قلت: رواه أبو داود في حديث طويل في اللباس (١) عن هرون بن عبد الله الحمال عن أبي عامر -عبد الملك بن عمرو-، عن هشام بن سعد، عن قيس بن بشر التغلبي قال: أخبرني أبي، وكان جليسًا لأبي الدرداء، قال: وإن بدمشق رجل من أصحاب النبي ﷺ يقال له ابن الحنظلية، وكان رجلًا متوحّدًا، قلّما يجالس الناس، إنما هو صلاة، فإذا فرغ، فإنما هو تسبيح، وتكبير، حتى يأتي أهله، فمرّ بنا ونحن عند أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، فقدمت فجاء رجل منهم فجلس في المجلس الذي يجلس فيه رسول الله ﷺ فقال لرجل إلى جنبه: لو رأيتنا حين التقينا نحن والعدو فحمل فلان فطعن فقال: خذها مني وأنا الغلام الغفاري، كيف ترى في قوله؟ , قال ما أراه إلا قد بطل أجره، فسمع بذلك آخر فقال: ما أرى بذلك بأسًا، فتنازعا، حتى سمع رسول الله ﷺ ، فقال: "سبحان الله! لا بأس أن يؤجر ويحمد" فرأيت أبا الدرداء سُرّ بذلك، وجعل يرفع رأسه إليه ويقول: أنت سمعت ذلك من رسول الله ﷺ ؟ فيقول: نعم، فما زال يعيد عليه حتى أني لأقول: ليبركنّ على ركبتيه، قال: فمر بنا يومًا آخر، فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك، قال: قال لنا رسول الله ﷺ : المنفق على الخيل كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها"، ثم مر بنا يومًا آخر، فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك، قال: قال رسول الله ﷺ : "نعم الرجل خُريم الأسدي لولا طول جُمّته وإسبال إزاره"، فبلغ ذلك خريمًا فعجل فأخذه شفرة فقطع بها جمته إلى أذنيه، ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه، ثم مر بنا يومًا آخر، فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم، وأصلحوا
стр. 1752
لباسكم، حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس، فإن الله لا يحب الفُحْش ولا التفحش" وفي رواية: "حتى تكونوا كالشامة في الناس". (١)
وإبن الحنظلية (٢): هو سهل بن الربيع بن عمرو، ويقال له: سهل بن عمرو، أنصاري، حارثي سكن الشام، والحنظلية: أمه، وقيل: هي أم جده، وهي من بني حنظلة من تميم، وخريم: بضم الخاء المعجمة وفتح الراء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها ميم. (٣) فيه: هشام بن سعد.
٣٥٨٠ - كانت لي ذؤابة، فقالت لي أمي: لا أجزها، كان رسول الله ﷺ يمدها ويأخذ بها.
قلت: رواه أبو داود في الترجل عن محمَّد بن العلاء عن زيد بن الحباب عن ميمون بن عبد الله عن ثابت البناني عن أنس، وترجم عليه أبو داود، باب في الرخصة في الذؤابة (٤)، وفي سنده ميمون بن عبد الله، وهو لا يعرف، قاله المنذري. (٥)
٣٥٨١ - أن النبي ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثًا، ثم أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم"، ثم قال: "ادعوا لي بني أخي" فجيء بنا كأننا أفراخ، فقال: "ادعوا لي العلائي"، فأمره فحلق رؤوسنا.
قلت: رواه أبو داود في كتاب الترجل في باب حلق الرأس، والنسائي في الزنية وفي المناقب من حديث الحسن بن سعد عن عبيد الله بن جعفر. (٦)
стр. 1753
٣٥٨٢ - قالت: "إن امرأة كانت تختن بالمدينة، فقال لها النبي ﷺ : "لا تنهكي، فإن ذلك أحظى للمرأة، وأحب إلى البعل".
قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث أم عطية واسمها نسيبة. (١)
وتنهكي: قال الخطابي معناه: لا تبالغي في الخفض، والنهك: المبالغة في الضرب والقطع والشتم وغير ذلك، وقد نهكته الحمى إذا بلغت منه وأضرت.
٣٥٨٣ - أن امرأة سألت عائشة ﵂ عن خضاب الحِنّاء؟ فقالت: لا بأس به، ولكني أكرهه، كان حبيبي ﵇ يكره ريحه.
قلت: رواه أبو داود في الترجل عن القواريري عن يحيى بن سعيد عن علي بن المبارك قال حدثتني كريمة بنت همام أن امرأة أتت عائشة فسألتها عن خضاب الحناء بنحوه.
ورواه النسائي في الزينة عن إبراهيم بن يعقوب عن أبي زيد سعد ابن الربيع عن علي بن المبارك قال سمعت كريمة نحوه (٢)، قال المنذري وقد وقع لنا هذا الحديث وفيه: وليس عليكن أخواتي أن تختضبن. (٣)
٣٥٨٤ - أن هندًا بنت عتبة قالت: يا نبي الله بايعني؟ فقال: لا أبايعك حتى تغيري كفيك، وكأنهما كفا سبع.
قلت: رواه أبو داود في باب الترجل من حديث عائشة وسكت عليه. (٤)
стр. 1754
٣٥٨٥ - قالت: أومأت امرأة من وراء ستر، بيدها كتاب إلى رسول الله ﷺ فقبض النبي ﷺ يده! فقال: ما أدري أيد رجل؟ أم يد امرأة؟ قالت: بل امرأة قال: "لو كنت امرأة لغيرت أظفارك" يعني: بالحناء.
قلت: "رواه أبو داود في الترجل والنسائي في الزينة كلاهما من حديث عائشة وسكت عليه أبو داود. (١)
قال بعضهم: خضاب اليد مندوب إليه للنساء ليكون فرقًا بين أكفهن وأكف الرجال، وهو حرام على الرجال من غير عذر، ومن فعل ذلك كان متشبهًا بالنساء فهو داخل في الوعيد الوارد في المتشبهين.
٣٥٨٦ - قال: "لعنت الواصلة والمستوصلة، والنامصة والمتنمصة، والواشمة والمستوشمة من غير داءٍ".
قلت: رواه أبو داود في الترجل من حديث ابن عباس وسكت عليه (٢) وقال -أعني أبا داود-: وتفسير الواصلة: التي تصل الشعر بشعر النساء، والمستوصلة المعمول بها، والنامصة: التي تنقش الحاجب حتى ترقّه، والمتنمصة المعمول بها، والواشمة: التي تجعل الخيلان في وجهها بكحل أو مداد، والمستوشمة المعمول بها.
قال أبو داود: وإن أحمد يقول القرامل ليس به بأس، والقرامل: ضفائر من حرير أو صوف أو غير ذلك، تصل به المرأة شعرها، رخص فيه أهل العلم لأن الغرور لا يقع بها لأن من نظر إليها لا يشك في أن ذلك مستعار. (٣)
стр. 1755
٣٥٨٧ - لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لِبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل.
قلت: رواه أبو داود في اللباس والنسائي في الزينة كلاهما من حديث أبي هريرة يرفعه، وسكت عليه أبو داود. (١)
٣٥٨٨ - قيل لها: ان امرأة تلبس النعل! فقالت: لعن رسول الله ﷺ الرَّجُلة من النساء.
قلت: رواه أبو داود من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة وهو عبد الله ابن عبيد الله بن أبي مليكة قال: قيل لعائشة وساقه، وسكت عليه أبو داود (٢)، والرجلة: يعني المترجلة يقال امرأة رجلة إذا تشبهت بالرجال في زيهم وهيئتهم، فأما في العلم والرأي فمحمود، ومنه أن عائشة ﵂ كانت رَجُلة الرأي.
