← Книги сунны

Книги сунны · id 17063

كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح

الصدر المناوي

Полный текст (2 643 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

٣٨٩٩ - قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الخير، ما يعلم مبلغها، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من الشر ما يعلم مبلغها، يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه". قلت: رواه الترمذي في الزهد وقال: حسن صحيح، قال: وهكذا رواه غير واحد عن محمد بن عمرو عن أبيه عن جده، قال: سمعت بلال بن الحارث فذكره، وروى مالك بن أنس هذا الحديث عن محمد ابن عمرو عن أبيه عن بلال ولم يذكر جده انتهى كلام الترمذي. (١) ٣٩٠٠ - قال رسول الله ﷺ : "ويل لمن يحدّث فيكذب، ليضحك القوم، ويل له، ويل له". قلت: رواه أبو داود والترمذي في الزهد والنسائي في التفسير من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده وقال الترمذي: حسن انتهى. وجد بهز بن حكيم هو معاوية بن حيدة القشيري (٢) له صحبة وقد اختلفوا في بهز فمن الأئمة من وثقه، ومنهم من قال: لا يحتج به (٣). والويل: الحزن والهلاك والمشقة من العذاب وكل من وقع في هلكة دعا بالويل. ٣٩٠١ - قال ﷺ : "إن العبد ليقول الكلمة، لا يقولها إلا ليضحك الناس يهوي بها أبعد مما بين السماء والأرض، وإنه ليزل عن لسانه أشد مما يزل عن قدمه". قلت: لم أقف على هذا الحديث في شيء من الكتب الستة. ورواه الإمام أحمد من حديث مكحول عن أبي هريرة والبغوي في شرح السنة من حديث يحيى بن عبيد عن أبيه عن أبي هريرة واللفظ له. (٤)

стр. 1927

٣٩٠٢ - قال ﷺ : "كفى بالمرء كذبًا، أن يحدث بكل ما سمع". قلت: هذا الحديث رواه مسلم في مقدمة كتابه مسندًا (١) من حديث أبي هريرة ومرسلًا. قال المنذري (٢): وعند بعض رواة مسلم كلاهما مسند، قال الدارقطني: والصواب مرسل انتهى، والإمام عبد الحق الإشبيلي في الجمع بين الصحيحين ذكره مسندًا ونسبه إلى مسلم، ولم يذكر الإرسال، قال: ولم يخرج البخاري هذا الحديث انتهى. ولم أر الحميدي ذكره فيما انفرد به مسلم ورواه أبو داود مسندًا: "كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع". ٣٩٠٣ - قال ﷺ : "من صمتَ نجا". قلت: رواه الترمذي في الزهد من حديث أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة انتهى كلامه. (٣) ورواه الدارمي وغيره من غير طريق ابن لهيعة، فرواه الدارمي عن إسحاق بن عيسى عن عبد الله بن عقبة عن يزيد بن عمرو بن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو فذكره. ٣٩٠٤ - قال: لقيت رسول الله ﷺ فقلت: ما النجاة؟ فقال: "أملك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك". قلت: رواه الترمذي في الزهد من حديث أبي أمامة الباهلي عن عقبة بن عامر الجهني وفيه عبيد الله بن زحر الإفريقي العابد يختلف فيه وله مناكير ضعفه أحمد بن حنبل،

стр. 1928

والحديث في مسنده. (١) ٣٩٠٥ - قال ﷺ : "إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا". قلت: رواه الترمذي في الزهد في باب حفظ اللسان، عن محمد بن موسى البصري عن حماد بن زيد عن أبي الصهباء عن أبي سعيد الخدري (٢) رفعه، وساقه بلفظه، قال الترمذي: ورواه أبو أسامة وغيره عن حماد ولم يرفعه، وهو أصح من حديث محمد بن موسى، قال: ولا يعرف هذا الحديث إلا من حديث حماد، قلت: وحماد أحد أعلام الدنيا كان يحفظ حديثه كالماء، روى له الشيخان وأصحاب السنن. قوله: يكفر اللسان، قال في الصحاح (٣): والتكفير أن يخضع الإنسان لغيره، كما يكفّر العِلْج للدهاقين: يضع يده على صدره ويتطامن له. وقال في النهاية (٤): تكفّر للّسان أي تذلّ وتخضع، والتكفير هو: أن ينحني الإنسان ويطاطيء رأسه قريبًا من الركوع كما يفعل من يريد تعظيم صاحبه. ٣٩٠٦ - قال ﷺ : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه". قلت: رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: حديث غريب (٥) لا نعرفه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه قال:

стр. 1929

وحدثنا قتيبة عن مالك عن الزهري عن علي ابن الحسين قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، قال الترمذي: هكذا روى غير واحد من أصحاب الزهري عن علي بن الحسين عن النبي ﷺ نحو حدثنا مالك، قال: وهذا عندنا أصح من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة، وعلي بن الحسين لم يدرك علي بن أبي طالب انتهى كلام الترمذي. قوله: يعنيه بفتح الياء أي يهمه. ٣٩٠٧ - قال: توفي رجل من الصحابة، فقال رجل: أبشر بالجنة، فقال رسول الله ﷺ : "أو لا تدري، فلعله تكلم فيما لا يعينه، أو بخل بما لا ينقُصُه". قلت: رواه الترمذي في الزهد وقال: هذا حديث غريب انتهى (١) ورجاله رجال الصحيحين إلا شيخ الترمذي وهو سليمان بن عبد الجبار البغدادي فإنَّه لم يخرج له من أصحاب السنن غير الترمذي. قال المزي: وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات (٢). ٣٩٠٨ - قال: قلت: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف علي؟ قال: فأخذ بلسان نفسه وقال: "هذا". قلت: رواه الترمذي في باب حفظ اللسان، من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي وحذف الشيخ صدر الحديث وهو: قلت: يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به قال: "قل ربي الله، ثم استقم" قال: قلت: يا رسول الله ما أخوف ... إلى آخره، وقال: -أعني الترمذي-: هذا حديث حسن صحيح، ورواه النسائي في التفسير وابن ماجه في الفتن (٣) وسفيان بن عبد الله الثقفي هذا صحابي لم يخرج له البخاري شيئًا ولا مسلم

стр. 1930

إلا حديثًا واحدًا، وهو: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: "قل آمنت بالله ثم استقم". وفي رواية: قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك، وأقلل لا تغضب فأعاد ذلك عليه (١). تنبيهان أحدهما: أنه وقع في كثير من نسخ المصابيح إسناد الحديث إلى سعيد بن عبد الله الثقفي والصواب أنه سفيان بن عبد الله، فكذا هو في الترمذي وغيره ولم أر في الصحابة سعيد بن عبد الله الثقفي. الثاني: أنه لم يذكر المزي في "الأطراف" (٢) في مسند سفيان ابن عبد الله الثقفي هذا غير حديث واحد، وعزاه لمسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وهو: "يا رسول الله قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك" الحديث، فاقتضى كلامه أن حديث مسلم هو حديث الترمذي ولذلك قال الطوفي: في مختصر الترمذي حين ذكر حديث الترمذي هذا إن مسلمًا رواه وفي ذلك نظر للمتأمل. قلت: والصواب أن حديث الترمذي اشتمل على جملتين: الجملة الأولى: روى مسلم معناها وهي يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به قال: قل آمنت بالله ثم استقم، والجملة الثانية: ليست في مسلم. ٣٩٠٩ - قال رسول الله ﷺ : "إذا كذب العبد، تباعد عنه الملك ميلًا، من نتْن ما جاء به". قلت: رواه الترمذي في البر من حديث عبد الله بن عمر، قال الترمذي: حديث جيد غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه تفرد به عبد الرحيم بن هارون انتهى. (٣)

