← Книги сунны

Книги сунны · id 17063

كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح

الصدر المناوي

Полный текст (2 643 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وأما إذا حلف بغير استحلاف القاضي، وورى فتنفعه التورية، ولا يحنث، سواء ابتدأ من غير تحليف، أو حلفه غير القاضي وغير نائبه في ذلك، ولا اعتبار بنية المستحلف غير القاضي، وحاصله أن اليمين على نية الحالف في كل الأحوال، إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه، في دعوى توجهت عليه، وهو مراد الحديث، أما إذا حلف عند القاضي من غير استحلاف القاضي في دعوى، فالاعتبار بنية الحالف، سواء في هذا اليمين بالله تعالى أو بالطلاق أو العتاق، ولو حلفه القاضي بالطلاق نفعته التورية، ويكون الاعتبار بنية الحالف، لأن القاضي ليس له التحليف بالطلاق والعتاق، إنما يستحلف بالله تعالى، هكذا قال الشافعي. (١) ٢٥٧١ - لغو اليمين قول الإنسان: لا والله، وبلى والله، ورفعه بعضهم عن عائشة. قلت: رواه البخاري في الأيمان والنذور ووقفه على عائشة ﵂ ورفعه أبو داود عنها إلى النبي ﷺ ، وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم (٢)، وبه قال الشافعي، قال: اللغو في لسان العرب: الكلام غير المعقود عليه، وعقد اليمين أن يثبتها على الشيء بعينه. من الحسان ٢٥٧٢ - قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون". قلت: رواه أبو داود والنسائي كلاهما هنا من حديث أبي هريرة يرفعه وهو ساقط من نسخ أبي داود. (٣)

стр. 1297

والأنداد: جمع ند بالكسر. ٢٥٧٣ - سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف بغير الله فقد أشرك". قلت: رواه أبو داود هنا والترمذي في الأيمان كلاهما من حديث سعد بن عبيدة عن ابن عمر يرفعه، وقال الترمذي: حديث حسن. (١) ٢٥٧٤ - قال رسول الله ﷺ : "من حلف بالأمانة فليس منا". قلت: رواه أبو داود في الأيمان والنذور من حديث بريدة. (٢) ومعنى: فليس منّا، فليس من ذوي طريقتنا، كره النبي ﷺ الحلف بالأمانة، لأنها ليست داخلة في أسماء الله تعالى، ولا في صفاته، ولأنه كان ذلك عادة أهل الكتاب، أراد بالأمانة الفرائض أي لا تحلفوا بالصلاة والحج وغيرهما ونقل عن الإمام أبي حنيفة أنه عدها يمينًا ولم يعدها الشافعي يمينًا. ٢٥٧٥ - قال رسول الله ﷺ : "من قال إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا، فهو كما قال، وإن كان صادقًا، فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا". قلت: رواه أبو داود في الأيمان والنذور والنسائي فيه وابن ماجه في الكفارات من حديث بريدة (٣) يرفعه. قال الخطابي (٤): فيه دليل على أن من حلف بالبراءة عن الإسلام إنه يأثم ولا يلزمه كفارة، وذلك أنه ﷺ إنما جعل عقوبته في دينه ولم يجعل في ماله شيئًا.

стр. 1298

٢٥٧٦ - كان رسول الله ﷺ إذا اجتهد في اليمين، قال: "لا، والذي نفس أبي أبي القاسم بيده". قلت: رواه أبو داود في الأيمان بهذا اللفظ وابن ماجه في الكفارات من حديث رفاعة الجهني ولفظه: كانت يمين رسول الله ﷺ الذي يحلف بها والذي نفسي بيده، وفي رواية: والذي نفس محمد بيده. (١) ٢٥٧٧ - قال: كانت يمين رسول الله ﷺ إذا حلف: "لا، وأستغفر الله". قلت: رواه أبو داود هنا وابن ماجه في الكفارات من حديث أبي هريرة كذا قاله المزي ولم أجده في أبي داود في نسخة سماعنا. (٢) ٢٥٧٨ - أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله، فلا حِنْث عليه" ووقفه بعضهم على ابن عمر. قلت: رواه الأربعة هنا إلا ابن ماجه فإنه ذكره في الكفارات من حديث ابن عمر، واللفظ للترمذي، وقال: حسن، وذكر أنه روي عن نافع موقوفًا وأنه روي عن سالم عن ابن عمر موقوفًا، وذكر عن أيوب السختياني أنه كان أحيانًا يرفعه عن نافع، وأحيانًا لا يرفعه، وقال: لا نعلم أحدًا رفعه غير أيوب. والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وهو أن الاستثناء إذا كان موصولًا باليمين أو مفصولًا عنها بسكتة يسيرة، كالسكتة للذكر أو للعي أو للتنفس فلا حنث عليه، ولا فرق بين اليمين بالله أو بالطلاق أو بالعتاق عند أكثر أهل العلم. (٣)

стр. 1299

فصل في النذور من الصحاح ٢٥٧٩ - قال رسول الله ﷺ : "لا تنذروا، فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل". قلت: رواه مسلم والترمذي والنسائي هنا بهذا اللفظ، والبخاري وابن ماجه بمعناه كلهم من حديث أبي هريرة يرفعه. (١) قال المازري (٢): يحتمل أن يكون سبب النهي كون الناذر يصير ملتزمًا له يأتي متكلفًا بغير نشاط، ويحتمل أن يكون سببه كونه يأتي بالقربة التي التزمها في نذره على صورة المعاوضة للأمر الذي طلبه فينقص أجره، وشأن العبادة أن تكون متمحضة لله تعالى. وقيل: يحتمل أن النهي لكونه قد يظن بعض الجهلة أن النذر يرد القدر، ويمنع من حصول المقدور، فنهي عنه خوفًا من جاهل يعتقد ذلك. ٢٥٨٠ - قال ﷺ : "من نذر أن يطع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه". قلت: رواه الجماعة إلا مسلمًا كلهم هنا إلا ابن ماجه

стр. 1300

رواه في الكفارات من حديث عائشة. (١) ٢٥٨١ - قال ﷺ : "لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد". قلت: رواه مسلم وأبو داود كلاهما هنا في حديث طويل من حديث عمران بن حصين يرفعه ولم يخرجه البخاري. (٢) وفي هذا الحديث دليل على أن من نذر معصية: كشرب الخمر ونحو ذلك، فنذره باطل لا ينعقد، ولا يلزمه كفارة يمين ولا غيرها، وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وجمهور العلماء، وقال أحمد: يجب فيه كفارة يمين، لحديث عائشة الآتي في أول الحسان. قوله ﷺ : ولا فيما لا يملك العبد، قد تقدم تفسيره في الباب الذي قبله. - وفي رواية: "لا نذر في معصية الله". قلت: رواها مسلم والنسائي هنا من حديث عمران حصين يرفعه. (٣) ٢٥٨٢ - قال ﷺ : "كفارة النذر كفارة اليمين". قلت: رواه مسلم والنسائي هنا من حديث عقبة بن عامر ولم يخرجه البخاري. (٤) وحمل جمهور أصحاب الشافعي على نذر اللجاج وهو: أن يقول إنسان يريد الامتناع من كلام زيد إن كلمته مثلًا فلله علي حجة أو غيرها، فكلمه فهو بالخيار بين الوفاء بما نذر، وبين كفارة يمين، وحمله مالك وكثيرون على النذر المطلق، كقوله: علي نذر، وحمله أحمد وبعض الشافعية على نذر المعصية، وحمله آخرون على جميع أنواع النذر، وقالوا: هو مخير في جميع المنذورات بين الوفاء وبين كفارة يمين.