٣٥٨٩ - كان رسول الله ﷺ إذا سافر، كان آخر عهده بإنسان من أهله فاطمة، ﵂، وأول من يدخل عليها فاطمة، فقدم من غزاةٍ وقد علقت مِسْحًا أو سترًا على بابها، وحلّت الحسن والحسين قُلْبين من فضة، فقدم، فلم يدخل، فظنت أن ما منعه أن يدخل ما رأى، فهتكت الستر، وفكّت القلبين عن الصبيين، وقطعته منهما، فانطلقا إلى رسول الله ﷺ يبكيان، فأخذه منهما، فقال: "يا ثوبان، اذهب بهذا إلى آل فلان، إنّ هؤلاء أهلي، أكره أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، يا ثوبان اشتر لفاطمة قلادةً من عَصْب وسوارين من عاج".
قلت: رواه أبو داود في الترجل (٣) من حديث حميد الشامي عن سليمان المنبهي عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، قال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحيى بن معين: حميد الشامي الذي يروي حديث ثوبان عن سليمان المنبهي؟، فقال: ما أعرفهما، وسئل الإِمام أحمد عن حميد الشامي هذا من هو؟ قال: لا أعرفه، وقال ابن عدي:
стр. 1756
أنكر عليه حديثه عن سليمان المنبهي، قال: ولا أعلم له غيره، قال الذهبي: ولا أخرج له أبو داود سواه. (١)
والمسح: بكسر الميم وسكون السين المهملة هو البلاس، وأهل المدينة يسمون المسح بلاسًا، وهو فارسي معرب، والقلب: بالقاف المضمومة السوار، وقيل هو الخلخال، قوله: "فأخذه منهما" أي أخذه منهما رأفة ورقة، والعصب: قال بعضهم هو بسكون الصاد المهملة سن دابة بحرية تسمى فرس فرعون، يتخذ منه الخرز، ويكون أبيض ويتخذ منه أيضًا نصاب السكين، وقال الخطابي (٢): العصب إن لم يكن الثياب اليمانية فلست أدري ما هي، وما القلادة يكون منه، وقال غيره: يحتمل أن تكون الرواية العصَب بفتح الصاد وهو أطناب مفاصل الحيوانات، وهو شيء مدوّر، ويحتمل أنهم كانوا يأخذون عصب بعض الحيوانات ويقطعونه ثم يجعلونه شبه الخرز، إذا يبس فيتخذون منه القلائد. (٣)
قوله: "من عاج" قال ابن الأثير (٤): العاج: الذَّبْل، وقيل: شيء يتخذ من ظهر السلحفاة البحرية، فأما العاج الذي هو عظم الفيل فنجس عند الشافعي، طاهر عند أبي حنيفة.
٣٥٩٠ - أن النبي ﷺ قال: "اكتحلوا بالإثمد فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر، وزعم أن النبي ﷺ كانت له مكحلة يكتحل بها كل ليلة ثلاثة في هذه، وثلاثة في هذه.
قلت: رواه الترمذي في اللباس من حديث عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس وعلي بن حجر ومحمد بن يحيى بن يزيد بن هارون عن عباد نحوه، وقال: حسن لا
стр. 1757
نعرفه على هذا اللفظ إلا من حديث عباد، وفي الشمائل عن عبد الله بن الصباح الهاشمي عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن عبادة نحوه (١)، ورواه ابن ماجه في الطب عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن عكرمة بمعناه (٢)، "كان للنبي ﷺ مكحلة يكتحل بها ثلاثًا في كل عين"، وعباد بن منصور نقل الذهبي تضعيفه.
والإثمد: بكسر الهمزة والميم وبينهما ثاء مثلثة وآخره قال مهملة وهو حجر يكتحل به، والمراد بالشعر شعر الأهداب.
٣٥٩١ - كان النبي ﷺ يكتحل قبل أن ينام بالإثمد ثلاثًا في كل عين.
قلت: رواه الترمذي في اللباس أيضًا من حديث عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس وقال: لا نعرفه على هذا اللفظ إلا من حديث عباد ابن منصور. (٣)
٣٥٩٢ - قال ﷺ : "إن خير ما تداويتم به: اللدود، والسّعوط، والحجامة، والمشي، وخير ما اكتحلتم به: الإثمد، فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر، وإن خير ما تحتجمون فيه: يوم سبع عشرة، ويوم تسع عشرة، ويوم إحدى وعشرين"، وإن رسول الله حيث عرج به، ما مرَّ على ملأٍ من الملائكة، إلا قالوا: عليك بالحجامة.
قلت: رواه الترمذي (٤) في الطب عن عبد بن حميد عن النضر بن شميل عن عباد بن منصور قال: سمعت عكرمة عن ابن عباس وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عباد، ورواه ابن ماجه في الطب عن نصر ابن علي الجهضمي عن زياد بن الربيع
стр. 1758
عن عباد ابن منصور عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "ما مررت على ملأ من الملائكة إلا قالوا عليك بالحجامة" كذا قاله في "الأشراف على معرفة الأطراف" (١) والذي وقفت عليه في الترمذي، أنه روى في باب السعوط من الطب (٢) عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن خير ما تداويتم به اللدود والسعوط والحجامة والمشي، وخير ما اكتحلتم به الإثمد، فإنه يجلو البصر وينبت الشعر"، وكان لرسول الله ﷺ مكحلة يكتحل بها عند النوم ثلاثًا في كل عين ثم روى في باب ما جاء في الحجامة (٣) عن عكرمة قال: قال ابن عباس: قال نبي الله ﷺ : "نعم العبد الحجام، يذهب الدم، ويخف الصلب ويجلو عن البصر"، وقال: إن رسول الله ﷺ حيث عرج به، ما مرّ على ملأ من الملائكة إلا قالوا: عليك بالحجامة، وقال: "إن خير ما تحتجمون فيه: يوم سبع عشرة ويوم تسع عشرة ويوم إحدى وعشرين"، وقال: "إن خير ما تداويتم به السعوط واللدود والحجامة والمشي"، وأن النبي ﷺ لدّه العباس وأصحابه، فقال رسول الله ﷺ : "من لدّني؟ فكلهم أمسكوا، فقالوا: لا يبقى أحد ممن في البيت إلا لدّ غيرَ عمه العباس"، قال الترمذي: قال عبد: اللدود الوجور. وأما ابن ماجه فإنه روى منه قطعًا، وعباد بن منصور ضعفوه.
واللدود: بالفتح ما يسقى المريض في أحد شقي الفم، والسعوط: بالفتح هو ما يجعل من الدواء في الأنف، والمشي: بفتح الميم وكسر الشين المعجمة وتشديد الياء هو الدواء المسهل لأنه يحمل شاربه على المشي والتردد إلى الخلاء، وروي عن علي ﵁ أنه كان يكره الحقنة، وعن ابن عباس مثله وكرهها مجاهد، وروي عن الحكم أنه كان يحتقن، وعن إبراهيم أنه كان لا يرى بالحقنة بأسًا.
стр. 1759
٣٥٩٣ - "أن النبي ﷺ نهى الرجال والنساء عن دخول الحمّامات، ثم رخّص للرجال أن يدخلوا بالميازر".
قلت: رواه الترمذي بلفظه، ورواه أحمد وأبو داود في الحمام، والترمذي في الاستئذان، وابن ماجه في الأدب من حديث عائشة (١)، وقال الترمذي: لا نعرفه، إلا من حديث حماد بن سلمة يعني عن عبد الله بن شداد عن أبي عذرة وكان قد أدرك النبي ﷺ ، عنها، قال: وإسناده ليس بذاك القائم، قال أبو بكر الحازمي (٢): لا يعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه وأحاديث الحمام كلها معلولة, وإنما يصح فيها عن الصحابة ﵃، فإن كان هذا الحديث محفوظًا فهو صريح في النسخ.
٣٥٩٤ - قال: قدم على عائشة ﵂ نسوةٌ من أهل حمص، فقالت: من أين أنتن؟ قلن: من الشام، قالت: فلعلكن من الكُورة التي تدخل نساوها الحمامات؟ قلن: بلى، قالت فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تخلع امرأة ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت الستر بينها وبين ربها".
