصحيحين في السنن المسندة عن رسول الله ﷺ ، تصنيف أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البُخارِيّ الجعفي، وأبي الحسين مسلم ابن الحجاج النيسابوري القشيري رحمهما الله وأقيد ما التبس عليك ... وأن أذكر الأوهام التي في الأسانيد التي العهدة في أكثرها على نقلة الكتابين، وأبين وجه الصواب في ذلك ... فأجبتك إلى ذلك كله مستعينا بالله على بيان ما رغبت فيه رجاء ثوابه ... اهـ.
أقسام الكتاب:
وقد جعل المؤلف الكتاب أقسامًا أربعة وجعل كل قسم كتابًا مستقلًا.
فالقسم الأول سماه «تقييد المهمل وتمييز المشكل» وهو نوعان:
الأول: ضط المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والأنساب وتقييده بحيث يحفظه من الإشكال ويخرجه عن الإهمال.
الثاني: تمييز المشكل من المتشابه في الأسماء، وهم قوم تتفق أسماؤهم وأسماء آبائهم أو تشكل صورة الخط إما بزيادة حرف أو بتغيير
стр. 807
بعض الحروف وكذلك من تتفق كناهم ولا يعرفون إلا بها.
وهذا القسم يمثل النصف الأول من مجموع الكتاب تقريبًا حيث جاء في آخره (١): كمل «تقييد المهمل وتمييز المشكل» والحمد لله كما هو أصله، يتلوه «التنبيه على أوهام الواقعة في الصحيحن وإصلاحها».
ويستنبط منه أن تسمية الكتاب بأقسامه الأربعة بـ «تقييد المهمل» فيها تجوز؛ فإنه عنوان القسم الأول منه فقط ومناسب لمحتوياته، وللأقسام الأخرى منه عناوين تدل على موضوعاتها، وإن كانت في الجملة تدخل في التقييد والتمييز.
القسم الثاني: كتاب: «التنبيه على الأوهام الواقعة في المسندين الصحيحين في الأسانيد وأسماء الرُّواة». وهو محل العناية بالروايات وسنتكلم عنه بالتفصيل لاحقًا.
القسم الثالث: كتاب: «التعريف بشيوخ حدث عنهم البُخارِيّ وأهمل أنسابهم».
القسم الرابع: كتاب: «الألقاب» وجاء في آخره (٢): آخر كتاب الألقاب وبتمامه تم جميع الديوان.
فظهر بذلك أن هذا الديوان أربعة كتب مستقلة، وقد طبعت قطع منه مستقلة ثم طبع كاملًا (٣).
стр. 808
وسأقتصر في كلامي على القسم الخاص باختلاف الروايات وهو قسم: التنبيه على الأوهام الواقعة في الصحيحين من قبل الرُّواة قسم البُخارِيّ:
- صرح المؤلف في مقدمته أن الحمل في هذه الأوهام على رواة الكتابين لا البُخارِيّ ومسلم ومن فوقهما إلا في مواضع يسيرة جدًا نبه على بعضها أبو مسعود الدمشقي وغيره من الأئمة، فرأى المؤلف ذكرها أيضًا لتتم الفائدة.
ومنهجه فيه أن يذكر أولًا الكتاب والباب وسند الحديث وطرفًا من متنه، ثم يذكر الخلاف بين الروايات المختلفة للبخاري في ذكر هذا السند، ثم يبين وجه الصواب في هذه الاختلافات.
وأبو علي أول من فكر - فيما أعلم - في دراسة الاختلافات التي وقعت في الصحيحين من قبل الرُّواة والمقارنة بينها ومحاولة الوصول إلى وجه الصواب فيها معتمدًا على الأدلة العلمية ونقول العلماء الثقات في هذا المجال.
