والنسائي في القضاء كلهم من حديث عمرو بن العاص يرفعه. (١)
قال الخطابي (٢): إنما يؤجر المخطىء على اجتهاده في طلب الحق لأن الاجتهاد عبادة، ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط، وهذا فيمن كان جامعًا لآلة الاجتهاد، أما من لم يكن أهلًا للاجتهاد فلا يعذر بالخطأ، بل يُخاف عليه أعظم الوزر، ويدل عليه قوله ﷺ : "القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار". وهذا كله في غير أركان الشريعة وأمهات الأحكام التي لا تحتمل الوجوه، ولا مدخل فيها للتأويل، فإن من أخطأ فيه كان غير معذور في الخطأ.
من الحسان
٢٨٣٢ - قال رسول الله ﷺ : "من جُعل قاضيًا بين الناس، فقد ذُبح بغير سكين".
قلت: رواه أبو داود في القضاء، وكذا النسائي وابن ماجة ثلاثتهم من حديث أبي (٣) هريرة يرفعه. وفي سنده: عثمان بن محمَّد الأخنس، قال النسائي: وليس بذلك القوي.
قوله ﷺ : "بغير سكين" يحتمل معنيين، أحدهما: أن الذبح في ظاهر العُرف وغالب العادة أن يكون بالسكين، فعدل ﷺ عن ذلك ليُعلم أن المراد ما يخاف عليه من هلاك
стр. 1437
دينه دون هلاك بدنه، والثاني: أن الذبح الوجيء الذي يقع به إراحة الذبيحة وخلاصها من الألم إنما يكون بالسكين، وإذا ذُبح بغير سكين كان ذبحه خنقًا وتعذيبًا، فضرب المثل به ليكون أبلغ في الحذر منه، قاله الخطابي. (١)
٢٨٣٣ - قال ﷺ : "من ابتغى القضاء وسأله, وُكِل إلى نفسه، ومَن أُكره عليه، أنزل الله عليه ملكًا يسدِّدُه".
قلت: رواه أبو داود في القضاء من حديث بلال ولم ينسبه، عن أنس يرفعه، والترمذي من طريقين أحدهما عن بلال بن أبي موسى عن أنس، والثاني عن بلال بن مرداس الفزاري عن خيثمة وهو البصري عن أنس، وقال إن الرواية الثانية أصح، انتهى. (٢)
والرواية الثانية فيها خيثمة بن أبي خيثمة قال فيه يحيى بن معين: ليس بشيء، وذكره ابن حبان في الثقات. (٣)
٢٨٣٤ - قال ﷺ : "القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة: فرجل عَرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم، فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار".
стр. 1438
قلت: رواه أبو داود والنسائي كلاهما في القضاء، والترمذي وابن ماجة كلاهما في الأحكام كلهم من حديث بريدة يرفعه، وسكت عليه أبو داود. (١)
٢٨٣٥ - قال ﷺ : "منْ طلب قضاء المسلمين حتى يناله، ثم غلب عدله جوره: فله الجنة، ومن غلب جوره عدله: فله النار".
قلت: رواه أبو داود في القضاء من حديث أبي هريرة، وسكت عليه. (٢)
٢٨٣٦ - أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن، قال: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ "، قال: أقضي بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ "، قال: فبسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ "، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله ﷺ على صدره، وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضى به رسول الله".
قلت: رواه أبو داود في القضاء، والترمذي في الأحكام كلاهما من حديث الحارث بن عمرو بن أبي المغيرة بن شعبة عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ عن معاذ عن النبي ﷺ ، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل. (٣)
стр. 1439
وقال البخاري في التاريخ الكبير (١): الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة الثقفي عن أصحاب معاذ بن جبل عن معاذ روى عنه أبو عون، ولا يصح، ولا يُعرف إلا بهذا، مُرسل.
"ولا آلوا" هو بمد الهمزة أي: لا أقصر ولا أترك.
قال تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ أي: لا يقصرون في إفساد أموركم. ومعناه: لا أقصر في الاجتهاد ولا أترك بلوغ الوسع منه.
٢٨٣٧ - قال رسول الله ﷺ : "إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه".
قلت: رواه أبو داود في القضاء من حديث أم سلمة قالت: "أتي رسول الله ﷺ رجلان يختصمان في مواريث وأشياء قد درست، فقال ﷺ : "إني أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل عليّ فيه" وسكت عليه أبو داود. (٢)
٢٨٣٨ - قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيًا، فقلت: يا رسول الله ترسلني وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء!، فقال: "إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك، إذا تقاضَى إليك رجلانِ: فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء"، قال: فما شككت في قضاء بعده.
قلت: رواه أبو داود في القضاء، والترمذي في الأحكام مختصرًا إذا تقاضى إليك
стр. 1440
الرجلان ... الحديث، وقال: حسن. وقد سكت عليه أبو داود. (١)
قال الخطابي (٢): وفي هذا الحديث دليل على أن الحاكم لا يقضي على غائب لأنه ﷺ منعه من أن يقضي لأحد الخصمين وهما حاضران، حتى يسمع كلام الآخر ففي الغائب أولى بالمنع، وذلك لإمكان أن يكون مع الغائب حجة تبطل دعوى الآخر. وأراد الخطابي بذلك الغائب عن مجلس الحكم الحاضر في البلد وليس مراده الغائب إلى مسافة القصر. ويدل عليه قوله ﷺ : "إذا تقاضى إليك رجلان" والغائب إلى مسافة القصر لا يتقاضى.
باب رزق الولاة وهداياهم
من الصحاح
٢٨٣٩ - قال رسول الله ﷺ : "ما أعطيكم ولا أمنعكم، أنا قاسِمٌ أضع حيث أُمرتُ".
قلت: رواه البخاري في الخمس من حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة يرفعه (٣).
٢٨٤٠ - قال ﷺ : "إن رجالا يتخوّضُون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامَة".
قلت: رواه البخاري أيضًا في الخمس من حديث خولة الأنصارية ترفعه.
стр. 1441
ولم يخرجه مسلم ولا أخرج لخولة الأنصارية شيئًا، وليس لها في البخاري سوى هذا الحديث. (١)
قوله: "يتخوضون" هو بالخاء والضاد المعجمتين: أي: يتصرفون في مال الله بما لا يرضاه الله، وأصل الخوض: الشي في الماء وتحريكه، ثم استعمل في التلبيس بالأمر والتصرف فيه.
٢٨٤١ - قالت: لما استخلف أبو بكر قال: لقد عَلِم قومي أنّ حِرْفَتي لم تكن تعجزُ عن مَؤُونة أهلي، وشُغلتُ بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، ويحترف للمسلمين فيه.
