الباعث على تأليف الكتاب:
- ذكر أبو علي أن الباعث له على تأليف الكتاب كان سؤالًا من أحد المهتمين بالعلم يحثه على تأليف كتاب يجمع فيه المؤتلف والمختلف وغيره من فنون الحديث قال أبو علي الغساني في المقدمة (١):
أما بعد، يرحمك الله فإنك سألتني أن أجمع لله ما اشتبه عليك مما يأتلف خطه ويختلف لفظه من أسماء الرُّواة وكناهم وأنسابهم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين، ممن ذكر في الكتابين الصحيحين في السنن المسندة عن رسول الله ﷺ ، تصنيف أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البُخارِيّ الجعفي، وأبي الحسين مسلم ابن الحجاج النيسابوري القشيري رحمهما الله وأقيد ما التبس عليك ... وأن أذكر الأوهام التي في الأسانيد التي العهدة في أكثرها على نقلة الكتابين، وأبين وجه الصواب في ذلك ... فأجبتك إلى ذلك كله مستعينا بالله على بيان ما رغبت فيه رجاء ثوابه ... اهـ.
أقسام الكتاب:
وقد جعل المؤلف الكتاب أقسامًا أربعة وجعل كل قسم كتابًا مستقلًا.
فالقسم الأول سماه «تقييد المهمل وتمييز المشكل» وهو نوعان:
الأول: ضط المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والأنساب وتقييده بحيث يحفظه من الإشكال ويخرجه عن الإهمال.
الثاني: تمييز المشكل من المتشابه في الأسماء، وهم قوم تتفق أسماؤهم وأسماء آبائهم أو تشكل صورة الخط إما بزيادة حرف أو بتغيير
стр. 807
بعض الحروف وكذلك من تتفق كناهم ولا يعرفون إلا بها.
وهذا القسم يمثل النصف الأول من مجموع الكتاب تقريبًا حيث جاء في آخره (١): كمل «تقييد المهمل وتمييز المشكل» والحمد لله كما هو أصله، يتلوه «التنبيه على أوهام الواقعة في الصحيحن وإصلاحها».
ويستنبط منه أن تسمية الكتاب بأقسامه الأربعة بـ «تقييد المهمل» فيها تجوز؛ فإنه عنوان القسم الأول منه فقط ومناسب لمحتوياته، وللأقسام الأخرى منه عناوين تدل على موضوعاتها، وإن كانت في الجملة تدخل في التقييد والتمييز.
القسم الثاني: كتاب: «التنبيه على الأوهام الواقعة في المسندين الصحيحين في الأسانيد وأسماء الرُّواة». وهو محل العناية بالروايات وسنتكلم عنه بالتفصيل لاحقًا.
القسم الثالث: كتاب: «التعريف بشيوخ حدث عنهم البُخارِيّ وأهمل أنسابهم».
القسم الرابع: كتاب: «الألقاب» وجاء في آخره (٢): آخر كتاب الألقاب وبتمامه تم جميع الديوان.
فظهر بذلك أن هذا الديوان أربعة كتب مستقلة، وقد طبعت قطع منه مستقلة ثم طبع كاملًا (٣).
стр. 808
وسأقتصر في كلامي على القسم الخاص باختلاف الروايات وهو قسم: التنبيه على الأوهام الواقعة في الصحيحين من قبل الرُّواة قسم البُخارِيّ:
- صرح المؤلف في مقدمته أن الحمل في هذه الأوهام على رواة الكتابين لا البُخارِيّ ومسلم ومن فوقهما إلا في مواضع يسيرة جدًا نبه على بعضها أبو مسعود الدمشقي وغيره من الأئمة، فرأى المؤلف ذكرها أيضًا لتتم الفائدة.
ومنهجه فيه أن يذكر أولًا الكتاب والباب وسند الحديث وطرفًا من متنه، ثم يذكر الخلاف بين الروايات المختلفة للبخاري في ذكر هذا السند، ثم يبين وجه الصواب في هذه الاختلافات.
وأبو علي أول من فكر - فيما أعلم - في دراسة الاختلافات التي وقعت في الصحيحين من قبل الرُّواة والمقارنة بينها ومحاولة الوصول إلى وجه الصواب فيها معتمدًا على الأدلة العلمية ونقول العلماء الثقات في هذا المجال.
стр. 809
روايات «صحيح البُخارِيّ» التي اعتمد عليها أبو علي في كتابه:
نعلم أن «صحيح البُخارِيّ» كانت له روايات ونسخ كثيرة حتى عصر أبي علي، واعتمد في كتابه هذا على الروايات التي وصلت إليه بالسند الصحيح، وهذه الروايات ذكرها أبو علي في مقدمة كتابه (١).
ويمكن حصر هذه الروايات التي وقعت له فيما يلي:
الرِّواية الأولى: رِواية أبي زيد المَرْوَزيّ (٣٧١) هـ عن الفَرَبْريّ (٣٢٠) هـ عن البُخارِيّ.
وقد وقعت له من طريقين: الأول من طريق أبي الحسن القابسي (٤٠٣) هـ أخذها عن شيخه أبي القاسم حاتم بن محمد بن عبد الله بن حاتم التميمي المعروف بابن الطرابلسي عن القابسي.
الثاني: من طريق أبي محمد الأصيلي (٣٩٢) هـ أخذها عن شيخيه أبي شاكر عبد الواحد بن محمد بن موهب التُجِيْبيُّ المعروف بالقبري، والقاضي أبي القاسم سراج بن عبد الله بن سراج كلاهما عن الأصيلي، وكلاهما - الأصيلي والقابسي - عن أبي زيد المَرْوَزيّ عن الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ.
وقال أبو علي: عارضت كتابي من أوله إلى آخره بنسخة أبي محمد الأصيلي التي بخطه.
الرِّواية الثانية: رِواية أبي علي سعيد بن عثمان بن السكن (٣٥٣) هـ عن الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ:
وقد وقعت له من رِواية أبي محمد عبد الله بن محمد بن أسد الجهني (٣٩٥) هـ، رواها أبو علي عن شيخيه القاضي أبي عمر أحمد بن محمد بن يحيى المعروف بابن الحذاء والإمام أبو عمر يوسف بن عبد الله
стр. 810
بن محمد بن عبد البر النمري، كلاهما عن ابن أسد الجهني عن ابن السكن عن الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ.
وقال أبو علي: وعارضت كتابي بنسخة أبي محمد بن أسد التي بخطه عن أبي علي بن السكن.
الرِّواية الثالثة: رِواية أبي ذر عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الهَرَويّ الحافظ (٤٣٤) هـ عن شيوخه الثلاثة أبي محمد بن حمويه السَّرْخَسي (٣٨١) هـ، وأبو إسحاق إبراهيم المُسْتَمْلِيّ (٣٧٦) هـ وأبو القيم محمد بن المكي الكُشْمِيهَني (٣٨٩) هـ، ثلاثتهم عن الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ.
ورِواية أبي ذر هذه قال أبو علي أخبرني بها أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري مناولة من يده إلى يدي وقال لي: سمعته مرارًا يقرأ على أبي ذر بمكة أولها في سنة ثمان وأربع مئة. اهـ.
الرِّواية الرابعة:
رِواية الأصيلي (٣٩٢) هـ عن أبي أحمد محمد بن محمد بن يوسف بن مكي الجُرْجانيّ (٣٧٤) هـ عن الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ.
رواها من طريق أبي شاكر عبد الواحد بن موهب التُّجيبي والقاضي أبو القاسم سراج بن عبد الله بن سراج، كلاهما عن الأصيلي به.
الرِّواية الخامسة: رِواية أبي اسحاق إبراهيم بن معقل النَسَفْيّ عن البُخارِيّ.
أخبره بها أبو العاصي حكم بن محمد بن حكم الجذامي قال: نا أبو الفضل أحمد بن أبي عمران الهَرَويّ بمكة سنة اثنتين وثمانين وثلاث مائة قال لي: سمعت بعضه وأجاز لي سائره قال: نا أبو صالح خلف بن محمد بن إسماعيل البُخارِيّ، قال: نا إبراهيم بن معقل النَسَفْيّ قال: نا أبو عبد الله البُخارِيّ.
стр. 811
ثم ذكر أبو علي عن أبي الفضل صالح بن محمد شاذان الأصبهاني عن إبراهيم ابن معقل النَسَفْيّ أن البُخارِيّ أجاز له آخر الديوان من أول كتاب الأحكام إلى آخر ما رواه النَسَفْيّ من «الجامع».
