← Книги сунны

Книги сунны · id 17063

كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح

الصدر المناوي

Полный текст (2 643 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

رسول الله ﷺ زيد بن حارثة ورجلًا من الأنصار، فقال: "كونا ببطن يأجج، حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتيا بها". قلت: رواه أبو داود في الجهاد من حديث عائشة وفي سنده محمد بن إسحاق. (١) ويأجج (٢): بفتح الياء آخر الحروف، وبعدها همزة "وجيمان" الأولى مكسورة، موضع على ثمانية أميال من مكة، والبطن المنخفض من الأرض. ٣٠٤٦ - أن رسول الله ﷺ لما أسر أهل بدر، قتل عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، ومنَّ على أبي عزة الجمحي. قلت: رواه الشافعي وابن إسحق في السيرة من حديث عائشة. (٣) وعقبة: بضم العين المهملة وسكون القاف وفتح الموحدة، ومعيط: بضم الميم وفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحت، وبالطاء المهملة والنضر بالنون والضاد المعجمة الساكنة، وعزة: بفتح العين المهملة وتشديد الزاي المعجمة، والجمحي بضم الجيم وفتح الميم وكسر الحاء المهملة. ٣٠٤٧ - أن رسول الله ﷺ لما أراد قتل عقبة بن أبي معيط، قال: من للصبية؟ قال: "النار".

стр. 1542

قلت: رواه أبو داود في الجهاد (١) في باب قتل الأسير صبرًا من حديث إبراهيم وهو النخعي، قال: أراد الضحاك بن قيس أن يستعمل مسروقًا، فقال له عمارة بن عقبة: أتستعمل رجلًا من بقايا قتلة عثمان؟ فقال له مسروق: حدثنا عبد الله بن مسعود، وكان في أنفسنا موثوق الحديث، أن النبي ﷺ لما أراد قتل أبيك، قال: من للصبية؟ قال: النار، فقد رضيت لك بما رضي لك رسول الله ﷺ ، وسكت عليه أبو داود. ٣٠٤٨ - عن رسول الله ﷺ : أن جبربل هبط عليه، فقال له: خيرهم، يعني: أصحابك، في أسارى بدرٍ: القتل أو الفداء، على أن يقتل منهم قابلًا مثلهم؟ قالوا: الفداء؟ ويقتل منا. (غريب). قلت: رواه الترمذي والنسائي كلاهما في السير من حديث عبيدة السلماني عن علي، وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة، قال: وروي عن عبيدة عن النبي ﷺ مرسلًا. (٢) قوله: "على أن يقتل منهم قابلًا" هو بالباء الموحدة يعني في العام القابل مثلهم، والمراد بذلك غزوة أحد فإنها كانت في السنة الثالثة من الهجرة وبدر في الثانية منها. ٣٠٤٩ - قال: كنت في سِبي قريظة، عُرضنا على النبي ﷺ ، فكانوا ينظرون فمن أنبت الشعر قُتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكشفوا عانتي فوجدوها لم تنبت، فجعلوني في السبي.

стр. 1543

قلت. رواه أبو داود وابن ماجه جميعًا في الحدود، والترمذي في السير والنسائي فيه وفي غيره، أربعتهم من حديث عطية القرظي، وقال الترمذي: حسن صحيح. (١) ٣٠٥٠ - قال: خرج عبدان إلى رسول الله ﷺ ، يعني يوم الحديبية قبل الصلح، فكتب مواليهم قالوا: يا محمد! والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هربًا من الرقّ، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله ﷺ ردهم إليهم، فغضب رسول الله ﷺ ، وقال: "ما أُراكم تنتهون يا معشر قريش! حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا"، وأبى أن يردّهم، فقال: "هم عُتَقاء الله". قلت: رواه أبو داود في الجهاد، والترمذي في المناقب أتم منه، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، من حديث ربعي عن علي، وقال أبو بكر البزار: ولا نعلمه يروى عن علي إلا من حديث ربعي عنه ﵀ (٢). وعبدان: بكسر الحرفين وتشديد الدال جمع عبد، ويقال أيضًا، عبدان: بضم العين وسكون الباء، وكذلك عبدان: بكسر العين وسكون الباء وتخفيف الدال فيهما. قال الخطابي (٣): وهذا أصل في أن من خرج مسلمًا من دار الكفر، ليس لأحد عليه قدرة فهو حر، وإنما يعتبر أمره بوقت الخروج منها إلى دار الإسلام فأما الحالة المتقدمة فحكمها مُهدر بما تحدد له.

стр. 1544

باب الأمان من الصحاح ٣٠٥١ - قالت: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره بثوب، فسلمت، فقال: "من هذه؟ " فقلت: أنا أم هانىء بنت أبي طالب، فقال: "مرحبًا بأم هانىء"، فلما فرغ من غُسله، قام فصلى ثماني ركعات، ملتحفًا في ثوب، ثم انصرف، فقلت: يا رسول الله ﷺ زعم ابن أمي -علي- أنه قاتل رجلًا أجرته، فلان بن هُبيرة؟ فقال رسول الله ﷺ : "قد أجرنا من أجرتي يا أم هانىء" وذلك ضُحَى. قلت: رواه البخاري في الجزية ومسلم في الصلاة كلاهما بهذا اللفظ (١) إلا أن البخاري لم يقل في شيء من طرقه: بثوب، بل قال: تستره، وأبو داود في الجهاد مختصرًا، والترمذي في الاستئذان في باب ما جاء في مرحبًا ببعضه، والنسائي في السير الخمسة من حديث أم هانئ، واسمها: فاختة بنت أبي طالب أخت علي. - وروي عن أم هانئ، قالت: أجرت رجلين من أحمائي، فقال رسول الله ﷺ : "قد أمّنا من أمّنت". قلت: رواه الترمذي في السير من حديث أم هانئ، وقال: حديث حسن صحيح قال الخطيب البغدادي، الرجلان هما: عبد الله بن أبي ربيعة والحارث بن هشام المخزوميين. (٢)

стр. 1545

من الحسان ٣٠٥٢ - قال رسول الله ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم". قلت: رواه أبو داود والنسائي والترمذي من حديث علي. (١) وقد تقدم في القصاص أتم من هذا، وفيه دليل على جواز أمان العبد قال الشافعي: أما أمان الصبي فباطل لكن لو اعتقد الكافر صحته، رد إلى مأمنه لجهله. ٣٠٥٣ - عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة لتأخذ للقوم"، يعني: تُجير على المسلمين. قلت: رواه الترمذي في السير من حديث أبي هريرة وقال: حسن غريب. (٢) ٣٠٥٤ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من آمن رجلًا على نفسه، فقتله، أعطي لواء الغدر يوم القيامة". قلت: رواه ابن ماجه في الديات والمصنف في شرح السنة كلاهما من حديث عبد الملك بن عمير عن رفاعة بن شداد عن عمرو بن الحمق الخزاعي يرفعه (٣)، وعبد الملك بن عمير هذا أخرج له الشيخان وغيرهما، وأما رفاعة بن شداد فخرج له النسائي وابن ماجه، وقال فيه الذهبي (٤): وثق.

