باب بيان الخمر ووعيد شاربها
من الصحاح
٢٧٥٣ - عن رسول الله ﷺ قال: "الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة".
قلت: رواه مسلم في الأشربة من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري. (١)
٢٧٥٤ - خطب عمر على منبر رسول الله ﷺ فقال: "إنّه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: من العنب والتمر، والحنطة، والشعير، والعسل، والخمر: ما خامر العقل".
قلت: رواه الجماعة إلا ابن ماجه الكل في الأشربة من حديث الشعبي عن ابن عمر عن عمر إلا مسلمًا فإنه رواه آخر كتابه، وأعاده البخاري في مواضع. (٢)
٢٧٥٥ - لقد حُرّمت الخمر -حين حرمت- وما نجد خمر الأعناب إلا قليلًا، وعامة خمرنا: البسر والتمر.
قلت: رواه البخاري في الأشربة من حديث أنس ولم يخرجه مسلم. (٣)
٢٧٥٦ - سئل رسول الله ﷺ عن البِتْع: وهو نبيذ العسل؟ فقال: "كل شراب أسكر، فهو حرام".
قلت: رواه الجماعة البخاري في الطهارة وفي الأشربة والباقون في الأشربة من حديث عائشة. (٤)
стр. 1402
والبتع: بالباء الموحدة المكسورة والتاء ثالثة الحروف والعين المهملة.
٢٧٥٧ - قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام".
قلت: رواه مسلم وأبو داود والترمذي ثلاثتهم في الأشربة من حديث ابن عمر. (١)
٢٧٥٨ - قال ﷺ : "ومن شرب الخمر في الدنيا، فمات وهو يدمنها لم يتب، لم يشربها في الآخرة".
قلت: رواه مسلم وأبو داود والترمذي ثلاثتهم في الأشربة من حديث ابن عمر وأخرجه البخاري فيه ولفظه: "من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة". (٢)
٢٧٥٩ - أن رجلًا قدم من اليمن، فسأل النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له: المِزْرُ؟ فقال النبي ﷺ : "أو مسكر هو؟ " قال: نعم، قال: "كل مسكر حرام، إن على الله عهدًا لمن يشرب المسكر: أن يَسقيه من طينة الخبال" قالوا: يا رسول الله! وما طينة الخبال؟، قال: "عَرَق أهل النار أو عصارة أهل النار".
قلت: رواه مسلم في الأشربة والنسائي فيه (٣) وفي الوليمة من حديث جابر أن رجلًا قدم من جيشان، وجيشان: من اليمن فسأل النبي ﷺ ... وساقه، ولم يخرج البخاري هذا الحديث.
والمزر: بكسر الميم ويكون من الذرة ومن الشعير ومن الحنطة.
٢٧٦٠ - أن نبي الله ﷺ نهى عن خليط التمر والبسر، وعن خليط الزبيب والتمر، وعن خليط الزهو والرطب، وقال: "انتبذوا كل واحد على حدة".
стр. 1403
قلت: رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه كلهم في الأشربة من حديث أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري، ولم يخرجه البخاري عنه بهذا اللفظ. (١)
والزهو: البسر الملون بفتح الزاي المعجمة يقال إذا ظهرت الحمرة والصفرة فقد ظهر فيه الزهو، وأهل الحجاز يقولون الزهو، بالضم يقال: زهي النخل وأزهي أيضًا لغة.
وهذا الحديث صريح في النهي عن إنباذ الخليطين، وهو ما ذكر في الحديث، ونحو ذلك، قال العلماء: وسبب الكراهة فيه أن الإسكار تسرع إليه بسبب الخلط فيتغير طعمه، فيظن الشارب أنه ليس مسكرًا، ويكون مسكرًا، ومذهبنا ومذهب الجمهور أن هذا النهي لكراهة التنزيه، ولا يحرم ذلك ما لم يصير مسكرًا، وبهذا قال جماهير العلماء، ونقل عن أبي حنيفة وأبي يوسف لا كراهة فيه، ولا بأس به لأن ما حل مفردًا حل مخلوطًا. (٢)
٢٧٦١ - أن النبي ﷺ سئل عن الخمر، تتخذ خلًّا؟، فقال: "لا".
قلت: رواه مسلم وأبو داود كلاهما في الأشربة والترمذي في البيوع من حديث أنس. (٣)
واستدل بهذا الحديث الشافعي ومن وافقه على: أن الخمر لا تطهر إذا خللت بإلقاء جرم فيها.
أما إذا خللت بنقلها من الشمس إلى الظل أو العكس، فالصحيح عندنا أنها تطهر، وحملنا الحديث على ما إذا خللت بإلقاء شيء فيها، هذا مذهب الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: تطهر بالتخليل ولو ألقى فيها شيء ليقلبها خلًّا، وأجمع العلماء على أنها إذا انقلبت بنفسها خلًّا طهرت.
стр. 1404
٢٧٦٢ - أن طارق بن سويد سأل النبي ﷺ عن الخمر؟ فنهاه، فقال: إنما أصنعها للدواء؟ فقال: "إنه ليس بدواء، ولكنه داء".
قلت: رواه مسلم في الأشربة والترمذي (١) في الطب كلاهما من حديث وائل بن حجر الحضرمي، ولم يخرجه البخاري.
واستدل به أصحابنا على حرمة التداوي بالخمر لأن النبي ﷺ جعلها داءً، فكان المتناول لها تناولها بلا سبب.
من الحسان
٢٧٦٣ - قال رسول الله ﷺ : "من شرب الخمر، لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب، تاب الله عليه، فإن عاد لم يقبل له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد في الرابعة لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب لم يتب الله عليه، وسقاه من نهر الخبال".
قلت: رواه الترمذي في الأشربة من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب يرفعه وقال: حديث حسن، انتهى (٢) ورواه النسائي وابن ماجه والدارمي ثلاثتهم فيه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وفيه قصة. (٣)
стр. 1405
والخبال: مفسر في الحديث الصحيح: بعصارة أهل النار، وإنما خص الصلاة بالذكر لأنها أفضل عبادات البدن، فإذا لم تقبل منه فغيرها أولى، أو لأن اجتناب النجاسة من شرطها، وهذا الثاني ليس بظاهر لأن بعد نزول النجاسة إلى الجوف لم يبق لها حكم النجاسة المشروطة في صحة الصلاة والله أعلم.
٢٧٦٤ - أن رسول الله ﷺ قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام".
قلت: رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ثلاثتهم في الأشربة من حديث جابر (١) وقال الترمذي: حسن غريب من حديث جابر انتهى وفي سنده داود بن بكر بن أبي الفرات، وثقه ابن معين، قال أبو حاتم الرازي: ليس بالمتين، قال المنذري: وقد روي هذا الحديث من رواية علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو، وعائشة، وخوّات بن جبير، وحديث سعد بن أبي وقاص أجودها إسنادًا، فإن النسائي رواه في سننه (٢) عن محمَّد بن عبد الله بن عمار الموصلي، وهو أحد الثقات، عن الوليد بن كثير، وقد احتج به الشيخان عن الضحاك ابن عثمان، وقد احتج به مسلم في صحيحه عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، وقد احتج الشيخان بهما في الصحيحين. (٣)
٢٧٦٥ - عن رسول الله ﷺ : "ما أسكر الفَرق، فملء الكف منه حرام".