ثم ذكر ما فيها من نقص عن رِواية الفَرَبْريّ وقال: قد علمت على الموضع في كتابي ... وهو تسع أوراق من كتابي. اهـ.
وقال أبو علي (١) في أول القسم الخاص بالاختلافات التي في «صحيح البُخارِيّ» وهو يذكر الروايات التي وقعت له قال: وانتقلت إلينا هذه الرِّواية على جهة الإجازة من قبل أبي صالح خلف بن محمد بن إسماعيل الخيام البُخارِيّ ومن قبل أبي الفضل صالح بن محمد شاذان الأصبهاني عنه. اهـ.
واستنادًا إلى هذه الروايات المعتبرة عند علماء الرِّواية حيث أن رِواية المَرْوَزيّ من أجل الروايات، ورِواية أبي ذر الهَرَويّ من أدقها وأتقنها.
أقول استنادًا إلى هذه الروايات تكلم أبو علي على الاختلافات، ورجح بينهما بالحجة والبرهان، وكان في ذلك رائدًا لم يسبق في هذا المجال واستطاع بوقوفه على هذه الروايات الوصول إلى وجه الصواب في هذه الاختلافات، ومؤيدًا لهذه الروايات بالنقول من علماء العلل والأنساب.
ونظرًا لأهمية هذا الكتاب ومادته التي لا تكاد توجد في مؤلف غيره اعتمد عليه كل من جاء بعده من الشراح والمؤلفين عند كلامهم في هذا الباب.
وعملُ أبي علي هذا في حقيقة الأمر دفاعًا عن «الصحيح» ببيان الأوهام والأخطاء الواقعة فيه من قبل الرُّواة، والتي يظن الكثير من الناس
стр. 812
أنها من قبل البُخارِيّ أو من فوقه.
ومعلوم أن الصواب إذا وجد عند أحد الرُّواة لا يصح القطع بنسبة الخطأ إلى مؤلف الكتاب إلا إذا اتفق جميع الرُّواة على ذلك وهذا قليل ونادر.
ولذلك يمكن دخول هذا العمل في باب العلل.
أهمية الكتاب وقيمته وأثره في الكتب اللاحقة:
سبق القول أن عمل أبي علي هذا لم يسبق إليه؛ ولذلك نجد كثيرًا من العلماء قد أثنوا عليه، فقال القاضي عِياض: ألف كتابه على الصحيحين المسمى «تقييد المهمل وتمييز المشكل» وهو كبير الفائدة (١).
وقال ابن عطية: قرأت عليه ﵀ كتابه الذي ألفه في الصحيحين وسماه «تقييد المهمل وتمييز المشكل» في أصله المجزأ على عشرة أجزاء، ولم يسبق أحد إلى مثله (٢).
وقال ابن بشكوال: جمع كتابًا في رجال الصحيحين سماه «تقييد المهمل وتمييز المشكل» وهو كتاب مفيد أخذه الناس عنه، وسمعناه على القاضي أبي عبد الله ابن الحاج عنه. اهـ (٣).
بل إنك تجد كثيرًا من العلماء تلقوا الكتاب، وتسابقوا إلي روايته عن المؤلف، وقد استفادوا منه، وأكثروا من النقل والاقتباس منه في الكتب التي ألفوها حول الصحيحين أو في موضوعات أخرى لها علاقة بمحتويات كتاب أبي علي.
стр. 813
وخاصة الأقسام المتعلقة بالأوهام الواقعة في الصحيحين من قبل الرُّواة.
ومن أوائل من نقل واقتبس من كتاب أبي علي الإمام أبو عبد الله المازري (٥٣٦) هـ شارح «صحيح مسلم» في كتابه المسمى بـ «المعلم بفوائد مسلم» (١).
ونقل القاضي عِياض (٥٤٤) هـ في «إكمال المعلم» ما ذكره المازري في «المعلم» ونبه أحيانًا على أن الكلام لأبي علي (٢).
وممن نقل عن أبي علي الغساني واستفاد منه ونسب أقواله إليه كل من ابن الصلاح في «صيانة صحيح مسلم» والنووي في «شرح مسلم» حيث نقلا عن كلامه في الأسانيد ووافقاه غالبًا وتعقباه أحيانًا بكلام مفيد.
ولم تكن الاستفادة من أبي علي في كتابه هذا مقتصرة على كلامه في الأسانيد، وإنما تعدى ذلك إلى رِواية الصحيحين من طريق أبي علي ونقل الفوائد المتعلقة بالروايات من مقدمة كتاب «تقييد المهمل».
حيث تجد في أول كتاب «مشارق الأنوار» للقاضي عِياض (٣)، وشرح النووي على مسلم (٤)، وشرحه على البُخارِيّ، و «فتح الباري» لابن حجر (٥) وغيرها ذكر أسانيد المؤلفين إلى البُخارِيّ ومسلم، وروايات كتابيهما والكلام عليها، وكثير منه من طريق أبي علي الغساني من مقدمة «تقييد المهمل» كما يظهر ذلك بالمقارنة.
стр. 814
وتجد أيضًا الإمام ابن الملقن (٨٠٤) هـ في شرحه: «التوضيح لشرح الجامع الصحيح للبخاري» ينقل كثيرًا عن أبي علي الغساني في كلامه على الروايات والأسانيد وضبط الأسماء وغير ذلك.
وكذا كل شراح البُخارِيّ أمثال ابن حجر في «الفتح» والعيني في «عمدة القاري» والقَسْطَلّانِيّ في «إرشاد الساري» وغيرهم.
وبنى القاضي عِياض كتابه «مشارق الأنوار على صحاح الأخبار» على كتاب «تقييد المهمل» حيث اختصر أشياء منه وزاد وتعقب عليه أشياء وأضاف «الموطأ» إلى الصحيحين حتى أصبح أشمل وأجمع في بابه من كتاب أبي علي.
وكذا جاء ابن قرقول (٥٦٩) هـ بعد القاضي عِياض وهذب واختصر وزاد عليه في كتابه «مطالع الأنوار».
أضف إلى ذلك أنك تجد كثيرًا من الكتب التي تتكلم في الرجال وضبط الأسماء والكنى والأنساب تنقل نصوصًا عن أبي علي في الأقسام المتعلقة بالرجال أمثال كتاب «الأنساب» (١) للسمعاني (٥٦٢) هـ، و «توضيح المشتبه» (٢) لابن ناصر الدين (٨٤٢) هـ، و «تبصير المشتبه» لابن حجر (٨٥٢) هـ وغيرها.
حتى المؤلفون في كتب المصطلح مثل القاضي عِياض (٥٤٤) هـ في «الِإلماع» (٣) وابن الصلاح (٦٣٤) هـ في «علوم الحديث» (٤) والزركشي (٧٩٤) هـ
стр. 815
في «النكت»، والبلقيني (٨٠٥) هـ في «محاسن الاصطلاح» (١) وغير ذلك.
أضف إلى ذلك كتب الرجال مثل كتاب «سير أعلام النبلاء» للذهبي (٢)، و «طبقات الشافعية» للسبكي (٣) وغيرها.
ونظرًا لأهمية الكتاب فقد قام بعض العلماء باختصار وتهذيب جزء منه، وهو الجزء الخاص بأوهام الرُّواة في «صحيح البُخارِيّ» حيث قام يوسف بن عبد الهادي الحنبلي المعروف بابن المبرد (٩٠٩) هـ باختصاره وسماه الاختلاف بين رواة البُخارِيّ عن الفَرَبْريّ، وروايات عن إبراهيم بن معقل النَسَفْيّ، وهو كتاب مطبوع متداول وتوجد عندي نسخة خطية منه (٤).
نموذج من الكتاب.
أقوال أبي علي في كتابه هذا لا يستغني عنها من أراد أن يتكلم في روايات ونسخ «الجامع الصحيح»؛ ولذلك سننقل منه كثيرًا في الكلام على الروايات وبيان معالمها، وسأكتفي بسياق نموذج من الكتاب ليتبين لنا ترتيب الكتاب، وسأحاول اختيار النماذج التي تفي بالغرض، وليكن أول موضع تكلم عنه؛ لبيان جهده في هذا الجزء من الكتاب.
قال أبو علي في كتابه «تقييد المهمل» بعد المقدمة (٥):
من ذلك في كتاب الإيمان في باب الصلاة من الإيمان.
стр. 816
قال البُخارِيّ: حَدَّثَنا عمرو بن خالد، قال: نا زهير، قال: نا أبو إسحاق، عن البراء، وذكر شأن تحويل القبلة.