стр. 1546

وعمرو بن الحمق هاجر إلى النبي ﷺ بعد الحديبية، صحب النبي ﷺ وحفظ عنه، وذكر ابن عبد البر (١) في ترجمته أنه كان ممن سار إلى عثمان ﵁ وهو أحد الأربعة الذين دخلوا عليه الدار فيما ذكروا، ثم صار من شيعة علي ﵁، وشهد معه مشاهده كلها بالجمل والنهروان وصفين وأعان حجر بن عدي ثم هرب في زمان زياد إلى الموصل، ودخل غارًا فلدغته حية فقتلته، فبعث إلى الغار في طلبه، فوجد ميتًا فأخذ عامل الموصل رأسه وحمله إلى زياد فبعث به زياد إلى معاوية وكان أول رأس حمل في الإسلام من بلد إلى بلد. وقال ابن دريد في الجمهرة: الحمق الخفيف اللحية، وبه سمي الحمق والد عمرو بن الحمق. ٣٠٥٥ - قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد، فكان يسير نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد، أغار عليهم، فجاء رجل على فرس أو بِرْذَون، وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاءٌ لا غدر، فنظروا فإذا هو عمرو بن عَبَسة، فسأله معاوية عن ذلك؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كان بينه وبين قوم عهد، فلا يُحِلن عهدًا ولا يشدنّه، حتى يمضي أمده، أو ينبذ إليهم عهدهم على سواءٍ"، قال: فرجع معاوية بالناس. قلت: رواه أبو داود في الجهاد، والترمذي والنسائي كلاهما في السير من حديث عمرو بن عبسة يرفعه، وقال الترمذي: حسن صحيح. (٢) قوله: "وفاء لا غدر" من رواه بالرفع فتقديره: أمر وفاء لا غدر، أو الواجب علينا وفاء ونحو ذلك، ومن رواه بالنصب فتقديره: نفعل وفاء أو نلزم وفاء ونحو ذلك قوله:

стр. 1547

"أو ينبذ إليهم عهدهم على سواء" أي يعلمهم أنه يريد أن يغزوهم وأن الصلح الذي كان بينهم قد ارتفع ليكون الفريقان في علم ذلك على السواء. قال العلماء: ويشبه أن يكون عمرو وإنما كره مسير معاوية إلى ما يتاخم بلاد العدو والإقامة بقرب دارهم من أجل أنه إذا هادنهم إلى مدة وهو مقيم في وطنه فقد صارت مدة مسيره بعد انقضاء المدة كالمشروطة مع المدة المضروبة في أن لا يغزوهم فيها، فإذا صار إليهم في أيام الهدنة، كان إيقاعه بهم قبل الوقت الذي يتوقعونه، فكان ذلك داخلًا عند عمرو في معنى الغدر، والله أعلم. ٣٠٥٦ - قال: بعثتني قريش رسولًا إلى رسول الله ﷺ ، فلما رأيت رسول الله ﷺ ألقي في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله! إني والله لا أرجع إليهم أبدًا، قال: إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البُرُد، ولكن ارجع، فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن، فارجع"، قال: فذهبث، ثم أتيت النبي ﷺ فأسلمت. قلت: رواه أبو داود في الجهاد، والنسائي في السير من حديث أبي رافع مولى رسول الله، وسكت عليه أبو داود، وقال: هذا كان في ذلك الزمان، فأما اليوم فلا يصلح. (١) واسم أبي رافع: إبراهيم، ويقال أسلم، ويقال ثابت، ويقال هرمز. (٢) وأخيس: بالخاء المعجمة والياء آخر الحروف وبالسين المهملة قال ابن الأثير (٣): أي لا أنقضه، يقال: خاس بعهده يخيس، وخاس بوعده إذا أخلفه. قال الجوهري (٤): يقال: خاس به يخيس ويخوس، إذا غدر به.

стр. 1548

ولا أحبس البُرُد: أي لا أحبس الراسل الواردين عليّ. قال الزمخشري (١): البُرْد -يعني ساكنًا- جمع بريد مخفف من برد كرسل مخفف من رسل، وإنما خففه ها هنا ليزاوج العهد. والبريد كلمة فارسية يراد بها في الأصل البغل، وأصلها بُريدة دُمْ، أي محذوف الذَّنَب، لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب، فأعربت الكلمة وخففت، ثم سمي الرسول الذي يركبه بريدًا، والمسافة بين السكتين بريدًا. ٣٠٥٧ - أن رسول الله ﷺ قال لرجلين جاءا من عند مسيلمة: "أما والله لولا أن الرسل لا تقتل، لضربت أعناقكما". قلت: رواه أبو داود في الجهاد من حديث نعيم بن مسعود يرفعه، وسكت عليه أبو داود. (٢) ٣٠٥٨ - أن رسول الله ﷺ قال في خطبته: "أوفوا بحِلْف الجاهلية، فإنه لا يزيده -يعني: الإسلام- إلا شدة، ولا تُحدثوا حلفًا في الإسلام". قلت: رواه الترمذي في السير من حديث حسين بن ذكوان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال: حسن. (٣) والحلف: أصله المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والإنفاق، فما كان منه في الجاهلية على الغير والقتال من القبائل والغارات، فهذا منهي عنه في الإسلام، وما كان منه على نصرة المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين وما جرى مجراه، فذاك الذي قال

стр. 1549

فيه رسول الله ﷺ : "أيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة" يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق. باب قسمة الغنائم والغلول فيها من الصحاح ٣٠٥٩ - عن رسول الله ﷺ قال: "لم تحل الغنائم لأحدٍ من قبلنا، ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا، فطيبها لنا". قلت: رواه البخاري في الخمس وفي النكاح، ومسلم في الجهاد كلاهما مطولًا من حديث أبي هريرة (١). والغنيمة: ما أخذ من الكفار بالقتال. ٣٠٦٠ - قال: خرجنا مع النبي ﷺ عام حنين، فلما التقينا، كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلًا من المشركين قد علا رجلًا من المسلمين، فضربت من ورائه على حبل عاتقه بالسيف، فقطعت الدرع، وأقبل علي، فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر، فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله، ثم رجعوا وجلس النبي ﷺ فقال: "من قتل قتيلًا له عليه بينةٌ، فله سلبه"، فقمت، فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال النبي ﷺ مثله، فقمت، فقال: ما لك يا أبا قتادة؟ فأخبرته، فقال رجل: صدق، وسلبه عندي فأرضه مني، فقال أبو بكر: لا ها الله! إذًا لا يعمِد إلى أسدٍ من أُسْد الله يقاتل عن الله وعن رسوله، فيعطيك سلبه! فقال النبي ﷺ : "صدق فأعطه"، فأعطانيه، فابتعت به مَخْرفًا في بني سلمة، فإنه لأول مالٍ تأثلته في الإسلام.

стр. 1550

قلت: رواه البخاري في المواضع منها في الخمس، ومسلم وأبو داود وابن ماجه ثلاثتهم في الجهاد، والترمذي في السير كلهم من حديث أبي قتادة. (١) والجولة: بفتح الجيم الانهزام، وهذا إنما كان في بعض الجيش، وأما رسول الله ﷺ وطائفة فلم يولوا، والأحاديث الصحيحة بذلك مشهورة، وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز أن يقال انهزم النبي ﷺ ، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة بإقدامه ﷺ وثباته في جميع المواطن. قوله: "قد علا رجلًا من المسلمين" يعني ظهر عليه، وأشرف على قتله أو صرعه وجلس عليه ليقتله، وحبل العاتق: هو ما بين العنق والكتف، قوله: "لا ها الله إذًا لا يعمد إلى أسد من أسد الله" قال النووي (٢): هكذا هو في جميع رواية المحدثين في الصحيحين وغيرهما، "لا ها الله إذا" بألف وأنكر هذا الخطابي (٣) وأهل اللغة، وقالوا: هو تغيير من الرواة، وقالوا: صوابه: "لا ها الله ذا" بغير ألف في أوله، قالوا: و"ها" بمعنى الواو التي يقسم بها، فكأنه قال: "لا والله ذا" قال بعضهم معناه: "لا ها الله ذا يميني" أو "ذا قسمي" وقال أبو زيد: ذا زائدة وفيها لغتان المد والقصر، وقالوا: ويلزم الجر بعدها كما يلزم بعد الواو، قالوا: ولا يجوز الجمع بينهما، فلا يقال: "لا ها والله" وفي هذا الحديث دليل على أن هذه اللفظة تكون يمينًا، قال أصحابنا: إن نوى بها اليمين كانت يمينًا وإلا فلا، لأنها ليست متعارفة في الأيمان.

