← Книги сунны

Книги сунны · id 17063

كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح

الصدر المناوي

Полный текст (2 643 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

قوله: "ولا يطأ عقبه رجلان" معناه: لا يفعل فعل الملوك يتبعه الناس، يمشون وراءه. ٣٢٧٢ - قال: أتي رسول الله ﷺ بخبز ولحم وهو في المسجد، فأكل وأكلنا معه، ثم قام فصلى، وصلينا معه، ولم نزد على أن مسحنا أيدينا بالحَصْباء. قلت: رواه ابن ماجه في الأطعمة من حديث عبد الله بن الحارث بن جَزْء، وفي سنده ابن لهيعة، وأخرجه الترمذي في الشمائل مختصرًا. (١) ٣٢٧٣ - قال: أُتي رسول الله ﷺ بلحم، فرفع إليه الذراع، -وكانت تعجبه- فنهس منها. قلت: هذا الحديث رواه البخاري في التفسير في سورة بني إسرائيل، ومسلم في الإيمان كلاهما في حديث طويل وهو حديث الشفاعة، والترمذي في الزهد والنسائي في الوليمة، وابن ماجه في الأطعمة كلهم من حديث أبي هريرة، فكان من حق المصنف أن يذكره في الصحاح لا في الحسان. (٢) والنهس: هنا بالسين المهملة وهو أخذ ما على العظم من اللحم بأطراف الأسنان، وأما النهش: بالشين المعجمة فبالأضراس. ٣٢٧٤ - قال رسول الله ﷺ : "لا تقطعوا اللحم بالسكين، فإنه من صنع الأعاجم، وانهشوه، فإنه أهنا وأمرأ". (غريب). قلت: رواه أبو داود في الأطعمة من حديث عائشة، وفي سنده أبو معشر المدني، واسمه: نجيح، قال النسائي: وأبو معشر له أحاديث مناكير منها هذا، ومنها حديث ما بين المشرق والمغرب قبلة، وقد روى الترمذي قوله ﷺ : "انهسوا اللحم نهسًا فإنه أهنأ

стр. 1647

وأمرأ" من حديث صفوان بن أمية، وأشار إلى حديث عائشة بقوله: وفي الباب عن عائشة. (١) قوله ﷺ : "أهنا وأمرأ" هما أفعلا التفضيل من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغًا لا تنغيص فيه، وقيل: الهنيء ما يلذ للأكل، والمريء: ما تحمد عاقبته. ٣٢٧٥ - قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ ومعه عليٌّ، ولنا دوالٍ معلّقة، فجعل رسول الله ﷺ يأكل، وعليٌّ معه، فقال رسول الله ﷺ لعليّ: "مه يا علي! فإنك ناقهٌ". قالت: فجعلت لهم سِلَقًا وشعيرًا، فقال النبي ﷺ : "يا علي من هذا فأصِبْ، فإنه أوفق لك". قلت: رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ثلاثتهم في الطب من حديث أم المنذر بنت قيس، ويقال اسمها: سلمى، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث فليح، ذكر ذلك أبو القاسم الدمشقي. (٢) والدوالي: بسر معلقة فإذا أرطب أكل منه، واحدتها دالية. ومه: اسم مبني على السكون بمعنى أقصر، وناقه: بالنون والقاف المكسورة يقال: "نقه المريض ينقه" فهو ناقه إذا برأ، وكان قريب عهد بالمرض، لم ترجع إليه قوته. ٣٢٧٦ - قال: كان رسول الله ﷺ يعجبه الثُّفْل.

стр. 1648

قلت: رواه الترمذي في الشمائل من حديث أنس بسند جيد، وقال: قال عبد الله وهو الدارمي. (١) الثفل: ما بقي من الطعام، قال في شرح السنة (٢): والضم فيه أفصح، قال ابن الأثير (٣): وهو بالثاء المثلثة والفاء، وقيل: هو الثريد. ٣٢٧٧ - عن رسول الله ﷺ قال: "من أكل في قصعة فلحسها، استغفرتْ له القصعة". (غريب). قلت: رواه الترمذي والدارمي، وابن ماجه ثلاثتهم في الأطعمة من حديث نبيشة الهذلي (٤) مولى رسول الله ﷺ يرفعه، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث المعلى بن راشد، ورواه الإمام أحمد عن عفان عن المعلى عن جدته أم عاصم عن نبيشة الخير. ٣٢٧٨ - قال رسول الله ﷺ : "من بات وفي يده غمر لم يغسله، فأصابه شيءٌ، فلا يلومن إلا نفسه". قلت: رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي كلهم في الأطعمة من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي: حسن غريب. (٥) والغمر: بالتحريك. الدسم والزُّهُومة من اللحم. (٦)

стр. 1649

٣٢٧٩ - قال: كان أحب الطعام إلى رسول الله ﷺ الثريد من الخبز، والثريد من الحَيْس. قلت: رواه أبو داود فيه من حديث ابن عباس، وفي سنده رجل مجهول. (١) والحيس: بفتح الحاء المهملة والياء المثناة من تحت والسين المهملة طعام يتخذ من اللبن والأقط. ٣٢٨٠ - قال رسول الله ﷺ : "كلوا الزيت وادَّهِنوا به، فإنه من شجرة مباركة". قلت: رواه الترمذي في الأطعمة والنسائي في الوليمة كلاهما من حديث أبي أسيد بن ثابت الأنصاري يرفعه (٢)، قال ابن عبد البر (٣): وفي سنده اضطراب، ورواه أيضًا الترمذي وابن ماجه كلاهما في الأطعمة من حديث عمر بن الخطاب يرفعه (٤)، وفي سنده عن عمر اضطراب أيضًا. "وأبو أسيد" قال الدراقطني وابن عبد البر: هو بفتح الهمزة، وقيل بالضم ولا يصح، واسمه عبد الله. ٣٢٨١ - قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ فقال: "أعندك شيء؟ " قلت: لا، إلا خبز يابس وخلّ، فقال: "هاتي، ما أقفر بيت من أُدمٍ فيه خل". (غريب). قلت: رواه الترمذي في الأطعمة من حديث أم هانىء بنت أبي طالب، واسمها فاختة

стр. 1650

وقال: حسن غريب، وأم هانئ ماتت بعد علي بمدة. (١) ٣٣٨٢ - قال: رأيت النبي ﷺ أخذ كسرة من خبز الشعير، فوضع عليها تمرة، فقال: "هذه إدام هذه"، وأكل. قلت: رواه أبو داود في الأيمان والنذور وترجمه: باب من حلف لا يتأدم، والترمذي في الشمائل كلاهما من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام، قال البخاري وآخرون: له صحبة وقال غيرهم: ليست له صحبة، ومنهم من عده فيمن ولد في حياة رسول الله ﷺ ولم يسمع منه، وقد روي أيضًا من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه. (٢) ٣٣٨٣ - قال: مرضت مرضًا، فأتاني النبي ﷺ يعودني، فوضع يده بين ثَدْييّ حتى وجدت بردَها على فؤادي، وقال: "إنك رجل مفؤود، فأت الحارث بن كَلَدَة -أخا ثقيف- فإنه رجل يتطبب، فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة، فليجأهُن بنواهُنّ، ثم ليلُدّك بهنّ". قلت: رواه أبو داود في الطب من حديث مجاهد، وهو ابن جبر عن سعد ابن أبي وقاص قال أبو حاتم: لم يدرك مجاهد سعدًا، إنما يروى عن مصعب بن سعد عن سعد. (٣) وقال أبو زرعة الرازي: مجاهد عن سعد مرسل. و"المفؤود" هو الذي أصيب فؤاده، والفؤاد: القلب.