قلت: رواه البخاري في البيوع ولم يرفع منه شيئًا بل هو موقوف على أبي بكر الصديق ﵁. (٢)
وقوم أبي بكر هم: قريش، وحرفته: التجارة، كان يتجر ﵁، وتعجز: بكسر الجيم، قوله: "فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال" المراد بذلك من كان يحترف من أجلهم، والمراد باحترافه للمسلمين: نظره في أمورهم وتثمين مكاسبهم وأرزاقهم.
وقد روي أن أبا بكر ﵁ كان يأخذ كل يوم من مال بيت المال درهمين نفقة لأهله.
من الحسان
٢٨٤٢ - عن النبي ﷺ قال: "من استعملناه على عمل، فرزقناه رزقًا، فما أخذ بعد ذلك، فهو غُلول".
стр. 1442
قلت: رواه أبو داود في الخراج من حديث بريدة يرفعه. (١)
٢٨٤٣ - وقال عمر ﵁: عملت على عهد رسول الله ﷺ فَعَمَّلني.
قلت: رواه أبو داود في الخراج (٢)، وأصل الحديث ثابت في الصحيحين وفي سنن النسائي (٣) أتم منه من حديث عمر، وهذا الحديث أحد الأحاديث التي وقعت في البخاري واجتمع في إسنادها أربعة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض، وهو في هذا الحديث السائب بن يزيد ابن أخت نَمِرٍ عن حويطب بن عبد العزى عن عبد الله بن السَّعْدي عن عمر بن الخطاب ﵃. ومن الأحاديث التي جاءت هكذا حديث زينب بنت أبي سلمة عن حبيبة عن أمها أم حبيبة عن زينب بن جحش. قالت: استيقظ رسول الله ﷺ من نومه محمرًا وجهه وهو يقول: "ويلٌ للعرب من شر قد اقترب". (٤)
قوله: "فعمّلني" بفتح العين وتشديد الميم: أي جعل لي عمالة، والعمالة؛ بضم العين: أجرة العمل.
٢٨٤٤ - قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فلما سرتُ أرسل في أثري، فردَدت، فقال: "أتدري لم بعثت إليك؟ لا تُصيبن شيئًا بغير إذني، فإنه غلول، ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، لهذا دعوتك، فامضِ لعملك".
стр. 1443
قلت: رواه الترمذي في الأحكام من حديث معاذ وقال: حسن غريب. (١)
٢٨٤٥ - قال سمعت النبي ﷺ يقول: "من كان لنا عاملًا، فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم، فليكتسب خادمًا، فإن لم يكن له مسكن، فليكتسب مسكنًا".
قلت: رواه أبو داود في الخراج من حديث المستورد بن شداد، وسكت عليه أبو داود. (٢)
- ويروى: "من اتخذ غير ذلك فهو غالّ".
قلت: رواه أبو داود. (٣) وهذا يتأول على وجهين:
أحدهما: أن للعامل السكنى والخدمة، فإن لم يكن له مسكن وخادم استؤجر له من يخدمه فيكفيه مهنة مثله، ويكرى له مسكن يسكنه، مدة مقامه في عمله. الثاني: أنه أباح اكتساب الخادم والزوجة والمسكن من عمالته التي هي أجره، قاله الخطابي. (٤)
٢٨٤٦ - أن رسول الله ﷺ قال: "يا أيها الناس من عُمِّل منكم لنا على عمل، فكتمنا منه مخيطًا فما فوقه، فهو غالٌّ يأتي به يوم القيامة"، فقام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله اقبلْ عني عَمَلك، فقال: "وما ذاك؟ "، قال: سمعتك تقول كذا وكذا،
стр. 1444
قال: "وأنا أقول ذلك: من استعملناه على عمل، فليأت بقليله وكثيره، فما أوتي منه، أخذه، وما نهي عنه انتهى".
قلت: رواه مسلم في المغازي، وأبو داود في القضاء، وكلاهما من حديث عَدِيّ بن عَمِيْرة الكندي فكان من حق المصنف ﵁ أن يذكره في الصحاح لا في الحسان. (١)
٢٨٤٧ - قال: "لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي".
قلت: رواه أبو داود في القضاء، والترمذي وابن ماجة، كلاهما في الأحكام من حديث عبد الله بن عمرو، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٢)
قال الزمخشري (٣): الرشوة والرُشوة، الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة من الرشا، وقد رشاه رشوًا فارتشى، كما يقال كساه فاكتسى، وقيل: هو من قولهم رشا الفرخ إذا مد عنقه إلى أمه لتزقه. وإنما يدخل الراشي تحت اللعن إذا لم يستدفع بما دفعه مضرة.
٢٨٤٨ - قال أرسل إليّ رسول الله ﷺ أن أجمع عليك سلاحك وثيابك ثم ائتني، قال: فأتيته وهو يتوضأ، فقال: "يا عمرو إني أرسلت إليك لأبعثك في وجه يسلّمك الله ويُغَنِّمُك، وأزْعبَ لك زُعْبة من المال"، فقلت: يا رسول الله ما كانت هجرتي للمال، ما كانت إلا لله ولرسوله، قال: "نِعِمّا بالمال الصالح للرجل الصالح".
قلت: رواه الإِمام أحمد من حديث موسى بن علي بن رباح عن أبيه قال: سمعت عمروًا فذكره. (٤)
стр. 1445
قوله: "وأزْعب لك زُعبة من المال" هو بالزاء المعجمة والعين المهملة.
قال الجوهري (١): الزعبة الدفعة من المال، يقال: زعبت له زعبة من المال، وزعبة من المال أي قطعت له قطعة منه، وزَعَبْتُه عَنّي أي دفعته.
قوله: "نعما بالمال الصالح" هو بكسر النون وفتحها، والعين مكسورة ليس إلا، والباء في بالمال مزيدة، مثلها في "كفى بالله" قاله بعضهم.
باب الأقضية والشهادات
من الصحاح
٢٨٤٩ - عن النبي ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم، لادَّعى ناس دماء رجال وأموالَهم، ولكن البيِّنة على المدعي، واليمين علي المدَّعَى عليه".
قلت: هذه الرواية بهذا اللفظ ليست في شيء من الصحيحين من حديث ابن عباس، ولا من حديث غيره بل رواها البيهقي في سننه في باب الدعاوى من حديث ابن عباس يرفعه. قال النووي: وإسناد البيهقي حسن أو صحيح، انتهى. (٢)
والذي في الصحيحين وابن ماجه من رواية ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم، لادّعى قوم دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه".
