← Книги сунны

Книги сунны · id 17063

كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح

الصدر المناوي

Полный текст (2 643 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

الله الحلم والأناة، قال: يا رسول أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما قال: بل الله جبلك قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقتين يحبهما الله ورسوله. وأخرجه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة وقال: ولا أعلم لزارع غيره، وهو ابن عامر ويقال: ابن عمرو العبدي وكان في وفد عبد القيس وهو بفتح الزاي المعجمة وبعد الألف راء مهملة مكسورة وعين مهملة (١). ٣٧٦٦ - قالت: ما رأيت أحدًا كان أشبه سمتًا وهدبًا، ودلًا وفي رواية: حديثًا، وكلامًا برسول الله ﷺ : من فاطمة، كانت إذا دخلت عليه، قام إليها فأخذ بيدها، فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها، قامت إليه، فأخذت بيده فقبلتها وأجلسته في مجلسها. قلت: رواه أبو داود بالروايتين في الأدب والترمذي في المناقب والنسائيُّ فيه ثلاثتهم من حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. (٢) والسمت: بفتح السين المهملة وسكون الميم وبالتاء المثناة من فوق قال الجوهري (٣): طريق أهل الخير.

стр. 1857

قال الزمخشري (١): قالوا: ما أحسن سمته أي طريقته التي ينتجها في تحرّ من الخير والتّزي بزي الصالحين، والهَدْي السيرة النبوية يقال: هدى هدّى فلان أي سار سيرته واهدوا هَدْي عمار. والدل: حسن الشمائل قال ابن الأثير (٢): الدلال والهدي والسمت عبارة عن الحالة التي يكون عليها الإنسان من السكينة والوقار، وحسن السيرة والطريقة، واستقامة المنظر والهيئة، وقال: صنف الحافظ الأصفهاني المعروف بابن المقري جزءًا لطيفًا في التوسع في تقبيل اليد (٣)، وذكر فيه حديث ابن عمر وابن عباس وجابر بن عبد الله وبريدة بن الحصيب وصفوان بن عسال وزارع بن عامر العبدي في ذلك، وذكر فيه آثارًا صحيحة عن الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين، واعلم أن تقبيل يد الغير إن كان لزهده وصلاحه أو علمه أو شرفه وصيانته أو نحو ذلك فمستحب، وإن كان لدنياه وشوكته وجاهه فمكروه، كراهة شديدة، وقال المتولي: لا يجوز ذلك، ولعل ما نقل عن مالك من الكراهة لتقبيل اليد محمول على ما قلناه. وفي حديث عائشة هذا دليل على التوسع في القيام على وجه الإكرام بل وللإعظام لمن ينبغي أن يعظم قدره (٤). ٣٧٦٧ - قال: دخلت مع أبي بكر أول ما قدم المدينة، فإذا عائشة ابنته مضطجعة، قد أصابتها حمى، فقال: كيف أنت يا بنية؟ وقبّل خدها.

стр. 1858

قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث البراء بن عازب (١) وسكت عليه، وعن ابن عمر أنه كان يقبّل ابنه سالمًا، ويقول: اعجبوا من شيخ يقبل شيخًا (٢). وعن سهل بن عبد الله التستري السيد الجليل ﵁ أنه كان يأتي أبا داود السجستاني ويقول: أخرج لسانك الذي تحب به رسول الله ﷺ لأقبله فيقبله (٣)، وأفعال السلف في هذا الباب أعني للتقبيل للإكرام لا تحصر. ٣٧٦٨ - أن النبي ﷺ أتي بصبي، فقبله، فقال: "أما إنهم مَبْخلة مَجْبنة، وإنهم لمن ريحان الله". قلت: رواه في "شرح السنة" بسند ضعيف من حديث عائشة. (٤) والمبخلة والمجبنة: مفعلة من البخل والجبن، والمعنى: أن الولد يوقع أباه في البخل اتقاء على ماله له، وفي الجبن خوفًا من أن يقتل في الحرب فيضيع ولده من بعده. والواو في قوله ﷺ : وإنهم لمن ريحان الله، للحال ومعناه: قيل: من رزق الله قال تعالى: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ أراد الرزق وهو الحب، ويحوز أن يراد بالريحان: المشموم لأنهم يشمون ويقبلون فكأنهم من حملة الرياحين التي أنبتها الله تعالى.

стр. 1859

باب القيام من الصحاح ٣٧٦٩ - قال: لما نزلت بنو قريظة على حكم سعد، بعث رسول الله ﷺ إلى سعد، وكان قريبًا منه، فجاء على حمار، فلما دنا من المسجد قال رسول الله ﷺ للأنصار: "قوموا إلى سيدكم". قلت: رواه الشيخان: البخاري في الجهاد وفي فضل سعد وفي الاستئذان وفي المغازي، ومسلم في المغازي وأبو داود في الأدب في باب ما جاء في القيام، والنسائيُّ في المناقب من حديث أبي سعيد الخدري (١). قال بعضهم: انظر إلى قوله: دنا من السجد وأراه وهمًا، فإن كان أراد مسجد النبي ﷺ فمنه جاء سعد بن معاذ، وفيه كان، والنبي ﷺ كان نازلًا في بني قريظة، ومنها وجه إلى سعد ليأتيه، إلا أن يريد مسجدًا اختطه النبي ﷺ هناك فصلى فيه مدة مقامه، وأشار إلي أن المسجد تصحيف، وفيما قاله نظر. قال: هذا اللفظ صحيح ثابت في الصحيحين، والتأويل ظاهر، وقد وقع في مسند ابن أبي شيبة وسنن أبي داود فلما طلع على النبي ﷺ . قال النوويّ (٢): وهذا الذي في مسند ابن أبي شيبة (٣) وأبي داود وهو الصحيح. ٣٧٧٠ - عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا أو توسعوا". قلت: رواه الشيخان في الاستئذان من حديث نافع عن ابن عمر يرفعه. (٤)

стр. 1860

٣٧٧١ - أن النبي ﷺ قال: "من قام من مجلسه، ثم رجع إليه، فهو أحق به". قلت: رواه مسلم في الاستئذان وأبو داود في الأدب كلاهما من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ولم يخرجه البخاري. (١) من الحسان ٣٧٧٢ - قال: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا، لما علموا من كراهيته لذلك. (صحيح). قلت: رواه الترمذي في الاستئذان من حديث أنس وقد كفى المصنف مؤنته بقوله: صحيح، وقد تبع الترمذي في ذلك. (٢) ٣٧٧٣ - قال ﷺ : "من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار". قلت: رواه الترمذي في الاستئذان وأبو داود في الأدب كلاهما من حديث أبي مجلز (٣) قال: خرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر، فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر: اجلس فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أحب أن يتمثل، له الرجال قيامًا .. الحديث، وقال الترمذي: حسن (٤). ولفظ المصابيح لفظ الترمذي. ويتمثل: الثاء التي بعد الميم مثلثة أي ينتصب. قوله ﷺ : "فليتبوأ مقعده من النار" لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر، كأنه قال: من سره ذلك وجب أن ينزل منزله من النار. ٣٧٧٤ - قال: خرج رسول الله ﷺ متوكئًا على عصا، فقمنا له، فقال: "لا تقوموا كما تقوم الأعاجم: يعظّم بعضهم بعضًا".