стр. 1651

"والحارث بن كلدة" قال ابن أبي حاتم (١): لم يصح له إسلام، وهو يدل على أن الاستعانة بأهل الذمة جائزة، فليجأهن: أي يرضهن، ونقل الجوهري (٢) أن الوجيئة: التمر يدق حتى يخرج نواه، ثم يُبَلّ بلبن أو سمن حتى يلزم بعضه بعضًا فيؤكل، وهو فعيلة، واللدود: ما يسقاه الإنسان في أحد جانبي الفم وهو بفتح اللام. ٣٣٨٤ - أن النبي ﷺ كان يأكل الطبيخ بالرطب، ويقول: "يكسر حر هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحرّ هذا". (غريب). قلت: رواه أبو داود في الأطعمة، والترمذي فيه، والنسائي في الوليمة مختصرًا ثلاثتهم من حديث عائشة. (٣) "والطبيخ" رواية أبي داود وهي لغة في البطيخ، وقيل: هو مقلوب البطيخ، وقيل هو الهندي. ٣٣٨٥ - قال: أُتي النبي ﷺ بتمر عتيق، فجعل يفتشه، ويخرج السوس منه. قلت: رواه أبو داود وابن ماجه في الأطعمة من حديث أنس. (٤) ٣٣٨٦ - قال: أتي النبي ﷺ بجبنة في تبوك، فدعا بالسكّين، فسمّى وقطع. قلت: رواه أبو داود والترمذي في الأطعمة من حديث أنس (٥) قال: أتى النبي ﷺ ، .. الشعبي عن ابن عمر، قال أبو حاتم الرازي: الشعبي لم يسمع من ابن عمر، وأخرج

стр. 1652

البخاري ومسلم في صحيحيهما حديث الشعبي عن ابن عمر، وذكر غير واحد أنه سمع من ابن عمر، وقال الشعبي: قاعدت ابن عمر سنتين أو سنة ونصفًا، وفي إسناد حديث ابن عمر في الجبنة: إبراهيم بن عيينة أخو سفيان، قال أبو حاتم الرازي: شيخ يأتي بالمناكير، وسئل أبو داود السجستاني عن إبراهيم بن عيينة وعمران بن عيينة، ومحمد بن عيينة فقال: كلهم صالح وحديثهم قريب من قريب. و"الجبنة" أخص من الجبن وهو المأكول، يقال فيهما بضم الجيم وسكون الباء، وضم الجيم والباء وبتشديد النون وهو أفصح، ويقال فيه أيضًا: بضم الجيم وضم الباء مخففًا. وقال المنذري (١): قيل إنه كان يعمله قوم من الكفار ولا تحل ذبائحهم بالأنافح، وكان من المسلمين من يشاركهم في صنعة الجبن، فأباحه النبي ﷺ على ظاهر الحال، ولم يمتنع من أكله من أجل مشاركة الكفار المسلمين فيه. (٢) ٣٣٨٧ - قال: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفِراء؟ فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه، فهو مما عفا عنه". (غريب). قلت: رواه الترمذي في اللباس وابن ماجه في الأطعمة من حديث سلمان الفارسي، قال الترمذي: غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وعلقه الترمذي أيضًا

стр. 1653

موقوفًا، وقال: والموقوف أصح. (١) والفراء: مهموز مقصور هو: حمار الوحشي، وفي الحديث أنه قال لأبي سفيان "كلّ الصيد في جوف الفراء"، قال ﷺ له ذلك يتألفه على الإسلام، يعني أنت في الصيد كحمار الوحش كلّ الصيد دونه، قال بعض الشارحين: وتفسيره بذلك غلط بل إنما هو جمع الفرو الذي يلبس، وليس هو هنا حمار الوحش. ٣٣٨٨ - قال رسول الله ﷺ : "وددت أن عندي خبزة بيضاء من برة سمراء مُلبّقة بسمن ولبن". فقام رجلٌ من القوم، فاتخذه، فجاء به، فقال: "في أي شيء كان هذا؟ قال: في عُكة ضبّ، قال: ارفعْه". قلت: رواه أبو داود في الأطعمة، وابن ماجه كلاهما من حديث ابن عمر (٢)، وسكت عليه أبو داود، واستدل به على الجمع بين لونين من طعام.

стр. 1654

والخبزة: بضم الخاء المعجمة وسكون الباء الموحدة وبعدها زاي وتاء تأنيث وهي الطُلمة وهو عجين يوضع في المَلّة حتى ينضج، والسمراء: هو البر الشامي، وقيل هي حنطة فيها سوادٌ خفي ويطلق على ذلك بر، وملبقة: أي مخلوطة خلطًا شديدًا وهو بالباء المشددة بعدها القاف. ٣٣٨٩ - قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الثوم إلا مطبوخًا. قلت: رواه أبو داود والترمذي كلاهما في الأطعمة من حديث علي، قال الترمذي: وقد روي هذا عن علي قوله، وليس إسناده بذاك القوي. (١) ٣٣٩٠ - أنها سئلت عن البصل؟ فقالت: إن آخر طعام أكله رسول الله ﷺ : طعام فيه بصل. قلت: رواه أبو داود فيه، والنسائي في الوليمة من حديث عائشة، وفي سند الحديث بقية بن الوليد. (٢) ٣٣٩١ - قالا: دخل علينا رسول الله ﷺ ، فقدّمنا زُبْدًا وتمرًا، وكان يحب الزُبْد والتمر. قلت: رواه أبو داود في الأطعمة، وابن ماجه من حديث ابني بسر السلميين وذكر عن محمد بن عوف أنهما: عبد الله، وعطية. (٣) وبسر: بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة وبعدها راء مهملة.

стр. 1655

٣٣٩٢ - قال: أُتينا بجفنة كثيرة الثريد والوَدْر، فخبطت بيدي في نواحيها، فقال النبي ﷺ "كُل من موضع واحدٍ"، ثم أتينا بطبق فيه ألوان التمر، فجعلت آكل من بين يدي، وجالت يد رسول الله ﷺ في الطبق، فقال: "يا عكراش! كل من حيث شئت فإنه غير لون". (غريب). قلت: رواه الترمذي، وابن ماجه كلاهما في الأطعمة من حديث عكراش ابن ذؤيب، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث العلاء بن الفضل، وقد تفرد بهذا الحديث، انتهى. (١) والعلاء بن الفضل ضعيف، ولم يخرج عن عكراش أحد من أصحاب الكتب الستة غير الترمذي وابن ماجه خرجا له هذا الحديث خاصة. ٣٣٩٣ - قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أخذ أهله الوعك، أمر بالحِساء فصُنع، ثم أمرهم فحسوا منه، وكان يقول: "إنه ليرتو فؤادَ الحزين، ويسرو عن فواد السقيم، كما تسرُو إحداكن الوسخ بالماء عن وجهها". قلت: رواه الترمذي في الطب من حديث عائشة، وقال: حسن صحيح. (٢) والوعك: بفتح العين وسكونها، شدة الحمى، والحساء: قال ابن الأثير (٣): هو بالفتح والمد، طبيخ: يتخذ من دقيق وماء ودهن، وقد يحلى ويكون رقيقًا يحسا، ويرتو: بالراء المهملة والتاء المثناه من فوق أي تشده وتقويه، قوله: "ويسرو عن فؤاد السقيم" قال الزمخشري (٤): السرو: الكشف سَرَوْتُ عن الثوب، وسريتُه ومنه سُري عن فلان.