قلت: رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. (٤)
стр. 1406
قال المنذري (١): وهو كما قال: فإن رواته جميعهم محتج بهم في الصحيحين، سوى أبي عثمان عمرو ويقال: عمر بن سالم الأنصاري، وهو مشهور، ولي القضاء بمرو، ورأى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس، وسمع من القاسم بن محمَّد، وعنه روى هذا الحديث، وروى عنه غير واحد، ولم أر لأحد فيه كلامًا يضعف روايته.
والفرق: قال ابن الأثير (٢): بالتحريك مكيال يسع ستة عشر رطلًا وهي اثنا عشر مدًّا وثلاثة آصع عند أهل الحجاز، وقيل: الفرق خمسة أقساط، والقسط: نصف صاع، وأما الفَرْق: بالسكون فمائة وعشرون رطلًا انتهى.
٢٧٦٦ - قال رسول الله ﷺ : "إن من الحنطة خمرًا، ومن الشعير خمرًا، ومن التمر خمرًا، ومن الزبيب خمرًا، ومن العسل خمرًا". (غريب).
قلت: رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه واللفظ لهما ثلاثتهم من حديث النعمان بن بشير يرفعه. وقال الترمذي: غريب، انتهى. وسنده صحيح. (٣)
٢٧٦٧ - كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت المائدة، سألت رسول الله ﷺ ، وقلت: إنّه ليتيم؟ قال: "أهريقوه".
قلت: رواه الترمذي في البيوع من حديث أبي سعيد وقال: حديث حسن. (٤)
٢٧٦٨ - عن أبي طلحة أنه قال: يا نبي الله إنني اشتريت خمرًا لأيتام في حجري؟ فقال: "أهرق الخمر، واكسر الدنان" (ضعيف).
стр. 1407
قلت: رواه الترمذي في البيوع. (١) من حديث الليث عن يحيى بن عباد عن أنس عن أبي طلحة قال الترمذي: وروى الثوري هذا الحديث عن السدي عن يحيى بن عباد عن أنس أن أبا طلحة قال: إن عندي، قال: وهذا أصح من حديث الليث.
وفي رواية: أنه سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا؟ قال: "أهرقها"، قال: أفلا أجعلها خلًّا؟: قال: "لا".
قلت: رواه أبو داود في الأشربة من حديث أنس بن مالك وسكت عليه. (٢)
تم آخر الجزء الأول يتلوه في الثاني إن شاء الله تعالى كتاب الإمارة والقضاء.
стр. 1408
كتاب الإمارة والقَضاء
من الصحاح
٢٧٦٩ - قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني".
قلت: رواه البخاري في الأحكام، ومسلم في المغازي والنسائي في السير ثلاثتهم من حديث أبي هريرة. (١)
وقال الخطابي (٢): كانت قريش ومن والاها من العرب لا يعرفون الإمارة، ولا يدينون لغير رؤساء قبائلهم، فلما كان الإِسلام وولي عليهم الأمراء، أنكرته نفوسهم، وامتنع بعضهم من الطاعة، قال لهم ﷺ هذا القول ليعلمهم أن طاعتهم مربوطة بطاعته.
قوله ﷺ : "من أطاعني إلى آخره"، وجه ذلك أن الله تعالى أمر بطاعة رسول الله ﷺ ، وأمر هو بطاعة الأمير فتلازمت الطاعة.
٢٧٧٠ - قال ﷺ : "إنما الإِمام جُنَّة، يقاتل من ورائه، ويُتقى به، فإن أمر بتقوى الله وعدَلَ، فإن له بذلك أجرًا، وإن قال بغيره، فإن عليه منه".
قلت: رواه مسلم في المغازي من حديث أبي هريرة. (٣)
و"الإِمام جنة": أي كالساتر, لأنه يمنع من أذى المسلمين، ويمنع الناس بعضهم من بعض.
و"يقاتل من ورائه" أي: يقاتل معه الكفار والبغاة والخوارج وسائر أهل الفساد.
стр. 1409
قال القرطبي في شرح مسلم (١): "من ورائه" أي: أمامه، ووراء: من الأضداد.
قال تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ يعني أمامهم، والأصل أن كل ما توارى عنك أي غاب فهو أمام، والمعنى: أن يقاتل أمام الإِمام ولا يترك يباشر القتال بنفسه.
قوله ﷺ : "وإن قال بغيره وإن عليه منه"، قال القرطبي (٢): و"من" هذه للتبعيض لأنه لا يختص هو بالإثم بل المُنفذ لذلك الجور يكون عليه أيضًا حظه من الإثم، والرَّاضي به، فالكل يشتركون في الإثم غير أن الإِمام أكثرهم حظًّا منه.
٢٧٧١ - قال ﷺ : "إن أُمِرَّ عليكم عبدٌ مُجدَّع، يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا".
قلت: رواه مسلم في المغازي من حديث أم الحصين ترفعه. (٣) ولم يخرج البخاري في كتابه عن أم الحصين في هذا شيئًا.
ومَجدَّع: أي: مقطوع الأطراف، والمراد: أخس العبيد أي اسمع وأطع للأمير وإن وإن دنِيّ النسب، حتى لو كان عبدًا أسود مقطوع الأطراف، فطاعته واجبة.
ويتصور ولاية العبد إذا ولاه بعض الأئمة أو تقلب على البلاد، ولا يجوز عقد الولاية له مع الاختيار لأن شرطها الحرية.
٢٧٧٢ - قال ﷺ : "اسمعوا وأطيعوا، وإن أُستعملَ عليكم عبد حبشي، كأن رأسه ذبيبة".
قلت: رواه البخاري في الأحكام من حديث أنس بن مالك، ولم يخرج مسلم عن أنس في هذا شيئًا. (٤)
стр. 1410
قوله ﷺ : "كأن رأسه زبيبة" إشارة إلى أنه وإن كان حقيرًا، فاسمعوا وأطيعوا، مع أن الحبش موصوفون بصغر الرأس.
٢٧٧٣ - قال ﷺ : "السمع والطاعة: على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة".
قلت: رواه البخاري في الجهاد وفي الأحكام، ومسلم في المغازي، وأبو داود والترمذي كلاهما في الجهاد، والنسائي في السير، وابن ماجة في الجهاد من حديث عبد الله بن عمر. (١)
٢٧٧٤ - قال ﷺ : "لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف".
قلت: رواه البخاري في إجازة خبر الواحد، ومسلم في المغازي.