стр. 1861

قلت: رواه أبو داود في الأدب وابن ماجه في الدعاء كلاهما من حديث أبي غالب عن أبي أمامة. (١) وأبو غالب، اسمه: حزور ويقال: نافع، ويقال: سعيد بن الحزوّر. قال يحيى بن معين: صالح الحديث، وقد صحح له الترمذي، وتكلم فيه آخرون. وحزوّر: بفتح الحاء المهملة وبعدها زاي مفتوحة وواو مشددة مفتوحة وبعدها راء مهملة، وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي الزبير عن جابر "أنهم صلوا خلفه قعودًا، قال: فلما سلّم قال: "إن كدتم آنفًا تفعلوا فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم، وهم قعود، فلا تفعلوا؟ (٢) ". ٣٧٧٥ - قال: جاءنا أبو بكرة في شهادة، فقام له رجل من مجلسه، فأبى أن يجلس فيه، وقال: إن النبي ﷺ نهى عن ذا، ونهى النبي ﷺ أن يمسح الرجل يده بثوب من لم يكسه. قلت: رواه أبو داود في الأدب (٣) من حديث أبي عبد الله مولى لآل أبي بُرْدة عن سعيد بن أبي الحسن به، قال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدًا سمى هذا الرجل يعني أبا عبد الله مولى قريش، قال: وإنما ذكرناه على ما فيه، لأنه لا يروى عن رسول الله ﷺ بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه، هذا آخر كلامه. وقال فيه مولى قريش، وفي أبي دواد مولى لآل أبي بردة، ولا يصح أن يكون مولى قريش ومولى آل أبي بردة إلا أن يكون الولاء انجرَّ إليه، ولم أقف له على اسم، وذكر

стр. 1862

الحافظ أبو محمَّد بن طاهر المقدسي هذا الحديث، وقال: رواه أبو داود عبد الله -مولى لآل أبي بردة- عن سعيد وهو غير معروف (١). ٣٧٧٦ - قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس وجلسنا حوله، فقام، فأراد الرجوع، نزع نعله، أو بعض ما يكون عليه، فيعرف ذلك أصحابه فيثبتون. قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث أبي الدرداء (٢) وفي سنده: تمام ابن نجيح قال ابن عدي وغيره: غير ثقة، قال ابن حبان: كان يروي أشياء موضوعة عن الثقات كأنه المتعمد لها، وانتقد عليها أحاديث هذا من جملتها. ٣٧٧٧ - قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما". قلت: رواه أبو داود في الأدب والترمذي في الاستئذان من حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده وقال الترمذي: حسن. (٣) ٣٧٧٨ - قال رسول الله ﷺ : "لا تجلس بين رجلين إلا بإذنهما". قلت: رواه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقد تقدم الكلام في هذا السند. (٤)

стр. 1863

باب الجلوس والنوم والمشي من الصحاح ٣٧٧٩ - قال: رأيت رسول الله ﷺ بفناء الكعبة محتبيًا بيديه. قلت: رواه البخاري في باب الاحتباء باليد من حديث عبد الله بن عمر بن الخطّاب. (١) والاحتباء: جلسة الأعراب وهو ضم الساقين إلى البطن بثوب يجمعهما به مع ظهره، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب، والاسم الحبوة والحبوة بالكسر والضم ومنه الاحتباء. حيطان العرب أي ليس في البوادي حيطان، فإذا أرادوا أن يستندوا احتبوا، لأن الثوب يمنعهم من السقوط ويصير لهم كالجدار (٢). ٣٧٨٠ - قال: رأيت رسول الله ﷺ في المسجد مستلقيًا، واضعًا إحدى قدميه على الأخرى. قلت: رواه البخاري في الصلاة وفي اللباس وفي الاستئذان ومسلم في اللباس وأبو داود في الأدب والترمذي في الاستئذان والنسائيُّ في الصلاة كلهم من حديث عباد بن تميم (٣) عن عمه زاد البخاري على مسلم عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان كانا يفعلان ذلك انتهى، وسعيد بن المسيب لم يصح سماعه من عمر، وأدرك عثمان ولم يحفظ له عنه رواية، وعم عباد بن تميم هو عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني (٤). ٣٧٨١ - قال: نهى رسول الله ﷺ أن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى، وهو مستلق على ظهره.

стр. 1864

قلت: رواه مسلم في اللباس وأبو داود في الأدب والترمذي في الاستئذان من حديث جابر بن عبد الله (١) ولم يخرجه البخاري من حديث جابر. ووجه الجمع بين هذا الحديث والذي قبله أن يحمل النهي على حالة تبدو فيها العورة، فإن لباسهم الإزار دون السراويل والغالب أن الإزار غير سابغ، والمستلقي إذا وضع إحدى رجليه على الأخرى مع ضيق الإزار لم يسلم من أن ينكشف شيء من عورته، وفعله ﷺ كان على وجه لا يظهر منها شيء وهذا لا بأس به ولا كراهة فيه على هذه الصفة. وفيه جواز الاستلقاء في المسجد والنوم، ويحتمل: أنه ﷺ فعل هذا لضرورة اقتضت جوازه، أو لبيان الجواز، وقد علم أن جلوسه ﷺ في المجامع كان على خلاف ذلك من التربع والاحتباء ونحو ذلك (٢). ٣٧٨٢ - أن رسول الله ﷺ قال: "لا يستلقين أحدكم ثم يضع إحدى رجليه على الأخرى". قلت: رواه مسلم أيضًا في اللباس من حديث جابر ولم يخرجه البخاري. (٣) ٣٧٨٣ - قال رسول الله ﷺ : "بينما رجل يتبختر في بُردين، وقد أعجبته نفسه، خُسف به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة". قلت: رواه البخاري في بني إسرائيل ومسلم في اللباس والنسائيُّ فيه كلهم من حديث أبي هريرة. (٤)

стр. 1865

ويتجلجل: بجيمين أي يتحرك وينزل مضطربًا، قيل: يحتمل أن هذا الرجل من هذه الأمة فأخبر النبي ﷺ أنه سيقع هذا، وقيل: بل هو إخبار عمن قبل هذه الأمة، وهذا هو الصحيح، وهو ما فهمه البخاري ولهذا أدخله في ذكر بني إسرائيل (١). من الحسان ٣٧٨٤ - قال: رأيت رسول الله ﷺ متكئًا على وسادة على يساره. قلت: رواه أبو داود في اللباس من حديث سماك بن حرب عن جابر ابن سمرة (٢) قال: دخلت على رسول الله ﷺ في بيته فرأيته متكئًا على وسادة -زاد ابن الجراح وهو عبد الله- على يساره، ورواه الترمذي في الاستئذان وقال: حسن غريب، قال: وروى غير واحد هذا الحديث عن إسرائيل عن سماك عن جابر بن سمرة قال: رأيت رسول الله ﷺ متكئًا على وسادة ولم يذكر على يساره ثم ذكر كذلك وقال عقيبه: حديث صحيح (٣). ٣٧٨٥ - قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس في المجلس، احتبى بيديه. قلت: رواه أبو داود في الأدب والترمذي في الشمائل جميعًا عن سلمة بن شعيب عن عبد الله بن إبراهيم عن إسحاق بن محمد الأنصاري عن ربيح ابن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي سعيد به، وقال أبو داود: عبد الله بن إبراهيم شيخ منكر الحديث انتهى، وليس له عند أبي داود غيره. (٤)

стр. 1866

وربيح بن عبد الرحمن (١): قال فيه الإمام أحمد: ليس بالمعروف، وهو بضم الراء المهملة وفتح الباء الوحدة وسكون الياءآخر الحروف وبعدها حاء مهملة والاحتباء قد تقدم تفسيره في أول الباب. ٣٧٨٦ - أنها [قيلة] رأت رسول الله ﷺ في المسجد، وهو قاعد القُرفصاء، قالت: فلما رأيت رسول الله ﷺ المتخشّع، أرعدت من الفَرَق. قلت: رواه الترمذي في الشمائل (٢) عن عبد بن حميد عن عفان بن مسلم عن عبد الله بن حسان أن جدتيه صفية ودحيبة حدثتاه عن قيلة بنت مخرمة به. ودحيبة: بضم الدال وفتح الحاء المهملتين وسكون المثناة من تحت وبعدها باء بواحدة مفتوحه وتاء تأنيث (٣). والقرفصاء: بضم القاف والفاء جلسة المحتبي بيديه لا الذي يحتبي بثوبه. قال في الصحاح (٤): القرفصاء ضرب من القعود يمد ويقصر، فإذا قلت: قعدت القرفصاء فكأنك قلت: قعدت قعودًا مخصوصًا، وهو أن يجلس على إليتيه، ويلصق فخذيه ببطنه، ويحتبى بيديه بعضهما على ساقيه، كما يُحتبى بالثوب، تكون يداه مكان الثوب. قولها: المتخشع منصوب على أنه صفة رسول الله ﷺ ولا يجوز انتصابه على المفعول الثاني لرأيت لأن الرؤية هنا بمعنى الإبصار والمعنى أنها تصف رسول الله ﷺ بالمهابة مع تواضعه وتخشعه في جلسته.

