← Книги сунны

Книги сунны · id 17063

كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح

الصدر المناوي

Полный текст (2 643 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وفي قوله ﷺ : نعم، ثم قوله امكثي حتى يبلغ الكتاب أجله، دليل على جواز وقوع النسخ قبل العمل، ولكنه بعد دخول وقت العمل، ومن منع قال: كان جوابًا عن أمر تبين بعد ذلك عنده كلام فحكم به. ٢٥٠٢ - دخل عليّ رسول الله ﷺ حين توفي أبو سلمة، وقد جعلت على عيني صَبْرًا، فقال: "ما هذا يا أم سلمة؟ "، فقلت: إنما هو صبر ليس فيه طيب، فقال: "إنه يشب الوجه، فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء، فإنه خضاب"، قلت: بأي شيء أمتشِط يا رسول الله؟ قال: "بالسدر، تغلّفين به رأسك". قلت: رواه أبو داود والنسائي كلاهما في الطلاق (١) من حديث أم حكيم بنت أسيد عن أمها أن زوجها توفي وكانت تشتكي عينها، فتكحلت بكحل الجلاء فأرسلت مولاة إلى أم سلمة، فسألتها عن كحل الجلاء؟ فقالت: لا تكتحل به إلا من أمر لا د منه يشتد عليك، فتكتحلين بالليل وتمسحينه بالنهار، ثم قالت بعد ذلك أم سلمة: دخل عليّ رسول الله ... الحديث. وأمها مجهولة، والمولاة مجهولة، ولم يقل النسائي: "وتنزعيه بالنهار"، وهو في الموطأ مختصر من بلاغات مالك، والصبر: بكسر الباء الموحدة، الدواء المر ولا تسكن إلا في ضرورة الشعر. ويشب الوجه أي: توقده وتلونه وتحسنه، ورجل مشبوب إذا كان أسود الشعر أبيض الوجه، وأصله من شب النار إذا أوقدها، فتلألأت ضياءً ونورًا، وتغلفين: أي تلطخين. ٢٥٠٣ - عن النبي ﷺ قال: "المتوفي عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشّقة ولا الحليّ ولا تختضب ولا تكتحل".

стр. 1262

قلت: رواه أبو داود والنسائي كلاهما في الطلاق من حديث أم سلمة ولم يضعفه أبو داود. (١) قوله ﷺ ولا الممشقة: المشق بكسر اليم وفتحها وسكون الشين المعجمة وقاف هو: المغرة تصبغ به الأحمر من الأشياء، وثوب ممشق مصبوغ بالمشق، وأما المغرة: فبفتح الميم وسكون الغين المعجمة، وقد تحرك وهو: الطين الأحمر. باب الإستبراء من الصحاح ٢٥٠٤ - قال: مرّ النبي ﷺ بامرأة مجحّ، فسأل عنها؟ فقالوا: أمة لفلان؟، قال: "أيلم بها؟ "، قالوا: نعم، فقال: "لقد هممت أن ألعنه لعنًا يدخل معه في قبره، كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟، أم كيف يورّثه وهو لا يحل له؟ ". قلت: رواه مسلم وأبو داود في النكاح من حديث أبي الدرداء ولم يخرجه البخاري. (٢) ومُجِحّ: بميم مضمومه ثم جيم مكسورة ثم حاء مهملة مشددة هي: الحامل التي قربت ولادتها. ومعنى يلم بها: أي يطأها وكانت حاملًا مسبية لا يحل جماعها حتى تضع، ومعنى الحديث أنه إذا وطىء المسبية قبل الاستبراء قد تلد لفوق ستة أشهر، فكيف يستخدمه

стр. 1263

استخدام العبيد، ويجعله عبدًا وربما كان ابنه أم كيف يورثه وربما كان من غيره قبل السبي، فلا يحل له ذلك هذا هو الظاهر من معنى الحديث. وقال القاضي عياض (١): معناه أنه قد ينمي الجنين بنطفة هذا السابي فيصير مشاركًا فيه، فيمتنع الاستخدام، قال: وهو نظير الحديث الآخر: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه ولد غيره"، وهذا تأويل ضعيف يمنعه ذكر التوريث. من الحسان ٢٥٠٥ - يرفعه إلى النبي ﷺ قال في سبابا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة". قلت: رواه أبو داود في النكاح من حديث أبي سعيد الخدري، وفي إسناده شريك القاضي. (٢) وفي الحديث دليل على أن الزوجين إذا سبيا أو أحدهما ارتفع نكاحهما، لترك الاستفصال، وأن وطء الحامل المسبية لا يجوز، وأن استبراءها بوضع الحمل، وأن استبراء ذات الأقراء بحيضة كاملة، وأن إستحداث الملك في الأمة يوجب الاستبراء. ٢٥٠٦ - قال رسول الله ﷺ يوم حنين: "لا يحل لامرىءٍ يؤمن بالله واليوم الآخر يسقي ماءه زرع غيره". يعني إتيان الحَبالى. قلت: رواه أبو داود في النكاح مطولًا من حديث رويفع بن ثابت الأنصاري والترمذي مختصرًا بمعنى ما رواه المصنف، وقال: حسن. (٣)

стр. 1264

- قال ﷺ : "لا يحل لامرىء يومن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها، ولا يحل لامرىء يومن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنمًا حتى يُقسم". قلت: رواه أبو داود من حديث رويفع وهو بعض الحديث الذي قبله. (١) باب النفقات وحق المملوك من الصحاح ٢٥٠٧ - أن هندًا بنت عتبة قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يُعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم؟، فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف". قلت: رواه البخاري في النفقات ومسلم في الأحكام وأبو داود في البيوع والنسائي في القضاء وابن ماجه في التجارات كلهم من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة (٢). وفي هذا الحديث وجوب نفقة الزوجة والأولاد الصغار، وأن النفقة مقدرة بالكفاية لا بالأمداد. وذهبت الشافعية إلى أن نفقة القريب مقدرة بالكفاية بظاهر هذا الحديث، ونفقة الزوجة مقدرة بالأمداد على الموسر: كل يوم مدان، وعلى المتوسط مد ونصف، وعلى المعسر مد، وهذا الحديث يرد عليهم، والحديث أولى بالاتباع.

стр. 1265

وجواز كلام الأجنبية عند الافتاء والحكم. وجواز ذكر الإنسان بما يكره إذا كان للاستفتاء والشكوى ونحوها. وأن من له على غيره حق وهو عاجز عن استيفائه يجوز له أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير إذن، ومنع من ذلك أبو حنيفة ومالك، وجواز إطلاق الفتوى، ويكون المراد تعليقها بثبوت ذلك، ولا يحتاج المفتي أن يقول إن ثبت بل يجوز الإطلاق كما أطلق ﷺ . وأن للمرأة مدخلًا في كفالة أولادها والإنفاق عليهم من مال أبيهم، وإذا امتنع أبوهم من الإنفاق فهل للأم الاستقلال بالأخذ من ماله بغير إذن القاضي؟ فيه خلاف لأصحابنا ينبني على أن إذنه ﷺ لهذه المرأة كان إفتاء أو قضاء، والأصح أنه إفتاء، وأن هذا يجري في كل امرأة أشبهتها، فيجوز وإن كان قضاء ولا يجوز لغيرها إلا بإذن القاضي. وقد غلط بعض الفقهاء فاستدل بهذا على جواز القضاء على الغائب، والقضية كانت عام الفتح، وأبو سفيان حاضر باتفاق أهل السير بمكة، وشرط القضاء على الغائب من جوازه أن يكون غائبًا عن البلد، أو مستترًا أو متعذرًا، وليس هذا الشرط في أبي سفيان، فلا يكون قضاء على غائب، بل هو إفتاء وممن صرح بأن أبا سفيان كان حاضرًا بمكة السهيلي، وأبو نعيم الأصبهاني. وروى الحاكم في المستدرك (١) أن هندًا قالت: لا أبايعك على السرقة، إني أسرق من مال زوجي، فكف النبي ﷺ يده وكفت يدها، حتى أرسل إلى أبي سفيان يتحلل لها منه، فقال أبو سفيان: أما الرطب فنعم، وأما اليابس فلا ... الحديث، وقال الحاكم: حديث صحيح وأقره الذهبي في مستخرجه على تصحيحه. ٢٥٠٨ - قال ﷺ : "إذا أعطى الله أحدكم خيرًا، فليبدأ بنفسه وأهل بيته".