ذكره البخاري في تفسير سورة آل عمران، ومسلم، وابن ماجه كلاهما في الأحكام، ورواه الشيخان أيضًا، وأبو داود والترمذي والنسائي ثلاثتهم في القضاء
стр. 1446
"أن رسول الله ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه" مختصرًا. (١)
٢٨٥٠ - قال ﷺ : "من حلف على يمين صَبْر، وهو فيها فاجر، يقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان".
قلت: رواه الجماعة: البخاري في مواضع منها في الأشخاص وفي الشركة وفي الشهادات، ومسلم في الأيمان، وأبو داود في الأيمان والنذور، والترمذي في البيوع، والنسائي في القضاء، وابن ماجه في الأحكام، كلهم من حديث ابن مسعود ومن حديث الأشعث بن قيس. (٢)
قوله ﷺ : "من حلف على يمين صبر" قال النووي (٣): هو بإضافة يمين إلى صبر، ويمين الصبر: هي التي ألزم بها وحبس عليها، وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحاكم، وقيل لها مصبورة وإن كان صاحبها هو المصبور لأنه إنما صبر من أجلها.
٢٨٥١ - قال ﷺ : "من اقتطع حق امرئ مسلم ليمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرّم عليه الجنة"، فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟، قال: "وإن كان قضيبًا من أراك".
قلت: رواه مالك في الأقضية، وأحمد في مسنده, ومسلم في الأيمان والنسائي وابن ماجه كلاهما في القضاء، جميعًا من حديث أبي أمامة الحارثي واسمه إياس بن ثعلبة
стр. 1447
يرفعه. ولم يخرجه البخاري ولا أخرج عن أبي أمامة الحارثي شيئًا. (١)
قال النووي (٢): وقع في بعض أصول مسلم أو في أكثرها "وإن قضيب من أراك"، وفي أكثرها: "وإن قضيبًا" على أنه خبر كان المحذوفة أو أنه مفعول لفعل محذوف تقديره: "وإن اقتطع قضيبًا".
٢٨٥٢ - قال ﷺ : "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذنه، فإنما أقطع له قطعة من النار".
قلت: رواه الجماعة: البخاري في مواضع منها في الأشخاص، وفي المظالم، ومسلم وأبو داود والنسائي في القضاء، والترمذي وابن ماجة في الأحكام، من حديث أم سلمة ترفعه، واسم أم سلمة: هند بنت أمية. (٣)
واللحن: الميل عن جهة الاستقامة، يقال: لحن فلان في كلامه: إذا مال عن صحيح المنطق، وأراد به أن بعضكم يكون أعرف بالحجة وأفطن لها من غيره.
وفيه من الفقه وجوب الحكم بالظاهر وأن حكم القاضي لا يُحلُّ حرامًا ولا يُحرمُ حلالًا وأنه متى حكم فأخطأ في حكمه ومضى كان في الظاهر، فأما في الباطن وفي الآخرة فغير ماضٍ.
٢٨٥٣ - قال ﷺ : "إن أبغض الرجال إلى الله: الألد الخصِم".
قلت: رواه البخاري في المظالم وفي الأحكام وفي التفسير، ومسلم في العلم،
стр. 1448
والترمذي في التفسير، والنسائي فيه وفي القضاء كلهم من حديث عائشة ترفعه. (١)
والألد: شديد الخصومة، مأخوذ من: لديدي الوادي, وهما جانباه لأنه كلما احتج عليه بحجة أخذ في جانب آخر.
والخصم: بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة: الحاذق بالخصومة، والمذموم هو الخصومة بالباطل في رفع حق أو إثبات باطل.
٢٨٥٤ - أن النبي ﷺ قضى بيمين وشاهد.
قلت: رواه مسلم وأبو داود والنسائي ثلاثتهم في القضاء، وابن ماجة في الأحكام، وأخرجه أحمد والشافعي (٢) في مسنده عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد، قال عمرو في الأموال: وقد اختلف العلماء في الحكم بالشاهد واليمين فمنعه أبو حنيفة ﵁، وجماعة وقالوا: لا يحكم بالشاهد واليمين في شيء من الأشياء، وقال الشافعي ومالك وأحمد وجماعات ﵃ أجمعين: يقضي بشاهد ويمين المدعي في الأموال، وما يقصد به الأموال لأحاديث كثيرة في هذه المسألة، من رواية علي وابن عباس وزيد بن ثابت وجابر وأبي هريرة وسعد بن عبادة وعبد الله بن عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ﵃ أجمعين.
وأصحها حديث ابن عباس هذا، قال ابن عبد البر: ولا مطعن لأحد في إسناده ولا خلاف بين أهل المعرفة في صحته. (٣)
стр. 1449
٢٨٥٥ - قال جاء رجل من حضرموت، ورجل من كندة إلى النبي ﷺ ، فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا غلبني على أرض لي، فقال الكندي: هي أرضي، وفي يدي، ليس له فيها حق، فقال النبي ﷺ للحضرمي: "ألك بَيِّنة؟ "، قال: لا، قال: "فلك يمينه"، قال: يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء؟، قال: "ليس لك منه إلا ذلك"، فانطلق ليحلف، فقال رسول الله ﷺ لما أدبر: "لئن حلف على ماله ليأكله ظلمًا، ليلقيَنّ الله وهو عنه معرض".
قلت: رواه مسلم في الأيمان، وأبو داود في الأيمان والنذور، والترمذي في الأحكام، والنسائي في القضاء من حديث علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه ولم يخرجه البخاري. (١)
و"حضر موت": بفتح الحاء المهملة وإسكان الضاد المعجمة وفتح الراء والميم. (٢)
٢٨٥٦ - قال ﷺ : "من ادعى ما ليس له فليس منا, وليتبوأ مقعده من النار".
قلت: رواه مسلم في الإيمان، وابن ماجه في السنة كلاهما من حديث أبي ذر. (٣)
٢٨٥٧ - قال ﷺ : "ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها".
стр. 1450
قلت: رواه الجماعة إلا البخاري: مسلم وأبو داود والنسائي ثلاثتهم في القضاء، والترمذي في الشهادات، وابن ماجه في الأحكام، كلهم من حديث زيد بن خالد الجهني. (١)
٢٨٥٨ - قال ﷺ : "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم، تسبق شهادة أحدهم يمينَه، ويمينُه شهادته".
قلت: رواه البخاري في مواضع منها في الشهادات، ومسلم في الفضائل، والترمذي في المناقب، والنسائي في الشروط، وابن ماجه في الأحكام كلهم من حديث ابن مسعود يرفعه. (٢)
٢٨٥٩ - أن النبي ﷺ عرض على قوم اليمين، فأسرعوا، فأمر أن يُسْهَمَ بينهم في اليمين: أيهم يَحلف؟ ".
