← Книги сунны

Книги сунны · id 17063

كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح

الصدر المناوي

Полный текст (2 643 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قلت: رواه البخاري في الجنائز واللفظ له ومسلم في القدر، وأبو داود في السنة من حديث أبي هريرة (١). وتُنتَج: بضم التاء الأولى وفتح الثانية ورفع البهيمة ونصب بهيمة أي كما تلد البهيمة بهيمة. وجمعاء: بالمد أي مجتمعة الأعضاء سليمة من النقص. وجدعاء: بالمد مقطوعة الآذان أو غيرها من الأعضاء، ومعناه: أن البهيمة تلد البهيمة كاملة الأعضاء لا نقص فيها وإنما يحدث فيها النقص بعد ولادتها من الجدع وغيره. ٧٠ - قال قام فينا رسول الله ﷺ : بخمس كلمات فقال: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفِضُ القِسْطَ ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقَتْ سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خَلْقه". قلت: رواه مسلم في الإيمان، وابن ماجه في السنة، من حديث أبي موسى الأشعري واسمه عبد الله بن قيس (٢). والقسط: الميزان وقد جاء مصرحًا به في رواية أبي هريرة: يرفع الميزان ويخفِضه وفسر بعضهم القسط هنا بالرزق أي يقتّره ويوسِّعه، ويحتمل أن يراد برفع الميزان ما يوزن من الأرزاق النازلة من عنده تعالى وأعمالهم المرتفعة إليه، قال النووي (٣): ذهبوا إلى أن معنى سبحات وجهه: نوره وجلاله وبهاؤه، وأما الحجاب: فأصله في اللغة المنع والستر، وحقيقته إنما يكون للأجرام المحدودة والله تعالى منزه عن ذلك والمراد هنا: مجرد

стр. 107

المنع من رؤيته، وسُمّي نورا ونارًا لأنهما يمنعان من الإدراك في العادة لشعاعهما، والمراد بالوجه: الذات المقدسة وبما انتهى إليه بصره، من خلقه: جميع المخلوقات، لأن بصره تعالى محيط بجميع الكائنات، ولفظة "من" لبيان الجنس. ٧١ - قال رسول الله ﷺ : "يد الله ملأى لا تَغيضها نفقة سَحّاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق مُذْ خلقَ السموات والأرض فإنه لم يَغِض ما في يده، وكان عرشه على الماء، وييده الميزان يخفض ويرفع". وفي رواية: يمين الرحمن ملأَى سحاء. قلت: رواه البخاري في التوحيد وفي تفسير سورة هود، ومسلم في الزكاة، وأبو داود في التفسير، والنسائي في النعُوت، وابن ماجة في السنة، كلهم من حديث أبي هريرة (١) ولفظ "يد الله" للبخاري دون مسلم ولفظ مسلم وكذا البخاري في بعض طرقه يمين الله قوله ﷺ : يد الله ملأ، (٢) قال عياض (٣): كذا رويناه وهي عبارة عن كثرة الجود، وسعة العطاء ورواه بعضهم في كتاب مسلم مَلَى بفتح اللام على وزن بَلَى على نقل حركة الهمزة. ووقع في مسلم أيضًا من رواية ابن نمير ملآن قال النووي (٤): وهو غلط منه وصوابه ملأى كما في سائر الروايات ثم ضبطوا رواية ابن نمير بوجهين أحدهما: إسكان اللام وبعدها همزة والثاني: ملآن بفتح اللام بلا همزة.

стр. 108

لا يغيضها: قال الجوهري (١): يقال غاض الماء يغيض غيضًا أي قل ونضب. وسحّاء: ضبطوه بوجهين أحدهما: سحاء بالتنوين على المصدر وهذا هو الأصح الأشهر، والثاني: سحاء بالمد على الوصف ووزنه فعلاءَ صفة لليد، والسح: الصب الدائم، والليل والنهار منصوبان على الظرف. ٧٢ - أبو هريرة قال: وسئل رسول الله ﷺ عن ذراري المشركبن، فقال: "الله أعلم بما كانوا عامِلين". قلت: رواه البخاري في الجنائز، وفي القدر، ومسلم هنا، والنسائي في الجنائز، من حديث عطاء بن يزيد عن أبي هريرة، ورووه أيضًا في الأبواب المذكورة بنحوه، وأبو داود في السنة من حديث ابن عباس. (٢) من الحسان ٧٣ - قال رسول الله ﷺ : "إن أول ما خلق الله القلم فقال له: كتب، قال: ما أكتب؟ قال: القدر، ما كان وما هو كائن إلى الأبد". غريب. قلت: رواه الترمذي في القدر مطولًا بعضه من حديث عبد الواحد عن عطاء ابن أبي رباح عن الوليد عن عبادة بن الصامت عن أبيه يرفعه بهذا اللفظ، وقال: حديث حسن صحيح غريب ورواه أبو داود في السنة مع اختلاف في لفظه من حديث أبي حفصة (٣).

стр. 109

وهو حُبَيْش الحبشي ويقال له أبو حفص، قال: قال عبادة بن الصامت: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: رب وماذا أكتب قال: اكتب مقادير كل شئ حتى تقوم الساعة يا بني! سمعت رسول الله ﷺ يقول: من مات على غير هذا فليس مني. ٧٤ - سئل عن هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ الآية. قال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يسأل عنها، فقال: "إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل: ففيم العمل يا رسول الله؟ ففال رسول الله ﷺ : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيُدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعملَه بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فُيدْخله به النار". قلت: رواه أبو داود في السنة والترمذي والنسائي كلاهما في التفسير والحاكم في المستدرك في كتاب الإيمان، كلهم من حديث مسلم بن يسار أن عمر سئل عن هذه الآية إلى آخر الحديث، فقال الحاكم: على شرط الشيخين واعترضه الذهبي، فقال: فيه

стр. 110

إرسال، وقال الترمذي: حسن، (١) ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر قال المنذري:

стр. 111

وذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رجلًا وقال أبو القاسم حمزة بن محمد: لم يسمع مسلم بن يسار هذا من عمر، رواه نُعيم بن ربيعة عن عمر. وقال ابن عبد البر: هذا حديث منقطع بهذا الإسناد، لأن مسلم بن يسار هذا لم يلق عمر بن الخطاب، وبينهما في هذا الحديث نعيم بن ربيعة، وهذا -أيضًا مع هذا الإسناد- لا تقوم به حجة، ومسلم بن يسار هذا مجهول قيل: إنه مدني، وليس بمسلم بن يسار البصري، قال: وجملة القول في هذا الحديث أن إسناده ليس بالقائم لأن مسلم بن يسار ونعيم بن ربيعة جميعًا غير معروفين بحمل العلم، ولكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي ﷺ من وجوه ثابتة كثيرة يطول ذكرها من حديث عمر بن الخطاب وغيره انتهى ما نقله المنذري عن ابن عبد البر وغيره. (١) ٧٥ - قال: خرج رسول الله ﷺ وفي يده كتابان، فقال: "للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء، آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا" ثم قال للذي في شماله: "هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء، آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا" ثم قال: "بيده فنبذهما ثم قال: فرغ ربكم من العباد ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ ". قلت: رواه الترمذي في القدر، والنسائي في التفسير من حديث ابن عمرو، وقال

стр. 112

الترمذي: حسن صحيح. (١) ٧٦ - قلت: يا رسول الله أرأيت رُقى نسترقيها ودواءً نتداوى به وتُقاة نَتَّقيها، هل تَردّ من قَدَر الله شيئًا؟، قال: "هي من قدر الله". قلت: رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما في الطيب من حديث أبي خِزامة عن أبيه وقال الترمذي: حسن صحيح وقد اختلف فيه فروي هكذا وروى عن ابن أبي خزامة عن أبيه قال الترمذي: والأول أصح، قال: ولا يعرف لأبي خزامة عن أبيه غير هذا ورواه ابن ماجه عن ابن أبي خزامة عن أبيه ورواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين في كتاب الإيمان وصححه (٢).