قال الشيخ أبو علي: كان في نسخة أبى زيد المَرْوَزيّ: حَدَّثَنا عمر بن خالد، هكذا نقله عنه أبو الحسن القابسي وأبو الفرج عبدوس بن محمد الطليطلي، وذلك وهم، والصواب: عمرو - بفتح العين وسكون الميم - وهو عمرو بن خالد الحراني الجزري، وليس في شيوخ البُخارِيّ من يقال له: عمر بن خالد. اهـ. من «تقييد المهمل».
التعليق على النص:
هذا النص يلاحظ عليه ما يلي:
١) أنه يسوق الحديث ويذكر قبله موضع وجوده في «الصحيح»؛ حيث قال: من ذلك في كتاب الإيمان في باب الصلاة من الإيمان.
٢) أنه يذكر الأحاديث التي وجد فيها خلاف أو وهم وقع من قبل الرُّواة الذين وقعت روايتهم له والذين سبق ذكرهم، فهو لم يذكر كل أحاديث البُخارِيّ.
٣) أنه يقتصر على الاختلافات التي يظن القارئ أن فيها وهمًا أو إشكالًا، أما الاختلافات التي لا تضر والتي هي بمثابة توضيح أو زيادة أو اختصار أو غير ذلك فهو خارج عن شرط كتابه، يتبين ذلك إذا تأملنا جميع المواضع التي ذكرها.
٤) أنه يسوق الأحاديث داخل الكتب والأبواب بترتيب البُخارِيّ، فهو مثلا لا يقدم حديثًا جاء في كتاب الصلاة على حديث جاء في كتاب العلم أو الإيمان، ولا يؤخر حديثًا في باب العلم ويذكره بعد كتاب الزكاة مثلًا، وذلك أيضًا واضح من خلال ترتيب الكتاب.
٥) أنه يبدأ أولًا بذكر الحديث على وجه الصواب عنده كما هو عند
стр. 817
البُخارِيّ في «صحيحه» مقتصرًا على السند بنصه، ويذكر في المتن جزءًا منه أو ما يدل عليه إن كان الحديث مشهورًا.
انظر مثلًا قوله في هذا الموضع: وذكر شأن تحويل القبلة، ويقول في الحديث الذي بعده وكثيرًا ما يفعل ذلك وهو حديث بردة: «ثلاثة لهم أجران ... الحديث (١).
وأحيانًا يذكر الحديث كاملًا إذا كان صغيرًا (٢).
٦) أنه لم يقتصر على الأحاديث التي في «صحيح البُخارِيّ» فقط وإنما تعدى ذلك إلى ذكر المتابعات والشواهد كما فعل في الموضع الذي ذكره في باب درجات المجاهدين من كتاب الجهاد (٢/ ٦٢٧) حيث قال: ذكر في المتابعة: وقال محمد بن فليح عن أبيه قال: وفوقه عرش الرحمن .... إلخ (٣).
٧) وبعد أن يذكر الحديث بسنده وما يدل عليه أو بدايته على وجه الصواب عنده يذكر بعد ذلك ما خالف ذلك في النسخ الأخرى التي وقف عليها، وكثيرًا ما يؤيد الصواب بأدلة أخرى، وهذه الأدلة قد تكون نقولًا عن علماء آخرين (٤) وهي في الأغلب الأعم تكون استنباطًا (٥).
стр. 818
وغالبًا ما يوفق في الترجيح ويقطع بوجه الصواب والتصريح بذكر الواهم إذا تيقن من ذلك (١)، وأحيانًا يحكي الخلاف ويقتصر عليه إذا كان الوجهان مما لا يتعارضان وغير ذلك.
٨) أنه اقتصر على الأوهام الواقعة للرواة في الأسانيد فقط دون المتون والأبواب والكتب، ولو فعل ذلك لكان في غاية الحسن والتمام في بابه. ولعل السبب في ذلك أن من سأله تأليف الكتاب لم يطلب منه ذلك أو أنه اقتصر على ما يدخل العلة في الإسناد لدخوله في جملة الغرض الذي من أجله ألف جميع الكتاب؛ حيث تجد جميع الأقسام الأخرى في الكتاب تتحدث عن الرجال وضبطها والتمييز بينها والله أعلم.
٩) كثيرًا ما يسوق بعض الأحاديث بإسناده أو يذكر الأقوال مسندة إلى قائليها، وكثيرًا ما ينقل كلام أبي مسعود الدمشقي والكلاباذي، وقد ينقل عن الدارقطني والبُخارِيّ في غير «الصحيح» وابن أبي حاتم.
١٠) أضاف إلى الروايات التي وقعت له رِواية عبدوس وهو أبو الفرج بن محمد الطليطلي، وهي رِواية لـ «الصحيح» عن أبي زيد المَرْوَزيّ عن الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ (٢).
стр. 819
كتاب «مشارق الأنوار على صحاح الآثار» للقاضي عِياض (١)
مؤلفه: هو الإمام الجليل والعالم العلامة، القاضي أبو الفضل عِياض بن عمرو ابن موسى بن عِياض بن محمد بن عبد الله بن موسى بن عِياض، الفاسي الأصل، السبتي المولد، المراكشي المدفن، اليحصبي نسبة إلى يحصب بن مالك بن زيد، الحافظ المغربي الذي ارتبط اسم بلاد المغرب باسمه.
يلتقي نسبه بنسب الإمام مالك إمام دار الهجرة، وصاحب المذهب المالكي المتبع بالديار المغربية وأفريقيا، هذا المذهب الذي انتمى إليه
стр. 820
عِياض، ويعتبر من أشهر أعلامه البارزين المشهورين الذي خدموه بالتصنيف والإفتاء والتعليم.
فكان القاضي عِياض ذا صلة بالإمام مالك من ناحيتين:
الأولى: صلة النسب.
الثانية: صلة المذهب.
مولده: ولد القاضي عِياض ببلدة سبتة من الديار المغربية في منتصف شعبان سنة ٤٧٦ هـ، وبها بدأ حياته الأولى في التعليم والقراءة، فحفظ القرآن الكريم بالروايات السبع، وانتقل إلى تعلم العلم، فحفظ الكثير من التصانيف والمتون في مختلف الفنون، وهو ما يزال صغير السن، وذلك لما حباه الله تعالى من ذكاء وقوة الذاكرة، إلى جانب الفطنة الواسعة، وهذه الصفات من شأنها أن ترفع صاحبها حتى تجعله في مصاف العلماء البارزين ذوي المراتب العالية في العلم والفضل والكمال.
ومما ساعده على ذلك ما وجده من عمق الثقافة الإسلامية في تلك البقعة التي نشأ بها، وتربى فيها، بدءًا من مسقط رأسه سبتة التي كانت ملتقى الثقافات بما حباهاالله من موقع جغرافي، مما جعلها دار ممر للعلماء الكبار القادمين من المشرق العربي، الذين يمرون بالمغرب العربي عبرها نحو ديار الإسلام بالأندلس أو العكس؛ حيث العلماء القادمون من بلاد المغرب والأندلس، الراحلون إلى المشرق العربي حيث طلب العلم وأداء فريضة الحج المباركة.
شيوخه ورحلاته: كان القاضي عِياض رحمه الله تعالى ذا منهج فريد ومتميز في طلب العلم وتلقي المرويات، سار عليه من بداية حياته وطلبه للعلم؛ حيث يرى رحمه الله تعالى أن المادة المروية إذا لم تثبت صحة نسبتها إلى صاحبها لا تصلح أن تكون أساسا في البحث والدرس، فضلا
стр. 821
عن أن تبنى عليها الأحكام، فهو يرى أنه لابد من التوسع في الرِّواية والقراءة المقيدة على أربابها.
هذا المنهج الفريد الذي سار عليه القاضي عِياض جعله يرحل من مسقط رأسه - بعد أن استوعب ما فيها - إلى الأندلس، وذلك في سنة ٥٠٧ هـ؛ أي بعد حوالي ثلاثين عاما من ولادته، فوصل إلى قرطبة بغية تصحيح المتون التي تلقاها.
وأول ما تحمل القاضي عِياض من العلم إجازة مجردة من الحافظ أبي علي الغساني، وكان يمكنه السماع منه فقد لحق من حياته اثنين وعشرين عاما، ومن شيوخه من أهل المغرب القاضي أبو عبد الله عيسى، والخطيب أبو القاسم، والفقيه أبو إسحاق بن الفاسي وغيرهم.