قلت: رواه البخاري في: باب إذا تسارع قوم في اليمين من حديث أبي هريرة. (٣)
من الحسان
٢٨٦٠ - أن النبي ﷺ قال: "البينة على المدَّعي، واليمين على المدّعى عليه".
قلت: رواه الترمذي في الأحكام من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. (٤)
стр. 1451
٢٨٦١ - عن النبي ﷺ في رجلين اختصما إليه في مواريث، لم يكن لهما بينة إلا دعواهما، فقال: "من قضيت له بشيء من حق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار"، فقال الرجلان -كل واحد منهما-: يا رسول الله حقي هذا لصاحبي، فقال: "لا، ولكن اذهبا فاقتسما، وتوخيا الحق، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه".
قلت: رواه أبو داود في القضاء من حديث أم سلمة ترفعه. (١)
و"توخيا الحق" أي اقصدا الحق فيما تصنعانه من القسمة، وليأخذ كل واحد منكما ما تخرجه القرعة من القسمة (٢)، يقال: توخيت الشيء أتوخاه توخيا إذا قصدت إليه وتعمدت فعله وتحريت فيه.
قال أبو عبيد: وهذا حجة لمن قال بالقرعة في الأحكام. (٣)
قال الخطابي: قد جمع هذا الحديث ذكر القسمة والتحليل، والقسمة: لا تكون إلا في الأعيان، والتحليل: لا يصح إلا فيما يقع من الذمم دون الأعيان، فوجب أن يصرف معنى التحليل إلى ما كان من خراج، وغلة، حصل لأحدهما من العين التي وقعت فيها القسمة. (٤)
- وروي أن النبي ﷺ قال في هذا الحديث: "إنما أقضي بينكما برأيي فيما لم ينزل عليّ فيه".
قلت: رواها أبو داود أيضًا من حديث أم سلمة. (٥)
стр. 1452
٢٨٦٢ - أن رجلين تداعيا دابة، فأقام كل واحد منهما البينة أنها دابته نتجها، فقضى بها رسول الله ﷺ للذي في يده.
قلت: رواه الشافعي في مسنده عن ابن أبي يحيى عن إسحاق بن أبي فروة عن عمر بن الحكم عن جابر بن عبد الله. ورواه البيهقي وقال فيه: إن رجلين اختصما في ناقة ... الحديث (١).
وفيه دليل على أن بينة صاحب اليد تقدم على بينة غيره.
٢٨٦٣ - أن رجلين ادّعيا بعيرًا على عهد رسول الله ﷺ فبعث كل واحد منهما شاهدين، فقسمه النبي ﷺ بينهما نصفين".
قلت: رواه أبو في اود والنسائي كلاهما هنا من حديث أبي موسى، وقال النسائي: هذا خطأ، وقال: وفي سنده محمَّد بن كثير المصيصي, وهو صدوق إلا أنه كثير الخطأ، وذكر أنه خولِف في إسناده ومتنه انتهى كلامه.
ولم يخرجه أبو داود من طريق محمد بن كثير إنما رواه بإسناد. قال المنذري فيهم: كلهم ثقات. (٢)
стр. 1453
٢٨٦٤ - وفي رواية: "أن رجلين ادعيا بعيرًا ليست لواحد منهما بينة، فجعله النبي ﷺ بينهما".
قلت: رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه كلهم من حديث أبي موسى (١)، ومحتمل أن تكون القصة واحدة، إلا أن الشهادات لما تعارضت تهاترت فصارا كمن لا بينة له وحكم لهما لاستوائهما في اليد.
ويحتمل أن يكون في يد غيرهما فلما أقام كل واحد منهما بينة نزع من يده ودفع لهما (٢).
٢٨٦٥ - أن رجلين اختصما في دابَّة وليس لهما بينة، فقال النبي ﷺ : "استهما على اليمين".
قلت: رواه أبو داود في القضاء , وابن ماجه في الأحكام كلاهما من حديث أبي هريرة، وسكت عليه أبو داود، وروى النسائي أيضًا مثل معناه من حديث أبي هريرة. (٣)
٢٨٦٦ - أن النبي ﷺ قال لرجل حلّفه: "احِلفْ بالله الذي لا إله إلا هو: ما له عندك شيء".
قلت: رواه أبو داود، والنسائي كلاهما في القضاء من حديث ابن عباس (٤)، وفي سنده عطاء بن السائب وفيه مقال، وقد أخرج له البخاري حديثًا مقرونًا بآخر. (٥)
стр. 1454
٢٨٦٧ - عن الأشعث قال: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجَحَدني، فقدمته إلى النبي ﷺ فقال: "ألك بينة؟ " قلت: لا، قال لليهودي: "احلف"، قلت يا رسول الله: إذًا يحلف، ويذهب بمالي؟، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية".
قلت: رواه أبو داود في الأقضية بهذا اللفظ مقتصرًا على ذلك، وأخرجه البخاري والترمذي، والنسائي وابن ماجه أتم منه، وأخرجه مسلم بنحوه كلهم من حديث الأشعث بن قيس. (١)
٢٨٦٨ - أن رجلًا من كندة ورجلًا من حضرموت اختصما إلى رسول الله ﷺ في أرض من اليمن، فقال الحضرمي: يا رسول الله إن أرضي اغتصبنيها أبو هذا، وهي في يده؟، قال: "هل لك بينة؟ ", قال: لا, ولكن أحلّفه بالله: ما يعلم أنها أرضي اغتصبنيها أبوه، فتهيأ الكندي لليمين، فقال رسول الله ﷺ : "لا يقطع أحدٌ مالًا بيمين إلا لقي الله وهو أجذم"، فقال الكندي: هي أرضه.
قلت: رواه أبو داود في الأيمان والنذور من حديث الأشعث بن قيس، وسكت عليه أبو داود (٢)، ولم يعترضه المنذري، وأعاد أبو داود قطعة منه في الأقضية إلى قوله: "فتهيأ الكندي لليمين".
والأشعث لقب لشعث رأسه، واسمه: معدي كرب، والرجل الذي من كندة هو: امرؤٌ القيس بن عابس الكندي، له صحبة وكان شاعرًا.
و"عابس" بالعين المهملة وبعد، الألف باء موحدة وسين مهملة.