стр. 1867

والفَرَق: بالتحريك هو الخوف والفزع فهيبته ﷺ ليست عن اكتساب، بل لما وقره الله في الصدور عند رؤيته. ٣٧٨٧ - قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الفجر، تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناء. قلت: رواه أبو داود في الأدب والترمذي والنسائيُّ في الصلاة من حديث جابر بن سمرة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (١). قوله: حسناء: بفتح الحاء والسين المهملتين أي طلوعًا حسنًا يعني بينًا، فيكون نعتًا لمصدر محذوف أي طلوعًا حسنًا، ورواه بعضهم حينًا بكسر الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف أي زمنًا، كأنه يريد مدة جلوسه، ورواه بعضهم حسناء بفتح الحاء المهملة وسكون السين على وزن فعلاء ممدودة وإنما يظهر حسنها إذا أخذت في الارتفاع فحينئذ يتكامل ضوؤها ويحسن، فيكون حالًا من الشمس أي تطلع نقية بيضاء زايلة عنها الصفرة. وفي فعله هذا فوائد: أحدها: الجلوس للذكر فإنه وقت شريف، وقد جاءت أحاديث في الذكر ذلك الوقت، والثاني: أنه لما يعبد الإنسان لله قبل طلوع الشمس لازم مكان التعبد إلى أن تنتهي حركات الساجدين الشمس إذا طلعت. الثالث: مجيء سائل عن أمر دينه أو من يقص رؤياه أو نحو ذلك. ٣٧٨٨ - قال: إن النبي ﷺ كان إذا عرّس بليل، اضطجع على شقه الأيمن، وإذا عرّس قبيل الصبح، نصب ذراعه، ووضع رأسه على كفه.

стр. 1868

قلت: رواه مسلم في الصلاة والترمذي في الشمائل جميعًا (١) من حديث أبي قتادة ولم يذكره خلف وذكره الحميدي (٢) والمزي ونسباه لمسلم، وقال أبو القاسم: لم أجده في كتاب مسلم. فعلى ما قاله الحميدي كان من حق الشيخ أن يذكره في الصحاح. والتعريس: قال الجوهري (٣): نزول القوم في السفر من آخر الليل، يقعون فيه وقعة الاستراحة ثم يرتحلون. وأعرسوا: لغة قليلة، والموضع معرَّس ومُعْرس يعني تشديد الراء وتخفيفها مع ضم الميم فيهما وفتح العين في الأولى وسكونها في الثاني. ٣٧٨٩ - قال: كان فراش رسول الله ﷺ نحوًا مما يوضع في قبره، وكان المسجد عند رأسه. قلت: رواه أبو داود في اللباس بمثل معناه من حديث أم سلمة وكذلك ابن ماجه في الصلاة. (٤) ٣٧٩٠ - إن النبي ﷺ رأى رجلًا مضطجعًا على بطنه، فقال: إن هذه ضِجْعة لا يحبها الله. قلت: رواه الترمذي في الاستئذان من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة. (٥) وضجعة: بكسر الضاد للهيئة كالجلسة.

стр. 1869

٣٧٩١ - قال: بينما أنا مضطجع في السحر على بطني، إذا رجل يحركني برجله، فقال: "إن هذه ضِجْعة يبغضها الله"، فنظرت فإذا هو رسول الله ﷺ . قلت: رواه أبو داود وابن ماجه كلاهما في الأدب والنسائي في الوليمة (١) أما أبو داود فرواه عن محمد بن مثنى عن معاذ بن هشام عن أبيه عن يحيى بن كثير عن أبي سلمة عن يعيش بن طخفة بن قيس الغفاري قال: كان أبي من أصحاب الصفة فقال رسول الله ﷺ : انطلقوا بنا إلى بيت عائشة ﵂ فانطلقنا فقال: يا عائشة أطعمينا، فجاءت بجشيشة فأكلنا ثم قال: يا عائشة أطعمينا فجاء بحيسة مثل العطاء فأكلنا، ثم قال: يا عائشة اسقينا فجاءت بعس من لبن فشربنا، ثم قال: يا عائشة اسقينا فجاءت بقدح صغير فشربنا، ثمَّ قال: إن شئتم ثم وإن شئتم انطلقتم إلى المسجد قال: فبينما أنا مضطجع من السحر على بطني إذا رجل يحركني برجله ... الحديث. وليس في حديث أبي داود عن وفي حديث النسائي عن قيس قال: حدثني أبي وعند ابن ماجه عن قيس ابن طهفة عن أبيه مختصرًا وفيه اختلاف كثير قال ابن عبد البر: وقد اضطربوا فيه اضطرابًا شديدًا فقيل: طهفة بن قيس بالهاء، وقيل: طخفة بالخاء، وقيل: طغفة بالغين، وقيل: طقفة بالقاف والفاء، وقيل: قيس بن طخفه وقيل: يعيش بن طخفة، وقيل: عبد الله بن طخفة، وقيل: طهفة بن أبي ذر عن النبي ﷺ وحديثهم كلهم واحد، قال: كنت نائمًا بالصّفة، فركضني رسول الله ﷺ برجله وقال: "هذه نومة يبغضها الله ، وكان من أهل الصفة، ومن أهل العلم من يقول: الصحبة لأبيه عبد الله، فإنَّه صاحب القصة انتهى كلامه (٢).

стр. 1870

وذكر البخاري فيه اختلافًا كثيرًا وقال: طغفة خطأ، وذكر أنه روى عن يعيش بن طخفة عن قيس الغفاري، قال: كان أبي، ولا يصح قيس فيه، وذكر أنه روى عن أبي هريرة وقال: ولا يصح أبو هريرة، انتهى. والجشيشة: بفتح الجيم وبعدها شين معجمة مكسورة ثم ياء مثناة من تحت ثم شين معجمة مفتوحة وتاء تأنيث، هو: أن يُطحن البر أو غيره ثم يجعل في القدر، ويلقى عليه لحم أو تمر، ويقال لها أيضًا دشيشة بالدال المهملة (١). والحيس: بفتح الحاء المهملة وبالياء المثناة من تحت وبالسين المهملة، هو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسمن، وقد يجعل عوض الأقط الدقيق، قال الراجز: التمر والسمن معًا، ثم الأقط ... الحيس، إلا أنه لم يختلط. والعس: القدح الكبير، والجمع: عِساس، وأعساس، يسع بقدر ثمانية أرطال، أو تسعة، وهو بضم العين وتشديد السين المهملتين. والضجعة: بكسر الضاد المعجمة وسكون الجيم وبالعين المهملة، مثل: الجلسة والركبة، يقال: فلان حسن الضجعة، فهي بالكسر من الاضطجاع، وهو من وضع الجنب بالأرض، وأما بالفتح فللمرة، ولا يأتي هنا هذه. (٢) ٣٧٩٢ - قال رسول الله ﷺ : "من بات على ظهر بيت ليس عليه حِجَار، فقد برئت منه الذمّة". قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث عبد الرحمن بن يعلى بن سنان عن أبيه (٣)، ولفظة أبي داود في النسخ المعتمدة: "ليس عليه حجار"، براء مهملة بعد الألف، والحجار: جمع حجر بكسر الحاء، والحجر ما يحجب به من حائط ونحو ذلك، ومنه حجر البيت العتيق، وأصل هذه المادة: المنع، ومنه حجر الحاكم أي ليس عليه سترة