ولما رحل إلى الأندلس سنة ٥٠٧ هـ روى عن القاضي أبي علي الصَّدفي سُكَّرة، ولازمه، وأخذ عن أبي حبر بن العاص، وأبي عتاب، وهشام بن أحمد وعدة.
وتفقه بأبي عبد الله محمد بن عيسى التميمي، والقاضي محمد بن عبد الله المسيلي وشيوخه من كثرتهم ألف فهرسًا ذكرهم فيه وترجم لهم، وقد بلغ عددهم ثمانية وتسعين شيخًا، والكتاب مطبوع طبعة الدار العربية للكتاب بليبيا سنة ١٣٩٨ هـ / ١٩٧٨ م، بدراسة وتحقيق الدكتور / محمد بن عبد الدايم.
وعاد القاضي عِياض من بلاد الأندلس بعد أن رصد عن كثب مناهج العلماء الأندلسيين في التفكير، ورأى كيف كانوا يتناولون المسائل بالدرس والبحث والتمحيص، فيردون منها ما يردون ويقبلون منها ما يقبلون فعاد إلى بلده آخذًا ما ينبغي له أخذه، وتاركًا ما ينبغي له تركه، عاد وقد أصبح بحرًا لا ساحل له في العلم، عاد وهو طاقةٌ هائلةٌ من التجارب، فأصبح
стр. 822
صوتًا للحق مدويًا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم، يقضي بين الناس كما أمر الله وكما يقضي إليه اجتهاده.
من أجل كل ذلك علا قدره ومكانته بين أهله، وذاع صيته بين أقرانه حتى تبوأ مكانًة عاليًة، يُشد إليه الرحال طلبًا للإسناد وتلقي العلم على يديه، فأصبح بحق إمام وقته في الحديث وعلومه، فقيه زمانه في الأصول واللغة والنحو والأنساب، وغير ذلك مما يدل عليه تنوع معارفه وتآليفه التي تركت علامةً بارزةً في كل لون من ألوان التصنيف دالة على ذلك.
أقوال العلماء فيه:
قال ابن بشكوال في «الصلة» (١): هو من أهل العلم والتفنن والذكاء والفهم، واستقضي بسبتة مدة طولة حمدت سيرته فيها، ثم نُقل عنها إلى قضاء غرناطة، فلم يطول بها، وقدم علينا قرطبة فأخذنا عنه. اهـ.
وقال فيه ابن الأبار: وكان لا يدرك شأوه، ولا يبلغ مداه في العناية بصناعة الحديث وتقييد الآثار، وخدمة العلم مع حسن التفنن فيه (٢).
وقال فيه رفيقه وتلميذه أبو عبد الله محمد بن حَمّاد السبتي: جلس القاضي للمناظرة وله نحو من ثمان وعشرين سنة، وولي القضاء وله خمس وثلاثون سنة، كان هينا من غير ضعف، صليبًا في الحق ... إلى أن قال: وحاز من الرئاسة في بلده والرفعة ما لم يصل إليه أحدٌ قط من أهل بلده، وما زاده ذلك إلا تواضعًا وخشيةً لله تعالى (٣).
وقال ابن خلكان في «وفيات الأعيان»: وهو إمام الحديث في وقته،
стр. 823
وأعرف الناس بعلومه، وبالنحو واللغة وكلام العرب، وآبائهم وأنسابهم (١).
وقال الذَّهبي في «السير»: الإمام العلامة الحافظ الأوحد، شيخ الإسلام .. (٢).
مصنفاته:
له الكثير من المؤلفات في شتى العلوم والفنون؛ فمنها في الحديث: «مشارق الأنوار على صحاح الآثار»، «إكمال المعلم بفوائد مسلم»، «الِإلماع في أصول الرواية وتقييد السماع»، وغير ذلك.
وله في الرجال: «ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب الإمام مالك»، «الغنية في أسماء شيوخه»، «المعجم في ذكر أبي علي الصَّدفي».
وله غير ذلك الكثير مما لا يسع المجال لحصره.
وفاته: توفي رحمه الله تعالى في سنة أربع وأربعين وخمسمائة في رمضان. وقيل: في جمادى الآخرة بمراكش، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة.
الكتاب
كتاب «مشارق الأنوار على صحاح الآثار»، هكذا سماه مؤلفه، اشتمل على تفسير غريب حديث «الموطأ» و «الجامع الصحيح» لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البُخارِيّ، و «الجامع الصحيح» لأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، وضبط الألفاظ والتنبيه على مواضع الأوهام والتصحيفات، وضبط أسماء الرجال.
стр. 824
ترتيب الكتاب:
يقول القاضي عِياض في المقدمة مبينا ترتيب كتابه (١):
رأيت ترتيب تلك الكلمات على حروف المعجم، أيسر للناظر، وأقرب للطالب، فإذا وقف قارئ كتاب منها على كلمة مشكلة أو لفظة مهملة، فزع إلى الحرف الذي في أولها إن كان صحيحًا، وإن كان من حروف الزوائد أو العلل تركه، وطلب الصحيح، وإن أشكل وكان مهملا طلب صورته في سائر الأبواب التي تشبهه، حتى يقع عليه هنالك.
فبدأت بحرف الألف، وختمت بالياء على ترتيب حروف المعجم عندنا، ورتبت ثاني الكلمة وثالثها من ذلك الحرف على ذلك الترتيب، رغبة في التسهيل للراغب والتقريب، وبدأت في أول كل حرف بالألفاظ الواقعة في المتون، المطابقة لبابه على الترتيب المضمون. اهـ.
فالكتاب مرتب على ترتيب حروف المعجم عند المغاربة، حيث يوجد نوع اختلاف بين ترتيب حروف المعجم عند المشارقة عنه عند المغاربة، وزيادة في التوضيح سأذكر ترتيب الحروف عند المغاربة ليُعلم ذلك:
فالترتيب عند المشارقة معروف وعند المغاربة هو كما يلي: الهمزة، الباء الموحدة، التاء المثناة، الثاء المثلثة، الجيم المعجمة، الحاء المهملة، الخاء المعجمة، الدال المهملة، الذال المعجمة، الراء المهملة، الزاي المعجمة، الطاء المهملة، الظاء المعجمة، ثم الكاف، اللام، الميم، النون، الصاد المهملة، الضاد المعجمة، ثم العين المهملة، الغين المعجمة، الفاء، القاف، ثم السين المهملة، الشين المعجمة، الهاء، الواو، الياء.
وهكذا رتب الكتاب على حروف المعجم بهذا الترتيب بدءًا من الألف
стр. 825
وختما بالياء مع ترتيب ثاني الكلمة وثالثها من ذلك الحرف نفس الترتيب.
ثم ذكر تحت كل حرف من هذه الحروف أربعة فصول رئيسة:
الفَصْل الأول: في ضبط الألفاظ والحروف الواردة في الأصول الثلاثة، وشرح ما وقع فيها من خلل أو وهم، وبيان ما هو الصواب وغيره.
الفَصْل الثاني: ما في الحرف من أسماء المواضع والأماكن من الأرض وضبطها، وما وقع فيها من اختلاف أو وهم أو تصحيف بالنسبة للكتب الثلاثة المعتمدة.
الفَصْل الثالث: في الأسماء والكنى، مع ضبط ما التبس منها أو وقع فيه اختلاف أو وهم.
الفَصْل الرابع: ما في الحرف من الأنساب، وما استشكل فيها والتبس خلافا أو وهما، ثم ما هو خارج عن هذه الفصول مما لا يدخل في باب من أبوابها لخلل وقع فيه أو التباس أو توهم أو تأخير ذكره أو ضبطه في باب من أبواب الكتاب الأخرى، أو في فصل من فصوله السابقة أو اللاحقة.
مثال: حرف الجيم (١):
قال: حرف الجيم. فبدأ بحرف: (الجيم مع الهمزة) ثم ذكر تحته (ج ار) ثم (ج ان) ثم (ج اش) وهكذا اقتصر على ذلك، حيث لا توجد كلمات إلا في هذه المواد وذكر تحت كل مادة المفردات والألفاظ التي وردت في الأحاديث من جنس هذه المواد.
فذكر تحت مادة: (ج ار) قوله: (أو بقرة لها جوار) وتكلم عن رواياتها
стр. 826
وذكر أن في بعضها: (خوار) بالخاء ومعنى كل منهما ... الخ
ثم ذكر (ج ان) وذكر تحتها قوله: (كأنما أخرجها من جونة عطار)
ثم (ج اش) وذكر تحتها قوله: (فيسكن جاشه)
وبعد ذلك ذكر فصلًا بعنوان: الاختلاف والوهم من ذلك، وهذا الفَصْل يذكره عقب كل حرف، وهو الخاص باختلاف الألفاظ الناتج عن اختلاف الرُّواة للكتب الثلاثة.