قلت: رواه أبو داود (٣) في الحمام عن ابن مثنى عن غندر عن شعبة عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبي المليح، ورواه الترمذي في الاستئذان عن محمود بن غيلان عن أبي داود عن شعبة بإسناده ومعناه، وقال: حسن، وابن ماجه في الأدب عن علي بن محمَّد عن وكيع عن سفيان عن منصور ونحوه ورواه الحاكم من طريق شعبة وسفيان به، ورواه الحاكم أيضًا من حديث سبيعة الأسلمية عن عائشة نحوه، ورواه أبو داود عن
стр. 1760
محمَّد بن قدامة عن جرير بن عبد الحميد عن منصور عن سالم عن عائشة ولم يذكر أبا المليح فيكون منقطعًا، ورواه الإِمام أحمد عن عبيدة بن حميد عن يزيد بن أبي زياد عن عطاء بن أبي رباح قال: "أتى نسوة من أهل حمص عائشة" فذكره، ورواه الحاكم من حديث دراج عن السائب: أن نساء دخلن على أم سلمة فسألتهن من أنتن؟ قلن: من أهل حمص" فذكر نحوه. (١)
- وفي رواية: "في غير بيتها، إلا هتكت سترها فيما بينها وبين الله ".
قلت: هذا لفظ أبي داود، والأول لفظ الترمذي. (٢)
٣٥٩٥ - أن رسول الله ﷺ قال: "إنها ستفتح لكم أرض العجم، وستجدون فيها بيوتًا يقال لها الحمامات، فلا يدخلنها الرجال إلا بالأُزُر، وامنعوها النساء إلا مريضة أو نفساء".
قلت: رواه أبو داود في الحمام، وابن ماجه في الأدب كلاهما من حديث عبد الله بن عمرو (٣)، وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، قال الذهبي: ضعفوه، وفيه أيضًا عبد الرحمن بن رافع التنوخي قاضي أفريقية، قال الذهبي فيه: هو عندهم منكر الحديث.
стр. 1761
٣٥٩٦ - أن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يدخل الحمام بغير إزار، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يدخل حليلته الحمام، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجلس على مائدة تدار عليها الخمر".
قلت: رواه النسائي في الطهارة عن إسحاق بن راهويه عن معاذ بن هشام عن أبيه عن عطاء عن أبي الزبير عن محمَّد بن مسلم بن تدرس عن جابر، ورواه الترمذي عن القاسم بن دينار الكوفي عن مصعب بن المقدام عن الحسن بن صالح عن ابن أبي سليم عن طاوس عن جابر أن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر" بلفظه ومعناه.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث طاوس عن جابر إلا من هذا الوجه، قال محمَّد بن إسماعيل: ليث بن أبي سليم: صدوق، وربما يهم في الشيء، قال محمَّد: وقال أحمد بن حنبل: ليث لا يفرح بحديثه، يرفع أشياء لا يرفعها غيره، فلذلك ضعفوه، انتهى كلام الترمذي.
وسند النسائي أصح فلذلك قدمته، ورواه الحاكم من حديث هشام وهي طريق النسائي. (١)
стр. 1762
باب التصاوير
من الصحاح
٣٥٩٧ - قال رسول الله ﷺ : "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلبٌ ولا تصاوير". قلت: رواه البخاري في بدء الخلق وفي المغازي وهو أيضًا، ومسلم وابن ماجه ثلاثتهم في الصلاة، والترمذي في الاستئذان، والنسائي في الصيد كلهم من حديث أبي طلحة واسمه زيد بن سهل يرفعه. (١)
٣٥٩٨ - أن النبي ﷺ أصبح يومًا واجمًا، وقال: "إن جبريل كان وعدني أن يلقاني الليلة، فلم يلقني! أما والله ما أخلفني"، ثم وقع في نفسه: جرو كلب تحت فسطاط، فأمر به فأخرج، ثم أخذ بيده ماء، فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل، فقال له: "لقد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة؟ " قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة، فأصبح رسول الله ﷺ يومئذ، فأمر بقتل الكلاب، حتى إنّه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير, ويترك كلب الحائط الكبير.
قلت: رواه مسلم وأبو داود كلاهما في اللباس، والنسائي في الصيد ثلاثتهم من حديث ابن عباس عن ميمونة (٢) ورواه مسلم أيضًا من حديث عائشة مثل معناه (٣)، ولم يخرجه البخاري لا من حديث ميمونة ولا من حديث عائشة، وأخرج مختصرًا عن ابن عمر قال: وعد النبي ﷺ جبريل فراث عليه حتى اشتد على النبي ﷺ فخرج النبي ﷺ فلقيه فشكا إليه ما وجد، فقال له: "إنا لا ندخل بيتًا فيه صورة ولا كلب" (٤).
стр. 1763
قوله: "أصبح يومًا واجمًا" هو بالجيم وهو الساكت الذي يظهر عليه الهم، وقيل هو الحزين.
و"الجرو الكلب" بكسر الجيم وضمها وفتحها، ثلاث لغات وهو الصغير من أولاد الكلاب وسائر السباع.
والفسطاط: فيه ست لغات فسطاط وفستاط بالتاء، وفساط بتشديد السين وتضم الفاء فيهن، وتكسر وهو نحو الخباء.
قال القاضي (١): والمراد به هنا بعض حجال البيت، بدليل قولها في الحديث الآخر "تحت سرير عائشة"، وأصل الفسطاط عمود الأخبية التي تقام عليها.
قوله: "لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة" قال العلماء: سبب امتناع الملائكة من بيت فيه صورة كونها متضمنة فيها مضاهاة لخلق الله، وقد عبدت الصور من دون الله، وسبب امتناعها من بيت في كلب لكثرة أكله النجاسات ولقبح رائحة الكلب.
قال العلماء: وهؤلاء الملائكة هم الذي يطوفون بالرحمة والبركة والاستغفار، وأما الحفظة فيدخلون كل بيت لا يفارقون بني آدم، وخصّ الخطابي (٢) الكلب بما يحرم اقتناؤه، والصورة بما يحرم فعلها، أما كلب الصيد وما أشبهه والصورة الممتهنه فلا، وتبعه القاضي (٣)، وخالف النووي (٤)، وقال: إنه عام في كل كلب، وكل صورة لإطلاق الأحاديث, ولأن الجرو الذي كان في بيته ﷺ كان فيه عذر ظاهر لأنه لم يعلم به، ومع ذلك امتنع جبريل من دخوله، فلو كان العذر لا يمنع لم يمتنع، قوله: "حتى أنه أمر بقتل كلب الحائط الصغير" إلى آخره.
الحائط: البستان، والفرق بينهما أن الحائط الكبير يحتاج إليه، وهذا منسوخ.
стр. 1764
٣٥٩٩ - أن النبي ﷺ لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه.
قلت: رواه البخاري وأبو داود كلاهما في اللباس، والنسائي في الزينة ثلاثتهم من حديث عمران بن حطّان السدوسي عن عائشة، وعمران هذا هو الخارجي المشهور لم يرو غير حديثين. (١)
وقال أبو داود: لم يكن ليدع في بيته ثوبًا فيه تصليب إلا قضه، ومعنى قضه: أي قطعه، والتصاليب: ما كان فيه صورة صليب.
٣٦٠٠ - أن النبي ﷺ قال: "إن أصحاب هذه الصور يُعَذَّبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم", وقال: "إن البيت الذي فيه الصورة، لا تدخله الملائكة".
قلت: رواه الشيخان في حديث واحد بأطول مما ذكره المصنف، البخاري في مواضع منها في البيوع وفي النكاح وهو ومسلم في اللباس كلاهما من حديث نافع عن القاسم عن عائشه. (٢)
قوله ﷺ : "ويقال لهم أحيوا ما خلقتم" هذا النهي يسميه الأصوليون أمر تعجيز.
٣٦٠١ - أنها كانت قد اتخذت على سَهوة لها سترًا فيه تماثيل، فهتكه النبي ﷺ فاتخذتُ منه نُمرقتين، فكانتا في البيت يجلس عليهما.