стр. 1551

وأما قوله: "لا يعمد" فضبطوه بالياء والنون، قال الجوهري (١): يقال عمدت للشيء أعمده عمدًا قصدت له يعني بفتح الميم في الماضي وكسرها في المضارع، وكذا قوله: "فنعطيك سلبه" بالياء والنون، وفيه منقبة ظاهرة لأبي قتادة، فإنه سماه أسدًا من أُسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله، وصدقه النبي ﷺ ، وهذه منقبة جليلة. وبنو سلمة: بكسر اللام، والمخرف: بفتح الميم والراء، هذا هو المشهور، قال القاضي (٢): ورويناه بفتح الميم وكسر الراء كالمسجد والمسكن بكسر الكاف، والمراد بالمخرف هنا: البستان، وقيل السكة من النخل تكون صفين يخترف من أيها شاء، وتأثلته: هو بالتاء المثلثة بعد الألف أي اقتنيته، وتأصلته. واختلف العلماء في معنى هذا الحديث، فقال الشافعي وأحمد وجماعات يستحق القاتل السلب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك: "من قتل قتيلًا فله سلبه" أم لم يقل، وهذا من النبي ﷺ إخبار عن حكم الشرع، وقال أبو حنيفة ومالك وجماعة: لا يستحق القاتل ذلك حتى يقول الأمير قبل القتال: "من قتل قتيلًا فله سبله" فإن لم يقل فلا سلب للقاتل، وشرط الشافعي في استحقاق السلب أن يغزو بنفسه في قتل كافر ممتنع في حال القتال. قوله ﷺ : "له عليه بينه"، فيه تصريح بالدلالة لمذهب الشافعي أن السلب لا يعطى إلا لمن له بينة، وقال مالك: يعطاه بقوله: بلا بينة. (٣) ٣٠٦١ - أن رسول الله ﷺ أسهم للرجل ولفرسه ثلاثةٍ أسهم: سهمًا له، وسهمين لفرسه.

стр. 1552

قلت: رواه البخاري في الجهاد وفي غزوة خيبر، ومسلم في الجهاد كلاهما من حديث ابن عمر. (١) ٣٠٦٢ - وقال يزيد بن هرمز: كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس، يسأله عن العبد والمرأة، يحضران المغنم، هل يقسم لهما؟ ففال لبزيد: اكتب إليه أنه ليس لهما سهم إلا أن يُحْذيا. قلت: رواه مسلم في الجهاد مختصرًا ومطولًا، وأبو داود في الجهاد بمثل معناه، والترمذي في السير بقصة المرأة خاصة، والنسائي فيه، ولم يخرجه البخاري. (٢) - وفي رواية: كتب إليه ابن عباس: إنك كتبت تسألني: هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ قد كان يغزو بهن، يداوين المرضى، ويُحذين من الغنيمة، وأما السهم، فلم يضرب لهن بسهم. قلت: رواها مسلم في بعض طرق الحديث المتقدم، وتقدم أن البخاري لم يخرجه. ويُحذين: بضم الياء آخر الحروف وإسكان الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة أي: يعطين، وتلك العطية تسمى الرضخ. (٣) ٣٠٦٣ - قال: بعث رسول الله ﷺ بظهره مع رياح -غلام رسول الله ﷺ ، وأنا معه، فلما أصبحنا، إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله ﷺ ، فقمت على أكمةٍ، فاستقبلت المدينة، فناديت ثلاثًا: يا صباحاه! ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل، وأرتجز أقول: إني أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع

стр. 1553

فما زلت أرميهم وأعقر بهم، حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله ﷺ ، إلا خلفته وراء ظهري، ثم اتبعتهم أرميهم، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردةً، وثلاثين رمحًا، يستخفون، ولا يطرحون شيئًا، إلا جعلت عليه آرامًا من الحجارة، يعرفها رسول الله ﷺ وأصحابه، حتى رأيت فوارس رسول الله ﷺ ولحق أبو قتادة فارسُ رسول الله ﷺ بعبد الرحمن فقتله، قال رسول الله ﷺ : "خير فرساننا اليوم: أبو قتادة، وخير رجّالتنا: سلمة"، قال: ثم أعطاني رسول الله ﷺ سهمين: سهم الفارس، وسهم الراجل، فجعمهما لي جميعًا، ثم أردفني رسول الله ﷺ دراءه على العضباء راجعين إلى المدينة. قلت: رواه مسلم في الجهاد مطولًا، ورواه البخاري مختصرًا كلاهما من حديث سلمة بن الأكوع. (١) والظهر: بالظاء المعجمة، الإبل التي يحمل عليها وتركب، يقال: عند فلان ظهر أي إبل، ومنه الحديث: "أتاذن لنا في نحر ظهرنا؟ " أي إبلنا التي نركبها؟ ومجمع على ظُهران بالضم، قاله ابن الأثير. (٢) والظاهر: أن الظهر اسم جنس يطلق على الكثير والقليل، وأراد به الزائد على الواحد هنا لما يدل عليه بقية الحديث. والأكمة: الرابية، و"يا صباحاه": كلمة يقولها المستغيث، وأصلها إذا صاحوا للغارة لأنهم أكثر ما يغيرون عند الصباح، ويسمون يوم الغار يوم الصباح، فكأن القائل يا صباحاه يقول: قد غشينا العدو.

стр. 1554

ويوم الرضع: أي يوم هلاك اللئام، يقال: لئيم راضع، إذا كان يرضع اللبن من أخلاف إبله ولا يحلب لئلا يسمع صوت الحلب فيطلب منه اللبن، وقيل: لئلا يصيبه من الإناء شيء. قوله: فما زلت أرميهم وأعقرهم، أي أرميهم بالنبل وأعقر خيلهم. والبردة: الشملة المخططة، وقيل: كساء أسود فيه صغر يلبسه الأعراب (١)، والأرام: الأعلام وهي حجارة تجمع وتنصب في المغارة يهتدى بها، واحدها إرم، كعنب. قوله: "ثم أعطاني رسول الله ﷺ سهمين سهم الفارس وسهم الراجل فجمعهما لي" قال النووي (٢): هذا محمول على أن الزائد على سهم الراجل كان نفلًا، وهو حقيق باستحقاق النفل ﵁. ٣٠٦٤ - أن رسول الله ﷺ كان ينفّل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصَّة، سوى قسمة عامة الجيش. قلت: رواه البخاري في الخمس في باب الدليل على أن الخمس لنوائب رسول الله ﷺ ، ومسلم في الجهاد كلاهما من حديث ابن عمر. (٣) والنفل: اسم لزيادة يعطيها الإمام بعض الجيش على القدر المستحق، ومنه سميت النافلة، لما زاد على الفرائض، وسُمي ولد الولد نافلة لكونه زائدًا على الولد. ٣٠٦٥ - قال نَفَّلنا رسول الله ﷺ نفلًا سوى نصيبنا من الخمس، فأصابني شارف، والشارف: المسن الكبير. قلت: رواه البخاري فيه، ومسلم في الجهاد من حديث ابن عمر. (٤)

