← Книги сунны

Книги сунны · id 17063

كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح

الصدر المناوي

Полный текст (2 643 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

٤١٠١ - قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتلّ جواظ مستكبر" ويروى: "كل جواظ زنيم متكبر". قلت: رواه الشيخان: البخاري في التفسير والأدب ومسلم في صفة الجنة والترمذي في صفة جهنم والنسائي في التفسير وابن ماجه في الزهد كلهم من حديث حارثة بن وهب. (١) ومعنى متضعف: أي استضعفه الفقر. ورثاثة الحال، وأقسم على الله معناه: أن يقول بحقك يا رب فافعل كذا، والعتل: الشديد الجافي، والفظ: الغليظ من الناس، والجواظ: بالجيم والظاء المعجمة تقدم أنه الجموع المنوع، وقيل غير ذلك، والزنيم: قال عكرمة: هو اللئيم الذي يعرف بلؤمه كما تعرف الشاة بزنمتها، وزنمة الشاة: هو شيء يقطع من أذنها فيترك معلقًا. ٤١٠٢ - قال: "لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبَّة من خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبَّة من كبر". قلت: رواه مسلم في الإيمان من حديث ابن مسعود. (٢) ٤١٠٣ - قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنًا، فقال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس". قلت: رواه مسلم في الإيمان وأبو داود في اللباس والترمذي في البر وابن ماجه في السنة كلهم من حديث علقمة عن ابن مسعود يرفعه. (٣)

стр. 2032

واسم الرجل الذي قال ذلك: مالك بن مرارة الرهاوي (١). وقد رويناه في مسلم: "غمط الناس": بالطاء المهملة، و"غمص الناس" بالصاد المهملة وكلاهما بمعنى: احتقار الناس. قوله: لا يدخل الجنة أحدٌ في قلبه مثقال ذرة من كبر: قيل: أراد به كبر الكفر، بدليل ما جاء في نقيضه بالإيمان، وقيل: إن الله تعالى ينزع الكبر من قلبه إذا أراد أن يدخله الجنة حتى يدخلها بلا كبر، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾. والبطر: الطغيان عند النعمة، وبطر الحق: أي يجعل الحق باطلًا، وقيل: أن يتكبر عند الحق فلا يقبله، وقال الحسن: التواضع أن تخرج من بابك فلا يلقاك مسلم إلا رأيت له عليك فضلًا. ٤١٠٤ - قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم -ويروى: ولا ينظر إليهم- ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر". قلت: رواه مسلم في الإيمان ولم يخرجه البخاري (٢) والمراد: أن الله لا يكلمهم كلامًا يسرهم به، وإلا فالله تعالى يكلم كل أحد يوم القيامة كما جاء في الحديث الصحيح: ما من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان. (٣) ٤١٠٥ - قالا: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما، قذفته في النار".

стр. 2033

قلت: رواه مسلم في الأدب من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ولم يخرجه البخاري ورواه أبو داود في اللباس وابن ماجه في الزهد. (١) من الحسان ٤١٠٦ - قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال الرجل يذهب بنفسه، حتى يكتب في الجبارين، فيصيبه ما أصابهم". قلت: رواه الترمذي في الأدب من حديث سلمة بن الأكوع وقال: حديث حسن غريب انتهى. (٢) وفي سنده عمر بن راشد اليمامي: لينه غير واحد. وقال الذهبي: ضعفوه. ومعنى يذهب بنفسه: أي مذاهب التيه والعجب والجبروت حتى يصير جبارًا. ٤١٠٧ - عن رسول الله ﷺ قال: "يحشر المتكبرون أمثال الذر يوم القيامة، في صورة الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم -يسمى بولس- تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار، طينة الخبال". قلت: رواه الترمذي في الزهد وقال: حسن. (٣) وفي سنده: محمَّد بن عجلان وقد تقدم ذكره، وأن مسلمًا أخرج له في كتابه ثلاثة عشر حديثًا كلها في الشواهد، وأن البخاري ذكره في كتاب الضعفاء. والذر: جمع ذرة وهي النملة الصغيرة، ويحتمل: أن يكون المعنى أن صورتهم صورة الإنسان، وجثتهم جثة الذر في الصغر، ويحتمل: أن يكون ﷺ شبه المتكبرين في ذلهم

стр. 2034

وحقارتهم يوم القيامة بالذر في صغر مقدارهم وحقارتهم وإن كانت أجسادهم كبيرة فتشبيههم بالذر إنما هو في الذل والحقارة، فهم بالنسبة إلى بقية أهل المحشر في الحقارة كالذر. قوله: يدعى بولس: هو فوعل من الإبلاس، بمعنى البأس، ولعل هذا السجن إنما يسمى بذلك لأن الداخل فيه قد أيس من الخلاص، وقال بعضهم: يجوز كسر لامه وفتحها. قوله: تعلوهم نار الأنيار أي تغشاهم وتحيط بهم كالماء يعلو الغريق، والأنيار: جمع نار، كتاب وأنياب، كان هذه النار لفرط إحراقها وشدة حرها تفعل بسائر النيران ما تفعل النار بغيرها. وقال بعض أهل اللغة: النار تجمع على أنيار بالياء فرقًا بين النار والنور، فإن النور يجمع على أنوار بالواو، وطينة الخبال: عصارة أهل النار كما جاء في الحديث. ٤١٠٨ - قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ". قلت: رواه أبو داود في الأدب بسنده إلى أبي وائل القاص (١) قال: دخلنا على عروة بن محمَّد السعدي فكلمه رجل فأغضبه فقام فتوضأ فقال حدثني أبي عن جدي عطية، قال: قال رسول الله ﷺ .. الحديث.