يقول القاضي عِياض: فصل الاختلاف والوهم.
وقوله: (فجئث منه فرقا) بضم الجيم بعدها همزة مكسورة وثاء ساكنة مثلثة، كذا رِواية كافتهم الأصيلي والحَمُّوييّ والمُسْتَمْلِيّ والنَسَفْيّ، في كتاب الأنبياء وغيره، وكذا لأكثر رواة مسلم، وعند السمرقندي وابن الحذاء في الأول: (جثثت) بثاء مثلثة أخرى مكان الهمزة حيث وقع، وكذا عند العذري في آخر حرف منها، مثل الرِّواية الأولى، ولغيره ما للسمرقندي، وللأصيلي في التفسير الوجهان، وبالثاء فيهما لأبي زيد، ومعنى الروايتين واحد، أي: رعبت، كما جاء بهذا اللفظ أول البُخارِيّ، قال الخليل: جئث الرجل وجث: فزع.
ووقع للقابسي (فجثئت) قدم الثاء على الهمزة في كتاب الأنبياء، ولا معنى له، ووقع له في كتاب التفسير ولغيره (فحثثت) بالحاء المهملة وثاءين مثلثتين، وكذا رواه ابن الحذاء في كتاب مسلم في الثاني والثالث، وفسروه: بأسرعت، ولا معنى له؛ لأنه قال بعده: فهويت إلى الأرض، أي: سقطت. يريد من الذعر، فكيف يجتمع السقوط والإسراع.
وحكى أن بعضهم رواه (فجبنت) من الجبن ولا معنى له هنا وهو
стр. 827
تصحيف (١).اهـ.
ثم ذكر القاضي: الجيم مع الباء فبدأ (ج ب ب) ثم: (ج ب ذ) ثم: (ج ب ر) ثم: (ج ب ل) ثم: (ج ب ن) ثم: (ج ب هـ) ثم: (ج ب ى) يذكر تحت هذه المواد ما يناسبها من المفردات الواردة في الحديث.
ثم عقد فصل الاختلاف والوهم من هذه المادة، فذكر الاختلاف في قوله: (فقعد على جبا الركية) ثم الاختلاف في كلمة: (جيبه) في باب جيب القميص، في حديث المتصدق والبخيل: (هكذا بأصبعيه في جيبه) هل هي جيبه أو جبته؟
ثم الاختلاف في كلمة (أجبرهم) في قوله: في قريش (أني أردت أن أجبرهم) هل هي أجبرهم أو أجيزهم .. وهكذا يسرد المفردات التي وقع فيها خلاف بين الرُّواة مبينًا وجه الصواب، وحاكيا كل ما جاء فيها كما وقعت له الرِّواية.
ثم بعد ذلك ينتقل إلى حرف الجيم مع الثاء، فيسرد مفرداته ثم الجيم مع الحاء .. إلى آخر الحروف بترتيب المغاربة، وهو في كل ذلك يعقد فصلا للمختلف فيه من قبل الرُّواة عقب كل مادة كما سبق، وكل ذلك يعتبر في القسم الأول من هذا الحرف.
والقسم الثاني: خصصه لأسماء المواضع، فذكر في هذا الحرف: (الجمرة) و (الجعرانة) و (جرباء) و (الجحفة) .. الخ.
ثم ينتقل إلى القسم الثالث: وقد خصصه لمشكل الأسماء والكنى من هذا الحرف، ثم يذكر عقبه فصلا للمختلف فيه من قبل الرُّواة.
ثم القسم الرابع: وقد خصصه لمشكل الأنساب، ويتبعه بفصل
стр. 828
الاختلاف والوهم منه وهكذا ثم ينتقل إلى الحرف الذي يليه وهو الحاء بجميع أقسامه مثل تقسيم حرف الجيم.
ويلخص القاضي عِياض عمله في الكتاب فيقول (١):
فتولينا إتقان ضبطها، بحيث لا يلحقها تصحيف يظلمها، ولا يبقى بها إهمال يبهمها، فإن كان الحرف مما اختلفت فيه الروايات نبهنا على ذلك، وأشرنا إلى الأرجح والصواب هنالك، بحكم ما يوجد في حديث آخر رافع للاختلاف، مزيح للإشكال، مريح من حيرة الإبهام والإهمال، أو يكون هو المعروف في كلام العرب، أو الأشهر أو الأليق بمساق الكلام والأظهر، أو نص من سبقنا من جهابذة العلماء وقدوة الأئمة على المخطئ والمصحف فيه، أو أدركناه بتحقيق النظر، وكثرة البحث على ما نتلقاه من مناهجهم، ونقتفيه.
وترجمنا فصلا في كل حرف، على ما وقع فيها من أسماء أماكن من الأرض، وبلاد يشكل تقييدها، ويقل متقن أساميها ومجيدها، ويقع فيها لكثير من الروايات تصحيف يسمج، ونبهنا معها على شرح أشباهها من ذلك الشرج (٢)، ثم نعطف على ما وقع في المتون في ذلك الحرف بما وقع في الإسناد من النص على مشكل الأسماء والألقاب، ومبهم الكنى والأنساب، وربما وقع منه من جرى ذكره في المتن، فأضفناه إلى شكله من ذلك الفن ... ثم قال:
وذكرنا في آخر كل فصل من فصول كل حرف ما جاء فيه من
стр. 829
تصحيف، ونبهنا فيه على الصواب والوجه المعروف. اهـ.
الباعث على تأليفه:
يذكر القاضي عِياض الباعث على تأليف هذا الكتاب مبينًا قصور الدراسات التي سبقته وأن كتابه هذا أراد به أن يستكمل الخلل السابق فيقول (١): ولم يؤلف في هذا الشأن كتاب مفرد، تقلد عهدة ما ذكرناه على أحد هذه الكتب أو غيرها، إلا ما صنعه الإمام أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني في «تصحيف المحدثين» وأكثره مما ليس في هذه الكتب، وما صنعه الإمام أبو سليمان الخطابي في جزء لطيف، وإلا نكتًا مفترقة وقعت أثناء شروحها لغير واحد، لو جمعت لم تشف غليلًا، ولم تبلغ من البغية إلا قليلًا، وإلا ما جمع الشيخ الحافظ أبو علي الحسن بن محمد الغساني شيخنا ﵀ في كتابه المسمى: بـ «تقييد المهمل»، فإنه تقصى فيه أكثر ما اشتمل عليه الصحيحان، وقيده أحسن تقييد، وبينه غاية البيان، وجوده نهاية التجويد، لكن اقتصر على ما يتعلق بالأسماء والكنى والأنساب وألقاب الرجال، دون ما في المتون من تغيير وتصحيف وإشكال، وإن كان قد شذ عليه من الكتابين أسماء واستدركت عليه فيما ذكر أشياء، فالإحاطة بيد من يعلم ما في الأرض والسماء. اهـ.
стр. 830
الروايات التي اعتمد عليها:
ساق القاضي عِياض في أول الكتاب أسانيده للكتب الثلاثة، فذكر أسانيد الصحيح بعد ذكر أسانيده إلى الموطأ قائلا (١):
وأما الكتاب الجامع المسند الصحيح المختصر من آثار رسول الله ﷺ للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل، البُخارِيّ المولد والمنشأ والدار، الجعفي النسب بالولاء، فقد وصل إلينا من رِواية أبي عبد الله محمد بن يوسف الفَرَبْريّ، وأكثر الروايات من طريقه، ومن رِواية إبراهيم بن معقل النَسَفْيّ عن البُخارِيّ، ولم يصل إلينا من غير هذين الطريقين عنه، ولا دخل المغرب والأندلس إلا عنهما، على كثرة رواة البُخارِيّ عنه لكتابه.
فقد روينا عن أبي إسحاق المُسْتَمْلِيّ أنه قال: عن أبي عبد الله الفَرَبْريّ أنه كان يقول: روى الصحيح عن أبي عبد الله تسعون ألف رجل ما بقي منهم غيري.
فأما رِواية الفَرَبْريّ فرويناها من طرق كثيرة:
منها: طريق الحافظ أبي ذر عبد بن أحمد الهَرَويّ.
وطريق أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي.
وطريق أبي الحسن علي بن خلف القابسي.
وطريق كريمة بنت محمد المَرْوَزيّة.
وطريق أبي علي سعيد بن عثمان بن السكن البغدادي.