стр. 1266

قلت: رواه مسلم في المغازي في حديث طويل من حديث عامر بن سعد قال: كتبت إلى جابر بن سَمُرة مع غلامي نافع أن أخبرني بشيء سمعته من رسول الله ﷺ قال: فكتب إلي: سمعت رسول الله ﷺ يوم جمعة عشية رجم الأسلمي: "لا يزال الدين قائمًا حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة ... " الحديث بطوله، ولم يخرج البخاري هذه القطعة التي اقتصر عليها المصنف، ورواه أحمد أيضًا في مسنده مطولًا. (١) ٢٥٠٩ - قال رسول الله ﷺ : "للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق". قلت: رواه مالك والشافعي في المسند والسنن وأحمد في مسنده ومسلم في الأيمان والنذور من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري عنه. (٢) وفيه دليل على أنه لا يجوز تكليف الأرقاء فوق ما يطيقون. قال البغوي (٣) وغيره: معناه إلا ما يطيق الدوام عليه، لا ما يطيق يوما أو يومين أو ثلاثة أو نحو ذلك ثم يعجز. ٢٥١٠ - قال ﷺ : "إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يديه، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليُعِنْه عليه". قلت: رواه البخاري في الأدب ومسلم في الأيمان والنذور من حديث أبي ذر يرفعه. (٤) والأمر بإطعام المماليك مما يأكل السيد، وإلباسهم مما يلبس، محمول على الاستحباب لا على الإيجاب، وهذا بإجماع المسلمين، وإنما يجب على السيد نفقة المملوك وكسوته

стр. 1267

بالمعروف بحسب البلدان والأشخاص، سواء كان من جنس نفقة السيد ولباسه أو دونه أو فوقه، حتى لو قتر السيد على نفسه تقتيرًا خارجًا عن عادة أمثاله إما زهدًا وإما شحًّا لا يحل له التقتير على المملوك وإلزامه بموافقته إلا برضاه، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يكلفه من العمل ما لا يطيق، فإن كلفه ذلك لزمه إعانته بنفسه أو بغيره. ٢٥١١ - جاءه قهرمان له فقال: أعطيت الرقيق قوتَهم؟ قال: لا، قال: فانطلق فأعطهم، فإن رسول الله ﷺ قال: "كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن تملك قوته". قلت: رواه مسلم في الزكاة من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وأبو داود فيه بمثل معناه وكذلك النسائي في عشرة النساء. والقهرمان: هو كالخازن والوكيل الحافظ لما تحت يده، القائم بأمور الرجل بلغة الفرس، وهو بفتح القاف وسكون الهاء وفتح الراء ثم ميم وألف ونون. - وفي رواية: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت". قلت: هذه الرواية لم أرها في شيء من الصحيحين، إنما رواها أبو داود في الزكاة والنسائي في عشرة النساء كلاهما من حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص يرفعه. (١) ويقوت: قال في "النهاية": يقال: قاته يقوته. إذ أعطاه قوته، ويقال فيه: أقاته يقيته أيضًا، أراد ﷺ من يلزمه نفقته، ويروى أيضًا "من يقيت" على لغة أقات. (٢) ٢٥١٢ - قال ﷺ : "إذا صنع لأحدكم خادمه طعامه، ثم جاءه به، فقد ولي حره ودخانه، فليقعده معه فليأكل، فإن كان الطعام مشفوهًا قليلًا، فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين".

стр. 1268

قلت: رواه مسلم في النذور وأبو داود في الأطعمة من حديث أبي هريرة، وفي لفظ البخاري في العتق: "إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه فليناوله أكلة أو أكلتين أو لقمة أو لقمتين فإنه ولي حره وعلاجه". (١) والمشفوه: القليل وأصله الماء الذي كثرت عليه الشفاه حتى قلّ. ٢٥١٣ - قال ﷺ : "إن العبد إذا نصح لسيده، وأحسن عبادة الله، فله أجره مرتين". قلت: رواه مالك آخر الموطأ والبخاري في العتق ومسلم في النذور وأبو داود في الأدب من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر يرفعه. وحديث ابن عمر هذا وأربعة أحاديث بعده في حق السادات على العبيد، وذكر أربعة أحاديث قبله في حق العبيد على السادات. (٢) ٢٥١٤ - قال ﷺ : "نعمًا للمملوك: أن يتوفّاه الله يحسن عبادة ربه وطاعة سيده، نعمًا له". قلت: رواه البخاري في العتق ومسلم في النذور من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم ولم يقل البخاري: "أن يتوفاه". (٣) ٢٥١٥ - قال ﷺ : "إذا أبق العبد، لم تُقبل له صلاة". قلت: رواه مسلم في الإيمان من حديث جرير (٤) يرفعه. ٢٥١٦ - قال ﷺ : "أيما عبد أبق، فقد برئت منه الذمة". قلت: رواه مسلم فيه عنه يرفعه. (٥)

стр. 1269

٢٥١٧ - قال ﷺ : "أيما عبد أبق من مواليه، فقد كفر حتى يرجع إليهم". قلت: رواه مسلم فيه عنه موقوفًا عليه، وقال: قال منصور: أحد رواته قد والله رواه عن النبي ﷺ ، ولكني أكره أن يروي عني ههنا بالبصرة. (١) ٢٥١٨ - قال ﷺ : "من قذف مملوكه وهو بريء مما قال، جُلد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال". قلت: رواه البخاري بهذا اللفظ في اللباس ومسلم في النذور وأبو داود في الأدب والترمذي في البر والنسائي في الرجم كلهم في حديث أبي هريرة يرفعه. (٢) ٢٥١٩ - قال ﷺ : "من ضرب غلامًا له حدًّا لم يأته، أو لطمه، فإن كفارته أن يُعتقه". قلت: رواه مسلم في النذور من حديث ابن عمر ولم يخرجه البخاري. (٣) وفي هذا الحديث الرفق بالمماليك، وحسن صحبتهم، وأجمع المسلمون على أن عتقه بهذا السبب ليس بواجب، وإنما هو مندوب رجاء كفارة ذنبه وإزالة إثم ظلمه. ٢٥٢٠ - كنت أضرب غلامًا لي، فسمعت من خلفي صوتًا: "أعلم أبا مسعود! لله أقدر عليك منك عليه"، فالتفت، فإذا هو رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! هو حر لوجه الله فقال: "أما لو لم تفعل، للفحتك النار أو لمستك النار". قلت: رواه مسلم في الأيمان والنذور وأبو داود في الأدب والترمذي في البر من حديث أبي مسعود البدري واسمه عقبة بن عمرو. (٤)

стр. 1270

من الحسان ٢٥٢١ - أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إن لي مالًا، وإن والدي يحتاج مالي، فقال: "أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، كلوا من كسب أولادكم". قلت: رواه أبو داود في البيوع وابن ماجه في التجارات (١) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده واللفظ لأبي داود، وقد تقدم الكلام على الاختلاف في الاحتجاج بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وأخرجه ابن ماجه أيضًا من حديث محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رجلًا قال: يا رسول الله إن لي مالًا وولدًا وإن أبي يريد أن يجتاح مالي، فقال: "أنت ومالك لأبيك"، ورجال إسناده ثقات (٢)، وأخرج الشافعي مرسلًا عن ابن المنكدر (٣) أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إن لي مالًا وعيالًا وإن لأبي مالًا وعيالًا، وإنه يريد أن يأخذ مالي فيطعمه عياله، فقال ﷺ : "أنت ومالك لأبيك". ٢٥٢٢ - أنَّ رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إني فقير ليس لي شيء ولي يتيم؟، فقال: "كل من مال يتيمك، غير مسرف، ولا مبادر، ولا متأثل". قلت: رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ثلاثتهم (٤) في الوصايا من حديث عمرو بن شعيب ولم يضعفه أبو داود. وهذا الحديث موافق لظاهر القرآن قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