стр. 1931

وعبد الرحيم بن هارون لم يرويه غير الترمذي، وحسن حديثه، وقال الدارقطني: متروك الحديث يكذب، وقد ساق له ابن عدي عدة أحاديث استنكرها (١). وظاهر الحديث: أن الملك يدرك من الإنسان ريحًا خبيثة عند الكذب، كما قد قيل إن الملائكة إنما تعرف أفعال العبد الباطنة كالزنا والعزم على المعصية بريح خبيثة، وبالعكس يجعل الله ذلك أمارة لهم على أفعال القلوب. ٣٩١٠ - قال ﷺ : "كبرت خيانة: أن تحدث أخاك حديثًا، هو لك به مصدق، وأنت به كاذب". قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث سفيان بن أسيد الحضرمي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ... وساقه بلفظه، وفي إسناده بقية بن الوليد وفيه مقال: وذكر أبو القاسم البغوي: سفيان ابن أسيد هذا، وقال: لا أعلمه روى غير هذا الحديث انتهى. (٢) ٣٩١١ - قال رسول الله ﷺ : "من كان ذا وجهين في الدنيا، كان له يوم القيامة لسانان من نار". قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث عمار بن ياسر وفي إسناده شريك بن عبد الله القاضي وفيه مقال. (٣) ٣٩١٢ - قال رسول الله ﷺ : "ليس المؤمن بالطعان، ولا باللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء".

стр. 1932

قلت: رواه الترمذي في البر من حديث عبد الله بن مسعود وقال: حسن غريب انتهى. (١) ورجاله رجال الصحيحين غير محمد بن يحيى الأزدي شيخ الترمذي فإن لم يرو له غيره وابن ماجه، قال الدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات (٢)، والطعّان: الوقاع في أعراض الناس بالذم، والغيبة ونحوهما، وهو فعال من طعن فيه وعليه بالقول، يطعن بالفتح والضم: إذا عابه، واللعن المنهي عنه: أن يلعن رجلًا بعينه برًّا كان أو فاسقًا، وأما لعن كافر غير معين وفاجر غير معين: فغير منهي عنه، فقد لعن رسول الله ﷺ شارب الخمر والواصلة وغيرهما. والبذيء: بالذال المعجمة والفاحش السيء القول. قال ابن الأثير (٣): البذاء بالمد الفحش في القول. ٣٩١٣ - قال النبي ﷺ : "لا يكون المؤمن لعّانًا". قلت: رواه الترمذي في البر من حديث عبد الله بن عمرو، قال: حسن غريب، قال: رواه (٤) بعضهم بهذا الإسناد عن النبي ﷺ : "لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعانًا" انتهى، ورجاله رجال الصحيحين غير كثير ابن زيد فإنه لم يرويه إلا أبو داود والترمذي وابن ماجه وقال فيه أبو زرعة: صدوق فيه لين (٥). ٣٩١٤ - قال ﷺ : "لا تلاعنوا بلعنة الله، ولا بغضب الله ولا بجهنم".

стр. 1933

قلت: رواه أبو داود في الأدب والترمذي في البر كلاهما عن الحسن عن سمرة بن جندب، قال الترمذي: حديث حسن صحيح (١) انتهى، وقد تكلم الناس في الحسن عن سمرة، وأنه هل سمع من سمرة، فقيل: لم يسمع منه غير حديث العقيقة ورواية أبي داود والترمذي: ولا بالنار، بدل: جهنم. ٣٩١٥ - قال رسول الله ﷺ : "إن العبد إذا لعن شيئًا، صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينًا وشمالًا، فإذا لم تجد مساغًا، رجعَتْ إلى الذي لعن، إن كان لذلك أهلًا، وإلا رجعت إلى قائلها". قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث أبي الدرداء يرفعه إلى رسول الله ﷺ وسكت هو والمنذري عليه ورجاله كلهم موثقون. (٢) ٣٩١٦ - أن رجلًا نازعته الريح رداءه، على عهد رسول الله ﷺ فلعنها، فقال النبي ﷺ : "لا تلعنها فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئًا ليس له بأهل، رجعت اللعنة عليه". قلت: رواه أبو داود في الأدب والترمذي في [اللعنة] وقال: غريب لا نعلم أحدًا أسنده غير بشر (٣) بن عمر انتهى كلامه، وبشر بن عمر هذا هو الزهراني احتج به البخاري.

стр. 1934

٣٩١٧ - قال ﷺ : "لا يبلّغني أحد من أصحابي عن أحد شيئًا، فإني أحبّ أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر". قلت: رواه أبو داود في الأدب والترمذي في المناقب وقال: غريب من هذا الوجه انتهى كلامه. (١) ٣٩١٨ - قالت: قلت للنبي ﷺ : حسبك من صفية كذا وكذا، تعني: قصيرة، فقال: "لقد قلت كلمة لو مزج بها البحر لمزجته". قلت: رواه أبو داود في الأدب (٢) ولفظه: قالت: قلت: للنبي ﷺ حسبك من صفية كذا وكذا، قال أبو داود: قال غير مسدد: تعني قصيرة، فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته، قالت: وحكيتُ له إنسانًا، فقال: "ما أحب أني حكيت إنسانًا وأن لي كذا وكذا". ورواه الترمذي أيضًا وقال: حسن صحيح. ومزجته: أي غلبته بالمزج وصار البحر مغلوبًا بها. ٣٩١٩ - قال ﷺ : "ما كان الفُحش في شيء إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه". قلت: رواه الترمذي في البر عن محمد بن عبد الأعلى عن عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس عن النبي ﷺ ، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرزاق انتهى. (٣)

стр. 1935

وهذا سند لا غبار عليه، رجاله من أجل أئمة الدين وأعظم علماء المسلمين، خرج لهم الشيخان إلا محمد بن عبد الأعلى فإنه لم يخرج له البخاري (١) والله أعلم. وقد تقدم تفسير الفحش في أحاديث الصحاح من هذا الباب. وقال في الصحاح (٢): الشين خلاف الزين، يقال: شانه يشينه، والمشاين: المعايب والمقابح. ٣٩٢٠ - قال ﷺ : "من عيَّر أخاه بذنب، لم يمت حتى يعمله". قلت: رواه الترمذي في الزهد عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل، ولهذا قال المصنف: أنه منقطع، لأن خالد بن معدان لم يدرك معاذًا. (٣) وقد قيل أن المراد من ذنب قد تاب منه. ٣٩٢١ - قال ﷺ : "لا تُظهر الشماتة بأخيك، فيرحمه الله ويبتليك". قلت: رواه الترمذي في الزهد: من حديث مكحول عن واثلة بن الأسقع وقال: حسن غريب (٤) انتهى، ومكحول قد سمع من واثلة وأنس وأبي هند الداري، ويقال: إنه لم يسمع من أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا من هؤلاء الثلاثة، وفي سند هذا الحديث: عمر

стр. 1936

بن إسماعيل بن مجالد، روى له الترمذي خاصة، قال الذهبي فيه: أتهم وكذبه ابن معين (١). تنبيه: وقع في سند هذا الحديث في الترمذي عن أمية بن القاسم عن حفص بن غياث، قال المزي: كذا هو جميع نسخ الترمذي والصواب القاسم بن أمية (٢). ٣٩٢٢ - قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما أحب أني حكيت أحدًا وأن لي كذا وكذا". قلت: قد تقدم التنبيه على هذا الحديث قبل ثلاث أحاديث، وأنه بعض حديث رواه الترمذي وصححه. (٣) ٣٩٢٣ - قال: جاء أعرابي فأناخ راحلته، ثم عقلها، ثم دخل المسجد، فصلى خلف رسول الله ﷺ ، فلما سلّم أتى راحلته فأطلقها، ثم ركب، ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا تشرك في رحمتنا أحدًا، فقال رسول الله ﷺ : "أتقولون هو أضل أم بعيره؟ ألم تسمعوا إلى ما قال؟ " قالوا: بلى. قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث جندب ورجاله رجال الصحيحين إلا أبا عبد الله الجشمي رواية عن جندب، فإنَّه لم يخرج له إلا أبو داود، وقال الذهبي: ولا أعلم أحدًا حدث عنه إلا الجريري. (٤)