стр. 1301

٢٥٨٣ - بينا النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه؟ فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي ﷺ : "مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه". قلت: رواه البخاري وأبو داود هنا وابن ماجه في الكفارات من حديث ابن عباس، وذكر البخاري أنه روى عن عكرمة عن النبي ﷺ يعني مرسلًا، وقد قيل: إن اسم أبي إسرائيل قيصر العامري وليس في الصحابة من يشاركه في اسمه ولا في كنيته، ولا له ذكر إلا في هذا الحديث، قال ابن ماجه في روايته: أن النبي ﷺ مر برجل بمكة وهو قائم في الشمس .... الحديث، قال الحافظ المنذري: إسناد ابن ماجه في ذلك ليس بالقوي. (١) ٢٥٨٤ - أن النبي ﷺ رأى شيخًا يهادى بين ابنيه، فقال: "ما بال هذا؟ " قالوا: نذر أن يمشي إلى البيت، قال: "إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني"، وأمره أن يركب. قلت: رواه الجماعة إلا ابن ماجه: البخاري في الحج والباقون هنا من حديث أنس بن مالك. (٢) وقد تمسك بظاهر هذا من رأى أنه إذا ركب للعجز لا دم عليه، وهو قول الشافعي اختاره بعضهم، لكن الأصح وجوب الدم لحديث ابن عباس في أخت عقبة حين نذرت أن تمشي وسيأتي. - وفي رواية: "اركب أيها الشيخ! فإن الله غني عنك وعن نذرك".

стр. 1302

قلت: رواه مسلم هنا من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري. (١) ٢٥٨٥ - أن سعد بن عُبادة استفتى النبي ﷺ في نذر كان على أمه، فتوفيت قبل أن تقضيه؟ فأفتاه أن يقضيه عنها. قلت: رواه الجماعة هنا من حديث ابن عباس. (٢) ٢٥٨٦ - قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله ﷺ : "أمسك بعض مالك، فهو خير لك"، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. قلت: رواه البخاري في المغازي في غزوة تبوك ومسلم في التوبة كلاهما في حديث طويل يتضمن قصة توبة كعب بن مالك ورواه أبو داود والنسائي كلاهما هنا مختصرًا كما أورده المصنف. (٣) وكعب بن مالك هو أحد الثلاثة الذين خلفوا وأنزل الله فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية، وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، تخلفوا عن رسول الله ﷺ في خروجه إلى غزوة تبوك، ثم ندموا من سوء صنيعهم ذلك، فتابوا إلى الله تعالى فقبل توبتهم، وقصتهم مشهورة في كتب السير والتفاسير، فأراد كعب أن يتصدق بجميع ماله شكرًا لله تعالى لقبول توبته، ومعنى أن انخلع من مالي: أن أخرج منه جميعه، وأتصدق به، وأعرى كما يعرى الإنسان إذا خلع ثوبه، والمختار عند أهل العلم أن يتصدق الرجل بالفضل من ماله، ويستبقي ما فوق قوته وقوت عياله، لأنه إذا أخرج الجميع خيف عليه

стр. 1303

الفتنة والندم، على ما أخرجه فيبطل أجره ويبقى كلًّا، وهذا فيمن يخاف عليه ذلك، أما من عرف من نفسه الصبر فلا يقول في حقه ذلك. (١) من الحسان ٢٥٨٧ - قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة اليمين". قلت: رواه أبو داود والترمذي هنا وابن ماجه (٢) في الأحكام من حديث الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة ترفعه، قال الترمذي: وهذا حديث لا يصح، لأن الزهري لم يسمع هذا الحديث من أبي سلمة، وقال غيره لم يسمعه الزهري من أبي سلمة إنما سمعه من سليمان بن أرقم وسليمان بن أرقم متروك. (٣) وتمسك الإمام أحمد بهذا الحديث، فأوجب في نذر المعصية كفارة يمين، وتمسك الجمهور في عدم انعقاده وعدم الكفارة بحديث عمران بن حصين المتقدم في الصحاح.

стр. 1304

٢٥٨٨ - أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر نذرًا لم يسمه، فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا في معصية، فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لا يطيقه، فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا أطاقه، فليف" وأوقفه بعضهم على ابن عباس. قلت: رواه أبو داود هنا من حديث ابن عباس يرفعه، ورواه ابن ماجه أيضًا وفي إسناد ابن ماجه: من لا يعتمد، وليس فيه: "ومن نذر نذرًا في معصية" وذكر أبو داود أنه روي موقوفًا على ابن عباس. (١) ٢٥٨٩ - أتى رجل النبي ﷺ قال: إني نذرت أن أنحر إبلًا ببوانة، قال: "كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قالوا: لا، قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ "، قالوا: لا، قال: "أوفِ بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم". قلت: رواه أبو داود هنا من حديث ثابت بن الضحاك يرفعه، وسكت عليه أبو داود. (٢) وبوانة: بضم الباء الموحدة وتخفيف الواو وبعد الألف نون بعدها تاء تأنيث هضبة من وراء ينبع قريبة من ساحل البحر، وقيل: بفتح الباء، كذا ذكره ابن الأثير (٣) والحافظ المنذري أنها أسفل مكة دون يلملم. والسائل: كردم بن سفيان، كما جاء في حديث خرجه الإمام أحمد، وحمل الشافعية هذا على أنه نذر الذبح بها مع نية تفرقة اللحم على أهلها، فحينئذ يتعين أهل البلد الذي

стр. 1305

نذر الذبح فيه، أما لو نذر الذبح ببلد ولم ينو تفرقة اللحم، لم يلزمه الذبح إلا إذا نذر ذبح أضحية، أو هدي بمكة وأطلق فإنه يلزمه الذبح بها، وتفرقة اللحم على أهلها. ٢٥٩٠ - أن امرأة قالت: يا رسول الله إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدُّف؟، قال: "أوفي بنذرك"، قالت: إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا لمكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية؟ قال: "لصنم؟ " قالت: لا، قال: "أوفي بنذرك". قلت: رواه أبو داود هنا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وليس في سنده إلا ما قيل في عمرو بن شعيب، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث بريدة (١) وقال: رجع رسول الله ﷺ من بعض مغازيه فجاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله إني نذرت إن ردك الله سالمًا أن أضرب على رأسك بالدف، فقال رسول الله ﷺ : "إن نذرت فافعلي، وإلا فلا"، فقالت: إني كنت نذرت، فقعد رسول الله ﷺ وضربت بالدف. قال الخطابي (٢): ضرب الدف ليس مما يعد من الطاعات التي تتعلق بها النذور وأحسن حالة أن يكون مباحًا. غير أنه لما اتصل بإظهار المسرة والفرح بمقدم رسول الله ﷺ سالمًا من غزواته وكان فيه مساءة للكفار، وإرغام المنافقين صار فعله قربه، ولهذا استحب في العرس لما فيه من إظهار المباح والخروج من معنى السفاح. قوله: قالت: إني نذرت أن أذبح بمكان كذا، تقدم الكلام عليه في الحديث الذي قبله. ٢٥٩١ - أنه قال للنبي ﷺ : إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقة، قال: "يجزي عنك الثلث". قلت: رواه أبو داود هنا عن عبيد الله بن عمر عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن كعب بن مالك عن أبيه أنه قال للنبي ﷺ .

стр. 1306

وأبو لبابة ... وساق الحديث، وليس هذا الحديث في كل نسخ أبي داود إنما هو في بعضها، وأخرجه مالك في جامع الإيمان من الموطأ عن عثمان ابن حفص عن ابن شهاب بلاغًا. (١) ٢٥٩٣ - أن رجلًا قال يوم الفتح: يا رسول الله! إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين؟ قال: "صل ههنا"، ثم أعاد عليه؟ فقال: "صل ههنا" ثم أعاد عليه؟ فقال: "شأنك إذًا". قلت: رواه أبو داود هنا من حديث جابر وسكت عليه. (٢) وأعلم أنه لو نذر الصلاة في المسجد الحرام تعين، ولا يجزئه صلاة في غيره بحال، ومن نذرها في المسجد الأقصى خرج من نذره بالصلاة في المسجد الحرام أو مسجد رسول الله ﷺ ، ومن نذر صلاة في مسجد النبي ﷺ خرج من نذره بصلاة في المسجد الحرام، ولا يخرج لصلاة في المسجد الأقصى ومن نذرها في غيرها من المساجد خرج بصلاة في أحدهما ولا يتعين غير المساجد. ٢٥٩٤ - أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية، فسئل النبي ﷺ ؟ وقيل: إنها لا تطيق ذلك، فقال: "إن الله لغني عن مشي أختك، فلتركب ولتهد بدنة". قلت: رواه أبو داود (٣) من حديث ابن عباس كذا قال ابن الأثير في "جامع الأصول" (٤)، ولم أره في نسخة روايتنا.