стр. 1271

قال الشافعي: إذا كان الولي فقيرًا وقطعه النظر في مال اليتيم عن الكسب كان له أن يأخذ من مال اليتيم أقل الأمرين من نفقته وأجرة مثله. فالشافعي فسر: المعروف في القرآن بأقل الأمرين من النفقة وأجرة المثل احتياطًا لمال اليتيم. قوله ﷺ : ولا مبادر، بالدال المهملة من المبادرة أي ولا مبادر إلى أخذه قبل أن يفتقر إليه مخافة أن يبلغ الصبي فينزع ماله منه. قوله ﷺ : ولا متأثل: الثاء الثانية مثلثة أي متخذ منه أصل ماله يجمعه له. ٢٥٢٣ - عن النبي ﷺ ، أنه كان يقول في مرضه: "الصلاة وما ملكت أيمانكم". قلت: رواه النسائي في الزكاة وابن ماجه في الجنائز من حديث أم سلمة. (١) ورواه ابن ماجه أيضًا في الوصايا من حديث علي ﵁ ولفظه: كان آخر كلام رسول الله ﷺ : الصلاة وما ملكت أيمانكم، ورواه أبو داود في الأدب عنه ولفظه: كان آخر كلام رسول الله ﷺ الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم. (٢) والصلاة: منصوب بفعل مقدر أي احفظوا الصلاة بالمواظبة، وما ملكت أيمانكم بحسن الملكة والقيام بما يحتاجون إليه، وقيل: أراد ﷺ حقوق الزكاة، وإخراجها من الأموال التي تملكها الأيدي، كأنه ﷺ أعلم بما يكون من أهل الردة وإنكارهم وجوب الزكاة، وامتناعهم من أدائها إلى بعده فقطع حجتهم بأن جعل آخر كلامه الوصية بالصلاة والزكاة، فقربهما، وعلى التفسير الأول قرن بين الصلاة ونفقة المماليك ليعلم أنه لا سعة في ترك نفقتهم كما لا سعة في ترك الصلاة. ٢٥٢٤ - قال ﷺ : "لا يدخل الجنة سيء الملكة". قلت: رواه الترمذي في البر وابن ماجه في الأدب مطولًا كلاهما من حديث فرقد السبخي عن مرة الطيب عن أبي بكر الصديق يرفعه، وقال الترمذي: غريب، وقد

стр. 1272

تكلم غير واحد في فرقد السبخي من قبل حفظه (١)، وهو فرقد بن يعقوب وكان حائكًا من عباد أهل البصرة، وكان من أرمينيّة ثم انتقل إلى البصرة ونسب إلى سبخة كان يأويها. قوله: سيء الملكة، أي الذي يسيء صحبة المماليك يقال فلان حسن الملكة إذا كان حسن الصنيع إلى المماليك. ٢٥٢٥ - أن النبي ﷺ قال: "حُسن الملكة يُمن، وسوء الخلق شؤم، والصدقة تمنع ميتة السوء، والبر زيادة للعمر". قلت: رواه الإمام أحمد بتمامه وأبو داود في الأدب (٢) إلى قوله: "سوء الخلق شؤم" كلاهما من حديث عبد الرزاق عن معمر عن عثمان بن زفر عن بعض بني الرافع بن مكيث عنه، ورواه أبو داود أيضًا من حديث الحارث بن رافع بن مكيث، ورافع تابعي فهو مرسل، وفي سنده بقية بن الوليد وفيه مقال. ومكيث بفتح الميم وكسر الكاف وسكون الياء آخر الحروف وبعدها ثاء مثلثة. ٢٥٢٦ - قال ﷺ : "إذا ضرب أحدكم خادمه فذكّر الله، فليمسك". قلت: رواه الترمذي في البر، وقال: وفي سنده أبو هارون العبدي ضعفه شعبة. (٣) ٢٥٢٧ - قال ﷺ : "من فرق بين والدة وولدها، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة".

стр. 1273

قلت: رواه الترمذي في البيوع من حديث أبي أيوب وقال: حسن غريب. (١) واسم أبي أيوب خالد بن زيد. وذهب الشافعي ﵁ إلى تحريم التفريق بين الجارية وولدها قبل سن التمييز بالبيع والهبة، وما يزيل الملك فإن فرق بذلك بطل العقد. وقال أبو حنيفة: التفريق حرام إلى الاحتلام. وقال مالك: حتى يثغر، وقال أحمد: لا يفرق بينهما وإن كبر واحتلم أخذًا بظاهر الحديث. ٢٥٢٨ - قال: وهب لي رسول الله ﷺ غلامين أَخَوَيْن، فبعت أحدهما، فقال لي رسول الله ﷺ : "ما فعل غلامك؟ " فأخبرته، فقال: "رُدّه، رُدّه". قلت: رواه الترمذي في البيوع وابن ماجه في التجارات من حديث ميمون بن أبي شبيب عن علي وقال: حسن غريب. (٢) ٢٥٢٩ - وروي عن علي أنه فرق بين جارية وولدها، فنهاه النبي ﷺ عن ذلك فرد البيع. (منقطع). قلت: رواه أبو داود في الجهاد من حديث ميمون بن أبي شبيب عن علي وقال: ميمون لم يدرك عليًّا. (٣) وذكر الخطابي (٤): أن إسناده غير متصل كما ذكره أبو داود.

стр. 1274

٢٥٣٠ - عن النبي ﷺ : "ثلاث من كن فيه نشر الله عليه كنفه، وأدخله جنته: رفق بالضعيف، وشفقة على الوالدين، والإحسان إلى المملوك". (غريب) قلت: رواه الترمذي في الزهد من حديث جابر (١) بن عبد الله، وقال: غريب انتهى، وفي سنده عبد الله بن إبراهيم الغفاري، قال المزي (٢): وهو متهم. قوله: نشر الله عليه كنفه، هو بالنون والشين المعجمة من النشر ضد الطيّ. وكنفه: بالكاف والنون والفاء أي نشر الله عليه ستره وصانه، وقد روي: نشر بالياء المثناة من تحت والسين المهملة، وبدل كنفه حتفه بالحاء المهملة المفتوحة والتاء المثناة من فوق الساكنة والفاء، والحتف: الهلاك، يقال: مات حتف أنفه، هو أن يموت على فراشه كأنه يسقط على أنفه فمات كانوا يتخيلون أن روح الميت تخرج من أنفه فإن جرح خرجت من جراحته. ٢٥٣١ - أن رسول الله ﷺ وهب لعلي ﵁ غلامًا فقال: "لا تضربه، فإني نهيت عن ضرب أهل الصلاة، وقد رأيته يصلي". قلت: هذ الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب السنن، وأخرجه الإمام أحمد من حديث أبي أمامة (٣) أن النبي ﷺ أقبل من خيبر ومعه غلامان، وهب أحدهما لعلي وقال: لا تضربه ... الحديث، بسند صحيح، فيه أبو غالب البصري صاحب أبي أمامة، وهو صالح الحديث، صحح له الترمذي.