стр. 1937

باب الوعد من الصحاح ٣٩٢٤ - قال: لما مات رسول الله ﷺ وجاء أبا بكر مال من قبل العلاء ابن الحضرمي، فقال أبو بكر: من كان له على النبي ﷺ دين، أو كانت له قِبَله عدة، فليأتنا، قال جابر: فقلت: وعدني رسول الله ﷺ أن يُعطيني هكذا وهكذا، وهكذا، فبسط يديه ثلاث مرّات، قال جابر: فحثا لي حثية، فعددتها، فإذا هي خمسمائة، قال: خذ مثليها. قلت: رواه الشيخان البخاري في الكفالة وفي الخمس وفي المغازي وفي الشهادات بألفاظ متقاربة ومسلم في فضائل النبي ﷺ من حديث جابر. (١) وفي الحديث دليل على: قضاء دين الميت وإنجاز وعده لمن تخلف بعده، وأن قضاء الدين عن الميت لا فرق فيه بين الوارث وغيره، ولقائل أن يقول: إنما كان الصديق يقضيه من مال النبي ﷺ وليس النبي ﷺ كغيره، لأنه لا وارث له، إنما ماله بعد دينه ونفقة أهله، صدقة لا ميراث فليس كغيره، وإنما حثى أبو بكر لجابر بيده، لأنه خليفة رسول الله ﷺ فيده قائمة مقام يده ﷺ وكان له ثلاث حثيات بيد رسول الله ﷺ ، وذهب الشافعي والجمهور إلى أن الوفاء بالوعد مستحب لا واجب، وأوجبه الحسن وبعض المالكية (٢). من الحسان ٣٩٢٥ - قال: رأيت رسول الله ﷺ أبيض قد شاب، وكان الحسن بن علي ﵁ يشبهه، وأمر له بثلاثة عشر قَلوصًا، فذهبنا نقبضها، فأتانا موتُه، فلما قدم أبو بكر

стр. 1938

رضي الله عنه قال: من كانت له عند رسول الله ﷺ عدة فليجيء، فقمت إليه فأخبرته فأمر لنا بها. قلت: قال ابن الأثير (١): اتفق البخاري ومسلم والترمذي على الفصل الأول من هذا الحديث واتفق البخاري والترمذي على الفصل الثاني وانفرد الترمذي بذكر أبي بكر وإعطائه إياهم انتهى كلامه. (٢) وقد ذكر الحميدي وعبد الحق في "الجمع بين الصحيحين" أن البخاري انفرد عن مسلم بقوله وأمر لنا النبي ﷺ بثلاثة عشر قلوصًا فقبض النبي ﷺ قبل أن يقبضها. قال الحميدي (٣): وزاد البرقاني وذكره أبو مسعود الدمشقي: فأبوا أن يعطونا شيئًا فأتينا أبا بكر فأعطاناها قال الحميدي: ولم أجد ما قاله البرقاني عندنا من أصل كتاب البخاري، انتهى كلام الحميدي. قلت: فعلى قول البرقاني يكون الحديث معناه كله في البخاري والحديث ذكره البخاري في باب صفة النبي ﷺ في فضائله ﷺ ، والترمذي في الاستئذان والله أعلم. قال الجوهري (٤): والقلوص من النوق الشابة وهي بمنزلة الجارية من النساء والجمع قُلُص وقلاص وقلائص. وقال العدوي: القَلوص أول ما يركب من إناث الإبل إلى أن تثني فإذا أثنيت فهي ناقة. ٣٩٢٦ - قال: بايعت النبي ﷺ قبل أن يبعث، وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاث، فجئت فإذا هو في مكانه، فقال: "يا فتى! لقد شققت علي، أنا ها هنا منذ ثلاث أنتظرك".

стр. 1939

قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث إبراهيم بن طهمان عن بديل عن عبد الكريم عن عبد الله بن شقيق عن أبيه عن عبد الله بن أبي الحمساء. وقال: محمد بن يحيى هذا عندنا عبد الكريم بن عبد الله بن شقيق، انتهى كلام أبي داود (١). وقال المنذري (٢): قال أبو علي سعيد بن السكن في كتاب الصحابة له، روى حديثه إبراهيم بن طهمان عن بديل عن عبد الكريم المعلّم، ويشبه أن يكون قول ابن السكن الصواب، وعبد الكريم بن المعلم هو ابن أبي المخارق ولا يحتج بحديثه انتهى. قلت: وقد أخرج له مسلم متابعة، والبخاري تعليقًا، وقال أبو عمر ابن عبد البر: لا يختلفون في ضعفه، أن منهم من يقبله في غير الأحكام خاصة ولا يحتج به. وكان مؤدب كتاب حسن السمت غر مالكًا منه سمته ولم يكن من أهل بلده، فيعرفه، ولم يخرج مالك له حكمًا بل ترغيبًا وفضلًا وقد اعتذر مالك عنه لما تبين أمره، فقال: عرف بكثرة بكائه في المسجد ونحو ذلك والله أعلم (٣). ٣٩٢٧ - عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا وعد الرجل أخاه، ومن نيته أن يفي، فلم يف، ولم يجىء للميعاد، فلا إثم عليه". قلت: رواه أبو داود في الأدب والترمذي في الإيمان، وقال: غريب وليس إسناده بالقوي، وفيه أبو وقاص مجهول.

стр. 1940

وأبو النعمان مجهول وأبو وقاص مجهول انتهى كلام الترمذي. (١) وقد اشتمل سند أبي داود على هذين المجهولين أيضًا، وسئل أبو حاتم عن أبي النعمان؟ فقال: مجهول، وعن أبي وقاص؟ فقال: مجهول (٢). وقد يستدل بهذا الحديث من يرى أن الوفاء بالوعد ليس بواجب، وهو ما ذهب إليه الجمهور، فإن قوله ﷺ : "فلم يف، ولم يجىء للميعاد" فلا إثم عليه أي سواء كان قادرًا على الوفاء أو غير قادر. ٣٩٢٨ - قال: دعتني أمي يومًا ورسول الله ﷺ قاعد في بيتنا، فقالت: ها، تعال أعطيك، فقال لها رسول الله ﷺ : أما إنك لو لم تعطه شيئًا كتبت عليك كذبة". قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث محمد بن عجلان أن رجلًا من موالي عبد الله بن عامر بن ربيعة العدوي حدثه عن عبد الله بن عامر أنه قال: دعتني أمي يومًا ورسول الله ﷺ قاعد في بيتنا فقالت تعال أعطيك: فقال لها رسول الله ﷺ : "وما أردت أن تعطيه؟ " قالت: أعطيه تمرًا، فقال لها رسول الله ﷺ "أما إنك لو لم تعطيه شيئًا كتبت عليك كذبة". فيه مولى عبد الله وهو مجهول. (٣)

стр. 1941

باب المزاح من الصحاح ٣٩٢٩ - قال: كان النبي ﷺ ليخالطنا، حتى يقول لأخ لي صغير: "يا أبا عمير ما فعل النغير؟ " كان له نُغر يلعب به، فمات. قلت: رواه البخاري في الأدب ومسلم في الصلاة وفي الاستئذان والترمذي في الصلاة وفي البر والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجه في الأدب كلهم من حديث أنس. (١) والنغير: تصغير نغر بوزن صرد: وهو طائر يشبه العصفور، أحمر المنقار. وفي الحديث دليل لمن قال أن صيد المدينة مباح، بخلاف صيد مكة، وفيه دليل: أنه لا بأس أن يعطى الصبي الطير ليلعب به من غير أن يعذبه، وفيه دليل: على مشروعية تكنية الصغير. وأجاب من قال بتحريم صيد المدينة: يجوز أن يكون النغر أخذ من خارج الحرم، وفي الجواب نظر، لأن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه سأل عنه هل أخذ من الحرم أو من خارجه، وتقرره على ذلك، وترك الاستفصال، ظاهر في إحلال صيدها والله أعلم (٢). من الحسان ٣٩٣٠ - قالوا: يا رسول الله إنك تلاعبنا؟ قال: "إني لا أقول إلا حقًّا". قلت: رواه الترمذي في البر من حديث أسامة بن زيد الليثي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ورجاله موثقون وحسنه الترمذي. (٣)