стр. 2035

وسكت عليه هو والمنذري، وعطية هذا هو: ابن سعد ويقال: ابن قيس، ويقال: ابن عروة سعدي من بني سعد بن بكر بن هوازن نزل بالشام، وكان ولده بالبلقاء، وله صحبة وكنيته أبو محمَّد، وأما أبو وائل: فثقة وكان قاص أهل صنعاء. والقاص: بفتح القاف وبعد الألف صار مهملة هذه النسبة إلى القصص والمواعظ وقد نسب لذلك غير واحد. ٤١٠٩ - قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا غضب أحدكم، وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضطجع". قلت: رواه أبو داود في الأدب عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبي ذر (١) ثم روى عن داود وهو ابن أبي هند عن بكر أن النبي ﷺ بعث أبا ذر بهذا الحديث، قال أبو داود: هذا أصح الحديثين، يريد أن المرسل أصح، وقال غيره: إنما يروي أبو حرب بن أبي الأسود عن عمه عن أبي ذر ولا يحفظ له سماع من أبي ذر (٢). ٤١١٠ - قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بئس العبد عبد تخيل واختال، ونسي الكبير المتعال , بئس العبد عبد تجبّر واعتدى، ونسي الجبار الأعلى، بئس العبد عبد سها ولها، ونسي المقابر والبِلى، بئس العبد عبد عتا وطغى، ونسي المبتدا والمنتهى، بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين، بئس العبد عبد يختل الدين بالشبهات، بئس العبد عبد طمع يقوده، بئس العبد عبد هوى يُضِله، بئس العبد عبد رغب يُذله". (غريب، ضعيف). قلت: رواه الترمذي في الزهد، وقد كفى الشيخ مؤنته (٣) بتضعيفه، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي، وقد رواه الحاكم في المستدرك

стр. 2036

في الرقائق وقال: صحيح، وليس كما قال، ولذلك قال الذهبي: إسناده مظلم. قوله: تخيل: واختال تخيل أنه خير من غيره فتكبر، والكبير المتعال. قال ابن الأثير (١): الكبير العظيم: ذو الكبرياء، وقيل: المتعال عن صفات الخلق، وقيل: المتكبّر على عُتاة خلقه، والتاء فيه للتفرد، والتخصص لا للتعاطي والتكلف، والمتعالي: الذي جل عن إفك المفترين وعلا شأنه، وقد يكون بمعني العالي. قوله عتا وطغى: العتو التجبر والتكبر، وطغى: أي جاوز القدر في الشر. قوله: ونسي المبتدأ والمنتهى أي نسي ابتداء خلقه، وهو كونه نطفة وانتهاء حاله الذي يصير إليه، وهو أن يكون ترابًا. قوله: بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين: أي تطلب الدنيا بعمل الآخرة، يريك دينًا وورعًا، حتى إذا ظفر بشيء من أمر الدنيا انكشف ضميره الخبيث، قبح الله الفاعل لذلك، يقال: خَتَله يختلِه: إذا خدعه وراوغه، وتخيل الدين بالشبهات: أي يقع في الحرام بالتأويل (٢). والرغب: بضم الراء المهملة وإسكان الغين المعجمة ثم بالباء الموحدة وهو الشره. قال الجوهري (٣): يقال: الرغب شؤم، والله أعلم. باب الظلم من الصحاح ٤١١١ - قال: قال النبي ﷺ : "الظلم ظلمات يوم القيامة". قلت: رواه البخاري في المظالم ومسلم في الأدب والترمذي في البر ثلاثهم من حديث

стр. 2037

عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر. (١) ٤١١٢ - قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم". قلت: رواه مسلم في الأدب ولم يخرجه البخاري. (٢) قيل الشح: هو الحرص الشديد، الذي يحمله على ارتكاب المحارم من سفك الدماء، وأكل الربا، وأخذ الحرام، وإتيان الفواحش (٣)، كما قال في الحديث. ٤١١٣ - قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلته"، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ ...﴾ الآية. قلت: رواه البخاري والترمذي والنسائي ثلاثتهم في التفسير ومسلم في الأدب وابن ماجه في الفتن كلهم من حديث أبي موسى. (٤) ٤١١٤ - أن النبي ﷺ لما مر بالحِجْر، قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم مثل ما أصابهم"، ثم قنع رأسه، وأسرع السير حتى اجتاز الوادي. قلت: رواه البخاري في مواضع من كتابه بألفاظ متقاربة، منها: في الصلاة وفي المغازي ورواه مسلم أيضًا في آخر الكتاب بمعناه كلاهما من حديث ابن عمر بن الخطاب. (٥)

стр. 2038

والحجر: بالكسر، اسم لأرض ثمود قوم صالح ﵇، وكان ذلك عند سيره ﷺ إلى تبوك. وفي الحديث دليل على: أن منازل هؤلاء لا تتخذ مسكنًا ووطنًا لأنه ﷺ قد نهى عن دخولها إلا مع البكاء، فالمتوطن لا يكون باكيًا أبدًا. وقنع رأسه: قال بعضهم: يحتمل أنه ﷺ أخذ قناعًا على رأسه شبه الطيلسان، ويجوز أن يكون مبالغة في الإقناع أي أطرف فلا يلتفت يمينًا ولا شمالًا. ٤١١٥ - قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له مظلمة لأخيه من عوضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات، أخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه". قلت: رواه البخاري (١) في المظالم عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذيب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة يرفعه. قوله ﷺ : فليتحلله أي يسأله, أن يجعله في حل من قبله، يقال تحللته واستحللته إذا سألته أن يجعلك في حل. قال في شرح السنة: (٢) ومعناه أن يقطع دعواه ويترك مظلمته فإن ما حرم الله من الغيبة لا يمكن تحليله، وإذا تحلل من المال فإنما يصح إذا كان معلومًا، وكان دينًا أو منفعة عين استوفاها غصبًا، فإن كانت العين التي غصبها قائمة، فلا يصح التحلل منها، إلا بهبة وقبول، مع قبض، وقال بعض أهل العلم: إذا اغتاب رجلًا فإن بلغه فلا بد أن يستحله، وإن لم يبلغه فإنه يستغفر الله تعالى ولا يخبره. ٤١١٦ - قال: قال رسول الله ﷺ : "أتدرون ما المفلس؟، قالوا: المفلس فينا: من لا درهم له ولا متاع، فقال: "إن المفلس من أمتي: من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب

стр. 2039

هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أُخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار". قلت: رواه مسلم في الأدب والترمذي في الزهد كلاهما من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري، بل اقتصر على الحديث الذي قبله وهو بمعنى هذا. (١) ٤١١٧ - قال النبي ﷺ : "لتؤدنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء". قلت: رواه مسلم في الأدب من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري. (٢) والجلحاء: هي التي لا قرن لها، والقرناء ضدها. من الحسان ٤١١٨ - قال رسول الله ﷺ : "لا تكونوا إمَّعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنّا وإن ظلموا ظلمنا, ولكن وطِّنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا". قلت: رواه الترمذي في البر من حديث حذيفة، وقال: حسن غريب انتهى. (٣) وسند الحديث جيد.

стр. 2040

والإمعة: بكسر الهمزة وتشديد الميم وفتحها، الذي لا رأي له فهو تابع لكل أحد على رأيه، ويقال: إمع، والهاء فيه للمبالغة، ويقال: هو الذي يقول لكل أحد أنا معك، ولا تستعمل هذه اللفظة في النساء فلا يقال امرأة إمعة. ٤١١٩ - كتب معاوية بن أبي سفيان إلى عائشة ﵂: أن اكتبي إليّ كتابًا توصيني فيه، ولا تكثري، فكتبت: سلام عليك، أما بعد: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من التمس رضا الله بسخط الناس، كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله، وكله الله إلى الناس"، والسلام عليك. قلت: رواه الترمذي (١) في الزهد، قبيل باب ما جاء في شأن الحساب عن عبد الوهاب بن الورد عن رجل من أهل المدينة قال: كتب معاوية إلى عائشة .. وساقه، ورواه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها كتبت إلى معاوية من قولها ولم ترفعه. ومعنى: وكّله الله إلى الناس، يقال: وكلت أمري إلى فلان أي ألجأته إليه واعتمدت عليه. باب الأمر بالمعروف من الصحاح ٤١٢٠ - قال رسول الله ﷺ : "من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع، فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". قلت: رواه مسلم والنسائي كلاهما في الإيمان وأبو داود في الصلاة والترمذي وابن

стр. 2041

ماجه في الفتن كلهم من حديث أبي سعيد الخدري ولم يخرجه البخاري. (١) ٤١٢١ - قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها: مثل قوم استهموا سفينة، فصار بعضهم في أسفلها، وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذي في أسفلها يمر بالماء على الذين في أعلاها، فتأذوا به، فأخذ فأسًا فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه فقالوا: ما لك؟ فقال: تأذيتم بي، ولا بد لي من الماء، فإن أخذوا على يديه, أنجوه ونَجّوا أنفسهم، وإن تركوه، أهلكوه وأهلكوا أنفسهم". قلت: رواه البخاري في الشركة وفي الشهادات والترمذي في الفتن كلاهما من حديث الشعبي عن النعمان بن بشير. (٢) قال في شرح السنة (٣): والمداهنة والادهان: المقاربة في الكلام والتليين، قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ أي: تلين لهم فيلينون لك. قوله: يمر بالماء، قال بعضهم: كنى به عن البول والغائط أدبًا، ويجوز: أن يحمل على ظاهره في الماء، وإنما حمله هذا على البول والغائط لأن البحر لا ينتفع بمائه لغير الطهارات من الحدث والنجس. قوله: فإن أخذوا على يديه، قال في النهاية (٤): يقال: أخذت على يد فلان إذا منعته عما يريد فعله كأنك أمسكت يده. قوله: أنجوه، يقال: نجى من الأمر إذا خلص، وأنجاه غيره، والنجية: التخليص، وشبّه ﷺ المداهن في الحدود بالذي في أعلى السفينة، والواقع فيها بالذي في أسفلها، وشبه الإِسلام بالسفينة وهو محيط بالفريقين كما أن السفينة محيطة بهما، وشبه انهماك

стр. 2042

المسرف على نفسه المتعدي لحدود الله بالذي ينقر أسفل السفينة، وعبر عن نهي الناهي الواقع في تلك الحدود بالأخذ على يديه, وبمنعه، وعبر عن فائدة المنع بنجاة الناهي والمنهي، وعبر عن عدم النهي بالترك، وعبر عن ثمرة ترك النهي بالهلاك والله أعلم. ٤١٢٢ - قال: قال رسول الله ﷺ : "يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيطحن فيها كطحن الحمار يرَحَاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان، ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه". قلت: رواه البخاري في صفة النار وفي الفتن ومسلم في آخر الكتاب. (١) قوله: تندلق أقتابه، أي تخرج أمعاؤه فالاندلاق خروج الشيء من مكانه، وكل شيء بدر خارجًا فقد اندلق. والأقتاب الأمعاء واحدها قتبة، قاله الأصمعي وقال الكسائي واحدها قتب، وقال أبو عبيدة: القتب ما تحوّى في البطن يعني استدار وهي الحَوايا، وأما الأمعاء فهي الأقصاب واحدها قصب. ومعنى: فتطحن فيها طحن الحمار برحاه: يدور كما يدور الحمار برحاه (٢). من الحسان ٤١٢٣ - قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابًا من عنده، ثم لتدعنّه، فلا يستجاب لكم".