стр. 1871

تمنعه من السقوط، وفي بعض نسخ أبي داود: "من بات على ظهر بيت ليس عليه حجاب" (١) بالباء، وهو الذي يحجب الإنسان من الوقوع، وفي معالم السنن للخطابي: "من نام على ظهر بيت ليس عليه حجى"، وهي رواية المصابيح في النسخ المسموعة بوزن "حمى". وقال الخطابي في تفسيره (٢): أنه يروى بكسر الحاء المهملة وفتحها، ومعناه فيهما معنى الستر، انتهى، ويؤيد رواية الكسر تبويب مخرج الحديث وهو أبو داود، فإنه قال: "باب النوم على سطح غير محجور"، ويعضدها أيضًا حديث جابر الذي بعده. قوله: "فقد برئت منه الذمة" معناه -والله أعلم-: أن لكل واحد من الله عهد وذمة بالحفظ والكلأ، فإذا ألقى نفسه في الهلكة خذلته ذمة الله تعالى، وانقطع عليه عهده، ويجوز أن يكون معناه: فقد تصدى للهلاك وأزال العصمة عن نفسه وصار كالذي لا دية له، فلعله ينقلب في نومه فيسقط ويموت بهذا (٣). ٣٧٩٣ - قال: نهى رسول الله ﷺ أن ينام الرجل على سطح ليس بمحجور. قلت: رواه الترمذي من حديث جابر (٤). ٣٧٩٤ - قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لأحد أن يفرّق بين اثنين إلا بإذنهما". قلت: رواه أبو داود في الأدب، والترمذي في الاستئذان من حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده، وقال: حديث حسن (٥)، فقد تقدم في الباب قبله. ٣٧٩٥ - قال: ملعون على لسان محمد ﷺ من قعد وسط الحلقة.

стр. 1872

قلت: رواه أبو داود في الأدب والترمذي، وقال: حسن صحيح (١)، ولفظه: قال حذيفة: ملعون على لسان محمد، أو لعن الله على لسان محمد ﷺ من قعد وسط الحلقة، ولفظ أبي داود: أن رسول الله ﷺ لعن من جلس وسط الحلقة، قيل: وهذا يناول فيمن يأتي حلقة قوم فيتخطى رقابهم ويقعد وسطها، ولا يقعد حيث ينتهي به المجلس، فلعن للأذى، وقد يكون من ذلك أنه إذا قعد وسط الحلقة حال بين الوجوه، وحجب بعضهم عن بعض، فيتضررون بمكانه وبمقعده هناك (٢). و"وسط": قال ابن الأثير وغيره (٣): هو بالسكون، يقال: لكل ما كان متفرق الأجزاء غير متصل، كالناس والدواب وغيرها، فإذا كان متصل الأجزاء كالدار والرأس فهو بالفتح، وقيل: كل ما يصلح فيه بيْن فهو بالسكون، وما لا يصلح فيه بَيْن فهو بالفتح، وقيل: كل منهما يقع موقع الآخر. ٣٧٩٦ - قال رسول الله ﷺ : "خير المجالس أوسعُها". قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرة الأنصاري عن أبي سعيد، وسكت عليه (٤). ٣٧٩٧ - قال: جاء رسول الله ﷺ ، وأصحابه جلوس، فقال: "ما لي أراكم عزين؟ ". قلت: رواه مسلم في الصلاة، وأبو داود في الأدب، والنسائي في التفسير، ثلاثتهم من حديث تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة، وفي رواية أبي داود: "كأنه يحب الجماعة". فكان من حق المصنف أن يذكره في الصحاح، وقد عزاه لمسلم جماعة من الحفاظ، منهم: الحميدي، وعبد الحق، والحافظ المنذري، وابن الأثير والمزي وهو ثابت

стр. 1873

في مسلم (١)، والله أعلم. وعزين: بكسر العين المهملة وبالزاء المعجمة وبعدها ياء مثناة من تحت ثم نون، ومعناه: متفرقين مختلفين، لا يجمعكم مجلس واحد. ٣٧٩٨ - قال ﷺ : "إذا كان أحدكم في الفيء، فقلص عنه، فصار بعضه في الشمس، فليقم، فإنه مجلس الشيطان". قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث محمد بن المنكدر قال: حدثني من سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ .. الحديث، إلا قوله: "فإنه مجلس الشيطان". وراويه عن أبي هريرة مجهول، ورواه في شرح السنة بهذه الزيادة من حديث عبد الرزاق عن معمر عن ابن المنكدر عن أبي هريرة موقوفًا ثم قال: هكذا رواه معمر موقوفًا، ورواه سفيان عن محمَّد بن المنكدر قال: حدثني من سمع أبا هريرة قال رسول الله ﷺ ... فذكره. يقال: قلص الشيء تقلص قلوصًا: ارتفع (٢). ٣٧٩٩ - قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى، تكفأ تكفُأً، كأنما ينحط من صبب. قلت: رواه الترمذي في المناقب، في حديث طويل من حديث علي، وقال: حديث

стр. 1874

حسن صحيح (١). وتكفأ: أي تمايل إلى قدام كما يتكفّأ السفينة في جريها، قال في النهاية (٢): هكذا رُوي غير مهموز، والأصل الهمز، وبعضهم يرويه مهموزًا؛ لأنَّ مصدر تفعّل من الصحيح تفعُّلٌ، كتقدم تقدمًا، وتكفأ تكفؤًا، والهمزة حرف صحيح، فإذا اعتلَّ انكسرت عين المستقبل، ومنه تحفّى تحفِّيًا، وتسَمّى تسمِّيًا فإذا خفّفَت الهمزة، التحقت بالمُعْتل، وصار تكفِّيًا بالكسر. قوله: من صبب أي موضع منحدر. - ويروى: كان إذا مشى تقلّع. قلت: رواه الترمذي أيضًا في حديث طويل في الشمائل. (٣) قوله: تقلّع أي كان قوي المشي، يرفع رجليه من الأرض رفعًا ثابتًا بقوة، لا كمن يمشي اختيالًا ويقارب خطاه تنعمًا قاله في النهاية (٤). الانحدار: من الصَّبب، والتقلّع: من الأرض قريب بعضه من بعض. ٣٨٠٠ - قال: ما رأيت أحدًا أسرع في مشيه من رسول الله ﷺ كأنما الأرض تطوى له، إنا لنُجهد أنفسنا، وإنه لغير مكترث. قلت: رواه الترمذي في المناقب من حديث أبي هريرة قال: ما رأيت شيئًا أحسن من رسول الله ﷺ ، كأنّ الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحدًا أسرع في مشيته من

стр. 1875

رسول الله ﷺ (١). وذكره (٢) وفي سنده ابن لهيعة وقد تقدم الكلام عليه. قوله لنجهد أنفسنا يجوز فيه فتح النون وضمها يقال: جهدتها وأجدتها إذا كلفتها فوق طاقتها. قوله: لغير مكترث أي مبال. ٣٨٠١ - أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو خارج من المسجد، فاختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال للنساء: "استأخِرن فإنه ليس لكُنّ أن تحقُقْن الطريق، عليكن بحافات الطريق"، فكانت المرأة تلصق بالجدار، حتى إن ثوبها ليعلق بالجدار. قلت: رواه أبو داود في آخر السنن من حديث حمزة بن أبي أسيد الأنصاري عن أبيه (٣) به، وفي سنده: شداد بن أبي عمرو بن حماس تابعي لا يعرف. وأبو أسيد: هو بضم الهمزة وفتح السين المهملة وقيده بعضهم بفتح الهمزة وكسر السين والصواب الأول، واسمه: مالك بن ربيعة هذا هو المشهور وقيل هلال. وتحققْن: هو بالحاء المهملة ساكنة وبقافين، أي ليس لهن أن يركبن حقها أي وسطها. قوله ﷺ : عليكن بحافات الطريق، هو بحاء مهملة وبعدها فاء وهي الناحية. ٣٨٠٢ - أن النبي ﷺ نهى أن يمشي -يعني الرجل- بين المرأتين. قلت: رواه أبو داود في آخر سننه من حديث داود بن صالح عن نافع عن ابن عمر يرفعه (٤) وداود هذا: منكر الحديث، قال أبو زرعة الرازي: لا أعرفه إلا في حديث