стр. 113

٧٧ - خرج رسول الله ﷺ علينا ونحن نَتَنازع في القَدَر فغَضب حتى احمرّ وجهه، فقال: "أبهذا أُمِرتم أَمْ بهذا أُرسِلتُ إليكم، إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر عزمت عليكم أن لا تنازعُوا فيه" (غريب). قلت: رواه الترمذي في القدر من حديث أبي هريرة، وقال: لا نعرفه إلا من طريق صالح المُرِّي، وصالح له غرائب تفرد بها انتهى (١). وصالح قال أبو داود: لا يكتب حديثه. قال الذهبي: ضعفوه ولم يخرج له سوى الترمذي من أصحاب الكتب الستة فيها. ٧٨ - قال رسول الله ﷺ : "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، ويين ذلك والسَّهل، والحَزْن، والخبيثُ والطَّيّبُ". قلت: رواه أبو داود في السنة والترمذي في التفسير كلاهما من حديث أبي موسى وقال الترمذي: حسن صحيح. (٢)

стр. 114

والسهل: هو الذي فيه رفق ولين، والحزن: الذي فيه عنف وغلظ. ٧٩ - سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله خلق خلقَه في ظُلْمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابَه من ذلك النور اهتدى، ومَن أخطأهُ ضَلّ، فلذلك أقول: جفّ القلم على عِلم الله". قلت: رواه الترمذي في الإيمان عن الحسن بن عرفة عن إسماعيل بن عياش عن يحيى بن أبي عمرو السَّيْباني عن عبد الله بن الديلمي قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول إن الله خلق خلقه، وساقه. (١) فائدة مهمة: ذكر المزي والذهبي الحسن بن عرفة ووثقاه، وقالا: أخرج له الترمذي وابن ماجه، وذكرا: ابن عياش هذا وقالا: روى له أصحاب السنن، وذكرا: يحيى بن أبي عمرو السَّيْباني ووثقاه، وقالا: أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجه واقتصرا على ذلك ولم يذكرا له علامة الترمذي بل أسقطاها وكان من حقهما أن ينّبها على أن الترمذي أخرج له، وكذلك فعلا في عبد الله بن فيروز الديلمي ﵁ ووثقاه، وقالا: أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجه ولم يذكرا الترمذي وهو في الترمذي كما ذكرت لك. ولم أر المزي ذكر هذا الحديث في "الأطراف" في مسند عبد الله بن عمرو من رواية عبد الله بن الديلمي، وقد راجعت نسخًا أصولًا من الترمذي فرأيت الحديث ثابتًا في جميعها من غير اختلاف (٢).

стр. 115

تنبيه: يحيى بن أبي عمرو السَّيْباني بالسين المهملة المفتوحة وسكون الياء المثناة من تحت ثم باء موحدة مفتوحة وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى سيبان وهو بطن من حمير. وقد خرج هذا الحديث مطولًا الحاكم في المستدرك في كتاب الإيمان، وقال: هو على شرط الشيخين رواه من طريق الأوزاعي، قال: حدثني ربيعة بن يزيد ويحيى بن أبي عمرو السيباني، قالا: حدثنا عبد الله بن فيروز، قال: دخلت على عبد الله بن عمرو بن العاص وهو في حائط له في الطائف، يقال له الوهط وهو محاصر فتى من قريش وذلك الفتى يُزَنّ بالشرب فقلت لعبد الله: خصال تبلغني عنك تحدث بها عن رسول الله ﷺ : من شرب الخمر شربة لم تقبل توبته أربعين صباحًا فاختلج الفتى يده من يد عبد الله، ثم ولى وإن الشقي من شقي في بطن أمه، وأنه من خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة ببيت المقدس خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه فقال: اللهم إني لا أحل لأحد أن يقول عليَّ ما لم أقل، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا. فلا أدري في الثالثة أو الرابعة قال: فإن عاد كان حقًّا على الله أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة وسمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليها من نوره فمن أصابه من ذلك النور يومئذ شيء، اهتدى، ومن أخطاه ضَلّ، فلذلك جف القلم على علم الله، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: إن سليمان سأل ربه ثلاثًا فأعطاه اثنتين ونحن نرجو أن يكون أعطاه الثالثة، سأله حكمًا يصادف حكمه فأعطاه إياه، وسأله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد أن يخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه، ونحن نرجو أن يكون أعطاه إياه. وقال: حديث صحيح وقد تداولته الأئمة وقد احتجا بجميع رواته ولم يخرجاه ولا

стр. 116

أعلم له علة (١). والله أعلم. وردغة الخبال: بالدال المهملة وبالغين المعجمة وقد فسره في حديث آخر أنها عصارة أهل النار. ٨٠ - كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: "يا مقلِّب القلوب ثَبِّت قلبي على دينك، فقلت: يا نبي الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ "، قال: نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يُقلِّبها كيف يشاء". قلت: رواه الترمذي في هذا الباب من حديث أبي سفيان واسمه طلحة بن نافع عن أنس قال: ورواه بعضهم عن أبي سفيان عن جابر وحديث أبي سفيان عن أنس أصح، انتهى كلام الترمذي، ورجاله رجال مسلم في الصحيح. (٢) ٨١ - قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ القلب كريشةٍ بأرض فلاةٍ تقلّبها الرياح ظهرًا لبطن". قلت: رواه ابن ماجه في هذا الباب من حديث غنيم بن قيس عن أبي موسى وليس فيه ظهرًا لبطن، ورواه في شرح السنة بتمامه وسند ابن ماجة جيد. (٣) ٨٢ - قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر". قلت: رواه الترمذي هنا ورجاله رجال الصحيحين ورواه ابن ماجه في السنة كلاهما عن علي بن أبي طالب. (٤) ٨٣ - قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة

стр. 117

والقدرية" غريب. قلت: رواه الترمذي هنا وابن ماجه في السنة وقال الترمذي: حسن غريب انتهى (١). وفي سندهما علي بن نزار عن أبيه نزار قال الذهبي (٢): هما ضعيفان قال ابن عدي: هذا الحديث أنكروه على علي وعلى والده وقال ابن حبان: يأتي نزار عن عكرمة بأحاديث حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمّد لذلك. ٨٤ - قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يكون في أمتي خسف ومسخ وذلك في المكذبين بالقدر". قلت: رواه أبو داود في السنة والترمذي في القدر وابن ماجه في الفتن من حديث ابن عمر وحسّنه الترمذي (٣). ٨٥ - عن النبي ﷺ : "القَدَريّة مجوسُ هذه الأمة، إن مَرِضُوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدُوهم".