وأبو داود في الجهاد، والنسائي في البيعة كلهم من حديث علي بن أبي طالب، وفيه قصة الجيش الذي أجج أميرهم نارًا وأمرهم أن يقتحموا فيها. (٢)
٢٧٧٥ - قال بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة: في العُسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أَثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم.
قلت: رواه البخاري في الأحكام، في باب "كيف يبايع الإِمام".
ومسلم في المغازي، والنسائي في البيعة، وابن ماجة في الجهاد كلهم من حديث عبادة بن الصامت. (٣)
"والمنشط والمكره" يعني: المحبوب والمكروه، وهما مصدران.
стр. 1411
والأثرة: بفتح الهمزة والثاء سيأتي الكلام عليها في الحديث السادس من هذا الحديث. (١)
٢٧٧٦ - وفي رواية: "على أن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا، عندكم من الله فيه برهان".
قلت: رواه البخاري في الفتن، ومسلم في المغازي كلاهما من حدثنا عبادة بن الصامت. (٢)
قوله ﷺ : "كفرًا بواحًا": بالباء الوحدة وبعدها واو من باح بالشيء، يبوح به إذا أعلنه، ويروى براحًا بالراء المهملة بإبدال الواو: أي جهارًا، والباء مفتوحة فيه.
٢٧٧٧ - قال: كنا إذا بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، يقول لنا: "فيما استطعتم".
قلت: رواه البخاري في الأحكام، ومسلم في المغازي، والترمذي في السير، والنسائي فيه وفي البيعة من حدثنا ابن عمر. (٣)
٢٧٧٨ - قال رسول الله ﷺ : "منْ رأى من أميره شيئًا يكرهه، فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا فيموت، إلا مات ميتة جاهلية".
قلت: رواه البخاري في الأحكام، ومسلم في المغازي كلاهما من حدثنا ابن عباس يرفعه. (٤)
стр. 1412
والميتة -بالكسر-: الحالة التي يموت عليها، أي: كما يموت أهل الجاهلية من الضلال والفُرقة.
٢٧٧٩ - قال ﷺ : "مَنْ خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات، مات ميتة جاهلية، ومَنْ قاتل تحت رايةٍ عِميَّةٍ، يغضبُ لعَصبية، أو بدعوا لعَصَبيةٍ، أو ينصر عَصَبيةً، فقُتِل، فقِتلته جاهلية، ومن خرج على أمتي بسيفه، يضرب بَرَّها وفاجرَها، ولا يتحاشى مِن مؤمِنها, ولا يَفي لذي عهد عهدَه، فليس مني ولست منه".
قلت: رواه مسلم في المغازي، والنسائي في المحاربة كلاهما من حديث أبي هريرة ولم يخرج البخاري هذا الحديث. (١)
وعمِّية: قال النووي (٢): هي بكسر العين وضمها لغتان مشهورتان، والميم مكسورة مشددة والياء مشددة أيضًا، قالوا: هي الأمر الأعمى، لا يستبين وجهه، كذا قال الجمهور.
وقوله: "ولا يتحاشى من مؤمنها" معناه: لا يكترث بما يفعل فيها, ولا يخاف وباله وعقوبته.
٢٧٨٠ - عن رسول الله ﷺ قال: "خيار أئِمتكُم: الذين تحبونهم ويُحبونكم، وتُصلون عليهم ويُصلُّون عليكم، وشِرار أئمتكم: الذين تُبغضُونهم ويُبغضُونكم، وتَلعنونَهم وَيلعنُونكم"، قال: قلنا: يا رسولَ الله أفلا نُنابِذُهم عند ذلك؟ قال: "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من وُلّي عليه والٍ فرآه يأتي شيئًا من معصيةِ الله، فليَكره ما يأتي من معصية الله، ولا بَنزِعن يدًا من طاعة".
قلت: رواه مسلم في المغازي من حديث عوف بن مالك، ولم يخرج البخاري حديث
стр. 1413
عوف هذا. (١)
قوله ﷺ : "يصلون عليهم" أي تدعون لهم ويدعون لكم. ومعنى "ننابذهم" أي تنبذ إليهم بيعتَهم ونترك طاعتهم.
قوله ﷺ : "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة" فيه دليل على أن الإِمام الأعظم لا ينعزل بالفسق، وإنما منع ﷺ من منابذتهم مُدة إقامتهم الصلاة، حذرًا من هيجان الفتنة، واختلاف الكلمة، وغير ذلك مما يكون أشد نكاية من المصابرة على ما يكره منهم.
٢٧٨١ - قالت: قال رسول الله ﷺ : "يكون عليكم أمراء، تعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سَلِمَ، ولكن من رضي وتابع"، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما صلوا، لا، ما صلوا".
قلت: رواه مسلم في المغازي، وأبو داود في السنة، والترمذي في الفتن، ثلاثتهم من حديث أم سلمة. (٢)
ومعنى: "تعرفون وتنكرون" أي: تعرفون بعض أفعالهم لموافقتها للحق، وتنكرون بعضها لمخالفتها للحق، ومعنى تعرفون: ترضون، لمقابلته تنكرون.
قال المصنف: يعني من كره بقلبه وأنكر بقلبه. (٣)
٢٧٨٢ - قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "إنكم سترون بعدي أثرة أمورًا تنكرونها"، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟، قال: "أدوا إليهم حقهم، واسألوا الله حقكم".
قلت: رواه البخاري في علامات النبوة، ومسلم في المغازي, والترمذي في الفتن من
стр. 1414
حديث عبد الله بن مسعود. (١)
والأثرة: بفتح الهمزة والثاء، ويقال بضم الهمزة بإسكان الثاء، وبكسر الهمزة وإسكان الثاء ثلاث لغات حكاهن في المشارق (٢) وغيره، وهو استئثار الأمراء بأموال بيت المال.
٢٧٨٣ - سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله! أرأيت إن قامت علينا أمراء، يسألوننا حقهم، ويمنعوننا حقنا فما تأمرنا؟ قال: "اسمعوا أطيعوا، فإنما عليهم ما حُمِّلوا، أوعليكم ما حملتم".
قلت: رواه مسلم في المغازي، والترمذي في الفتن، كلاهما من حديث وائل بن حجر ولم يخرجه البخاري، ولا أخرج عن وائل بن حجر في صحيحه شيئًا. (٣)
٢٧٨٤ - قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من خلع يدًا من طاعةٍ، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية".
قلت: رواه مسلم في المغازي من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب، ولم يخرجه البخاري. (٤)
ومعنى "لا حجة له" أي: يأتي القيامة ولا حجة له في فعله، ولا عذر له ينفعه عند ربه.
٢٧٨٥ - عن النبي ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي، خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون"، قالوا: فما تأمرنا؟ قال:
стр. 1415
"فُوابيعة الأولِ فالأول، أعطُوهم حقّهم، فإن الله تعالى سائلهم عما استرعاهم".