стр. 1942

٣٩٣١ - أن رجلًا استحمل رسول الله ﷺ ، فقال: "إني حاملك على ولد الناقة"، فقال يا رسول الله: ما أصنع بولد الناقة؟ فقال رسول الله ﷺ : "وهل تلد الإبل إلا النوق". قلت: رواه أبو داود في الأدب والترمذي في البر من حديث أنس وقال: وهذا حديث صحيح غريب (١). ٣٩٣٢ - أن رسول الله ﷺ قال له: "يا ذا الأذنين". قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث أنس والترمذي في البر وقال: قال محمود بن غيلان، قال أبو أسامة: يعني مازحه، قال أبو عيسى الترمذي: وهذا صحيح غريب انتهى. (٢) وفي سنده شريك القاضي. ٣٩٣٣ - أن النبي ﷺ قال لعجوز: "إن الجنة لا يدخلها العُجَّز"، فولّت تبكي. قال: "أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ ". قلت: رواه الترمذي في الشمائل من حديث المبارك بن فضالة عن الحسن مرسلًا. (٣)

стр. 1943

٣٩٣٤ - أن رجلًا من أهل البادية -اسمه: زاهر بن حرام- كان يُهدي للنبي ﷺ من البادية، فيجهزه رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج، فقال النبي ﷺ : "إن زاهرًا باديتنا، ونحن حاضروه"، وكان النبي ﷺ يحبه، وكان دميمًا، فأتى النبي ﷺ يومًا وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال: أرسلني، من هذا؟ فالتفت، فعرف النبي ﷺ فجعل لا يألو ما ألزق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه، وجعل النبي ﷺ يقول: "من يشتري العبد؟ " فقال: يا رسول الله إذًا والله تجدني كاسدًا، فقال النبي ﷺ : "لكن عند الله لست بكاسد". قلت: رواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد الأزدي عن إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن معمر عن ثابت البناني عن أنس والترمذي في الشمائل عن إسحاق بن منصور أنا عبد الرزاق به (١). ودميمًا: بالدال المهملة أي قصيرًا. قوله: فاحتضنه أي أخذه في حضنه، وهو ما دون الإبط إلى الكشح. قوله لا يألو أي: لا يقصر. ٣٩٣٥ - قال: أتيت رسول الله ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فسلّمت، فرد علي، وقال: "ادخل"، فقلت: أكلي يا رسول الله؟ قال: "كلك"، فدخلت. قلت: رواه أبو داود في الأدب في باب المزاح والبخاري في الجزية مطولًا كلاهما من حديث عوف بن مالك الأشجعي فقال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: اعدد ستًّا بين يدي الساعة: موتى، ثم فتح بيت المقدس ... وساق الحديث، ولم يذكر قصة الدخول، فلذلك ذكرها الشيخ في الحسان وإن كان الحديث أصله في البخاري ورواه ابن ماجه في الفتن. (٢)

стр. 1944

٣٩٣٦ - قوله في المصابيح: قيل: إنما قال: "أدخل كلي، من صغر القبة". قلت: روى ذلك أبو داود عن عثمان بن أبي العاتكة. (١) قال المنذري (٢) وعثمان هذا فيه مقال. وقال المزي: ضعفه النسائي ووثقه غيره وروى له أبو داود وابن ماجه خاصة (٣). ٣٩٣٧ - قال: استأذن أبو بكر ﵁ على النبي ﷺ فسمع صوت عائشة عاليًا، فلما دخل تناولها ليلطمها، وقال: لا أراك ترفعين صوتك على رسول الله ﷺ ، فجعل النبي ﷺ يحجزه، وخرج أبو بكر مغضبًا، فقال النبي ﷺ حين خرج أبو بكر: "كيف رأتيني أنقذتك من الرجل؟ "، قال: فلما مكث أبو بكر أيامًا، ثم استأذن فوجدهما قد اضطجعا، قال لهما: أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما، فقال النبي ﷺ : "قد فعلنا، قد فعلنا". قلت: رواه أبو داود في الأدب (٤) وقال فيه: فوجدهما قد اصطلحا، وليس فيه: اضطجعا، ورواه النسائي في عشرة النساء وقد سكت عليه أبو داود والمنذري (٥). ٣٩٣٨ - عن النبي ﷺ قال: "لا تمار أخاك، ولا تمازحه، ولا تَعِدْه موعدًا فتخلفه".

стр. 1945

قلت: رواه الترمذي في البر وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه انتهى. (١) وسنده جيد، فإنه رواه الترمذي عن زياد بن أيوب عن المحاربي وهو عبد الرحمن بن محمد عن الليث بن أبي سليم عن عبد اللك بن أبي بشير عن عكرمة عن ابن عباس، والليث بن أبي سليم: وإن كان الذهبي قال: فيه ضعف يسير من قبل حفظه، فقد خرج له أصحاب السنن مقرونًا، وكان ذا صلاة وصيام وعلم كثير (٢). قوله ﷺ : لا تمار أخاك، من المماراة وهي المخاصمة أي لا تخاصمه. قوله: لا تمازحه، قال العلماء: المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط يتأذى به، أو مدوامة تورث كثرة الضحك، وقسوة القلب، وتشغل عن ذكر الله، والفكر في مهمات الدين، وتؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء وتورث الأحقاد وتسقط المهابة والوقار، فأما ما سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله ﷺ يفعله، فإنه ﷺ إنما كان يفعله في نادر من الأحوال لمصلحة وتطييب نفس المخاطب ومؤانسته، وهذا لا منع منه بل هو سنة، إذا كان بهذه الصفة، ودخل الشعبي وليمة فرأي أهلها سكوتًا، فقال: ما لي أراكم كأنكم في جنازة أين الغناء أين الدف. وقيل لسفيان بن عيينة: المزاح هُجْنة؟ قال: بل سنة، ولكن الشأن فيمن يحسنه ويضعه مواضعه.

стр. 1946

وكان ابن سيرين يمزح ويضحك حتى يسيل لعابه، ثم يقرأ ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾. وقيل: كان ابن سيرين كثير الضحك بالنهار، كثير البكاء بالليل. وقيل: سمي المزاح مزاحًا لأنه أزيح عن الحق، أي: بُوعِد (١). باب المفاخرة والعصبية من الصحاح ٣٩٣٩ - " سئل رسول الله ﷺ أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم. قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: "فأكرم الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله ابن نبي الله، ابن خليل الله"، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: "فعن معادن العرب تسألوني؟ " قالوا: نعم، قال: "فخياركم في الجاهلية: خياركم في الإسلام، إذا فقهوا". قلت: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء وفي مناقب قريش ومسلم في المناقب والنسائي في التفسير واللفظ للبخاري. (٢) قال عبد الحق قال البخاري: يوسف نبي الله بن نبي الله بن نبي الله بن خليل الله، زاد نبي الله فذكر نبيين بين يوسف وإبراهيم، وكذلك في بعض النسخ من كتاب مسلم ورواية مسلم: "خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا". وقال البخاري: في بعض طرق هذا الحديث في تفسير سورة يوسف: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا".