стр. 1656

٣٣٩٤ - قال رسول الله ﷺ : "العجوة من الجنة، فيها شفاء من السُمّ، والكمأة من المنّ، وماؤها شفاءٌ للعين". قلت: رواه الترمذي في الطب من حديث أبي هريرة، وقال: حسن صحيح غريب (١). باب الضيافة من الصحاح ٣٣٩٥ - قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت". قلت: رواه البخاري في .... (٢) ومسلم في الإيمان من حديث أبي هريرة. (٣) - وفي رواية: بدل الجار: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه". قلت: رواها البخاري من حديث أبي هريرة. (٤) ٣٣٩٦ - أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه: جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاث أيامٍ، فما بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرّجه".

стр. 1657

قلت: رواه البخاري في الأدب وفي الرقائق، ومسلم في الأحكام، وأبو داود في الأطعمة، والترمذي في البرّ، والنسائي في الرقائق مختصرًا، وابن ماجه في الأدب مطولًا كلهم من حديث أبي شريح الكعبي (١)، وروى أبو داود أنه سئل مالك عن قول النبي ﷺ "جائزته يوم وليلة" فقال: يكرمه ويتحفه ويحفظه يوم وليلة وثلاثة أيام ضيافة، انتهى. وفيها للعلماء تأويلان آخران، أحدهما: يعطيه ما يتجوز به ويكفيه في سفره في يوم وليلة يستقبلها بعد ضيافته، والثاني: جائزته يوم وليلة إذا اجتاز به وثلاثة أيام إذا قصده. قوله ﷺ : "ولا يحل له أن يثوي عنده" بفتح الياء المثناة من تحت وبالثاء المثلثة وكسر الواو من ثوى يثوي بالمكان إذا أقام أي: لا يحل له أن يقيم عنده حتى يضيق عليه. ٣٣٩٧ - قال ﷺ : "إن نزلتم بقومٍ،، فأَمَروا لكم بما ينبغي للضَّيْف، فاقبلوا، فإن لم يفعلوا، فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي له". قلت: رواه البخاري في المظالم وفي الأدب، ومسلم في المغازي، وأبو داود في الأطعمة، والترمذي في السير بمعناه وابن ماجه في الأدب كلهم من حديث عقبة بن عامر (٢)، قال الترمذي: ومعنى هذا الحديث أنهم كانوا يخرجون في الغزو فيمرون بقوم ولا يجدون من الطعام ما يشترون بالثمن، فقال النبي ﷺ : "إن أبوا إلا أن تأخذوا كرهًا فخذوا" هكذا جاء في بعض الأحاديث مفسرًا. ٣٣٩٨ - قال: كان رجل من الأنصار يكنى أبا شعيب، وكان له غلام لحّام، فقال: اصنع طعامًا يكفي خمسة لعلّي أدعو النبي ﷺ خامس خمسةٍ، فصنع له طُعيّمًا، ثم أتاه

стр. 1658

فدعاه فتبعهم رجل، فقال النبي ﷺ : "يا أبا شعيب! إن رجلًا تبعنا، فإن شئت أذنت له، وإن شئت تركته". قال: لا، بل أذنت له. قلت: رواه الشيخان في الأطعمة، وذكره البخاري أيضًا في المظالم، والترمذي في النكاح، والنسائي في الوليمة كلهم من حديث أبي مسعود الأنصاري واسمه عقبة بن عمرو. (١) ٣٣٩٩ - قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: "ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ " قالا: الجوع، قال: "أنا، والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، قوموا". فقاموا معه، فأتى رجلًا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحبًا وأهلًا. فقال لها رسول الله ﷺ : "أين فلان؟ " قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله! ما أحَد اليوم أكرم أضيافًا مني، قال فانطلق الرجل، فجاءهم بعِذْق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذه، وأخذ المُدْية، فقال له رسول الله ﷺ : إياك والحلوب"، فذبح لهم، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العِذق، وشربوا، فلما أن شبعوا ورَوُوا، قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: "والذي نفسي بيده، لتُسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم ". قلت: رواه مسلم في الأطعمة من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري. (٢) وفي الحديث بيان ما كان عليه ﷺ هو وأصحابه من التقلل من الدنيا وإيثار ضيق العيش. قوله: من "بيوتكما" هو بضم الباء وكسرها لغتان قرئ بهما في السبع. قوله: "أنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما" شرحه شراح مسلم على أنه ﷺ أصابه الجوع كما أصابهم فخرج كما خرجوا، وهذا هو المتبادر، وعندي أن الأولى

стр. 1659

حمله على غير ذلك وأنه ﷺ أخرجه الذي أخرجهما وهو علمه ﷺ بجوعهما، وهذا هو حقيقة الكلام، وعلى التفسير الأول يحتاج إلى تقدير: "أخرجني مثل الذي أخرجكما". والأصل عدم التقدير، وفي ظني أن هذا مرّبي منقولًا عن بعضهم، وهو ظاهرٌ حسنٌ والله أعلم. والموجود في بعض نسخ صحيح مسلم: "فأنا والذي نفسي بيده" بالفاء، وفي بعضها بالواو، والمصنف رواه بإسقاطهما. قوله: "قوموا" بواو الجمع كذا هو في مسلم، وهو جائز بلا خلاف، لكن هو مجاز على الصحيح، والرجل الأنصاري الذي أتاه النبي ﷺ هو: أبو الهيثم مالك بن التيهان بفتح المثناة وتشديد المثناة من تحت مع كسرها، قولها: "مرحبًا وأهلًا" كلمتان معروفتان للعرب، ومعناه: صادفت رحبًا وسعة وأهلًا تأنس بهم، قولها "ذهب يستعذب لنا الماء" أي يأتينا بماء عذب وهو الطيب، والعذق: بكسر العين المهملة وبالذال المعجمة هو العرجون بما فيه من الشماريخ وبفتح العين هو النخلة نفسها وليس بمراد هنا، والمدية: مثلثة الميم وهي السكين، والحلوب: ذات اللبن، فعول بمعنى مفعولة، وفيه جواز الشبع، والنهي عنه محمول على المداومة عليه. وأما السؤال عن هذا النعيم فالمراد السؤال عن القيام بحق شكره. (١) من الحسان ٣٤٠٠ - سمع النبي ﷺ يقول: "أيما مسلم ضاف قومًا، فأصبح الضيف محرومًا، كان حقًّا على كل مسلم نصره، حتى يأخذ له بقراه من ماله وزرعه".