стр. 1455
وقال الخطيب البغدادي: وليس في الصحابة من يسمى امرأ القيس غيره، وما قاله خالفه فيه ابن عبد البر فإنه ذكر ابن عابس هذا وذكر بعده امرأ القيس بن الأصبغ الكلبي وقال: بعثه رسول الله ﷺ عاملًا على كَلْب، وذكر أنه خالُ أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأما الرجل الذي من حضرموت فهو: ربيعة بين عيدان، بفتح العين المهلمة وبعدها ياء آخر الحروف ساكنة، ويقال عبدان بكسر العين المهملة وجاء موحدة، وله صحبة وشهد الفتح وقاله، ابن عبد البر في كتابه. (١)
قوله ﷺ : "إلَّا لقي الله وهو أجذم" أي أجذم الحجة، لا لسان له يتكلم ولا حجة في يده.
٢٨٦٩ - قال رسول الله ﷺ : "إن من أكبر الكبائر: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وما حلف حالف بالله يمينَ صَبْرٍ، فأدخل فيها مثل جناحِ بعوضة إلا جُعلت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة". (غريب).
قلت: رواه الترمذي في التفسير من حديث عبد الله بن أنيس، وقال: حسن غريب (٢)، واليمين الغموس: هي التي تغمس صاحبها في الإثم.
٢٨٧٠ - قال رسول الله ﷺ : "لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمينٍ آثمةٍ، ولو على سواك أخضر، إلّا تبوأ مقعده من النار أو وجبت له النار".
стр. 1456
قلت: رواه مالك في الموطأ في الأقضية، وأبو داود في الأيمان والنذور والنسائي في القضاء، وابن ماجه في الأحكام، كلهم من حديث جابر، وسكت عليه أبو داود. (١)
وفي الحديث: دليل على أن اليمين تغلظ بالأمكنة.
قوله ﷺ "على يمين آثمة" أي كاذبة سُميت آثمة وفاجرة اتساعًا.
٢٨٧١ - قال: صلَّى رسول الله ﷺ صلاة الصبح، فلما انصرف قام قائمًا، وقال: "عُدِلت شهادة الزور بالإشراك بالله"، ثلاثَ مِرار ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾.
قلت: رواه أبو داود في القضاء، والترمذي وابن ماجه في الأحكام كلهم من حديث خريم. (٢)
وخريم بن فاتك له صحبة، وهو بضم الخاء المعجمة وبعدها راء مفتوحة وياء آخر الحروف ساكنة وميم. (٣)
٢٨٧٢ - قال ﷺ : "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا مجلود حدًّا، ولا ذي غِمْر على أخيه، ولا ظنين في ولاء، ولا قرابة، ولا القانع مع أهل البيت". (ضعيف).
قلت: رواه الترمذي في الشهادات من حديث عائشة، وقال: غريب، لا نعرفه من حديث الزهريّ إلا من حديث يزيد بن زياد، انتهى.
стр. 1457
قال الذهبي: يزيد بن أبي زياد يروي عن الزهريّ وهو واهٍ. (١)
والغِمْر: بكسر الغين وسكون الميم وبعدها راء مهملة، وهو الذي يكون بينه وبين المشهود عليه عداوة ظاهرة.
والظنين: قال في النهاية (٢): هو الذي ينتمي إلى غير مواليه، لا تُقبل شهادته للتهمة وفي الحديث لا تجوز شهادة ظنين أي مُتهم في دينه، فعِيل بمعنى مفعول، والقانع: الخادم، والقانع ترد شهادته للتهمة.
٢٨٧٣ - عن النبي ﷺ قال: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا زان ولا زانية، ولا ذي غِمْر على أخيه، وردّ شهادة القانع لأهل البيت".
قلت: رواه أبو داود في القضاء من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. (٣)
٢٨٧٤ - عن النبي ﷺ قال: "لا تجوز شهادة بدويّ على صاحب قرية".
قلت: رواه أبو داود وابن ماجه كلاهما في القضاء، ورجال إسناده قال المنذري: احتج بهم مسلم في صحيحه. (٤)
стр. 1458
قال البيهقي: وهذا الحديث مما تفرد به محمَّد بن عمرو عن عطاء بن يسار، فإن كان حفظه، فقد قال أبو سليمان الخطابي ﵀ (١): يشبه أن يكون: إنما كره شهادة أهل البدو لما فيهم من الجفاء في الدين، والجهالة بأحكام الشريعة، ولأنهم في الغالب: لا يضبطون الشهادة على وجهها, ولا يقيمونها على حقها, لقصور علمهم عما يُحيلها، ويغيرها عن جهتها.
٢٨٧٥ - عن عوف بن مالك أن النبي ﷺ قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونِعمَ الوكيل، فقال النبي ﷺ : "إن الله تعالى يَلُومُ على العَجْز، ولكن عليكَ بالكَيْس، وإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل".
قلت: رواه أبو داود في القضاء، والنسائي في اليوم والليلة، كلاهما من حديث عوف بن مالك، وفي إسناده بقية بن الوليد وفيه مقال. (٢)
قيل العجز: ترك ما يجب فعله بالتسويف وهو عام في أمور الدنيا والدين، والكيْس: في الأمور يجري مجرى الرفق فيها والفطنة والكيس: العقل.
٢٨٧٦ - أن رسول الله ﷺ حبس رجلًا في تهمة، ثم خلّى عنه.
стр. 1459
قلت: رواه أبو داود في كتاب القضاء، والترمذي في الديات، والنسائي في القطع، كلهم من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده يرفعه، وليس في أبي داود "ثمّ خلّى سبيله". (١)
стр. 1460
كتاب الجهاد
من الصحاح
٢٨٧٧ - قال رسول الله ﷺ : "من آمن بالله وبرسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها"، قالوا: أفلا نبشر الناس؟ قال: "إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة".
قلت: رواه البخاري في الجهاد، في باب درجات المجاهد، وفي التوحيد في باب "وكان عرشه على الماء" من حديث أبي هريرة، ولم يخرجه مسلم. (١)
وأوسط الجنة: هو أفضلها من الوسط الذي هو الخيار.
وفي الحديث أن النبي ﷺ كان من أوسط قومه أي: "أشرفهم وأحسبهم".
٢٨٧٨ - قال ﷺ : "مثل المجاهد في سبيل الله: كمثل الصائم، القائم، القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا صلاة، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله".
قلت: رواه مسلم والترمذي كلاهما في الجهاد من حديث أبي هريرة، وروى البخاري أيضًا في الجهاد قريبًا من لفظه. (٢)
ومعنى القانت: هنا المطيع.
٢٨٧٩ - قال ﷺ : "انتدب الله لِمن خرج في سبيله -لا يخرجه إلا إيمانٌ بي، وتصديق برسلي- أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنة".