قلت: رواه الشيخان في اللباس، والنسائي في الزينة ثلاثتهم من حديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة. (٣)
стр. 1765
والسهوة: بالسين المهملة قال في النهاية (١): "بيت صغير منحدر في الأرض قليلًا، شبيه بالمخدع والخِزَانة"، وقيل هو كالصّفة يكون بين يدي البيت، وقيل: شبيه بالرَّفّ أو الطاق يوضع فيه الشيء.
والنمرقة: بضم النون والراء ويقال بكسرها ويقال بضم النون وفتح الراء ثلاث لغات وهي وسادة صغيرة، وقيل مرفقة (٢).
٣٦٠٢ - "أن النبي ﷺ خرج في غزاة، فأخذت نمطًا، فسترته على الباب، فلما قدم رأى النمط، فجذبه حتى هتكه، ثم قال: "إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين".
قلت: رواه الشيخان وأبو داود ثلاثتهم في اللباس، والنسائي في "اليوم والليلة" كلهم من حديث عائشة وبعضهم أتم من بعض. (٣)
والنمط: بفتح النون والميم والمراد به هنا بساط لطيف، له خمل، وقد صرحت الروايات في هذا الحديث بأن هذا النمط كان فيه صور الخيل ذوات الأجنحة، وقد استدلوا بهذا الحديث على كراهة ستر الحيطان وتنجيد البيوت بالثياب وأن ذلك ليس بحرام، وقال الشيخ أبو الفتح نصر المقدسي (٤) من أصحابنا: هو حرام، ليس في الحديث ما يقتضي التحريم؛ لأن حقيقة اللفظ أنه ليس بواجب ولا مندوب ولا يقتضي التحريم.
стр. 1766
٣٦٠٣ - أن النبي ﷺ قال: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة: الذين يضاهون بخلق الله".
قلت: رواه البخاري في اللباس من حديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة. (١)
قوله ﷺ : "الذين يضاهون بخلق الله" أي يتشابهون فيفعلون ما يضاهي خلق الله أي مخلوقه أو يشبهون فعلهم بفعله أي في التصوير والتخليق.
٣٦٠٤ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟، فليخلقوا ذرةً، أو ليخلقوا حبةً، أو شعيرة".
قلت: رواه الشيخان في اللباس وأعاده البخاري في التوحيد من حديث أبي هريرة. (٢)
٣٦٠٥ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أشد الناس عذابًا عند الله: المصورون".
قلت: رواه الشيخان في اللباس والنسائي في الزينة ثلاثتهم من حديث مسروق عن عبد الله بن مسعود يرفعه. (٣)
٣٦٠٦ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل مصور في النار، يُجعل له بكل صورة صوّرها نفسًا، فتعذبه في جهنم".
قلت: رواه مسلم في اللباس بهذا اللفظ من حديث ابن عباس. (٤)
وفيه من كلام ابن عباس، فإن كنت لا بد فاعلًا فاجعل الشجرة وما لا نفس له بديلًا.
٣٦٠٧ - أن النبي ﷺ قال: "من تحلّم بحُلم لم يره، كلّف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، أو يفرون منه، صب في أذنيه الآنك يوم القيامة، ومن صور صورة، عذّب وكلف أن ينفخ فيها, وليس بنافخ".
стр. 1767
قلت: رواه البخاري في التعبير، وأبو داود في الأدب والترمذي في الرؤيا بالقصة الأولى، وفي اللباس بالقصة الثانية والثالثة، كلهم من حديث أيوب عن عكرمة عن ابن عباس يرفعه. (١)
قوله ﷺ : "من تحلم" أي ادعى الرؤيا كاذبًا، وبحلم: بضم اللام ويجوز تسكينها.
والآنك: الرصاص الأبيض وقيل الخالص.
٣٦٠٨ - أن النبي ﷺ قال: "من لعب بالنردشير، فكأنما صبغَ يدَه في لحم خنزير ودمِه".
قلت: رواه مسلم وأبو داود والترمذي، ثلاثتهم في الأدب من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه يرفعه، ولم يخرجه البخاري. (٢)
والنرد: فارسي معرب، وشير: بمعنى حلو، وقال بعضهم: العرب تسمي هذه اللعبة النرد شير، واختصروه فيما بعد فسموه النرد.
من الحسان
٣٦٠٩ - أن النبي ﷺ قال: "أتاني جبريل ﵇ فقال: أتيتك البارحة، فلم يمنعني أن أكون دخلت، إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمُرْ برأس التمثال الذي على باب البيت فيُقطع، فيصير كهيئة الشجرة، ومُرْ بالستر، فليقطع وليجعل وسادتين منبوذتين توطآن، ومُرْ بالكلب، فليَخرج"، ففعل رسول الله ﷺ .
قلت: رواه أبو داود في اللباس، والترمذي في الاستئذان، والنسائي في الزينة ثلاثتهم من حديث مجاهد بن جعفر عن أبي هريرة يرفعه، وقال الترمذي:
стр. 1768
حديث حسن صحيح (١).
والبارحة: الليلة الزائلة الذاهبة، يقال من الصباح إلى الظهر فعلت الليلة، ومن الظهر إلى الليل فعلت البارحة.
والقرام: بكسر القاف، ستر فيه رقم ونقش وقد تقدم أنه ستر رقيق فوق ستر.
٣٦١٠ - قال رسول الله ﷺ : "يخرج عنق من النار يوم القيامة، لها عينان تُبصران، وأُذنان تَسمعان، ولسان تنطق به، نقول: إني وكّلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وكل من دعا مع الله إلهًا آخر، والمصوّرين".
قلت: رواه الترمذي في صفة جهنم من حديث أبي صالح عن أبي هريرة وقال: حسن صحيح. (٢)
٣٦١١ - أن رسول الله ﷺ قال: "إنه تعالى حرّم الخمر والميسر، والكُوبة" وقال: "كل مسكر حرام". قلت: رواه أبو داود في الأشربة مطولًا من حديث ابن عباس وسكت عليه (٣)، وفيه: قال سفيان الثوري: فسألت علي بن بذيمة عن الكوبة، قال: الطبل، والميسر: القمار، والكوبة بضم الكاف وبالباء الموحدة بعد الواو، قال الزمخشري: النرد، وقيل الطبل.
٣٦١٢ - أن نبي الله ﷺ نهى عن الخمر والميسر والكوبة والغبيراء.
قلت: رواه أبو داود في الأشربة من حديث الوليد بن عبدة عن عبد الله بن عمر بن الخطاب (٤)، والوليد بن عبدة: بالعين المهملة المفتوحة وبعدها باء موحدة مفتوحة أيضًا، قال أبو حاتم الرازي: هو مجهول، وقال ابن يونس في تاريخ المصريين: وليد بن
стр. 1769
عبدة مولى عمرو بن العاص يروي عنه يزيد بن أبي حبيب، والحديث معلول وذكر أن وفاته سنة مائة (١).
قال المنذري (٢): وهكذا وقع في رواية الهاشمي: "عبد الله بن عمر"، والذي وقع في رواية ابن العبد عن أبي داود: "عبد الله بن عمرو" وهو الصواب.
والميسر تقدم، والغبيراء: فسرها المصنف، بشراب تعمله الحبشة من الذرة، يقال له السُّكُركة بضم السين والكاف الأولى وسكون الراء أي نوع من الخمر يتخذ من الذرة.
٣٦١٣ - أن رسول الله ﷺ قال: "من لعب بالنردشير، فقد عصى الله ورسوله".
قلت: رواه أبو داود في الأدب، وابن ماجه فيه كلاهما من حديث أبي موسى يرفعه، ولم يضعفه أبو داود (٣).
٣٦١٤ - أن النبي ﷺ رأى رجلًا يتبع حمامةً، فقال: "شيطان يتبع شيطانة".
قلت: رواه أبو داود وابن ماجه كلاهما في الأدب، وأبو حاتم وأحمد وقالوا: "يتبع شيطانه"، إلا ابن ماجه فإنه رواه بلفظ المصنف كلهم من حديث أبي هريرة وفي إسناده محمَّد بن عمرو بن علقمة الليثي وقد استشهد به مسلم ووثقه ابن معين ومحمد بن يحيى، وقال ابن معين فيه: وما زال الناس يتقون حديثه. وقال السعدي: ليس بالقوي وغمزه الإِمام مالك (٤).