стр. 1275

٢٥٣٢ - جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله كم نعفو عن الخادم؟ فسكت، ثم أعاد عليه الكلام؟ فصمت، فلما كانت الثالثة، قال: "اعفوا عنه كل يوم سبعين مرة". قلت: رواه أبو داود في الأدب والترمذي في البر من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب. (١) وقال الترمذي: حسن غريب، قال: وروى بعضهم هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص (٢) انتهى. وراويه عن عبد الله بن عمر هو العباس بن جُلَيْد، وقال الأمير أبو نصر (٣): إنه يروي عن عبد الله بن عُمر وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الحارث بن جزء، وأخرج البخاري هذا الحديث في تاريخه من حديث عباس بن جليد عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقال: هو حديث فيه اضطراب (٤). وجليد: بضم الجيم وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وبالدال المهملة مصري ثقة. ٢٥٣٣ - قال رسول الله ﷺ : "من لاءَمكم من مملوكيكم، فأطعموه مما تأكلون، واكسوه مما تكتسون، ومن لم يلائمكم منهم فبيعوه، ولا تعذبوا خلق الله". قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث أبي ذر. (٥)

стр. 1276

ولاءمكم: أصله الهمز من الملاءمة وهي الموافقة، يقال: هو يلائمني بالهمز ثم يخفف فيصير ياء، وأما يلاومني بالواو فلا وجه له هنا لأنه من اللوم. ٢٥٣٤ - مر رسول الله ﷺ ببعير قد لحق ظهره ببطنه، فقال: "اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة، واتركوها صالحة". قلت: رواه أبو داود في الجهاد من حديث سهل بن الحنظلية، ولم يضعفه. (١) والمعجمة: بضم الميم وسكون العين المهملة وكسر الجيم، خصها بهذه الصفة لأنها لا تتكلم فتشكو. باب بلوغ الصغير وحضانته في الصغر من الصحاح ٢٥٣٥ - عُرضت على رسول الله ﷺ عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردني، ثم عُرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. قال عمر بن عبد العزيز: هذا فرق ما بين المقاتلة والذُرِّية. قلت: رواه البخاري في الشهادات ومسلم في المغازي كلاهما من حديث ابن عمر بن الخطاب. (٢) وهذا دليل لتحديد البلوغ بخمس عشرة سنة، وهو مذهب الشافعي وأحمد وجماعة قالوا: باستكمال خمس عشرة سنة يصير مكلفًا وإن لم يحتلم.

стр. 1277

وفيه دليل على أن غزوة الخندق كانت سنة أربع من الهجرة وهو الصحيح، وقال جماعة من أهل السير: كانت سنة خمس، وهذا الحديث يرده لأنهم أجمعوا على أن أحدًا كانت سنة ثلاث فتكون الخندق سنة أربع لأنه جعلها بعدها بسنة. قوله: لم يجزني، وأجازني المراد جعله رجلًا، له حكم الرجال المقاتلين. ٢٥٣٦ - قال: صالح النبي ﷺ يوم الحديبية على ثلاثة أشياء: على أن من أتاه من المشركين رده إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه، وعلى أن يدخُلها من قابل ويقيم بها ثلاثة أيام، فلما دخلها ومضى الأجل، وخرج، فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم فتناولها علي فأخذ بيدها، فاختصم فيها علي، وزيد، وجعفر، قال علي: أنا أخذتها، وهي بنت عمي، وقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها النبي ﷺ لخالتها، وقال: "الخالة بمنزلة الأم" وقال لعلي: "أنت مني وأنا منك"، وقال لجعفر: "أشبهت خَلقي وخُلفي"، وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا". قلت: رواه البخاري في الصلح ومسلم في المغازي بألفاظ متقاربة من حديث البراء بن عازب. (١) وأخذت الشافعية من هذا الحديث: أن من لها حق في الحضانة إذا تزوجت بمن له حق في الحضانة لا يسقط حقها، وهذا ظاهر من الحديث وسيأتي الكلام على جمل من هذا الحديث في الجهاد. من الحسان ٢٥٣٧ - أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن ابني هذا، كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حِواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني؟ فقال رسول الله ﷺ : "أنت أحق به، ما لم تنكحي". قلت: رواه أبو داود في الطلاق من حديث

стр. 1278

عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وسكت عليه. (١) والحواء: اسم للمكان الذي يحوي الشيء أي يضمه ويجمعه ولعل هذا الصبي ما بلغ سن التمييز، ففيه دليل على تقديم الأم على الأب ما لم تنكح، فإن نكحت سقط حقها من الحضانة، إلا أن ينكح من له حق في الحضانة، جمعًا بين هذا الحديث والحديث الذي قبله. ٢٥٣٨ - أن رسول الله ﷺ خيَّر غلامًا بين أبيه وأمّه. قلت: رواه الترمذي بهذا اللفظ في الأحكام، وأبو داود في الطلاق مطولًا بقصة، والنسائي فيه وابن ماجه في الأحكام مختصرًا ومطولًا كلهم من حديث أبي هريرة وقال الترمذي: حسن صحيح. (٢) ٢٥٣٩ - قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني ونفعني، فقال النبي ﷺ : "هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت"، فأخذ بيد أمه، فانطلقت به. قلت: رواه أبو داود في الطلاق والنسائي فيه، وهو الحديث المطول المشار إليه قبله من حديث أبي هريرة فيه. (٣) وهذا محمول على أن الصغير كان مميزًا جمعًا بينه وبين حديث عمرو ابن شعيب الذي قبله.

стр. 1279

كتاب العتق من الصحاح ٢٥٤٠ - قال رسول الله ﷺ : "من أعتق رقبة مسلمة، أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار، حتى فرجه بفرجه". قلت: رواه البخاري في الكفارات ومسلم في العتق من حديث أبي هريرة. (١) وفي الحديث تنبيه على فضل العتق، وأنه ينبغي أن يكون كامل الأعضاء وغير الخصي أفضل. قال أصحابنا: وعتق العبد أفضل من عتق الأمة. ٢٥٤١ - قال سألت النبي ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله وجهاد في سبيله"، قال: فأي الرقاب أفضل؟، قال: "أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها" قلت: فإن لم أفعل؟، قال: "تعين صانعًا أو تصنع لأخرق" قلت: فإن لم أفعل؟، قال: "تَدَعُ الناس من الشر، فإنها صدقة تصدّق بها على نفسك". قلت: رواه البخاري في العتق ومسلم في الإيمان والنسائي في العتق وابن ماجه في الأحكام مقتصرًا على ما يتعلق بالعتق خاصة كلهم من حديث أبي ذر. (٢) والأخرق: هو الذي ليس في يده صنعة. وأخذ مالك بظاهر هذا الحديث، فقال إن الأغلا ثمنًا أفضل وإن كان كافرًا، والذي ذهب إليه الشافعي والجماهير أن المؤمن أفضل مطلقًا، وحملوا الحديث على الأغلا مع

стр. 1280

وجود وصف الإيمان فيهما، قال الله تعالى ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. من الحسان ٢٥٤٢ - جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: علمني عملًا يدخلني الجنة؟ قال: "لئن كنت أقصرت الخطبة، لقد أعرضت المسألة: اعتق النسمة، وفك الرقبة"، قال: أو ليسا واحدًا؟، قال: "لا، عتق النسمة أن تفرّد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها، والمنحة الوكوف، والفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك، فأطعم الجائع، واسق الظمآن، ومُرْ بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك، فكف لسانك إلا من خير". قلت: رواه ابن حبان في "صحيحه" والمصنف في "شرح السنة" بسند جيد، من حديث البراء بن عازب يرفعه، ولم أره في شيء من الكتب الستة. (١) والنسمة: الروح، أي أعتق ذا نسمة، وكل دابة فيها روح فهي نسمة. والمنحة: هي الناقة أو البقرة أو الشاة، يُعطاها الرجل لينتفع بلبنها أو صوفها أو هما مدة ثم يردها إلى صاحبها. الوكوف: الغزيرة اللبن وقيل التي لا ينقطع لبنها. والفيء على ذي الرحم: أي العطف عليه والرجوع إليه بالبر. قال الزمخشري: ولو رويا يعني المنحة والفيء منصوبين لكان أوجه ليكون المعطوف طباقًا للمعطوف عليه، لأن الفعل يضمر قبلها، فيعطف الفعل على مثله انتهى.