стр. 1307

وفي الحديث دليل على أنه إذا نذر الحج ماشيًا فحج راكبًا لعذر، لزمه دم، قال أصحابنا وكذا لو حج راكبًا من غير عذر لكنه يقضي قال النووي: والمراد بالعجز أن تلحقه مشقة ظاهرة كما قالوه في العجز عن القيام في الصلاة، وفي العجز عن صوم رمضان بالمرض. - وفي رواية: فأمرها النبي ﷺ أن تركب وتُهدي هديًا. قلت: رواها أبو داود من حديث عكرمة عن ابن عباس. (١) - وفي رواية: قال النبي ﷺ : "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، فلتحُج راكبة، وتكفّر بيمينها". قلت: رواه أبو داود هنا من حديث كريب عن ابن عباس. وكذا رواه ابن حبان ثم قال: ويشبه أن تكون هذه جعلت على نفسها أن تحج ماشية باليمين، إذ النذر لا كفارة فيه انتهى كلامه. (٢) والأشبه أن يكون عبر عن لزوم الدم بالكفارة، ولا ريب في إطلاق الكفارة على ذلك بل هذا متعين، وتدل عليه الرواية التي قبلها، "ولتهد بدنه" والله أعلم. ٢٥٩٥ - وروي: أن عقبة بن عامر سأل النبي ﷺ عن أخت له، نذرت أن تحج حافية غير مختمرة؟ فقال: "مروها، فلتختمر ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام". قلت: رواه الأربعة هنا إلا ابن ماجه فإنه رواه في الكفارات كلهم من حديث عبد الله بن مالك عن عقبة بن عامر وفي سند الحديث عبيد الله بن زحر الأفريقي العابد مختلف فيه، قال الذهبي: وله مناكير ضعّفه أحمد،

стр. 1308

وقال النسائي: لا بأس به. (١) وقد نقل بعض المتأخرين من الشافعية أنه لو نذر الحج حافيًا لزمه الحج لا الحفاء، ولا يلزمه فدية بترك الحفاء بلا خلاف، لأنه ليس بقربة فلا ينعقد نذره، وأما ترك الاختمار وهو ستر الرأس فهو من المرأة معصية لا تصح نذره. قوله ﷺ : وليصم ثلاثة أيام هذا الصوم ليس هو عن ترك الحفاء، ولا عن ترك الاختمار، بل هو عن ترك المشي المفهوم من قولها حافية، ولعله ﷺ إنما أمرها بالصوم لعجزها عن الدم. ٢٥٩٦ - أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة، فقال: إن عدت تسألني القسمة، فكل مالي في رتاج الكعبة، فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك، كفّر عن يمينك وكلم أخاك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يمين عليك، ولا نذر في معصية الرب، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا يملك". قلت: رواه أبو داود في الأيمان والنذور، من حديث عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن عُمر، وسعيد بن المسيب: لم يصح سماعه من عمر، فهو منقطع ورتاج الكعبة: هو بكسر الراء المهملة والمثناة من فوق ثم بألف ثم جيم: بابها، فكنى عن الكعبة بالباب لأن منه يدخل إليها، والله أعلم. (٢)

стр. 1309

كتاب القصاص من الصحاح ٢٥٩٧ - قال رسول الله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة". قلت: رواه الجماعة: البخاري والترمذي في الديات ومسلم وأبو داود وابن ماجه في الحدود والنسائي في المحاربة من حديث عبد الله بن مسعود يرفعه. (١) والمراد هنا بالزاني: الزاني المحصن، والمراد رجمه بالحجارة حتى يموت قوله ﷺ : النفس بالنفس، المراد به القصاص، وقد يستدل به الحنفية في قولهم، يقتل المسلم بالذمي، ويقتل الحر بالعبد، ومالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء على خلافه. قوله ﷺ : والمفارق لدينه التارك للجماعة: هو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كان، فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام. قال النووي (٢): وهذا عام يخص منه الصائل ونحوه فيباح قتله في الدفع، وقد يجاب في هذا بأن داخل في المفارق للجماعة. ٢٥٩٨ - قال ﷺ : "لن يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يصب دمًا حرامًا". قلت: رواه البخاري في الديات (٣) عن ابن عُمر، وهو من تفردات البخاري وقال: قال ابن عمر: إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام

стр. 1310

بغير حله. ٢٥٩٩ - قال ﷺ : "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة: في الدماء". قلت: رواه الجماعة من حديث ابن مسعود (١) إلا أبا داود: البخاري والترمذي وابن ماجه في الديات ومسلم في الحدود والنسائي في المحاربة. وهذا الحديث فيه تغليظ أمر الدماء، وأنها أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة. وليس هذا الحديث مخالفًا للحديث المشهور في السنن: "أول ما يحاسب به العبد صلاته" لأن هذا الحديث الثاني فيما بين العبد وبين الله تعالى، وأما حديث الباب فهو فيما بين العباد. ٢٦٠٠ - وقال ﷺ : "لا تقتل نفس ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل". قلت: رواه الجماعة إلا أبا داود: البخاري في مواضع منها الديات ومسلم في الحدود والترمذي في العلم والنسائي في التفسير وابن ماجه في الديات من حديث ابن مسعود. (٢) والكفيل: بكسر الكاف: الجزء والنصب وقال الخليل: هو الضعف. وهذا الحديث من قواعد الإسلام وهو أن كل من ابتدع شيئًا من الشر، كان عليه مثل وزر كل من اقتدى به في ذلك فعمل مثل عمله إلى يوم القيامة، ومثله في الخير، كما جاء في الأحاديث الصحيحة. ٢٦٠١ - أنه قال: يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار فاقتتلنا فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أأقتله بعد أن قالها؟، قال: "لا تقتله"، فقال: يا رسول الله! إنه قطع إحدى يدي؟ فقال رسول الله ﷺ :

стр. 1311

"لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها". قلت: رواه البخاري في الديات ومسلم في الإيمان وأبو داود في الجهاد والنسائي في السير من حديث المقداد بن عمرو الكندي (١) يرفعه. والمقداد هذا هو: ابن عمرو حقيقة، وإنما قيل له ابن الأسود لأن الأسود ابن عبد يغوث تبناه في الجاهلية، فصار به أعرف. ولاذ مني بشجرة: أي اعتصم مني وهو بالذال المعجمة. قوله ﷺ : فإن قتلته إلى آخره، اختلف في معناه فأحسن ما قيل: إن معناه فإنه معصوم الدم، يحرم قتله، بعد قوله لا إله إلا الله، كما كنت أنت قبل أن تقتله، وإنك بعد ما قتلته غير معصوم الدم ولا محرم القتل كما كان هو قبل قوله لا إله إلا الله لولا عذرك بالتأويل المسقط للقصاص عنك، وقيل معناه أنك مثله في مخالفة الحق وارتكاب الإثم، وإن اختلفت أنواع المخالفة والإثم، وقد تمسك بهذا الحديث من يكفر المسلم بارتكاب الكبائر، وحملوه على أنه بمنزلته في الكفر قبل أن يقول كلمة الشهادة. ٢٦٠٢ - بعثنا رسول الله ﷺ إلى ناس من جهينة، فأتيت على رجل منهم فذهبت أطعنه فقال: لا إله إلا الله فطعنته فقتلته، فجئت إلى النبي ﷺ فأخبرته فقال: أقتلته وقد شهد أن لا إله إلا الله؟ قلت: يا رسول الله إنما فعل ذلك تعوذًا، قال: فهلا شققت عن قلبه. قلت: رواه البخاري في الديات ومسلم في الإيمان والنسائي في السير (٢) من حديث أسامة بألفاظ متقاربة. واسم هذا الرجل: قيل: المرداس بن نهيك، وقيل: المرداس بن عمرو، وعلى