стр. 1555

٣٠٦٦ - قال: ذهبتْ فرس له، فأخذها العدو، فظهر عليهم المسلمون، فرُدّت عليه في زمن رسول الله ﷺ ، وأَبق عبدٌ له، فلحق بالروم، فظهر عليهم المسلمون، فردَّه عليه خالد بن الوليد بعد النبي ﷺ . قلت: رواه البخاري في الجهاد من حديث ابن عمر بن الخطاب. (١) وقال الإمام عبد الحق: لم يصل البخاري سنده بهذا الحديث، انتهى، وفيما قاله نظر، فإن البخاري قال: وقال ابن نمير حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر وساقه، وابن نمير هو محمد بن عبد الله، وهو شيخ البخاري. فقوله: وقال ابن نمير، مثل قوله: حدثنا ابن نمير، على ما نقله النووي وغيره. ورواه أبو داود وابن ماجه (٢)، وقد اتفق الإمامان: الشافعي وأبو حنيفة على العمل بظاهر هذا الحديث، فقالا: إذا استولى الكفار على عبد المسلم الآبق، والفرس الذاهب ثم استنقذ ذلك المسلمون من أيديهم كان صاحبه أولى به قبل القسمة أو بعدها، وإنما اختلفا فيما إذا استولى الكفار على مال المسلم بالغلبة. فقال الشافعي: لا يملكونه، فإذا أخذ من أيديهم رد إلى مالكه، وقال أبو حنيفة: إن أحرزوه بدارهم ملكوه، ثم إن ظهر عليهم السلمون فوجده المالك قبل القسمة فهو له بغير شيء، وإن وجده بعد القسمة أخذه بالقيمة إن أحبوا، واتفق العلماء على أنهم لا يملكون رقاب السلمين ولا أمهات أولادهم، ويملك السلمون منهم جميع ذلك. ٣٠٦٧ - قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي ﷺ فقلنا: أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن بمنزلة واحدةٍ؟، فقال: "إنما بنو هاشم، وينو المطلب شيءٌ واحد"، قال جبير: ولم يقسم النبي ﷺ لبني عبد شمس، وبني نوفل شيئًا.

стр. 1556

قلت: رواه البخاري في الخمس وفي المغازي (١)، وقال في الخمس من حديث جبير بن مطعم، قال ابن إسحاق: وعبد شمس، وهاشم، والمطلب إخوة لأم، وأمهم عاتكة بنت مرة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم. ورواه أبو داود في الخراج، والنسائي في قسم الفيء، وابن ماجه في الجهاد مختصرًا، ولم يخرجه مسلم. قوله ﷺ : شيء واحدًا بالشين المعجمة أي حكمهما واحد، وكان يحيى بن معين يرويه "سيء واحد" بالسين المهملة المكسورة أي مثل، يقال: "هذا سِيء هذا" أي مثله ونظيره، وقال الخطابي: وهو أجود. وصوّب غيره رواية الكافّة. (٢) ٣٠٦٨ - قال رسول الله ﷺ : "أيما قريةٍ أتيتموها، وأقمتم فيها، فسهمكم فيها، وأيما قريةٍ عصت الله ورسوله، فإنّ خُمُسها لله ولرسوله، ثم هي لكم". قلت: رواه مسلم في الجهاد وأبو داود في الخراج كلاهما من حديث معمر عن أبي هريرة يرفعه، ولم يخرجه البخاري. (٣) ٣٠٦٩ - أن رسول الله ﷺ قال: "ما أعطيكم ولا أمنعكم، إنما أنا قاسم، أضع حيث أمرت".

стр. 1557

قلت: رواه البخاري في الخمس من حديث أبي هريرة، وقد قدمه المصنف في أول باب "رزق الولاة" فإعادته تكرار، والله أعلم. (١) ٣٠٧٠ - قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن رجالًا يتخوضون في مالِ الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة". قلت: رواه البخاري في الخمس من حديث خولة الأنصارية وهي خولة بنت قيس. (٢) وقال بعضهم: هي خولة بنت ثامر، وقال علي بن المديني: خولة بنت قيس هي خولة بنت ثامر، انتهى. وليس لخولة هذه في البخاري غير هذا الحديث، ولا روى لها بقية أصحاب الكتب الستة شيئًا غير الترمذي فإنه روى لها حديثًا واحدًا في الزهد. "إن هذا المال خضرة حلوة" وسيأتي في الحسان. (٣) ٣٠٧١ - قال قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم، فذكر الغلول، فعظمه وعظّم أمره، ثم قال: "لا أُلفِين أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته بعيرٌ له رغاءٌ، يقول: يا رسول الله أغِثني! فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، لا أُلفِين أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته فرس له حَمْحَمَة فيقول: يا رسول الله أغِثني! فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، لا أُلفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاةٌ لها، ثُغاء، يقول: يا رسول الله أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا أُلفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفسٌ لها صياح، فيقول: يا رسول الله أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رِقاعٌ تخفق، فيقول: يا رسول الله أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة،

стр. 1558

على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك". قلت: رواه الشيخان في الجهاد من حديث أبي هريرة، واللفظ لمسلم، ولم يذكر البخاري: النفس. (١) قوله ﷺ : "لا أُلفين" قال النووي (٢): ضبطناه بضم الهمزة وبالفاء المكسورة أي "لا أجدن أحدكم على هذه الصفة"، ومعناه: لا تعملوا عملًا أجدكم بسببه على هذه الصفة. قال القاضي (٣): ووقع في رواية "لا ألقين" بفتح الهمزة والقاف، والرغاء، بالمد: صوت البعير، وكذا المذكورات بعده وصف كل شيء بصوته، والرقاع: ما عليه من الحقوق المكتوبة في الرقاع، وتخفق: تتحرك، والصامت: الذهب والفضة. ٣٠٧٢ - قال: أهدى رجلٌ لرسول الله ﷺ غلامًا يقال له: مِدْعم، فبينما مِدْعم يحط رحلًا لرسول الله ﷺ ، إذا سهم عائِر فقتله، ففال الناس: هنيئًا له الجنة، فقال رسول الله ﷺ : "كلا! والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم: لتشتعل عليه نارًا"، فلما سمع ذلك الناس، جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبي ﷺ ، فقال: "شراك من نار، أو شراكان من نار". قلت: رواه البخاري في المغازي، ومسلم في الإيمان، وأبو داود في الجهاد، والنسائي في السير (٤)، أربعتهم من حديث مالك قال: "حدثني ثور قال حدثني سالم مولى ابن

стр. 1559

مطيع أنه سمع أبا هريرة يقول: افتتحنا خيبر فلم نغنم ذهبًا ولا فضة وإنما غنمنا البقر والإبل والغنم والمتاع والحوائط، ثم انصرفنا مع رسول الله ﷺ إلى وادي القرى ومعه عبد يقال له مدعم أهداه له أحد بني الضباب فبينما هو يحط رحل رسول الله ﷺ ... " الحديث. هذا لفظ البخاري، ولمسلم نحوه. قال الدراقطني: قال موسى بن هارون: وهم ثور بن زيد في هذا الحديث لأن أبا هريرة لم يخرج مع النبي ﷺ يعني إلى خيبر، وإنما قدم المدينة بعد خروج النبي ﷺ إلى خيبر، وأدرك النبي ﷺ وقد فتح الله عليه خيبر. قال أبو مسعود الدمشقي: وإنما أراد البخاري ومسلم من نفس هذا الحديث قصة مدعم في غلول الشملة التي لم تصبها المقاسم، وأن النبي ﷺ قال: "إنها لتشتعل عليه نارًا". (١) قلت: ولذلك حذف صاحب المصابيح أول الحديث واقتصر على المقصود منه. ومِدْعم: هو بكسر الميم وإسكان الدال وفتح العين المهملتين. وعائر: بعين مهملة هو الذي لا يدرى من رماه. والمهدي لرسول الله ﷺ مِدْعم هو رفاعة بن زيد كما جاء في بعض طرق الحديث. ٣٠٧٣ - قال: كان على ثَقَل النبي ﷺ رجل يقال له: كركرة، فمات، فقال رسول الله ﷺ : "هو في النار"، فذهبوا ينظرون، فوجدوا عباءةً قد غلّها.