стр. 1770
كتاب الطب والرقى
من الصحاح
٣٦١٥ - قال رسول الله ﷺ : "ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء".
قلت: رواه البخاري والنسائي وابن ماجه ثلاثتهم في الطب من حديث أبي هريرة يرفعه وأخرجه مالك في الموطَّأ من حديث زيد بن أسلم مرسلًا ولم يخرجه مسلم. (١)
٣٦١٦ - قال رسول الله ﷺ : "لكل داء دواء، فإذا أصيب الدواء الداء، برىء بإذن الله".
قلت: رواه مسلم في الطب من حديث جابر بن عبد الله يرفعه، ولم يخرجه البخاري (٢) الدواء: بفتح الدال ممدود، وحكى جماعات منهم الجوهري: لغة بكسر الدال، قال ابن الأثير (٣): يقال "برأت من المرض" أبرأ بَرْءًا بالفتح، فأنا بارئ، وأبرأني الله من المرض، وغير أهل الحجاز يقولون: بَرِئت بالكسر بُرءًا بالضم.
٣٦١٧ - قال رسول الله ﷺ : "الشفاء في ثلاثة: في شرطة مِحجَم، أو شَربة عسل، أو كَية بنار، وأنا أنهى أمتي عن الكي".
قلت: رواه البخاري في الطب وابن ماجه فيه كلاهما من حديث ابن عباس يرفعه. (٤)
المحجم: يطلق على مشرطة الحجام، وعلى الآلة التي يجتمع فيها دم الحجامة عند المص، قال الخطابي (٥): الكي داخل في جملة العلاج والتداوي المأذون فيه، والنهي
стр. 1771
عن الكي يحتمل أن يكون هو من أجل أنهم كانوا يعظمون أمره ويرون أنه يحسم الداء ويبريه، وإذا لم يفعل هلك صاحبه، ويقولون آخر الدواء الكي فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك إذا كان على هذا الوجه، وأباح استعماله على معنى طلب الشفاء والترجي للبرء بما يحدث الله من صنعه فيه فيكون الكي الدواء سببًا لا علة، وفيه وجه آخر وهو أن يكون نهيه عن الكي هو أن يفعله احترازًا عن الداء، قبل وقوع الضرورة، وذلك مكروه، ويحتمل أن يكون النهي راجعًا إلى عضو مخصوص أو حال مخصوصة يمكن أن يتداوى فيها بغير الكي مما هو أسهل منه جمعًا في الحديث، والله أعلم.
٣٦١٨ - قال: "رمي أُبي يوم الأحزاب على أكحله، فكواه رسول الله ﷺ ".
قلت: رواه مسلم في الطب من حديث جابر، ولم يخرجه البخاري. (١)
والأكحل: عرق معروف في وسط الذارع، قال الخليل (٢): هو عرق الحياة، ويقال: هو نهر الحياة في كل عضو شعبة منه، فإذا قطع في اليد لم يرقأ الدم، وقال غيره: هو عرق واحد يقال له في اليد الأكحل وفي الفخذ النسا وفي الظهر الأبهر.
وأُبي: بضم الهمزة وفتح الباء وتشديد الياء آخر الحروف هو أبي ابن كعب، وقد غلط من رواه "أبي" بإضافة الأب إلى ضمير المتكلم وهو جابر، فإن أبا جابر استشهد يوم أحد وذلك قبل الأحزاب بسنتين، وقد جاء مصرحًا بأنه أُبّي بن كعب، وسيأتي.
٣٦١٩ - قال: رمي سعد بن معاذ في أكحله، فحسمه النبي ﷺ بيده بمشقص، ثم ورمت, فحسمه الثانية.
قلت: رواه مسلم في الطب من حديث جابر، ولم يخرجه البخاري (٣)، وأخرجه ابن ماجه في [الطب] (٤) ولفظه: "أن رسول الله ﷺ كوى سعد بن معاذ في أكحله
стр. 1772
مرتين" (١) والأكحل عرق معروف تقدم ذكره، والمشقص: من النصال ما طال وعرض، وقيل هو الطويل غير العريض، والحسم: قطع الداء عنه بالكي.
٣٦٢٠ - بعث رسول الله إلى أُبي بن كعب طبيبًا، فقطع منه عرقًا، ثم كواه عليه.
قلت: رواه مسلم في الطب من حديث جابر ولم يذكر البخاري قصة أبي ابن كعب. (٢)
٣٦٢١ - سمع رسول الله ﷺ يقول: "في الحبة السوداء شفاء من كل داء، إلا السام" قال ابن شهاب: السام: الموت، والحبة السوداء: الشونيز.
قلت: رواه الشيخان والترمذي وابن ماجه (٣) كلهم هنا من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، ولفظ ابن ماجه: "عليكم بالحبة السوداء" الحديث، وذكر مسلم التفسير مدرجًا في الحديث، ونقله البخاري عن ابن شهاب كما أورده المصنف.
والشونيز: بضم الشين المعجمة وكسر النون وبالزاي المعجمة وبينهما ياء آخر الحروف ساكنة.
٣٦٢٢ - جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال رسول الله ﷺ : "اسقه عسلًا" فسقاه، ثم جاءه فقال: لقد سقيته عسلًا، فلم يزده إلا استطلاقًا!؟ فقال له ثلاث مرات، ثم جاء الرابعة فقال: "اسقه عسلًا، فقال: لقد سقيته، فلم يزده إلا استطلاقًا!؟ فقال رسول الله ﷺ : "صدق الله، وكذب بطن أخيك"، فسقاه، فبرأ.
قلت: رواه الشيخان والترمذي ثلاثتهم في الطب، والنسائي في الوليمة أربعتهم من حديث قتادة عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري. (٤)
стр. 1773
واستطلق بطنه: أي كثر خروج ما فيه، يريد الإسهال.
قوله ﷺ "اسقه عسلًا" إنما قاله مرة بعد أخرى لأنه علم ﷺ أن سبب إسهاله اجتماع فضلات بلغمية باقية لزجة تدفعه الطبيعة فأمر بسقي العسل مرة بعد أخرى حتى يسهل ما بقي.
٣٦٢٣ - أن النبي ﷺ قال: "إن أمثل ما تداويتم به: الحجامة، والقُسط البحري".
قلت: رواه الشيخان من حديث أنس. (١)
والقسط: بضم القاف وبالسين والطاء المهملتين، ويقال فيه: الكست، لغتان وهو العود الذي يتبخر به وهو صنفان بحري وهندي وسيأتي مزيد كلام فيه.
٣٦٢٤ - قال رسول الله ﷺ : "لا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العُذْرة، وعليكم بالقسط".
قلت: رواه الشيخان من حديث أنس. (٢)
والغمز: هو أن يسقط اللهاة فتغمز باليد أي تكبس (٣)، والعذرة: بضم العين المهملة وبعدها ذال معجمة وجع في الحلق يهيج من الدم، وقيل: قرحة تخرج في الخرم الذي بين الأنف والحلق، تعرض للصبيان عند طلوع العذرة فتعمد المرأة إلى خرقة فتفتلها فتلًا شديدًا وتدخلها في أنفه فتطعن ذلك فينفجر منه دم أسود، وربما أقرحه، والعذرة هي خمس كواكب تحت الشعري العبور، وتسمى العذاري وتطلع في وسط الحر، قوله ﷺ "من العذارى من أجلها" قاله ابن الأثير (٤).
стр. 1774
٣٦٢٥ - قال ﷺ : "علام تَدْغَرْن أولادكُنّ بهذا العِلاق؟ عليكن بهذا العود الهندي، فإن فيه سبعة أشفية، منها ذات الجنب، يُسعط من العذرة، ويُلَدّ من ذات الجنب".