стр. 1312

القولين ليس هو من جهينة، لكن لما وجد بأرضهم مقيمًا بها جعله منهم، وأما كونه ﷺ لم يوجب على أسامة قصاصًا، ولا دية، ولا كفارة، فقد يستدل به لإسقاط الجميع، قال النووي (١): لكن الكفارة واجبة، والقصاص ساقط للشبهة، لأنه ظنه كافرًا، وفي وجوب الدية قولان للشافعي، ويجاب عن عدم ذكر الكفارة بأنها ليست على الفور، بل هي على التراخي، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز على المذهب الصحيح عند أهل الأصول، وأما الدية على قول من أوجبها، فيحتمل أن أسامة كان في ذلك الوقت معسرًا بها، فأخرت إلى يساره. ٢٦٠٣ - ورواه جندب البجلي أن رسول الله ﷺ قال: "كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة"، قاله مرارًا. قلت: رواه مسلم في الإيمان من حديث جندب بن عبد الله البجلي ولم يخرجه البخاري. (٢) ٢٦٠٤ - قال رسول الله ﷺ : "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين خريفًا". قلت: رواه البخاري في الجزية وهو أيضًا وابن ماجه في الديات من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص يرفعه (٣) ولم يقل البخاري في الموضعين إلا: أربعين عامًا، وكذلك ابن ماجه. قوله ﷺ : "من قتل معاهدًا" قال ابن الأثير (٤): يجوز أن تقرأ بكسر الهاء وفتحها، على الفاعل والمفعول، والأشهر في الحديث الفتح، والمعاهد: من كان بينك وبينه

стр. 1313

عهد، وأكثر ما يطلق في الحديث على أهل الذمة، وقد تطلق على غيرهم من الكفار إذا صولحوا على ترك الحرب مدة. قوله: لم يرح رائحة الجنة، قال الزمخشري (١): فيه ثلاث لغات راح يريح كباع يبيع، وراح يراح كخاف يخاف، وأراح يريح، إذا وجد الرائحة، فقد جاءت الرواية بهن جميعًا، وعبر الريح ولو كقولهم أراح ورويحه، ومعناه لم يشم رائحة الجنة. قوله ﷺ : خريفًا أي عامًا. ٢٦٠٥ - قال ﷺ : "من تردّى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم، يتردى فيه خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تَحَسّى سُمًا فقتل نفسه فسمه في يده، يتحسّاه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا". قلت: رواه الجماعة من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة البخاري في أواخر الطب ومسلم في الإيمان وأبو داود والترمذي وابن ماجه ثلاثتهم في الطب، لكن أبو داود مختصرًا والنسائي في الجنائز. (٢) قوله ﷺ : من تردّى من جبل، التردي في الأصل التعرض للهلاك من الردى، وهو الهلاك وشاع في التدهور لإفضائه إلى الهلاك. والتحسي: أي يشرب على مهل، يتجرعه تجرعًا. ويجأ بها: بالجيم والهمزة ويجوز تسهيله بقلب الهمزة ألفًا ومعناه: يطعن، والمراد من الذين حكم النبي ﷺ عليهم بالخلود الذين يستحلون تلك الأفعال. ٢٦٠٦ - قال ﷺ : "الذي يخنق نفسه، يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها

стр. 1314

في النار". قلت: انفرد البخاري بهذا الحديث في الجنائز من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة يرفعه. (١) ويخنق: قال الجوهري (٢): الخنق بكسر النون، مصدر قولك خنقه يخنقه بالضم، ويطعن بضم العين. ٢٦٠٧ - قال رسول الله ﷺ : "كان فيمن كان قبلكم رجل به جُرح، فجزع، فأخذ سكينًا فحز يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة". قلت: رواه البخاري في الجنائز ومسلم في الإيمان من حديث جندب بن عبد الله البجلي. (٣) قوله ﷺ : فما رقأ الدم حتى مات، أي ما انقطع الدم حتى مات، وهو مهموز يقال رقأ الدم، والدمع يرقأ رقوًا مثل ركع يركع ركوعًا إذا سكن وانقطع. ٢٦٠٨ - إن الطفيل بن عمرو الدوسي لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، هاجر إليه، وهاجر معه رجل من قومه، فمرِض فجزع، فأخذ مشاقص له، فقطع بها براجمه، فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، وهيئته حسنة ورآه مغطيًّا يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ ، فقال: ما لي أراك مغطيًّا يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصّها الطفيل على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "اللهم وليديه فاغفر".

стр. 1315

قلت: رواه مسلم في الإيمان ولم يخرجه البخاري. (١) والمشاقص: جمع مشقص بكسر اليم، وهو نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض. والبراجم: جمع بُرْجُمة بالضم، وهي العقد التي في ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ. ٢٦٠٩ - عن رسول الله ﷺ قال: "ثم أنتم يا خزاعة! قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله، من قتل بعده قتيلًا، فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل". قلت: رواه الشافعي في المسند والترمذي في الديات كلاهما في حديث طويل، هذه قطعة منه، وروى أبو داود في الديات هذه القطعة مقتطعة كما أوردها المصنف كلهم من حديث أبي شريح الكعبي وقال الترمذي: حديث حسن صحيح انتهى. وقد وهم ابن الأثير (٢): فظن أن هذه القطعة ليست في أبي داود ولا في الترمذي فعزاها لرزين خاصة، والصواب: ما حررناه، ولم أر هذا الحديث في الصحيحين من رواية أبي شريح إنما فيهما معناه من رواية أبي هريرة، فكان من حق الشيخ أن يذكر هنا حديث أبي هريرة أو يؤخر هذا إلى الحسان والله أعلم. (٣) وأبو شريح: بضم الشين المعجمة وفتح الراء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها حاء مهملة واسمه خويلد بن عمرو ويقال غير ذلك. والعقل: الدية وأصله أن القاتل كان يجمع الدية ويعقلها بفناء دار أولياء القتيل فسميت الدية عقلًا بالمصدر، يقال: عقل البعير يعقله عقلًا، ثم توسع حتى قيل في

стр. 1316

الدراهم والدنانير. ٢٦١٠ - أن يهوديًّا رضَّ رأس جارية بين حجرين، فقيل لها من فعل بك هذا: أفلان؟ أفلان؟ حتى سُمي اليهودي، فأومأت برأسها، فجيء باليهودي فاعترف، فأمر به ﷺ فُرض رأسه بالحجارة. قلت: رواه الجماعة البخاري في مواضع منها في الإشخاص والملازمة ومسلم في الحدود وأبو داود والترمذي وابن ماجه في الديات والنسائي في القود من حديث أنس بألفاظ مختلفة (١) والمعنى متفق. والرض: الدق الجريس. وفي الحديث قتل الرجل بالمرأة، وهو إجماع من يعتد به، وثبوت القصاص في القتل بالمثقل ولا يختص بالمحدد، وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد، وقال الإمام أبو حنيفة لا قصاص إلا في القتل بمحدد من حديد، أو حجر أو خشب أو كان يقتل الناس بالمنجنيق أو بالإلقاء في النار، واختلفت الرواية عنه في مثقل الحديد كالدبوس. وفي الحديث أيضًا سؤال الجريح من جرحك؟ وفائدة السؤال أن يعرف المتهم ليطالب، فإن أقر ثبت عليه القتل، وإن أنكر فالقول قوله بيمينه ولا يلزمه شيء لمجرد قول المجروح، وإلى هذا ذهب جماهير العلماء، ومذهب مالك ثبوت القتل على المتهم لمجرد قول المجروح. (٢) ٢٦١١ - كسرت الربيع -وهي عمة أنس بن مالك- ثنية جارية من الأنصار، فأتوا النبي ﷺ فأمر بالقصاص، فقال أنس بن النضر -عم أنس ابن مالك- لا والله، لا تكسر ثنيتها يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "يا أنس كتاب الله القصاص"،

стр. 1317

فرضي القوم وقبلوا الأَرش. فقال رسول الله ﷺ : "إن من عباد الله مَنْ لو أقسم على الله لأبره". قلت: رواه البخاري في مواضع منها في تفسير سورة المائدة بهذا اللفظ ومسلم في الحدود بلفظ آخر، كلاهما من حديث أنس (١) ولفظ مسلم: أن أخت الربيع أم حارثة، جرحت إنسانًا، فاختصموا إلى النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "القصاص القصاص" فقالت أم الربيع: يا رسول الله أيقتص من فلانة؟ لا يقتص منها، قال النبي ﷺ : "سبحان الله يا أم الربيع القصاص كتاب الله" قالت: لا والله لا يقتص منها أبدًا، قال: فما زالت حتى قبلوا الدية، فقال رسول الله ﷺ : "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" وهذه الرواية مخالفة لما رواه المصنف، والبخاري من وجهين: أحدهما: أن في رواية مسلم أن الجارحة هي أخت الربيع، وفي رواية البخاري أنها الربيع بنفسها، والثاني: أن في رواية مسلم أن الحالف لا تكسر ثنيتها هي أم الربيع بفتح الراء، وفي رواية البخاري أنه أنس بن النضر، قال العلماء: المعروف في الروايات رواية البخاري، وقد ذكرها من طرقه الصحيحة، ولهذا اقتصر عليها المصنف، والذهاب إلى أنهما قضيتان بعيد، ولكنه يجوز، والربيع الجارحة في رواية البخاري وأخت الجارحة في رواية مسلم بضم الراء وفتح الباء وتشديد الياء، وأما أم الربيع الحالفة في رواية مسلم، فبفتح الراء وكسر الباء وتخفيف الياء. قوله ﷺ : كتاب الله القصاص أي حكم كتاب الله وجوب القصاص في السن، وهو قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ وأما قوله: "والله لا يقتص منها" فليس معناه رد حكم النبي ﷺ ، بل معناه الرغبة إلى مستحق القصاص أن يعفوا، وإلى النبي ﷺ في الشفاعة إليهم في العفو، وإنما حلف ثقة بفضل الله تعالى ولطفه أنه لا يحنثه بل يلهمهم العفو.

стр. 1318

قوله ﷺ إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره معناه: لا يحنثه لكرامته عليه. (١) ٢٦١٢ - سألت عليًّا: هل عندكم شيء ليس في القرآن؟ فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا فهمًا يعطى رجل في كتابه، وما في الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفِكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر. قلت: رواه البخاري والترمذي وابن ماجه في الديات والنسائي في القود من حديث أبي جحيفة عن علي ﵁. (٢) قوله: هل عندكم شيء ليس في القرآن، الظاهر أنه إنما سأله ذلك لأن الشيعة زعموا أن النبي ﷺ خص أهل بيته لا سيما عليًّا كرم الله وجهه بأسرار علم من الوحي. ومعنى فلق الحبة: أي شقها بإخراج النبات عنها. وبرأ النسمة: أي خلقها، والنسمة: النفس والروح أي والذي خلق ذات الروح. قوله العقل: أي فيها إيجاب الدية نفسًا وطرفًا أو ذكر أسنانها وعددها وسائر أحكامها، قوله: وفكاك الأسير، فيها استحباب فكاك الأسير. من الحسان ٢٦١٣ - أن النبي ﷺ قال: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم". ووقفه بعضهم، وهو الأصح. قلت: رواه الترمذي في الديات والنسائي في المحاربين كلاهما مرفوعًا وموقوفًا على عبد الله بن عمرو بن العاص قال الترمذي: والموقوف أصح. (٣) ٢٦١٤ - عن رسول الله ﷺ : "لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمن

стр. 1319

لأكبّهم الله في النار". (غريب). قلت: رواه الترمذي في الديات من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وقال: غريب. (١) ٢٦١٥ - عن النبي ﷺ قال: "يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة، ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دمًا، يقول: يا رب قتلني، حتى يدنيه من العرش". قلت: رواه الترمذي في التفسير والنسائي في المحاربة من حديثًا عمرو بن دينار عن ابن عباس يرفعه، وقال الترمذي: حسن، وقد رواه بعضهم عن عمرو موقوفًا على ابن عباس. (٢) والأوداج: هي ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح، واحدها ودج، وقيل: الودجان: عرقان غليظان عن جانبي ثغرة النحر. ويشخب: أي يسيل وقد شخب يشخُب ويشخَب، وأصل الشخب ما خرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة وعصرة لضرع الشاة. ٢٦١٦ - أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس". قلت: رواه أبو داود في الديات والترمذي في الفتن والنسائي في المحاربة وابن ماجه في الحدود من حديث عثمان (٣) وفيه قصة وتمامه: فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا ارتددت منذ بايعت رسول الله ﷺ ولا قتلت النفس التي حرم الله فبم تقتلونني. قال الترمذي: هذا حديث حسن، انتهى. ولم أره في أبي دواد في نسخة روايتنا لكن

стр. 1320

عزاه له المزي فتبعته. ٢٦١٧ - عن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال المؤمن مُعنقًا صالحًا، ما لم يصب دمًا حرامًا، فإذا أصاب دمًا حرامًا بلّح". قلت: رواه أبو داود في الفتن من حديث أم الدرداء عن أبي الدرداء (١) يرفعه. معنقًا: أي مسرعًا في طاعته، منبسطًا في عمله وقيل: أراد يوم القيامة. والعنق: بفتح العين المهملة والنون، ضرب من السير وسيع. وبلح: بتشديد اللام وقد تخفف أي أعيا وانقطع، يقال: بلح الفرس إذا انقطع جريه، ويجوز أن يراد بذلك في الدنيا أو في القيامة أو فيهما. ٢٦١٨ - أن رسول الله ﷺ قال: "كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا من مات مشركًا، أو من يقتل مؤمنًا متعمّدًا". قلت: رواه النسائي في المحاربة (٢) من حديث معاوية ورجاله ليس فيهم إلا من روى له الشيخان أو أحدهما إلا أبا عون الأنصاري وهو ثقة. ٢٦١٩ - قال رسول الله ﷺ : "لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقاد بالولد الوالد". قلت: رواه الترمذي في الديات وابن ماجه مفرقًا في الحدود والديات من حديث ابن عباس (٣) وقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث إسماعيل بن مسلم المكي، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه انتهى. وإسماعيل بن مسلم تركه النسائي وقال الذهبي: ضعفوه. (٤)

стр. 1321

٢٦٢٠ - دخلت مع أبي على رسول الله ﷺ فرأى أبي الذي بظَهرِ رسول الله ﷺ ، فقال: دعني أعالج الذي بظهرك، فإني طبيب، فقال: "أنت رفيق، والله الطبيب"، فقال رسول الله ﷺ : "من هذا معك؟ "، قال: ابني، فاشهد به، فقال: "أما إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه". قلت: رواه أبو داود في الترجل وفي الديات مقطعًا والنسائي أيضًا في الزينة وفي الديات (١) من حديث أبي رمثة بكسر الراء المهملة وسكون الميم وبعدها ثاء مثلثة مفتوحة وتاء تانيث، واسمه حبيب، وقيل: رفاعة، وقيل: غير ذلك. قوله: فاشهد أي على أنه ابني. قوله ﷺ : "لا يجني عليك ولا تجني عليه" أراد بذلك الرد على من اعتقد أن كل واحد من الوالد والولد يؤاخذ بجناية الآخر، ومعناه: لا تؤخذ بجنايته ولا يؤخذ بجنايتك. وفي الحديث دليل لمن ذهب إلى أن الابن والأب لا يتحملان العقل، عن القاتل وإليه ذهب الشافعي وجماعات، قالوا: إن الأب وإن علا والابن وإن سفل لا يتحمل أحد منهم الدية الواجبة. ٢٦٢١ - حضرت رسول الله ﷺ يقيّد الأب من ابنه، ولا يقيد الابن من أبيه. (ضعيف). قلت: رواه الترمذي في الديات من حديث المثنى بن الصباح عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده عن سراقة بن مالك، قال -أعني الترمذي-: ولا نعرفه من حديث سراقة إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بصحيح، المثنى يضعف. (٢)

стр. 1322

٢٦٢٢ - قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه، ومن أخصى عبده أخصيناه". قلت: رواه النسائي في القود، وفرقه وأبو داود في الديات في حديثين والترمذي وابن ماجه والدارمي (١) فيه، ولم يقل الثلاثة: "من أخصى عبده أخصيناه" كلهم من حديث قتادة عن الحسن عن سمرة، وقد تقدم الاختلاف في الاحتجاج بأحاديث الحسن عن سمرة، وأن الصحيح أنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة، وقد روى أبو داود عن قتادة: أن الحسن نسي هذا الحديث فكان يقول: لا يقتل حر بعبد، وذهب بعضهم إلى أن حديث سمرة هذا منسوخ، قال: لما ثبتا ثبتا معًا، فلما نسخا نسخا معًا، يريد لما سقط الجدع سقط القصاص كذلك، وفيما قاله نظر، فقد حكى بعضهم عن إبراهيم النخعي أن القصاص بينهما في النفس والطرف وللعلماء في المسألة أقوال: فقال جماعة من الصحابة والتابعين: لا قصاص على من قتل عبده أو عبد غيره، وإلى هذا ذهب الشافعي ومالك وإسحق، وقال جماعة: القصاص ثابت بين الأحرار والعبيد في النفس، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، لكن خصه بما إذا كان عبد غيره، أما عبد نفسه فلا قصاص عليه في قتله. ٢٦٢٣ - أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل متعمدًا، دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وما صالحوا عليه فهو لهم". قلت: رواه الترمذي وابن ماجه في الديات من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه وحسنه الترمذي. (٢)

стр. 1323

والخلفة: بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام، الحامل من النوق، ويجمع على خلفات وخلائف. ٢٦٢٤ - عن النبي ﷺ قال: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده". قلت: رواه أبو داود في الديات والنسائي فيه (١) من حديث علي وقالا فيه: "ومن أحدث فعلى نفسه، أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". "والتكافؤ": التساوي أي تتساوى دماؤهم في القصاص، والديات لا فضل فيها لشريف على وضيع، وهذا بخلاف ما كانوا عليه في الجاهلية. والذمة: الأمان، ومنها سمي المعاهد ذميًّا: لأنه أمن على ماله ودمه. ومعنى يسعى بذمتهم أدناهم: أن واحدًا من المسلمين إذا أمّن كافرًا حرم على عامة المسلمين دمه، وإن كان هذا المجير أدناهم مثل أن يكون عبدًا أو امرأة أو عسيفًا تابعًا أو نحو ذلك. وهم يد على من سواهم: أي هم مجتمعون على أعدائهم لا يمنعهم التخاذل بل يعاون بعضهم بعضًا على جميع الأديان والملل كأنه جعل أيديهم يدًا واحدة. قوله: ويرد عليهم أقصاهم: هذه اللفظة إنما هي في أبي داود، ويجير عليهم أقصاهم من حديث عمرو بن شعيب، وكذلك في النهاية وقال: معناه إذا أجار واحد من المسلمين حرٌ أو عبدٌ أو امرأة، واحدًا أو جماعة من الكفار، وأمنهم كان ذلك على جميع المسلمين. قوله: لا يقتل مسلم بكافر: مقتضاه لا يقتل به سواء كان ذميًّا أو معاهدًا، وإلى هذا

стр. 1324

ذهب مالك والشافعي وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه يقتل المسلم بالذمي، وتأول قوله ﷺ لا يقتل مؤمن بكافر أي بكافر حربي بدليل أنه عطف عليه، ولا ذو عهد في عهده، وذو العهد يقتل بذي العهد، إنما لا يقتل بالحربي، قالوا: وتقدير الكلام: لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده بكافر. قلنا حديث صحيفة علي المتقدم فيها: لا يقتل مؤمن بكافر، من غير ذكر العهد فهو عام في جميع الكفار ألا يقتل بهم مسلم. قوله: "ولا ذو عهد في عهده" يعني أن ذا العهد لا يجوز قتله إبتداء، ما دام في العهد، وفي ذكر المعاهد أنه لا يقتل إبتداء فائدة: وهو أنه ﷺ لما أسقط القود عن المسلم بقتل الكافر أوجب توهين حرمة دماء المشركين، فنص على المنع من ذلك دفعًا للشبهة، وقطعًا لتأويل المتأول. ٢٦٢٥ - سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أصيب بدم أو خَبْل، والخبل: الجرح، فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه، بين أن يقتصّ وبين أن يعفو، أو يأخذ العقل، فإن أخذ من ذلك شيئًا، ثم عدا بعد ذلك، فله النار خالدًا فيها مخلدًا أبدًا". قلت: رواه أبو داود في الديات وابن ماجه فيه من حديث أبي شريح الخزاعي واللفظ لابن ماجه، وفي سندهما محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام فيه، وفي سنده أيضًا سفيان بن أبي العوجاء وهو ضعيف. (١) والخبل: بالخاء المعجمة المفتوحة وسكون الباء الوحدة: فساد الأعضاء يقال: خبل الحبّ قلبَه إذا أفسده، يخبله ويخبُله بالضم والكسر خَبلًا أي من أصيب بقتل نفس أو قطع عضو فهو بالخيار. ٢٦٢٦ - عن رسول الله ﷺ : "من قتل في عِمِّيَّة، في رمي يكون بينهم بالحجارة، أو

стр. 1325

جَلْدِ بالسياط، أو ضرب بعصا، فهو خطأ، وعقله عقل الخطأ، ومن قتل عمدًا، فهو قود، ومن حال دونه، فعليه لعنة الله وغضبه، لا يقبل منه صرف ولا عدل". قلت: رواه أبو داود وابن ماجه كلاهما في الديات والنسائي في القصاص من حديث طاووس عن ابن عباس يرفعه. (١) قوله ﷺ : من قتل في عمية: قال الإمام أحمد: هو الأمر الأعمى كالعصبية لا يستبين وجهه. قال ابن الأثير (٢): العميا بالكسر والتشديد والقصر فعّيلا من العمي، كالرميا من الرمي، والخصّيصي من التخصيص، وهي مصادر والمعنى: أن يوجد بينهم قتيل يعمى أمره، ولا يتبين قاتله فحكمه حكم قتيل الخطأ. قال: وفي رواية في عمية وهي فعيلة من العمي كالقتال في العصبية والأهواء انتهى. ومراد ابن الأثير بالكسر والتشديد يعني الميم، وأما العين فقد ضبطها بعضهم بالفتح والكسر فقال: عَمية وعِمية، قوله في رمي يكون بينهم إلى آخره كالبيان والتفسير لقوله عمية. قوله: فهو قود أي قود يده. قوله: ومن حال دونه أي دون القصاص بأن منع المستحق من الاستيفاء فعليه ما عليه. قوله: لا يقبل منه صرف ولا عدل، تقدم تفسيره في باب حرمة المدينة. ٢٦٢٧ - قال رسول الله ﷺ : "لا أعفي من قتل بعد أخذ الدية". قلت: رواه أبو داود في الديات من حديث مطر الوراق، قال: وأحسبه عن الحسن عن جابر عن عبد الله يرفعه. (٣)

стр. 1326

والحسن هذا هو البصري لم يسمع من جابر بن عبد الله فهو منقطع، ومطر الوراق لم يجزم بسماعه من الحسن والله أعلم. فمن رواه لا أعفى بفتح الهمزة والفاء فمعناه: لا كثر ماله، ولا استغنى، فهو رعاء عليه، ومن رواه بضم الهمزة وكسر الفاء فمعناه: لا أترك. ٢٦٢٨ - سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجل يُصاب بشيء في جسده، فتصدق به، إلا رفعه الله به درجة، وحط عنه به خطيئة". قلت: رواه الترمذي وابن ماجه في الديات من حديث أبي السفر عن أبي الدرداء يرفعه، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ولا نعرف لأبي السفر سماعًا من أبي الدرداء. وأبو السفر اسمه: سعيد بن يُحمد، ويقال: سعيد بن يُحمد. (١) باب الديات من الصحاح ٢٦٢٩ - عن النبي ﷺ قال: "هذه وهذه سواء" يعني: الخنصر والإبهام. قلت: رواه الجماعة إلا مسلمًا كلهم هنا من حديث ابن عباس. (٢) والخنصر: بالخاء المعجمة والصاد المهملة المكسورتين الأصبع الصغير. ٢٦٣٠ - قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان بغرة: عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى بأن ميراثها لبنيها وزوجها، والعقل على

стр. 1327

عصبتها. قلت: رواه الشيخان وأبو داود (١) هنا من حديث أبي هريرة، ولحيان أبو قبيلة وهو لحيان بن هذيل بن مدركة. والغرة: العبد أو الأمة، وأصل الغرة: البياض الذي يكون في وجه الفرس، والمراد من الحديث: النسمة من الرقيق، ذكرًا كان أو أنثى، يكون قيمتها نصف عشر دية الأب أو عشر دية الأم، وقال أبو عمرو بن العلاء (٢): الغرة عبد أبيض، أو أمة بيضاء، ويسمي غرة لبياضه فلا يقبل في الجنين عبد أسود ولا جارية سوداء انتهى كلامه. ثم الغرة تكون لورثة الجنين على مواريثهم الشرعية، وهذا شخص يورث ولا يرث، ولا يعرف له نظير إلا من بعضه حر وبعضه رقيق، فإنه لا يرث عندنا وهل يورث فيه قولان أصحهما يورث، وهذا إذا انفصل الجنين ميتًا، أما إذا انفصل حيًّا ثم مات فيجب فيه كمال دية الكبير، وهذا مجمع عليه، وسواء في ذلك العمد والخطأ، وإذا وجبت الغرة فهي على العاقلة عند الشافعي وأبي حنيفة، وقال مالك: يجب على الجاني، قال الشافعي: وعلى الجاني الكفارة، وقال أبو حنيفة ومالك: لا كفارة، والعقل: دية. قال العلماء: وهذا الحديث قد يوهم خلاف مراده، والصواب أن المرأة التي ماتت هي المجني عليها لا الجانية، وقد صرح به في الحديث بعده بقوله: "فقتلتها وما في بطنها" فيكون المراد بقوله: "التي قضى عليها بالغرة" أي التي قضى لها بالغرة، فعبر بعليها عن لها. وأما قوله ﷺ : "والعقل على عصبتها" فالمراد القاتلة كذا، قاله النووي وغيره. (٣)

стр. 1328

٢٦٣١ - اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله ﷺ : "أن دية جنينها غرة: عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورّثها ولدها ومن معهم". قلت: رواه الشيخان وأبو داود أيضًا هنا من حديث أبي هريرة. (١) ٢٦٣٢ - أن ضرّتين رمت إحداهما الأخرى بعمود فسطاط، فألقت جنينها، فقضى رسول الله ﷺ في الجنين غرةً عبدًا أو أمةً، وجعله على عاقلة المرأة. قلت: رواه مسلم بمثل معناه في الديات والترمذي فيه بلفظه من حديث المغيرة بن شعبة. (٢) والفسطاط: ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق، وفيه ست لغات: الفسطاط والفساط والفستاط بضم الفاء وكسرها فيهن جميعًا، والحجر في الحديث الذي قبله، والعمود في هذا الحديث حملهما الشافعي على حجر صغير وعمود صغير لا يقصد به القتل غالبًا، فيكون شبه عمد، تجب فيه الدية على العاقلة، ولا يجب فيه قصاص ولا دية على الجاني. - ويروى: فقتلتها، فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عصبة القاتلة. قلت: رواها مسلم من حديث المغيرة. (٣) من الحسان ٢٦٣٣ - أن رسول الله ﷺ : "ألا إن في قتيل العمد الخطأ -بالسوط والعصا-: مائة من الإبل مغلظة، منها أربعون خلفة في بطونها أولادُها".

стр. 1329

قلت: رواه الشافعي من حديث ابن عمر بن الخطاب وأبو داود والنسائي وابن ماجه هنا من حديث عبد الله بن عُمر (١) ومن حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص، وأخرجه البخاري في "تاريخه الكبير" وساق اختلاف الرواة فيه، وكذلك الدارقطني ساق اختلاف الرواة فيه، وابن حبان في صحيحه عن ابن عمر والدرامي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. (٢) والخلفة: تقدم تفسيرها في الباب الذي قبل هذا. ٢٦٣٤ - أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن، وكان في كتابه: أن من اعتبط مؤمنًا قتلًا، فإنه قود يده، إلا أن يرضى أولياء المقتول. قلت: هذه القطعة رواها الدارمي في الديات، وفيه أن الرجل يقتل بالمرأة، وفيه: أن الرجل يقتل بالمرأة، وفيه: في النفس الدية، مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وفي الأنف إذا أوعب جدعة الدية: مائة من الإبل، وفي الأسنان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المثقلة خمسة عشر من الإبل، وفي كل إصبع من أصابع اليد والرجل: عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل. قلت: رواه النسائي والدارمي كلاهما في الديات من حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده، ولفظ المصنف هو لفظ الدارمي لكن الدارمي قطع الحديث في سبعة أبواب، فجمعه المصنف وأوردها إيرادًا واحدًا وهذا من حسن صنيعه

стр. 1330

لأنها عند الدارمي كلها بسند واحد. (١) قوله: ومن اعتبط مؤمنًا بالعين المهملة، والتاء المثناة من فوق، والباء الموحدة، والطاء المهملة، أي قتله بلا جناية كانت منه ولا جريرة توجب قتله، فإن القاتل يقاد به ويقتل، وكل من مات بغير علة فقد اعتبط ومات فلان عَبْطة: أي شابًّا صحيحًا قاله الجوهري (٢) وغيره. قوله ﷺ : فإنه قود يده، القود قتل القاتل بالقتيل، ومعنى: قود يده، يقتص منه بما جنته يده من القتل فكأنه مقتول يده قصاصًا. وأوعب جدعًا: أي استؤصل جدعًا، والإيعاب والاستيعاب الاستئصال والاستقصاء في كل شيء، والمأمومة من شجاج الرأس وهي ما تصل إلى الجلدة التي تلي الدماغ، وفيها ثلث الدية كما في الحديث. والجائفة: هي التي تصل إلى جوف البدن من ظهر أو بطن أو صدر ونحوه وفيها ثلث الدية أيضًا. والمنقلة: بكسر القاف المشددة من شجاج الرأس وهي ما لا تبرى إلا بنقل العظم من الرأس وفيها خمسة عشر من الإبل. (٣) - وفي رواية: وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي الموضحة خمس. قلت: رواها النسائي من حديث مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، قال: الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم في العقول،

стр. 1331

وساقه، وكذا أخرجه مالك في الموطأ وليس بمتصل. (١) والموضحة: هي التي توضح العظم أي تظهره فتجب فيها خمس من الإبل سواء كانت صغيرة أم كبيرة. ٢٦٣٥ - قضى رسول الله ﷺ في المواضح خمسًا خمسًا من الإبل، وفي الأسنان خمسًا خمسًا من الإبل. قلت: رواه أبو داود والنسائي والدارمي ثلاثتهم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مقطعًا في حديثين لكن الدارمي بسند واحد فجمعها المصنف. (٢) ٢٦٣٦ - جعل رسول الله ﷺ أصابع اليدين والرجلين سواء. قلت: رواه أبو داود والترمذي (٣) ولفظه: "دية أصابع اليدين، والرجلين سواء عشرة من الإبل"، وقال: حسن صحيح. ٢٦٣٧ - وقال ﷺ : "الأسنان سواء: الثنية والضرس سواء، والأصابع سواء: هذه وهذه سواء". قلت: رواه أبو داود هنا من حديث ابن عباس. (٤) ٢٦٣٨ - خطب رسول الله ﷺ عام الفتح، ثم قال: "أيها الناس! أنه لا حِلْف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية، فإن الإسلام لا يزيده إلا شدة، المؤمنون يد على من سواهم، يجير عليهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وترد سراياهم على قعيدتهم، لا يقتل مؤمن بكافر، دية الكافر نصف دية المسلم، لا جلب، ولا جنب، ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم".

стр. 1332

قلت: رواه أبو داود في الجهاد وفي الزكاة أيضًا قطعة منه، وفي الديات بعضه وابن ماجه في الديات مختصرًا. (١) والحلف: بكسر الحاء المهملة وسكون اللام المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام في هذا الحديث، وما كان منه في الجاهلية على نصرة المظلوم، وصلة الأرحام كحلف المطيبين فذلك الذي قال فيه ﷺ : "إيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة"، يريد ﷺ من المعاقدة على الخير ونصرة الحق، وكان رسول الله ﷺ وأبو بكر من المطيبين والأحلاف ست قبائل: عبد الدار، وجمح، ومخزوم، وعدي، وكعب، ومنهم سموا بذلك لأنه لما أرادت عبد مناف أخذ ما في أيدي عبد الدار من الحجابة والرفادة واللواء والسقاية، وأبت عبد الدار عقد كل قوم على أمرهم حلفًا مؤكدًا على أن لا يتخاذلوا فأخرجت بنو عبد مناف حفنة مملوءة طيبًا فوضعتها لأحلافها وهم: بنو أسد وزهرة وتيم في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها، وتعاقدوا وتعاقدت بنو عبد الدار وحلفاؤها حلفًا آخر فسموا الأحلاف بذلك. قوله ﷺ : المؤمنون يد على من سواهم يجير عليهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، تقدم الكلام عليه في كتاب القصاص، قوله: وترد سراياهم على قعيدتهم، السرايا: جمع السرية، وهي قطعة من العسكر بعدد لهم. والقعيدة: الفئة المتأخرة عن السرية التي خرجت السرية منها، ومعناه أن أمير الجيش يبعث السرية، وهو خارج إلى بلاد العدو، فإذا غنموا شيئًا كان بينهم وبين الجيش عامة لأنهم ردا لهم، قوله: لا جلب إلى آخره، تقدم في باب الزكاة. - ويروى: "دية المعاهد نصف دية الحر". قلت: هذا لفظ أبي داود وأخرج الثلاثة معناه كلهم من حديث عمرو بن شعيب عن

стр. 1333

أبيه عن جده يرفعه. (١) ٢٦٣٩ - قضى رسول الله ﷺ في دية الخطأ: عشرين بنت مخاض، وعشرين ابن مخاض ذكورًا، وعشرين بنت لبون، وعشرين جذعة، وعشرين حقة. والصحيح أنه موقوف على ابن مسعود وخِشْف مجهول. قلت: رواه الأربعة هنا من حديث خشف بن مالك عن ابن مسعود واللفظ للترمذي، وقال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عبد الله موقوفًا. (٢) قال الخطابي (٣): وخشف بن مالك مجهول لا يعرف إلا بهذا الحديث، وقال الدارقطني: هذا حديث ضعيف، غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث، وبسط الكلام في ذلك، وفي سنده أيضًا الحجاج بن أرطأة، والحجاج غير محتج به. (٤) وخشف: بكسر الخاء وسكون الشين المعجمتين وبالفاء. ٢٦٤٠ - ويروى: أن النبي ﷺ وَدَى قتيل خيبر بمائةٍ من إبل الصدقة وليس في أسنان إبل الصدقة ابن مخاض، إنما فيها ابن لبون. قلت: رواه الشيخان في القسامة من حديث سهل بن أبي حثمة. (٥) وإنما أتى به الشيخ في الحسان استطرادًا، ونبه به على ضعف حديث خشف الذي قبله.

стр. 1334

قوله: وليس في أسنان إبل الصدقة ابن مخاض إنما فيها ابن اللبون. قلت: ما قاله المصنف صحيح وبسبب ذلك لم تأخذ جماعة من العلماء بحديث خشف عن ابن مسعود مع ما بيناه من ضعفه والله أعلم. ٢٦٤١ - كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ : ثماني مائة دينار أو ثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب -يومئذ- النصف من دية المسلم، قال: فكان كذلك حتى استخلف عمر، فقام خطيبًا، فقال: إن الإبل فد غلت، ففرضها عمر: على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، قال: وترك دية أهل الكتاب لم يرفعها. قلت. رواه أبو داود هنا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. (١) قوله: قيمة الدية، قال المنذري (٢): يريد قيمة الإبل التي هي الأصل في الدية، وقومها على أهل القرى لعزة الإبل عندهم، فبلغت الدية في زمانه من الذهب ثمان مائة دينار، ومن الورق ثمانية آلاف درهم، فجرى الأمر بذلك إلى أن كان عمر، وعزت الإبل في زمانه فبلغ قيمتها من الذهب ألف دينار ومن الورق اثنى عشر ألفًا، وعلى هذا بنى الشافعي قوله في دية العمد، فأوجب فيها الإبل وأن لا يصار إلى البقر إلا عند إعواز الإبل، فإذا أعوزت كان فيها قيمتها ما بلغت، ولم يعتبر قيمة عمر لأنها قيمة تعديل في ذلك الوقت، والقيم تزيد وتنقص، وهذا على قوله الجديد، وقال في القديم بقيمة عمر، وهو اثنى عشر ألف درهم أو ألف دينار، وقد روي عن النبي ﷺ مثل ذلك في الورق وسيأتي من حديث ابن عباس.

стр. 1335

٢٦٤٢ - عن النبي ﷺ : "أنه جعل الدية اثني عشر ألفًا". قلت: رواه الأربعة والدارمي من حديث ابن عباس مرفوعًا ورواه أبو داود والترمذي أيضًا مرسلًا من حديث عكرمة، قال الترمذي: ولا نعلم أحدًا يذكر في هذا الحديث عن ابن عباس غير محمد بن مسلم الطائفي وقد أخرج له البخاري في المتابعات، ومسلم في الاستشهاد، وقال ابن معين: ثقة، وقال مرة: إذا حدث من حفظه يخطيء، وإذا حدث من كتابه: فليس به بأس، وضعفه أحمد بن حنبل. (١) ٢٦٤٣ - كان رسول الله ﷺ يقوّم دية الخطأ على أهل القرى أربع مائة دينار، أو عدلها من الورِق، ويقومها على أثمان الأبل، فإذا غلت رفع في قيمتها، وإذا هاجت رخص نقص من قيمتها، وبلغت على عهد رسول الله ﷺ ما بين أربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار، وعدلها من الورق ثمانية آلاف درهم، قال: وقضى رسول الله ﷺ على أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة. قلت: رواه أبو داود في الديات مطولًا والنسائي فيه وابن ماجه (٢) فيه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه، وفي سندهم محمد بن راشد وثقه غير واحد وتكلم فيه غير واحد. وهاجت رخص: قال ابن الأثير "في جامع الأصول" (٣). يقال هاج الفحل إذا طلب الضراب، وذلك مما يهز له فحينئذ يقل ثمنه لذلك. - قال رسول الله ﷺ : "إن العقل ميراث بين ورثة القتيل، وقضى رسول الله ﷺ : أن
следующие страницы →