стр. 2043

قلت: رواه الترمذي في الفتن من حديث حذيفة وقال: حسن انتهى، وسنده جيد. (١) ٤١٢٤ - عن النبي ﷺ قال: "إذا عُملت الخطيئة في الأرض: من شهدها فكرهها، كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها، فرضيها كان كمن شهدها". قلت: رواه أبو داود في الفتن عن عدي بن عدي عن العرس وهو ابن عميرة الكندي وسكت عليه أبو داود. (٢) والعُرْس: بضم العين المهملة وإسكان الراء وهما اثنان هذا والعرس ابن قيس الكندي وهما صحابيان، ذكرهما الحافظ أبو عمر ولم يرو له من أصحاب الكتب الستة إلا أبو داود روى له هذا الحديث خاصة (٣). ٤١٢٥ - أنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا منكرًا فلم يغيّروه، يوشك أن يعُمّهم الله بعقابه". (صحيح). قلت: رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه كلهم في الفتن والنسائي في التفسير واللفظ لابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح، وذكر: أن بعضهم رواه مرفوعًا وبعضهم رواه موقوفًا على أبي بكر وقد أعاده الترمذي في التفسير. (٤) - وفي رواية: "إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوْشَك .. ". قلت: هذه الرواية لفظ أبي داود والترمذي. (٥)

стр. 2044

- وفي رواية: "ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا، ثم لا يغيرون، إلا يُوشك أن يعُمّهم الله بعقاب". قلت: رواها أبو داود. (١) - وفي رواية: "يُعمل فيهم بالمعاصي، هم أكثر ممن يعمله .. ". قلت: رواها أيضًا أبو داود. (٢) والأخذ على اليد: كناية عن المنع. قوله: أوشك، أو يوشك بمعنى يقرب ويسرع. ٤١٢٦ - عن النبي ﷺ قال: "ما من قوم يكون بين أظهرهم رجل يعمل بالمعاصي، هم أمنع منه وأعز، لا يغيرون عليه، إلا أصابهم الله بعقاب". قلت: رواه أبو داود وابن ماجه كلاهما في الفتن عن ابن جرير عن جربر (٣) وقال أبو داود في آخره: "إلا أصابهم الله بعقاب من قبل أن يموتوا" قال المنذري: وابن جرير هذا لم يسم، قال: وقد روى ابن جرير عن أبيه أحاديث واحتج به مسلم انتهى كلام المنذري (٤). قلت: وقد صرح ابن ماجه باسمه فقال: عن عبد الله بن جرير بن عبد الله بخلاف ما فعل أبو داود، فإنه قال عن ابن جرير عن جرير وذكر الحديث، والظاهر أن الذي روى عنه ابن ماجه غير الذي يروي عنه أبو داود، وكذا فهمه المزي، فإنه ذكر في الأطراف في مسند جرير ابنه عبيد الله، وعزاه لابن ماجه رواية هذا الحديث عنه ثم في

стр. 2045

آخر الترجمة، قال: وعن ابن لجرير عن جرير وذكر هذا الحديث وعزاه لأبي داود خاصة، ولهذا قال المنذري في قول أبي داود عن ابن لجرير عن جرير أن ابن جرير لم يسم، فلو كان هذا الذي روى عنه ابن ماجه لكان اسمه عبيد الله وكلام الذهبي في الكاشف موافق لذلك (١). ٤١٢٧ - في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فقال: أما والله لقد سألت عنها رسول الله ﷺ ؟ فقال: "بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شُحًّا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرًا لا بد لك منه، فعليك نفسك، ودع أمر العوام، فإن وراءكم أيام الصبر، فمن صبر فيهن، فكأنما قبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله" قالوا: يا رسول الله أجر خمسين منهم، قال: "أجر خمسين منكم". قلت: رواه أبو داود وابن ماجه كلاهما في الفتن والترمذي في التفسير كلهم من حديث أبي ثعلبة، قال أبو داود: اسم أبي ثعلبة جرثوم هذا آخر كلامه. وفي اسم أبي ثعلبة اختلاف كثير: قيل: جرثومة، وقيل: جرهم، وقيل: عمرو، وقيل: الأشتر، وفي سند الحديث عتبة بن أبي حكيم الهمداني الشامي قال المنذري وثقه غير واحد وتكلم فيه غير واحد. (٢) قوله: "ورأيت أمرًا لا بد لك منه" هكذا هو في النسخ المعتمدة وكذا رواه المصنف في شرح السنة (٣) وليست هذه اللفظة في أبي داود ولا في الترمذي ولفظ ابن ماجه: "ورأيت أمرًا لا بد أن لك به".

стр. 2046

والشح المطاع: هو الذي يطيعه صاحبه في منع الحقوق التي أوجبها الله عليه أو ندب إليها لمنع الزكاة، والنفقة الواجبة، وصدقة التطوع، وما أشبه ذلك. ودنيا مؤثرة أي مختارة مقدمة على الآخرة. قوله ﷺ : "ورأيت أمرًا لا بد لك منه" أي ورأيت مع هذه الأمور من الشح وما بعده أمرًا لا بد لك منه أن تقع فيه إن خالطتهم وهنئتهم فعليك بنفسك، ويشهد لذلك ما جاء في الرواية الأخرى: "ورأيت أمرًا لا بد أن لك بهما" ويؤيد ذلك قوله ﷺ : "من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده ... " الحديث، الذي أورده المصنف في أول الباب. قوله ﷺ : فعليك نفسك هو اسم فعل أي الزم نفسك. قوله ﷺ : الصابر فيهن يعني على العبادة، ومخالفة ما الناس عليه، والقيام بالعبادات فكأنما قبض على الجمر للمشقة الحاصلة بسبب ذلك. ٤١٢٨ - قال: قام فينا رسول الله ﷺ خطيبًا بعد العصر، فلم يدع شيئًا يكون إلى قيام الساعة إلا ذكره، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، وقال فيما قال: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعلمون؟ ألا فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء" وذكر أن لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته في الدنيا, ولا غدر أكبر من غدر أمير العامة، يغرز لواءهُ عند استه، قال: "ولا تمنعن أحدًا منكم هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه. وفي رواية: إن رأى منكرًا أن يغيّره" فبكى أبو سعيد، وقال: قد رأيناه فمنعتنا هيبة الناس أن نتكلم فيه، ونغيره، ثم قال: "ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى، فمنهم من يولد مؤمنًا ويحيا مؤمنًا ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا ويحيا كافرًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد مؤمنًا ويحيا مؤمنًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد كافرًا ويحيا كافرًا ويموت مؤمنًا، قال: وذكر الغضب: "فمنهم: من يكون سريع الغضب سريع الفيء، فإحداهما بالأخرى، ومنهم من يكون بطيء الغضب بطيء الفيء فإحداهما بالأخرى، وخياركم من يكون بطيء الغضب سريع الفيء، وشراركم من يكون سريع الغضب، بطيء الفيء"، ثم قال: "اتقوا الغضب , فإنه جمرة على قلب ابن آدم، ألا ترون إلى انتفاخ أوداجه، وحمرة عينيه؟