стр. 1281

قال بعضهم: الرواية فيهما بالنصب، أي امنح المنحة وآثر الفيء ونحو ذلك، وإن صحت الرواية بالرفع فعلى الابتداء، أي مما يدخل الجنة المنحة والفيء. ٢٥٤٣ - أن النبي ﷺ قال: "من بنى مسجدًا ليذكر الله فيه، بُني له بيت في الجنة، ومن أعتق نفسًا مسلمة، كانت فديته من جهنم، ومن شاب شيبة في سبيل الله، كانت له نورًا يوم القيامة". قلت: رواه النسائي في الجهاد إلا ما يتعلق بالعتق فإنه ذكره في العتق ورواه المصنف في "شرح السنة" مسندًا بتمامه وقال: حسن غريب. (١) وروى الترمذي منه القطعة الأخيرة في الجهاد وهي ومن شاب إلى آخره وقال: حديث حسن صحيح. (٢) وروى أبو داود منه فضل العتق في كتاب العتق كلهم من حديث عمرو ابن عبسة. (٣) باب إعتاق العبد المشترك وشراء القريب والعتق في المريض من الصحاح ٢٥٤٤ - أن رسول الله ﷺ قال: "من أعتق شركًا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قُوِّم العبد عليه قيمة عدل، فأعطي شركاؤه حِصَصَهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق".

стр. 1282

قلت: رواه الجماعة إلا الترمذي كلهم في العتق إلا ابن ماجه فإنه رواه في الأحكام من حديث ابن عمر. (١) قال البخاري: في بعض طرقه: قال أيوب: لا أدري من قول نافع أفي الحديث عن النبي ﷺ يعني قولَه وإلا فقد عتق منه ما عتق، وما شك فيه أيوب السختياني قد أثبته في الحديث من هو أثبت من أيوب، وأعلم فرواه مالك وغيره عن نافع عن ابن عمر يرفعه بتمامه من غير شك، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. ٢٥٤٥ - عن النبي ﷺ قال: "من أعتق شقصًا في عبد، أعتق كله إن كان له مال، وإن لم يكن له مال، استسعي العبد غير مشقوق عليه". قلت: رواه الجماعة في مواضع بألفاظ مختلفة، والمعنى متقارب البخاري في الشركة وفي العتق، ومسلم في العتق وفي النذور وأبو داود والنسائي في العتق والترمذي وابن ماجه في الأحكام من حديث أبي هريرة. (٢) وقد روى هذا الحديث شعبة وهشام عن قتادة، وهما أثبت من رواه عن قتادة، ولم يذكرا فيه السعاية، ورواه همام بن يحيى عن قتادة وجعل ذكر السعاية من كلام قتادة ولم يجعله من متن الحديث، قال الدارقطني (٣): وعلى هذا أخرجه البخاري وهو الصواب، قال بعض الحفاظ: وقد اختلف فيها عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة فتارة يذكرها في الحديث وتارة لم يذكرها، فدل على أنها ليست عنده من متن الحديث كما قال غيره، وتأول بعضهم معنى السعاية على الاستخدام أي يستخدمه السيد الذي لم يعتق إن كان المعتق معسرًا.

стр. 1283

وقوله: غير مشقوق عليه أي في الخدمة لا يحمّل منها فوق ما يلزمه، بل يكلف بقدر ماله فيه من الرق. ٢٥٤٦ - أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزّأهم أثلاثًا ثم أفرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولًا شديدًا. قلت: رواه الجماعة إلا البخاري مسلم في النذور وأبو داود والنسائي في العتق والترمذي وابن ماجه في الأحكام من حديث عمران بن حصين. (١) قوله: فجزأهم: هو بتشديد الزاي وتخفيفها لغتان ومعناه: قسمهم. قوله: وقال فيه قولًا شديدًا: أي قال في شأنه قولًا شديدًا كراهية لفعله، وتغليظًا عليه وقد جاء في رواية أخرى. ٢٥٤٧ - قال رسول الله ﷺ : "لا يجزئ ولد والده، إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيُعتقه". قلت: رواه مسلم في العتق من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري. (٢) ويجزئ: بفتح أوله أي لا يكافئه بإحسانه وقضاء حقه إلا أن يعتقه، واختلفوا في عتق الأقارب إذا ملكوا، فقال أهل الظاهر: لا يعتق أحد منهم بمجرد الملك سواء الوالد والولد وغيرهما، بل لا بد من إنشاء عتق، واحتجوا بمفهوم هذا الحديث، وقال جماهير العلماء: من ملك أحدًا من أصوله أو فروعه عتق عليه بمجرد الملك ولا يحتاج إلى إنشاء عتق، وأجابوا عن ظاهر الحديث بأنه لما تسبب في شرائه الذي يترتب العتق عليه أضيف العتق إليه، هذا على المشهور في رواية فيعتقه بالنصب، وبعض الناس قال: إنه مرفوع

стр. 1284

أي بالشراء يعتقه، قال الشافعي وأصحابه: لا يعتق غير الأصول والفروع بالملك، لا الإخوة ولا غيرهم، وقال مالك في إحدى الروايتين عنه: يعتق الإخوة أيضًا، قال أبو حنيفة: يعتق ذوي الأرحام المحرمة. ٢٥٤٨ - أن رجلًا من الأنصار دبّر مملوكًا له، ولم يكن له مال غيره، فبلغ النبي ﷺ فقال: "من يشتريه مني؟ "، فاشتراه نعيم بن النحّام بثمانمائة درهم. قلت: رواه البخاري في الكفارات وفي الإكراه ومسلم في الأيمان والنذور من حديث جابر (١) واللفظ للبخاري فيهما. ومعنى أعتقه عن دبر أي دبره فقال له: أنت حر بعد موتي وهذا الرجل الأنصاري يقال له مدكور، واسم الغلام المدبر يعقوب. وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعي أنه يجوز بيع المدبر قبل موت سيده، وقال أبو حنيفة ومالك وجمهور العلماء من الحجازيين والشاميين والكوفيين: لا يجوز بيع المدبر، قالوا وإنما باعه النبي ﷺ في دين كان على سيده. - وفي رواية: فاشتراهُ نُعيم بن عبد الله العدوي بثمانمائة درهم، فجاء بها رسول الله ﷺ فدفعها إليه، ثم قال: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك، شيء فهكذا وهكذا يقول، فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك". قلت: رواه مسلم في الزكاة من حديث جابر بن عبد الله (٢) ولم يخرج البخاري هذا الحديث إلا أنه أخرج منه "بيع الغلام بعد ما أعتقه صاحبه" وفي لفط له أعتق غلامًا له عن دبر فاحتاج فأخذه النبي ﷺ فقال: "من يشتريه مني فاشتراه نعيم بكذا وكذا فدفعه إليه".

стр. 1285

من الحسان ٢٥٤٩ - قال ﷺ : "من ملك ذا رحم مَحْرَمٍ، فهو حر". قلت: رواه أبو داود والنسائي في العتق والترمذي في الأحكام من حديث الحسن عن سَمُرة يرفعه. (١) قال أبو داود: ولم يحدث بهذا الحديث إلا حماد بن سلمة، وقد شك فيه فقال: فيما يحسب حماد قال رسول الله ﷺ ، قال أبو داود: وشعبة أحفظ من حماد بن سلمة يعني أن شعبة رواه مرسلًا. وقال الخطابي (٢): أراد أبو داود من هذا أن الحديث ليس بمرفوع أو ليس بمتصل إنما هو عن الحسن عن النبي ﷺ ، وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مسندًا إلا من حديث حماد بن سلمة، قال البيهقي: والحديث إذا انفرد به حماد بن سلمة ثم يشك فيه ثم يخالف فيه من هو أحفظ منه، وجب التوقف فيه، وقد أشار البخاري إلى تضعيف هذا الحديث، وقال علي بن المديني هذا عندنا منكر. (٣) وقد تقدم أن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة. ٢٥٥٠ - عن النبي ﷺ قال: "إذا ولدت أمة الرجل منه، فهي معتقة عن دبر منه أو بعد".