قلت: رواه البخاري في بني إسرائيل، ومسلم في المغازي، وابن ماجة في الجهاد ثلاثتهم من حديث أبي هريرة. (١)
قوله ﷺ : "تسوسهم الأنبياء" يُقال: "ساست الرعية سياسة إذا ملكت أمرهم أي: كان رؤسائهم الذين يقومون بساستهم الأنبياء".
قوله ﷺ : "كما هلك نبي خلفه نبي" كالبيان لما قبله، وفيه دليل على جواز قول القائل: "هلك فلان" إذا مات.
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾.
قوله ﷺ : "فيكثرون" هو بالثاء المثلثة بعد الكاف، من الكثرة، ولا عبرة عمن رواها بالباء الموحدة، فإنه تصحيف.
ومعنى الحديث: إذا بويع الخليفة بعد خليفة فبيعة الأول صحيحة، يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة، يحرم الوفاء بها، ويحرم عليه طلبها، وسواء عقدوا للثاني عالمين بعقد الأول أم جاهلين، وسواء كانا في بلدين أم بلد أو أحدهما في بلد الإِمام المنفصل، والآخر في غيره، هذا هو الصواب الذي عليه جماهير العلماء.
وقيل: تكون لمن عقدت له في بلد الإِمام وقيل: يُقرع بينهما، وهذان ضعيفان. (٢)
٢٧٨٦ - قال رسول الله ﷺ : "إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخِر منهما".
قلت: رواه مسلم في المغازي من حديث أبي سعيد الخدري. (٣)
стр. 1416
وهذا محمول على ما إذا لم يندفع إلا بالقتل، أو يكون القتل بمعنى إبطال الولاية فيصير كمن قتله، وهو دليل لما قاله السلف والخلف من أنه لا يجوز عقدها لشخصين.
وقال الإِمام في الإرشاد: عندي أنه إذا بعد ما بينهما وتخللت بينهما شسوع فللاحتمال فيه مجال، قال وهو خارج من القواطع.
وحكى المازرى، هذا القول عن بعض المتأخرين وأراد به إمام الحرمين.
قال النووي: وهو قول فاسد، والله أعلم. (١)
٢٧٨٧ - قال ﷺ : "أنه سيكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائنًا من كان".
قلت: رواه مسلم في الجهاد، وأبو داود في السنة، والنسائي في المحاربين ثلاثتهم من حديث عرفجة بن شرْيح الأشجعي (٢)، ولم يخرج البخاري حديث عرفجة هذا, ولا أخرج في كتابه عن عرفجة شيئًا.
قوله ﷺ : "سيكون هنات" قال في النهاية (٣): أي شرور وفساد، يقال: في فلان "هناه" أي: خصال شر، ولا يُقال في الخير. واحدها: هنة، وقد تجمع على هنوات، وفي الحديث: الأمر بقتال من خرج على الإِمام وأراد تفريق كلمة المسلمين، وينهى عن ذلك فإن لم يرجع قوتل فإن لم يندفع شره إلا بقتله فقتل، فقتله كان كدرأ. (٤)
٢٧٨٨ - قال ﷺ : "من أتاكم وأمركم جميعٌ على رجل واحدٍ، يريدُ أن يشق عصاكم، ويفرق جماعَتكم، فاقتلوه".
стр. 1417
قلت: رواه مسلم في الجهاد، وأبو داود في السنة، والنسائي في المحاربة من حديث عرفجة الأشجعي يرفعه. (١)
قال النووي: يقال: شق العصا: إذا فارق الجماعة.
قال أبو عبيد: أصل العصا الاجتماع والائتلاف، ومنه قيل للخوارج: (شقوا عصا المسلمين) أي: فارقوا جماعتهم. (٢)
٢٧٨٩ - قال ﷺ : "من بايع إمامًا، فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخري نازعه، فاضربوا عنق الآخر".
قلت: رواه مسلم بقصة مطولة في المغازي هذا هو المرفوع منها، وأبو داود في الفتن والنسائي في البيعة وفي السير وابن ماجه في الفتن، أربعتهم من حديث عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبد الله بن عمرو ابن العاص يرفعه. (٣)
ولم يخرج البخاري عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة في كتابه شيئًا.
٢٧٩٠ - قال ﷺ : "يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة، وكلت إليها، وإن أعطيئها عن غير مسألة، أعنت عليها".
قلت: رواه الجماعة إلا ابن ماجة: البخاري في النذور وفي الأحكام، وفي الكفارات، ومسلم في النذور، وفي المغازي، وأبو داود في الخراج، والترمذي في الأيمان والنذور
стр. 1418
والنسائي في القضاء وفي السير كلهم من حديث عبد الرحمن بن سمرة. (١)
قوله: "وكلت إليها" الصواب أنه بالواو، أي: أسلمْت إليها ولم يكن معك إعانة بخلاف ما إذا حصلت بغير مسألة.
٢٧٩١ - عن النبي ﷺ قال: "إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة، وبئست الفاطمة".
قلت: رواه البخاري في الأحكام, والنسائي في القضاء وفي البيعة وفي السير من حديث أبي هريرة. (٢)
وقد ضرب ﷺ المرضعة مثلًا للولاية وما توصله إلى صاحبهما من المنافع واللذات، وضرب الفاطمة مثلًا للموت الذي يهدم عليه لذاته فيقطع منافعها دونه ويبقى الحسرة والتبعة.
٢٧٩٢ - قال: قلت يا رسول الله ﷺ : ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: "يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا مَنْ أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها".
قلت: رواه مسلم في المغازي من حديث أبي ذر ولم يخرجه البخاري. (٣)
٢٧٩٣ - قال ﷺ : "يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرنّ على اثنين، ولا تولين مال يتيم".
стр. 1419
قلت: رواه مسلم في المغازي، وأبو داود، والنسائي كلاهما في الوصايا من حديث أبي ذر، ولم يخرجه البخاري. (١)
٢٧٩٤ - قال: دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي، فقالا: أمِّرنا على بعض ما ولّاك الله، فقال: إنا -والله- لا نولي على هذا العمل أحدًا سأله, ولا أحدًا حرص عليه".
قلت: رواه البخاري في الأحكام، ومسلم في المغازي، كلاهما من حديث أبي موسى. (٢)
وحرص عليه: بفتح الراء، وكسرها، والفتح أفصح وبه جاء القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
٢٧٩٥ - قال ﷺ : "لا نستعمل على عملنا من أراده".
قلت: رواه البخاري في الإجارات، وفي المرتدين والمعاندين ومسلم في المغازي، كلاهما من حديث أبي موسى. (٣)
٢٧٩٦ - قال ﷺ : "تجدون من خير الناس أشدهم كراهية لهذا الأمر، حتى يقع فيه".
قلت: رواه الشيخان في مناقب قريش، وفي غيره من حديث أبي هريرة. (٤)
٢٧٩٧ - قال ﷺ : "ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته: فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده، وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكلم مسئول عن رعيته".
стр. 1420
قلت: رواه البخاري في الصلاة وفي الوصايا، ومسلم في المغازي، والترمذي في الجهاد، من حديث ابن عمر بن الخطاب ﵄. (١)
٢٧٩٨ - قال ﷺ : "ما من والٍ يلي رعيةً من المسلمين، فيموتُ وهو غاش لهم، إلا حرم الله عليه الجنة".
قلت: رواه البخاري في الأحكام بهذا اللفظ ومسلم في الإيمان كلاهما من حديث معقل بن يسار. (٢)
٢٧٩٩ - قال ﷺ : "ما من عبد يسترعيه الله رعيّة، فلم يحطها بنصيحة، لم يجد رائحةَ الجنة".
قلت: رواه البخاري أيضًا في الأحكام بهذا اللفظ، ومسلم في الإيمان, كلاهما من حديث معقل بن يسار. (٣)
٢٨١٠ - قال ﷺ : "إن شر الرعاء الحطمة".
قلت: رواه مسلم في المناقب من حديث الحسن البصري أن عائذ بن عمرو -وكان من أصحاب النبي ﷺ (٤) - دخل على عبيد الله بن زياد فقال: أي بُني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن من شر الرعاء الحطمة" فإياك أن تكون منهم، فقال له: اجلس إنما أنت من نخالة أصحاب محمَّد ﷺ ، فقال: وهل كانت لهم نخالة، إنما النخالة بعدهم وفي غيرهم. ولم يخرج البخاري هذا الحديث.
стр. 1421
وعائذ بن عمرو: وهو بالعين المهملة، وبعد الألف آخر الحروف ثم قال معجمة، وإن ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكان من صالحي الصحابة، توفي في إمرة عبيد الله بن زياد وأيام يزيد بن معاوية. (١)
والرعاء: بكسر الراء والمد جمع راع، والحطمة بضم الحاء، وفتح الطاء المهملتين، والمراد به هنا: الذي يظلم الرعية ولا يرحمهم من الحطم وهو الكسر.
٢٨٠٢ - قال ﷺ : "اللهم! من وَليَ من أمر أمتي شيئًا، فشَقّ عليهم، فاشقُقْ عليه، ومن وَليَ من أمر أمتي شيئًا، فرفَقَ بهم فارفُق به".
قلت: رواه مسلم في المغازي، والنسائي في السير كلاهما من حديث عائشة ترفعه، ولم يخرجه البخاري. (٢)
٢٨٠٣ - قال ﷺ : إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلوا".
قلت: رواه مسلم في المغازي، والنسائي في القضاء كلاهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص يرفعه. ولم يخرجه البخاري (٣).
والمقسطون: هم العادلون، وقد فسره في الحديث، والإقساط، والقسط بكسر القاف: العدل، يقال: أقسط إقساطًا، وهو يقسط إذا عدل.
قال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
ويقال قسط يقسط بفتح الياء وكسر السين، قسوطًا، وقسطًا بفتح القاف فهو قاسط إذا جار. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾.
стр. 1422
والمنابر: جمع منبر، والظاهر أنه على حقيقته، وقيل هو كناية عن ارتفاع المنزلة الرفيعة.
قوله ﷺ : "عن يمين الرحمن" هو من أحاديث الصفات، وقد ذهب جمهور السلف إلى الإيمان بها وعدم الكلام في تأويلها مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد.
وذهب أكثر المتكلمين إلى التأويل على ما يليق به تعالى. (١)
قوله ﷺ : "وما وَلوا" بفتح الواو وضم اللام المخففة.
٢٨٠٤ - قال ﷺ : "ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله".
قلت: رواه البخاري في القدر، وفي الأحكام، والنسائي في البيعة كلاهما من حديث أبي سعيد الخدري. ولم يخرجه مسلم. (٢)
وبطانة الرجل: هو صاحب سره الذي يشاوره في جميع أحواله.
قال بعضهم: المراد بأحدهما: الملك، والآخر: الشيطان.
٢٨٠٥ - كان قيس بن سعد من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرط من الأمير.
стр. 1423
قلت: رواه البخاري في الأحكام، والترمذي في المناقب من حديث أنس بن مالك، ولم يخرجه مسلم. (١)
وقيس بن سعد: هو قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري سيد الخزرج وابن سيدها. (٢)
والشُرط: جمع شرطة وشرطي، وهم قواد الأمير وحراسه، سموا بذلك لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يُعرفون بها، والشُرط: بالتحريك وهو العلامة، ومعناه: كان قيس بن سعد هو الذي يتقدم بين يدي النبي ﷺ لتنفيذ أوامره، وينوب منابه في إقامة الأمور السياسية، وكان كصاحب الشُرط الذي ينفذ أوامر الأمير.
٢٨٠٦ - قال: لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس قد ملّكوا عليهم بنت كسرى، قال: "لن يُفلح قوم ولوا أمرهم امرأة".
قلت: رواه البخاري في آخر المغازي في كتاب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر، وفي الفتن والترمذي فيه، والنسائي في القضاء من حديث أبي بكرة، ولم يخرجه مسلم. (٣)
من الحسان
٢٨٠٧ - قال رسول الله ﷺ "آمركم بخمس: بالجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، وأنه من خرج من الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإِسلام من عنقه، إلا أن يُراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية، فهو من جُثاء جهنم، وإن صام وصلّى وزعَم أنه مسلم".
стр. 1424
قلت: رواه الترمذي في الأمثال من حديث الحارث الأشعري. (١)
وقد اختصره المصنف، وأوله أن النبي ﷺ قال: "إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وأنه كاد أن يبطئ بها، فقال عيسى: إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرهم وإما أنا آمرهم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يُخسفَ بي، وأعَذَّب، فجمع الناسَ في بيت المقدس، فامتلأ المسجد وقعدوا على الشُرفِ فقال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن: أَوّلهُنّ أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وإن مَثَل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب أو ورق، فقال: هذه داري وهذا عملي فأعمل وأد إليّ، فكان يعمل ويؤدي إلى غَيْر سيده، فأيكم يرضى أن يكون عَبدُه كذلك؟ وإن الله أمَرَكم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإنّ الله ينصبُ وجْههُ لوجهِ عبدهِ في صلاته ما لم يلتفتْ، وآمركم بالصيام، فإن مَثَل ذلك كمثل رجلٍ في عصابةٍ معه صُرَّةٌ فيها مِسْك، فكلُّهم يَعْجَبُ أو يُعجبهُ ريحُها، وإن ريحَ الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسكِ، وآمُركم بالصَّدقة فإن مَثَل ذلك كمثل رجُل أسَره العدُوّ، فأوثقُوا يدَه إلى عُنقِه وقَدّموه ليَضرِبوا عُنقه، فقال: أنا أفديه منكم بالقليل والكثير، فَفَدى نفسه منهم، وآمُركم أن تذكروا الله فإنّ مَثَل ذلك كمثلِ رجُلٍ خرج العدُو في أَثره سراعًا حتى إذا أتى على حصنٍ حَصينٍ فأحرز نفسه منهم، كذلك العبدُ لا يُحرزُ نفسهُ من الشيطانِ إلا بذكر الله، قال النبي ﷺ : وأنا آمركم بخمس .. الحديث".
وقيد شبر هو: بكسر القاف أي: قدر شبر.
وربقة الإِسلام: عهد الإِسلام.
стр. 1425
والربق: بكسر الراء حبل فيه عدة عرى يشد به البُهم. الواحدة من تلك العُرى ربقة، والمعنى: مَنْ خرج من الجماعة ونزع اليد من الطاعة ولو بشيء يسير فقد نقض عرى الإِسلام ونبذ ذمة الله اللازمة للأعناق لزوم الربقة.
شبه ﷺ ما لزم الأعناق من ذمة الإِسلام وحق الدين بالربقة التي تجعل في أعناق البهم من حيث أنه حق المؤمن فيمنعه أن يتخطى الحدود.
وجُثاء جهنم: بضم الجيم وفتح الثاء المثلثة قال الهروي: واحدتها جُثى بضم الجيم أي: من جماعات جهنم، انتهى. (١)
وروي "من جُثي جهنم" بكسر الثاء وتشديد الياءآخر الحروف، وهو جمع جاث وهو الذي يجلس على ركبتيه من قوله تعالى: ﴿حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾.
٢٨٠٨ - قال ﷺ : "من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله". (غريب).
قلت: رواه الترمذي في الفتن من حديث أبي بكرة يرفعه، وقال: حسن غريب. (٢)
٢٨٠٩ - قال ﷺ : "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".
قلت: رواه المصنف في "شرح السنة" بسنده إلى شهر بن حوشب عن الزبرقان عن النواس بن سمعان يرفعه، ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث علي يرفعه ولفظه: "لا طاعة لبشر في معصية الله" وشواهد ذلك في الصحيحين. (٣)
٢٨١٠ - قال ﷺ : "ما من أمير عَشَرة، إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولًا، حتى يفُكّ عنه العدل، أو يُوبقَه الجَورُ".
стр. 1426
قلت: رواه الدارمي في السير من حديث أبي هريرة ورجاله رجال الصحيحين إلا حماد بن سلمة فإنه لمسلم خاصة. (١)
٢٨١١ - قال ﷺ : "ويل للأمراء، ويل للعُرفاء، ويل للأمناء، ليَتَمنَّينَّ أقوام يوم القيامة أن نواصيَهم معلّقة بالثريّا، يتجَلجَلُون بين السماء والأرض، وأنهم لم يَلُوا عملا".
قلت: رواه أحمد وأبو داود الطيالسي من حديث أبي هريرة. (٢)
والعريف: هو القيم بأمر القبيلة والمحلة معرِّف أمرهم.
٢٨١٢ - قال ﷺ : "إن العرافة حق، ولا بد للناس من عرفاء، ولكن العرفاء في النار".
قلت: رواه أبو داود في الخراج (٣) وفيه قصة من حديث غالب وهو ابن القطان عن رجل عن أبيه عن جده أنهم كانوا على منهل من المناهل، فلما بلغهم الإِسلام جعل صاحب الماء لقومه مائة من الإبل على أن يُسلموا، فأسلموا، وقسم الإبل بينهم، وبَدا له أن يرتجعها منهم، فأرسل ابنه إلى النبي ﷺ فقال له: أئتِ النبي ﷺ فقل له: إن أبي يقرئك السلام، وإنه جعل لقومه مائة من الإبل على أن يُسْلموا، فأسلموا، وقسم الإبل بينهم، وبدا له أن يرتجعها منهم، أفهُو أحق بها أم هُمْ؟ فإن قال لك: نعم، أو لا، فقل له: إن أبي شيخ كبير، وهو عريف الماء، وإنه يسألك أن تجعل لي العِرَافَة
стр. 1427
بعده، فأتاه، فقال: إن أبي يقرئك السلام فقال: وعليك وعلى أبيك السلام، فقال: إن أبي جعل لقومه مائة من الإبل على أن يُسلموا، فأسلموا وحسُن إسلامهم، ثم بدا له أن يرتجعها منهم، فهو أحق بها أم هم؟ قال: "إن بدا له أن يسلمها منهم فليسلمها، وإن بدا له أن يرتجعها فهو أحق بها منهم، فإن أسلموا فلهم إسلامهم، وإن لم يسلموا قوتلوا على الإِسلام".
فقال: إن أبي شيخ كبير وهو عريف الماء، وإنه يسألك أن تجعل لي العِرَافة بعده، قال: "إن العرافة حق، ولا بد للناس من العُرَفَاء، ولكن العرفاء في النار".
في إسناده مجاهيل، وذكر ابن عدي هذا الحديث في كتاب الضعفاء في ترجمة غالب القطان مختصرًا، وقال: الضعف على أحاديث غالب بينٌ. (١)
٢٨١٣ - قال ﷺ لكعب بن عجرة: "أعيذك بالله من إمارة السفهاء"، قال: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: "أمراء سيكونون من بعدي، من دخل عليهم فصدّقهم بكذبهم، وأعانَهم على ظلمِهم، فليسوا مني ولست منهم، ولم يَرِدُوا عليَّ الحوضَ، ومَن لم يدخل عليهم، ولم يصدقهم بكذبهم، ولم يُعِنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم، أولئك يردون عليّ الحوضَ".
قلت: رواه الترمذي في الفتن، والنسائي في البيعة وابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. (٢)
٢٨١٤ - عن النبي ﷺ قال: "من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان اُفتتن".
стр. 1428
قلت: رواه أبو داود، والنسائي كلاهما في الصيد، والترمذي في الفتن وقال: حسن غريب من حديث ابن عباس، لا نعرفه إلا من حديث الثوري. انتهى كلامه. (١)
وفي إسناده أبو موسى عن وهب بن منبه، قال المنذري: ولا يعرف اسمه، وقال الحافظ أبو أحمد الكرابيسي: حديثه ليس بالقائم. (٢)
стр. 1429
قوله ﷺ : "من سكن البادية جفا" الجفاء: غِلَظ القلب، أي من سكن البادية غَلَظ طبعه لقلة مخالطة الناس ومنه قوله ﷺ : "مَنْ بدا جفا" بالدال المهملة.
وأما الفتنة بالقرب من السلطان، فلأنه إن وافقه فيما يأتيه خاطر بدينه، وإن لم يوافقه خاطر بدنياه.
- ويروى: "من لزم السلطان افتتن، وما ازداد عبد من السلطان دُنُوًا، إلا ازداد من الله بعدًا".
قلت: رواه أبو داود. (١)
٢٨١٥ - أن رسول الله ﷺ ضرب على منكبَيه ثم قال: "أفلحتَ يا قُدَيْم إن مُت ولم تكن أميرًا، ولا كاتبًا، ولا عَريفًا".