стр. 118

قلت: رواه أبو داود في السنة (١) من حديث عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، قال المنذري (٢): وهو منقطع وأبو حازم: بالحاء المهملة واسمه سلمة بن دينار لم يسمع من ابن عمر وقد روي هذا الحديث من طرق عن ابن عمر ليس منها شيء يثبت انتهى كلام المنذري. وقد رواه الحاكم في أوائل كتاب الإيمان وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر ولم يخرجاه انتهى. ٨٦ - عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم". قلت: رواه أبو داود في السنة وسكت هو والمنذري عليه ورواه الحاكم وجعله شاهدًا لصحة الحديث الذي قبله (٣). ٨٧ - قال رسول الله ﷺ : "ستّة لعنتُهُمْ لعنهم الله وكل نبي مجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذّب بقدر الله، والمتسلّط بالجبروت، ليُعزّ مَن أذل الله ويُذل من أعَزّ الله، والمستحل لحُرَم الله، والمستحل مِن عِترتي ما حرّم الله، والتارك لسُنَّتي".

стр. 119

قلت: رواه الحاكم في "المستدرك" (١) في الإيمان من حديث عائشة وقال: حديث صحيح الإسناد ولا أعرف له علة ولم يخرجاه، وقد احتج البخاري بعبد الرحمن بن أبي الموال وعبد الرحمن هذا رواه عن عبيد الله بن مَوْهَب عن أبي بكر بن حزم عن عمرة عن عائشة، وأقره الذهبي على ما قال، وفي ذلك نظر، لأن عبيد الله بن موهب لم يخرج له الشيخان وقال أحمد: أحاديثه مناكير. قوله ﷺ : وكل نبي مجاب: من رواه بالميم أو بالياء مع الرفع فيهما فهو خبر وكل مبتدأ، والجملة معترضة والواو واو الحال، ومن رواه مجاب بالميم مع الجر فهو صفة لنبي، وكل على هذا معطوف على الجلالة تقديره: ولعنهم كل نبي مجاب. قوله ﷺ : المستحلّ لحُرَم الله: هو بضم الحاء وفتح الراء وزعم بعضهم أنه بفتحهما وما قدمنا أعم إلا أن تكون الرواية كما قال: ولم يثبت ذلك. ٨٨ - قال رسول الله ﷺ : "إذا قضى الله لعبدٍ أن يموت بأرضٍ جعل له إليها حاجةً". قلت: رواه الترمذي في القدر من حديث مَطر بن عُكامِس وقال: حسن غريب لا نعرف لمطر عن النبي ﷺ غير هذا الحديث. قال ابن عبد البر (٢): ولم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعي حديثه عن النبي ﷺ وذكر هذا الحديث، وقال عثمان بن سعيد الدارمي (٣): قلت ليحيى بن معين: مطر بن عكامس لقي النبي ﷺ قال: لا أعلمه روى عنه غير هذا الحديث، وقد رواه الحاكم من طريق أبي إسحاق عنه به، وقال: صحيح

стр. 120

على شرطهما وأقره الذهبي. (١) ٨٩ - قلت: يا رسول الله ذراري المؤمنين؟ قال: "مِن آبائهم" قلت: بلا عمل؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين". قلت: رواه أبو داود في السنة من حديث عائشة وبقية الحديث يا رسول الله: فذرارى المشركين؟ قال: من آبائهم. قلت: بلا عمل؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" وسكت عليه أبو داود ولم يعترضه المنذري. (٢) ٩٠ - عن النبي ﷺ قال: "الوائدةُ والموؤودةُ في النار". قلت: رواه أبو داود في "السنة" من حديث ابن مسعود وسكت هو والمنذري عليه. (٣) الموؤودة: هي المدفونة في القبر وهي حية، كانت العرب تفعل ببناتها ذلك خشية الفقر والعار. باب إثبات عذاب القبر من الصحاح ٩١ - عن رسول الله ﷺ قال: "المسلم إذا سئل في القبر، شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾

стр. 121

قلت: رواه الجماعة: البخاري في الجنائز وفي التفسير ومسلم في صفة النار وأبو داود في السنة والترمذي في التفسير والنسائي في الجنائز وإبن ماجه في الزهد كلهم من حديث البراء ابن عازب (١). - وفي رواية عن النبي ﷺ قال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ (٢٧)﴾ نزلت في عذاب القبر، إذا قيل له: مَنْ ربّك وما دينك ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله ونبيي محمد وديني الإسلام. قلت: هذه الرواية لفظ مسلم والأول لفظ البخاري (٢). ٩٢ - أن النبي ﷺ قال: "إن العبد إذا وُضع في قبره وتولى عنه أصحابُه، إنه ليسمع قرع نِعالهم، أتاه مَلَكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد ﷺ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة فيراهما جميعًا، وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت نقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيقال: لا دريت ولا تليت ويُضرب بمطرقة من حديد ضربةٌ فيصيح صيحة يسمعها من يليه غيرَ الثقلين". قلت: رواه البخاري في الجنائز بطوله ورواه مسلم إلى قوله: فيراهما جميعًا، في أواخر الصحيح، قال مسلم: وقال قتادة: ذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون، ولم يذكر البخاري من قول قتادة إلا قوله: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره. وروأه أبو داود والنسائي في الجنائز كلهم من حديث أنس. (٣)

стр. 122

قوله: "لا دريت ولا تليت" قال الخطابي (١): هكذا يقول المحدثون وهو غلط وقال القتيبي: وفيه قولان بلغني عن يونس البصري أنه قال: لا اتَّليْتَ ساكنة التاء يدعون عليه، بألّا تُتْلى إبلُه أي لا يكون لها أولاد تتلوها، يقال للناقة: قد أتلت فهي مُتلية وتلاها ولدها إذا تبعها قال: وقال غيره: هو ولا ائتَلَيْتَ افتعَلت من قولهم ما ألوت هذا ولا استطعته، كأنه يقول: لا دريت ولا استطعت أن تدري أنت، وقيل معناه: تلوت أي قرأت، حولوا الواو ياء على موافقة دريت. ٩٣ - أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعَدُه بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة". قلت: رواه البخاري في الجنائز ومسلم في صفة أهل النار كلاهما من حديت عبد الله بن عمر (٢). ٩٤ - أن يهودية دخلت عليها [عائشة] فقالت: "أعاذكِ الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن عذاب القبر فقال: "نعم، عذاب القبر حق"، قالت عائشة: فما رأيتُ رسولَ الله ﷺ بعدُ صلّى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر". قلت: رواه البخاري والنسائي كلاهما في الجنائز ومسلم في الصلاة كلهم من حديث عائشة. (٣) ٩٥ - أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن لا تَدَافنوا لدعوتُ الله أن يُسمعكم من عذاب القبر، ثم قال: "تعوذوا بالله من عذاب النار" فقالوا: نعوذ بالله من عذاب النار ثم قال: تعوّذوا بالله من عذاب القبر فقالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر قال: "تعوذوا بالله