стр. 1660

قلت: رواه أبو داود في الأطعمة من حديث سعيد بن أبي المهاجر (١)، ويقال سعد بن المهاجر عن المقدام بن معدي كرب يرفعه، وذكر البخاري (٢) أن سعيد بن المهاجر سمع المقدام. قال ابن الأثير (٣): يقال "ضفت الرجل إذا نزلت به في ضيافته" وأضفته "إذا أنزلته" وتضيّفته "إذا نزلت به" وتضيَّفني "إذا أنزلني". - وفي رواية: "أيما رجل ضاف قومًا فلم يقروه، كان له أن يعقبهم بمثل قراه". قلت: رواها أبو داود. (٤) ٣٤٠١ - قال: قلت: يا رسول الله أرأيت إن مررت برجل فلم يَقْرِني، ولم يُضفني، ثم مر بي بعد ذلك، أقريه أم أجزيه؟ قال: "بل أقره". قلت: رواه الترمذي في البرّ من حديث أبي الأحوص الجشمي عن أبيه، وفيه قصة وقال: حسن صحيح، وانتهى. (٥) واسم أبي الأحوص: عوف بن مالك [بن] فضلة ولأبيه صحبة. ٣٤٠٢ - أن رسول الله ﷺ استأذن على سعد بن عبادة، فقال: "السلام عليكم ورحمة الله" فقال سعد: وعليكم السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي ﷺ حتى سلّم ثلاثًا، ورد عليه سعد ثلاثًا، ولم يسمعه، فرجع النبي ﷺ ، فاتبعه سعد فقال: يا

стр. 1661

رسول الله بأبي أنت وأمي، ما سلمت تسليمة إلا هي بأذني، ولقد رددت عليك، ولم أُسمعك، أحببت أن أستكثر من سلامك ومن البركة، ثم دخلوا البيت، فقرب إليه زبيبًا، فأكل نبي الله ﷺ ، فلما فرغ قال: "أكل طعامكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون". قلت: رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس أو غيره بلفظ المصنف، وروى أبو داود في آخر الأطعمة عن مخلد بن خالد عن عبد الرزاق به قصة الطعام والدعاء، ورواه أيضًا في الأدب، والنسائي في اليوم والليلة من حديث محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن قيس بن سعد وهو ابن عبادة، قال: زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا .. فذكر الحديث مطولًا مع زيادة ونقص على حديث أنس. (١) ٣٤٠٣ - عن النبي ﷺ : "مثل المؤمن ومثل الإيمان، كمثل الفرس في آخِيته، يجول ثم يرجع إلى آخيته، فإن المؤمن يسهو، ثم يرجع إلى الإيمان، فأطعموا طعامكم الأتقياء، وأوْلُوا معروفكم المؤمنين". قلت: رواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث أبي سعيد الخدري. (٢) قوله ﷺ : "كمثل الفرس في آخيته" الآخية: بالمد والخاء المعجمة والتشديد: حُبيل أو عُويد يُعرض في الحائط وتدفن طرفاه فيه ويصير وسطه كالعروة وتشد فيها الدابة، ومعنى الحديث: أنه يبعد عن ربه بالذنوب وأصل إيمانه ثابت (٣)، فيقرب بالآخرة إليه بالندم والتوبة ويتلافى تقصيره.

стр. 1662

والمعروف: اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وكلما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المقبحات. ٣٤٠٤ - قال: كان للنبي ﷺ قصعة يحملها أربعة رجالٍ، يقال لها الغَرّاء، فلما أضحوا، وسجدوا الضُّحى أتي بتلك القصعة، يعني: وقد ثُرد فيها فالتفوا عليها، فلما كثروا جثا رسول الله ﷺ ، فقال أعرابي: ما هذه الجلسة؟ فقال النبي ﷺ : "إن الله جعلني عبدًا كريمًا، ولم يجعلني جبارًا عنيدًا"، ثم قال: "كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها، يبارك لكم فيها". قلت: رواه أبو داود، وابن ماجه كلاهما في الأطعمة من حديث عبد الله بن بسر. (١) وبسر: بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة وبعدها راء مهملة. ٣٤٠٥ - أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع؟، قال: "فلعلكم تفترقون؟ " قالوا: نعم، قال: "فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه". قلت: رواه أبو داود وابن ماجه في الأطعمة من حديث: وحشي بن حرب عن أبيه عن جده (٢) وذكر عن الإمام أحمد أنه قال: وحشي بن حرب شامي تابعي لا بأس به، وذكر عن صدقة بن خالد أنه قال: لا يشتغل به ولا بأبيه.

стр. 1663

فصل من الحسان ٣٤٠٦ - أنه أتي النبي ﷺ فقال: ما يحل لنا من الميتة؟ قال: "ما طعامكم؟ " قلنا: نغتبق ونصطبح، قال: "ذاك، وأبي، الجوع، فأحلّ لهم الميتة على هذه الحالة". فسّروا قوله: نغتبق، ونصطبح: أي قدح غدوة وقدح عشيةً. قلت: رواه أبو داود في الأطعمة من حديث الفضل بن دكين عن عقبة بن وهب بن عقبة العامري عن أبيه عن الفُجيع العامري. (١) والتفسير الذي ذكره المصنف نقله أبو داود عن الفضل بن دكين أن عقبة فسره له بذلك، وعقبة بن وهب، قال فيه يحيى بن معين: صالح، وقال علي ابن المديني: قلت لسفيان بن عيينة: عقبة بن وهب، فقال: ما كان ذاك يدري ما هذا الأمر ولا كان من شأنه، يعني الحديث. (٢) والظاهر أن القدح هنا من اللبن بالغداة، والقدح من العشي يمسك الرمق ويقيم النفس ولا يشبع الشبع التام، فأباح لهم ﷺ مع ذلك الميتة. وفيه: ما يدل على أن تناول الميتة مباح إلى أن تأخذ النفس حاجتها من القوت. والفجيع: بضم الفاء وفتح الجيم وسكون الياء آخر الحروف وبعدها عين مهملة.

стр. 1664

ونغتبق: بنون مفتوحة وغين معجمة ومثناة من فوق وموحدة مكسورة أي نشرب بالعشي، قوله ﷺ : "ذاك وأبي الجوع" قال الخطابي (١): هي كلمة جارية على لسان العرب تستعملها في خطابها تريد بها التأكيد، وقد ورد النهي عن الحلف بالآباء، ويحتمل أن يكون هذا ورد قبل النهي. ٣٤٠٧ - أن رجلًا قال: يا رسول الله إنا نكون بالأرض، فتصيبنا بها المخمصة، فمتى تحل لنا الميتة؟ قال: "ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا، أو تحتفؤا بها بقلًا، فشأنكم بها" معناه: إذا لم تجدوا بها صبوحًا أو غبوقًا ولم تجدوا بقلةً تأكلونها، حلت لكم الميتة. قلت: رواه المصنف في "شرح السنة" من حديث أبي عبيد القاسم بن سلام عن محمد بن كثير عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن أبي واقد الليثي به. (٢) وقوله: معناه "إذا لم تجدوا بها صبوحًا"، إلى آخره، هو من كلام البغوي، وهو تفسير صحيح، قاله رادًّا به علي أبي عبيد، فإنه قال: معناه إنما لكم منها يعني الميتة الصبوح وهو الغداء، أو الغبوق وهو العشاء فليس لكم أن تجمعوهما من الميتة، وهذا بعيد. قوله: أو تحتفؤا بها، قال أبو عبيد (٣): بلغني أنه من الحفا بالحاء المهملة مهموز مقصور وهو أصل البردي الأبيض الرطب منه، وهو يؤكل، يقول: ما لم تقتلعوا هذا هو بعينه فتأكلوه، وقيل: صوابه "ما لم تحتفوا بها بقلًا" مخفف الفاء غير مهموز، وكل شيء استؤصل فقد احتفي ومنه إحفاء الشعر، وقال الأصعمي:

стр. 1665

لا أعرفها بالحاء المهملة وأراها بالخاء المعجمة أي تقتلعونه من الأرض وتظهرونه، وقيل هي بالجيم أي تقتلعونه وترمون به من قولهم "جفأت الرجل" إذا ضربت به الأرض. باب الأشربة من الصحاح ٣٤٠٨ - كان رسول الله ﷺ يتنفس في الشرب ثلاثًا، ويقول: "إنه أروأ، وأبرأ، وأمرأ". قلت: رواه مسلم وأبو داود والترمذي ثلاثتهم في الأشربة، والنسائي في الوليمة من حديث أبي عصام عن أنس يرفعه، وأبو عصام لا نعرف اسمه وانفرد به مسلم وليس له في كتابه سوى هذا الحديث. (١) وأروى: هو من الري أي أكثر ريًّا، و "أبرأ وأمرأ" مهموزان أي أبرأ من ألم العطش، وقيل: أسلم من مرض وأذى يحصل بسبب الشرب في نَفَس واحد، ومعنى أمرى: أي أكمل إشباعًا. ٣٤٠٩ - قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشرب مِنْ في السقاء. قلت: رواه الجماعة في الأشربة من حديث ابن عباس، ولم يخرجه مسلم. (٢) ٣٤١٠ - قال: نهى النبي ﷺ عن اختناث الأسقية، يعني: أن تكسر أفواهها، فيشرب منها.

стр. 1666

قلت: رواه الجماعة كلهم في الأشربة من حديث أبي سعيد الخدري يرفعه. (١) و"اختناث الأسقية": هو بخاء معجمة ثم تاء مثناة من فوق ثم نون ثم ألف ثم مثلثة وقد فسره في الحديث، وأصل هذه الكلمة التكسر والإنطواء. واتفقوا على أن هذا النهي نهي تنزيه لا تحريم، ثم قيل سببه أنه لا يأمن أن يكون في السقاء ما يؤذيه، فيدخل في جوفه ولا يدري، وقيل لأنه ينتنه أو لأنه مستقذر، ويدل على أن النهي ليس للتحريم، ما روى الترمذي عن كبشة بنت ثابت وهي أخت حسان بن ثابت، قالت: "دخل علي رسول الله ﷺ فشرب من قربة معلقة قائمًا فقمت إلى فيها فقطعته". قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقطعها لفي القربة: لتصون مواضع إصابة فم رسول الله ﷺ عن الابتذال، وعن أن يمسه كل من أراد القربة، وللتبرك بذلك. (٢) ٣٤١١ - عن النبي ﷺ : أنه نهى أن يشرب الرجل قائمًا. قلت: رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه كلهم هنا ولم يخرجه البخاري (٣)، وفي مسلم قال قتادة: "فقلنا والأكل؟ قال: ذاك أشر وأخبث". قال النووي (٤): الصواب أن النهي محمول على كراهة التنزيه لما سيأتي من حديث ابن عباس وعلي ﵄ وسيأتي ذلك بعد هذا الحديث بحديث واحد. ٣٤١٢ - قال رسول الله ﷺ : "لا يشربن أحد منكم قائمًا، فمن نسي فليستقِىءْ". قلت: رواه مسلم هنا من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري (٥)، قال

стр. 1667

النووي (١): يستحب لمن شرب قائمًا أن يتقيأ لهذا الحديث الصحيح الصريح، فإن ذلك إذا تعذر حمله على الوجوب حمل على الاستحباب، ورد على القاضي عياض في ما قاله من تضعيف الحديث (٢)، ونقله عن أهل العلم لأنه لا خلاف عندهم في أن من شرب قائمًا لا استقاء عليه، قال النووي: ونبه ﷺ أن العامد من باب الأولى. ٣٤١٣ - قال: أتيت النبي ﷺ بدلو من ماء زمزم فشرب وهو قائم. قلت: رواه الشيخان، والترمذي والنسائي وابن ماجه في الحج من حديث ابن عباس. (٣) ٣٤١٤ - أنه صلى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة، حتى حضرت صلاة العصر، ثم أتي بماء، فشرب وغسل وجهه ويديه، وذكر رأسه ورجليه، ثم قام، فشرب فضله وهو قائم، ثم قال: إن ناسًا يكرهون الشرب قائمًا، وإن النبي ﷺ صنع مثل ما صنعت. قلت: رواه البخاري في الشرب قائمًا بهذا اللفظ، وأبو داود في الأشربة مختصرًا والترمذي في الشمائل، والنسائي في الطهارة من حديث النزال ابن سبرة عن علي (٤) وفي بعض روايات الحديث: أن النبي ﷺ صنع مثل ما صنعت، وقال: هذا وضوء من لم يحدث، وهذا يشهد لما قدمناه عن النووي من أن النهي عن الشرب قائمًا نهي تنزيه.

стр. 1668

قال النووي (١): ومن ادعى نسخًا أو غيره فقد غلط غلطًا فاحشًا، وكيف يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع بين الأحاديث لو ثبت التاريخ، وأنى له بذلك، وفعله ﷺ ذلك لبيان الجواز، وليس بمكروه في حقه، بل البيان واجب عليه ﷺ ، وقد بين بالفعل، فكيف يكون مكروهًا بخلاف غيره ﷺ فإنه مكروه في حقه. ٣٤١٥ - أن النبي ﷺ دخل على رجل من الأنصار، ومعه صاحب له، فسلم، فرد الرجل، وهو يحوّل الماء في حائط، فقال النبي ﷺ : "إن كان عندك ماء بات في شنةٍ، وإلا كرعنا"، فقال: عندي ماءٌ بات في شن. فانطلق إلى العريش، فسكب في قدح ماءً، ثم حلب عليه من داجن، فشرب النبي ﷺ ، وشرب الرجل الذي جاء معه. قلت: رواه البخاري في باب شرب اللبن بالماء وفي غيره، من حديث جابر ولم يخرجه مسلم. (٢) والشنّ والشنّة: القربة الخلقة وهي أشد تبريدًا للماء من الجدد، والجمع الشنان (٣)، و"إلا كرعنا" أي شربنا الماء بأفواهنا من غير شرب بإناء ولا بكف، وسمي شرب البهائم كرعًا لأنها تدخل في الماء أكارعها. والعريش: المسقف من البستان بالأغصان. وأكثر ما يكون في الكرم. ٣٤١٦ - أن رسول الله ﷺ قال: "الذي يشرب في إناء الفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم". قلت: رواه البخاري في الأشربة، ومسلم في اللباس، والنسائي في الوليمة وابن ماجه في الأشربة كلهم من حديث أم سلمة ترفعه. (٤)

стр. 1669

و "يجرجر": بضم الياء المثناة من تحت، قال النووي (١): أتفق أهل اللغة وغيرهم على كسر الجيم الثانية، واختلفوا في راء النار في هذا الحديث، فنقلوا فيها النصب والرفع، وهما مشهوران في الرواية، والنصب هو الصحيح، ويؤيده رواية "يجرجر نارًا من جهنم" وعلى هذا الفاعل هو الشارب مضمر في يجرجر أي يلقيها في بطنه يجرع متتابعة، يسمع له جرجرة، وهو الصوت، لتردده في الحلق. وعلى الرفع تكون النار فاعله، ومعناه: تصوت النار في بطنه، والجرجرة: هي التصويت، وسمي المشروب "نارًا" لأنه يؤول إليها، وجهنم لا تنصرف للعلمية والعجمة. - وفي رواية: "إن الذي يأكل ويشرب في آنية الفضة والذهب .. ". قلت: رواها مسلم في الأطعمة أيضًا من حديث أم سلمة، ولم يذكر البخاري في حديث أم سلمة الأكل ولا ذكر الذهب. (٢) ٣٤١٧ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تلبسوا الحرير، ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا، وهي لكم في الآخرة". قلت: رواه الجماعة: الشيخان في الأطعمة، وأبو داود والترمذي وابن ماجه مقتصرًا على ذكر الذهب والفضة، ثلاثتهم في الأشربة، والنسائي في الزينة من حديث حذيفة. (٣) والديباج: هو الثياب المتخذة من الأبر يسم فارسي معرب، وقد تفتح داله وتجمع على ديابج.