قلت: رواه أابو داود في الخراج من حديث صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب عن جده المقدام، وفي بعض النسخ عن أبيه عن جده. (٢)
وصالح بن يحيى قال البخاري: فيه نظر. وقال موسى بن هارون الحافظ: لا يُعرف صالح ولا أبوه ولا جده.
٢٨١٦ - قال النبي ﷺ : "لا يدخل الجنة صاحب مكْس" يعني: الذي يَعشُرُ الناسَ أي يأخذ العُشر. (٣)
стр. 1430
قلت: رواه أبو داود في الخراج من حديث عقبة بن عامر يرفعه (١)، والتفسير الذي ذكره المصنف من كلام محمَّد بن إسحاق وهو أحد رواته، وفيه كلام مشهور. (٢)
٢٨١٧ - قال ﷺ : "إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة، وأقربهم منه مجلسًا: إمامٌ عادل، وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة، وأشدهم عذابًا -ويروي: أبعدهم منه مجلسًا-: إمام جائر" (غريب).
قلت: رواه الترمذي في الأحكام من حديث أبي سعيد الخدري يرفعه، وقال: [حديث حسن غريب] لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، انتهى كلام الترمذي (٣).
وفي سنده عطية بن سعد العوفي. قال الذهبي: ضعفوه.
٢٨١٨ - قال ﷺ : "أفضل الجهاد: مَنْ قال كلمة حق عند سلطان جائر".
قلت: رواه أبو داود في الملاحم، والترمذي وابن ماجه كلاهما في الفتن من حديث أبي سعيد الخدري يرفعه، وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، انتهى (٤)، وفي سنده عطية العوفي.
стр. 1431
٢٨١٩ - قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله بالأمير خيرًا: جعل له وزيرَ صدقٍ، إن نسي ذكّره، وإن ذكَر أعانَه، وإن أراد به غير ذلك: جعل له وزير سوءٍ، إن نسي لم يُذكره، وإن ذكر لم يُعِنْه".
قلت: رواه أبو داود في الخراج، وابن حبان في صحيحه من حديث عائشة يرفعه وسكت عليه أبو داود. (١)
٢٨٢٠ - عن النبي ﷺ قال: "إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم".
قلت: رواه أبو داود في الأدب (٢) في باب النهي عن التجسس، من حديث شريح بن عبيد عن جبير بن نفير، وكثير بن مرة، وعمرو بن الأسود، والمقدام بن معدي كرب، وأبي أمامة جميعهم عن النبي ﷺ وفي إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال وجبير بن نفير أدرك النبي ﷺ ، وقيل إنه أسلم في خلافة أبي بكر فهو معدود من التابعين، وكثير بن مرة ذكره عبدان في الصحابة ولم يذكره ابن عبد البر منهم والذي نص عليه الأئمة أنه تابعي (٣)، وعمرو بن الأسود أدرك الجاهلية وروى عن عمر بن الخطاب، والمقدام وأبو أمامة صحبتهما مشهورة.
стр. 1432
٢٨٢١ - قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنك إذا اتبعت عورات الناس أفسدتهم".
قلت: رواه أبو داود في الأدب أيضًا من حديث معاوية بن أبي سفيان، وفيه: قال أبو الدرداء كلمة سمعها معاوية من رسول الله ﷺ نفعه الله بها. وسكت عليه أبو داود. (١)
٢٨٢٢ - قال رسول الله ﷺ : "كيف أنتم وأئمة من بعدي، يستأثرون بهذا الفيء؟ " قلت: أما والذي بعثك بالحق، أضع سيفي على عاتقي، ثم أضرب به حتى ألقاك، قال: "أوَلا أدلك على خير من ذلك؟؛ تصبر حتى تلقاني".
قلت: رواه أبو داود في السنة في باب الخوارج من حديث أبي ذر وسكت عليه. (٢)
باب ما على الولاة من التيسير
من الصحاح
٢٨٢٣ - كان رسول الله ﷺ إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أمره، قال: "بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا".
قلت: رواه مسلم في المغازي وأبو داود في الأدب، في كراهية المراء، من حديث أبي موسى ولم يخرجه البخاري بهذا اللفظ. (٣)
٢٨٢٤ - قال النبي ﷺ : "يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا".
стр. 1433
قلت: رواه البخاري في العلم ومسلم في المغازي والنسائي في العلم ثلاثتهم من حديث أنس. (١)
قوله ﷺ : "سكنوا ولا تنفروا" أي: سهلوا الأمور ولا تنفروا بالتعسير، وقيل: هو نهي عن تنفير الطير وزجره، وكانوا ينفرونها فإن سنح يعني أتى عن اليمين تيمنوا به، وإن برح يعني أتى عن الشمال تشاءموا به، والظاهر الأول للأحاديث الدالة على ذلك.
٢٨٢٥ - قال بعث النبي ﷺ جده أبا موسى ومعاذًا إلى اليمن، فقال: "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا، وتطاوعا ولا تختلفا".
قلت: رواه البخاري في الأدب وفي الأحكام وفي المغازي، ومسلم في المغازي وذكره أيضًا مطولًا في الأشربة، وذكر فيه سؤاله للنبي ﷺ عن المزر والبتع كلاهما من حديث أبي بردة عن أبي موسى (٢).
٢٨٢٦ - أن رسول الله ﷺ قال: "إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان".
قلت: رواه البخاري في مواضع منها في الجزية وفي الفتن ومسلم في المغازي كلاهما من حديث ابن عمر يرفعه. (٣)
واللواء: الراية ولا يمسكها إلا صاحب الجيش، ومعناه في الحديث: علامة يشهر بها في الناس.
٢٨٢٧ - قال ﷺ : "لكل غادر لواء يوم القيامة يُعرف به".
стр. 1434
قلت: رواه البخاري في الجزية، ومسلم في المغازي، كلاهما من حديث أنس بن مالك يرفعه. (١)
٢٨٢٨ - قال ﷺ : "لكل غادر لواء عند إسته يوم القيامة، ألا ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة".
قلت: رواه مسلم في المغازي من حديث أبي سعيد الخدري، ولم يخرج البخاري عن أبي سعيد في هذا شيئًا. (٢)
من الحسان
٢٨٢٩ - عن النبي ﷺ قال: "من ولاه الله شيئًا من أمر المسلمين، فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم، احتجب الله دون حاجته، وخلته وفقره".
قلت: رواه أبو داود في الخراج واللفظ له، والترمذي في الأحكام، كلاهما من حديث عمرو بن مرة (٣)، وقال الترمذي: عمرو بن مرة يكنى أبا مريم (٤).
- وفي رواية: "أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته".
стр. 1435
قلت: رواها الترمذي في الأحكام من حديث عمرو بن مرة يرفعه. (١)
والخلة: بالفتح الحاجة والفقر، وكرر لاختلاف اللفظ، وقيل: الحاجة تستعمل في الأضرار العامة، والخلة في الأضرار الخاصة، والفقر فيما كان كاسرًا للظهر مأخوذ من الفقار كأنه كثير فقاره.