стр. 1947

قال ابن الأثير (١): الكريم المطلق هو الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه، والكريم الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل، وسمي يوسف كريمًا لأنه اجتمع له شرف النبوة والعلم والجمال والعفة وكرم الأخلاق والعدل ورياسة الدنيا والدين، فهو نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي رابع أربعة والنبوة. ومعادن العرب: أصولها التي ينسبون إليها ويتفاخرون بها. ٣٩٤٠ - قال رسول الله ﷺ : "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبرهيم". قلت: رواه البخاري في تفسير سورة يوسف وفي غيره من حديث ابن عمر. (٢) ٣٩٤١ - قال في يوم حنين: كان أبو سفيان بن الحارث آخذًا بعنان بغلته -يعني بغلة رسول الله ﷺ ، فلما غشيه المشركون، نزل فجعل يقول: "أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب" قال: فما رئي من الناس يؤمئذ أشد منه. قلت: رواه البخاري في الجهاد ومسلم في المغازي كلاهما من حديث البراء بن عازب (٣). وقيل: انتسب إلى عبد المطلب للتقريب، وخصه لأنه ربَّاه ﷺ ، وقيل: كان عبد المطلب رأي في النوم شجرة عظيمة، خرجت من صلبه وبلغت أغصانها المشرق والمغرب، وارتفعت فروعها إلى السماء فقص هذه الرؤية على الكهنة، فعبروها بأنها نبي آخر الزمان يخرج من صلبك، وكانت هذه القصة مشهورة عندهم فيما بينهم، فأشار النبي ﷺ بهذا القول إلى أنه تلك الشجرة، وأنه هو الرؤيا التي رآها عبد المطلب، فإن قلت: هذه مفاخرة، قلت: لا، هي من باب قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾.

стр. 1948

٣٩٤٢ - قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا خير البرية، فقال رسول الله ﷺ : "ذاك إبراهيم ﵇". قلت: رواه مسلم في المناقب وأبو داود في السنة والترمذي والنسائيُّ كلاهما في التفسير كلهم من حديث أنس ولم يخرجه البخاري. (١) والبرية: الخلق، تقول برأه الله يبرؤه إبراء أي خلقه وتجمع على البرايا. ٣٩٤٣ - قال ﷺ : "لا تُطروني كما أطْرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد الله، فقولوا: عبد الله ورسوله". قلت: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء وهو طرف من حديث السقيفة، والترمذي في الشمائل كلاهما من حديث ابن عباس عن عمر بن الخطّاب ﵁. (٢) والإطراء: مجاوزة الحد في المدح، والكذب فيه، وذلك أن النصارى أفرطوا في مدح عيسى وإطرائه بالباطل، فمنعهم ﷺ أن يطروه بالباطل. ٣٩٤٤ - أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله أوحى إليّ: أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد". قلت: رواه مسلم في أواخر الصحيح في حديث طويل من حديث عياض ابن حمار المجاشعي، ولم يخرجه البخاري ولا أخرج عن عياض بن حمار شيئًا. (٣) والتواضع: تفاعل من الضعة وهو الذل والإهانة. والفخر: داء الكبر والشرف. من الحسان ٣٩٤٥ - أن النبي ﷺ قال: "لينتهين أقوام يتفاخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم من جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجُعَل الذي يُدهده الخرء بأنفه، إن الله قد

стр. 1949

أذهب عنكم عُبّية الجاهلية، وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، أو فاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم، وآدم من تراب". قلت: رواه أبو داود في الأدب والترمذي في المناقب واللفظ للترمذي، وقال: حسن. (١) وروى أيضًا بسنده إلى أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ثم قد أذهب الله عنكم عبية الجاهلية، وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، أو فاجر شقي، والناس بنو آدم وآدم من تراب" وقال الترمذي: وهذا أصح عندنا. (٢) والجعل: حيوان معروف كالخنفساء، والدهدهة: الدحرجة يقال: دهدهت الحجر أي دحرجته. والخرء: العذرة، شبههم النبي ﷺ حالة افتخارهم بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية بعد أن نهاهم بالجعل، وشبه آباءهم المفتخر بهم بالخرء، وشبه نفس افتخارهم بضم الدهدهة بالأنف. قوله: عبية الجاهلية، قال الهروي (٣): هي بكسر العين وضمها يعني الكبر، قال الجوهري (٤): يقال: رجل فيه عُبِّية وعِبِّية أي كِبْر وتجبّر، وعُبيّة الجاهلية: نخوتُها. ٣٩٤٦ - قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: "السيد الله" فقلنا: وأفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا، فقال: "قولوا قولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينّكم الشيطان".

стр. 1950

قلت: رواه أبو داود في الأدب وسكت هو والمنذري عليه والنسائيُّ في اليوم والليلة كلاهما من حديث مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه. (١) ومعنى الحديث: أن السؤدد حقيقته لله ، ولعله ﷺ إنما منعهم مع قوله ﷺ : أنا سيد ولد آدم، وقوموا إلى سيدكم، من أجل أنهم حديث عهدهم بالإسلام أو كانوا يحسبون السيادة بالنبوة كهي بأسباب الدنيا فعلمهم وأرشدهم إلى الأدب، فقال: قولوا قولكم يريد أهل دينكم، وادعوني رسولًا ونبيًّا كما سماني الله ، ولا تسموني سيدًا كما تسمون رؤساكم قاله الخطابي (٢). وبعض قولكم: فيه حذف، ومعناه: دعوا بعض قولكم، يريد الاقتصار في المقال، ولا يستجرينكم الشيطان، قيل: معناه لا يستجرينكم الشيطان على الجرأة بذكر ما لا يليق، وقيل: لا يتخذنكم جَرِيًا، والجري الوكيل، ويقال: الأجير، وسمي الوكيل جريًا لأنه يجري مجرى موكله (٣). ٣٩٤٧ - أن النبي ﷺ قال: "الحَسَب المال، والكرم التقوى". قلت: رواه الترمذي في التفسير، وقال: حسن صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه ورواه ابن ماجه في الزهد كلاهما من حديث الحسن عن سمرة (٤) وقد تكلم الناس في سماع الحسن من سمرة وقدمنا ذلك، والحسن هذا هو الحسن البصري وأبوه يسار من سبي ميسان أعتقته الربيع بنت النضير.

стр. 1951

قال وكيع في قوله: الحسب: المال، يريد أن الرجل إذا صار ذا مال عظّمه الناس. وقال سفيان: إنما هو قول أهل المدينة إذا لم يجد الرجل نفقة امرأته، فُرق بينهما. وروي عن عمر أنه قال: حسب الرجل ماله، وكرمه دينه، وأصله عقله، ومروءته خُلقه (١). ٣٩٤٨ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تعزَّى بعَزاء الجاهلية، فأعِضّوه يهَنِ أبيه، ولا تكنُوا". قلت: رواه النسائيُّ في السير بسند رجال موثقون. (٢) والتعزي والاعتزاء: بمعنى الانتساب إلى القوم، يقال: عزيت الشيء وعزيت وأعزوه إذا أسندته إلى أحد والعزى والعزوة اسم لدعوة المستغيث، وهو أن يقول: يا لفلان أو يا للأنصار ويا للمهاجربن، ومنه الحديث: "من لم يتعز بعزاء الإسلام فليس منا". أي من لم يدع بدعوى الإسلام فيقول يا للإسلام ويا للمسلمين ويا لله. وقيل أراد ﷺ بالتعزي: التأسي والتصبر عند المصيبة، وأن يقول: (إنا لله وإنا إليه راجعون) كما أمر الله تعالى. ومعنى قوله ﷺ بعزاء الله: المراد يترك الكناية، أن يقول له: اعضض بأير أبيك ولا يكني عن الأير بالهن، وأمُره ﷺ بذلك إغراق في الزجر عن الدعوى انتهى. يقال: كنيت عن الأمر وكنوت عنه إذا وريت عنه بغيره.