قلت: رواه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه كلهم في الطب من حديث أم قيس بنت محصن أخت عكاشة بن محصن يرفعه (١)، قال البخاري (٢): وكانت أم قيس من المهاجرات الأُوَل اللائي بايعن رسول الله ﷺ .
وقد أجمع الأطباء على أن العود الهندي يدر الطمث والبول وينفع من السموم ويحرك شهوة الجماع ويقتل الدود إذا شرب بعسل ويذهب الكلف إذا طلي به وينفع حمى الورد والربع وغير ذلك، وهو صنفان بحري وهندي، والبحري هو القسط الأبيض، وقيل: هو أكثر من صنفين وذكر بعضهم أن البحري أفضل من الهندي وهو أقل حرارة، وقيل هما حاران يابسان في الدرجة الثالثة، والهندي أشد حرًّا، قال ابن سينا: القسط حار في الثالثة يابس في الثانية وإنما ذكرنا منافع العود الهندي من الطب لأن النبي ﷺ ذكر عددًا مجملًا (٣).
٣٦٢٦ - قال النبي ﷺ : "الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء".
قلت: رواه البخاري في صفة النار، وهو ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه في الطب كلهم من حديث عبادة بن رفاعة بن رافع بن خديج عن جده يرفعه. (٤)
стр. 1775
٣٦٢٧ - قال: رخّص رسول الله ﷺ في الرقية من العين، والحُمة والنملة.
قلت: رواه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه أربعتهم في الطب من حديث أنس بن مالك ولم يخرج البخاري هذا اللفظ وأخرجه أحمد في مسنده. (١)
والحمة: بالتخفيف السمّ وقد يشدد ويطلق على إبرة العقرب للمجاورة لأن السم منها يخرج، والنملة: قروح تخرج بالجنب وغيره وهو بفتح النون وإسكان الميم.
٣٦٢٨ - قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن نسترقي من العين.
قلت: رواه الشيخان والنسائي وابن ماجه كلهم في الطب من حديث عائشة. (٢)
٣٦٢٩ - أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة، -تعني: صفرة-، فقال: "استرقوا لها، فإن بها النظرة".
قلت: رواه الشيخان في الطب من حديث أم سلمة ترفعه واللفظ للبخاري (٣)، والسفعة: بسين مهملة بعدها فاء ثم عين مهملة أي نظرة بعين من الجن وقيل: علامة وأراد بالنظرة العين يعني أن بها عينًا أصابتها من الجن، وقيل: عيون الجن أنفذ من أسنة الرماح.
٣٦٣٠ - أن النبي ﷺ نهى عن الرُّقَى، فجاء آل عمرو بن حزم، فقالوا: يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وأنت نهيت عن الرقى؟ قال: فعرضوها عليه فقال: "ما أرى بها بأسًا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه".
قلت: رواه مسلم وابن ماجه كلاهما في الطب من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، ولم يخرجه البخاري (٤)، ونسبه محبّ الدين الطبري إلى الشيخين والصواب
стр. 1776
ما قلناه، وكذلك ذكره الحميدي (١) في مفردات مسلم، وابن الأثير (٢) قال: خرجه مسلم، وما قاله الطبري غلط نبهت عليه، لا تغتر به.
٣٦٣١ - قال: "كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا علي رُقاكم، لا بأس بالرقى، ما لم يكن فيه شرك".
قلت: رواه مسلم وأبو داود كلاهما في الطب من حديث عوف بن مالك الأشجعي. (٣)
٣٦٣٢ - أن النبي ﷺ قال: "العين حق، فلو كان شيءٌ سابق القدر، سبقته العين، فإذا استُغسلتم فاغسلوا".
قلت: رواه مسلم والترمذي والنسائي ثلاثتهم من حديث ابن عباس يرفعه ولم يخرجه البخاري من حديث ابن عباس. (٤)
من الحسان
٣٦٣٣ - قالوا: "يا رسول الله أنتداوى؟ قال: نعم! يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داءً، إلا وضع له شفاء، غير داء واحد: الهرم".
قلت: رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ثلاثتهم في الطب، وابن حبان، والحاكم في المستدرك بألفاظ مختلفة من حيث زياد بن علاقة عن أسامة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٥)
أما أبو داود فلفظه: أتيت النبي ﷺ وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت ثم
стр. 1777
قعدت، فجاء الأعراب من ها هنا وها هنا فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: "تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهرم"، ولفظ الترمذي: قالت الأعراب: يا رسول الله ألا نتداوى؟ قال: "نعم، يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داء واحدًا" قالوا: يا رسول الله ما هو؟ قال: "الهرم" ولفظ ابن ماجه قال: جاءت الأعراب يسألون النبي ﷺ أعلينا حرج في كذا؟ أعلينا حرج في كذا؟ فقال: "عباد الله! وضع الله الحرج إلا من اقترض من عرض أخيه شيئًا، فذاك الذي حرج، فقالوا: يا رسول الله هل علينا جناح ألا نتداوى؟ قال: "تداووا عباد الله! فإن الله لم يضع داء إلا وضع معه شفاءً إلا الهرم" قالوا: يا رسول الله ما خير ما أعطي العبد، قال: خلق حسن. ولفظ ابن حبان نحوه: شهدت النبي ﷺ والأعراب يسألونه: هل علينا جناح في كذا مرتين؟ فقال: ذكره بنحوه.
وقال: قال سفيان: ما على وجه الأرض اليوم إسناد أجود من هذا، وسفيان هو الثوري رواه عن زياد به، وقال الحاكم: طرقه كلها صحاح على شرط الشيخين. (١)
٣٦٣٤ - قال رسول الله ﷺ : "لا تُكرِهوا مرضاكم على الطعام والشراب، فإن الله يُطعمهم ويشفيهم". (غريب).
قلت: رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما في الطب من حديث بكر بن يونس بن بكير عن موسى بن علي عن أبيه عن عقبة، قال الترمذي: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٢)، ورواه ابن ماجه عن محمَّد بن عبد الله بن نمير عن بكر بن يونس به، قال البخاري: بكر منكر الحديث، وقال الذهبي: ضعفوه.
стр. 1778
٣٦٣٥ - أن النبي ﷺ كَوَى أسعدَ بن زرارة من الشوكة.
قلت: رواه الترمذي في الطب عن حميد بن مسعدة عن يزيد بن زريع عن معمر عن الزهريّ عن أنس وقال: حسن غريب، وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ورواه ابن حبان وقال: تفرد به يزيد ابن زريع (١).
والشوكة: بشين معجمة مفتوحة هي حمرة تعلو الوجه والجسد، يقال منه: شيك الرجل فهو مشوك، ويقال ذلك أيضًا إذا دخلت في جسده شوكة.
٣٦٣٦ - أمرنا رسول الله ﷺ أن نتداوى من ذات الجنب بالقُسط البحري والزيت.
قلت: رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه ثلاثتهم في الطب من حديث زيد ابن أرقم، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، ورواه الحاكم في المستدرك، وقال الذهبي في مختصره: صحيح. (٢)
стр. 1779
٣٦٣٧ - كان النبي ﷺ ينعت الزيت والورس من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت. قلت: رواه الترمذي في الطب من حديث زيد بن أرقم وقال: حديث صحيح، ورواه ابن ماجه في الطب، ولفظه نعت رسول الله ﷺ ورسًا وقسطًا وزيتًا يلد به. (١)
٣٦٣٨ - أن النبي ﷺ سألها: "بم تستمشين؟ " قالت: بالشبرم، قال: "إنه حار يارٌ"، قالت: ثم استمشيت بالسنا، فقال النبي ﷺ : "لو أن شيئًا كان فيه الشفاء من الموت، لكان في السنا". (غريب).
قلت: رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما في الطب من حديث أسماء بنت عميس (٢)، والحاكم في المستدرك، قال الترمذي: غريب، وقال الذهبي في مختصر المستدرك: صحيح، وقال -أعني الترمذي-: يعني ذا المشي.
والشبرم: بضم الشين المعجمة وسكون الباء الوحدة وضم الراء المهملة حب يشبه الحمص يطبخ ويشرب ماؤه للتداوي، وقيل إنه نوع من الشِّيح.