باب العمل في القضاء والخوف منه
من الصحاح
٢٨٣٠ - قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقضين حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان".
قلت: رواه الجماعة كلهم في القضاء من حديث أبي بكرة، لكن البخاري وآخرون ترجموا الباب بالأحكام، وبعضهم ترجمه بالقضاء. (٢)
قال العلماء: ويلحق بالغضب كل حال يخرج الحاكم فيها عن سداد النظر العطش، والجوع، والشبع، والهم، والفرح، إذا أقلقه ذلك. فإن حكم في هذه الأحوال كره ونُفذ حكمه.
٢٨٣١ - قال رسول الله ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ، فله أجر واحد".
قلت: رواه البخاري في الاعتصام، ومسلم وابن ماجة في الأحكام، وأبو داود
стр. 1436
والنسائي في القضاء كلهم من حديث عمرو بن العاص يرفعه. (١)
قال الخطابي (٢): إنما يؤجر المخطىء على اجتهاده في طلب الحق لأن الاجتهاد عبادة، ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط، وهذا فيمن كان جامعًا لآلة الاجتهاد، أما من لم يكن أهلًا للاجتهاد فلا يعذر بالخطأ، بل يُخاف عليه أعظم الوزر، ويدل عليه قوله ﷺ : "القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار". وهذا كله في غير أركان الشريعة وأمهات الأحكام التي لا تحتمل الوجوه، ولا مدخل فيها للتأويل، فإن من أخطأ فيه كان غير معذور في الخطأ.
من الحسان
٢٨٣٢ - قال رسول الله ﷺ : "من جُعل قاضيًا بين الناس، فقد ذُبح بغير سكين".
قلت: رواه أبو داود في القضاء، وكذا النسائي وابن ماجة ثلاثتهم من حديث أبي (٣) هريرة يرفعه. وفي سنده: عثمان بن محمَّد الأخنس، قال النسائي: وليس بذلك القوي.
قوله ﷺ : "بغير سكين" يحتمل معنيين، أحدهما: أن الذبح في ظاهر العُرف وغالب العادة أن يكون بالسكين، فعدل ﷺ عن ذلك ليُعلم أن المراد ما يخاف عليه من هلاك
стр. 1437
دينه دون هلاك بدنه، والثاني: أن الذبح الوجيء الذي يقع به إراحة الذبيحة وخلاصها من الألم إنما يكون بالسكين، وإذا ذُبح بغير سكين كان ذبحه خنقًا وتعذيبًا، فضرب المثل به ليكون أبلغ في الحذر منه، قاله الخطابي. (١)
٢٨٣٣ - قال ﷺ : "من ابتغى القضاء وسأله, وُكِل إلى نفسه، ومَن أُكره عليه، أنزل الله عليه ملكًا يسدِّدُه".
قلت: رواه أبو داود في القضاء من حديث بلال ولم ينسبه، عن أنس يرفعه، والترمذي من طريقين أحدهما عن بلال بن أبي موسى عن أنس، والثاني عن بلال بن مرداس الفزاري عن خيثمة وهو البصري عن أنس، وقال إن الرواية الثانية أصح، انتهى. (٢)
والرواية الثانية فيها خيثمة بن أبي خيثمة قال فيه يحيى بن معين: ليس بشيء، وذكره ابن حبان في الثقات. (٣)
٢٨٣٤ - قال ﷺ : "القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة: فرجل عَرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم، فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار".
стр. 1438
قلت: رواه أبو داود والنسائي كلاهما في القضاء، والترمذي وابن ماجة كلاهما في الأحكام كلهم من حديث بريدة يرفعه، وسكت عليه أبو داود. (١)
٢٨٣٥ - قال ﷺ : "منْ طلب قضاء المسلمين حتى يناله، ثم غلب عدله جوره: فله الجنة، ومن غلب جوره عدله: فله النار".
قلت: رواه أبو داود في القضاء من حديث أبي هريرة، وسكت عليه. (٢)
٢٨٣٦ - أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن، قال: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ "، قال: أقضي بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ "، قال: فبسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ "، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله ﷺ على صدره، وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضى به رسول الله".
قلت: رواه أبو داود في القضاء، والترمذي في الأحكام كلاهما من حديث الحارث بن عمرو بن أبي المغيرة بن شعبة عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ عن معاذ عن النبي ﷺ ، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل. (٣)
стр. 1439
وقال البخاري في التاريخ الكبير (١): الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة الثقفي عن أصحاب معاذ بن جبل عن معاذ روى عنه أبو عون، ولا يصح، ولا يُعرف إلا بهذا، مُرسل.
"ولا آلوا" هو بمد الهمزة أي: لا أقصر ولا أترك.
قال تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ أي: لا يقصرون في إفساد أموركم. ومعناه: لا أقصر في الاجتهاد ولا أترك بلوغ الوسع منه.
٢٨٣٧ - قال رسول الله ﷺ : "إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه".
قلت: رواه أبو داود في القضاء من حديث أم سلمة قالت: "أتي رسول الله ﷺ رجلان يختصمان في مواريث وأشياء قد درست، فقال ﷺ : "إني أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل عليّ فيه" وسكت عليه أبو داود. (٢)
٢٨٣٨ - قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيًا، فقلت: يا رسول الله ترسلني وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء!، فقال: "إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك، إذا تقاضَى إليك رجلانِ: فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء"، قال: فما شككت في قضاء بعده.
قلت: رواه أبو داود في القضاء، والترمذي في الأحكام مختصرًا إذا تقاضى إليك
стр. 1440
الرجلان ... الحديث، وقال: حسن. وقد سكت عليه أبو داود. (١)
قال الخطابي (٢): وفي هذا الحديث دليل على أن الحاكم لا يقضي على غائب لأنه ﷺ منعه من أن يقضي لأحد الخصمين وهما حاضران، حتى يسمع كلام الآخر ففي الغائب أولى بالمنع، وذلك لإمكان أن يكون مع الغائب حجة تبطل دعوى الآخر. وأراد الخطابي بذلك الغائب عن مجلس الحكم الحاضر في البلد وليس مراده الغائب إلى مسافة القصر. ويدل عليه قوله ﷺ : "إذا تقاضى إليك رجلان" والغائب إلى مسافة القصر لا يتقاضى.
باب رزق الولاة وهداياهم
من الصحاح
٢٨٣٩ - قال رسول الله ﷺ : "ما أعطيكم ولا أمنعكم، أنا قاسِمٌ أضع حيث أُمرتُ".
قلت: رواه البخاري في الخمس من حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة يرفعه (٣).
٢٨٤٠ - قال ﷺ : "إن رجالا يتخوّضُون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامَة".
قلت: رواه البخاري أيضًا في الخمس من حديث خولة الأنصارية ترفعه.