стр. 1670

٣٤١٨ - قال: حُلبت لرسول الله ﷺ شاة داجن، وشيب لبنها بماء من البئر التي في دار أنس، فأعطي رسول الله ﷺ القدح فشرب، وعلى يساره أبو بكر وعن يمينه أعرابي، فقال عمر: أعط أبا بكر يا رسول الله! فأعطى الأعرابي الذي على يمينه، ثم قال: "الأيمن فالأيمن". قلت: رواه مالك والجماعة إلا النسائي، كلهم في الأشربة من حديث أنس. (١) والداجن: بكسر الجيم هي التي تعلف في البيوت، وتطلق الداجن أيضًا على كل ما يألف البيت من طير وغيره، وشيب: بشين معجمة مكسورة ومثناة من تحت ساكنة، وموحدة أي خلط. قوله ﷺ : "الأيمن فالأيمن" يحتمل النصب على إضمار ناول الأيمن، والرفع على الابتداء أي الأيمن أولى، قاله في شرح السنة (٢)، والرواية التي ذكرها المصنف بعد هذا تؤيد الرفع وهي قوله ﷺ : "الأيمنون الأيمنون". - وفي رواية: "الأيمنون، الأيمنون، أَلا فيمنوا". قلت: رواها البخاري في الهبة (٣) من حديث أنس أيضًا. والتيمن: الابتداء في الأفعال باليد اليمنى، والرجل اليمنى، والجانب الأيمن. ٣٤١٩ - قال: أُتي النبي ﷺ بقدح، فشرب منه، وعلى يمينه غلامٌ أصغر القوم والأشياخ عن يساره، فقال: يا غلام أتأذن أن أعطيه الأشياخ؟ فقال: ما كنت لأوثر بفضلٍ منك أحدًا يا رسول الله! فأعطاه إياه.

стр. 1671

قلت: رواه البخاري في الشرب، ومسلم في الأشربة من حديث سهل بن سعد الساعدي (١)، وقد جاء في مسند أبي بكر بن أبي شيبة أن هذا الغلام هو: عبد الله بن عباس، ومن الأشياخ خالد بن الوليد ﵃. (٢) وإنما استأذن الشاب في هذا الحديث ولم يستأذن الأعرابي في حديث أنس المتقدم إدلالًا على الغلام، وثقة بإيمانه بخلاف الأعرابي فإنه ربما يخشى عليه الفتنة إذا قيل له ذلك، قال النووي (٣): وقد نص أصحابنا وغيرهم من العلماء على أنه لا يؤثر بالقرب. وإنما الإيثار المحمود ما كان من حظوظ النفوس دون الطاعات قالوا: فيكره أن يؤثر غيره بموضعه من الصف الأول، وكذا نظائره. ٣٤٢٠ - عن النبي ﷺ قال: "ساقي القوم آخرهم -يعني- شربًا". قلت: رواه مسلم في الصلاة في حديث الميضأة وهو حديث طويل ورواه الترمذي وابن ماجه كلاهما مختصرًا في الأشربة كما رواه المصنف وكذلك النسائي في الوليمة ولم يخرج البخاري هذا الحديث، وقد ذكره المصنف أطول من هذا في المعجزات في أواخر المصابيح. (٤) من الحسان ٣٤٢١ - قال: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام.

стр. 1672

قلت: رواه الترمذي في الأشربة، وابن ماجه في الأطعمة كلاهما من حديث ابن عمر بن الخطاب وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. (١) ٣٤٢٢ - قال: رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائمًا وقاعدًا. قلت: رواه الترمذي في الأشربة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقال: حسن. (٢) ٣٤٢٣ - قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتنفس في الإناء، أو ينفخ فيه. قلت: رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه هنا من حديث ابن عباس، وقد أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي النهي عن التنفس في الإناء من حديث أبي قتادة، وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه أن رسول الله ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثًا من حديث أنس والجمع بينهما بيّن، والله أعلم. (٣) ٣٤٢٤ - قال رسول الله ﷺ : "لا تشربوا واحدًا كشُرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسَمّوا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم رفعتم".

стр. 1673

قلت: رواه الترمذي هنا من حديث ابن عطاء بن أبي رباح عن أبيه عن ابن عباس يرفعه، وقال: غريب، انتهى. وابن عطاء لم يسم. (١) ٣٤٢٥ - أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة أراها في الإناء؟ قال: "أهرقها". قال: فإني لا أروى من نفسٍ واحدٍ؟ قال: "فأَين القدح عن فيك، ثم تنفّس". قلت: رواه مالك في الموطأ، والترمذي من طريقه كلاهما في الأشربة من حديث أبي سعيد الخدري، وقال الترمذي: حسن صحيح. (٢) ٣٤٢٦ - قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الشرب من ثُلمة القدَح، وأن يُنفخ في الشراب". (صح). قلت: رواه أبو داود هنا من حديث أبي سعيد الخدري وفي إسناده قرة بن عبد الرحمن بن حيويل المصري أخرج له مسلم مقرونًا بعمرو بن الحارث وغيره، وقال أحمد: منكر الحديث جدًّا، وقال يحيى بن معين: ضعيف. (٣) وثلمة القدح: موضع الكسر منه وهو بالثاء المثلثة. ٣٤٢٧ - قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ فشرب من في قِربة معلقة، قائمًا، فقمت إلى فيها فقطعته". (صحيح).

стр. 1674

قلت: رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما هنا من حديث كبشة، ويقال كبيشة بنت ثابت الأنصارية، وليس لها في الكتب الستة غير هذا الحديث، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. (١) ٣٤٢٨ - قالت: كان أحبّ الشراب إلى رسول الله ﷺ : الحُلْو البارد. قلت: رواه الترمذي هنا، وقال: الصحيح أنه عن الزهري عن النبي ﷺ مرسل. (٢) ٣٤٢٩ - قال رسول الله ﷺ : "إذا أكل أحدكم طعامًا، فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرًا منه، وإذا سُقي لبنًا، فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه، فإنه ليس شيء يجزىء من الطعام والشراب إلا اللبن". قلت: رواه أبو داود والترمذي هنا من حديث عمر بن حرملة عن ابن عباس وقال الترمذي: حسن. (٣) قوله ﷺ : "فإنه ليس شيء يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن".