стр. 1461
قلت: رواه البخاري في الإيمان, ومسلم في المغازي، والنسائي في الإيمان, وابن ماجه في الجهاد، أربعتهم من حديث أبي هريرة يرفعه. (١)
قوله ﷺ : "انتدب الله" أي أجابه إلى غفرانه، يُقال: "انتدبته فانتدب" أي دعوته فأجاب.
٢٨٨٠ - قال ﷺ : "والذي نفسي بيده، لولا أن رجالًا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفتُ عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده، لوددتُ أن أقتل في سبيل الله ثم أُحيى، ثم أقتل ثُم أحيى، ثم أُقتل ثم أُحيى، ثُم أُقتل".
قلت: رواه البخاري ومسلم، كلاهما في الجهاد من حديث أبي هريرة. (٢)
٢٨٨١ - قال ﷺ : "رباط يوم في سبيل الله: خير من الدنيا وما عليها".
قلت: رواه البخاري في الجهاد من حديث سهل بن سعد مطولًا (٣)، وعزاه ابن الأثير (٤) لمسلم أيضًا، والظاهر أنه وهم لأن الذي في مسلم من حديث سهل "فضل الغدوة والروحة" وأما فضل "رباط يوم" فليس فيه، وقد صرّح بذلك الحميدي (٥)، وهو ظاهر كلام عبد الحق.
والرباط: قال في المشارق (٦): ملازمة الثغر للجهار.
٢٨٨٢ - قال ﷺ : "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها".
стр. 1462
قلت: رواه الشيخان في الجهاد من حديث أنس بن مالك يرفعه. (١)
والغدوة: بفتح الغين هي السير أول النهار إلى الزوال، والروحة: السير من الزوال إلى آخر النهار.
و"أو" للتقسيم لا للشك.
٢٨٨٣ - قال ﷺ : "رباط يوم وليلة: خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجرى عليه رزقه، وأمِنَ من الفتان".
قلت: رواه مسلم في الجهاد من حديث سلمان الفارسي، ولم يخرجه البخاري. (٢)
قوله ﷺ : "وأجرى عليه عمله ... " الحديث هذه فضائل ظاهرة للمرابط، منها: جريان عمله عليه بعد موته، وهي فضيلة مختصة به لا يشاركه فيها أحد، وقد جاء مصرحًا به في مسلم: "كل ميت يختم على عمله إلا المرابط، فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة".
ومنها: "إجراء الرزق عليه": وهو موافق لقوله تعالى في الشهداء: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ومنها: "أمِنَ الفتان".
قال النووي (٣): ضبطوا أمن بوجهين، أحدهما: أمن بفتح الهمزة وكسر الميم، والثاني (أومِنَ) بضم الهمزة وبواو.
وأما الفتان: فقال القاضي (٤): رواه الأكثرون بضم الفاء جمع فاتن، وقال: ورواه الطبري بالفتح، وفي رواية أبي داود: "وأمن من فتاني القبر".
٢٨٨٤ - قال ﷺ : "ما اغبرّت قدما عبدٍ في سبيل الله، فتمسه النار".
стр. 1463
قلت: رواه البخاري في الصلاة، والجهاد، وفيه قصة.
والترمذي والنسائي كلاهما فيه (١)، ثلاثتهم من حديث أبي عبس يرفعه، واسمه عبد الرحمن بن جبر أنصاري صحابي (٢)، ولم يخرج له مسلم في كتابه شيئًا، ولم يخرج له من أصحاب الكتب الستة غير الثلاثة المذكورين أخرجو له هذا الحديث خاصة.
٢٨٨٥ - قال ﷺ : "لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدًا".
قلت: رواه مسلم وأبو داود كلاهما في الجهاد من حديث أبي هريرة، ولم يخرجه البخاري. (٣)
٢٨٨٦ - قال ﷺ : "من خير معاش الناس لهم: رجل مُمسك عنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانة، أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف، أو بطن واد من هذه الأودية، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير".
قلت: رواه مسلم في الجهاد، والنسائي في السير وفي التفسير، وابن ماجه في الفتن ثلاثتهم من حديث أبي هريرة. (٤) ولم يخرجه البخاري.
قوله ﷺ : "يطير على متنه" أي يسرع راكبًا على ظهره.
стр. 1464
قال في النهاية (١): أي يجريه في الجهاد، واستعار له الطيران.
الهيعة (٢): الصوت الذي يفزع منه وتخافُه من عدُوٍّ، وهو بفتح الهاء وإسكان الياء آخر الحروف.
والفزعة (٣): بإسكان الزاي: النهوض إلى العدو.
ومعنى "يبتغي القتل مظانه": أي يطلبه في مواطنه التي يرجى فيها لشدة رغبته في الشهادة.
والغنيمة: تصغير غنم وهو مؤنث سماعي ولذلك صغّر بالتاء.
والشعفة: بتحريك العين المهملة وقبلها شين معجمة (رأس الجبل) والجمع شعف وشغاف وشعوف (٤)، واليقين: الموت.
٢٨٨٧ - قال ﷺ : "من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا".
قلت: رواه الجماعة إلا ابن ماجه، كلهم في الجهاد من حديث زيد بن خالد الجهني. (٥)
٢٨٨٨ - قال ﷺ : "حرمة نساء المجاهدين على القاعدين، كحرمة أمهاتهم، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلًا من المجاهدين في أهله، فيخونه فيهم، إلا وقف له يوم القيامة، فيأخذ من عمله ما شاء، فما ظنكم؟ ".
قلت: رواه مسلم وأبو داود والنسائي ثلاثتهم في الجهاد من حديث بريدة، ولم يخرجه
стр. 1465
البخاري. (١)
قوله ﷺ : "كحرمة أمهاتهم" يعني والله أعلم في شيئين:
أحدهما: تحريم التعرض لهن بريبة من نظر محرم وخلوة وغير ذلك.
والثاني: بالبر لهن والإحسان إليهن من غير ترتب مفسدة.
قوله ﷺ : "فما ظنكم؟ " المقام أي: لا يبقي منها شيئًا إن أمكنه، أي فما ظنكم بمن أحلّه لهذه المنزلة وخصه بهذه الفضيلة يكون له وزاد لك من الكرامات.
٢٨٨٩ - قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : "لك بها يوم القيامة سبع مائة ناقة، كلها مخطومة".
قلت: رواه مسلم والنسائي كلاهما في الجهاد من حديث أبي مسعود الأنصاري واسمه عقبة بن عمرو. (٢)
٢٨٩٠ - أن رسول الله ﷺ بعث بعثًا إلى بني لحيان -من هذيل-، فقال: "لينبعث من كل رجلين أحدهما، والأجر بينهما".
قلت: رواه مسلم وأبو داود كلاهما في الجهاد من حديث أبي سعيد الخدري (٣)، واسمه سعد بن مالك، ولم يخرج البخاري، هذا الحديث.