стр. 1560

قلت: رواه البخاري في الجهاد وترجم عليه باب "القليل من الغلول" من حديث ابن عمر، ولم يخرج مسلم عن ابن عمر في هذا شيئًا. (١) ٣٠٧٤ - كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه. قلت: رواه البخاري في الخمس من حديث أيوب عن نافع أن ابن عمر قال: كنا نصيب .. وساقه، ولم يخرجه مسلم. (٢) ٣٠٧٥ - قال: أصبت جرابًا من شحم يوم خيبر، فالتزمته، فقلت: لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا، فالتفت، فإذا رسول الله ﷺ يتبسم إلي. قلت: رواه البخاري في الخمس، ومسلم في المغازي واللفظ له، وأبو داود في الجهاد، والنسائي في الذبائح أربعتهم من حديث عبد الله بن مغفل. (٣) من الحسان ٣٠٧٦ - عن النبي ﷺ قال: "إن الله فضلني على الأنبياء، أو قال: فضّل أمتي على الأمم، وأحل لنا الغنائم". قلت: رواه الترمذي في السير من حديث أبي أمامة، وقال: حسن صحيح. (٤) ٣٠٧٧ - قال رسول الله ﷺ يومئذ، يعني يوم حنين: "من قتل كافرًا فله سلبه"، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا وأخذ أسلابهم.

стр. 1561

قلت: رواه أبو داود في الجهاد، والدارمي في السير كلاهما من حديث أنس، وسكت عليه أبو داود. (١) ٣٠٧٨ - أن رسول الله ﷺ قضى في السلب للقاتل، ولم يخمّس السلب. قلت: رواه أبو داود في الجهاد من حديث عوف بن مالك وخالد بن الوليد، وفي إسناده إسماعيل بن عياش وقد تقدم ذكره. (٢) ٣٠٧٩ - قال: نفّلني رسول الله ﷺ يوم بدر سيف أبي جهل، وكان قتله. قلت: رواه أبو داود في الجهاد من حديث أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. (٣) ٣٠٨٠ - شهدت خيبر مع سادتي، فكلّموا فيّ رسول الله ﷺ ، وكلّموه أني مملوك، فأمرني فقلّدت سيفًا، فإذا أنا أجرّه، فأمر لي بشيء من خُرثي المتاع، وعرضت عليه رقية كنت أرقي بها المجانين، فأمرني بطرح بعضها، وحبس بعضها. قلت: رواه أبو داود في الجهاد، والترمذي في السير، والنسائي في الطب، وابن ماجه في الجهاد من حديث عمير مولى أبي اللحم، وقال الترمذي:

стр. 1562

حديث حسن صحيح. (١) والخرثي: بالخاء المعجمة والراء المهملة والثاء المثلثة. وحكى الأزهري (٢): عن الليث أن الخرثي من المتاع والغنيمة أردؤها، وهي سقط البيت من المتاع، وقال الجوهري (٣): الخرثي: أثاث البيت وسقطه. ٣٠٨١ - قال قُسمت خيبر على أهل الحديبية، فقَسَمها رسول الله ﷺ ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيش ألفًا وخمسمائة، فيهم ثلثمائة فارس!. قلت: رواه أبو داود في الجهاد عن: محمد بن عيسى قال حدثنا مجمع بن يعقوب بن يزيد الأنصاري قال: سمعت أبي يعقوب بن مجمع يذكر، عن عمه عبد الرحمن بن يزيد، عن عمه مجمع بن جارية .. وذكر الحديث بأطول مما ذكره المصنف، وقال في آخره: "فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهمًا" (٤). قال أبو داود: وحديث أبي معاوية أصح، والعمل عليه، وأرى الوهم في حديث مجمع في قوله: ثلثمائة فارس: وإنما كانوا مائتي فارس، وحديث أبي معاوية الذي أشار إليه هو حديث ابن عمر الثابت في الصحيحين (٥)، ولفظ البخاري فيه: أن النبي ﷺ جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا.

стр. 1563

قال الإمام الشافعي: ومجمع بن يعقوب راوي هذا الحديث شيخ لا يُعرف. (١) وقال البيهقي (٢): والذي رواه مجمع بن يعقوب في عدد الجيش وعدد الفرسان قد خولف فيه، ففي رواية جابر وأهل المغازي أنهم كلانوا ألفًا وأربعمائة، وهم أهل الحديبية، وفي رواية ابن عباس، وصالح بن كيسان، وبشير بن يسار: أن الخيل مائتا فرس وكان للفرس سهمان ولصاحبه سهم ولكل راجل سهم. ومُجمّع (٣): بضم الميم وبالجيم والميم الشددة المكسورة والعين المهملة. وجارية: بالجيم وبعدها ألف بعدها راء مهملة. ٣٠٨٢ - قال شهدت النبي ﷺ نفّل الربع في البَدأة، والثلث في الرجعة. قلت: رواه أبو داود وابن ماجه كلاهما في الجهاد من حديث حبيب بن مسلمة الفهري (٤)، وقد أنكر بعضهم أن يكون لحبيب هذا صحبة، وأثبتها له آخرون، وذكره ابن عبد البر في الصحابة، وكان يسمى حبيب الرومي لكثرة مجاهدته الروم. (٥) ٣٠٨٣ - أن رسول الله ﷺ كان ينفّل الرُّبُع بعد الخُمس، والثلث بعد الخُمُس إذا قفل. قلت: رواه أبو داود فيه من حديث حبيب بن مسلمة الفهري، وسكت عليه أبو داود. (٦)

стр. 1564

٣٠٨٤ - قال: أصبت بأرض الروم جَرّة حمراء، فيها دنانير في إمرة معاوية، وعلينا رجلٌ من أصحاب النبي ﷺ يقال له: معن بن يزيد، فأتيته بها، فقسمها بين المسلمين، وأعطاني منها مثل ما أعطى رجلًا منهم، ثم قال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نفل إلا بعد الخمس"، لأعطيتك. قلت: رواه أبو داود فيه (١) ومعن بن يزيد: هو معن بن يزيد بن الأخنس، له ولأبيه وجده صحبة ﵃، وأبو الجويرية اسمه: حِطّان بن خُفَاف. (٢) ورجال الحديث موثقون. ٣٠٨٥ - قال: قدمنا فوافقنا رسول الله ﷺ حين افتتح خيبر، فأسهم لنا -أو قال: فأعطانا منها- وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئًا، إلا لمن شهد معه، إلا أصحاب سفينتنا: جعفرًا وأصحابه، أسهم لهم معهم. قلت: رواه البخاري في المغازي، ومسلم في المناقب، وأبو داود في الجهاد، والترمذي في السير، ولفظ المصنف لفظ مسلم وأبي داود أربعتهم من حديث أبي موسى، وكان من حق المصنف أن يذكر هذا في الصحاح. (٣) ٣٠٨٦ - أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ توفي يوم خيبر، فذكروا لرسول الله ﷺ ؟ فقال: "صلوا على صاحبكم"، فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: "إن صاحبكم غلّ في سبيل الله". ففتشنا متاعه فوجدنا خرزًا من خرز يهود، لا يساوي درهمين. قلت: رواه مالك في الموطأ وأبو داود كلاهما في الغلول، والنسائي في الجنائز وابن