стр. 123

من الفتن ما ظهر منها وما بطن" قالوا: "نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن" قال: "تعوّذوا بالله من فتنة الدجال، قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال". قلت: رواه مسلم في صفة النار من حديث زيد بن ثابت قال: بينما النبي ﷺ في حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه إذ حَادَتْ به فكادت تُلقيه، وإذا أقْبُرٌ ستَّة أو خَمْسَة أو أَرْبعة، فقال: من يعرف أصحاب هذه الأَقْبُر فقال رجل: أنا. قال: فمتى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك، فقال: إن هذه تبتلى في قبورها فلولا أن لا تدافنوا لدعوتُ الله أن يُسمِعكم عذابَ القبر الذي أسمع، ثم أقبل علينا بوجهه وقال: تعوّذوا وساق الحديث، ولم أره في شيء من الكتب الستة غير مسلم وراويه عن زيد أبو سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك (١). من الحسان ٩٦ - قال رسول الله ﷺ : "إذا قُبر الميّت أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال: لأحدهما المنكر والآخر النكير. فَيقولان: ما كنتَ تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله لرسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يُفسح له في قبره سبعونَ ذراعًا في سبعين، ثم يُنَوّر له فيه، ثم يقال: نَمْ، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نَمْ كنومة العَروس الذي لا يُوقِظُه إلا أحبّ أهله اليه، حتى يبعثَه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقًا قال: سمعت الناسَ يقولون فقلت مثلهم، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، فلا يزال فيها معذبًا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك". قلت: رواه الترمذي في الجنائز من حديث أبي هريرة يرفعه وقال: حسن غريب،

стр. 124

انتهى. ورجاله رجال مسلم (١). قال صاحب الغريبين: يقال: قبرته أي دفنته وأقبرته أي جعلت له قبرًا (٢)، وأسودان: أراد به سواد منظرهما، وأزرقان: أراد به زرقة أعينهما، لما في سواد اللون وزرقة العين من الهول. ٩٧ - عن رسول الله ﷺ قال: "يأتيه مَلَكان فيُجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدّقت، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ (٢٧)﴾ الآية قال: فينادي مناد من السماء: أنْ صَدَق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحها وطيبها ويُفسح له فيها مد بصره، وأما الكافر فذكر موته قال: ويُعاد رُوحه في جسده، ويأتيه مَلَكان فيُجلسانه فيقولان: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول هاه، هاه، لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب، فافرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار. قال: فيأتيه من حَرّها وسَمُومها. قال: ويُضَيَّق عليه قَبره حتى تَختلف فيه أضلاعُه، ثم يُقَيَّض له أعمى أصمّ ومعه مِرزبّة من حديد، لو ضُرب بها جبل لصار تُرابًا، فيَضربه بها ضَربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين، فيصير ترابًا، ثم يُعاد فيه الرُّوح". قلت: رواه أبو داود في السنة بطوله والنسائي وابن ماجه كلاهما مختصرًا في الجنائز ثلاثتهم من حديث المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب وكذلك رواه الحاكم

стр. 125

في "المستدرك" وقال: صحيح على شرط الشيخين، وقد احتجا بالمنهال بن عمرو وزاذان، قال: وفيه شواهد كثيرة لأهل السنة وقمع للمبتدعة انتهى كلامه. وأقره الذهبي وما قاله صحيح، فإن المنهال احتج به البخاري، روى له في صحيحه حديثًا واحدًا، وزاذان احتج به مسلم في صحيحه، روى له حديثين وقال الذهبي في "الميزان" (١): وقد تكلم ابن حزم في المنهال ولم يحتج بحديثه الطويل في عذاب القبر، انتهى. ولا يلتفت لكلام ابن حزم فيه بعد احتجاج الشيخين به ولمّا رأى ابن حزم حديثه هذا رادا على معتقده في إنكار تعذيب الأجساد في قبورها (٢) طعن فيه، وطعنه مردود والحديث صحيح، دال على أن عذاب القبر يلحق الجسد على الكيفية التي علمها الله . قوله: أن صدق عبدي، أن تفسيرية أي صدق عبدي، ويجوز أن تكون مصدرية وهي مع ما بعدها مجرور، والجار محذوف ويكون علة لما بعده، تقديره: لئن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة. وكذلك قوله: إن كذب، وأفرشوه: بألف القطع أي اجعلوا له فرشًا من فرش الجنة وقال: في المؤمن: أن صدق عبدي فذكره بالعبودية، وأضافها إليه ولم يقل في الكافر شيئًا من ذلك تشريفًا للمؤمن دون الكافر. قوله: فيقيض له أي يقدّر له، قوله ﷺ : معه مِرزبة، بتخفيف الباء لا غير، وأما أرزبه: بالهمز وهي لغة في مرزبّة فهي بتشديد الباء، وأصل المرزبة: مدقة يدق بها الحنطة. (٣)

стр. 126

٩٨ - أنه كان إذا وقف على قبر بكى حتى يبُلّ لحيَته، فقيل له: تذكرُ الجنّة والنّار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسولَ الله ﷺ قال: "إن القبر أوّلُ منزلٍ من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشدُّ منه. قال: وقال رسول الله ﷺ : ما رأيت منظرًا قط إلا والقَبَر أفظعُ منه". قلت: رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما في "الزهد" من حديث هانيء مولى عثمان عن عثمان يرفع المرفوع منه، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث هشام بن يوسف انتهى. وهشام بن يوسف أخرج له الستة غير مسلم وبقية رجاله موثقون (١). ٩٩ - كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: "استغفروا لأخيكم ثم سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل". قلت: رواه أبو داود في الجنائز من حديث عثمان بن عفان وسكت هو والمنذري عليه (٢). ١٠٠ - قال رسول الله ﷺ : "يُسَلَّط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تِنّينًا تنهشه وتلدغه حتى تقوم الساعة، لو أن تِنّينًا منها نفخ في الأرض ما أنبتت خضراء". قلت: رواه الترمذي في حديث طويل ذكره في الزهد بعد باب صفة أواني الحوض من حديث عطية عن أبي سعيد إلا أنه قال: سبعون، والذي ذكره أبو الحسن رزين في كتابه الذي جمع فيه بين الكتب الستة: ثم يقيض له تسعين، أو تسعة وتسعين كذا، وفي

стр. 127

سنن الترمذي عبيد الله بن الوليد عن عطية، قال الذهبي: ضعفوهما (١). والتّنين: الحية الكبيرة وتخصيص العدد يحتمل أن يكن توقيفًا لا مجال للعقل فيه، ويحتمل أن يكون مقابلًا لما أعده الله لعباده في الآخرة من الرحمات وهي تسعة وتسعون رحمة، ويحتمل أن يكون الكافر لما كفر بأسماء الله تعالى ولم يوف لها حقها سلط عليه عددها من الحيات. والله أعلم. باب الاعتصام بالكتاب والسنة من الصحاح ١٠١ - قال: رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ". قلت: رواه البخاري في الصلح ومسلم في الأقضية وأبو داود وابن ماجه كلاهما في السنة كلهم من حديث عائشة (٢).