стр. 1876

واحد، يرويه عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ وهو حديث منكر، وذكر البخاري هذا الحديث في تاريخه الكبير من رواية داود هذا وقال: لا يتابع عليه. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات حتى كأنه يتعمد لها وذكر له هذا الحديث (١). ٣٨٠٣ - قال: كنا إذا أتينا رسول الله ﷺ ، جلس أحدنا حيث ينتهي. قلت: رواه أبو داود في الأدب والترمذي في الاستئذان والنسائي في العلم من حديث جابر بن سمرة وقال الترمذي: حسن غريب انتهى كلامه (٢) وفي سنده شريك بن عبد الله القاضي وفيه لين. باب العطاس والتثاؤب من الصحاح ٣٨٠٤ - عن النبي ﷺ قال: "إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم وحمد الله، كان حقًّا على كل مسلم سمعه: أن يقول له: يرحمك الله، فأما التثاؤب، فإنما هو من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم، فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان".

стр. 1877

قلت: رواه البخاري في صحيحه في آخر كتاب الأدب بهذا اللفظ وأبو داود مختصرًا في الأدب والترمذي في الاستئذان والنسائي في اليوم والليلة كلهم من حديث أبي ذيب عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة ولم يخرجه مسلم. (١) ومعنى: "يحب العطاس" أن العطاس سببه محمود وهو: خفة الجسم التي تكون لقلة الأخلاط وتخفيف الغذاء، وهو أمر مندوب إليه، لأنه يضعف الشهوة ويسهل الطاعة، والتثاؤب: ضد ذلك وإنما أضيف إلى الشيطان لأنه هو الذي يزين للنفس شهواتها (٢). قوله ﷺ : "كان حقًّا على كل مسلم سمعه أن يقول: يرحمك الله" قال في شرح السنة (٣): يريد أنه من فروض الكفايات وما قاله ليس بمذهب الشافعي بل مذهب مالك، وذهب الشافعي وأصحابه إلى أنَّه سنة وأدب كقوله ﷺ : "حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام" وذهب أهل الظاهر إلى وجوبه واختلف العلماء في كيفية الحمد والرد فقيل: يقول: الحمد لله رب العالمين، وقيل: الحمد لله على كل حال وقيل: مخير بين هذا كله. قال النووي (٤): وهذا هو الصحيح وأما لفظ التشميت، فقيل: يقول يرحمك الله، وهذا الحديث يشهد له، وقيل: يقول الحمد لله يرحمكم الله، وقيل: يقول يرحمنا الله وإياكم. - وفي رواية: "فإن أحدكم إذا قال: هاه، ضحك منه الشيطان".

стр. 1878

قلت: رواها البخاري وأبو داود جميعًا في الأدب من حديث أبي هريرة (١) ومعنى: إذا قال: ها، يعني بالغ في التثاؤب، ضحك الشيطان فرحًا بذلك، وقيل: ما تثاءب نبي قط (٢). ٣٨٠٥ - إن النبي ﷺ قال: "إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله، وليقل له أخوه، أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم". قلت: رواه البخاري وأبو داود جميعًا في الأدب والنسائيُّ في اليوم والليلة من حديث أبي هريرة. (٣) ومعنى أصلح بالكم أي حالكم، قيل: وإنما أمر بالحمد لما حصل له من المنفعة بالعطاس وهو خروج ما احتقن من الأبخرة بدماغه، ويحتمل: أن يكون الحمد لما حصل له من سلامة الأعضاء وبقائها على صورتها لم يدخلها شين بسبب العطاس وهذا ضعيف، وعندي أن سبب الحمد: تسهيل خروج العطاس، فلولا سلامة البدن من كثير من الأمراض لما تيسر خروجه، وقد جربت ذلك، فكان إذا حصل لي ضعف بجنبي أو صدري أو بظهري فأتى العطاس فلا أستطيع أن أخرجه، ويحصل لي مشقة عظيمة، وإن خرج يخرج بمشقة شديدة وألم متزايد، وقد تقدم كيفية الحمد والتشميت. بقي الكلام في رد العاطس على المشمت فقيل: يقول: يهديكم، ويصلح بالكم وقيل: يقول يغفر الله لنا ولكم، وقال مالك والشافعي: يتخير بين هذين (٤).

стр. 1879

٣٨٠٦ - عطس رجلان عند النبي ﷺ ، فشمّت أحدهما ولم يشمت الآخر! فقال الرجل: يا رسول الله شمت هذا،- ولم تشمتني؟ قال: "إن هذا حمد الله، ولم تحمد الله". قلت: رواه البخاري وأبو داود جميعًا في الأدب ومسلم في الزهد والترمذي في الاستئذان من حديث أنس بن مالك. (١) قوله: "شمت أحدهما" يروى بالشين المهملة والسين المعجمة وهما لغتان مشهورتان، المعجمة أفصح، قال ثعلب: معناه بالمعجمة: أبعد الله عنك الشماتة، وأما المهملة: فمن السمت وهو القصد والهدي (٢). وفي الحديث بيان أن العاطس إذا لم يحمد الله لا يستحق التشميت. ٣٨٠٧ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا عطس أحدكم، فحمد الله، فشمتوه، وإن لم يحمد الله، فلا تشمّتوه". قلت: رواه مسلم في الزهد من حديث أبي موسى ولم يخرجه البخاري. (٣) ٣٨٠٨ - أنه سمع النبي ﷺ وعطس رجلٌ عنده فقال له: "يرحمك الله"، ثمَّ عطس أخرى، فقال: "الرجل مزكوم". قلت: رواه مسلم في الزهد وأبو داود وابن ماجه كلاهما في الأدب والترمذي في الاستئذان والنسائي في اليوم والليلة من حديث سلمة ابن الأكوع. (٤) وفي رواية للترمذي قال له في الثالثة أنت مزكوم ولم يخرجه البخاري. (٥)

стр. 1880

وقد ذهب جماعة إلى أنه يشمت ثلاثًا لرواية الترمذي. - قوله في المصابيح. ويروى أنه قال في الثالثة: "إنه مزكوم". قلت: رواها الترمذي من حديث سلمة بن الأكوع، وليست في الصحيحين ولا في واحد منهما بل الذي في مسلم هو ما تقدم في الحديث، فكان من حق المصنف أن يؤخر هذه الرواية إلى الحسان. قال النووي (١): وقد اختلف العلماء فيمن تكرر عطاسه فقال بعضهم: يقال له: في الثانية إنك مزكوم وقيل يقال في الثالثة وقيل في الرابعة قال: والأصح أنه يقال: في الثالثة انتهى ومن قال بذلك استدل بهذه الرواية. وأما رواية مسلم المتقدمة فإنها وإن لم يكن فيها تكرار فيجوز أن يكون عرف منه أن عطاسه عن زكام، وأن التكرار إنما يشرع إذا لم يعلم حال العاطس، ويجوز أن يكون تكرر العطاس من ذلك الرجل وكان هذا القول بعد الثالثة، ولعل الراوي لم يحضر إلا الثالثة، أو لم يجعل باله إلا حينئذ توفيقًا بين الروايتين، وإنما قال له ﷺ : إنه مزكوم، إشارة إلى أنه ليس ممن يشمت بعد هذا، لأن الذي به زكام ومرض لاحقه العطاس. قال النووي (٢): ويستحب أن يدعى له بغير دعاء العطاس المشروع، بل دعاء المسلم للمسلم بالعافية والسلامة، ويجوز ذلك، ولا يكون من باب التشميت. ٣٨٠٩ - أن رسول الله ﷺ قال: "إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه، فإن الشيطان يدخل". قلت: رواه مسلم في الزهد وأبو داود في الأدب من حديث أبي سعيد. (٣)