стр. 1952

٣٩٤٩ - قال: شهدت مع رسول الله ﷺ أحدًا، فضربتُ رجلًا من المشركين، فقلت: خذها مني وأنا الغلام الفارسي، فالتفت إلي فقال: "فهلّا قلت: خذها مني وأنا الغلام الأنصاري؟ ". قلت: رواه أبو داود في الأدب وابن ماجه في الجهاد (١) من حديث عبد الرحمن بن أبي عقبة عن أبي عقبة، وفي إسنادهما محمد بن إسحاق، وأبو عقبة هذا بصري مولى بني هاشم بن عبد مناف، وقيل: مولى الأنصار، ذكره غير واحد في الصحابة وقال ابن عبد البر: قيل اسمه: رشيد (٢). ٣٩٥٠ - عن النبي ﷺ قال: "من نصر قومه على غير الحق، فهو كالبعير الذي رَدَى، فهو يُنزع بذنبه". قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث ابن مسعود بسند صحيح (٣) ولذلك سكت هو والمنذري عليه. قوله ﷺ : ردى بفتح الراء وكسر الدال المهملة، ويروى بفتحهما لغتان: أي سقط في بئر أو نهر يريد أنه وقع في الإثم وهلك كالبعير الذي يردى في البئر فصار ينزع بذنبه لا يقدر على خلاصه، قال ابن الأثير (٤): أراد أنه وقع في الإثم وهلك، كالبعير الذي تردّي في البئر، وأراد أن يُنزع بذنبه فلا يقدر على خلاصه انتهى. والمعنى أنه أوقع نفسه في الهلكة بتلك النصرة الباطلة، وقيل: شبه القوم بالبعير الهالك، لأن من كان على غير الحق فهو كالهالك، وشبه ناصرهم على غير الحق بذنب هذا البعير الهالك لأنه ينزع بذنبه عند إخراجه من البئر فذنبه ظاهرة في النزع (٥).

стр. 1953

٣٩٥١ - قال: قلت: يا رسول الله ما العصبية؟ قال: "أن تعين قومك على الظلم". قلت: رواه أبو داود في الأدب عن بنت واثلة بن الأسقع أنها سمعت أباها يقول: قلت: يا رسول الله ... وساقه ورواه ابن ماجه في الفتن من حديث عباد بن كثير الشامي عن امرأة منهم يقال لها فسيلة قالت سمعنا أبي يقول: .. فذكر معناه. (١) وفسيلة بضم الفاء وفتح السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعد اللام المفتوحة تاء التأنيث وهي: بنت واثلة بن الأسقع، ويقال فيها أيضًا: خصيلة بضم الخاء المعجمة، وفتح الصاد المهملة. وعباد بن كثير الشامي وثقه ابن معين وتكلم فيه غير واحد، ولهذا قال المنذري: وإسناد حديث أبي دواد مثل إسناد ابن ماجه (٢). ٣٩٥٢ - قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "خيركم المدافع عن عشيرته، ما لم يأثم". قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث سعيد بن المسيّب عن سراقة بن مالك بن جعشم، وفي إسناده: أيوب بن سويد أبو مسعود الحميري السيباني، ضعفه ابن معين ونسبه إلى سرقة الحديث، وقال ابن المبارك: أرم به، وتكلم فيه غير واحد. (٣) قال المنذري (٤): وفي سماع سعيد بن المسيّب من سراقة المدلجي نظر، فإن وفاة سراقة: كانت في سنة أربع وعشرين على المشهور، ومولد سعيد ابن المسيّب: سنة خمس عشرة، فعلى هذا يصح سماعه منه، وقال مالك: إن مولد سعيد بن المسيّب لثلاث

стр. 1954

سنين بقيت من خلافة عمر وقتل عثمان، وهو ابن أربع عشرة سنة، فيكون مولده على هذا سنة عشرين أو إحدى وعشرين، فلا يصح سماعه منه، وقال الواقدي: مات سنة أربع وتسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك وهو ابن خمس وسبعين سنة وهو قريب من قول مالك. ٣٩٥٣ - أن رسول الله ﷺ قال: "ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل عصبية، وليس منا من مات على عصبية". قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث عبد الله بن أبي سلمان عن جبير ابن مطعم، ونقل المنذري عن أبي داود في بعض الروايات عنه: هذا مرسل، عبد الله بن أبي سليمان: لم يسمع من جبير، هذا آخر كلامه. (١) ومراده أن الحديث منقطع، وفي إسناده: محمد بن عبد الرحمن المكي، وقيل فيه: العُكي، قال أبو حاتم الرازي: هو مجهول، قال المنذري (٢): وقد أخرج مسلم في صحيحه والنسائي في سننه من حديث أبي هريرة نحوه بمعناه، أتم منه من حديث جندب بن عبد الله البجلي مختصرًا. ٣٩٥٤ - عن النبي ﷺ أنه قال: "حبك الشيء: يعمي ويصم". قلت: رواه أبو داود في الأدب (٣) وترجم عليه: باب في الهوى من حديث بلال بن أبي الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ ، وفي إسناده: بقية بن الوليد وأبو بكر بكير بن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي وفي كل واحد منهما مقال: وأبو بكر ضعفوه، وروى عن بلال عن أبيه قولَه، ولم يرفعه.

стр. 1955

قال المنذري (١): وقيل: إنه أشبه بالصواب، ويروى من حديث معاوية بن أبي سفيان، ولا يثبت، وسئل ثعلب عن معناه؟ فقال: يعمي العين عن النظر إلى مساويه، ويصم الأذن عن استماع العذل فيه وأنشأ يقول: وكذبت طرفي فيك، والطرف صادق ... وأسْمعت أذني فيك ما ليس تسمع وقال غيره: يعمي ويصم عن الآخرة. وفائدته: النهي عن حب ما لا ينبغي الإغراق في محبته (٢). باب البر والصلة من الصحاح ٣٩٥٥ - قال: قال رجل: يا رسول الله من أحق بحسن صحابتي؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "ثم أبوك"، ويروى: من أبر؟ قال: "أمك، ثم أمك، ثم أمك ثم أباك، ثم أدناك أدناك". قلت: أخرج الحديث الشيخان وابن ماجه في الأدب كلهم من حديث أبي هريرة وأبو حاتم والرواية: في مسلم. (٣) والصحابة. بفتح الصاد بمعنى الصحبة.

стр. 1956

قوله: من أحق بحسن صحابتي ومن أبر قال: أمك ثلاث مرات، وفي الأب مرة، قال فيه بعضهم: ينبغي أن تكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب، لأنَّ النبي ﷺ أمر ببرها ثلاثًا، وبر الأب مرة، ويشهد لذلك أنها تحمل مشقة الحصل ثمَّ مشقة الوضع ثمَّ مشقة الحضانة والتربية والرضاع، دون الأب، وقال بعضهم: لها ثلثا البر: لحديث ورد ذكر الأم فيه مرتين، والأب مرة، ورواه ابن حبَّان في صحيحه، واستدل به على ذلك قلت: وليس بين الحديث الذي ظاهره أن لها ثلاثة أرباع البر، وبين الحديث المقتضي الثلثين منافاة، بل يحمل الأول على أم ربت الولد وأرضعته، والثاني على أم لم يوجد منها ذلك، وهذا سنح به الخاطر ولعله الصواب والله أعلم (١). ونقل عن مالك أنهما في البر سواء، وذكر المحاسبي أن تفضيل الأم على الأب إجماع العلماء، والصحيح عندنا أنه إذا اجتمع الأب والأم في الاحتياج إلى النفقة وليس عند الولد إلا كفايه أحدهما، قدمت الأم، وقيل: الأب وقيل: هما سواء (٢). ٣٩٥٦ - قال رسول الله ﷺ : "رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه"، قيل: من يا رسول الله؟ قال: "من أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كلاهما، ثم لم يدخل الجنة". وفي لفظ: "رغم أنف، ثمَّ رغم أنف، ثمَّ رغم أنف". قلت: رواه مسلم في الأدب من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري. (٣) قوله: رغم أنف، أي ذل وخزي، كأنه لصق بالرغام بالفتح وهو التراب، يقال: رغم بالفتح يرغم بالضم: ذل، ورغم بالكسر يرغم بالفتح أيضًا والرَّغم والرُّغم والرِّغم