стр. 1286

قلت: رواه أحمد وكذا ابن ماجه بمعناه من حديث ابن عباس يرفعه. (١) قال ابن عبد البر (٢): وحديث ابن عباس هذا لم يثبت. ٢٥٥١ - قال: بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، فلما كان عمر، نهانا عنه فانتهينا. قلت: رواه أبو داود في العتق من حديث عطاء بن أبي رباح عن جابر، وأخرج النسائي وابن ماجه من حديث أبي الزبير عن جابر (٣) قال: كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد، والنبي ﷺ حي ما يرى بذلك بأسًا. والظاهر أن بيعهن كان مباحًا في العصر الأول ثم نهى النبي ﷺ عن ذلك، ولم يعلم به أبو بكر لأن ذلك لم يحدث في أيامه لقصرها ولاشتغاله بأمور الدين ومحاربة أهل الردة، ثم نهى عنه عمر حين بلغه ذلك عن رسول الله ﷺ فانتهوا عنه. ٢٥٥٢ - قال رسول الله ﷺ : "من أعتق عبدًا وله مال، فمال العبد له، إلا أن يشترط السيد". قلت: رواه أبو داود والنسائي في العتق من حديث نافع عن ابن عمر (٤) قال المنذري (٥): وقد أخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجه من حديث سالم ابن عبد الله بن عمر عن أبيه، وقد تقدم انتهى كلامه.

стр. 1287

وظاهر هذا الحديث أن مال العبد المعتق له لا للسيد، وهو مخالف لما روى البيهقي عن ابن مسعود أنه قال لمملوك له: ما مالك يا عمير فإني أريد أن أعتقك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أعتق عبدًا فماله للذي أعتقه". ٢٥٥٣ - أن رجلًا أعتق شِقْصًا من غلام، فذكر ذلك للنبي ﷺ ؟ فقال: "ليس لله شريك". قلت: رواه أبو داود والنسائي هنا من حديث أبي المليح (١) عن أبيه، وقد أسنده النسائي وأرسله، وقال: الرسل أولى بالصواب. وأبو المليح اسمه: عامر ويقال: عمير ويقال: زيد، وهو ثقة محتج به في الصحيحين، لكن ليس له عن أبيه شيء في الصحيحين، واسم أبيه أسامة بن عمير ولم يرو عنه غير ابنه أبي المليح. ٢٥٥٤ - كنت غلامًا لأم سلمة، فقالت: أُعتِقك وأشترط عليك أن تخدم رسول الله ﷺ ما عشت؟ فقلت: إن لم تشترطي علي، ما فارقت النبي ﷺ ما عشت، فأعتقتني واشترطتْ علي. قلت: رواه أبو داود والنسائي في العتق وابن ماجه في الأحكام من حديث سفينة، وقال النسائي: لا بأس بإسناده انتهى (٢) وراويه عن سفينة سعيد بن جمهان وقد وثقه يحيى بن معين وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به. وسفينة مولى رسول الله ﷺ وقيل مولى أم سلمة، قيل أعتقه النبي ﷺ ، وقيل أم سلمة كما ها هنا، كنيته أبو عبد الرحمن، وقيل أبو البختري والأول أشهر واسمه عمير وقيل

стр. 1288

غير ذلك، قيل وهذا وعد عبر عنه باسم الشرط، وأكثر الفقهاء لا يصححون إيقاع الشرط بعد العتق لأنه لا تلاقي ملكًا، وقال ابن سيرين يثبت الشرط في مثل هذا. ٢٥٥٥ - عن النبي ﷺ قال: "المكاتب عبد، ما بقي عليه من مكاتبته درهم". قلت: رواه أبو داود هنا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقد تقدم الكلام في أحاديث عمرو، وفيه أيضًا إسماعيل بن عياش. (١) ٢٥٥٦ - قال رسول الله ﷺ : "إذا كان عند مكاتب إحداكن وفاء، فلتحتجب منه". قلت: رواه أبو داود هنا والترمذي في البيوع والنسائي في عشرة النساء وابن ماجه في الأحكام (٢) من حديث نبهان مكاتب لأم سلمة عنها ترفعه، قال الترمذي: حسن صحيح، قال الشافعي: ولم أحفظ من سفيان أن الزهري سمعه من نبهان، ولم أر من رضيت من أهل العلم يثبت واحدًا من هذين الحديثين، والله أعلم، قال البيهقي: أراد هذا وحديث عمرو ابن شعيب في المكاتب. قال الشافعي: وقد يجوز أن يكون أمر رسول الله ﷺ أم سلمة إن كان أمرها بالحجاب من مكاتبها، إذا كان عنده ما يؤدي على ما عظم الله به أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين، رحمهن الله وخصهن به، وفرق بينهن وبين النساء، وتلى الآيات في اختصاصهن بأن جعل عليهن الحجاب من المؤمنين وهن أمهات المؤمنين، ولم يجعل على امرأة سواهن أن تحتجب ممن يحرم عليه نكاحها، ثم ساق الكلام إلى أن قال: ومع هذا إن احتجاب المرأة ممن له أن يراها واسع لها، وقد أمر النبي ﷺ سودة أن تحتجب من رجل قضى أنه أخوهَا، وذلك يشبه أن يكون للاحتياط وأن الاحتجاب ممن له أن يراها مباح.

стр. 1289

٢٥٥٧ - أن رسول الله ﷺ قال: "من كاتب عبده على مائة أوقية فأداها إلا عشرة أواق أوقال: عشرة دنانير ثم عجز، فهو رقيق". قلت: رواه أبو داود والنسائي هنا والترمذي في البيوع واللفظ له وابن ماجه في الأحكام من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (١) قال الترمذي: ولا أعلم أحدًا روى هذا إلا عمر وعلى هذا فتيى المفتين. ٢٥٥٨ - عن النبي ﷺ قال: "إذا أصاب المكاتب حدًّا أو ميراثًا، ورث بحساب ما عتق منه". قلت: رواه أبو داود في الديات والترمذي في البيوع والنسائي في الفرائض وفي غير موضع، وقال الترمذي: حسن، وقال أبو داود: رواه وهب عن أيوب عن عكرمة عن النبي ﷺ وجعله إسماعيل قول عكرمة انتهى. (٢) ٢٥٥٩ - قال ﷺ : "يُوْدَى المكاتب بحصة ما أدى دية حر، وما بقي دية عبد". (ضعيف). قلت: رواه الترمذي في البيوع بهذا اللفظ وأبو داود والنسائي كلاهما في الديات بمثل معناه كلهم من حديث عكرمة عن ابن عباس (٣) يرفعه، وقد رواه النسائي أيضًا مرسلًا وقد كفي المصنف مؤنته بتضعيفه له والله أعلم. قال أبو سليمان الخطابي (٤): أجمع عوام الفقهاء على أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم في جنايته، والجناية عليه، ولم يذهب إلى هذا الحديث أحد من العلماء فيما بلغنا

стр. 1290

إلا إبراهيم النخعي، وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب (١) وإذا صح الحديث وجب القول به إلا أن يكون منسوخًا أو معارضًا بما هو أولى منه انتهى كلامه. وفيما قاله نظر فقد حكي هذا القول عن الإمام أحمد وفي المسألة مذاهب للعلماء ذكرها أصحاب الخلاف. باب الأيمان والنذور من الصحاح ٢٥٦٠ - أكثر ما كان النبي ﷺ يحلف: "لا، ومُقلّب القلوب". قلت: رواه البخاري في غير موضع منها في التوحيد بهذا اللفظ والترمذي والنسائي في الأيمان والنذور وابن ماجه (٢) في الكفارات من حديث ابن عمر. ٢٥٦١ - أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت". قلت: رواه الشيخان في الأيمان والنذور من حديث عبد الله بن عمر، وروياه أيضًا وأصحاب السنن إلا الترمذي من حديث عمر بن الخطاب. (٣) وفيه دليل على النهي عن الحلف بغير الله تعالى، قال الشافعي: من حلف بغير الله فهي يمين مكروهة، وأخشى أن يكون معصية للنهي عنها، فإن قيل هذا الحديث مخالف لقوله ﷺ : أفلح وأبيه إن صدق، فجوابه أن هذه كلمة تجرى على اللسان لا يقصد بها

стр. 1291

اليمين، فإن قيل قد أقسم بمخلوقاته لقوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ ﴿وَالطُّورِ﴾ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فالجواب أن لله تعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته تنبيهًا على شرفه. ٢٥٦٢ - قال ﷺ : "لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم". قلت: رواه مسلم والنسائي هنا وابن ماجه في الكفارات من حديث عبد الرحمن بن سمرة ولم يخرجه البخاري. (١) والطواغي: قال في النهاية (٢): جمع طاغية، وهو ما يعبدونه من الأصنام وغيرها، وأما الطواغيت: فجمع طاغوت وهو الشيطان، أو ما يزين لهم أن يعبدوه من الأصنام. ٢٥٦٣ - قال ﷺ : "من حلف، وقال في حلفه: باللات العُزّي، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك، فليتصدق". قلت: رواه الجماعة هنا إلا ابن ماجه فإنه رواه في الكفارات كلهم من حديث أبي هريرة، وأعاده البخاري في مواضع. (٣) قال في "شرح السنة" (٤): قيل أمر أن يتصدق بالمال الذي يريد أن يقامر به، ويحكى ذلك عن الأوزاعي، وقيل يتصدق بصدقة من ماله كفارة لما جرى على لسانه وهذا هو الصواب.