стр. 2047

فمن أحسّ بشيء من ذلك، فليضطجع وليتلبد بالأرض"، قال: وذكر الدين، فقال: "ومنكم من يكون حسن القضاء، وإذا كان له أفحش في الطلب، فإحداهما بالأخرى، ومنكم من يكون سيء القضاء، وإن كان له أجمل في الطلب، فإحداهما بالأخرى، وخياركم من إذا كان عليه الدين أحسن القضاء، وإن كان له أجمل في الطلب، وشراركم من إذا كان عليه الدين أساء القضاء، وإن كان له أفحش في الطلب"، حتى إذا كانت الشمس على رؤوس النخل، وأطراف الحيطان، فقال: "أما إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه". قلت: رواه الترمذي والحاكم في المستدرك كلاهما في الفتن من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد، واسم أبي نضرة: المنذر بن مالك، واسم أبي سعيد: سعد بن مالك، وحسنه الترمذي، وروى ابن ماجه بعضه. (١) وحلوة خضرة: قال صاحب الغريب أي غضة ناعمة طرية (٢). ٤١٢٩ - قال: قال رسول الله ﷺ : "لن يهلك الناس، حتى يُعذروا من أنفسهم". قلت: رواه أبو داود في الملاحم من حديث أبي البختري واسمه: سعيد بن فيروز عن رجل من أصحاب النبي ﷺ وسكت عليه. (٣) ومعنى: يعذروا من أنفسهم، أي تكثر ذنوبهم ويستوجبوا العقوبة، فيكون لمن يعذبهم العُذْر، يقال: أعذر الرجل إعذارًا: إذا صار ذا عيب وفساد، وقال بعضهم: عذر يعذر بمعناه (٤) قال في الفائق: (٥) ويروى بفتح الياء وضمها والمعنى حتى يفعلوا ما يتجه لمحل العقوبة بهم العذر.

стр. 2048

٤١٣٠ - قال ﷺ : "إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه، فلا ينكرون، فإذا فعلوا ذلك، عذب الله العامة والخاصة". قلت: رواه المصنف في شرح السنة من حديث عدي بن عدي الكندي قال: حدثنا مولى لنا أنه سمع جدي يقول سمعت رسول الله ﷺ .. وذكره، والمولى في قوله مولى لنا مجهول. (١) ٤١٣١ - قال: قال رسول الله ﷺ : "لما وقعت بنوا إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ﵉: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ قال: فجلس رسول الله ﷺ وكان متكئًا فقال: لا، والذي نفسي بيده، حتى تأطروهم أطرًا". - وفي رواية: "كلا، والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو لتقصرنه على الحق قصرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعننكم كما لعنهم". قلت: رواه أبو داود في الملاحم والترمذي في التفسير وابن ماجه في الفتن ثلاثتهم من حديث أبي عبيد عن ابن مسعود يرفعه ولفظ الحديث للترمذي، ولفظ الرواية لأبي داود، وقال الترمذي: حسن غريب، وذكر بعضهم: رواه عن أبي عبيدة وهو ابن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ مرسلًا، وأخرجه ابن ماجه أيضًا مرسلًا. (٢) وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه فروايته عن أبيه تكون منقطعة كذا

стр. 2049

قاله المنذري واسم أبي عبيدة هذا: عامر (١). قوله: حتى تأطروهم أطرًا بالطاء المهملة المكسورة في المضارع الساكنة في المصدر قال الجوهري: أطرت القوس آطِرها أطْرًا، إذا حنيتَها. وتأطّر الرمح: تثنّى (٢). قال في شرح السنة (٣): حتى تأطروهم أي تعطفوهم عطفا، يقال: أطرت الشيء أطرًا إذا عطفته ومنه إطار القوس. ٤١٣٢ - قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت ليلة أسري بي رجالًا تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبربل؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم". قلت: رواه المصنف في شرح السنة بسنده المتصل من حديث أنس، وفي الصحيح ما يشهد له. (٤) ٤١٣٣ - قال: قال رسول الله ﷺ : "أنزلت المائدة من السماء خبزًا ولحمًا، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا لغد، فمسخوا قردة وخنازير". قلت: رواه الترمذي في التفسير، ووقفه على عمار بن ياسر، وقال: رواه أبو عاصم وغير واحد عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن خلاس بن عمرو عن عمار موقوفًا قال: ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسن بن قزعة، قال: ولا نعلم للحديث المرفوع أصلًا، والله أعلم. (٥)