وطريق أبي علي إسماعيل بن محمد الكُشّانيّ.
وأبي علي محمد بن عمر بن شبوية.
وأحمد بن صالح الهمداني.
وأبي نعيم الحافظ الأصبهاني.
стр. 831
وأبي الفيض أحمد بن محمد المَرْوَزيّ، وغيرهم
فأما رِواية أبي ذر: فإني سمعتها، بقراءة غيري بجامع مدينة مرسية، لجميع الصحيح بها، على القاضي الشهيد أبي علي الحسين بن محمد الصَّدفي، وحَدَّثَنا بها عن القاضي أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، عن أبي ذر عبد بن أحمد الهَرَويّ، عن شيوخه الثلاثة: أبي محمد بن حموية السَّرْخَسي، وأبي إسحاق إبراهيم بن أحمد المُسْتَمْلِيّ، وأبي الهيثم محمد بن المكي الكُشْمِيهَني، كلهم عن الفَرَبْريّ، عن البُخارِيّ.
وأخبرني به الشيخ أبو عبد الله أحمد بن محمد بن غلبون بمدينة أشبيلية، عن أبي ذر الهَرَويّ إجازة.
وأما رِواية الأصيلي: فإني قرأت بها جميع الكتاب على الفقيه الشيخ أبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتاب بمدينة قرطبة، وحدثني به، عن أبيه، عن أحمد بن ثابت الواسطي وغيره، عن الأصيلي، عن أبي زيد محمد بن أحمد المَرْوَزيّ وأبي أحمد محمد بن محمد بن يوسف الجُرْجانيّ كلاهما، عن الفَرَبْريّ، قال لي أبو محمد بن عتاب: وأجازنيها الفقيه أبو عبد الله بن نبأت عن الأصيلي.
قال القاضي أبو الفضل ﵀: وكتب إلي بها إجازة بخط يده الحافظ أبو علي الحسين بن محمد الجَيّانيّ، وحدثني بها مشافهة الكاتب أبو جعفر أحمد بن طريف حدثاني به جميعا عن القاضي سراج بن محمد بن سراج عن الأصيلي.
قال الجَيّانيّ: وحدثني بها أيضا أبو شاكر عبد الواحد بن موهب عنه، وعارضت كتابي بأصل الأصيلي، الذي بخطه حرفا حرفا، وكذلك عارضت مواضع إشكاله بأصل عبدوس بن محمد الذي بخطه أيضا، وروايته فيه عن المَرْوَزيّ.
стр. 832
وأما رِواية القابسي: فحدثني بها سماعا وقراءة وإجازة أبو محمد بن عتاب، وأبو علي الجَيّانيّ وغير واحد قالوا: نا أبو القاسم حاتم بن محمد الطرابلسي، عن أبي الحسن القابسي، عن أبي زيد المَرْوَزيّ، عن الفَرَبْريّ.
وأنا بها أحمد بن محمد عن الفقيهين أبي عمران موسى بن عيسى الفاسي، وأبي القاسم عبد الرحمن بن محمد الحضرمي، بالإجازة عن القابسي.
ولنا فيه أيضا رِواية من طريق القاضي أبي القاسم المهلب بن أبي صفرة عنه
وأما رِواية أبي علي بن السكن: فحدثني بها أبو محمد بن عتاب، عن أبيه، عن أبي عبد الله بن نبأت، عن أبي جعفر بن عون الله ومحمد بن أحمد بن مفرج، عن أبي علي بن السكن، عن الفَرَبْريّ.
قال أبو محمد بن عتاب: وأجازنيها ابن نبأت المذكور
قال القاضي ﵀: حَدَّثَنا بها الشيخ أبو علي الجَيّانيّ، فيما كتب إلينا به.
وحَدَّثَنا به القاضي أبو عبد الله بن عيسى سماعا لأكثره عنه قال: حَدَّثَنا بها القاضي أبو عمر بن الحذاء، وأبو عمر بن عبد البر الحافظ قالا: حَدَّثَنا أبو محمد عبد الله بن أسد، عن ابن السكن.
قال القاضي ﵀: وحَدَّثَنا به أبو محمد بن عتاب، عن أبي عمر بن الحذاء، إجازة منه له.
وأما رِواية كريمة فحدثني بها الشيخ أبو الأصبغ عيسى بن أبي البحر الزهري، والخطيب أبو القاسم خلف بن إبراهيم المقري، والشيخ أحمد بن خليفة بن منصور الخزاعي إجازة، وغير واحد كلهم عن كريمة بنت محمد سماعا عن أبي الهيثم الكُشْمِيهَني، عن الفَرَبْريّ.
стр. 833
وأما رِواية أبي علي الكُشّانيّ فإن القاضي الحافظ أبا علي حَدَّثَنا بها عن أبي الحسن علي بن الحسين بن أيوب البزاز سماعه منه ببغداد، عن أبي عبد الله الحسين ابن محمد الخلال، عن أبي علي الكُشّانيّ، عن الفَرَبْريّ
وأما رِواية أبي إسحاق النَسَفْيّ فكتب إلي بها الشيخ الحافظ أبو علي الحسين بن محمد الغساني، وسمعت على القاضي أبي عبد الله التميمي كثيرًا مما قيد منها عنه قال: حدثني بها أبو العاصي حكم بن محمد الجذامي عن أبي الفضل بن أبي عمران الهَرَويّ، عن أبي صالح خلف بن محمد الخيام البُخارِيّ، عن إبراهيم بن معقل النَسَفْيّ، عن البُخارِيّ إلا أن النَسَفْيّ فاته من آخر الكتاب شيء من كتاب الأحكام، إلى باب قوله تعالى: «يريدون أن يبدلوا كلام الله» فإنه إجازة من البُخارِيّ للنسفي، ثم ما بعده لم يكن في رِواية النَسَفْيّ، إلى آخر الكتاب، وذلك نحو عشرة أوراق لم يرو منها إلا تسعة أحاديث أول الكتاب آخرها طرف من حديث الإفك.
التعليق على الروايات:
أولًا: روى الصحيح عن البُخارِيّ من روايتين رِواية الفَرَبْريّ ورِواية النَسَفْيّ.
ثانيًا: رِواية الفَرَبْريّ وقعت له من طريق سبعة رواه وهم:
١ - المُسْتَمْلِيّ.
٢ - الكُشْمِيهَني.
٣ - السَّرْخَسي.
هؤلاء الثلاثة من رِواية أبي علي الصَّدفي، عن أبي الوليد الباجي، عن أبي ذر الهَرَويّ عنهم.
كما وقعت له رِواية الكُشْمِيهَني من طريق كريمة المَرْوَزيّة عنه.
стр. 834
٤ - أبو زيد المَرْوَزيّ من طريقين: من طريق الأصيلي، ومن طريق القابسي، كلاهما عنه.
٥ - أبو أحمد الجُرْجانيّ من طريق الأصيلي.
٦ - ابن السكن من طريق أبي محمد عبد الله بن أسد الجهني وغيره عنه.
٧ - أبو علي الكُشّانيّ من طريق أبي عبد الله الخلال عنه.
أما رِواية النَسَفْيّ فوقعت له من طريق أبي العاصي حكم بن محمد الجذامي عن أبي الفضل بن أبي عمران الهَرَويّ، عن أبي صالح خلف بن محمد الخيام البُخارِيّ عنه.
ثالثًا: كل هذه الروايات وقعت له سماعًا وبعضها وقعت له إجازة أيضًا كرِواية أبي ذر عن شيوخه الثلاثة، ورِواية الأصيلي، ورِواية ابن السكن، ورِواية النَسَفْيّ.
قيمة الكتاب من حيث الروايات:
الكتاب يعد بحق من أهم ما ألف لبيان الاختلاف بين الروايات، والتمييز بينها مع بيان وجه الصواب فيها.
- وتبرز قيمته في نسبة اختلافات كثيرة، وخاصة إذا لاحظنا عدد الروايات التي اعتمد عليها القاضي عِياض.
- يشتمل على الاختلافات التي وقعت من قبل الرُّواة في السند والمتن، حيث لم يقتصر على ألفاظ السند فقط كما فعل أبو علي الجَيّانيّ في تقييد المهمل.
- أنه مرتب على حروف المعجم مما يسهل الوصول إلى الكلمة المراد الوصول إليها، حتى ولو كان الترتيب على طريقة المغاربة.