стр. 1292

٢٥٦٤ - قال ﷺ : "من حلف على ملة غير الإسلام كاذبًا، فهو كما قال، وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا، عذب به يوم القيامة، ومن لعن مؤمنًا، فهو كقتله، ومن قذف مؤمنًا بكفر، فهو كقتله، ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها، لم يزده الله إلا قِلَّة". قلت: رواه البخاري في الأدب من حديث ثابت بن الضحاك يرفعه، إلا قوله ﷺ : "ومن ادعى دعوى كاذبة .... " إلى آخر الحديث، فإنها ليست في البخاري بل هي في مسلم، ورواه مسلم في الأيمان إلا قوله ﷺ : "من قذف مؤمنًا فهو كقتله" فإنها في البخاري، وليست في مسلم، فتلخص أن مجموع الحديث في الصحيحين، لكنه ليس بجملته في واحد منهما كما أورده المصنف. (١) وقد اختلف العلماء فيما إذا حلف الرجل بغير ملة الإسلام، فمَال: إن فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام ففعل، فقالت الحنفية وجماعة: عليه كفارة يمين، وقال مالك والشافعي وجماعة: لا كفارة عليه، واستدلوا بحديث أبي هريرة المتقدم فليقل: لا إله إلا الله، فجعل ذلك كفارة له، لكنه يلزمه التوبة، وإنما أمره بكلمة التوحيد، لأن اليمين إنما تكون بالمعبود، فإذا حلف بملة غير الإسلام أو علق الإسلام أمر أن يتدارك ذلك بكلمة التوحيد. قوله: فهو كما قال، يعني إن نوى التعليق أو استحل ذلك. قوله: وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك، يعني إذا أضاف النذر إلى معين لا يملكه، بأن قال: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أعتق عبد فلان أو أتصدق بثوبه ونحو ذلك، فأما إذا التزم في الذمة شيئًا لا يملكه فيصح نذره، مثاله إن شفى الله مريضي فلله علي عتق رقبة وهو في ذلك الحال، لا يملك رقبة ولا قيمتها فيصح نذره، وإذا شفي مريضه ثبت النذر في ذمته.

стр. 1293

٢٥٦٥ - قال ﷺ : "إني والله، لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير". قلت: رواه الشيخان وأبو داود والنسائي هنا وابن ماجه في الكفارات من حديث أبي موسى الأشعري (١) وقال البخاري وأبو داود في رواية: إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير، أو قال: إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني. ٢٥٦٦ - قال النبي ﷺ : "يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت علي يمين فرأيت غيرها خيرًا منها، فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير". قلت: رواه الشيخان والترمذي كلهم هنا وأبو داود فرّقه فجعل قصة الإمارة في الخراج، واليمين هنا، وكذا النسائي جعل قصة الإمارة في القضاء واليمين هنا كلهم من حديث عبد الرحمن بن سمرة ولفظ البخاري ومسلم وتقديم الكفارة، وفي لفظ للبخاري فأت الذي هو خير وكفر، وكذلك لفظ الترمذي، وذكر أبو داود والنسائي الروايتين، (٢) وقال أبو داود: أحاديث أبي موسى وعدي بن حاتم وأبي هريرة في هذا الحديث روى كل واحد منهم في بعض الروايات "الحنث قبل الكفارة" وفي بعضها: "الكفارة قبل الحنث" انتهى كلامه، وقد ذكرنا عن عبد الرحمن بن سمرة الجمع بين الروايتين أيضًا. وإذا تقرر هذا فاعلم أنهم قد اتفقوا على أنه لا تجب الكفارة قبل الحنث، وعلى أنه يجوز تأخيرها عن الحنث، وعلى أنه لا يجوز تقديمها قبل اليمين، واختلفوا في جوازها بعد اليمين، وقبل الحنث، فجوزها مالك والشافعي وأربعة عشر صحابيًّا وجماعات من

стр. 1294

التابعين، لكن قالوا يستحب كونها بعد الحنث، واستثنى الشافعي التكفير بالصوم، فقال: لا يجوز قبل الحنث، لأنه عبادة بدنية، فلا يجوز تقديمها على وقتها كالصلاة والصوم. وأما التكفير بالمال فيجوز تقديمه كما يجوز تعجيل الزكاة، واستثنى بعض أصحابه حنث المعصية، فقال: لا يجوز تقديم كفارته لأن فيه إعانة على المعصية، وقال أبو حنيفة وأصحابه ﵃: لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث بكل حال، وهذه الروايات التي ذكرناها تدل للقول الأول. - وفي رواية: "فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك". قلت: رواها البخاري والترمذي كما بيناه. (١) ٢٥٦٧ - أن النبي ﷺ قال: "من حلف على يمين، فرأى خيرًا منها، فليكفر عن يمينه وليفعل". قلت: رواه مسلم والترمذي والنسائي كلهم في الأيمان والنذور من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري. (٢) وقد دل هذا الحديث، والحديثان قبله على أنه لا يصح الاستثناء المتراخي عن اليمين المنقول عن ابن عباس إذ لو صح الاستثناء أبدًا بغير إيصال لأعلمنا النبي ﷺ به في دفع اليمين فإنه أسهل. ٢٥٦٨ - قال ﷺ : "لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله: آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه". قلت: رواه الشيخان في النذور من حديث أبي هريرة. (٣)

стр. 1295

أما قوله ﷺ : لأن يلج: فبفتح اللام وهي لام القسم، وقوله ﷺ : يلج، بفتح الياء المثناة من تحت واللام وتشديد الجيم، وآثم: بهمزة ممدودة وثاء مثلثة أي أكثر إثمًا. ومعنى الحديث: أنه إذا حلف يمينًا تتعلق بأهله ويتضررون بعدم حنثه يكون الحنث ليس بمعصية، فينبغي له أن يحنث فيفعل ذلك الشيء، ويكفر عن يمينه، فإن قال: لا أحنث بل أتورع وأخاف الإثم فيه، فهو مخطيء بهذا القول بل استمراره في عدم الحنث وإدامة الضرر على أهله أكثر إثمًا من الحنث، واللحاج في اللغة هو الإصرار على الشيء، ولا بد من تنزيل الحنث على ما إذا كان الحنث ليس بمعصية. وأما قوله ﷺ : آثم فخرج على لفظ الفاعلة المقتضية للاشتراك في الإثم، لأنه قضا مقابلة اللفظ على زعم الحالف وتوهمه، فإنه يتوهم أن عليه إثمًا في الحنث مع أنه لا إثم عليه، فقال ﷺ : "الإثم عليه في اللجاج أكثر لو ثبت الإثم". ٢٥٦٩ - وقال ﷺ : "يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك". قلت: رواه مسلم في الأيمان والنذور وأبو داود فيه والترمذي في الأحكام وابن ماجه في الكفارات ولم يخرجه البخاري. (١) ٢٥٧٠ - قال ﷺ : "اليمين على نية المستحلف". قلت: رواه مسلم في الأيمان من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري. (٢) والمستحلف: هو بكسر اللام، وهذا الحديث والذي قبله محمولان على الحلف باستحلاف القاضي، فإذا ادعى رجل على رجل حقًّا، حلّفه القاضي فحلف، وورى، فنوى غير ما نوى القاضي، انعقدت يمينه على ما نوى القاضي، ولا تنفعه التورية، وهذا مجمع عليه.