стр. 2050

كتاب الرقاق الرقاق: جمع رقيق، وهو نقيض الغليظ والمراد: الكلمات التي ترق بها القلوب إذا سمعت، وترغب عن الدنيا، وقيل: هو الفقر وهو فعال من الرقة؛ لأنه يتضمن رقة الحال. من الصحاح ٤١٣٤ - قال رسول الله ﷺ : "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ". قلت: رواه البخاري والنسائي كلاهما في الرقاق والترمذي وابن ماجه كلاهما في الزهد كلهم من حديث ابن عباس. (١) والغبن: خروج الشيء عن اليد بغير عوض، أو بعوض لا يساويه، ومعناه: أنهما يذهبان عن كثير من الناس ولم يستفد في مقابلتهما شيئًا. ٤١٣٥ - قال: قال رسول الله ﷺ : "والله ما الدنيا في الآخرة، إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع؟ ". قلت: رواه مسلم في صفة الدنيا والآخرة، والترمذي وابن ماجه كلاهما في الزهد والنسائي في الرقائق كلهم من حديث المستورد بن شداد. (٢)

стр. 2051

٤١٣٦ - "أن رسول الله ﷺ : مرّ بجدْي أسَكّ ميّت، فقال: "أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم؟ " فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، فقال: "فوالله، للدنيا أهون على الله من هذا عليكم". قلت: رواه مسلم في آخر الكتاب وروى أبو داود معناه في الطهارة (١) قال: ثم صلى ولم يمس ماء، وزاد فيه رزين (٢): فلو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء، كلاهما من حديث جابر. وأسك: هو بالسين المهملة ثم الكاف، قال الجوهري (٣): السكك صغر الأذن، والسكاء: التي لا أذن لها، يقال: سكّه يسكه إذا اصطلم أذنيه، يقال: كل سكاء تبيض، وكل شرفاء تلد (٤). وقال في النهاية: أي مقطوع الأذنين. (٥) ٤١٣٧ - قال: قال رسول الله ﷺ : "الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر". قلت: رواه مسلم في الرقائق والترمذي وابن ماجه كلاهما في الزهد وخرجه أيضًا أحمد كلهم من حديث أبي هريرة يرفعه. (٦) ومعناه: أن الإيمان يقيد المؤمن عن مواقعة المحظورات، فكأنه في سجن عنها، والكافر ليس له إيمان يقيده، فكأنه في جنة يتناول منها ما شاء، واختلف في الدنيا ما هي؟ فقيل: هي العالم كله، وقيل: الشهوات الملهية، عما الإنسان بصدده من الاستعداد لمعاده،

стр. 2052

والظاهر أن الدنيا تطلق على ما يقابل الآخرة، فهي المذكور أولًا وتطلق على معنى مذموم هو أخص من ذلك فهي المذكور ثانيًا. ٤١٣٨ - قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر، فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنة يجزى بها". قلت: رواه مسلم في التوبة من حديث همام بن يحيى عن قتادة عن أنس يرفعه ولم يخرجه البخاري. (١) ومعنى: لا يظلم، لا ينقص وهو متعد إلى مفعولين، أحدهما: مؤمنًا، والآخر: حسنة، ومعناه: أن المؤمن إذا اكتسب حسنة يكافئه الله عليها، بأن يوسع عليه رزقه أو يدفع عنه شيئًا من آفات الدنيا، ويثيبه في الآخرة، والكافر إذا اكتسب حسنة في الدنيا بفك أسير، أو عتق رقبة، يكافئه الله تعالى في الدنيا ولا يجزيه في الآخره. ٤١٣٩ - قال: قال رسول الله ﷺ : "حُجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره". قلت: رواه البخاري في الرقائق ورواه مسلم في صفة الجنة في أواخر كتابه قبل كتاب الفتن والترمذي فيه كلهم من حديث أبي هريرة (٢) ومن حديث أنس: "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات" (٣) والحجاب: الستر، والمعنى أن من اتبع الشهوات وارتكبها خرق حجاب النار، ووقع فيها، ومن صبر نفسه على ما يكرهه من فعل الطاعات، وترك المنكرات، فقد اخترق حجب الجنة ودخلها. ٤١٤٠ - قال: قال رسول الله ﷺ : "تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة إن أُعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك

стр. 2053

فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفّع". قلت: رواه البخاري في الجهاد وفي الرقائق وابن ماجه في الزهد من حديث أبي صالح عن أبي هريرة يرفعه. (١) قوله: تعس أي انكبَّ وعثر، ومعناه: الدعاء عليه، أي أتعسه الله، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ أي: عثارًا وسقوطًا، قال الجوهري (٢): التعس: الهلاك، وأصله الكب وهو ضد الانتعاش، وقد تَعَس بالفتح يتعس تَعسًا، وقال في النهاية (٣): تعس يتعس إذا عثر وانكب لوجهه، وقد تفتح العين وهو دعاء بالهلاك. قوله: عبد الخمصية: هي ثوب خز، أو صوف مُعْلَم، وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء مُعْلَمة، وكانت من لباس الناس قديمًا، وجمعها الخمائص (٤). قوله: وانتكس يقال: نكست الشيء: إذا قلبته، والشيء منكوس. قوله: شيك فلا انتقش، هو بكسر الشين المعجمة وسكون الياء. قال في النهاية (٥): أي إذا شاكته الشوكة فلا يقدر على انتقاشها، وهو إخراجها بالمنقاش، قال الزمخشري (٦): شيك من قولهم شاكه الشوك، إذا دخل في رجله والانتقاش: استخراجه.