٢٨٩١ - قال ﷺ : "لن يبرح هذا الدين قائمًا، يقاتل عليه عصابة من المسلمين، حتى تقوم الساعة".
قلت: رواه مسلم في الجهاد من حديث جابر بن سمرة يرفعه، ولم يخرجه البخاري. (٤)
стр. 1466
٢٨٩٢ - قال ﷺ : "لا يُكْلَم أحد في سبيل الله -والله أعلم بمن يكلم في سبيله-، إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا، اللون لون الدم، والربح ريح المسك".
قلت: رواه الشيخان، والترمذي والنسائي كلهم من حديث أبي هريرة. (١)
ويكلم: بإسكان الكاف أي يجرح من الكلم بفتح الكاف وإسكان اللام وهو الجرح.
ويثعب: بالثاء المثلثة وبعدها عين مهملة أي يجري.
٢٨٩٣ - قال ﷺ : "ما من أحد يدخل الجنة ويحب أن يرجع إلى الدنيا, وله ما في الأرض من شيء، إلا الشهيد: يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة".
قلت: رواه البخاري ومسلم في الجهاد، والترمذي فيه بمثل معناه، ثلاثتهم من حديث أنس بن مالك يرفعه. (٢)
٢٨٩٤ - سئل عبد الله بن مسعود عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ قال: إنا قد سألنا عن ذلك؟، فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر، لها" قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي، ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا، حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُركوا".
قلت: رواه مسلم وابن ماجه كلاهما في الجهاد، والنسائي في التفسير من حديث عبد الله بن مسعود (٣)، ولم يقل الترمذي: "فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا".
стр. 1467
واعلم: أنه قد وقع في صحيح مسلم أنه ذكر إسناد هذا الحديث إلى مسروق، وقال: سألنا عبد الله عن هذه الآية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ ... الحديث.
قال الماوردي: كذا جاء عبد الله غير منسوب، وقال أبو علي: من الناس من ينسبه فيقول: عبد الله بن عمرو، وذكره أبو مسعود الدمشقي والمزي، وخلف الواسطي والحميدي في مسند ابن مسعود. (١)
قال عياض: وكذا وقع في بعض النسخ من صحيح مسلم، قال النووي: ولم أره منسوبًا في معظمها، وقال -أعني- النووي: وهذا الحديث مرفوع لقوله: إنا سألنا عن ذلك، فقال: يعني النبي ﷺ ، انتهى.
وقال المزي: الحديث موقوف، والصواب ما قاله النووي (٢) والله أعلم.
قال القاضي (٣): وفي الحديث دليل على أن الأرواح باقية لا تفنى، فينعم المحسن ويُعذب المسيء.
٢٨٩٥ - قال رجل: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله، يكفر عني خطاياي؟، فقال رسول الله ﷺ : "نعم، إن قتلت في سبيل الله، وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر"، قال: كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أيكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم، وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر، إلا الدَّين، فإن جبريل قال لي ذلك".
стр. 1468
قلت: رواه مسلم والترمذي والنسائي ثلاثتهم في الجهاد من حديث أبي قتادة والحارث بن ربعي ولم يخرجه البخاري. (١)
٢٨٩٦ - قال ﷺ : "القتل في سبيل الله يكفر كل شيء، إلا الدَّين".
قلت: رواه مسلم في الجهاد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ولم يخرج البخاري عنه في هذا شيئًا. (٢)
٢٨٩٧ - قال ﷺ : "يضحك الله إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة: يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد".
قلت: رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم والنسائي أربعتهم في الجهاد من حديث أبي هريرة. (٣)
٢٨٩٨ - قال ﷺ : "من سأل الله الشهادة بصدقٍ، بلَّغهُ الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه".
قلت: رواه الجماعة إلا البخاري كلهم في الجهاد إلا أبا داود فإنه رواه في الصلاة من حديث سهل بن حنيف. (٤)
٢٨٩٩ - أن الرُّبَيِّع بنت البراء -وهي أم حارثة بن سراقة- أتت النبي ﷺ ، فقالت: يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة؟، وكان قتل يوم بدر، أصاب سهم غريب، فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك، اجتهدت عليه في البكاء فقال: "يا أم حارثة إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى".
стр. 1469
قلت: رواه البخاري في باب من أصابه سهم غريب، من حديث أنس تفرد به البخاري. (١)
قوله: سهم غَرْب هو بفتح الراء وإسكانها: وهو السهم لا يدري من رماه.
٢٩٠٠ - قال: انطلق رسول الله ﷺ وأصحابه، حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله ﷺ : "قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض"، قال عمير بن الحُمَام: بخ بخ! فقال رسول الله ﷺ : "ما يحملك على قولك: بخ بخ؟ " قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: "فإنك من أهلها" قال: فأخرج تمرات، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي، إنها لحياة طويلة قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتلَ.
قلت: رواه مسلم في الجهاد من حديث أنس، وفيه قصة، ورواه أبو داود أيضًا فيه مختصرًا، ولم يخرجه البخاري. (٢)
وبخ بخ: كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء، وقد تكون للمبالغة، قال في النهاية (٣): وهي مبنية على السكون، ويقال أيضًا بخ بخ بالتنوين.
وفيه جواز الانغمار في الكفار والتعرض للشهادة وهو جائز لا كراهة فيه عند جماهير العلماء. (٤)
٢٩٠١ - قال رسول الله ﷺ : "ما تعدون الشهيد فيكم؟ " قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله؟، قال: "إن شهداء أمتي إذا لقليل! من قتل في سبيل الله فهو شهيد،
стр. 1470
ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد".
قلت: رواه مسلم في الجهاد من حديث أبي هريرة، ولم يخرجه البخاري. (١)
٢٩٠٢ - قال رسول الله ﷺ : "ما من غازية أو سريّة تغزو، فتغنم وتسلم، إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم، وما من غازية أو سريّة، تخفق وتصاب، إلا إتم أجورهم".
قلت: رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه كلهم في الجهاد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ولم يخرجه البخاري. (٢)
والغازية تأنيث المغازي: وهي هنا بصفة لجماعة غازية.
وتخفق: قال أهل اللغة: الإخفاق أن يغزوا ولم يغنموا شيئًا، وكذا كل طالب حاجة إذا لم يحصل فقد أخفق.