стр. 128

وهذ الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلامه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترَعات. قال أهل اللغة: الرد هنا بمعنى المردود ومعناه: فهو باطل غير معتدٍ به. وفي هذا الحديث دليل لمن يقول من الأصوليين أن النهي يقتضي الفساد ومن قال: لا يقتضي الفساد، يقول: هذا خبر واحد، لا يكفي في إثبات هذه القاعدة العظيمة، قال النووي: وهذا جواب فاسد (١). ١٠٢ - عن النبي ﷺ قال: "أما بعد: فإن خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتُها، وكل بدعة ضلالة". قلت: رواه مسلم في الصلاة (٢) من حديث أبي جعفر الباقر واسمه محمد ابن علي عن جابر قال: كان النبي ﷺ إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته واشتدّ غضبه حتى كأنه منذر جيش، يقول: صّبحكم ومسّاكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، ثم يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإليَّ وعليَّ. ولم يخرج البخاري من هذا الحديث إلا قوله: إنّ خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، وقوله ﷺ : أنا أولى بكل مؤمن إلى آخره (٣). وخرج أيضًا من حديث عبد الله بن مسعود قال: "إن أحسن الحديت كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور

стр. 129

محدثاتها، وإنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين". ذكره في كتاب الاعتصام (١). قوله ﷺ : وخير الهدي هدي محمد: قال النووي: ضبطناه بالوجهين: بضم الهاء وفتح الدال، وبفتح الهاء وإسكان الدال. وزعم القاضي عياض أن رواية مسلم بالضم وفي غيره بالفتح (٢) وفسره الهروي على رواية الفتح أي أحسن الطريق طريق محمد، وأما رواية الضم فمعناه الدلالة والإرشاد (٣). قوله ﷺ : وكل بدعة ضلالة: هذا عام مخصوص والمراد: غالب البدع، والبدعة في اللغة: كل شيء عمل على غير مثال سابق وهي خمسة أقسام: واجبة: كتنظيم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة، ومندوبة: كتصنيف كتب العلم وبناء المدارس والرُّبُطْ، ومباحة: كالتبسط في أواني الأطعمة، وحرام ومكروه: وهما ظاهران ولا يمنع من كون الحديث عامًّا مخصوصًا. قوله: كل بدعةٍ: مؤكدا بكل، بل يدخله التخصيص مع ذلك كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ (٢٥)﴾. ١٠٣ - قال رسول الله ﷺ : "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم ومُبتَغٍ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطّلب دمَ امرئ بغير حق ليهريق دمَه". قلت: رواه البخاري في الديات من حديث نافع بن جبير عن ابن عباس يرفعه ولم يخرجه مسلم (٤). والملحد في الحرم: هو الذي يظلم فيه، ويهريق دمه. يقال: هراق الماء يهريقه بفتح الهاء هراقة أي صبّه، وأصله أراق يريق إراقة.

стр. 130

١٠٤ - قال رسول الله ﷺ : "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قيل ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى". قلت: رواه البخاري في هذا الباب وهو باب الاعتصام بالكتاب والسنة في أواخر الصحيح من حديث أبي هريرة يرفعه ولم يخرجه مسلم (١). فائدة: حديث أبي هريرة هذا رواه الحاكم في المستدرك في الإيمان من حديث فلَيْح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: كل أمتي يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله ﷺ قال: من عصاني فقد أبى، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي على ذلك في "تلخيص المستدرك"، فلا تغتر بذلك، بل الصواب: أَن البخاري أخرجه دون مسلم والعجب: أن البخاري رواه من حديث فلَيْح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بلفظ المصنف، وهو أتم من رواية الحاكم. ١٠٥ - قال: "جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلًا فاضربوا له مثلًا، قال بعضهم: إنه نائم وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارًا وجعل فيها مأدُبة، وبعث داعيًا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة فقالوا: أوّلوها له يَفقَهها، قال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلبَ يقظان. فقالوا: فالدار الجنّة، والداعي: محمد، فمن أطاع محمدًا فقد أطاعَ الله، ومن عصى محمدًا فقد عصى الله، ومحمدُ فرق بينَ الناس". قلت: رواه البخاري في الاعتصام من حديث جابر (٢) وهذا الحديث يحتمل أن يكون حكاية سمعها جابر من النبي ﷺ فحكاه، ويجوز أن يكون خبرًا عمّا شاهده هو بنفسه

стр. 131

فانكشف له. وقول بعضهم: إنه نائم وقول بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، مناظرة جرت بينهما ليحققوا أن النفوس القدسية الكاملة لا يضعف إدراكها بنوم العين واستراحة البدن. والمأدبة: اسم لطعام الدعوة، قال الجوهري (١): يقال: فيه مأدَبَة ومأدُبة يعني بالضم والفتح. قوله: أوّلوها له يفقهها: أي فسروا الحكاية لمحمد ﷺ ، من أوّل تأويلًا إذا فسره بما يؤول إليه، ويفقَهْها مجزوم جواب الأمر. قوله: ومحمد فرق بين الناس، روي بالتشديد على صيغة الفعل وبسكون الراء أيضًا فهو مصدر وصف به للمبالغة، كالعدل والصوم، أي محمد هو الفارق بين المؤمن والكافر وبين المطيع والعاصي. ١٠٦ - جاء ثلاثة رهط إلى أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أُخِبروا بها كأنهم تقالّوها، فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: أنا أصوم النهار ولا أفطر، وقال الآخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدًا، فجاء النبي ﷺ إليهم، وقال: "أنتم الذين قلتم: كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". قلت: رواه البخاري في النكاح، وفي الأطعمة، عن حميد عن أنس، ومسلم والنسائي في النكاح، (٢) ولفظ مسلم: أن نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ما بال أقوام قالوا:

стр. 132

كذا وكذا، لكني أصلي وأنام وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني، هذا لفظه. والرهط: قال الجوهري (١): هو ما دون العشرة من الرجال، لا يكون فيهم امرأة قال تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ وليس له واحد من لفظه مثل ذود، وتقالوها: أي رأوها قليلة. ١٠٧ - عن النبي ﷺ قال: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية". قلت: رواه البخاري في الأدب وفي الاعتصام ومسلم في فضائل النبي ﷺ والنسائي في" اليوم والليلة" واللفظ للبخاري. (٢) قوله ﷺ : يَتَنَزّهون عن الشيء أصنعه، قال بعضهم: أصنعه، في محل جر، على أنه نعت للشيء، وهو وإن كان معرّفًا لفظًا فهو منكر معنى، ومنه قوله ﷺ : هم القوم لا يشقى بهم جليسهم. ١٠٨ - قال رسول الله ﷺ : "أنتم أعلم بأمر دنياكم، إذا أمرتكم بشيء من أمر دينكم فخذوا به". قلت: هذا الحديث اشتمل على جملتين: الجملة الأولى: أنتم أعلم بأمر دنياكم رواها مسلم في آخر مناقب النبي ﷺ من حديث أنس وعائشة أن النبي ﷺ مَرّ بقوم يلقّحون، فقال: لو لم تفعلوا لصلح، قال: فخرج شيصًا، فمرّ بهم، وقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت: كذا وكذا قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم (٣)، والجملة الثانية: رواها مسلم أيضًا