стр. 2054

قوله: إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة، هذا لبيان حال هذا العبد، وأنه ممتثل مطيع لأمر الإِمام المطاع، وأراد بالحراسة: حراسة العدو، وهو يكون في مقدمة الجيش، وبالساقة: ساقة الجيش، وإنما ذكرهما لكونهما أكثر آفة من غيرهما، الأول عند دخولهم في دار الحرب، والآخر عند خروجهم منها. ٤١٤١ - قال: قال النبي ﷺ : "إن مما أخاف عليكم من بعدي: ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها" فقال رجل: يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر؟ فسكت، حتى ظننا أنه ينزل عليه، قال: فمسح عنه الرُّحَضاء، وقال: "أين السائل؟ "، وكأنه حمده، فقال: "إنه لا يأتي الخير بالشر، وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حَبَطا أو يلم، إلا آكِلة الخُضُر أكلت، حتى إذا امتدت خاصرتاها، استقبلت عين الشمس، فَثَلطت وبالت، ثم عادت فأكلت، وإن هذا المال خضرة حُلوة، فمن أخذه بحقه، ووضعه في حقه، فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه، كان كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيدًا عليهم يوم القيامة". قلت: رواه البخاري في هذا الباب وفي الجهاد وفي الصلاة وفي الزكاة وفي بعض الروايات اختصار ومسلم في الزكاة كلاهما من حديث أبي سعيد الخدري. (١) الرحضاء: هو بضم الراء وفتح الحاء المهملتين، وبضاد معجمة ممدودة العرق من الشدة، وأكثر ما يسمى به عرق الحمى. وحبطًا: بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة والطاء المهملة هو التخمة وهو نصب على التمييز. قوله ﷺ : أو يلم أي يقارب القتل. قوله ﷺ : إلا آكلة الخضر: هو بكسر الهمزة في "إلَّا" وتشديد اللام على الاستثناء، هذا هو المشهور، وقال عياض: ورواه بعضهم "ألا" بفتح الهمزة وتخفيف اللام على الاستفتاح. وآكلة ممدودة مهموزة.

стр. 2055

والخضر: بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين عند الجمهور وضبطه بعضهم الخضر بضم الخاء وفتح الضاد. قال في النهاية (١): وهو نوع من البقول ليس في أحرارها وجيّدها. وثلطت: هو بفتح الثاء المثلثة أي ألقت الرجيع. الثلط وهو الرجيع الرقيق وفي شرح السنة نقلًا عن الأصمعي الحبط هو أن تأكل الدابة فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطنها وتمرض، قال أبو عبيد: قوله: أو يلم بمعنى يقرب، من ذلك قال الأزهري (٢): فيه مثلان: ضرب أحدهما للمفرط في جمع الدنيا، وضرب الآخر للمقتصر في أخذها والانتفاع بها. فأما قوله: وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا فهو مثل للمفرط الذي يأخذها بغير حق، وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول فتستكثر الماشية منه لاستطابتها إياه، حتى تنتفخ بطونها، عند مجاوزتها حد الاحتمال، فتنشق أمعاؤها من ذلك فتهلك، أو تقارب الهلاك، وكذلك الذي يجمع الدنيا من غير حلها ويمنعها مستحقها، قد تعرّض للهلاك في الآخرة بدخول النار، وفي الدنيا بأذى الناس له وحسدهم إياه، وغير ذلك من أنواع الأذى. وأما قوله ﷺ : إلا آكلة الخضِر: فإنه مثل للمقتصد، وذلك أن الخضر ليس من أحرار البقول التي ترعاها الماشية بعد يبس البقول حيث لا تجد سواها، وتسميها العرب الجنبة فلا ترى الماشية تكثر من أكلها ولا تستَمْرِئها، فضرب آكلة الخضر من المواشي مثلًا لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها، فلا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها، فهو ينجو من وبالها، كما نجت آكلة الخضر، ألا تراه ﷺ قال: آكلت حتى امتدت خاصرتاها، استقبلت عين الشمس، فثلطت وبالت، أراد ﷺ أنها إذا شبعت منها برَكت مستقبلة

стр. 2056

عين الشمس تستمرىء بذلك ما أكلت، وتثلط فإذا ثلَطت فقد زال عنها الحبط، وإنما تحبط الماشية لأنها تمتلىء بطونها ولا تثلط ولا تبول، فتنتفخ أجوافها، فيعرض لها المرض فتهلك وأراد ﷺ بزهرة الدنيا حسنها وبهجتها. قوله أو يلم معطوف على قوله يقتل أي ما يقتل أو يكاد أن يقتل (١). قوله ﷺ : إن هذا المال خضرة حلوة أي غض طري وأصله من خضرة الشجر. وقد رواه الحميدي (٢): خضر حلو على التذكير، وفي أكثر نسخ الصحيحين بالتأنيث والأول ظاهر، والثاني على إرادة الدنيا. ٤١٤٢ - قال: قال رسول الله ﷺ : "والله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم". قلت: رواه البخاري هنا وفي الجزية وفي المغازي ومسلم في آخر الكتاب والترمذي في الزهد والنسائي في الرقائق وابن ماجه في الفتن كلهم من حديث عمرو بن عوف يرفعه. (٣) ٤١٤٣ - قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم اجعل رزق آل محمَّد قوتًا"، ويروى: "كفافًا". قلت: رواه البخاري في الرقائق ومسلم في الزكاة وفي الزهد والترمذي وابن ماجه كلاهما في الزهد والنسائي في الرقائق كلهم من حديث أبي هريرة. (٤)

стр. 2057

قال أهل اللغة: ومعنى قوتًا: ما يسد الرمق من الطعام، وقيل: كفايتهم من غير إسراف وهذا الظاهر. ٤١٤٤ - قال: قال رسول الله ﷺ : "قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنّعه الله بما آتاه". قلت: رواه مسلم في الزكاة والترمذي في الزهد وابن ماجه وابن حبان (١) في صحيحه كلهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص يرفعه، ولم يخرجه البخاري، وقال بعد قوله: كفافًا، فصبر عليه، وسئل سعيد بن عبد العزيز ما الكفاف من الرزق؟ قال: شبع يوم وجوع يوم. ٤١٤٥ - قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول العبد: مالي، إنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أُعطى فاقتنى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس". قلت: رواه مسلم في الزهد من حديث أبي هريرة يرفعه ولم يخرجه البخاري. (٢) ومعنى اقتنى: ادخره لآخرته. ٤١٤٦ - قال رسول الله ﷺ : "يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان، ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله". قلت: رواه البخاري والنسائي كلاهما في الرقائق ومسلم والترمذي كلاهما في الزهد كلهم من حديث أنس يرفعه. (٣) ٤١٤٧ - قال رسول الله ﷺ : "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ "، قالوا: يا رسول الله ما منّا أحد إلا مالُه أحب إليه، قال: "فإن ماله ما قدّم، ومال وارثه ما أخّر".