стр. 809
روايات «صحيح البُخارِيّ» التي اعتمد عليها أبو علي في كتابه:
نعلم أن «صحيح البُخارِيّ» كانت له روايات ونسخ كثيرة حتى عصر أبي علي، واعتمد في كتابه هذا على الروايات التي وصلت إليه بالسند الصحيح، وهذه الروايات ذكرها أبو علي في مقدمة كتابه (١).
ويمكن حصر هذه الروايات التي وقعت له فيما يلي:
الرِّواية الأولى: رِواية أبي زيد المَرْوَزيّ (٣٧١) هـ عن الفَرَبْريّ (٣٢٠) هـ عن البُخارِيّ.
وقد وقعت له من طريقين: الأول من طريق أبي الحسن القابسي (٤٠٣) هـ أخذها عن شيخه أبي القاسم حاتم بن محمد بن عبد الله بن حاتم التميمي المعروف بابن الطرابلسي عن القابسي.
الثاني: من طريق أبي محمد الأصيلي (٣٩٢) هـ أخذها عن شيخيه أبي شاكر عبد الواحد بن محمد بن موهب التُجِيْبيُّ المعروف بالقبري، والقاضي أبي القاسم سراج بن عبد الله بن سراج كلاهما عن الأصيلي، وكلاهما - الأصيلي والقابسي - عن أبي زيد المَرْوَزيّ عن الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ.
وقال أبو علي: عارضت كتابي من أوله إلى آخره بنسخة أبي محمد الأصيلي التي بخطه.
الرِّواية الثانية: رِواية أبي علي سعيد بن عثمان بن السكن (٣٥٣) هـ عن الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ:
وقد وقعت له من رِواية أبي محمد عبد الله بن محمد بن أسد الجهني (٣٩٥) هـ، رواها أبو علي عن شيخيه القاضي أبي عمر أحمد بن محمد بن يحيى المعروف بابن الحذاء والإمام أبو عمر يوسف بن عبد الله
стр. 810
بن محمد بن عبد البر النمري، كلاهما عن ابن أسد الجهني عن ابن السكن عن الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ.
وقال أبو علي: وعارضت كتابي بنسخة أبي محمد بن أسد التي بخطه عن أبي علي بن السكن.
الرِّواية الثالثة: رِواية أبي ذر عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الهَرَويّ الحافظ (٤٣٤) هـ عن شيوخه الثلاثة أبي محمد بن حمويه السَّرْخَسي (٣٨١) هـ، وأبو إسحاق إبراهيم المُسْتَمْلِيّ (٣٧٦) هـ وأبو القيم محمد بن المكي الكُشْمِيهَني (٣٨٩) هـ، ثلاثتهم عن الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ.
ورِواية أبي ذر هذه قال أبو علي أخبرني بها أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري مناولة من يده إلى يدي وقال لي: سمعته مرارًا يقرأ على أبي ذر بمكة أولها في سنة ثمان وأربع مئة. اهـ.
الرِّواية الرابعة:
رِواية الأصيلي (٣٩٢) هـ عن أبي أحمد محمد بن محمد بن يوسف بن مكي الجُرْجانيّ (٣٧٤) هـ عن الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ.
رواها من طريق أبي شاكر عبد الواحد بن موهب التُّجيبي والقاضي أبو القاسم سراج بن عبد الله بن سراج، كلاهما عن الأصيلي به.
الرِّواية الخامسة: رِواية أبي اسحاق إبراهيم بن معقل النَسَفْيّ عن البُخارِيّ.
أخبره بها أبو العاصي حكم بن محمد بن حكم الجذامي قال: نا أبو الفضل أحمد بن أبي عمران الهَرَويّ بمكة سنة اثنتين وثمانين وثلاث مائة قال لي: سمعت بعضه وأجاز لي سائره قال: نا أبو صالح خلف بن محمد بن إسماعيل البُخارِيّ، قال: نا إبراهيم بن معقل النَسَفْيّ قال: نا أبو عبد الله البُخارِيّ.