стр. 1957

بالجميع الذلة، قوله: أحدهما أو كلاهما، كذا هو في نسخ المصابيح المعتمدة (١)، وكثير من نسخ مسلم وفي بعضهما: أحدهما أو كليهما بالنصب (٢). قال القرطبي (٣): وهو الرواية الصحيحة لأنه بدل من والديه، وأما الرفع فعلى الابتداء ويتكلف لهما إضمار الخبر. ٣٩٥٧ - قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد قريش، فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت علي، وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: "نعم، صليها". قلت: رواه الشيخان: البخاري في الهبة وزاد فيه: قال ابن عيينة: فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ومسلم وأبو داود في الزكاة من حديث أسماء بنت أبي بكر (٤) واختلفوا هل كانت أمها التي ولدتها وهي قُتَيْلة: بضم القاف وفتح التاء ثالثة الحروف وسكون الياء آخر الحروف، وقيل: قيلة: بفتح القاف وسكون الياء بنت عبد العزى القرشية العامرية، ولم يبلغنا إسلامها ولا ذكرها ابن عبد البر في الصحابيات. وقيل: إن القادمة على أسماء لم تكن أمها من النسب بل من الرضاع، ومعنى في عهد قريش في المدة التي عاهدت قريش فيها رسول الله ﷺ والمراد أنها جاءت طائعة، هذا في رواية: راغبة، وجاء في أبي داود: راغمة أي كارهة الإسلام ساخطة علي، وفي رواية لابن حبان: راغبة راهبة (٥). والصلة: العطية والإنعام.

стр. 1958

٣٩٥٨ - قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله، وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها ببلالها". قلت: رواه البخاري في الأدب ومسلم في الإيمان من حديث قيس ابن أبي حازم عن عمرو بن العاص. (١) قوله: فلان، هو من قول بعض الرواة، خشي أن يسميه فيترتب على تسميته مفسدة فكنى عنه بفلان، والغرض إنما هو قوله ﷺ : إنما وليي الله وصالح المؤمنين، فليس وليي من كان غير صالح وإن قرب نسبه. قال القاضي عياض (٢): قيل المكنى عنه هنا هو الحكم بن أبي العاص وفيه التبرؤ من المخالفين والتنبيه على موالاة الصالحين والإعلان بذلك ما لم يخف فتنة. قلت: ويشهد لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على القولين في إعراب: ومن اتبعك، هل هو معطوف على الفاعل فتقديره: يكيفك الله والمؤمنون، أو على الكاف فتقديره: يكفيك ومن اتبعك الله، فعلى الأوّل يكون: وصالح المؤمنين قد عطف على الفاعل وهو الجلالة، وعلى الثاني: يكون معطوفًا على المضاف إليه، تقديره: وليي الله وولي صالح المؤمنين، كذلك يعني الله. قوله أبلها ببلالها: قال النوويّ: هو بفتح الباء الثانية وكسرها قال القاضي عياض: رويناه بالكسر قال: ورأيت للخطابي أنَّه بالفتح، وقال صاحب المطالع ورويناه بالكسر والفتح من: بله يبله والبلال الماء شبهت قطيعة الرحم بالحرارة، ووصلها بإطفاء الحرارة، ومنه: بلوا أرحامكم أي صلوها (٣).

стр. 1959

٣٩٥٩ - قال رسول الله ﷺ : "إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثره السؤال، وإضاعة المال". قلت: رواه البخاري في مواضع في الزكاة وفي الاستقراض وفي الأدب وفي الرقاق، وهذا لفظه في الاستقراض، ومسلم في الأحكام بطرق وكلها متقاربة اللفظ والنسائيُّ في الرقائق ثلاثتهم من حديث وراد كاتب المغيرة ابن شعبة (١) عن المغيرة فرفعه. قوله: عقوق الأمهات، قال ابن الأثير (٢): يقال: عق والده يعقه عقوقًا فهو عاق، إذا آذاه وعصاه، وهو ضد البر وأصله من العق: وهو الشق والقطع، وإنما خصّ الأمهات وإن كان عقوق الآباء وغيرهم من ذوي الحقوق عظيمًا فلعقوق الأمهات مزية في القبح، وقد تكرر ذكر عقوق الوالدين من الكبائر في الأحاديث، انتهى. وسئل الحسن عن بر الوالدين فقال: أن تبذل لهما ما ملكت، وتطيعهما فيما أمراك ما لم يكن إثمًا. قوله: ووأد البنات: بالهمز أي دفنهن أحياء. ومنع وهات: هو بكسر التاء أي منع ما وجب عليه وهات ما ليس له. وقيل: وقال: معناه الحديث بكل ما تسمعه فيقول: قيل: كذا، وقال: فلان كذا مما لا يعلم صحته، ولا يظنها وكفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع. واختلفوا في حقيقة هذين اللفظين على قولين: أحدهما: أنهما فعلان، فقيل مبني لما لم يسم فاعله، أو قال: فعل ماضي والثاني: أنهما اسمان مجروران منونان لأنَّ القال والقيل والقول والقالة كله بمعنى، قاله النوويّ (٣). وكثرة السؤال هو الإلحاح فيما لا حاجة إليه.

стр. 1960

وإضاعة المال: تبذيره وصرفه في غير الوجوه المأذون فيها من مقاصد الآخرة والدنيا، وترك حفظه مع إمكان الحفظ، ويدخل فيه سوء القيام على ما يملكه من الرقيق، والدواب، حتى يضيع فتهلك، وقسمة ما لا ينتفع به الشريك كاللؤلؤة والسيف والحمام الصغير، واحتمال الغبن الفاحش في البياعات ونحوها، وكذلك دفع المال لمن لم يؤنس رشده. ٣٩٦٠ - قال رسول الله ﷺ : "من الكبائر شتم الرجل والديه"، قالوا: يا رسول الله! وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: "نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه". قلت: رواه البخاري في الأدب ومسلم في الإيمان وأبو داود في الأدب والترمذي في البر كلهم من حديث حميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو بن العاص (١) وفي الحديث دليل على أنَّه من تسبب في شيء جاز أن ينسب إليه ذلك الشيء. قال النوويّ (٢): وفيه سد الذرائع، فيؤخذ منه النهي عن بيع العصير ممن يتخذ الخمر، والسلاح ممن يقطع الطريق ونحو ذلك، انتهى. والذريعة: هي الامتناع مما ليس ممنوعًا في نفسه مخافة الوقوع في محظور، والحديث قد جاء على وفق قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. وقال في المفهم (٣): إن قوله ﷺ "من الكبائر شتم الرجل أباه": يعني من أكبر الكبائر، لأنَّ شتم المسلم الذي ليس بأبٍ كبيرة، فشتم الآباء أكبر منه، انتهى.