стр. 2058

قلت: رواه البخاري في الرقائق والنسائي في الوصايا كلاهما من حديث الحارث بن سويد قال قال عبد الله بن مسعود يرفعه. (١) ٤١٤٨ - قال: أتيت ﷺ وهو يقرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: "يقول ابن آدم: مالي مالي! قال: وهل لك من مالك يا ابن آدم، إلا ما أكلت فأفنيت؟ أو لبست فأبليت؟ أو تصدقت فأمضيت؟ ". قلت: رواه مسلم في آخر الكتاب والترمذي في الزهد والنسائي في الوصايا كلهم من حديث قتاده عن مطرف بن عبد الله عن أبيه يرفعه ولم يخرجه البخاري. (٢) ٤١٤٩ - قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس الغِنى عن كثرة العرض، ولكن الغِنى غنى النفس". قلت: رواه الشيخان: البخاري في الرقائق ومسلم والترمذي في الزهد كلهم من حديث أبي هريرة. (٣) والعرض: بفتح العين والراء هو متاع الدنيا وحطامها. من الحسان ٤١٥٠ - قال: قال رسول الله ﷺ : "من يأخذ عني هؤلاء الكلمات، فيعمل بهن، أو يعلّم من يعمل بهن؟ " قلت: أنا، يا رسول الله فأخذ بيدي، فعد خمسًا، فقال: "اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحِبّ للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تُكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب". (غريب).

стр. 2059

قلت: رواه الترمذي في الزهد من حديث الحسن عن أبي هريرة يرفعه قال رسول الله ﷺ : "من يأخذ عني" بلفظه ومعناه، قال: والحسن لم يسمع من أبي هريرة فهو منقطع. (١) قال: وروى أبو عبيدة الناجي عن الحسن هذا الحديث. قوله: ولم يذكر فيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . ٤١٥١ - قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يقول: ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى"، وأسد فقرك، وإن لا تفعل، ملأت يدك شغلًا، ولم أسُدّ فقرك. قلت: رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما في الزهد من حديث أبي خالد الوالبي (٢) واسمه: هرمز، ويقال: هرم عن أبي هريرة، قال ابن عدي: في حديث أبي خالد: لين. ٤١٥٢ - قال: ذُكر رجل عند رسول الله ﷺ بعبادة واجتهاد، وذكر آخر بَرِعَة، فقال رسول الله ﷺ : "لا تعدل بالرّعة شيئًا" يعني: الورع. قلت: رواه الترمذي في الزهد عن محمَّد بن المنكدر عن جابر وقال: غريب انتهى. وفي سنده: محمَّد بن عبد الرحمن عن أبيه، قال ابن معين: ليس بشيء. (٣)

стр. 2060

قوله: وذكر آخر برعة: هو بكسر الراء وفتح العين المهملتين قال الجوهري (١): الورع بكسر الراء الرجل التقي وقد ورع يرع ورِعًا، ورَعِة يقال: فلان سيء الرِعَة أي قليل الوَرعَ. ٤١٥٣ - قال: قال رسول الله ﷺ لرجل وهو يعظه: "اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابَك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك". (مرسل). قلت: رواه النسائي في الواعظ مرسلًا من حديث عمرو بن ميمون الأودي يرفعه، وعمرو بن ميمون تابعي (٢) وروى عنه البخاري في أيام الجاهلية: أنه رأى قِرْدَة اجتمع عليها قِرَدَة قد زنت، فرجموها، فرجمتها معهم (٣). ٤١٥٤ - قال: قال رسول الله ﷺ : "ما ينتظر أحدكم إلا غنى مطغيًّا، أو فقرًا مُنسيًّا، أو مرضًا مفسدًا أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مُجهزًا، أو الدجال -فالدجال شر غائب ينتظر- أو الساعة -فالساعة أدهى وأمر-". قلت: رواه الترمذي في الزهد عن الأعرج عن أبي هريرة وقال: حديث حسن غريب، وقال: لا نعرفه في حديث الأعرج إلا من حديث محرر بن هارون، قال: وروى معمر

стр. 2061

هذا الحديث عمن سمع سعيد المقبري عن أبي هريرة انتهى. (١) قلت: ومحرر بن هارون -بالإهمال-، وسماه ابن أبي حاتم: محرزًا بزاي، قال البخاري: منكر الحديث، وقال الدراقطني: ضعيف، وقال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه ولا الاحتجاج به، وذكر الذهبي في الميزان هذا الحديث له، قال: وقد روي بإسناد أصلح من هذا يرويه معمر عن المقبري عن أبي هريرة. قوله: أو غنى مطغيًّا، الطغيان: مجاوزة الحد، وأطغاه المال إذا جعله طاغيًا من البطر والغرور، والمرض المفسد: الذي يفسد بدنه. قوله: أو هرمًا مفندًا، قال الجوهري (٢): الفَنَد: ضعف الرأي من الهرم، قال في النهاية (٣): الهرم المفند: من أخوات قولهم نهاره صائم، جعل المفند الهرم وهو المهرم قال والموت المجهز: السريع، يقال: أجهز عليه الجرح يجوز إذا أسرع قتله. قوله: والساعة أدهى وأمر، أي عذاب الساعة أدهى أي أعظم بلية وأمر من عذاب الدنيا. ