← Книги сунны

Книги сунны · id 17063

كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح

الصدر المناوي

Полный текст (2 643 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وساقه، وكذا أخرجه مالك في الموطأ وليس بمتصل. (١) والموضحة: هي التي توضح العظم أي تظهره فتجب فيها خمس من الإبل سواء كانت صغيرة أم كبيرة. ٢٦٣٥ - قضى رسول الله ﷺ في المواضح خمسًا خمسًا من الإبل، وفي الأسنان خمسًا خمسًا من الإبل. قلت: رواه أبو داود والنسائي والدارمي ثلاثتهم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مقطعًا في حديثين لكن الدارمي بسند واحد فجمعها المصنف. (٢) ٢٦٣٦ - جعل رسول الله ﷺ أصابع اليدين والرجلين سواء. قلت: رواه أبو داود والترمذي (٣) ولفظه: "دية أصابع اليدين، والرجلين سواء عشرة من الإبل"، وقال: حسن صحيح. ٢٦٣٧ - وقال ﷺ : "الأسنان سواء: الثنية والضرس سواء، والأصابع سواء: هذه وهذه سواء". قلت: رواه أبو داود هنا من حديث ابن عباس. (٤) ٢٦٣٨ - خطب رسول الله ﷺ عام الفتح، ثم قال: "أيها الناس! أنه لا حِلْف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية، فإن الإسلام لا يزيده إلا شدة، المؤمنون يد على من سواهم، يجير عليهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وترد سراياهم على قعيدتهم، لا يقتل مؤمن بكافر، دية الكافر نصف دية المسلم، لا جلب، ولا جنب، ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم".

стр. 1332

قلت: رواه أبو داود في الجهاد وفي الزكاة أيضًا قطعة منه، وفي الديات بعضه وابن ماجه في الديات مختصرًا. (١) والحلف: بكسر الحاء المهملة وسكون اللام المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام في هذا الحديث، وما كان منه في الجاهلية على نصرة المظلوم، وصلة الأرحام كحلف المطيبين فذلك الذي قال فيه ﷺ : "إيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة"، يريد ﷺ من المعاقدة على الخير ونصرة الحق، وكان رسول الله ﷺ وأبو بكر من المطيبين والأحلاف ست قبائل: عبد الدار، وجمح، ومخزوم، وعدي، وكعب، ومنهم سموا بذلك لأنه لما أرادت عبد مناف أخذ ما في أيدي عبد الدار من الحجابة والرفادة واللواء والسقاية، وأبت عبد الدار عقد كل قوم على أمرهم حلفًا مؤكدًا على أن لا يتخاذلوا فأخرجت بنو عبد مناف حفنة مملوءة طيبًا فوضعتها لأحلافها وهم: بنو أسد وزهرة وتيم في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها، وتعاقدوا وتعاقدت بنو عبد الدار وحلفاؤها حلفًا آخر فسموا الأحلاف بذلك. قوله ﷺ : المؤمنون يد على من سواهم يجير عليهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، تقدم الكلام عليه في كتاب القصاص، قوله: وترد سراياهم على قعيدتهم، السرايا: جمع السرية، وهي قطعة من العسكر بعدد لهم. والقعيدة: الفئة المتأخرة عن السرية التي خرجت السرية منها، ومعناه أن أمير الجيش يبعث السرية، وهو خارج إلى بلاد العدو، فإذا غنموا شيئًا كان بينهم وبين الجيش عامة لأنهم ردا لهم، قوله: لا جلب إلى آخره، تقدم في باب الزكاة. - ويروى: "دية المعاهد نصف دية الحر". قلت: هذا لفظ أبي داود وأخرج الثلاثة معناه كلهم من حديث عمرو بن شعيب عن

стр. 1333

أبيه عن جده يرفعه. (١) ٢٦٣٩ - قضى رسول الله ﷺ في دية الخطأ: عشرين بنت مخاض، وعشرين ابن مخاض ذكورًا، وعشرين بنت لبون، وعشرين جذعة، وعشرين حقة. والصحيح أنه موقوف على ابن مسعود وخِشْف مجهول. قلت: رواه الأربعة هنا من حديث خشف بن مالك عن ابن مسعود واللفظ للترمذي، وقال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عبد الله موقوفًا. (٢) قال الخطابي (٣): وخشف بن مالك مجهول لا يعرف إلا بهذا الحديث، وقال الدارقطني: هذا حديث ضعيف، غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث، وبسط الكلام في ذلك، وفي سنده أيضًا الحجاج بن أرطأة، والحجاج غير محتج به. (٤) وخشف: بكسر الخاء وسكون الشين المعجمتين وبالفاء. ٢٦٤٠ - ويروى: أن النبي ﷺ وَدَى قتيل خيبر بمائةٍ من إبل الصدقة وليس في أسنان إبل الصدقة ابن مخاض، إنما فيها ابن لبون. قلت: رواه الشيخان في القسامة من حديث سهل بن أبي حثمة. (٥) وإنما أتى به الشيخ في الحسان استطرادًا، ونبه به على ضعف حديث خشف الذي قبله.

стр. 1334

قوله: وليس في أسنان إبل الصدقة ابن مخاض إنما فيها ابن اللبون. قلت: ما قاله المصنف صحيح وبسبب ذلك لم تأخذ جماعة من العلماء بحديث خشف عن ابن مسعود مع ما بيناه من ضعفه والله أعلم. ٢٦٤١ - كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ : ثماني مائة دينار أو ثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب -يومئذ- النصف من دية المسلم، قال: فكان كذلك حتى استخلف عمر، فقام خطيبًا، فقال: إن الإبل فد غلت، ففرضها عمر: على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، قال: وترك دية أهل الكتاب لم يرفعها. قلت. رواه أبو داود هنا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. (١) قوله: قيمة الدية، قال المنذري (٢): يريد قيمة الإبل التي هي الأصل في الدية، وقومها على أهل القرى لعزة الإبل عندهم، فبلغت الدية في زمانه من الذهب ثمان مائة دينار، ومن الورق ثمانية آلاف درهم، فجرى الأمر بذلك إلى أن كان عمر، وعزت الإبل في زمانه فبلغ قيمتها من الذهب ألف دينار ومن الورق اثنى عشر ألفًا، وعلى هذا بنى الشافعي قوله في دية العمد، فأوجب فيها الإبل وأن لا يصار إلى البقر إلا عند إعواز الإبل، فإذا أعوزت كان فيها قيمتها ما بلغت، ولم يعتبر قيمة عمر لأنها قيمة تعديل في ذلك الوقت، والقيم تزيد وتنقص، وهذا على قوله الجديد، وقال في القديم بقيمة عمر، وهو اثنى عشر ألف درهم أو ألف دينار، وقد روي عن النبي ﷺ مثل ذلك في الورق وسيأتي من حديث ابن عباس.

стр. 1335

٢٦٤٢ - عن النبي ﷺ : "أنه جعل الدية اثني عشر ألفًا". قلت: رواه الأربعة والدارمي من حديث ابن عباس مرفوعًا ورواه أبو داود والترمذي أيضًا مرسلًا من حديث عكرمة، قال الترمذي: ولا نعلم أحدًا يذكر في هذا الحديث عن ابن عباس غير محمد بن مسلم الطائفي وقد أخرج له البخاري في المتابعات، ومسلم في الاستشهاد، وقال ابن معين: ثقة، وقال مرة: إذا حدث من حفظه يخطيء، وإذا حدث من كتابه: فليس به بأس، وضعفه أحمد بن حنبل. (١) ٢٦٤٣ - كان رسول الله ﷺ يقوّم دية الخطأ على أهل القرى أربع مائة دينار، أو عدلها من الورِق، ويقومها على أثمان الأبل، فإذا غلت رفع في قيمتها، وإذا هاجت رخص نقص من قيمتها، وبلغت على عهد رسول الله ﷺ ما بين أربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار، وعدلها من الورق ثمانية آلاف درهم، قال: وقضى رسول الله ﷺ على أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة. قلت: رواه أبو داود في الديات مطولًا والنسائي فيه وابن ماجه (٢) فيه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه، وفي سندهم محمد بن راشد وثقه غير واحد وتكلم فيه غير واحد. وهاجت رخص: قال ابن الأثير "في جامع الأصول" (٣). يقال هاج الفحل إذا طلب الضراب، وذلك مما يهز له فحينئذ يقل ثمنه لذلك. - قال رسول الله ﷺ : "إن العقل ميراث بين ورثة القتيل، وقضى رسول الله ﷺ : أن

стр. 1336

عقل المرأة بين عصبتها، ولا يرث القاتل شيئًا". قلت: رواه أبو داود (١) وهو قطعة من الحديث قبله. قوله ﷺ : وعقل المرأة بين عصباتها. قال الحافظ عبد العظيم المنذري (٢): معناه أن العصبة يتحملون عقلها كما يتحملون عن الرجل وأنا ليست كالعبد الذي لا تتحمل العاقلة جنايته، وإنما هي في رقبته انتهى كلامه. وقال بعضهم: يمكن أن يكون معناه: أن المرأة المقتولة ديتها تركة بين ورثتها كسائر ما تركته لهم، قال: وهذا يناسب تتمة الحديث، وهو قوله: "لا يرث القاتل شيئًا" فعلى ما قاله هذا القائل، المراد من المرأة هي المقتولة، وعلى ما قاله الحافظ عبد العظيم المراد بها القاتلة، وإنما عدل الحافظ عما قاله هذا القائل لأن في بعض طرق هذا الحديث زيادة "وإن قتلت فعقلها بين ورثتها" فلو فسر بالأول بما فسره هذا القائل اتحدت الجملتان فلذلك جعلها في الجملة الأولى القاتلة. ٢٦٤٤ - أن النبي ﷺ قال: "عقل شبه العمد مغلّظ، مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه". قلت: رواه أبو داود هنا من حديث عمرو بن شعيب. (٣) وهذا التغليظ في شبه العمد، هو في الثلث خاصة، ولما قال ﵇: هذا أوهم أن شبه العمد عقله مثل عقل العمد، في جواز الاقتصاص من القاتل، دفع هذا الوهم بقوله: ولا يقتل صاحبه، أي ولا يقتل القاتل في شبه العمد، الذي هو صاحبه إلى صاحب شبه العمد سماه صاحبه: لأن القتل صدر منه.

стр. 1337

٢٦٤٥ - قضى رسول الله ﷺ في العين القائمة السّادّة لمكانها: بثلث الدية. قلت: رواه أبو داود والنسائي هنا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (١) وزاد النسائي: "في اليد الشلاء إذا قطعت، ثلث ديتها، وفي السن السوداء إذا نزعت، ثلث الدية". قيل إن ثلث الدية على معنى الحكومة، وأن حكومتها بلغت حين القضاء كذلك، وذهب إسحاق بن راهويه إلى أن فيها ثلث الدية على معنى العقل، وهو أحد الروايتين عن أحمد. (٢) ٢٦٤٦ - قضى رسول الله ﷺ في الجنين بغرة: عبد، أو أمة، أو فرس، أو بغل. قلت: رواه أبو داود هنا وقال: روى هذا الحديث حماد بن سلمة وخالد بن عبد الله عن محمد بن عمرو، ولم يذكر: الفرس والبغل انتهى، ورواه الترمذي وابن ماجه (٣) وليس في حديثهما: الفرس والبغل، وقال الترمذي: حسن. قوله: وقيل: الفرس والبغل، وهم من الراوي. القائل لذلك هو: أبو سليمان الخطابي (٤) وقال: يقال إن عيسى بن يونس قد وهم فيه، وهو يغلط أحيانًا فيما يرويه، قال البيهقي (٥): ذكر الفرس والبغل فيه غير محفوظ، وروي من وجه آخر ضعيف مرسل. ٢٦٤٧ - أن رسول الله ﷺ قال: "من تطبب ولم يُعلم منه طب، فهو ضامن".

стр. 1338

قلت: رواه أبو داود والنسائي متصلًا ومنقطعًا، وابن ماجه هنا من حديث عمرو بن شعيب (١) وقال أبو داود هذا لم يروه إلا الوليد يعني ابن مسلم لا ندري هو صحيح أم لا؟. قال الخطابي (٢): لا أعلم خلافًا في أن المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامنًا، والمتعاطي علمًا أو عملًا لا يعرفه متعد، فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية وسقط عنه القود لأنه لا يستبد بذلك دون إذن المريض، وجناية الطبيب في قول عامة الفقهاء على عاقلته، وقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن الطبيب إذا لم يتعمد لم يضمن، والله أعلم. ٢٦٤٨ - أن غلامًا لأناس فقراء قطع أذن غلام لأناس أغنياء، فأتى أهلُه النبي ﷺ فقالوا: إنا أناس فقراء فلم يجعل عليهم شيئًا. قلت: رواه أبو داود هنا والنسائي في القود من حديث عمران، وسند الحديث رجال مسلم. (٣) ومعنى الحديث أن الغلام الجاني كان حرًّا، وجنايته وعاقلته فقراء، ويشبه أن يكون الغلام المجني عليه أيضًا حرًّا، لأنه لو كان عبدًا لم يكن لاعتذار أهله بالفقر معنى، لأن العاقلة لا تحمل عبدًا ولا اعترافًا، والعبد جنايته في رقبته حكاه الخطابي. (٤)

стр. 1339

باب ما لا يضمن من الجنايات من الصحاح ٢٦٤٩ - قال النبي ﷺ : "العجماء جرحها جبار، والمعدن جبار، والبئر جبار". قلت: رواه البخاري في الديات ومسلم في الحدود وأبو داود في الديات والترمذي في الأحكام والنسائي في الركاز من حديث أبي هريرة يرفعه. (١) والعجماء: بالمد كلل حيوان سوى الآدمي، سميت البهيمة عجماء لأنها لا تتكلم. والجبار: بضم الجيم وتخفيف الباء الموحدة، الهدر. والحديث محمول على ما إذا أتلفت بالنهار، أو أتلفت بالليل بغير تفريط من مالكها، وليس معها أحد، فأما إذا كان معها سائق أو قائد أو راكب فاتلفت شيئًا بيدها أو رجلها أو فمها أو نحوه، وجب ضمانه في مال الذي هو معها سواء في ذلك مالكها، ومستعيرها ومستأجرها وغاصبها، ووكيل صاحبها وغيره، إلا أن تتلف آدميًّا، فيجب ديته على عاقله الذي معها، والكفارة في ماله، ونقل القاضي (٢): الإجماع على أن جناية البهائم في النهار لا ضمان فيها، إلا أن يكون معها أحد، فإن كان معها أحد فجمهور العلماء على ضمانه ما تتلفه، وقال أهل الظاهر: لا ضمان بكل حال. وقد تقدم في باب الزكاة الكلام على بقية الحديث. ٢٦٥٠ - غزوت مع رسول الله ﷺ جيش العسرة، وكان لي أجير، فقاتل إنسانًا فعض أحدهما يد الآخر، فانتزع المعضوض يده من في العاض، فأندر ثنيته فسقطت، فانطلق

стр. 1340

إلى النبي ﷺ فأهدر ثنيته، وقال: "أيدع يده في فيك تقضمها كالفحل؟ ". قلت: رواه الجماعة إلا الترمذي كلهم بنحوه: البخاري وأبو داود وابن ماجه في الديات، ومسلم في الحدود والنسائي في القصاص من حديث يعلى بن أمية. (١) وجيش العسرة المراد به: غزوة تبوك، تقضمها: بفتح التاء والضاد المعجمة وبينهما قاف. قال الجوهري (٢): القضم الأكل بأطراف الأسنان، يقال: قضمت الدابة شعيرها بالكسر تقضمه بالفتح قضمًا، قوله ﷺ : فأندر ثنيته أي: أسقطها وهو بالدال المهملة. قال ابن الأثير (٣): وفي رواية: فنذرت ثنيته أي سقطت ووقعت، قوله: "فأهدر ثنيته"، العمل على هذا عند أهل العلم: أن من عض رجلًا فلم يكن له سبيل إلى الخلاص منه إلا بقلع سنه، أو قتل نفسه فلم يمكنه دفعه إلا بالقتل فقتله، يكون دمه هدرًا لأنه هو الذي ألجاه إلى ذلك. ٢٦٥١ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قتل دون ماله فهو شهيد". قلت: رواه البخاري في المظالم ومسلم في الإيمان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. (٤) ٢٦٥٢ - جاء رجل فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟، قال: "فلا تعطه مالك" قال: أرأيت إن قاتلني؟، قال: "قاتله"، قال: أرأيت إن قتلني؟، قال: "فأنت شهيد"، قال: أرأيت إن قتلته؟، قال: "هو في النار".

стр. 1341

قلت: رواه مسلم في الإيمان من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري. (١) ٢٦٥٣ - أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لو اطلع في بيتك أحد، ولم تأذن له، فخذفته بحصاة ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح". قلت: رواه البخاري في الديات ومسلم في الاستئذان بنحوه من حديث أبي هريرة. (٢) وخذفته: بخاء معجمة أي رميته بها من بين أصبعيك وفقأت هو بالهمز. ٢٦٥٤ - أن رجلًا اطلع في جُحر في باب رسول الله ﷺ ، ومع رسول الله ﷺ مِدْرى يحك به رأسه، فقال: "لو أعلم أنك تنظرني، لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر". قلت: رواه البخاري ومسلم والترمذي ثلاثتهم في الاستئذان والنسائي في الديات من حديث سهل بن سعد. (٣) والمِدْرى: بكسر الميم وإسكان الدال المهملة وبالقصر، وهي حديدة يرجل بها الشعر، وقيل: هي شبه المشط وقيل: هي أعواد تتحد وتجعل شبه المشط، وجمعه مدارى، والواحد مِدْراة أيضًا. قوله: في جُحر، هو بضم الجيم وإسكان الحاء المهملة وهو الخرق. ٢٦٥٥ - إنه رأى رجلًا يخذف، فقال له: لا تخذف، فإن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف، وقال: "إنه لا يصاد به صيد، ولا يُنكأ به عدو، ولكنها قد تكسر السن وتفقأ العين". قلت: رواه البخاري ومسلم كلاهما في الذبائح وأبو داود في الأدب والنسائي في الديات وابن ماجه في الصيد من حديث عبد الله بن مغفل. (٤)

стр. 1342

وخذفته: بخاء وذال معجمتين وهو الرمي بحصاة أو نواة ونحوهما، يجعلهما الرامي بين أصبعيه السبابتين أو السبابة والإبهام. وينكأ: بفتح الياء وبالهمز في آخره، هكذا هو في الروايات المشهورة، وفي بعض الروايات ينكي بفتح الياء وكسر الكاف غير مهموز. قال القاضي (١): وهو الأوجه هنا، لأن المهموز إنما هو من نكأت القرحة، وليس هذا موضعه إلا على تجوز، وإنما هذا من النكاية، يقال: نكيت العدو، أنكيته نكاية، ونكأت: بالهمز لغة: قال فعلى هذه اللغة تتوجه الرواية الأولى. وقد أخذ النووي من هذا الحديث جواز رمي الطيور الكبار بالبندق إذا كان لا يقتلها غالبًا بل تدرك حية فتذكى. (٢) ٢٦٥٦ - قال ﷺ : "إذا مرّ أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا ومعه نبل، فليمسك على نصالها، أن تصيب أحدًا من المسلمين منها بشيء". قلت: رواه البخاري في الفتن ومسلم في البر والصلة وابن ماجه في الأدب وأبو داود في الجهاد من حديث موسى يرفعه. (٣) ٢٦٥٧ - قال ﷺ : "لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار". قلت: رواه البخاري في الفتن ومسلم في البر والصلة كلاهما من حديث أبي هريرة. (٤) ولا يشير: قال النووي (٥): هكذا في جميع نسخ مسلم "لا يشير" بالياء بعد الشين

стр. 1343

وهو صحيح، وهو نهي بلفظ الخبر كقوله تعالى ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ وهو أبلغ من لفظ النهي، انتهى. والذي وقفت عليه في نسخ البخاري المعتمدة "لا يشر" بغير ياء، وينزع هو: بكسر الزاي المعجمة وبالعين المهملة. وقال في المشارق (١): قيل يرمي كأنه يرفع يده ويحقق إشارته، قال: وكذا رويناه بالعين المهملة هنا، ومن رواه بالمعجمة فهو من الإغراء أي يحمله على تحقيق الضرب به وتزن ذلك. ٢٦٥٨ - قال ﷺ : "من أشار على أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه حتى يضعها، وإن كان أخاه لأبيه وأمه". قلت: رواه مسلم في الأدب من حديث أبي هريرة يرفعه، ولم يخرجه البخاري، ورواه الترمذي في الفتن ورفعه (٢)، إلا قوله: "وإن كان أخاه لأبيه وأمه". ٢٦٥٩ - قال ﷺ : "من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا". قلت: رواه مسلم في الإيمان من حديث أبي هريرة يرفعه، ولم يخرجه البخاري وإنما أخرج هو ومسلم: "من حمل علينا السلاح فليس منا". من حديث ابن عمر وأبي موسى. (٣) - وفي رواية: "من سَلّ علينا السيف فليس منا". قلت: رواه مسلم في الإيمان من حديث سلمة بن الأكوع يرفعه، تفرد به مسلم. (٤) ٢٦٦٠ - قال ﷺ : "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا".

стр. 1344

قلت: رواه مسلم في الأدب من حديث عروة (١) قال: مَرّ هشام بن حكيم ابن حزام على أناس من الأنباط في الشام قد أقيموا في الشمس، وصب على رؤوسهم الزيت، فقال: ما هذا؟ فقال: يعذَّبون في الخراج. وفي رواية: "في الجزية" فقال: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: وساقه، ولم يخرجه البخاري ولا أخرج عن هشام بن حكيم شيئًا. ٢٦٦١ - قال ﷺ : "يوشِك -إن طالت بك مدة- أن ترى قومًا في أيديهم مثل أذناب البقر، يغدون في غضب الله، ويروحون في سخط الله". - ويروى: ويروحون في لعنته. قلت: رواه مسلم في صفة النار من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري (٢) وأراد بهم ﷺ الذين يخدمون الظلمة، ويسعون بين أيديهم إذا ركبوا، وفي أيديهم السياط والعصي يطردون الناس عن الطريق، سعيهم في ظلم العباد. ٢٦٦٢ - قال ﷺ : "صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البُخْت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإنّ ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا". قلت: رواه مسلم في صفة النار من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري. (٣) وكاسيات عاريات: أي يلبسن ثيابًا رقاقًا سخيفة تصف ما تحتها، فهن كاسيات ظاهرًا، عاريات حقيقة، وقيل: هو أن يسدلن الخمر من ورائهن فتنكشف نحورهن، فهن كاسيات بمنزلة العاريات، إذا كان لا تستر لباسهن جميع أجسامهن.

стр. 1345

وقيل: كاسيات من نعم الله، عاريات من شكره، قال في شرح السنة (١): والأول أصح. قال في النهاية (٢): يقال كسا يكسي إذا صار ذا كسوة فهو كاسٍ، ويجوز أن يكون فاعلًا بمعنى مفعول من كسا يكسو كماء دافق. ومائلات: أي زائغات عن طاعة الله، ومميلات: يعلمن غيرهن الدخول في مثل فعلهن، وقيل: مائلات متبخترات في مشيتهن، مميلات: لأكتافهن وأعطافهن، وقيل: مائلات: يمتشطن المشطة الميلاء، وهي مشطة البغايا، والمميلات اللائي يمتشطن غيرهن تلك المشطة، قال الزمخشري (٣): المائلات: اللاتي يَملن خيلاء، الميلات: اللاتي يملن قلوب الرجال إلى أنفسهن. وكأسنمة البخت: أي اللواتي يتعممن بالمقانع على رؤوسهن، وهي من شعار القينات. والأسنمة: جمع سنام. ٢٦٦٣ - قال ﷺ : "إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته". قلت: رواه مسلم في الأدب وخرج البخاري (٤) منه إلى قوله ﷺ : "فليجتنب الوجه". لم يزد عليها كلاهما من حديث أبي هريرة. والضمير في صورته راجع إلى الوجه المضروب، تقديره: فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورة الوجه المضروب.

стр. 1346

من الحسان ٢٦٦٤ - عن النبي ﷺ قال: "الرّجْل جبار". قلت: رواه أبو داود في الديات والنسائي في العارية من حديث سفيان بن حسين عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة يرفعه (١)، قال الدارقطني (٢): لم يروه غير سفيان بن حسين، وخالفه الحفاظ عن الزهري، منهم مالك، وابن عيينة، ويونس، ومعمر، وابن جريج، والليث بن سعد، وغيرهم، كلهم رووه عن الزهري فقالوا: "العجماء جبار، والبئر جبار، والعدن جبار" ولم يذكروا: "الرجل" وهو الصواب، وقال الخطابي (٣): وقد تكلم الناس في هذا الحديث، وقيل: إنه غير محفوظ. وسفيان بن حسين، معروف بسوء الحفظ (٤)، وذكر غيره: أن أبا صالح السماك وعبد الرحمن الأعرج ومحمد بن زياد ومحمد بن سيرين قالوا: إنما هو العجماء جرحها جبار، قال المنذري (٥): وروى آدم عن أبي إياس عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : "الرجل جبار" قال الدارقطني: تفرد به آدم بن إياس عن شعبة انتهى كلامه. (٦)

стр. 1347

قلت: وهذا سند لا غبار عليه (١) وهو دليل لمذهب الإمام أبي حنيفة ﵁ ولمن ذهب إلى أن الراكب إذا رتجت دابته إنسانًا برجلها فهو هدر وقد تقدم هذا في باب الغصب. ٢٦٦٥ - "النار جبار". قلت: رواه أبو داود وابن ماجه في الديات والنسائي في العارية من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة يرفعه. (٢) قال الخطابي (٣): لم أزل أسمع أهل الحديث يقولون: غلط فيه عبد الرزاق، إنما هو: "البئر جبار" حتى وجدته لأبي داود عن عبد الملك الصنعاني عن معمر، فدل على أن الحديث لم ينفرد به عبد الرزاق، فإن صح نقله فهو: "النار يوقدها الرجل في ملكه لأربٍ، فتطيرها الريح فتشعلها في مال، أو متاع لغيره، بحيث لا يملك ردّها، فيكون هدرًا". ٢٢٦٦ - قال ﷺ : "من كشف سترًا، فأدخل بصره في البيت قبل أن يؤذن له، فرأى عورة أهله، فقد أتى حدًّا لا يحل له أن يأتيه، لو أنه حين أدخل بصره، فاستقبله رجل ففقأ عينه، ما عَيَّرت عليه، وإن مر الرجل على باب لا ستر له غير مغلق فنظر، فلا خطيئة عليه، إنما الخطيئة على أهل البيت". (غريب). قلت: رواه الترمذي في الاستئذان (٤) من حديث أبي ذر يرفعه، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن لهيعة انتهى، وعبد الله بن لهيعة فيه مقال. (٥)

стр. 1348

٢٦٦٧ - نهى رسول الله ﷺ "أن يُتَعاطى السيف مسلولًا". قلت: رواه أبو داود في الجهاد والترمذي في الفتن من حديث جابر، وقال: حسن غريب. (١) ٢٦٦٨ - أن رسول الله ﷺ نهى أن يقدّ السير بين أصبعين. قلت: رواه أبو داود في الجهاد من حديث الحسن عن سمرة وقد تقدم الكلام في الحسن عن سمرة. (٢) والقد: القطع طولًا كالشق والسير ما يقدّ من الجلد أي يقطع ويشق، وإنما نهى عنه ﷺ لئلا تعقر الحديدة يده، وهو شبيه بنهيه أن يتعاطى السيف مسلولًا. ٢٦٦٩ - عن رسول الله ﷺ قال: "من قتل دون دينه، فهو شهيد، ومن قتل دون دمه، فهو شهيد، من قتل دون ماله، فهو شهيد، ومن قتل دون أهله، فهو شهيد". قلت: رواه أبو داود في السنة والترمذي في الديات والنسائي في المحاربة؛ وابن ماجه في الحدود من حديث سعيد بن زيد، وقال الترمذي: حسن صحيح. (٣) ٢٦٧٠ - عن النبي ﷺ قال: "لجهنم سبعة: أبواب منها باب لمن سلّ السيف على أمتي أو قال: على أمة محمد ﷺ " (غريب). قلت: رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمر. وقال: حديث غريب. (٤)

стр. 1349

باب القسامة من الصحاح ٢٦٧١ - أنهما حدثا: إن عبد الله بن سهل، ومحيصة بن مسعود ﵄ أتيا خيبر، فتفرقا في النخل، فقُتل عبد الله بن سهل، فجاء عبد الرحمن بن سهل، وحويصة ومحيصة ابنا مسعود، إلى النبي ﷺ فتكلموا في أمر صاحبهم، فبدأ عبد الرحمن وكان أصغر القوم، فقال له النبي ﷺ : "كبر الكبر"، يعني ليَلِي الكلام الأكبر منكم، فتكلموا، فقال النبي ﷺ : "استحقوا قتيلكم أو قال: صاحبكم بأيمان خمسين منكم"، قالوا: يا رسول الله أمر لم نره، قال: "فتبرأكم يهود في أيمان خمسين منهم"، قالوا: يا رسول الله قوم كفار، ففداهم رسول الله ﷺ من قِبَلِه. قلت: رواه الجماعة: البخاري في مواضع، منها في الأدب ومسلم في الحدود وأبو داود والترمذي في الديات والنسائي في القضاء وابن ماجه في الديات كلهم من حديث رافع بن خديج (١) وسهل بن أبي حثمة، وقال أبو داود: رواه بشر بن المفضل ومالك عن يحيى بن سعيد قال فيه: "أتحلفون خمسين يمينًا وتستحقون دم صاحبكم، أو قاتلكم"، ولم يذكر بشر "دمًا" وقال: ورواه ابن عيينة عن يحيى فبدأ بقوله: تبرئكم يهود بخمسين يمينًا تحلفون، ولم يذكر الاستحقاق وهذا وهم من ابن عيينة انتهى. قال الشافعي: إلا أن ابن عيينة كان لا يثبت أقدم النبي ﷺ الأنصاريين في الأيمان أو يهود، فيقال في الحديث: أنه قدم الأنصاريين، فيقول: ذاك وما أشبه هذا، وحدث الإِمام الشافعي أيضًا عن ابن عيينة أنه بدأ بالأنصار في أمر يهود، فيقال: إن الناس

стр. 1350

"يحدثون أنه بدأ بالأنصار، قال: فهو ذاك، وربما حدثه، ولم يشك، وذكر البيهقي: أن البخاري ومسلمًا أخرجا هذا الحديث من حديث الليث بن سعد وحماد بن زيد، وبشر بن المفضل، عن يحيى بن سعيد، واتفقوا كلهم على البداءة بالأنصار، وابن أبي حثمة: بحاء مهملة وثاء مثلثة. ومحيصة: بضم الميم وفتح الحاء المهملة ثم ياء آخر الحروف ساكنة ثم صاد مهملة مفتوحة. (١) وحويصة: بضم الحاء المهملة، وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وفتح الصاد المهملة، ويقال: بتشديد الياء وكسرها فيهما. وهما ابنا عم القتيل، وعبد الرحمن أخوه كما جاء في الحديث. وكبر الكبر أي قدم الأكبر، والكبر: بضم الكاف وسكون الباء الموحدة وبالراء المهملة وهو مفسر في الحديث. قوله ﷺ : فتبرئكم يهود أي تبرأ إليكم من دعواكم بخمسين يمينًا، وقيل معناه: يخلصونكم من اليمين بأن يحلفوا، وإذا حلفوا انتهت الخصومة، ولم يثبت عليهم شيء، وخلصتم أنتم من اليمين. ويهود: مرفوع غير منون للتأنيث والعلمية لأنه اسم للقبيلة والطائفة. - وفي رواية: تحلفون خمسين يمينًا وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم فوداه رسول الله ﷺ من عنده مائة ناقة. قلت: رواها الشيخان (٢). وفي الحديث دليل على ثبوت رد اليمين إذا نكل من يوجه عليه اليمين، وأنه لا يقضى بالنكول.

стр. 1351

وفيه: أن الحكم على أهل الذمة كالحكم على المسلمين في أنهم يحلفون إذا توجه عليهم اليمين، وإذا حلفوا برئوا، وذهب مالك إلى أن: أيمان أهل الكفر لا تقبل على المسلمين، كما لا تقبل شهادتهم، وفيه: أنهم لما لم يرضوا بأيمان الكفار وداه النبي ﷺ من عنده، إذ كان من سنته ﷺ أن لا يترك دمًا حرامًا هدرًا. باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد من الصحاح ٢٦٧٢ - أُتى عليّ ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لنهي رسول الله ﷺ : "لا تعذبوا بعذاب الله"، ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه". قلت: رواه الجماعة إلا مسلمًا: البخاري في الجهاد، وفي استتابة المرتدين، وذا لفظه فيه، وأبو داود والترمذي وابن ماجه ثلاثتهم في الحدود، والنسائي في المحاربة من حديث ابن عباس. (١) ٢٦٧٣ - قال رسول الله ﷺ : "إن النار لا يعذب بها إلا الله". قلت: رواه البخاري في الجهاد وأبو داود فيه والترمذي والنسائي في السير من حديث أبي هريرة (٢)، ولفظ البخاري قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث، فقال: إن وجدتم

стр. 1352

فلانًا وفلانًا فأحرقوهما بالنار، ثم قال رسول الله ﷺ : حين أردنا الخروج: "أني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما". ٢٦٧٤ - سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيخرج قوم في آخر الزمان، حُدّاث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة". قلت: رواه البخاري في استتابة المرتدين وهذا لفظه فيه، ورواه أيضًا في علامات النبوة ومسلم في الزكاة وأبو داود في السنة والنسائي في المحاربة من حديث علي ﵁. (١) حداث الأسنان قال في النهاية (٢): هو كناية عن الشباب وأول العمر. سفهاء الأحلام: السفه في الأصل الخفة والطيش، والمراد به هنا: خفة العقل. وخير قول البرية: هو النبي ﷺ . والحناجر: جمع حنجرة وهي رأس العلصمة حيث تراه نابتًا من خارج. يمرقون: أي يخرجون، ومنه المرق: وهو الماء الذي يستخرج من اللحم عند الطبخ. قال الخطابي (٣): وأراد بالدين: الطاعة أي يخرجون من طاعة الإِمام المنفرض الطاعة، وينسلخون منها، والمعنى يجورونه ويبعدونه، كما يخرق السهم الشيء المرمى به ويخرج منه. والرمية: الصيد المرمي،

стр. 1353

وقيل: كل دابة مرمية، قال في النهاية (١): يريد أن دخولهم في الدين مثل خروجهم منه، لم يتمسكوا منه بشيء كالسهم الذي دخل في الرمية، ومرق منها ولم يعلق به منها شيء، وقال الخطابي (٢): أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج على ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين، وأجازوا مناكحتهم، وأكل ذبائحهم، وقبول شهادتهم، وسئل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فقيل: أكفارهم؟ فقال: من الكفر فروا، قيل: أفمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا، وهؤلاء يذكرون الله بكرة وأصيلًا، فقيل: ما هم؟ فقال: قوم أصابتهم فتنة فعموا وصموا. ٢٦٧٥ - قال رسول الله ﷺ : "تكون في أمتي فرقين، فتخرج من بينهما مارقة، يلي قتلهم أولاهم بالحق". قلت: رواه مسلم في الزكاة من حديث أبي سعيد ولم يخرجه البخاري بتمامه. (٣) قوله ﷺ : فيخرج من بينهما مارقة إلى آخره، عبر بالمارقة الخوارج تلى قتل الخوارج أولى أمتي بالحق، هذا معناه. ٢٦٧٦ - قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض". قلت: رواه البخاري في مواضع منها في العلم ومسلم في الإيمان والنسائي في العلم وابن ماجه في الفتن. (٤) قال في النهاية (٥): قيل أراد لابسي السلاح، يقال: كفر فوق دِرْعه فهو كافر، إذا لبس فوقها ثوبًا كأنّه أراد بذلك النهي عن الحرب، وقيل معناه: لا تعتقدوا تكفير الناس

стр. 1354

كما يفعل الخوارج انتهى، قال النووي (١): وأظهر الأقوال فيه أن يفعل كفعل الكفار، والرواية: يضرب برفع الباء، وهو الصواب، وبه رواه المتقدمون والمتأخرون، وبه يصح المقصود هنا، ونقل القاضي عياض أن بعض الرواة ضبطه بإسكان الباء، قال القاضي: وهو إحالة للمعنى والصواب الضم. قال النووي (٢): وكذا قال أبو البقاء أنه يجوز جزم الباء على تقدير شرط مضمر أي إن ترجعوا يضرب، ومعنى بعدي: قال الطبري: معناه بعد فراقي من موقفي هذا، وكان هذا يوم النحر بمنى في حجة الوداع، أو يكون تحقق ﷺ أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد مماته. ٢٦٧٧ - عن النبي ﷺ قال: "إذا المسلمان، حمل أحدهما على أخيه السلاح، فهما في جرف جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه، دخلاها جميعًا". قلت: رواه البخاري في الإيمان ومسلم وابن ماجه في الفتن والنسائي في المحاربة من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث يرفعه. (٣) وجرف قال النووي (٤): بالجيم وضم الراء وإسكانها، وفي بعضها حرف بالحاء المهملة، وهما متقاربان ومعناه: على طرفها قريب من السقوط، قال الجوهري (٥): الجرْف والجرُف مثل عسْر وعسُر: ما تجرفته السيول وأكلته من الأرض، ومنه قوله تعالى: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ انتهى، فمعنى الحديث: أنها متعرضان للسقوط في نار جهنم، والجَرْف: الأخد الكبير.

стр. 1355

٢٦٧٨ - عن النبي ﷺ قال: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قلت: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ " قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه". قلت: رواه البخاري في الإيمان وفي غيره ومسلم وأبو داود في الفتن والنسائي في المحاربة من حديث أبي بكرة يرفعه، وهو محمول على من لا تأويل له، ويكون قتالهما عصبية ونحوها. (١) ٢٦٧٩ - قدم على النبي ﷺ نفر من عُكْل، فأسلموا فاجتووا المدينة، فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصحوا، فارتدوا، وقتلوا رعاتها واستاقوا الإبل، فبعث في آثارهم، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، ثم لم يحسمهم حتى ماتوا. ويروى: فسمر أعينهم. قلت: رواه البخاري في مواضع بألفاظ متقاربة منها هنا ومسلم في الحدود والنسائي في المحاربة من حديث أنس. (٢) وروى مسلم أن النبي ﷺ إنما سمل أعين أولئك؛ لأنهم سملوا الرعاء، ذكره من حديث أنس، وعكل: قبيلة وبلد أيضًا. واجتووا المدينة: هو بالجيم والتاء المثناة فوق معناه: استوخموها كما جاء مفسرًا في بعض الروايات أي لم توافقهم، وكرهوها لسقم أصابهم، وهو مشتق من الجوى وهو داء في الجوف. قوله: فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة، وفي بعض الروايات في غير مسلم: أنها لقاح رسول الله ﷺ وكلاهما صحيح، فكان بعضها: صدقة، وبعضها له ﷺ .

стр. 1356

وسمل أعينهم: قال النووي (١): هكذا هو في معظم نسخ مسلم باللام، وفي بعضها بالراء والميم مخففة، قال: وضبطناه في بعض المواضع في البخاري، وسمّر: بتشديد الميم ومعنى سمل باللام أنه فقأها، وأذهب ما فيها، ومعنى سمر بالراء: كحلها بمسامير محمية، وقيل: هما بمعنى واحد. قوله: ثم لم يحسمهم أي لم يكوهم بالنار، والحسم في اللغة: كي العرق بالنار لينقطع الدم. - ويروى: أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها، وطرحهم بالحرة يستسقون، فما يُسقون حتى ماتوا. قلت: هذه الرواية في البخاري في الجهاد (٢) وترجمه: باب إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق، من حديث أبي قلابة عن أنس يرفعه. قوله: يستسقون فلا يسقون ليس فيه أن النبي ﷺ أمر بذلك، ولا نهي عن سقيهم، قال القاضي (٣): وقد أجمع المسلمون على أن من وجب عليه القتل فاستسقى، لا يمنع الماء، فيجمع عليه عذابان، قال النووي (٤): وهؤلاء ارتدوا عن الإِسلام فلم يبق لهم حرمة في سقي الماء ولا في غيره والله أعلم. من الحسان ٢٦٨٠ - كان رسول الله ﷺ يحثنا على الصدقة، وينهانا عن المثلة.

стр. 1357

قلت: رواه أبو داود في الجهاد من حديث سمرة وعمران بن حصين. (١) ٢٦٨١ - كنا مع النبي ﷺ في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش، فجاء النبي ﷺ فقال: "من فجع هذه بولدها؟ " ردوا ولدها إليها، ورأى قرية نمل قد حرقناها، قال: "من حرق هذه؟ " فقلنا: نحن، قال: "إنّه لا ينبغي أن يُعذب بالنار إلا رب النار". قلت: رواه أبو داود في الجهاد (٢) من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، وذكر البخاري وابن أبي حاتم الرازي أن عبد الرحمن ابن عبد الله بن مسعود سمع من أبيه، وصحح الترمذي حديث عبد الرحمن عن أبيه في جامعه. (٣) والحمّرة: بالحاء المهملة المضمومة وتشديد الميم، وقد تخفف، طائر صغير كالعصفور. وتفرش: ذكر ابن الأثير (٤): هذا الفعل في باب الفاء مع الراء وهو أن تفترش جناحيها وتقرب من الأرض، وترفرف، فعلى هذا هو بفتح التاء وضم الراء من فرش، إذا بسط، ورواه بعضهم بفتحها وتشديد الراء، على أنه مضارع أصله تتفرش، فحذفت إحدى التاءين، وذكره أيضًا ابن الأثير (٥) في باب العين مع الراء والشين، فقال: وفي الحديث فجاءت حُمّرة فجعلت تعرش يعني بالعين والراء المهملتين والشين المعجمة، ترتفع فوقهما وتظلل عليهما بجناحيها. ٢٦٨٢ - عن رسول الله ﷺ قال: "سيكون في أمتي اختلاف وفرقه، قوم يحسنون القيل، ويسيئون الفعل، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروق

стр. 1358

السهم، من الرمية، لا يرجعون حتى يرتد السهم على فُوقه، هم شر الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله، وليسوا منا في شيء، مَنْ قاتلهم كان أولى بالله منهم"، قالوا: يا رسول الله! ما سيماهم؟ قال: "التحليق". قلت: رواه أبو داود في السنة من حديث قتادة عن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك (١)، كلّ يرفعه، وقتادة لم يسمع من أبي سعيد، وسمع من أنس. قوله ﷺ : سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، قال بعضهم: يجوز أن يكون مضاف الاختلاف والفرقة محذوفًا، تقديره: سيكون في أمتي أهل اختلاف وفرقة، ويجوز أن يكون المراد به نفس الاختلاف، أي سيحدث في أمتي اختلاف، فعلى الأول: يكون قوم بدلًا منه، أو خبرَ مبتدأ محذوف أي هم قوم، وعلى الثاني: يكون قوم مبتدأ، والخبر قوله: هم شر الخلق، ويجوز أن يكون قوم فاعلًا بفعل محذوف، دل عليه معنى الفرقة أي يضل بها قوم، والقيل: يقال: قلت قولًا وقالا وقيلًا. والتراقي: جمع ترقوة وهي بفتح التاء ثالثة الحروف وسكون الراء المهملة وضم القاف وهي: العظمة التي بين ثُغْرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين، ووزنها فَعْلوة بالفتح (٢)، والرمية: تقدم تفسيرها في الحديث الثالث من هذا الباب. وعلى فوقه: هو بضم الفاء وبالواو والقاف. والفوق: موضع الوتر من السهم، والمعنى: أنهم لا يرجعون إلى الدين أبدًا، حتى يرتد السهم على فوقه حين رمي، وذلك مستحيل ممتنع.

стр. 1359

قوله ﷺ : هم شر الخلق والخليقة، قال في النهاية (١): الخلق: الناس، والخليقة: البهائم وقيل هما بمعنى واحد. قوله ﷺ : من قاتلهم كان أولى باللهِ منهم، قال بعضهم: الضمير في منهم عائد على الأمة، أي من قاتلهم من أمتي أولى بالله من باقي أمتي، والظاهر عندي: أن منهم إنما يعود على الضمير في قوله: يدعون إلى كتاب الله، وعلى هذا ينسق الضمائر أي من قاتلهم وإن أولى بكتاب الله منهم. وما سيماهم: أي ما علامتهم التي نعرفهم بها، قال: التحليق، يجوز أن يكون المراد مبالغتهم في حلق رؤوسهم، أو التحليق في وقت الجلوس فيجلسون حلقًا. ٢٦٨٣ - قال رسول الله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، فإنه يرجم، ورجل خرج محاربًا لله ورسوله، فإنه يقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض، أو يقتل نفسًا، فيقتل بها". قلت: رواه أبو داود في الحدود والنسائي في القود من حديث عائشة ترفعه (٢). ٢٦٨٤ - قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لمسلم أن يروّع مسلمًا". قلت: رواه أبو داود في الأدب (٣) من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحاب محمَّد ﷺ أنهم كانوا يسيرون مع النبي ﷺ ، فنام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ففزع، فقال رسول الله ﷺ : "لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا". والرَّوع: الفزع.

стр. 1360

٢٦٨٥ - عن رسول الله ﷺ قال: "من أخذ أرضًا بجزيتها، فقد استقال هجرته، ومن نزع صغار كافر من عنقه فجعله في عنقه، فقد ولّى الإِسلامَ ظهره". قلت: رواه أبو داود في الخراج من حديث أبي الدرداء، وفي إسناده بقية ابن الوليد وفيه مقال. (١) والجزية: قال ابن الأثير (٢): هي عبارة عن المال الذي يعقد للكتابي عليه الذمة، وهي فعلة، من الجزاء، وأراد بها في هذا الحديث: الخراج الذي يؤدى عنها، كأنه لازم لصاحب الأرض، كما تلزم الجزية الذمي، هكذا قال الخطابي (٣) وقال أبو عبيد: هو أن يسلم وله أرض خراج فترتفع عنه جزية رأسه، وتنزل عليه أرضه يؤدي عنها الخراج، والصّغار: بالفتح، الذل، ويطلق على الجزية نفسها, لاستلزامها الذل، قال الشافعي: معنى الصغار أن يعلو حكمُ الإِسلام حكمَ الشرك، والمعنى من تكفل جزية كافر وتحمل عنه صغاره، فكأنه ولّى الإِسلام ظهره؛ لأنه بدّل إعزاز الدين بالتزام ذل الكفر، وقد يستدل بهذا من ذهب إلى أنه لا يصح ضمان المسلم الجزية عن الذمي. ٢٦٨٦ - بعث رسول الله ﷺ سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأمر لهم بنصف العقل، وقال: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"، قالوا: يا رسول الله! لم؟ قال: "لا تتراءى ناراهما". قلت: رواه أبو داود في الجهاد والترمذي في السير والنسائي في القصاص من حديث جرير بن عبد الله (٤) وذكر أبو داود أن جماعة رووه مرسلًا، وأخرجه الترمذي أيضًا

стр. 1361

مرسلًا، وقال: وهذا أصح وذكر أن أكثر أصحاب إسماعيل يعني ابن خالد لم يذكروا فيه جريرًا، وذكر عن البخاري أنه قال: الصحيح مرسل ولم يخرجه النسائي إلا مرسلًا. قوله: فأمر لهم بنصف العقل، أي بنصف الدية، قيل: إنما لم يكمل لهم الدية لأنهم أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين أظهر المشركين فكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره. قوله ﷺ : لا تتراءى ناراهما، قال الهروي (١): معناه لا ينزل المسلم بالموضع الذي ترائى ناره المشرك إذا أوقد، ولكنه ينزل مع المسلمين في دارهم، كأنه كره النزول في جوار المشركين؛ لأنه لا عهد لهم ولا أمان. وقال في الفائق (٢): معناه أنه يجب أن يباعد منزله من منزل الكافر بحيث إذا أوقدت فيهما ناران لم تَلُح إحداهما للأخرى، وإسناد الترائي إلى النارين مجاز، كقولهم: دور بني فلان تتناظر، والترائي: تفاعل من الرُّؤية، ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾. ٢٦٨٧ - عن النبي ﷺ : "الإيمان قيّد الفتك، لا يفتِك مؤمن". قلت: رواه أبو داود في الجهاد (٣) من حديث أبي هريرة، وسنده جيد، ليس فيه إلا أسباط بن بكر الهمداني، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي، وقد أخرج لهما مسلم. والفتك: أن يأتي الرجل الآخر وهو غافل غار، والمعنى: أن الإيمان يمنع من الفتك كما يمنع القيد عن التصرف، فكأنه جعل الفتك مقيدًا.

стр. 1362

قال الزمخشري (١): والفرق بين الفتك والغيلة: أن الفتك هو أن يأتي الرجل صاحبه وهو غار غافل فيقتله جهارًا، والغيلة أن يكتمن له في موضع فيقتله خفية، وفي فائه الحركات الثلاث، وفتكت بفلان وأفتكت به -عن يعقوب-. ٢٦٨٨ - عن النبي ﷺ قال: "إذا أبق العبد إلى الشرك، فقد حل دمه". قلت: رواه أبو داود في الحدود والنسائي في المحاربة (٢) وأخرج مسلم في الإيمان نحوه، وقال فيه: "فقد كفر حتى يرجع إليهم"، وفي رواية: "فقد برئت منه الذمة، ولم يقل إلى الشرك"، كلهم من رواية جرير قال النسائي: وأبق عبد لجرير فأخذه فضرب عنقه. ٢٦٨٩ - أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل النبي ﷺ دمها. قلت: رواه أبو داود في الحدود من حديث الشعبي عن علي وذكر بعضهم أن الشعبي سمع من علي بن أبي طالب وقال غيره: إنه رآه. (٣) ٢٦٩٠ - قال رسول الله ﷺ : "حد الساحر ضربة بالسيف". قلت: رواه الترمذي في الحدود من حديث جندب يرفعه (٤) وقال: لا نعرفه مرفوعًا، إلا من هذا الوجه، وفي سنده إسماعيل المكي وهو يضعّف من قبل حفظه، والصحيح عن جندب موقوفًا انتهى، وقد رواه الطبراني عن جندب مرفوعًا.

стр. 1363

كتاب الحدود من الصحاح ٢٦٩١ - أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: اقض بيننا بكتاب الله، وقال الآخر: أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي أن أتكلم؟، قال: "تكلم"، قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا، فزنا بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم؟ فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته؟ فقال رسول الله ﷺ : "أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: أما غنمك وجاريتك، فرد عليك، وأما ابنك، فعليه جلد مائة وتغريب عام، وأما أنت يا أُنيس: فاغد على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها"، فاعترفت فرجمها. قلت: رواه البخاري في مواضع منها في المحاربين ومسلم وأبو داود والترمذي في الحدود والنسائي في الرجم وفي غيره وابن ماجه في الحدود كلهم من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد (١)، ولفظ مسلم: فغدا عليها، فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت، وما ذكره المصنف لفظ البخاري، ولهذا وقع في بعض تراجم البخاري: باب هل يأمر الإِمام رجلًا فيضرب الحدود غائبًا عنه، وفي بعضها: جلد ابنه مائة وغربه عامًا.

стр. 1364

قال البخاري: وقال مالك: العسيف: الأجير، وهو بالعين والسين المهملتين. قوله ﷺ : لأقضين بينكما بكتاب الله، يحتمل أن يكون المراد بحكم الله وقيل هو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ وفسر النبي ﷺ السبيل: بالرجم في حق المحصن، كما ثبت في حديث عبادة ابن الصامت، وقيل: المراد نقض صلحهما الباطل على الغنم والوليدة. قوله ﷺ : واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها. أنيس هذا: صحابي مشهور وهو ابن الضحاك الأسلمي. قال ابن عبد البر: وابن مرثد، والصحيح الأول، وهو أسلمي، والمرأة أسلمية، ولذلك أرسل إليها أسلميا، وإنما بعث ﷺ ليعلمها أن الرجل قذفها، وأن لها عليه حد القذف، إلا أن تعترف فعليها حد الزنا وهو الرجم. وقد اختلف أصحابنا في هذا البعث، إذا قذف إنسان إنسانًا في مجلس الحاكم هل يجب؟ والأصح وجوبه. وفيه دليل على جواز الفتوى في زمنه ﷺ ، والرخصة لمن هو من أهل الفتوى، أن يفتي وإن كان ثم من هو أعلم منه؛ لأنه ﷺ لم ينكر على الرجل قوله: سألت أهل العلم مع كونه ﷺ مقيمًا بين ظهرانيهم. ٢٦٩٢ - سمعت رسول الله ﷺ يأمر فيمن زنى ولم يحصن: جلد مائة وتغريب عام. قلت: رواه البخاري في الشهادات من حديث زيد بن خالد، ولم يخرجه مسلم. (١) والإحصان في هذا الباب أن يجتمع في هذا الزاني أربع شرائط: العقل، والبلوغ، والحرية، والإصابة في النكاح الصحيح.

стр. 1365

٢٦٩٣ - إن الله تعالى بعث محمدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله: آية الرجم، رجم رسول الله ﷺ ، ورجمنا بعده، والرجم في كتاب الله حق على من زنا إذا أحصن -من الرجال والنساء- إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف. قلت: رواه البخاري في مواضع مختصرًا ومطولًا منها في المحاربين، ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه كلهم هنا من حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب. (١) ٢٦٩٤ - أن النبي ﷺ قال: "خذوا عني! خذوا عني! قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر، جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب، جلد مائة والرجم". قلت: رواه الجماعة إلا البخاري كلهم هنا (٢) إلا النسائي فإنه ذكره في الرجم من حديث عبادة بن الصامت ولم يخرج البخاري عن عبادة في هذا شيئًا، ولا ذكر في كتابه جلد المحصن. ٢٦٩٥ - أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﷺ ، فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما تجدون في التوراة؟ "، قالوا: نفضحهم ويُجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم! إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفعها، فإذا فيها آية الرجم. قلت: رواه البخاري في مواضع منها في المحاربين بهذا اللفظ ومسلم وأبو داود كلاهما في الحدود والنسائي في الرجم واختصره الترمذي (٣) في الحدود وأشار إلى القصة ولم يذكرها، وقال بعض أهل العلم: واسم هذه المرأة بسرة.

стр. 1366

- ويروى: فإذا آية الرجم تلوح، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما. قلت: هذه الرواية عزاها ابن الأثير للشيخين. (١) وفي هذا الحديث: دليل لوجوب حد الزنا على الكافر، وأنه يصح نكاحه لأنه لا يجب الرجم إلا على محصن، فلو لم يصح نكاحه لم يثبت إحصانه ولم يرجم، وفيه: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وهو الصحيح، وفيه: أن الكفار إذا تحاكموا إلينا حكمنا بينهم بشرعنا. قوله: إن النبي ﷺ قال: "ما تجدون في التوراة"، قال العلماء: هذا السؤال ليس لتقليدهم ولا لمعرفة الحكم منهم، وإنما هو لإلزامهم بما يعتقدونه في كتابهم، ولعله ﷺ قد أوحي إليه أن الرجم في التوراة الموجودة في أيديهم لم يغيروه، أو أنه أخبره من أسلم منهم. ٢٦٩٦ - أتى النبي ﷺ رجل وهو في المسجد، فناداه: يا رسول الله! إني زنيت، فأعرض عنه النبي ﷺ ، فتنحّى لشق وجهه الذي أعرض قِبله، فقال: إني زنيت، فأعرض عنه، فلما شهد أربع شهادات، دعاه النبي ﷺ فقال: "أبك جنون؟ "، قال: لا، فقال: "أُحصنت؟ " قال: نعم، يا رسول الله، قال: "اذهبوا به فارجموه". قلت: رواه البخاري في المحاربين ومسلم في الحدود من حديث أبي هريرة. (٢) واحتج بهذا أبو حنيفة وأحمد وموافقوهما في أن الإقرار بالزنا لا يثبت ويرجم به المقر حتى يقر أربع مرات، وقال الشافعي وآخرون: يثبت الإقرار بمرة واحدة واحتجوا بقوله ﷺ : "اغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها"، ولم يشترط عددًا، وقد تقدم، وحديث الغامدية الآتي، وليس فيه إقرارها أربع مرات.

стр. 1367

قوله ﷺ اذهبوا به فارجموه: فيه دليل على جواز إستنابة الإِمام من يقيم عنه الحد. ٢٦٩٧ - فأمر به، فرجم بالمصلّى، فلما أذلفته الحجارة فر، فأُدرك فرجم حتى مات، فقال له النبي ﷺ خيرًا وصلى عليه. قلت: رواه البخاري في المحاربين مطولًا من حديث جابر (١) ولم يخرجه مسلم , وقيل: للبخاري وصلى عليه، يصح؟ قال: رواه معمر، قيل: رواه غيره، قال: لا. وأذلقته: بالذال المعجمة وبالقاف أي أصابته يحدها، والمراد بالمصلى هنا: مصلى الجنائز فذكر الدارمي من أصحابنا: أن المصلى الذي للأعياد ولغيره إذا لم يكن مسجدًا هل يثبت له حكم المسجد؟ فيه وجهان: أصحهما ليس له حكم المسجد، وهذا الحديث يشهد له. قوله: وصل عليه، فيه دليل للشافعي أن الإِمام وأهل الفضل يصلون على المرجوم، كما يصلي على غيرهم، وكره مالك وأحمد للإمام وأهل الفضل الصلاة على المرجوم ومن قتل حدًّا. ٢٦٩٨ - لما أتى ماعز بن مالك النبي ﷺ فقال له: "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟ " قال: لا، يا رسول الله قال: "أنكتها؟ " لا يكني، قال: فعند ذلك أمر برجمه. قلت: رواه البخاري في المحاربين من حديث ابن عباس ولم يخرجه مسلم. (٢) قول ﷺ : "لعلك قبّلت"، فيه دليل على استحباب تلقين المقر بالزنا الرجوع وكذلك كل حد لله أقر به الآدمي قياسًا على الزنا. ٢٦٩٩ - جاء ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله طهرني، فقال: "ويحك، ارجع فاستغفر الله وتب إليه"، قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء، فقال: يا

стр. 1368

رسول الله طهرني، فقال النبي ﷺ : مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة، قال له رسول الله ﷺ : "مم أطهرك؟ " قال: من الزنا، فسأل رسول الله ﷺ : "أبه جنون؟ "، فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: "أشرب خمرًا"، فقام رجل فاستنكهه، فلم يجد منه ريح خمر، فقال: "أزنيت؟ "، قال: نعم، فأمر به فرجم، فلبثوا يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله ﷺ ، فقال: "استغفروا لماعز بن مالك، لقد تاب توبة لو قُسمت بين أمة محمَّد لوسعتهم"، ثم جاءت امرأة من غامد -من الأزد-، فقالت: يا رسول الله طهرني، قال: "ويحك، ارجعي واستغفري الله وتوبي إليه"، فقالت: تريد أن تردّدني كما ردّدت ماعز ابن مالك؟، إنها حبلى من الزنا، فقال: "أنت؟ "، قالت: نعم، قال لها: "حتى تضعي ما في بطنك"، قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، فأتى النبي ﷺ فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: "إذًا لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من ترضعه"، فقام رجل من الأنصار، فقال: إليّ رضاعه يا نبي الله، قال: فرجمها. قلت: رواه مسلم في الحدود من حديث بريدة بن الحصيب ولم يخرجه البخاري. (١) قوله ﷺ أشرب خمرًا، فقام رجل فاستنكهه، فلم يجد منه ريح خمر": مذهبنا الصحيح المشهور صحة إقرار السكران، ونفوذ إقراره فيما له وعليه، فالسؤال عن شربه الخمر محمول عندنا على أنه لو كان سكران لم يقم عليه الحد. ومعنى استنكهه: أي شم رائحة فيه، واحتج به المالكية لمذهبهم أنه يحد من وجد منه ريح الخمر، وإن لم تقم عليه بينة بشربها, ولا أقر به، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما أنه لا يحد بمجرد ريحها بل لا بد من بينة على شربها أو إقرار. قوله: لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة محمَّد لوسعتهم، فيه أن توبة الزاني لا تسقط عنه حد الزنا، وهذا حكم السرقة والشرب وهو أصح القولين في مذهبنا ومذهب مالك.

стр. 1369

قوله: ثم جاءت امرأة من غامد، هي بغين معجمة وراء مهملة بطن من جهينة. وفي الحديث دليل على: أن المرأة كالرجل في وجوب الحد فإنها لا يقام عليها الحد حتى تضع ويستغني الولد عنها. قوله: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، أي قام بمؤنتها ومصالحها وليس هو من الكفالة التي هي بمعنى الضمان لأن هذه لا تجوز في الحدود التي لله تعالى. ٢٧٠٠ - وفي رواية أنه قال لها: "اذهبي حتى تلدي"، فلما ولدت قال: "اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه" فلما فطمته، أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فيُقبل خالد بن الوليد بحجر، فرمى رأسها، فتنضّح الدم على وجه خالد، فسبّها! فقال النبي ﷺ : "مهلًا يا خالد! فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة، لو تابها صاحب مَكْس لغفر له"، ثم أمر بها، فصلى عليها ودفنت. قلت: رواه مسلم في الحدود من حديث بريدة ولم يخرج البخاري عن بريدة (١) في هذا شيئًا ولا ذكر حديث هذه المرأة. فتنضح الدم: روي بالحاء المهملة وبالمعجمة والأكثرون على المهملة ومعناه: ترشش وانصب، وظاهر هذه الرواية مخالف للرواية التي قبلها؛ لأن هذه فيها أن النبي ﷺ ما رجمها حتى فطمته، وأكل الخبز، وفي التي قبلها قام رجل من الأنصار فقال: إلي رضاعته، فرجمت عقب الولادة، ويجب تأويل الأولى وحملها على وفق الثانية، لأنهما قضية واحدة والروايتان صحيحتان، والثانية منهما صريحة لا يمكن تأويلها، والأولى ليست صريحة فيتعين تأويل الأولى، ويكون قوله في الرواية الأولى: "قام رجل

стр. 1370

من الأنصار فقال: إليّ رضاعه" إنما قاله: بعد الفطام، وأراد بالرضاعة: كفالته وتربيته، وسماه رضاعًا مجازًا. وقد ذهب الشافعي وأحمد إلى: أن الزانية لا ترجم حتى يوجد من يرضع الصغير, فإن لم يوجد أخرت إلى الفطام، وقال أبو حنيفة: ترجم بعد الوضع ولا ينتظر حصول مرضعة. قوله: "ثم أمر بها فصلى عليها" قال القاضي عياض: هو بفتح الصاد المهملة واللام عند جماهير رواة صحيح مسلم، قال: وعند الطبري بضم الصاد، وقال: وكذا هو في رواية ابن أبي شيبة وأبي داود. قال القاضي (١): ولم يذكر مسلم صلاته ﷺ على ماعز، وقد ذكرها البخاري انتهى كلامه. وهو كما قال، وقد بينا ذلك في حديث جابر. (٢) ٢٧٠١ - سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها، فليجلدها الحد، ولا يثرّب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرّب، ثم إن زنت الثالثة فليبعْها ولو بحبل من شعر". قلت: رواه البخاري في المحاربين ومسلم في الحدود والترمذي فيه والنسائي في الرجم من حديث أبي هريرة. (٣) والتثريب: التوبيخ واللوم على الذنب، ومعنى تبيّن زناها: تحققه إما بالبينة وإما برؤيته وعلمه عند من يجوز القضاء بالعلم في الحدود، وفيه: أن السيد يقيم الحد على
следующие страницы →