ومعنى الحديث: قال النووي (٣): الصواب الذي لا يجوز غيره أن الغزاة: إذا سلموا وغنموا تكون أجورهم أقل من أجر من لم يسلم، أو سلم ولم يغنم، وأن الغنيمة هي في مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت لهم فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو، قال: وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله: منا من مات ولم يأكل من أجره شيئًا، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها أي يجتنيها، قال: وهذا هو الصواب، ولم يأت حديث صريح مخالف هذا، فتعين حمله على ظاهره، ومنهم من زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح.
٢٩٠٣ - قال ﷺ : "من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه، مات على شعبة من نفاق".
стр. 1471
قلت: رواه مسلم وأبو داود والنسائي ثلاثتهم في الجهاد من حديث أبي هريرة يرفعه، ولم يخرجه البخاري. (١)
قال مسلم: قال عبد الله بن المبارك: فنُرى أن ذلك كان على عهد رسول الله ﷺ .
٢٩٠٤ - قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله".
قلت: رواه الجماعة: البخاري في العلم وفي الجهاد، وفي الخمس، وفي التوحيد، والباقون في المغازي من حديث أبي موسى الأشعري، واسمه عبد الله بن قيس. (٢)
قوله: للذّكر: أي ليذكر بين الناس بالشجاعة.
٢٩٠٥ - أن رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة، فقال: "إن بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا، إلا كانوا معكم- وفي رواية: إلا شَركوكم في الأجر-" قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة! قال: "وهم بالمدينة، حبسهم العذر".
قلت: رواه الشيخان وأبو داود من حديث أنس (٣)، ومسلم من حديث جابر. (٤)
قال أهل اللغة: شرِكه بكسر الراء بمعنى شاركه.
٢٩٠٦ - قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فاستأذنه في الجهاد، فقال: "أحَيٌّ والداك؟ "قال: نعم؟ قال: "ففيهما فجاهد".
стр. 1472
قلت: رواه البخاري في الجهاد وفي الأدب، ومسلم في الأدب، وأبو داود والترمذي والنسائي ثلاثتهم في الجهاد وكلهم من حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص. (١)
٢٩٠٧ - وفي رواية: "فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما".
قلت: هذه الرواية رواها مسلم من حديث عبد الله بن عمرو في الأدب ولم يخرجها البخاري. (٢)
٢٩٠٨ - أن النبي ﷺ قال يوم الفتح: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونيةٌ، وإذا استنفرتم فانفروا".
قلت: رواه الشيخان وأبو داود، ثلاثتهم في الجهاد، وفي الحج، والترمذي والنسائي كلاهما في السير، كلهم من حديث ابن عباس. (٣)
من الحسان
٢٩٠٩ - قال رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال".
قلت: رواه أبو داود في أوائل الجهاد من حديث عمران بن حصين وسكت عليه. (٤)
وناوأهم: أي عاداهم.
стр. 1473
قال الجوهري (١): ناوأه أي عاداه، وأصله الهمز لأنه من النوء وهو النهوض.
٢٩١٠ - عن النبي ﷺ قال: "من لم يغز، ولم يجهز غازيًا، أو يخلف غازيًا في أهله بخير، أصابه الله بقارعةٍ قبل يوم القيامة".
قلت: رواه أبو داود وابن ماجه كلاهما في الجهاد من حديث القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة يرفعه، والقاسم فيه مقال. (٢)
والقارعة: هي الداهية أعاذنا الله من ذلك، وعطفه ﷺ الجملة الثانية بالواو، والجملة الثالثة بأو يدل على أن الثاني والثالث في رتبة واحدة.
٢٩١١ - أن النبي ﷺ قال: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم".
قلت: رواه أبو داود والنسائي كلاهما في الجهاد من حديث أنس يرفعه، وسكت عليه أبو داود. (٣)
٢٩١٢ - قال رسول الله ﷺ : "أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، واضربوا السِّهام، تورثوا الجنان". (غريب).
стр. 1474
قلت: رواه الترمذي من حديث أبي هريرة. (١)
والمراد بضرب السهام في الحديث: الجهاد، ولذلك أورده الصنف في الجهاد.
٢٩١٣ - عن رسول الله ﷺ قال: "كل ميت يُختم على عمله، إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه يُنمّى له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر".
قلت: رواه أبو داود والترمذي كلاهما في الجهاد من حديث فضالة بن عبيد يرفعه، وقال الترمذي: حسن صحيح. (٢)
قوله ﷺ : "ينمى له عمله" أي يُزاد ويرفع.
قال الزمخشري (٣): يقال نَمَّيت الحديث ونَميته مخففًا ومشددًا: المخفف في الإصلاح والمثقّل في الإفساد.
٢٩١٤ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المجاهد: من جاهد نفسه".
قلت: رواه الحاكم في المستدرك مطولًا من حديث فضالة بن عبيد، وقد ذكره الشيخ بطوله في الإيمان، وتقدم الكلام عليه. (٤)
٢٩١٥ - عن معاذ سمع رسول الله ﷺ يقول: "من قاتل في سبيل الله فواق ناقةٍ، فقد وجبت له الجنة، ومن جُرح جُرحًا في سبيل الله، أو نكب نكبةٌ، فإنها تجيء يوم القيامة
стр. 1475
كأغزر ما كانت، لونها الزعفران، وريحها المسك، ومن خرج به خراج في سبيل الله، فإن عليه طابع الشهداء".
قلت: رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة كلهم من حديث معاذ، وقال الترمذي: حديث صحيح، وحديث ابن ماجه والترمذي مختصر. (١)
وفواق ناقة: هو بضم الفاء وفتحها ما بين الحلبتين من الوقت؛ لأنها تحلب ثم تترك قليلًا يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب.
والنكبة: بفتح النون وسكون الكاف واحدة نكبات الدهر، وهو ما يصيب الإنسان من الحوادث.
كأغزر ما كانت: يقال غزر الشيء بالضم يغزر فهو غزير إذا كثر.
والخراج: بضم الخاء المعجمة وتخفيف الراء المهملة وفتحها وبعد الألف جيم، وهو ما يخرج في البدن من القروح.
والطابع: بفتح الطاء المهملة وبعد الألف باء موحدة مفتوحة، هو الخاتم يختم به على الشيء، وكسر الباء لغة فيه.
٢٩١٦ - قال رسول الله ﷺ : "من أنفق نفقة في سبيل الله، كتبت له بسبعمائة ضِعْف".
قلت: رواه الترمذي والنسائي كلاهما في الجهاد من حديث خريم بن فاتك يرفعه، وقال الترمذي: حسن، إنما نعرفه من حديث الدكين بن الربيع. (٢)
٢٩١٧ - قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصدقة: ظل فسطاط في سبيل الله، ومنحة خادمٍ في سبيل الله، أو طروقة فحل في سبيل الله".