стр. 1565

ماجه في الجهاد أربعتهم من حديث زيد بن خالد الجهني، وسكت عليه أبو داود. (١) ٣٠٨٧ - قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصاب غنيمة، أمر بلالًا فنادى في الناس، فيجيئون بغنائمهم، فيُخمّسه ويقسمه، فجاء رجلٌ بعد ذلك بزمام من شَعْر، فقال: هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة، قال: "أسمعت بلالًا ينادي ثلاثًا؟ " قال: نعم، قال: "فما منعك أن تجيء به؟ " فاعتذر، قال: "كن أنت تجيء به يوم القيامة، فلن أقبله عنك". قلت: رواه أبو داود هنا من حديث عبد الله بن عمر، وسكت عليه. (٢) وكل هذا تعظيم لأمر الغلول وتحذير له، وإذا كان هذا في القليل فما الظن بالكثير. ٣٠٨٨ - أن رسول الله ﷺ ، وأبا بكر، وعمر حرقوا متاع الغالّ وضربوه. قلت: رواه أبو داود هنا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. (٣) وقد اختلف العلماء في عقوبة الغال في ماله: فقال أحمد وجماعة: يحرق متاعه، قالوا: ولا يحرق ما غل، لأنه حق الغانمين يرد عليهم، فإن استهلكه غرم قيمته. وقال الشافعي: لا يحرق ولا يعاقب في ماله إنما يعاقب في بدنه، إنما جعل الله الحدود

стр. 1566

على الأبدان لا على الأموال. (١) ٣٠٨٩ - قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "من يكتم غالًا، فإنه مثله". قلت: رواه أبو داود فيه من حديث سمرة بن جندب. (٢) ٣٠٩٠ - قال: نهى رسول الله ﷺ عن شراء المغانم حتى تقسم. قلت: رواه الترمذي في السير وقال: غريب، وابن ماجه في التجارات كلاهما من حديث محمد بن زيد العيدي عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد الخدري يرفعه، قال الدارقطني: محمد بن زيد ليس بالقوي. (٣) ٣٠٩١ - عن النبي ﷺ : أنه نهى أن تباع السهام حتى تقسم. قلت: رواه الدارمي في السير، من حديث عبد الرحمن بن يزيد عن مكحول الشامي عن أبي أمامة يرفعه، وعبد الرحمن بن يزيد: ضعفه ابن معين وابن عدي. (٤)

стр. 1567

٣٠٩٢ - سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن المال خضرة حلوة، فمن أصابه بحقه، بورك له فيه، وربّ متخوّض فيما شاءت به نفسه من مال الله ورسوله، ليس له يوم القيامة إلا النار". قلت: رواه الترمذي في الزهد من حديث خولة بنت قيس ترفعه، وقال: حديث حسن صحيح انتهى (١)، ورواه البخاري في الخمس مختصرًا، ولفظه: "أن رجالًا يتخوضون في مال الله تعالى، حق لهم النار يوم القيامة" وتقدم ذكر المصنف له في الصحاح. ٣٠٩٣ - أن النبي ﷺ تنفّل سيفه -ذا الفقار- يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحدٍ. قلت: رواه الترمذي في السير من حديث ابن عباس، وقال: حديث حسن غريب. (٢) وذا الفقار: قال الزمخشري (٣): هو بفتح الفاء، والعامة يكسرونها، سمي بذلك لأنه كانت في إحدى شفرتيه حُزوز، شبّهت بفَقار الظهر، وكان هذا السيف لمنبه بن الححاج، فتنفله رسول الله ﷺ في السنة السادسة في غزوة بني المصطلق، وهو الذي كان يلزمه ﷺ ويشهد به الحروب، وكانت له أسياف غيره.

стр. 1568

والرؤيا التي رأى فيه: أنه رأى ﷺ أنه هزّ ذا الفقار فانقطع من وسطه ثم هزّه هزة أخرى، فعاد أحسن ما كان، وقيل هو ما رآه عند خروجه ﷺ إلى أحد أن في ذبابة سيفه ثلمًا، قال: فأولته هزيمة. (١) ٣٠٩٤ - أن النبي ﷺ قال: "من كان يومن بالله واليوم الآخر، فلا يركب دابةً من فيء المسلمين، حتى إذا أعجفها ردها فيه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يلبس ثويًا من فيء المسلمين، حتى إذا أخلقه رده فيه". قلت: رواه أبو داود هنا، والدارمي في السير كلاهما من حديث رويفع بن ثابت، وفي سنده محمد بن إسحاق. (٢) ٣٠٩٥ - قال: قلت: هل كنتم تخمسون الطعام في عهد رسول الله ﷺ ؟ فقال: أصبنا طعامًا يوم خيبر، وكان الرجل يجيء، فيأخذ منه مقدار ما يكفيه، ثم ينصرف. قلت: رواه أبو داود هنا من حديث محمد بن أبي المجالد عن عبد الله بن أبي أوفى وسكت عليه ولم يعترضه المنذري. (٣) ٣٠٩٦ - أن جيشًا غنِموا في زمان رسول الله ﷺ طعامًا وعسلًا، فلم يؤخذ منهم الخُمُس. قلت: رواه أبو داود هنا من حديث ابن عمر، وسكت عليه ولم يعترضه المنذري. (٤)

стр. 1569

٣٠٩٧ - عن بعض أصحاب رسول ﷺ قال: كلنا نأكل الجَزور في الغزو، ولا نقسمه، حتى إذا كنا لنرجع إلى رحالنا وأخْرِجَتُنا منه مملأة. قلت: رواه أبو داود هنا من حديث القاسم مولى عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي ﷺ به (١)، قال المنذري: والقاسم: تكلم فيه غير واحد. (٢) والخرج: معروف وهو عربي، والجمع خرجة مثل جحر وجحرة، وجاء جمعه ها هنا على أخرجة جمع قلة. ٣٠٩٨ - أن النبي ﷺ كان يقول: "أدوا الخياط والمِخْيط، وإياكم والغلول، فإنه عارٌ على أهله يوم القيامة". قلت: رواه الدارمي في السير من حديث عبادة بن الصامت يرفعه. (٣) والخياط: بكسر الخاء المعجمة والتخفيف، وهو الخيط، ويكون أيضًا الإبرة، والمِخْيط: بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة الإبرة، والخياط: ها هنا الخيط لذكره مع الإبرة. ٣٠٩٩ - قال: دنا النبي ﷺ من بعير، فأخذ وبرة من سنامه، ثم قال: "يا أيها الناس إنه ليس لي من هذا الفيء شيء، ولا هذا -ورفع أصبعه- إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدُّوا الخِياط والمِخْيط" فقام رجل في يده كُبّة من شَعر، فقال: أخذت هذه لأصلح بها بَرْذَعة؟ فقال نبي الله ﷺ : "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب، فهو لك، فقال: أمَّا إذ بلغَتْ ما أرى، فلا أرَبَ لي فيها، ونبذها.

стр. 1570

قلت: رواه أبو داود هنا والنسائي في قسم الفيء (١) مختصرًا كلاهما من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ٣١٠١ - قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ إلى بعير من المغنم، فلما سلم، أخذ وبرةً من جنب البعير، ثم قال: "ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا، إلا الخمس، والخمس مردود فيكم". قلت: رواه أبو داود هنا من حديث عمرو بن عبسة يرفعه، وسكت عليه، ورواه النسائي وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت بنحوه. (٢) ٣١٠٢ - قال: لمّا قَسَم رسول الله ﷺ ذوي القربى بين بني هاشم، وبني المطلب، أتيته أنا وعثمان بن عفان، فقلنا: يا رسول الله ﷺ ! هؤلاء إخواننا من بني هاشم، لا ننكر فضلهم، لمكانك الذي وضعك الله منهم، أرأيت إخواننا من بني المطلب، أعطيتهم وتركتنا، وإنما قرابتنا وقرابتهم واحدة؟، فقال رسول الله ﷺ : أما بنو هاشم وبنو المطلب، فشيءٌ واحدٌ هكذا"، وشبّك بين أصابعه. قلت: رواه الشافعي عن مطرف بن مازن عن معمر بن راشد عن ابن شهاب قال: أخبرني محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه بلفظ المصنف. (٣) - وفي رواية: "أنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام، وإنما نحن وهم شيءٌ واحدٌ"، وشبّك بين أصابعه.