стр. 1961

قلت: وهذا فاسد من وجهين أحدهما: أنا لا نسلم أن شتم المسلم كبيرة مطلقًا بل يختلف إن كان الشتم بقذف ونحوه فكبيرة، وإلا فليس بكبيرة فليس مطلق الشتم في حق الأجانب كبيرة. والثاني: أنا وإن سلمنا أنَّه كبيرة في حق الأجانب فذاك مباشرة الشتم، أما التسبب فلا، فيكون التسبب كبيرة في حق الولد لوالده فبطل تقدير من أكبر الكبائر، والله أعلم. ٣٩٦١ - قال النبي ﷺ : "إن من أبرّ البر: صلة الرجل أهل ودّ أبيه بعد أن يولي". قلت: رواه مسلم وأبو داود كلاهما في البر (١) من حديث عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر ولم يخرجة البخاري. قال النوويّ (٢): الود هنا: بضم الواو، وفي هذا صلة أصدقاء الأب، والإحسان إليهم، وإكرامهم، وهو متضمن لبر الأب وإكرامه، لكونه بسببه، وتلتحق به أصدقاء الأم والأجداد والمشايخ، وقد ورد أن النبي ﷺ كان يصل صدائق خديجة ﵂ برًّا بها ﷺ ورضي الله عنها. قوله: بعد أن يولي أي بعد أن يولي الأب أي يموت؛ لأنَّ ذلك أعظم في إكرام الأب ومحبته، ومقتضاه أنَّه إذا بره في حياته لا يكون أبر البر، بل هو بر وليس بأبر البر وهذا ظاهر. ٣٩٦٢ - قال رسول الله ﷺ : "من أحب أن يُبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه". قلت: رواه البخاري في البيوع ومسلم في الأدب وأبو داود في الزكاة والنسائيُّ في التفسير كلهم من حديث يونس عن ابن شهاب عن أنس به. (٣)

стр. 1962

وبسط الرزق: توسعته وكثرته. قوله ﷺ : ينسأ، مهموز أي يؤخر، يقال: نسأته أي أخرته، وكذلك أنسأته، فعلت وافتعلت بمعنى. والأثر: الأجل، سمي بذلك لأنه يتبع العمر، وأصله من أثر مشيه في الأرض، فإذا مات لا يبقى لقدمه أثر، وهذا محمول عند بعضهم على أن المراد به البركة في عمره، والتوفيق للطاعات، وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة وصيانتها عن الضياع في غير ذلك، وقيل: هذا بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة في اللوح المحفوظ، ونحو ذلك فيظهر لهم أن في اللوح أن عمره ستون سنة إلا أن يصل رحمه فإن وصلها زيد له أربعون، وقد علم الله ما سيفعل من ذلك، وهو من معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ وبالنسبة إلى علم الله وما قدره، لا زيادة بل مستحيلة، وبالنسبة إلى ما يظهر للمخلوقين تتصور الزيادة وهو مراد الحديث، وقيل: إن المراد بقاء ذكره الجميل بعده فكأنه لم يمت، وهو ضعيف أو باطل. وصلة الرحم: درجات بعضها أرفع من بعض فأدناها ترك المهاجرة وأدنى صلتها بالسلام، وهذا بحسب القدرة عليها والحاجة إليها، فمنها: ما يتعين ويلزم، ومنها: ما يستحب ويرغب فيه، وليس من لم يبلغ أقصى الصلات يسمى قاطعًا، ولا من قصر عما ينبغي له وتعدى عليه يسمى واصلًا. واختلفوا في الرحم التي تجب صلتها، فقيل: كل رحم محرم، فلا يجب في بني الأعمام والعمات وبني الأخوال والخالات، واحتج هذا القائل بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، وجواز ذلك في بنات الأعمام والأخوال، وقيل: عام في كل ذي رحم محرم، كان أو غير محرم، وارثًا كان أو غير وارث، قال النوويّ: وهذا أصح (١). ٣٩٦٣ - قال رسول الله ﷺ : "خلق الله الخلق، فلما فرغ منه، قامت الرحم، فأخذت بحقوي الرحمن، فقال: مَهْ؟ قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فذاك"

стр. 1963

قلت: رواه البخاري في التفسير وفي التوحيد وفي الأدب ومسلم في الأدب والنسائيُّ في التفسير ثلاثتهم من حديث أبي هريرة (١) والحقو: الإزار، ضبطه صاحب الصحاح بفتح الحاء المهملة وأصله لمعقدة الإزار، ثمَّ استعير للإزار، لمجاورته، وذلك على سبيل التجوز والتمثيل، ومنه قولهم: عذت بحقو فلان، أي استجرت واعتصمت، قوله: مه، معناه ماذا، فأبدلت الألف هاء للوقف والسكت والتقدير: ماذا تطلبين، والعائذ: المستجير. ٣٩٦٤ - قال رسول الله ﷺ : "الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله". قلت: رواه الشيخان في الأدب وعزاه الطبري لمسلم خاصة وليس بصحيح وقد ذكره الحميدي وغيره فيما اتفق عليه الشيخان من حديث عائشة. (٢) ٣٩٦٥ - قال: قال رسول الله ﷺ : "الرحم شُجنة من الرحمن، قال الله تعالى: من وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته". قلت: رواه البخاري في الأدب من حديث أبي هريرة (٣) يرفعه. قوله: شجنة هو بالشين المعجمة وبالجيم ثمَّ النون قال الجوهري (٤): الشِجنة والشُجنة بكسر الشين وضمها، عروق الشجر المشتبكة، وبيني وبينه شجنة رحم: أي قرابة مشتبكة، وذكر هذا الحديث، وقال: معناه الرحم مشتقة من الرحمن، يعني أنها قرابة من الله مشتبكة كاشتباك العروق، انتهى كلامه.

стр. 1964

وقال ابن حبَّان (١): إنها قرابة مشتبكة كاشتباك العروق ومعنى شجنة من الرحمن أي مشتقة من اسم الرحمن، واستدل بحديث عبد الرحمن بن عوف الآتي في الحسان، واختلفوا في أن الذي تقوله الرحم هل هو في الدنيا أو يوم القيامة؟ واختاره أبو حاتم وأورد فيه حديثًا، وترجمه بباب بيان أن تشتكي الرحم إنما يكون يوم القيامة لا في الدنيا. وروي: "الرحم شجنة من الرحمن فإذا كان يوم القيامة تقول ... " الحديث. ٣٩٦٦ - قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة قاطع". قلت: رواه الشيخان في الأدب وأبو داود في الزكاة والترمذي في البر. (٢) قال سفيان: يعني قاطع رحم، وأخرجه أحمد وأبو حاتم كلهم من حديث جبير بن مطعم. ٣٩٦٧ - قال رسول الله ﷺ : "ليس الواصل بالمكافىء، ولكن الواصل الذي إذا قَطَعت رحمُه وصلها". قلت: رواه البخاري (٣) وأبو داود كلاهما في الزكاة والترمذي في البر وابن حبَّان في صحيحه كلهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. وقطعت: بفتح القاف والطاء. ورحمه مرفوع. ٣٩٦٨ - أن رجلًا قال: يا رسول الله إن لي قرابة، أصلهم ويقطعون، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي؟، فقال: "لئن كنت كما قلت، فكأنما تُسفهم الملّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم، ما دمت على ذلك". قلت: رواه مسلم في الأدب ولم يخرجه البخاري. (٤)

стр. 1965

وأحلم: بضم اللام ويجهلون يسيئون. قوله ﷺ : تسفهم المل، قال النوويّ (١): بضم التاء وكسر السين وتشديد الفاء، والمل: بفتح الميم، وهو الرماد الحار الذي يخبز فيه الخبز، وأراد ﷺ أنك تجعل الملة لهم سُفوفًا يستفّونه، والمعنى أنّ عطاءك لهم حرام عليهم، ونار في بطونهم، كذا فسره ابن الأثير (٢). قال الطبري في الأحكام: ولا وجه له، فإن عطاءه لا يكون عليهم حرامًا بالإجماع، إلا معناه والله أعلم: إن عطاءك لهم بعد قطيعتهم وإحسانك بعد إسائتهم وحلمك بعد جهلهم يعقب حرارة الأسف في قلوبهم على ما سلف منهم، وإن عليهم سوء صنعهم. والظهير: المعين، والدافع لأذاهم. من الحسان ٣٩٦٩ - قال رسول الله ﷺ : "لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه". قلت: رواه ابن ماجه في السنة والفتن عن علي بن محمَّد عن وكيع عن سفيان عن عبد الله بن عيسى عن عبد الله بن أبي الجعد الغطفاني أخو سالم عن ثوبان فذكره. ورواه في شرح السنة عن سفيان بالسند إلى ثوبان (٣).
следующие страницы →