стр. 1296

وأما إذا حلف بغير استحلاف القاضي، وورى فتنفعه التورية، ولا يحنث، سواء ابتدأ من غير تحليف، أو حلفه غير القاضي وغير نائبه في ذلك، ولا اعتبار بنية المستحلف غير القاضي، وحاصله أن اليمين على نية الحالف في كل الأحوال، إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه، في دعوى توجهت عليه، وهو مراد الحديث، أما إذا حلف عند القاضي من غير استحلاف القاضي في دعوى، فالاعتبار بنية الحالف، سواء في هذا اليمين بالله تعالى أو بالطلاق أو العتاق، ولو حلفه القاضي بالطلاق نفعته التورية، ويكون الاعتبار بنية الحالف، لأن القاضي ليس له التحليف بالطلاق والعتاق، إنما يستحلف بالله تعالى، هكذا قال الشافعي. (١) ٢٥٧١ - لغو اليمين قول الإنسان: لا والله، وبلى والله، ورفعه بعضهم عن عائشة. قلت: رواه البخاري في الأيمان والنذور ووقفه على عائشة ﵂ ورفعه أبو داود عنها إلى النبي ﷺ ، وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم (٢)، وبه قال الشافعي، قال: اللغو في لسان العرب: الكلام غير المعقود عليه، وعقد اليمين أن يثبتها على الشيء بعينه. من الحسان ٢٥٧٢ - قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون". قلت: رواه أبو داود والنسائي كلاهما هنا من حديث أبي هريرة يرفعه وهو ساقط من نسخ أبي داود. (٣)

стр. 1297

والأنداد: جمع ند بالكسر. ٢٥٧٣ - سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف بغير الله فقد أشرك". قلت: رواه أبو داود هنا والترمذي في الأيمان كلاهما من حديث سعد بن عبيدة عن ابن عمر يرفعه، وقال الترمذي: حديث حسن. (١) ٢٥٧٤ - قال رسول الله ﷺ : "من حلف بالأمانة فليس منا". قلت: رواه أبو داود في الأيمان والنذور من حديث بريدة. (٢) ومعنى: فليس منّا، فليس من ذوي طريقتنا، كره النبي ﷺ الحلف بالأمانة، لأنها ليست داخلة في أسماء الله تعالى، ولا في صفاته، ولأنه كان ذلك عادة أهل الكتاب، أراد بالأمانة الفرائض أي لا تحلفوا بالصلاة والحج وغيرهما ونقل عن الإمام أبي حنيفة أنه عدها يمينًا ولم يعدها الشافعي يمينًا. ٢٥٧٥ - قال رسول الله ﷺ : "من قال إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا، فهو كما قال، وإن كان صادقًا، فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا". قلت: رواه أبو داود في الأيمان والنذور والنسائي فيه وابن ماجه في الكفارات من حديث بريدة (٣) يرفعه. قال الخطابي (٤): فيه دليل على أن من حلف بالبراءة عن الإسلام إنه يأثم ولا يلزمه كفارة، وذلك أنه ﷺ إنما جعل عقوبته في دينه ولم يجعل في ماله شيئًا.

стр. 1298

٢٥٧٦ - كان رسول الله ﷺ إذا اجتهد في اليمين، قال: "لا، والذي نفس أبي أبي القاسم بيده". قلت: رواه أبو داود في الأيمان بهذا اللفظ وابن ماجه في الكفارات من حديث رفاعة الجهني ولفظه: كانت يمين رسول الله ﷺ الذي يحلف بها والذي نفسي بيده، وفي رواية: والذي نفس محمد بيده. (١) ٢٥٧٧ - قال: كانت يمين رسول الله ﷺ إذا حلف: "لا، وأستغفر الله". قلت: رواه أبو داود هنا وابن ماجه في الكفارات من حديث أبي هريرة كذا قاله المزي ولم أجده في أبي داود في نسخة سماعنا. (٢) ٢٥٧٨ - أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله، فلا حِنْث عليه" ووقفه بعضهم على ابن عمر. قلت: رواه الأربعة هنا إلا ابن ماجه فإنه ذكره في الكفارات من حديث ابن عمر، واللفظ للترمذي، وقال: حسن، وذكر أنه روي عن نافع موقوفًا وأنه روي عن سالم عن ابن عمر موقوفًا، وذكر عن أيوب السختياني أنه كان أحيانًا يرفعه عن نافع، وأحيانًا لا يرفعه، وقال: لا نعلم أحدًا رفعه غير أيوب. والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وهو أن الاستثناء إذا كان موصولًا باليمين أو مفصولًا عنها بسكتة يسيرة، كالسكتة للذكر أو للعي أو للتنفس فلا حنث عليه، ولا فرق بين اليمين بالله أو بالطلاق أو بالعتاق عند أكثر أهل العلم. (٣)

стр. 1299

فصل في النذور من الصحاح ٢٥٧٩ - قال رسول الله ﷺ : "لا تنذروا، فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل". قلت: رواه مسلم والترمذي والنسائي هنا بهذا اللفظ، والبخاري وابن ماجه بمعناه كلهم من حديث أبي هريرة يرفعه. (١) قال المازري (٢): يحتمل أن يكون سبب النهي كون الناذر يصير ملتزمًا له يأتي متكلفًا بغير نشاط، ويحتمل أن يكون سببه كونه يأتي بالقربة التي التزمها في نذره على صورة المعاوضة للأمر الذي طلبه فينقص أجره، وشأن العبادة أن تكون متمحضة لله تعالى. وقيل: يحتمل أن النهي لكونه قد يظن بعض الجهلة أن النذر يرد القدر، ويمنع من حصول المقدور، فنهي عنه خوفًا من جاهل يعتقد ذلك. ٢٥٨٠ - قال ﷺ : "من نذر أن يطع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه". قلت: رواه الجماعة إلا مسلمًا كلهم هنا إلا ابن ماجه

стр. 1300

رواه في الكفارات من حديث عائشة. (١) ٢٥٨١ - قال ﷺ : "لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد". قلت: رواه مسلم وأبو داود كلاهما هنا في حديث طويل من حديث عمران بن حصين يرفعه ولم يخرجه البخاري. (٢) وفي هذا الحديث دليل على أن من نذر معصية: كشرب الخمر ونحو ذلك، فنذره باطل لا ينعقد، ولا يلزمه كفارة يمين ولا غيرها، وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وجمهور العلماء، وقال أحمد: يجب فيه كفارة يمين، لحديث عائشة الآتي في أول الحسان. قوله ﷺ : ولا فيما لا يملك العبد، قد تقدم تفسيره في الباب الذي قبله. - وفي رواية: "لا نذر في معصية الله". قلت: رواها مسلم والنسائي هنا من حديث عمران حصين يرفعه. (٣) ٢٥٨٢ - قال ﷺ : "كفارة النذر كفارة اليمين". قلت: رواه مسلم والنسائي هنا من حديث عقبة بن عامر ولم يخرجه البخاري. (٤) وحمل جمهور أصحاب الشافعي على نذر اللجاج وهو: أن يقول إنسان يريد الامتناع من كلام زيد إن كلمته مثلًا فلله علي حجة أو غيرها، فكلمه فهو بالخيار بين الوفاء بما نذر، وبين كفارة يمين، وحمله مالك وكثيرون على النذر المطلق، كقوله: علي نذر، وحمله أحمد وبعض الشافعية على نذر المعصية، وحمله آخرون على جميع أنواع النذر، وقالوا: هو مخير في جميع المنذورات بين الوفاء وبين كفارة يمين.
следующие страницы →