قوله ﷺ : حارّ يارّ هو إتباع، قال الزمخشري (٣): وفي بعض طرق الحديث "حار جار" بالجيم وهو أيضًا إتباع، قال: وبالياء في كلامهم أكثر، والسنا: بالقصر نبات معروف.
٣٦٣٩ - قال رسول الله ﷺ : "إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا, ولا تتداووا بحرام".
قلت: رواه أبو داود في الطب من حديث أبي الدرداء يرفعه (٤).
وفي إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال.
стр. 1780
٣٦٤٠ - قال: نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث.
قلت: رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ثلاثتهم في الطب من حديث أبي هريرة يرفعه، والحاكم في المستدرك على شرط الشيخين. (١)
وفي حديث الترمذي وابن ماجه يعني السُّمّ، وأخرجه الحافظ المقدسي بسنده عن الإِمام أحمد، وترجم عليه: باب النهي عن التداوي بالسم، وذكر بعضهم أن خبث الدواء يكون من وجهين أحدهما: خبث النجاسة والثاني: أن يكون خبيثًا من جهة الطعم والمذاق، لما فيه من المشقة على الطباع ولتكره النفس به.
٣٦٤١ - "ما كان أحد يشتكي إلى رسول الله ﷺ وجعًا في رأسه، إلا قال: "احتجم"، ولا وجعًا في رجليه إلا قال: "اخضبهما".
قلت: رواه أبو داود والترمذي كلاهما في الطب ورواه ابن ماجه فيه بقصة الحناء فحسب ثلاثتهم من حديث سلمى أم رافع وقال الترمذي: حديث حسن غريب إنما نعرفه من حديث فائد، انتهى. (٢)
стр. 1781
وفايد هذا هو مولى عبيد الله بن علي بن أبي رافع وثقه يحيى بن معين، وقال الإِمام أحمد وأبو حاتم الرازي: لا بأس به، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج بحديثه وقال الذهبي: صويلح. (١)
قال المنذري (٢): وقد أخرجه الترمذي من حديث علي بن عبيد الله عن جدته وقال: وعبيد الله بن علي أصح انتهى كلام الترمذي، والحديث مضطرب الإسناد والمتن لا تقوم به حجة، انتهى.
وسلمى: بفتح السين المهملة وإسكان اللام مولاة صفية بنت عبد المطلب، وهي امرأة أبي رافع مولى رسول الله ﷺ وأم بنيه، وهي التي قَبَلَت إبراهيم ابن رسول الله ﷺ وقبلت ابني فاطمة -عليهما وعليهم السلام- وهي التي غسلت فاطمة هي وعلي وأسماء بنت عميس، وشهدت خيبر (٣).
٣٦٤٢ - ما كان يكون برسول الله ﷺ قرحة ولا نكبة إلا أمرني أن أضع عليها الحناء.
قلت: رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما في الطب من حديث سلمى، وقال الترمذي: حسن غريب، ولفظ ابن ماجه إلا وضع عليها الحناء وفي إسناد الحديث من قدمنا ذكره في الإسناد الذي قبله. (٤)
стр. 1782
٣٦٤٣ - أن رسول الله ﷺ كان يحتجم على هامته، وبين كتفيه، وهو يقول: "من أراق من هذه الدماء، فلا يضره أن لا يتداوى بشيء".
قلت: رواه أبو داود وابن ماجه كلاهما في الطب من حديث أبي كبشة (١)، وفي إسناده عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وكان رجلًا صالحًا أثنى عليه غير واحد، وتكلم فيه غير واحد، وأبو كبشة اسمه عمر بن سعيد، وقيل عمرو، وقيل سعيد بن عمرو وقيل غير ذلك (٢).
٣٦٤٤ - أن النبي ﷺ احتجم على وركه من وثء كان به.
قلت: رواه أبو داود والنسائي كلاهما في الطب من حديث جابر (٣) ولم يضعفه أبو داود.
قال في النهاية (٤): "وثئت رجلي" أي أصابها وهن، دون الخلع والكسر وثاء مثلثة.
يقال: وثئت رجلي فهي موثوءة، ووثأتها أنا، وقد يترك الهمز.
٣٦٤٥ - حدّث رسول الله ﷺ عن ليلة أسري به: أنه لم يمر على ملأ من الملائكة إلا أمروه: مر أمتك بالحجامة. (غريب).
قلت: رواه الترمذي في الطب عن أحمد بن بديل الكوفي عن محمَّد ابن فضيل عن عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن ابن مسعود (٥) وقال: حسن غريب، من حديث ابن مسعود، ورواه ابن ماجه عن جبارة بن المغلس
стр. 1783
عن كثير بن سليم عن أنس بنحوه، وإسناده منكر، وهو أحد ثلاثيات ابن ماجه بهذا الإسناد (١)، ورواه أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ابن عباس الآتي قريبًا. (٢)
٣٦٤٦ - أن طبيبًا سأل النبي ﷺ عن ضفدع يجعلها في دواء؟، فنهاه النبي ﷺ عن قتلها.
قلت: رواه أبو داود في أواخر السنن, والنسائي في الصيد (٣) كلاهما من حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي يرفعه وسكت عليه أبو داود. (٤)
والضفدع: بكسر الضاد والدال وسكون الفاء بينهما واحد الضفادع، كذا قاله الجوهري (٥) قال: وناس يقولون بفتح الدال، قال الخليل (٦): ليس في الكلام فعلل بالفتح إلا أربعة أحرف ولم يذكر هذا منها.
стр. 1784
٣٦٤٧ - قال: كان رسول الله ﷺ يحتجم في الأخدعين والكاهل، وكان يحتجم لسبع عشرة، وتسع عشرة وإحدى وعشرين.
قلت: أخرجه الترمذي في الطب من حديث أنس يرفعه بلفظه عن عبد القدوس بن محمَّد عن عمرو بن عاصم عن همام وجرير بن حازم عن قتادة عن أنس وقال: حسن غريب، ورواه أبو داود عن أنس أن النبي ﷺ احتجم ثلاثًا في الأخدعين والكاهل، قال معمر: احتجمت فذهب عقلي حتى كنت ألقن فاتحة الكتاب في صلاة، وكان احتجم على هامته، انتهى كلام أبي داود، وقد قال الطبري: إن أبا داود إنما رواه من حديث أبي هريرة، والذي وقفت عليه في أبي داود من حديث أنس. (١)
والأخدعان: عرقان في جانبي العنق.
٣٦٤٨ - أن النبي ﷺ كان يستحب الحجامة لسبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين.
قلت: رواه أحمد والترمذي في الطب، والحاكم من حديث عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس، ولفظ أحمد: "خير يوم تحتجمون فيه سبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين، وما مررت بملأ من الملائكة ليلة أسري بي إلا قالوا: عليك بالحجامة يا محمد". (٢)
стр. 1785
وروى ابن ماجه منه آخره (١)، ولفظ الحاكم: "ما مررت بملأ من الملائكة إلا أمروني بالحجامة، وأن النبي ﷺ كان يحتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين" وقال: صحيح.
٣٦٤٩ - عن رسول الله ﷺ قال: "من احتجم لسبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين، كان شفاءً من كل داء".
قلت: رواه أبو داود هنا من حديث أبي هريرة يرفعه. (٢)
٣٦٥٠ - أن أباها كان ينهى أهله عن الحجامة يوم الثلاثاء، ويزعم عن رسول الله ﷺ : أن يوم الثلاثاء يومُ الدم، وفيه ساعةٌ لا يرقأ.
قلت: رواه أبو داود (٣) هنا، [من حديث كيّسة بنت أبي بكرة، وفي إسناده أبو بكرة بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، قال يحيى ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال ابن عدي: أرجوا أنه لا بأس به، وهو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم (٤).