стр. 1571

قلت: رواها أبو داود من حديث جبير. (١) باب الجزية من الصحاح ٣١٠٣ - قال: كان النبي ﷺ إذا أَمّر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه، وقال: "إذا لقيت عدوك، فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، فإن أبوا، فسلهم الجزية، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم". قلت: رواه مسلم في أول الجهاد من حديث بريدة، ولم يخرجه البخاري. (٢) ٣١٠٤ - قال: كنت كاتبًا لجزء بن معاوية -عم الأحنف بن قيس-، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب ﵁ قبل موته بسنة: أن فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس، حتى شهد عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر". قلت: رواه البخاري هنا، وأبو داود في الخراج أتم مما ذكره المصنف والبخاري ورواه الترمذي والنسائي كلاهما في السير مختصرًا كلهم من حديث بجالة (٣) بباء موحدة مفتوحة وبعدها جيم مفتوحة، وبعد الألف لام مفتوحة.

стр. 1572

من الحسان ٣١٠٥ - قال: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن، فأمره أن ياخذ من كل حالمٍ دينارًا، أو عدله معافر. قلت: رواه الأربعة أبو داود في الخراج، والترمذي والنسائي وابن ماجه في الزكاة، وقال الترمذي: حديث حسن. (١) وروى بعضهم هذا الحديث عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، أن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن فأمره أن يأخذ، قال: وهذا أصح. (٢) والمعافر: نوع من نبات اليمن، وهو بفتح الميم والعين المهملة، وبالألف والفاء المكسورة والراء المهملة. ٣١٠٦ - قال رسول الله ﷺ : "لا تصلح قبلتان في أرضٍ واحدةٍ، وليس على المسلم جزية". قلت: رواه الترمذي في الزكاة، وأبو داود في الخراج. (٣) ولم يقل: "وليس على المسلم جزية" كلاهما من حديث قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس يرفعه، قال الترمذي: وقد روي عن قابوس عن أبيه مرسلًا، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، أن النصراني إذا أسلم وُضعت عنه الجزية التي كانت وجبت عليه. (٤)

стр. 1573

٣١٠٧ - قال: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة، فأخذوه، فأتوه به، فحقن له دمه، وصالحه على الجزية. قلت: رواه أبو داود في الخراج من حديث أنس، وسكت عليه. (١) وأكيدر: بضم الهمزة وفتح الكاف وسكون الياء آخر الحروف وبعدها دال مهملة وهو ابن عبد الملك الكندري، وساق بعضهم نسبه إلى كندة، وقال بعضهم: إنه من غسان، وروي أنه أتي به النبي ﷺ ، ويقال: بقي على نصرانيته وكتب إليه النبي ﷺ كتابًا، ويقال: إنه أسلم ثم ارتد إلى النصرانية، فقتل على نصرانيته. (٢) وفي "دومة" (٣): ثلاث لغات ضم الدال وفتحها، ودوما: وهي من بلاد الشام بينها وبين دمشق خمس ليال، وبين المدينة وبينها خمس عشرة ليلة، وبالعراق أيضًا بقرب عين التمر موضع يقال له: دومة. ٣١٠٨ - قال رسول الله ﷺ : "إنما العشور على اليهود والنصارى، وليس على المسلمين عشور". قلت: رواه أبو داود (٤) فيه من حديث حرب بن عبيد الله عن جده أبي أمه عن أبيه يرفعه، ورواه البخاري في "التاريخ الكبير"، وساق اضطراب الرواة فيه، وقال: لا يتابع عليه. وقد فرض النبي ﷺ "العشور" فيما أخرجت الأرض في خمسة أو ساق، انتهى.

стр. 1574

وقد ذكر الترمذي هذا الحديث في الزكاة بغير إسناد، وقال بعضهم: وأراد النبي ﷺ عشور التجارات والبياعات دون عشور الصدقات، والذي يلزم اليهود والنصارى من العشور هو ما صولحوا عليه، فلا عشور عليهم ولا يلزمهم شيء أكثر من الجزية، فأما عشور غلات أرضهم فلا يؤخذ منهم، هذا مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة: إن أخذوا منا العشور في بلادهم إذا اختلف المسلمون إليهم في التجارات أخذنا منهم وإلا فلا. ٣١٠٩ - قال: قلت: يا رسول الله ﷺ إنا نمر بقوم، فلا هم يضيفونا، ولا هم يؤدون ما لنا عليهم من الحق، ولا نحن نأخذ منهم؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن أبوا إلا أن تأخذوا كرهًا، فخذوا". قلت: رواه البخاري في المظالم وفي الأدب، ولفظه: "قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقرونا، فما ترى؟ فقال لنا رسول الله ﷺ إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف". ومسلم في الجهاد، وأبو داود في الأطعمة، والترمذي في السير ولفظه كلفظ المصابيح، وابن ماجه في الأدب كلهم من حديث عقبة (١)، فكان من حق المصنف أن يذكره في الصحاح، ولهذا لما ذكره المنذري في مختصر سنن أبي داود (٢) عزاه للشيخين. وأما معنى الحديث: فإنه محمول على ما إذا كان مرورهم على جماعة من أهل الكتاب، وقد شرط الإمام عليهم ضيافة من يمر بهم، فإذا لم يفعلوا أخذوا منهم حقهم

стр. 1575

كرهًا، فأما إذا لم يكن قد شرط عليهم، والنازل غير مضطر فلا يجوز أخذ مال الغير إلا بطيب من نفسه. (١) باب الصلح من الصحاح ٣١١٠ - قالا: خرج النبي ﷺ عام الحديبية، في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما أتى ذا الحليفة، قلّد الهدي وأشعره، وأحرم منها بعمرة، وسار، حتى إذا كان بالثنيّة التي يُهبط عليهم منها، بركت به راحلته، فقال الناس: حَلْ، حل خَلأت القصواء، خلأت القصواء، فقال النبي ﷺ : "ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل"، ثم قال: "والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله، إلا أعطيتهم إياها". ثم زجرها فوثبت، فعدل عنهم، حتى نزل بأقصى الحديبية، على ثمد قليل الماء، يتبرّضه الناس تبرُّضًا، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشُكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالريّ، حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي، في نفر من خزاعة، ثم أتاه عروة بن مسعود ... وساق الحديث، إلى أن قال: إذ جاء سهيل بن عمرو، فقال النبي ﷺ : "اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسولُ الله ﷺ ". فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله، ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبي ﷺ : "والله إني رسول الله، وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله".

стр. 1576

فقال: سهيل: وعلى أن لا يأتيك منَّا رجل، وإن كان على دينك، إلا رددته علينا، فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "قوموا فانحروا ثم احلقوا". ثم جاء نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ الآية. فنهاهم الله أن يردوهن، وأمرهم أن يردوا الصداق، ثم رجع إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجلٌ من قريش، وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به، حتى إذا بلغا ذا الحليفة نزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا، أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد، وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال النبي ﷺ : "لقد رأى هذا ذعرًا". فقال: قتل والله صاحبي، وإني لمقتول. فجاء أبو بصير، فقال النبي ﷺ : "ويل أمه مِسْعَر حرب! لو كان له أحدٌ". فلما سمع ذلك، عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وتفلّت أبو جَندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم، إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام، إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم، لما أرسل إليهم، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي ﷺ إليهم. قلت: رواه البخاري في الشروط بطوله (١)، وفي المغازي، وليس في الشروط ذكر الإحرام بالحج، إنما ذكره في المغازي وفي الحج أيضًا، وأبو داود في الحج كلاهما من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، ولم يخرجه مسلم ولا أخرج في صحيحه عن مروان بن الحكم شيئًا. والحديبية: الأفصح فيها التخفيف.