стр. 133

من حديث رافع بن خديج قال: قدم رسول الله ﷺ وهم يؤبّرون، يقول: يلقِّحون النخل، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه، فقال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا، فتركوه، فَنَفَضَتْ أو نقصَتْ، فذكروا ذلك له، فقال: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر (١)، فجمع المصنف ورواه حديثًا واحدًا ولم يخرج البخاري هذا الحديث. ١٠٩ - عن النبي ﷺ : "إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومًا فقال: يا قوم! إني رأيت الجيش بعينيَّ، وإني أنا النذير العُرْيان، فالنجاء، النجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا، فانطلقوا على مَهلهم فنجوا، وكذّبت طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش، فأهلكهم، واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتَّبع ما جئت به من الحق، ومثل من عصاني وكذّب بما جئت به من الحق". قلت: رواه البخاري في الرقائق وفي الاعتصام ومسلم في فضائل النبي ﷺ من حديث أبي موسى يرفعه (٢). قوله ﷺ : أنا النذير العريان: قال العلماء: أصله أن الرجل إذا أراد إنذار قومه وإعلامهم بما يوجب المخافة، نزع ثوبه، وأشار به إليهم، إذا كان بعيدًا منهم، فيخبرهم بما دهمهم، وأكثر من يفعل هذا ربيئة القوم وهو طليعتهم ورقيبهم. قالوا: وإنما يفعل ذلك لأنه أبين للناظر وأشنع منظرًا، فهو أبلغ في استحثاثهم في التأهب للعدو، وقيل معناه: أنا النذير الذي أدركني جيش العدو فأخذوا ثيابي، فأنا أنذركم عُريانًا. قوله: فالنجا: ممدود أي إنجوا النجاء، قال القاضي (٣): المعروف في النجاء إذا أفرد

стр. 134

المد، حكى أبو زيد فيه: القصر أيضًا، فأما إذا كرروه فقالو: النجاء النجاء ففيه المد والقصر. ومعنى قوله ﷺ : فأدلجوا: فانطلقوا على مهلهم، وأدلجوا: بإسكان الدال ومعناه: ساروا من أول الليل، يقال: أدلجت بإسكان الدال أدلج إدلاجًا، كأكرمت أكرم إكرامًا والاسم الدَّلجة بفتح الدال، فإن خرجت من آخر الليل، قلت: ادَّلَجْتُ بتشديد الدال أَدَّلِجُ اِدّلاجًا بالتشديد أيضًا. والاسم الدُّلجة بضم الدال، قال ابن قتيبة وغيره: ومنهم من يجيز الوجهين في كل واحد منهما. قوله ﷺ : "فانطلقوا على مَهَلهم": هكذا هو في نسخ المصابيح المسموعة بفتح الميم والهاء، وكذا هو في الجمع بين الصحيحين ووقع في جميع نسخ مسلم مُهلتهم بضم الميم وإسكان الهاء وبالتاء بعد اللام، وهما صحيحان. فاجتاحهم: أي استأصلهم. ١١٠ - قال رسول الله ﷺ : "مَثَلي كمثَل رجلٍ استوقد نارًا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراشُ وهذه الدواب التي تقع في النار، يقعن فيها، وجَعل بحجُزُهُن وَيغْلِبنَه فيقتَحمنَ فيها، قال: فذلك مَثلي وَمثلكم، أنا آخذ بُحجَزِكم عن النار، هلُمّ عن النار، هلُمّ عن النار هلم عن النار فتغلبوني فتقحَّمُون فيها". قلت: رواه الشيخان (١) وهذا لفظ مسلم في الفضائل، ولم يقل البخاري: هلم عن النار هلم عن النار، ورواه الترمذي في الأمثال، ورواية مسلم أتم، كلهم من حديث أبي هريرة يرفعه. واستوقد: بمعنى أوقد، قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا (١٧)﴾ بمعنى أوقد قوله: "فلما أضاءت ما حولها" الإضاءة: فرط الإنارة من الضوء، وأضاء جاء متعديًا ولازمًا، فعلى الأول فاعله ضمير يعود على النار، وما بصلته مفعول به، وعلى الثاني "ما حولها" فاعل وإنما أُنِّث الفعل لأن ما حول النار أشياء وأماكن وحولها: نصب على الظرف، ويقعن فيها خبر جعل، لأنه من أفعال المقاربة ويحجزهن: أي يمنعهن من

стр. 135

الوقوع من الحجز وهو المنع، قوله ﷺ : فيتقحّمن فيها: بالقاف والحاء المهملة المفتوحة المشددة أي يلقين أنفسهن فيها، والتقحم: هو الدخول في الأمر الضيق لجاجًا. قوله: "هلُمَّ": هو بفتح الميم بمعنى تعال. ١١١ - قال رسول الله ﷺ : "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضًا، فكانت منها طائفةٌ طيبة قَبلت الماء فأنبتت الكلأ والعُشب الكثير، وكانت منها أجادبُ أمسكت الماءَ فنفع الله بها الناس فشربوا وسَقوا وزَرَعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تُمسكُ ماءً ولا تُنبت كلأ، فذلك مثل منَ فقِه في دين الله ونفعه الله بما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هُدَى الله الذي أرسلتُ به". قلت: رواه الشيخان: البخاري في العلم ومسلم في المناقب، وقال مسلم: ورَعَوْا بدل وزرعوا، والنسائي في العلم (١)، والغيث: المطر، والكلأ: بالهمزة يطلق على اليابس والرطب من النبات، والعشب: يختص بالرطب، وأجادب: بالجيم والدال المهملة وهي الأرض التي لا تنبت كلأ، وقال الخطابي (٢): هي الأرض التي تمسك الماء فلا يسرع فيها النضوب، قال: وقال بعضهم: أحادب بالحاء المهملة والدال قال: وليس بشيء، قال: وقال بعضهم: أَجارد بالجيم والراء والدال وهو صحيح المعنى إن ساعدته الرواية، قال الأصمعي: الأَجارِدُ من الأرض ما لا تُنْبت الكلأ، معناه أنها جرداء بارزة لا يسترها النبات قال: وقال بعضهم: إنما هي إخاذات: بالخاء والذال المعجمتين وبالألف وهو جمع إخاذة وهو

стр. 136

الغدير الذي يمسك الماء، وهذه الأوجه جعلها صاحب "المطالع" (١) روايات منقولة. وقال القاضي عياض (٢): لم يرو هذا الحديث في مسلم ولا في غيره إلا بالدال المهملة من الجدب الذي هو ضد الخصب. والقيعان: بكسر القاف جمع قاع وهو الأرض المستوية، وقيل الملساء، وقيل التي لا نبات فيها، وهذا هو المراد في هذا الحديث كما صرح به ﷺ ، قال الأصمعي: قاعة الأرض ساحتها، والفقه: في اللغة الفهم يقال منه فقِه بكسر القاف يفقه فَقَهًا بفتحها، كفرح يفرح فرحًا. وأما الفقه الشرعي: فقال صاحب العين (٣) والهروي وغيرهما: يقال منه فقُه بضم القاف وقال ابن دريد بكسرها كالأول والمراد بقوله: "فقه في الدين" هذا الثاني فيكون مضموم القاف على المشهور وعلى الثانى مكسورها، وقد روي بالوجهين، والمشهور الضم. قوله ﷺ : "فكانت طائفة منها طيبة قبلت الماء" هكذا هو في جميع نسخ مسلم طائفة، ووقع في البخاري فكان منها، "نقيَّة" بنون مفتوحة ثم قاف مكسورة ثم ياء مثناة من تحت مشددة وهو بمعنى طيبة، هذا هو المشهور في روايات البخاري، ورواه الخطابي وغيره "ثغبة" بالثاء المثلثة والغين المعجمة والباء الموحدة، قال الخطابي (٤): وهو مستنقع الماء في الجبال والصخور، وقال بعضهم: هذه الرواية غلط وتصحيف وإحالة للمعنى، لأنه إنما جعلت هذه الطائفة الأولى مثلًا لما ينبت والثغبة لا تنبت (٥). قوله ﷺ : "وسقوا"، قال أهل اللغة: سقى وأسقى بمعنى لغتان، وقيل: سقاه ناوله ليشرب وأسقاه جعل له سقيًا، قوله ﷺ : "وزرعوا" بالزاي