وكيسة: بفتح الكاف وكسر الياء آخر الحروف وتشديدها وبعدها سين مهملة مفتوحة ثم تاء تأنيث كذا قيدها الدارقطني، وقيدها بعضهم بفتح الكاف وإسكان الياء، ولعله تصحيف (٥)، وأبوها أبو بكرة الصحابي.
стр. 1786
وقوله: "أن يوم الثلاثاء يوم الدم، أي يوم كان الدم فيه" والمراد به قتل ابن آدم أخاه، وقد نقل أنه كان في يوم الثلاثاء، ويقال: رقأ الدم والدمع والعِرْق يرقأ بالفتح، إذا سكن وانقطع، والاسم "الرقوء" بالفتح (١).
٣٦٥١ - عن النبي ﷺ قال: "من احتجم يوم الأربعاء، أو يوم السبت، فأصابه وضحٌ، فلا يلومن إلا نفسه".
قلت: رواه أحمد واحتج به، وقال أبو داود: وقد أُسند ولا يصح، ورواه الحاكم (٢) في المستدرك، عن حماد بن سلمة عن سليمان بن الأرقم عن الزهريّ عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "من احتجم يوم الأربعاء والسبت فرأى وضحًا فلا يلومن إلا نفسه" قال الذهبي: سليمان متروك (٣).
والوضح: البرص، والعياذ بالله تعالى، والأصل في الوضح البياض.
٣٦٥٢ - قال ﷺ : "من احتجم أو اطّلى يوم السبت أو الأربعاء، فلا يلومن إلا نفسه من الوضح".
قلت: رواه في شرح السنة مقطوعًا فقال: عن عون مولى لأم حكيم عن الزهريّ. (٤)
стр. 1787
٣٦٥٣ - قال: قال رسول الله ﷺ : "خير ما تداويتم به: اللدُود، والسعوط، والحجامة، والمشي". (غريب).
قلت: رواه الترمذي وقال: غريب وقد تقدم في الترجل بأطول من هذا وتقدم الكلام عليه. (١)
٣٦٥٤ - أن عبد الله رأى في عنقي خيطًا، فقال: ما هذا؟ فقلت: خيط رقي لي فيه، قالت: فأخذه فقطعه، ثم قال: أنتم آل عبد الله لأغنياء عن الشرك! سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك"، فقلت: لِمَ تقول هكذا؟ لقد كانت عيني تُقذف، فكنت اختلف إلى فلان اليهودي، فإذا رقاها سكنت! فقال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقي كلفّ عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله ﷺ يقول: "أذهب البأس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا.
قلت: رواه أبو داود مختصرًا ورواه ابن ماجه مطولًا بقصة ذكرها فأما أبو داود فرواه من حديث ابن أخي زينب امرأة عبد الله عن زينب امرأة عبد الله وهو ابن مسعود ﵁، وابن ماجه (٢) رواه عن ابن أخت زينب عنها وفي نسخة عن أخت زينب عنها، قالت: كانت عجوز تدخل علينا ترقي من الحمرة وكان لنا سرير طويل القوائم، وكان عبد الله إذا دخل تنحنح وصوت، فدخل يومًا فلما سمعت صوته احتجبت منه
стр. 1788
فجاء فجلس إلى جانبي فوجد مس خيط فقال: ما هذا؟، فقلت: الحديث، ورواه في شرح السنة عن ابن أخي زينب امرأة عبد الله عن زينب قالت: "كان عبد الله إذا جاء من حاجة فأراد أن يدخل المنزل تنحنح" الحديث بمثل حديث "المصابيح".
قال المنذري (١): والراوي عن زينب مجهول.
والتولة: بكسر التاء المثناة من فوق وفتح الواو، ضرب من السحر، جعله من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر، ويفعل بخلاف قدر الله تعالى، وقال الخليل: التوبة بكسر التاء وضمها شبه بالسحر.
قولها: يقذف يجوز أن يكون مبنيًّا للفاعل أي ترمي بالرمص الماء، وهذا هو الظاهر المحفوظ، ويجوز أن يكون بالضم مبنيًّا للمفعول أي ترمى بما يهيج الوجع.
قوله: ينخسها هو بفتح الخاء المعجمة وضمها يقال نخسه يَنْخُسُه وَينْخِسُه.
ومعنى لا يغادر سقمًا: لا يترك الماء (٢).
٣٦٥٥ - قال: سئل رسول الله ﷺ عن النشرة؟ فقال: "هو من عمل الشيطان".
قلت: رواه أبو داود هنا من حديث جابر وسكت عليه (٣).
والنشرة: بالضم ضرب من الرقية والعلاج يعالج بها ليظن به مس الجن، قيل سميت نشرة لأنه ينشر بها عنه أي يحل عنه ما جاءه من الداء وكرهها غير واحد، وحكي عن الحسن أنه قال: النشرة من السحر، وقال سعيد بن المسيب: لا بأس بها.
قال في شرح مسلم: وقد اختار بعض المتقدمين كراهة حل المعقود عن امرأته، وقد حكى البخاري في صحيحه عن ابن المسيب أنه سئل عن رجل به طب أي ضرب من
стр. 1789
الجنون أو يؤخذ عن امرأته أيحل عنه أو ينشر قال: لا بأس به إنما يريدون به العلاج ولم ينه عما ينفع، وممن أجاز النشرة الطبري قال النووي (١): وهو الصحيح.
٣٦٥٦ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما أبالي ما أتيت، إن أنا شربت ترياقًا، أو تعلقت تميمةً، أو قلت الشعر من قبل نفسي".
قلت: رواه أبو داود هنا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص يرفعه. (٢)
وقال أبو داود: هذا كان للنبي ﷺ خاصة، وقد رخص في قوم يعني الترياق، إذا لم يكن فيه مكروه.
وفي إسناد الحديث: عبد الرحمن بن رافع التنوخي قاضي أفريقية، قال البخاري: في حديثه بعض المناكير (٣).
والترياق هو: ما يستعمل لدفع السم وهو فارسي معرب، ويقال فيه: درياق، وطرياق، ودراق وطراق، وإنما يكره من أجل لحوم الأفاعي، فإن لم يكن فيه شيء مكروه فلا بأس به. وقيل: الحديث، مطلق، والأولى أن يجتنب جميعه.
والتميمة: تجمع على تمائم وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم ويعتقدون تأثيرها بنفسها فأبطلها الإِسلام، واعتقاد ذلك ضلال بل كفر، ولا دافع ولا مانع إلا الله .
٣٦٥٧ - أن النبي ﷺ قال: "من اكتوى أو استرقى، فقد برئ من التوكل".
قلت: رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه ثلاثتهم في التوكل، وابن ماجه والحاكم به من حديث مجاهد عن عقاب بن المغيرة عن أبيه به، وقال الترمذي: حديث
стр. 1790
حسن صحيح، وصححه أيضًا الحاكم. (١)
٣٦٥٨ - قال ﷺ : "من تعلق شيئًا، وكل إليه".
قلت: رواه الترمذي في الطب والحاكم في المستدرك، كلاهما من حديث محمَّد بن عبد الرحمن عن ابن أبي ليلى عن أخيه عيسى، قال: دخلت على أبي معبد الجهني عبد الله بن عكيم أعوده وبه حمرة فقلت: ألا تعلّق شيئًا؟ قال: الموت أقرب من ذلك، قال رسول الله ﷺ : "من تعلق شيئًا وُكل إليه" قال الترمذي: إنما نعرفه من حديث ابن أبي ليلى (٢)، ورواه النسائي بأطول من هذا من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من عقد عُقْدة، ثم نفث فيها، فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق بشيء وُكل إليه". (٣)
٣٦٥٩ - أن النبي ﷺ قال: "لا رقية إلا من عين أو حُمَة".
قلت: قال ابن الأثير (٤): رواه الترمذي وأبو داود انتهى، ووقفت عليه في الترمذي كذلك (٥)، ولم أقف عليه في أبي داود في هذا الباب من طريق عمران بن حصين إنما روي عن أنس أن النبي ﷺ قال: "لا رقية إلا من عين أو حمة أو دم يرقأ" وهو الحديث الذي بعده