стр. 1881

وفي الحديث دليل على أنه ليس له إذا تثاءب أن يضع يده على فيه، سواء كان التثاؤب في الصلاة أو خارجها، يستحب وضع اليد على الفم، وإنما يكره للمصلي وضع اليد على فمه في الصلاة إذا لم يكن حاجة، نبه عليه النووي وغيره (١). من الحسان ٣٨١٠ - أن رسول الله ﷺ كان إذا عطس، غطّى وجهه بيده أو بثوبه، وغض بها صوته. قلت: رواه أبو داود في الأدب والترمذي في الاستئذان وقال: حسن صحيح، جميعًا من حديث أبي هريرة (٢) واللفظ للترمذي، وقول الترمذي: صحيح، فيه نظر فإن في رجاله: محمد بن عجلان ذكره البخاري في الضعفاء، وهو إمام جليل قال الحاكم: أخرج له مسلم ثلاثة عشر حديثًا في الشواهد. ٣٨١١ - أن النبي ﷺ قال: "إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله على كل حال، وليقل الذي يرد عليه يرحمك الله، وليقل هو: يهديكم الله ويُصلح بالكم". قلت: رواه الترمذي في الاستئذان والنسائي في اليوم والليلة والمصنف في شرح السنة من حديث شعبة عن محمَّد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن أخيه عيسى بن عبد الرحمن عن ابن أبي ليلى عن أبي أيوب به، قال الترمذي: هكذا رواه شعبة عن ابن أبي ليلى

стр. 1882

وقال: عن أبي أيوب (١) عن النبي ﷺ قال: وكان ابن أبي ليلى مضطربًا في هذا الحديث، يقول أحيانًا: عن أبي أيوب عن النبي ﷺ ، ويقول أحيانًا: عن علي عن النبي ﷺ انتهى كلامه، ومدار هذا الحديث على ابن أبي ليلى والله أعلم. ٣٨١٢ - قال: كان اليهود يتعاطسون عند النبي يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله، فيقول: "يهديكم الله ويصلح بالكم". قلت: رواه أبو داود في الأدب والترمذي في الاستئذان والنسائي في اليوم والليلة من حديث أبي موسى وقال الترمذي: حسن صحيح. (٢) ٣٨١٣ - قال: كنا مع سالم بن عبيد، فعطس رجل فقال: السلام عليكم، فقال سالم: عليك وعلى أمك، فكأن الرجل وجد في نفسه، فقال: إني لم أقل إلا ما قاله النبي ﷺ ، عطس رجل عند النبي ﷺ فقال: السلام عليكم، فقال ﷺ : "عليك وعلى أمك! إذا عطس أحدكم، فليقل: الحمد لله رب العالمين، وليقل له من يرد عليه: يرحمك الله، وليقل: يغفر الله لي ولك". قلت: رواه أبو داود والترمذي والنسائيُّ من حديث منصور بن هلال بن يساف (٣) واللفظ للترمذي وقال: هذا الحديث اختلفوا في روايته عن منصور وقد أدخلوا بين هلال وبين سالم رجلًا.

стр. 1883

ويساف بكسر الياء المثناة من تحت وبعدها سين مهملة مفتوحة وبعد الألف فاء هكذا يقوله المحدثون. وقال أبو عبيد: ويقال أساف وقال غيره: وهو كلام العرب، وبعضهم بفتح الياء لأنه لم يأت في كلام العرب كلمه أولها ياء مكسورة، إلا قولهم يسار، وهذا الذي قاله، حكاه الفربري في اليد اليسار في آخر كتابه. وسئل الشيخ أبو محمَّد عبد الله بن موسى كلم ثمّ كلمة أولها ياء مكسورة؟ فقال ﵁: لفظتان: قولهم: يسار في اسم اليد، ويقاظ: جمع يقظان، فقيل له: قولهم في اسم الرجل "هلال بن [يساف] " فقال: يلحق بها؛ لأن الياء بدل من الهمزة في أساف، ولا يكون الياء إلا مكسورة، كما كانت الهمزة، وقال غيره في قوله ﷺ : "تبلغ المساكن إهاب أو يهاب" فتكون هذه الياء التي هى بدل من الهمزة مكسورة كالهمزة، ويصير جملة الألفاظ أربعة. وأما سالم بن عبيد فأشجعي له صحبة وكان من أصحاب الصفة ﵃ (١). ٣٨١٤ - قال رسول الله ﷺ : "شمّت العاطس ثلاثًا، فإن زاد، فإن شئت فشمته، وإن شئت فلا". (غريب). قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث حميدة أو عبيدة -على الشك- بنت عبيد بن رفاعة عن أبيها عن النبي ﷺ ، وهذا مرسل، عبيد بن رفاعة ليست له صحبة وأما أبوه وجده فلهما صحبة. (٢)

стр. 1884

وفي إسناده يزيد بن عبد الرحمن وهو أبو خالد المعروف بالدالاني وقد تقدم الاختلاف فيه ورواه الترمذي في الاستئذان من حديث عمر بن إسحق ابن أبي طلحه عن أمه عن أبيها وقال: هذا حديث غريب وإسناده مجهول. ٣٨١٥ - عن النبي ﷺ قال: "شمّت أخاك ثلاثًا، فما زاد، فهو زكام". قلت: رواه أبو داود من حديث سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة موقوفًا عليه (١) قال: وفي رواية: عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة، قال: لا أعلمه إلا أنه رفع الحديث إلى النبي ﷺ ، قال أبو داود: رواه أبو نعيم عن موسى بن قيس عن محمد بن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وموسى بن قيس هذا الذي رفعه كوفي، يقال له: عصفور الجنة، وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال أبو جعفر العقيلي: يحدث بأحاديث رديئة بواطيل، وذكر أيضًا أنه من الغلاة في الرفض (٢)، وقد تقدم الكلام على من عطس مرارًا.

стр. 1885

باب الضحك من الصحاح ٣٨١٦ - " ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعًا ضاحكًا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسّم". قلت: رواه البخاري في التفسير وفي الأدب ومسلم في الاستسقاء وأبو داود في الأدب كلهم من حديث سليمان بن يسار عن عائشة. (١) واللهوات: جمع اللهاة، وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أعلى الحنك قاله الأصمعي. والضحك جائز والأفضل الاقتصار على التبسم كما كان يفعل ﷺ ، قال العلماء: ويكره الإكثار من الضحك وهو في أهل العلم والمراتب أقبح. ٣٨١٧ - قال: ما حجبني النبي ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم لي. قلت: رواه البخاري في الجهاد وفي الأدب وهو أيضًا ومسلم والترمذي والنسائي في المناقب وابن ماجه في السنة كلهم من حديث جرير بن عبد الله البجلي (٢). ٣٨١٨ - قال: كان رسول الله ﷺ لا يقوم من مصلّاه الذي يصلي فيه الصبح، حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس، قام، وكانوا يتحدثون، فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسم. قلت: رواه مسلم في الصلاة من حديث جابر بن سمرة. (٣) قوله في المصابيح: ويروى: يتناشدون الشعر.