стр. 137

والراء هكذا وقع في البخاري ووقع في جميع نسخ مسلم بالراء من الرعي وكلاهما صحيح، وأما معنى الحديث ومقصوده: فقال النووي: هو تمثيل الهدى الذي جاء به ﷺ بالغيث، ومعناه: أن الأرض ثلاثة أنواع كذلك الناس، فالنوع الأول من الأرض: ينتفع بالمطر فيحيى بعد أن كان ميتًا وينبت الكلأ فينتفع به الناس والدواب بالشرب والرعي والزرع وغيرها، وكذلك النوع الأول من الناس يبلغه الهدى والعلم فيحفظه فيحيى قلبه ويعمل به ويعلمه غيره فينتفع به وبنفع، والنوع الثاني من الأرض: ما لا تقبل الانتفاع في نفسها لكن فيها فائدة وهي إمساك الماء لغيرها فينتفع بها الناس والدواب، وكذا النوع الثاني من الناس لهم قلوب حافظة لكن لا أفهام لهم ثاقبة ولا رسوخ لهم في العلم يستنبطون به المعاني والأحكام، وليس عندهم اجتهاد في الطاعة والعمل به، فهم يحفظونه حتى يأتي طالب محتاج متعطش لما عندهم من العلم أهل للنفع والانتفاع فيأخذ منهم فينتفع به، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم. النوع الثالث من الأرض: السباخ التي لا تنبت فهي لا تنتفع بالاء ولا تمسكه لينتفع به غيرها، وكذلك النوع الثالث من الناس: ليست لهم قلوب حافظة ولا أفهام واعية فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به ولا يحفظونه لينتفع به غيرهم. (١) والله أعلم. ١١٢ - تلا رسول الله ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ (٧)﴾ الآية قالت: قال رسول الله ﷺ : "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم". قلت: رواه البخاري في التفسير ومسلم في القدر وأبو داود في السنة والترمذي في التفسير كلهم من حديث القاسم عن عائشة. (٢) ١١٣ - هجَّرت إلى رسول الله ﷺ يومًا، فسمع صوت رَجلين اختلفا في آية، فخرج

стр. 138

يُعرف في وجهه الغضب فقال: "إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب". قلت: رواه مسلم في كتاب العلم والنسائي في فضائل القرآن وفي المواعظ كلاهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (١) ولم يخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو في هذا شيئًا، وخرج عن الننّرال بن سبرة عن عبد الله بن مسعود (٢) قريبًا من معناه، ورواه النسائي في فضائل القرآن وفي المواعظ. والتهجير: السير عند اشتداد الحر، قوله ﷺ : إنما هلك من كان قبلكم أي هلاكهم في الدين تكفيرهم وابتداعهم، وهذا محمول على اختلاف لا يجوز، أو اختلاف يوقع في شك أو شبهة أو فتنة وخصومة أو شحناء ونحو ذلك، وأما الاختلاف في الاستنباط ومناظرة أهل العلم في ذلك على سبيل الفائدة وإظهار الحق واختلافهم في ذلك فليس منهيا عنه بل هو مأمور به. ١١٤ - قال رسول الله ﷺ : "ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه". قلت: رواه البخاري في الاعتصام ومسلم في الفضائل والترمذي مختصرًا في العلم، وألفاظهم متقاربة كلهم من حديث أبي هريرة يرفعه. (٣) ١١٥ - قال رسول الله ﷺ : "إن أعظم المسلمين جُرْمًا من سأل عن شيء لم يُحَرّم فحُرّم من أجل مسألته". قلت: رواه الشيخان: البخاري في الاعتصام ومسلم في فضائل النبي ﷺ ، وأبو داود

стр. 139

في السنة ثلاثتهم من حديث سعد بن أبي وقاص يرفعه (١). ١١٦ - قال رسول الله ﷺ : "يكون في آخر الزمان دجّالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإيّاكم وإيّاهم، لا يُضلُّونكم ولا يفتِنُونَكم". قلت: رواه مسلم في مقدمته من حديث مسلم بن يسار عن أبي هريرة يرفعه (٢). ١١٧ - قال رسول الله ﷺ : "لا تُصدّقوا أهلَ الكتاب ولا تكذّبوهم و ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا (١٣٦)﴾ الآية. قلت: رواه البخاري في تفسير قوله تعالى: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ] وفي باب قول النبي ﷺ لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء من كتاب الاعتصام وفي باب ما يجوز من تفسير التوراة من كتاب التوحيد من حديث أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال النبي ﷺ : لا تصدقوا. الحديث. (٣) ١١٨ - قال رسول الله ﷺ : "كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سَمع". قلت: راوه مسلم في المقدمة من حديث حفص بن عاصم عن أبي هريرة وأبو داود في الأدب مرسلًا (٤).

стр. 140

١١٩ - قال رسول الله ﷺ : "ما من نبي بعثه الله في أمته قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحابٌ يأخذون بسنّته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلُف من بعدهم خُلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حَبّة خَرْدل". قلت: رواه مسلم في (١) الإيمان من حديث ابن مسعود ولم يخرجه البخاري. والحواري: الناصر، وقد اختلف في الحواريين المذكورين فقال الأزهري (٢) وغيره: هم أصفياء الأنبياء من خلص لهم الذين نُقُّوا من كل عيب، وقيل: هم أنصارهم، وقيل: المجاهدودن، وقيل: الذين يَصلُحون للخلافة بعدهم. قوله ﷺ : ثم إنها تخلف من بعدهم خُلوف: الضمير في إنها هو ضمير الشأن والقصة، ومعنى تخلف: تحدث وهو بضم اللام، وأما الخُلوف: فبضم الخاء هو جمع خَلْف بإسكان اللام وهو الخالف بشَرٍّ، وأما بفتح اللام: فهو الخالف بخير هذا هو الأشهر وجوز بعضهم في كل واحد منهما الفتح والإسكان. ١٢٠ - قال رسول الله ﷺ : "لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمرُ الله وهم على ذلك". قلت: رواه الشيخان البخاري في باب علامات النبوة ومسلم في الجهاد كلاهما من حديث معاوية يرفعه. (٣) ١٢١ - قال رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة".