- أن مؤلفه لديه صناعة حديثية ودقة علمية ومنهج في الرِّواية فريد مما جعله يقارن بين هذه الروايات مُنزلًا كل رِواية منزلتها من حيث الصحة
стр. 835
وعدمها ومبينًا ما كان سببه التصحيف أو غيره.
- أنه يحكي الاختلاف في أصح ثلاثة كتب، وأكثر الكتب خدمة من العلماء المسلمين، وهي موطأ مالك والصحيحين.
- أن مؤلفه يأتي بما يعضد رِواية الحديث بالروايات الأخرى له، أو صحيح لغة العرب أو غير ذلك.
- أن صنيعه هذا يكاد يكون بطريقة الحصر، بحيث يستطيع الباحث الوقوف على جل الاختلافات في الكتب الثلاثة، مما يعطي تصورًا جزئيًا للروايات، وخاصة تلك الروايات التي لا توجد لها نصوص كاملة.
كل ذلك وغيره جعل كل الشراح أمثال ابن الملقن، وابن حجر (١) والقَسْطَلّانِيّ، وغيرهم ينقلون من أقوال القاضي في «المشارق» فيما يتعلق بهذا الباب أو غيره.
وبالجملة: الكتاب له قيمة كبيرة لمن أراد أن يحرر رِواية معينة من الروايات التي اعتمد عليها.
وأختم بهذه الكلمات التي قالها مؤلف الكتاب، وهو يبين لنا منزلة الكتاب يقول القاضي عِياض في المقدمة (٢):
رجوت ألا يبقى على طالب معرفة الأصول المذكورة إشكال، وأنه يستغني بما يجده في كتابنا هذا عن الرحلة لمتقني الرجال، بل يكتفي بالسماع على الشيوخ، إن كان من أهل السماع والرِّواية، أو يقتصر على درس أصل مشهور الصحة، أو يصحح به كتابه ويعتمد فيما أشكل عليه
стр. 836
على ما هنا، إن كان من طالبي التفقه والدراية.
فهو كتاب يحتاج إليه الشيخ الراوي، كما يحتاج إليه الحافظ الواعي، ويتدرج به المبتدئ كما يتذكر به المنتهي، ويضطر إليه طالب التفقه والاجتهاد، كما لا يستغنى عنه راغب السماع والإسناد، ويحتج به الأديب في مذاكرته، كما يعتمد عليه المناظر في محاضرته.
وسيعلم من وقف عليه من أهل المعرفة والدراية قدره، ويوفيه أهل الإنصاف والديانة حقه، فإني نخلت فيه معلومي، وبثته مكتومي، ورصعته بجواهر محفوظي ومفهومي، وأودعته مصونات الصنادق والصدور، وسمحت فيه بمضنونات المشائخ والصدور، مما لا يبيحون خفى ذكره لكل ناعق، ولا يبوحون بسره في متداولات المهارق، ولا يقلدون خطير دره إلا لبات أهل الحقائق، ولا يرفعون منها راية إلا لمن يتلقاها باليمين، ولا يودعون منها آية إلا عند ثقة أمين.
وقد ألفته بحكم الاضطرار والاختيار، وصنفته منتقى النكت من خيار الخيار، وأودعته غرائب الودائع والأسرار، وأطلعته شمسا يشرق شعاعها في سائر الأقطار، وحررته تحريرا تحار فيه العقول والأفكار، وقربته تقريبا تتقلب فيه القلوب والأبصار، وسميته بمشارق الأنوار على صحاح الآثار.
طبعات الكتاب
وقفت للكتاب على طبعتين:
الأولى: طبعة سنة ١٣٣٣ من الهجرة النبوية، طبع ونشر المكتبة العتيقة بتونس، ودار التراث بالقاهرة، وهي في مجلدين من القطع الكبير.
والطبعة الثانية: سنة ١٤٠٢ هـ طبعتها وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، بدولة المغرب بأمر من الملك الحسن الثاني.
وهي في مجلدين من القطع الصغير، بتحقيق البلعمشي أحمد يكن.
стр. 837
كتاب «مَطالِعُ الْأَنْوارِ عَلَى صِحاحِ الْآثارِ» لابن قُرْقُول ٥٠٥ - ٥٦٩ ه ـ
المؤلف (١):
هو الإمام العلامة، أبو إسحاق، إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن باديس بن القائد، الْحَمْزِي (٢) الوهراني، المعروف بِابْنِ قُرْقُول (٣).
ولد بِالْمَرِيَّةِ (٤) إحدى مدائن الأندلس في صفر سنة خمس وخمسمائة.
أما شيوخه ﵀ فأئمة يحتذى، ومن أشهرهم:
١ - محمد بن خلف بن موسى، أبو عبد الله الأنصاري الأندلسي، المتكلم، نزيل قرطبة (٥).
٢ - محمد بن حكيم بن محمد بن أحمد بن الحزامي من أهل
стр. 838
سرقسطة (٥٣٨) هـ (١).
٣ - إبراهيم بن أبي الفتح بن عبيدالله بن خفاجة الهواري الشاعر من أهل جزيرة شقر يكنى أبا إسحاق (٢).
تلاميذه:
١ - أحمد بن سلمة بن أحمد بن يوسف الأنصاري يعرف بابن الصيقل ويكنى أبا جعفر وأبا العباس (٥٩٨) هـ (٣).
٢ - أحمد بن محمد بن أحمد البكري من أهل شريش يكنى أبا العباس (٦١١) هـ (٤).
٣ - أبو بكر بن خلف الأنصاري القرطبي، القاضي أبو يحيى (٥٩٩) هـ (٥).
ثناء العلماء عليه:
قال الإمام الذَّهبي: كان رحالًا في العلم نقالًا فقيهًا نظارًا أديبًا نحويًّا عارفًا بالحديث ورجاله، بديع الكتابة، وكان من أوعية العلم له كتاب «المطالع» على الصحيح غزير الفوائد.
وقال ابن خلكان: كان من الأفاضل وصحب جماعة من علماء الأندلس.
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي: كان ثقة مأمونًا.
стр. 839
وقال ابن الأبار: وكان رحالًا في العلم فقيهًا نظارًا أديبًا حافظًا يبصر الحديث ورجاله، صنف وكتب الخط الأنيق، وأخذ الناس عنه.
وقال الحسيني: وكان رحالًا في طلب العلم، حريصًا على لقاء الشيوخ، فقيهًا نظارًا أديبًا حافظًا يبصر الحديث ورجاله، وقد صنف وألف مع براعة الخط وحسن الوراقة، حدث وأخذ عنه الناس.
وقال ابن العماد: كان من الفضلاء الصلحاء، وكان من أئمة أهل المغرب فقيهًا مناظرًا متفننًا حافظًا للحديث بصيرًا بالرجال، صحب علماء الأندلس، وكتابه ضاهى به «مشارق الأنوار» للقاضي عياض.
وفاته:
توفي ﵀ بمدينة فاس يوم الجمعة أول وقت العصر سادس شوال سنة تسع وستين وخمسمائة.
منهج الحافظ ابن قرقول في كتاب «المطالع»:
لقد سار على نفس طريقة القاضي عياض في كتابه «المشارق» في الترتيب والمضمون، ولذا تجد المصنف ينقل عن «المشارق» نقولات طويلة أحيانًا يشير إلى أنه نقل، وأخرى لا يشير فيها، وربما نقل منها بتصرف مع زيادات وتصويبات.
وذلك يرجع إلى أن عمل ابن قرقول في الأصل مكمل لعمل القاضي عياض، بل إنه استدرك عليه بعض الألفاظ التي كان يجب وضعها، وذكر كثير من الأوهام التي وقعت للقاضي عياض.
وقد بين المصنف منهجه في مقدمة الكتاب وهي مستوحاه من مقدمة القاضي.
قال ابن قرقول: ثم لما جمع عزمي على النظر في ذلك والتفرغ له وقتًا من نهاري وليلي، قسمت له حظًّا من تكاليفي وشغلي بالجلوس
стр. 840
للعامة للتذكير والتعليم، ثم للخاصة للرواية والتسميع، رأيت ترتيب هذا الغريب على حروف المعجم أقرب وأفهم، وأخلص من التكرار للألفاظ بحسب تكررها في هذه الأمهات وأسلم، تيسيرًا على الطالب ومعونة للمجتهد الراغب.
فإذا وقف قارئ مصنف من هذه المصنفات على غريب أو كلمة مشكلة أو تسمية مهملة، فزع إلى الحرف الذي في أولها، إن كان صحيحًا طلبه في الصحيح، وإن كان مضاعفًا أو معتلًّا أو مهموزًا طلب كلًّا في بابه، ونسقت أبوابه على نسق حروف المعجم عندنا بالمغرب.