стр. 1886

قلت: هذه الرواية ليست في شيء من الصحيحين إنما هي في الترمذي فكان من حق المصنف أن يذكرها في الحسان. (١) من الحسان ٣٨١٩ - قال: ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله ﷺ . قلت: رواه الترمذي في المناقب من حديث عبد الله بن الحارث بن جَزْء، وفي سنده ابن لهيعة القاضي. (٢) باب الأسامي من الصحاح ٣٨٢٠ - قال: كان النبي ﷺ في السوق، قال رجل: يا أبا القاسم! فالتفت إليه النبي ﷺ فقال: إنما دعوت هذا! فقال النبي ﷺ : "سموا باسمي، ولا تكنّوا بكنيتي". قلت: رواه البخاري في البيوع ومسلم في الأسماء والكنى والترمذي في الاستئذان من حديث أنس بن مالك. (٣) وهذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة في هذا المعنى دليل لما ذهب إليه الإمام الشافعي ﵁ وأرضاه من أنه لا يجوز لأحد من خلق الله تعالى غير رسول الله ﷺ أن يكنى بأبي القاسم سواء كان اسمه محمدًا أو غيره.

стр. 1887

وفي المسألة مذاهب: أحدها: هذا الذي ذهب إليه الشافعي، ومن وافقه من العلماء وقد روى عن الشافعي هذا الأئمة الحفاظ المتقنون الأثبات منهم أبو بكر البيهقي والبغوي في تهذبيه في أول كتاب النكاح وأبو القاسم بن عساكر في تاريخ دمشق (١). والمذهب الثاني: مذهب مالك أنه يجوز التكني بأبي القاسم لمن اسمه محمد ولغيره ويجعل النهي خاصًّا بحياته ﷺ . والمذهب الثالث: لا يجوز لمن اسمه أحمد ويجوز لغيره، قال أبو القاسم الرافعي ويشبه أن يكون هذا الثالث أصح لأن الناس لم يزالوا يكتنون به وجميع الأعصار من غير إنكار انتهى كلامه. وظاهر الأحاديث مع الشافعي ﵁ ولكن قد يكني به جماعات من الأئمة الأعلام وأهل الحل والعقد الذين يقتدى بهم في الدين، وهذا فيه تقوية لمذهب مالك ويكونون قد فهموا من النهي الاختصاص بحياته ﷺ (٢). ٣٨٢١ - أن رسول الله ﷺ قال: "تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي، فإني إنما جعلت قاسمًا أقسم بينكم". قلت: رواه البخاري في الأدب ومسلم في الأسماء جميعًا من حديث جابر ابن عبد الله ورواه أبو داود مختصرًا. (٣) قوله ﷺ : "فإني إنما جعلت قاسمًا أقسم" قال القاضي عياض (٤): هذا يشير إلى أن الكنية إنما تكون بسبب وصف صحيح في المكنى أو بسبب اسم ابنه، وأما غير أبي

стр. 1888

القاسم من الكنى فأجمع المسلمون على جوازه سواء كان له ابن أو بنت يكنى بها أو به أو لم يكن له ولد أو كان صغيرًا أو كني بغير ولده (١). ٣٨٢٢ - قال رسول الله ﷺ : "إن أحب أسمائكم إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن". قلت: رواه مسلم في الأسماء وأبو داود في الأدب والترمذي في الاستئذان كلهم من حديث ابن عمر. (٢) وفي هذا الحديث تفضيل التسمية بهذين الاسمين وتفضيلهما على سائر ما سمي به، ولعل هذا محمول على من أراد أن يسمي نفسه بالعبودية، فتقديره: أحب أسمائكم إلى الله إذا تسميتم بالعبودية عبد الله وعبد الرحمن، لأنهم كانوا يسمون بعبد الدار وعبد شمس أو يكون محمولًا على غير اسم محمد، وإلا فمحمد وأحمد وجميع أسماء النبي ﷺ أحب إلى الله من جميع الأسماء غيرها، فإن الله تعالى لم يختر لنبيه ﷺ إلا ما هو أحب إليه، هذا هو الصواب، ولا يجوز حمله على الإطلاق. ٣٨٢٣ - قال ﷺ : "لا تسمين غلامك يسارًا، ولا رباحًا، ولا نجيحًا، ولا أفلح، فإنك تقول: أثم هو؟ فلا يكون، فيقال: لا". قلت: رواه مسلم في الأدب من حديث سمرة بن جندب (٣) وأول الحديث قدمه المصنف في باب الدعاء، وهو قوله ﷺ : "أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا يضرك بأيهن بدأت، لا تسمين غلامك .. إلى آخره ولم يخرجه البخاري، ويلحق بهذه الأسماء ما في معناها. قال أصحابنا: تكره التسمية بهذه الأسماء المذكورة في الحديث وما في معناها، ولا تختص الكراهة بها وحدها، وهي كراهة تنزيه لا تحريم، والعلة في الكراهة ما بينه ﷺ . - وفي رواية عنه: "لا تسمّ غلامك رباحًا، ولا يسارًا، ولا أفلح، ولا نافعًا".

стр. 1889

قلت: رواها مسلم والترمذي كلاهما في الاستئذان وأبو داود في الأدب ثلاثتهم من حديث سمرة بن جندب (١). ووهم ابن الأثير (٢) فعزاه لأبي داود والترمذي خاصة. ٣٨٢٤ - أراد النبي ﷺ أن ينهى أن يسمّى بـ: يعلى، وببركة، وبأفلح، وبيسار، وبنافع، وبنحو ذلك، ثم رأيته سكت بعد عنها، ثم قبض ولم ينه عن ذلك. قلت: رواه مسلم في الأدب من حديث جابر بن عبد الله ولم يخرجه البخاري (٣). قوله: أراد النبي ﷺ أن ينهى عن هذه الأسماء، معناه: أنَّه أراد أن ينهى عنها نهي تحريم، وأما النهي الذي هو للتنزيه فقد نهى عنه، بدليل ما تقدم من الأحاديث. وقد روى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إن عشت إن شاء الله أنهى أمتي أن يسمُّوا نافعًا وأفلح وبركة". (٤) قال الأعمش: ولا أدري ذكر نافعًا أم لا؟ فإن الرجل يقول: إذا جاء بركة فيقولون: لا. قال أبو داود: روى أبو الزبير عن جابر نحوه ولم يذكر "بركة" (٥). ٣٨٢٥ - قال رسول الله ﷺ : "أخنى الأسماء عند الله يوم القيامة رجل يسمى ملك الأملاك". قلت: رواه البخاري وأبو داود كلاهما في الأدب من حديث أبي هريرة يرفعه (٦) وروى الشيخان أن رسول الله ﷺ قال: "إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك" زاد في رواية: "لا مالك إلا الله" قال شقيق: مثل شاهان شاه.

стр. 1890

قال الإمام أحمد: سألت أبا عمرو عن "أخنع" قال: أوضع (١)، وكذلك أخنى أوضع وأذل وأرذل، والخنى: الفحش، ويكون بمعنى أهلك ومنه قولهم: أخنى عليها الدهر أي أهلكها، واختلف في معنى: "ملك الأملاك"، فقيل: ما قاله شقيق، وقيل: هو أن يسمى بأسماء الله الذي هو ملك الأملاك: كالجبار والقادر والقاهر ونحوها (٢). ٣٨٢٦ - قال ﷺ : "أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبث: رجل كان يسمى ملك الأملاك، لا ملك إلا الله". قلت: رواه مسلم في الأدب من حديث أبي هريرة يرفعه ولم يخرجه البخاري. (٣) قال ابن الأثير (٤): وهذا من مجاز الكلام ومعدوله عن ظاهره، فإن الغيظ صفة تغير في المخلوق عند احتداده، يتحرك لها، والله منزه عن ذلك، وإنما هو كناية عن عقوبته للمتسمِّى بهذا الاسم: أي أنه أشد أصحاب هذه الأسماء عقوبة عند الله تعالى. ٣٨٢٧ - زينب بنت أبي سلمة قالت: سُمّيت برة، فقال رسول الله ﷺ : "لا تزكوا أنفسكم، الله أعلم بأهل البر منكم، سموها زينب". قلت: رواه مسلم في الأدب من حديث زينب بنت أبي سلمة ولم يخرجه البخاري. (٥) ٣٨٢٨ - (٦) أن بنتًا لعمر كانت يقال لها: عاصية، فسماها رسول الله ﷺ جميلة.