стр. 1675

قال الخطابي (١): هذا لفظ مسدد وهو الذي روى عنه أبو داود هذا الحديث، وظاهر اللفظ يوهم أنه من تتمة الحديث وليس كذلك. ٣٤٣٠ - قالت: كان النبي ﷺ يُستعذب له الماء من السُّقيا. قيل: هي عين، بينها وبين المدينة يومان. قلت: رواه أبو داود وبه ختم كتاب الأشربة من حديث عائشة (٢)، وقول المصنف: قيل: هي عين إلى آخره من كلام قتيبة كما صرح به أبو داود، ومعنى يستعذب: أي يحضر له الماء العذب، وهو الطيب الذي لا ملوحة فيه، والسقيا مقصورة وهي بضم السين المهملة وسكون القاف وبعدها ياء آخر الحروف وألف. باب النقيع والأنبذة من الصحاح ٣٤٣١ - لقد سَقيت رسولَ الله ﷺ بَقَدحي هذا الشراب كله: العسل، والنبيذ، والماء، واللبن. قلت: رواه مسلم في الأشربة من حديث أنس، ولم يخرجه البخاري (٣)، وخرج عن عاصم الأحول قال: "رأيت قدح النبي ﷺ عند أنس بن مالك وكان قد انصدع فسلسله بفضة، وهو قدح جيد عريض من نضار، قال: قال أنس: لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا.

стр. 1676

قال في المشارق (١): من نضار: بضم النون وبالضاد المعجمة أي من خشب جيد، والنضار: الخالص من كل شيء، يقال: قدحٌ نضارٌ على الصفة، وقدحُ نضارٍ على الإضافة، والنضار: الأثل. ٣٤٣٢ - كنا ننبذ لرسول الله ﷺ في سقاء يوكأ أعلاه، وله عَزْلاء، ننبذه غدوة، فيشربه عشاءً، وننبذه عشاءً، فيشربه غدوة. قلت: رواه مسلم في الأشربة من حديث عائشة، ولم يخرجه البخاري. (٢) ويوكأ أعلاه: أي يشد، من الإيكاء: وهو الشد، والوكاء الشداد، قوله: وله عزلاء: هو بفتح العين المهملة وبالزاي المعجمة على وزن فعلاء، قال ابن الأثير (٣) العزلاء: فم المزادة الأسفل، والجمع: العزائل وأصله العزالي، انتهى. قال بعضهم: جمع العزلاء: العزالي بفتح اللام وكسرها مثل صحارى وصحاري بالكسر والفتح. ٣٤٣٣ - قال: كان رسول الله ﷺ ينبذ له أول الليل، فيشربه إذا أصبح يومه ذلك، والليلة التي تجيء، والغد، والليلة الأخرى، والغد إلى العصر، فإن بقي شيءٌ سقاه الخادم، أو أمر به فصُب. قلت: رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه كلهم في الأشربة من حديث ابن عباس ولم يخرجه البخاري (٤)، قال أبو داود: ومعنى "سقاه الخادم": يبادر به الفساد. ٣٤٣٤ - قال: كان ينبذ لرسول الله ﷺ في سقاءٍ، فإذا لم يجدوا له سقاءً، نبذ له في تورٍ من حجارة.

стр. 1677

قلت: رواه مسلم فيه من حديث جابر، ولم يخرجه البخاري. (١) والتور: بفتح التاء المثناة من فوق هو إناء من صفر أو حجارة ونحوهما كالإجانة. ٣٤٣٥ - أن رسول الله ﷺ نهى عن الدباء، والحنتم، والمزفّت، والنقير، وأمر أن ينبذ في أسقية الأدم. قلت: رواه مسلم من حديث عمر بن الخطاب ولم يخرجه البخاري (٢). والدباء: بضم الدال المهملة وتشديد الموحدة ممدود هو القرع، واحدها دباءة كانوا ينبذون فيه فيسرع الشدة في الشراب، والحنتم: بحاء مهملة مفتوحة، ونون ساكنة ومثناة من فوق وميم، جرارٌ مدهونة خضر، كانت يحمل الخمر فيها إلى المدينة ثم اتسع فيها فقيل للخزف كله حنتم، واحدتها حنتمة، وإنما نهي عنها لأنها تسرع الشدة فيها، وقيل: لأنها كانت تعمل من طين يعجن بالدم والشعير، فنهي عنها ليمتنع من عملها، والأول أوجه، والمزفت: بضم الميم وبالزاي المعجمة والفاء المثناة هو ما يطلى بالزفت وهو نوع من القار، والنقير: هو أصل النخلة ينقر وسطها ثم ينبذ فيه التمر ويلقى عليه الماء ليصير نبيذًا مسكرًا، والنهي واقع على ما يعمل فيه، لا على اتخاذ النقير فيكون على حذف مضاف تقديره: عن نبذ النقير، وتحريم الانتباذ في هذه الظروف كان في صدر الإسلام ثم نسخ، وأبيح لهم الانتباذ في كل وعاء بشرط أن لا يشربوا مسكرًا، وقد ذكر المصنف الناسخ لذلك بعد هذا الحديث إشارة إلى أن هذا منسوخ، وهكذا صنيعه يقدم المنسوخ على الناسخ. ٣٤٣٦ - أن رسول الله ﷺ قال: "نهيتكم عن الظروف، فإن ظرفًا لا يحل شيئًا ولا يحرمه، وكل مسكر حرام".

стр. 1678

قلت: رواه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه في الأشربة من حديث بريدة يرفعه، ولم يخرجه البخاري. (١) - وفي رواية قال: "نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاء، غير أن لا تشربوا مسكرًا". قلت: رواها مسلم فيه من حديث بريدة، ولم يخرجها البخاري. (٢) والأدم: بفتح الهمزة والدال جمع الأديم، وهو الجلد. من الحسان ٣٤٣٧ - سمع رسول الله ﷺ يقول: "ليشربن ناسٌ من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها". قلت: رواه أبو داود وابن ماجه من حديث أبي مالك الأشعري وفي إسناده: حاتم بن حريث الطائي الحمصي، سئل عنه أبو حاتم الرازي؟ فقال: شيخ، وقال يحيى بن معين: لا أعرفه. (٣)

стр. 1679

باب تغطية الأواني وغيرها من الصحاح ٣٤٣٨ - قال رسول الله ﷺ : "إذا كان جُنح الليل، أو أمسيتم، فكُفّوا صبيانكم، فإن الشيطان ينتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من الليل، فخلوهم، وأغلقوا الأبواب، واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا، وأوكوا قربكم واذكروا اسم الله، وخمّروا آنيتكم، واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا عليه شيئًا، وأطفئوا مصابيحكم". قلت: رواه الشيخان بهذا اللفظ في الأشربة، وأبو داود فيه، والنسائي في اليوم والليلة كلهم من حديث عطاء بن أبي رباح عن جابر يرفعه. (١) و"جنح الليل" قال الجوهري (٢): جُنْح الليل وجِنْحُه: يعني بالضم والكسر طائفة منه، وقال في شرح السنة (٣): هو أول ما يظلم، قوله ﷺ : "ولو أن تعرضوا عليه شيئًا" قال النووي (٤): المشهور في ضبطه فتح التاء وضم الراء، وهكذا قال الأصمعي والجمهور، ورواه أبو عبيد بكسر الراء، والصحيح الأول، ومعناه: تمده عليه عرضًا، وهذا عند عدم ما يغطيه به.