وبدأت في أول كل حرفٍ منه بالألفاظ الواقعة في متون الأحاديث، دون أسماء الرجال والبقاع، ثم إذا فرغت من جميع الحرف عطفت عليه بأسماء الرواة والبقاع، هكذا حرفًا بعد حرفٍ إلى آخر الحروف، مقيدًا كله بما يعصمه إن شاء الله من التغيير والتصحيف والتبديل والتحريف؛ ليكون عصمة لمن اعتصم به، وعتادًا لمن لجأ إليه من أصحابي الآخذين عني.
فمن فاته شيء من التقييد عني بغفلةٍ أو نسيان أو تضييع وإهمال استدركه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
ثم ليعلم قارئ هذا الكتاب أني لم أضعه لشرح اللغات وتفسير المعاني وتبيين وجوه الإعراب؛ بل لحفظ الرواية وتقييد السماع، وتمييز المشكل وتقييد المهمل، وفتح ما استغلق من تلك اللغات، وتوجيه ما اختلف فيه الروايات، وجبذ منادها إلى جهة الصواب، على قدر ما فتح لي من مبهم هذه الأبواب.
والكتاب يذكر فيه ابن قرقول اختلاف الروايات، ومصدره في هذه الروايات - في غالب ظني - الكتب والمصادر التي استقى منها مادته العلمية للكتاب، وعلى رأسها كتاب القاضي عياض، ولم يذكر روايته لهذه الكتب
стр. 841
كما فعل القاضي عياض.
وكتاب «المطالع» له أهميةٌ كبيرةٌ جدًّا عند أهل العلم خاصَّة، ويعتبر من أهم الكتب التي ألفت على «الموطأ» و «الصحيحين».
وقد اعتمد أئمة أهل العلم على كتاب «المطالع» للحافظ ابن قرقول اعتمادًا كبيرًا، ونقلوا عنه واعتبروه مصدرًا رئيسيًّا في ذلك، وقد صرَّح بذلك الكثير من الأئمة في كتبهم.
واعتمد الأئمة عليه في ضبط الروايات وأسماء الرجال والبلدان اعتمادًا كبيرًا، حتى امتلأت مصنفات أكابر علمائنا بالنقل عن هذا الكتاب، كالحافظ ابن الملقن، والحافظ ابن حجر، والإمام النووي، والإمام العيني في شروحهم.
بل واعتمد عليه أهل اللغة، كمصدرٍ أساسيٍّ في تجميع مادة كتبهم، وضبط ما يشكل من الألفاظ، ومنهم من صرَّح بذلك في مقدمة كتابه، كالإمام الزبيدي في مقدمة كتابه «تاج العروس» (١).
كما نقل من الكتاب كل من السيوطي في مصنفاته (٢). والإمام الحافظ شمس الدين الذَّهبي (٣).
وقد اعتنى بهذا الكتاب بعض أهل العلم:
стр. 842
- فقام بنظمه الإمام العلامة محمد بن محمد بن عبد الكريم بن رضوان بن عبد العزيز، البعلي المولد، الشافعي المذهب، الشيخ شمس الدين، المعروف بابن الموصلي (١).
- وقام بتهذيبه الإمام العلامة، محمود بن أحمد بن محمد النور، الهمذانى، الفيومي الأصل الحموي، الشافعي، المعروف بابن خطيب الدهشة (٢).
وأيضًا اختصره الإمام إبراهيم بن محمد الغساني في كتاب سماه «المختار من مطالع الأنوار».
ويوجد للكتاب عدة نسخ خطية منها:
١ - النسخة الخطية المحفوظة بدار الكتب المصرية، حفظها الله تحت رقم (٨٦ لغة تيمور).
وهي نسخة خطية، متقنة كاملة عليها بلوغ مقابلات، وناسخها غير معروف، كتبت سنة ٨٢٢ هـ بخط نسخي معتاد، وعدد أوراقها: ٢٧٣ ورقة،
стр. 843
وعدد الأسطر في كل ورقة ٢٩ سطر.
٢ - النسخة الخطية المحفوظة بمعهد المخطوطات تحت رقم (٤٧٤ حديث)
وهي نسخة خطية متقنة عليها بلوغ مقابلات، والموجود منها الجزء الثاني منها، ويبدأ بحرف اللام.
وناسخها أحمد بن عمر بن رشيد الصواف.
وذلك في سنة ٦٣٣ هـ بدار الحديث الأشرفية.
بخط نسخي معتاد، وعدد أوراقها: ٢٨٣ ورقة، وعدد الأسطر في كل ورقة ٢٤ سطر.
٣ - النسخة الخطية المحفوظة بدار الكتب المصرية حفظها الله تحت رقم (٤٧٤ حديث).
وهي نسخة خطية في مجلدين، كثيرة التحريف، وبها خرم في أول المجلد الثاني.
وناسخها محمد بن علي الدموسي.
وذلك في سنة ٧٧٨ هـ بخط نسخي معتاد، وعدد أوراقها: ٤٢٤ ورقة، وعدد الأسطر في كل ورقة ٢٤ سطر (١).
стр. 844
خاتمة الباب الثالث
مما سبق يتبين أن عناية الأمة الإسلامية بضبط الاختلافات الواردة بين الروايات لصحيح البخاري، كانت عناية تامةً وتمثلت هذه العناية في أمور:
أولها: الحرص على رواية الصحيح وانتفاء أصح الروايات لتحملها، حتى اشتهر عن المشارقة بعض الروايات، وعند المغاربة روايات أخرى.
ثانيها: الحرص على الجمع بين أكثر من نسخة في كتاب واحد، مثل ما فعله أبو ذر الهروي والإمام اليونيني.
ثالثها: تقييد الاختلافات بين الروايات وتوجيهها، وأفضل من قام بذلك: أبو علي الجياني، والقاضي عياض، وابن حجر العسقلاني، وشهاب الدين القسطلاني.
كما يمكن استخلاص هذه النتائج:
١ - أن عمل اليونيني أفضل عمل حتى الآن يمثل جملة من الروايات مميزةً ومعزوةً إلى أصحابها.
٢ - أن الطبعة السلطانية التي طبعت سنة (١٤١١) هـ هي أفضل الطبعات التي تمثل عمل اليونيني، وأفضل المصورات لها مصورة دار طوق النجاة.
٣ - من أفضل الطبعات أيضًا طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية المصرية، حيث تم إثبات الاختلافات بين الروايات في الهامش بعد فك الرموز الدالة عليها.
٤ - أن المغاربة كان لهم دور بارز في حفظ التراث المتعلق بالصحيح، ويتمثل ذلك في احتفاظهم بنسختين يتمتعان بدرجة عالية من الدقة.
وهما نسخة أبي علي الصدفي (٥١٤) هـ ونسخة أبي عمران ابن سعادة (٥٢٢) هـ.
стр. 845
النتائج العامة للبحث
هذا البحث يتناول ثلاثة جوانب تتعلق باختلاف الروايات، ولكل جانب باب مستقل:
الأول: التعريف بأصحاب الروايات، وتبين من خلال هذا الباب ما يلي:
١ - إنه لم توجد دراسة تناولت التعريف بهذه الروايات بما يميزها عن غيرها.
٢ - أشهر الروايات عن البخاري هي رواية الفربري؛ وذلك لعوامل وأسباب أدت إلى ذلك؛ مما يدل على تواتر «الصحيح» عن البخاري؛ لأن الفربري كان عنده أصل «صحيح البخاري».
٣ - أشهر الروايات على الإطلاق رواية أبي ذر الهروي عن شيوخه الثلاثة.
٤ - أن أقدم مخطوط يعرف الآن للصحيح هو القطعة الموجودة في مجموعة المستشرق منجانا وهي برواية أبي زيد المروزي المتوفى سنة (٣٧١) هـ عن الفربري وكتبت في حياته.
٥ - توجد نسخ مخطوطة لعدة روايات منها رواية ابن السكن ورواية أبي ذر الهروي وهي كثيرة وقد ذكرت كثيرًا منها في موضعه.
٦ - هناك روايات كثيرة أخرى اشتهرت بين العلماء ومنها رواية الأصيلي ورواية أبي الوقت ورواية كريمة المروزية.
أما الجانب الثاني فكان في دراسة الاختلافات التي وقعت بين الرواة، وكان ذلك من خلال بيان صورها وأسبابها ونتائجها وعناية العلماء بتوجيهها، وهذا الجانب جعلته الباب الثاني من البحث، وقد