стр. 1891

قلت: رواه مسلم في الأدب من حديث عمر بن الخطاب ولم يخرجه البخاري. (١) ٣٨٢٩ - قال: أتي بالمنذر بن أبي أسَيْد إلى النبي ﷺ حين ولد، فوضعه على فخذه، فقال: "ما اسمه؟ " قال: فلان، قال: "لكن اسمه المنذر". قلت: رواه الشيخان في الأدب من حديث أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي يرفعه. (٢) ٣٨٣٠ - قال ﷺ : "لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي! كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل: غلامي وجاريتي، وفتايَ وفتاتي، ولا يقل العبد: ربي، ولكن ليقل: سيدي". قلت: رواه مسلم في آخر الطب من حديث الأعمش عن أبي صالح أبي هريرة ولم يخرجه البخاري. (٣) وأخرج الشيخان معنى حديث أبي هريرة من حديث أبي ذر. (٤) وقيل: النهي عن ذلك لئلا يتخذ عادة، ولا يذكر اسم سواه، حتى يفشو ويستعمل استعمال مثله في الخالق ﵎، والنهي نهي أدب لا تحريم. - ويروى: "ليقل سيدي ومولاي". قلت: رواها مسلم تلو الحديث قبله. قوله في المصابيح: ويروى: "ولا يقل العبد لسيده: مولاي! فإن الله مولاكم". قلت: رواه مسلم أيضًا في الأدب من حديث أبي هريرة (٥).

стр. 1892

٣٨٣١ - قال ﷺ : "لا تقولوا: الكَرْم، فإن الكرم قلب المؤمن". قلت: رواه مسلم وفي رواية في الصحيحين في كتاب الأدب: "لا تقولوا الكرم إنما الكرم قلب المؤمن". (١) وفي رواية فيهما: "لا تسموا العنب الكرم، فإن الكرم المسلم" واللفظ لمسلم، وفي لفظ البخاري ومسلم: "يقولون الكرم إنما الكرم قلب المؤمن" كل هذه الروايات من حديث أبي هريرة. قال صاحب الغريبين (٢): سمي الكرم كرمًا لأن الخمر المتخذة منه تحث على السخاء والكرم، فاشتقوا اسمًا للعنب من الكرم الذي يتولد من الخمر المتولد من العنب، فكره النبي ﷺ أن يسموا أصل الخمر باسم مأخوذ من الكرم، وأسقط الخمر عن هذه الرتبة تحقيرًا لها وتأكيدًا لحرمتها، يقال: رجل كرم أي كريم، وصف بالمصدر. قوله ﷺ : فإن الكرم قلب المؤمن، قال الزمخشري (٣): أراد أن يقرر ويشدّد ما في قوله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ بطريقة أنيقة، ومسلك لطيف، وليس المراد: حقيقة النهي عن تسمية العنب كَرْمًا، ولكن إشارة إلى أن المسلم التقي جدير بأن لا يشارك فيما سماه الله به. ٣٨٣٢ - قال ﷺ : "لا تقولوا: الكرم، ولكن قولوا: العنب، والحبلة". قلت: رواه مسلم في الأدب (٤) من حديث وائل بن حجر يرفعه ولم يخرجه البخاري ولا أخرج عن وائل في كتابه شيئًا.

стр. 1893

والحبلة: بفتح الحاء والباء ويقال أيضًا بإسكان الباء. قال الجوهري (١): القضيب من الكرم. ٣٨٣٣ - قال ﷺ : "لا تسموا العنب الكرم، ولا تقولوا: خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر". قلت: رواه البخاري في الأدب من حديث أبي هريرة يرفعه وروى مسلم في الأدب أيضًا مثل معناه من حديث أبي هريرة. (٢) والخيبه: بالخاء المعجمة والياء المثناة من تحت والباء الوحدة، الحرمان والخسران. ٣٨٣٤ - قال ﷺ : "لا يسب أحدكم الدهر، فإن الله هو الدهر". قلت: رواه مسلم في الأدب من حديث أبي هريرة ولم يخرج البخاري هذا اللفظ. (٣) ومعنى هو الدهر: أي فاعل الحوادث والنوازل، وخالق الكائنات . ٣٨٣٥ - قال ﷺ : "قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار". قلت: رواه البخاري في كتاب التوحيد بلفظه وفي التفسير ومسلم في الأدب وأبو داود وبه ختم كتابه والنسائي في التفسير كلهم من حديث أبي هريرة يرفعه ولم يقل مسلم: وبيده الأمر (٤). ومعنى يؤذيني: يعاملني معاملة توجب الأذى في حقكم.

стр. 1894

وأما قوله : "وأنا الدهر" فإنَّه برفع الراء كما قاله الشافعي وأبو عبيد وجماهير العلماء (١). وقال محمد بن داود الأصبهاني: الظاهر إنما هو بالنصب على الظرف أي أنا مدة الدهر أقلب ليله ونهاره. وحكى ابن عبد البر (٢) هذه الرواية عن بعضهم، وقال النحاس: يجوز النصب أي فإن الله باق مقيم أبدًا لا يزول. قال القاضي (٣): قال بعضهم: هو منصوب على التخصيص، قال: والظرف أصح وأصوب، وأما رواية الرفع فيشهد له قوله ﷺ في الحديث قبله فإن الله هو الدهر. قال العلماء: وهو مجاز وسببه أن العرب كان شأنها أن تسب الدهر عند النوازل والمصائب النازلة بها من موت أو هرم أو غير ذلك فيقولون يا خيبة الدهر ونحو هذا من ألفاظ سب الدهر، فقال ﷺ : "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر"، أي لا تسبوا فاعل النوازل، فإنكم إذا سببتم فاعلها، وقع السب على الله تعالى، لأنه هو فاعلها ومنزلها، وأما الدهر فمخلوق له، وذهب من لا تحقيق له إلى أن الدهر اسم من أسمائه تعالى ولا يصح ذلك (٤). ٣٨٣٦ - قال رسول الله ﷺ : "لا يقولن أحدكم: خبثت نفسي، ولكن ليقل: لَقِسَت نفسي".

стр. 1895

قلت: رواه الشيخان في الأدب من حديث عائشة ترفعه. (١) قال العلماء: معنى خبثت نفسي: قست وهو بمعنى لقست ولكن كره لفظ الخبث. من الحسان ٣٨٣٧ - قال رسول الله ﷺ : "لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يك سيدا فقد أسخطتم ربكم". قلت: رواه أبو داود في الأدب والنسائي في اليوم والليلة (٢) كلهم من حديث بريدة، قال النووي: وإسناده صحيح، قال العلماء: إذا كان المسود فاسقًا أو متهمًا في دينه أو نحو ذلك، كره أن يقال له: سيد، وإن كان فاضلًا خيرًا، إما بعلم أو بصلاح أو بغير ذلك فلا بأس بإطلاق ذلك فيقال سيد ويا سيد. ٣٨٣٨ - إنه وفد إلى رسول الله ﷺ مع قومه، فسمعهم يكنُونَه بأبي الحكم، فقال رسول الله ﷺ : "الله هو الحكم، وإليه الحُكْم؟ " فقال: كان قومي إذا اختلفوا في شيء، أتوني فحكمت بينهم، فرضي الفريقان، فقال النبي ﷺ : "ما أحسن هذا، فما لك من الولد؟ " قال: شريح، ومسلم، وعبد الله، قال: "فمن أكبرهم؟ " قلت: شريح، قال: "فأنت أبو شريح". قلت: رواه أبو داود في الأدب والنسائي في القضاء والحاكم في المستدرك على الصحيحين في كتاب الإيمان، ولم يعترضه الذهبي، كلهم من حديث هانئ يرفعه. (٣) وهانىء هو: ابن يزيد بن نهيك الضبابي المذحجي وهو والد شريح شهد المشاهد كلها،
следующие страницы →