стр. 1577

وحلْ حَلْ: بفتح الحاء المهملة وسكون اللامين، ويقال: بكسر اللامين وتنوينهما أيضًا، وهو زجر للناقة إذا ترددت عن النهوض، وخلأت القصواء: بفتح الخاء المعجمة، أي حرنت وبركت من غير علّة، والخلأ في الإبل، كالحران في الخيل، والخطة: الأمر المشكل الذي يفصله الرجل برأيه، قال الجوهري (١): بالضم، الأمر والقصة، والثمد بالتحريك: الماء القليل. قوله: "يتبرضه الناس تبرضًا" هو بالضاد المعجمة أي يأخذونه قليلًا قليلًا. قوله: "يجيش لهم بالري" أي يفور ماؤه ويرتفع. قوله ﷺ : "اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد" هو فاعل من القضاء وهو الفصل والحكم. "وبديل بن ورقاء": هو بضم الباء الموحدة وبفتح الدال المهملة ثم ياء آخر الحروف ولام، وورقاء: بواو ثم راء ثم قاف أسلم عام الفتح، وعروة بن مسعود أسلم بعد الطائف، لحق النبي ﷺ قبل أن يدخل إلى المدينة في منصرفه من الطائف فأسلم وسأل أن يرجع إلى قومه فقال رسول الله ﷺ : "إن فعلت فإنهم قاتلوك، فقال: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبشارهم، فكان كما قال رسول الله ﷺ قتلوه حين أظهر إسلامه، وسهيل بن عمرو أسلم أيضًا وحسن إسلامه. قوله: "فضربه حتى برد" أي مات، و"الذعر": بضم الذال المعجمة وسكون العين المهملة وبعدها راء هو الفزع، وأبو بصير: بفتح الباء الموحدة وكسر الصاد المهملة. ومسعر الحرب: قال الجوهري (٢): المسعر والمسعار: الخشب الذي تُسعر به النار، ومنه قيل للرجل: مسعر حرب أي تحمى به الحرب، وسِيْف البحر: بكسر السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفاء، وهو ساحل البحر، والجمع أسياف، والعير: الإبل

стр. 1578

بأحمالها من عار يعير إذا سار، وقيل: هي قافلة الحَمِير، وكثرت حتى سميت بها كل قافلة. "ويناشده الله والرحم" أي سألوه بالله وبالرحم. يقال: "نشدتك الله، وأنشدتك الله وبالله، وناشدتك الله وبالله، أي سألتك وأقسمت عليك، قال البغوي (١) وغيره: وهذا الذي شرطه النبي ﷺ للمشركين عام الحديبية كان لمصلحة رآها النبي ﷺ ولا يجوز اليوم شيء من ذلك لقوة أهل الإسلام وغلبة أمرهم إلا في موضع قريب من دار الكفر يخاف أهل الإسلام منهم على أنفسهم، وذهب الشافعي إلى أن أقصى الهدنة عشر سنين ولا تجوز الزيادة على ذلك، واختلف العلماء في أن الصلح هل وقع على رد النساء أيضًا أم لا على قولين فمن قال: نعم، جوز نسخ السنة بالكتاب. ٣١١١ - قال: صالح النبي ﷺ المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء: على أنّ من أتاه من المشركين ردّه إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه. وعلى أن يدخلها من قابل، ويقيم بها ثلاثة أيام، ولا يدخلها إلا يجُلُبّان السلاح: السيف والقوس، ونحوه. فجاء أبو جندل يحجُل في قيوده، فرده إليهم. قلت: رواه البخاري في الصلح بهذا اللفظ، ومسلم في المغازي بمثل معناه كلاهما من حديث البراء بن عازب (٢)، وقال البخاري فيه: "وقال موسى بن مسعود عن سفيان بن سعيد عن أبي إسحاق عن البراء، وقد قدمنا أن مثل هذا لا يجعله عبد الحق والحميدى متصلًا، والصواب: أنه متصل لأن موسى بن مسعود شيخ البخاري وأخذ عنه. وجلبان السلاح: قال أبو إسحق السبيعي: القراب بما فيها، وإنما شرط هذا ليكون أمارة للمسلم، فلا يظن أنهم يدخلون قهرًا.

стр. 1579

قال الأزهري (١): القراب: غمد السيف، والجلبان: شبه الجراب من الأدم، يوضع فيه السيف مغمودًا، ويطرح فيه الراكب بسَوْطه، وأداته، ويعلقه في آخرة الرحل. قال الخطابي (٢): أكثر المحدثين يرويه بضم اللام وتشديد الباء الموحدة، وكذا قال في المشارق (٣) قال: ورواه بعضهم بإسكان اللام. قوله: "ويقيم بها ثلاثة أيام"، قال العلماء: سبب هذا التقدير أن المهاجر من مكة لا يجوز له أن يقيم بها أكثر من ثلاثة أيام، وهذا أصل في أن الثلاثة ليس لها حكم الإقامة. ٣١١٢ - أن قريشًا صالحوا النبي ﷺ ، فاشترطوا على النبي ﷺ : أن من جاء منكم لم يرد عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا، فقالوا: يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال: "نعم، إنه من ذهب منا إليهم، فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا". قلت: رواه مسلم في المغازي من حديث أنس، ولم يخرج البخاري عن أنس في هذا شيئًا. (٤) ٣١١٣ - قالت في بيعة النساء: إنّ رسول الله ﷺ كان يمتحنهن بهذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ ..﴾ الآية، فمن أقرت بهذا الشرط منهن قال لها: "قد بايعتك"، كلامًا يكلمها به، والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة. قلت: رواه البخاري في الطلاق، ومسلم، وابن ماجه في الجهاد، والنسائي في التفسير كلهم من حديث عائشة. (٥)

стр. 1580

من الحسان ٣١١٤ - أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيهن الناس، على أن بيننا عيبةً مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال. قلت: رواه أبو داود في الجهاد من حديث المسور، وسكت عليه. (١) و"العيبة المكفوفة": قال ابن الأثير: أي بينهم صدر نقي من الغل والخداع، مطوي على الوفاء بالصلح، والمكفوفة: المشرجة المشدودة، والإسلال: السرقة الخفية، يقال: سلَّ البعير في جوف الليل إذا انتزعه من الإبل، ويقال: الإسلال الغارة الظاهرة، وقيل: سل السيوف، والإغلال: الخيانة، أي لا سرقة ولا خيانة. ٣١١٥ - قال رسول الله ﷺ : "ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة". قلت: رواه أبو داود في الخراج من حديث صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب النبي ﷺ ، وفي سنده مجهولون. (٢) ٣١١٦ - قالت: بايعت النبي ﷺ في نسوةٍ، ففال لنا: "فيما استطعن وأطقتن". قلت: الله ورسوله أرحم بنا منا بأنفسنا، قلت: يا رسول الله! بايعنا، تعني: صافِحنا، قال: "إنما قَوْلي لمائة امرأة، كقولي لامرأةٍ واحدةٍ". قلت: رواه مالك في الموطأ آخر البيعة، والترمذي في السير، والنسائي فيه وفي غيره، وابن ماجه في الجهاد أربعتهم من حديث محمد بن المنكدر أنه سمع أميمة بنت ربيعة
следующие страницы →