стр. 141

قلت: رواه مسلم في الإيمان وأعاده في الجهاد (١) من حديث أبي الزبير عن جابر ولم يخرجه البخاري ولا أخرج عن أبي الزبير شيئًا (٢)، وهذه الطائفة قال البخاري: هم أهل العلم وقال الإمام أحمد: إن لم يكونوا من أهل الحديث فلا أعرف من هم. انتهى. وفيه دليل على أن الإجماع حجة. ١٢٢ - قال رسول الله ﷺ : "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تَبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا". قلت: رواه مسلم في آخر كتاب العلم وأبو داود في السنة والترمذي في العلم وابن ماجه في السنة بعد المناقب، أربعتهم من حديث أبي هريرة يرفعه ولم يخرجه البخاري (٣). ١٢٣ - قال رسول الله ﷺ : "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء". قلت: رواه مسلم في الإيمان وابن ماجه في الفتن كلاهما من حديث أبي حازم عن أبي هريرة ولم يخرجه البخاري (٤). ١٢٤ - قال رسول الله ﷺ : "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جُحرها". قلت: رواه الشيخان البخاري وابن ماجه كلاهما في الحج، ومسلم في الإيمان ثلاثتهم من حديث أبي هريرة يرفعه (٥). قوله ﷺ : إن الإيمان ليأرز إلى المدينة: أي إنّ أهل الإيمان. ويأرز بهمزة ساكنة ثم راء مهملة ثم راء معجمة معناه ينضم إليها ويجتمع بعضه إلى بعض فيها.

стр. 142

من الحسان ١٢٥ - أُتي نبي الله ﷺ فقيل له: لتنم عينُك ولتسمع أذنك وليعقل قلبك، قال: فنامت عيني، وسمعت أذني، وعقل قلبي، قال: فقيل لي: "سيدٌ بنى دارًا، فصنع فيها مأدُبة وأرسل داعيًا، فمن أجاب الداعي دخلَ الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد، ومن لم يجب الداعيَ لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة وسخط عليه السيد. قال: فالله: السيد، ومحمد: الداعي، والدار: الإسلام، والمأدبة: الجنّة". قلت: رواه الدارمي (١) في أول مسنده عن مجاهد بن موسى ثنا ريحان هو ابن سعيد ثنا عباد هو ابن منصور عن أيوب عن أبى قلابة عن عطية أنه سمع ربيعة الجرشي يقول: أتي نبي الله وساقه بلفظه، قوله ربيعة الجرشي: في صحبته نظر قال أبو حاتم: قال بعض الناس: إن له صحبة وليس له صحبة (٢). قال أبو المتوكل الناجي: سألت ربيعة الجرشي وكان فقيه الناس في زمن معاوية وقال ابن سعد: قتل يوم مرج راهط سنة أربع وستين. قوله: لتنم عينك: يجوز أن يكون معناه الخبر ويجوز أن يكون أمرًا على بابه ﷺ ويكون

стр. 143

- ﷺ أمر بذلك ليجمع الحواس. ١٢٦ - أن رسول الله ﷺ قال: "لا ألفيَنّ أحَدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرتُ به أو نهيتُ عنه، فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه". قلت: رواه أبو داود وابن ماجه كلاهما في السنة، والترمذي في العلم (١) ثلاثتهم من حديث أبي رافع، وقال الترمذي: حسن، قال: وروى بعضهم هذا الحديث عن سفيان عن ابن المنكدر عن النبي ﷺ مرسلًا وسالم عن عبيد الله عن أبيه وكان ابن عيينة إذا روى هذا الحديث على الانفراد بيّن حديث ابن المنكدر من حديث سالم وإذا جمعهما روى هكذا وأبو رافع مولى النبي ﷺ اسمه أسلم، انتهى كلام الترمذي. قوله ﷺ : "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته": ألفيت الشيء وجدته، قال الأزهري (٢): كل ما يتّكأ عليه فهو أريكة. قال البغوي (٣): أراد بهذه الصفة أصحاب الترف والدعة الذين لزموا البيوت وقعدوا عن طلب العلم. ١٢٧ - قال رسول الله ﷺ : "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه وإنما حرّم رسول الله ﷺ كما حرم الله، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لُقَطَةُ معاهد إلَّا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يَقروه، فإن لم يقرُوه فله أن يعقّبهُم بمثل قَراه". قلت: رواه أبو داود في السنة بهذا اللفظ إلا قوله: وأن ما حَرّم رسول الله كما حَرَم الله، فإني لم أرها في نسخة سماعي وإن كان معناها صحيحًا وهي في الترمذي ورواه

стр. 144

ابن ماجه في السنة والترمذي في العلم مختصرًا كلهم من حديت المقدام بن معدي كرب وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. ولفظ أبي داود أتم من حديثهما وسكت عليه أبو داود والمنذري (١)، قال في شرح السنة (٢): أراد ﷺ أنه أوتي من الوحي غير المتلو والسنن التي لم ينطق القرآن بنصها مثل ما أوتي من المتلو قال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ (٢)﴾ فالكتاب هو القرآن والحكمة هي السنة. أو أوتي مثله من بيانه فإن بيان الكتاب إلى الرسول ﷺ قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (٤٤)﴾ انتهى. قوله: ألا يوشك رجل شبعان على أريكته أي أنبهكم بأنه قَرُب أن يقول، رجل شبعان، وخص الشبعان بالذكر إشارة إلى أن سبب هذا القول البطر والحماقة. ويَقروه: بفتح الياء يقال قَريت الضيف قِرىً مثل قَلَيتهُ قِلًى. ١٢٨ - قام رسول الله ﷺ فقال: "أيحسِب أحدكم متكئًا على أريكته يظنّ أن الله لم يحرّم شيئًا، إلا ما في هذا القرآن، ألا وإني والله قد أمرتُ ووعظتُ ونهيتُ عن أشياء، إنها لمثل القرآن أو أكثر، وإن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم، ولا أكلَ ثمارهم، إذا أعطوكم الذي عليهم". قلت: رواه أبو داود في الخراج في باب تعشير أهل الذمة إذا اختلفوا بالتجارات، من حديث العرباض بن سارية السلمي قال: نزلنا مع النبي ﷺ خيبر ومعه مَن مَعَه من أصحابه وكان صاحب خيبر رجلًا ماردًا منكرًا، فأقبل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد إنكم إن تذبحوا حمرنا، وتأكلوا ثمرنا، وتضربوا نساءنا، فغضب النبي ﷺ وقال: يا ابن عوف اركب فرسك ثم ناد: إن الجنة لا تحل إلا لمؤمن، وأن اجتمعوا للصلاة، فاجتمعوا ثم

стр. 145

صلى النبي ﷺ ثم قام فقال: أيحسب أحدكم وساقه إلى آخره، وفي إسناده أشعث بن شعبة المصيصي وفيه مقال (١). ١٢٩ - قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول الله! كأنها موعظة مودّع فأوصنا فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًّا فإنه من يعشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة". قلت: رواه أبو داود في السنة وفيه قصة، والترمذي في العلم وقال: حسن صحيح، ورواه ابن ماجه أيضًا، والحاكم في المستدرك في كتاب العلم، وقال: صحيح على شرطهما وليس له علة، ورواه الدارمي في باب اتباع السنة أوائل مسنده كلهم من حديث العرباض بن سارية يرفعه. (٢) وذرفت منها العيون: بالذال المعجمة والراء المهملة المفتوحتين، قال الجوهري (٣): يقال ذرفت عينه أي سال منها الدمع، والنواجذ: بالذال المعجمة قيل هي الأنياب ومنه: ضحك حتى بدت نواجذه وقيل: هي الأضراس ومعناه: المبالغة في التمسك بهذه الوصية، والخلفاء: قال المنذري: هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين (٤). ١٣٠ - خَطّ لنا رسول الله ﷺ خطًّا ثم قال: "هذا سبيل الله ثم خطّ خطوطًا عن يمينه
следующие страницы →