стр. 1680

٣٤٣٩ - في رواية: "خمّروا الآنية، وأوكوا الأسْقية، وأجيفوا الأبواب، وأكفتوا صبيانكم عند المساء، فإن للجن انتشارًا وخِطفة، وأطفِئُوا المصابيح عند الرُّقاد، فإن الفويسقة ربما اجترت الفتيلة، فأحرفت أهل البيت". قلت: رواها البخاري فيه من حديث جابر. (١) وأجيفوا الأبواب: بهمزة القطع وجيم وياء آخر الحروف وفاء من أجفت الباب إذا رددته، وأكفتوا: بكسر الفاء من كفت الشيء أكفته كفتًا إذا ضممته، وأطفئوا المصابيح: همزته همزة قطع، والفويسقة: الفأرة تصغير فاسقة لخروجها من جحرها على الناس وإفسادها. ٣٤٤٠ - وفي رواية: "غطُّوا الأناء، وأوكوا السقاء، وأغلقوا الباب، وأطفئوا السراج، فإن الشيطان لا يُحلّ سقاءً، ولا يفتح بابًا، ولا يكشف إناء، فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عودًا، ويذكر اسم الله عليه، فليفعل، فإن الفويسقة تُضرم على أهل البيت بيتهم". قلت: رواها مسلم، وابن ماجه كلاهما في الأشربة من حديث الليث عن أبي الزبير عن جابر. (٢) وتضرم: أي تحرق سريعًا وهو بضم التاء وإسكان الضاد المعجمة. ٣٤٤١ - قال ﷺ : "لا ترسلوا فَواشِيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس، حتى تذهب فحمة العشاء، فإن الشيطان يُبعث إذا غابت الشمس، حتى تذهب فحمة العشاء". قلت: رواه مسلم من حديث زهر عن أبي الزبير عن جابر (٣)، قوله: "لا ترسلوا فواشيكم" قال أهل اللغة (٤): الفواشي كل شيء منتشر من المال والإبل والغنم وسائر

стр. 1681

البهائم وغيرها، وهو جمع فاشية لأنها تفشوا أي تنتشر في الأرض، و "فحمة العشاء": ظلمتها وسوادها، وفسرها بعضهم هنا بإقباله وأول ظلامه، قال: ويقال للظلمة التي بين صلاتي المغرب والعشاء الفحمة والتي بين العشاء والفجر العسعسة. ٣٤٤٢ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "غطوا الإناء، وأوكُوا السقاء، فإن في السنة ليلة، ينزل فيها وباءٌ، لا يمر بإناء ليس عليه غطاءٌ، أو سقاءٌ ليس عليه وكاءٌ، إلا نزل فيه من ذلك الوباء". قلت: رواه مسلم في الأشربة من حديث القعقاع بن حكيم عن جابر يرفعه (١)، قال الليث: فالأعاجم عندنا يتّقون ذلك في كانون الأول. والوباء: تمد وتقصر لغتان، قال الجوهري (٢) وغيره: والقصر أشهر، وهو مرض عام يفضي إلى الموت غالبًا، وكانون: غير مصروف للعلمية والعجمة، وهو الشهر المعروف. ٣٤٤٣ - قال: جاء أبو حميد -رجلٌ من الأنصار- من النقيع بإناءٍ من لبن إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "ألا خمّرته؟ ولو أن تعرض عليه عودًا". قلت: رواه الشيخان في الأشربة من حديث الأعمش عن أبي صالح ذكوان وأبي سفيان عن جابر. (٣) ٣٤٤٤ - عن النبي ﷺ قال: "لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون". قلت: رواه البخاري في الاستئذان ومسلم في الأشربة، وأبو داود وابن ماجه كلاهما في الأدب، والترمذي في الأطعمة كلهم من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب. (٤).

стр. 1682

٣٤٤٥ - وقال رسول الله ﷺ : "إن هذه النار إنما هي عدو لكم، فإذا نمتم فأطْفئوها عنكم". قلت: رواه الشيخان في الاستئذان، وابن ماجه في الأدب كلهم من حديث أبي موسى الأشعري يرفعه. (١) من الحسان ٣٤٤٦ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم نباح الكلاب، ونهيق الحمار من الليل، فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم، فإنهن يَرَيْن ما لا ترون، وأقِلّوا الخروج إذا هدأت الأرجل، فإن الله يبث من خلقه في ليله ما يشاء، وأجيفوا الأبواب، واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابًا إذا أجيف وذكر اسم الله عليه، وغطّوا الجرار، وأكْفِئوا الآنية، وأوكوا القِرَب". قلت: روى أبو داود القطعة الأولى منه إلى قوله: "وأجيفوا الأبواب" من حديث جابر بسند لا تقوم به حجة (٢)، ورواه المصنف بتمامه في شرح السنة (٣) بسند فيه محمد بن إسحاق، وقال فيه: حسن صحيح، قال الكسائي: يقال كفأت الإناء، إذا كببته، وأكفأته وكفأته أيضًا إذا أملته لتفرغ ما فيه، والمراد به هنا قلب الآنية كيلا يدبّ عليها شيء أو تتنجس. (٤)

стр. 1683

٣٤٤٧ - قال: جاءت فأرة تجر الفتيلة، فألقتها بين يديْ رسول الله ﷺ على الخُمرة التي كان عليها قاعدًا، فأحرقت منها مثل موضع الدرهم، فقال: "إذا نمتم فأطفئوا سُرُجكم، فإن الشيطان يدل مثل هذه على هذا فيحرقكم". قلت: رواه أبو داود في الأدب فقال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن التمار قال حدثنا عمرو بن طلحة قال حدثنا أسباط عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس به. (١) قال المنذري (٢): وفي سنده عمرو بن طلحة وقع فيه تصحيف -وهي طبقته- فلا يحتج بحديثه، انتهى كلامه. قلت: وهذا عجب من الحافظ المنذري لأن عمرو بن طلحة هذا هو عمرو ابن حماد بن طلحة، ينسب إلى جده تارة، وإلى أبيه أخرى، كما نبه عليه المزي في التهذيب (٣)، فلما نسبه أبو داود إلى جده، ظن الحافظ المنذري أنه منسوب إلى أبيه فلم يره في الأسماء، ويتعجب منه أيضًا في كونه توهم أنه تصحف بعمر بن طلحة، فإن عمر بن طلحة ليس من رجال أبي داود، وأعجب من ذلك كونه ظن أن عمر بن طلحة في هذه الطبقة، وهذا ليس بصحيح لأن عمر تابعي، وهذا الرجل توفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين، وهو من شيوخ مسلم روى عنه حديثًا واحدًا، ورجال هذا الحديث رجال مسلم. والخمرة: بضم الخاء المعجمة وبالميم ثم الراء المهملة، قال ابن الأثير (٤): هي بمقدار ما يضع الرجل عليه وجهه في سجوده، من حصير أو نسيجة خوص ونحوه، من النبات،

стр. 1684

ولا تكون خمرة إلا في هذا القدر، وسميت خمرة لأن خيوطها مستورة بسعفها ثم ذكر حديث ابن عباس هذا، وقال: هذا صريح في إطلاق الخمرة على الكبير من نوعها.

стр. 1685

كَشْفُ المنَاهِجِ وَالتَّنَاقِيحِ في تَخْريِجِ أحَادِيثِ المَصَابِيحِ تَأليفُ صَدْر الدَّينِ مُحَمَّد بْنِ إبْرَاهِيم السُّلَمِيّ المُنَاوِيّ (ت: ٨٠٣ هـ) قَدَّم له سَمَاحَة الشيخ/ صالح بن محمَّد اللحيْدان رئيس مجلس القضاء الأعلى وعضو هيئة كبار العلماء دِرَاسَة وتحقيق د. مُحمَّد إِسْحَاق مُحَمَّد إبْرَاهِيم جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية المُجَلّد الرابع الدار العربية للموسوعات
следующие страницы →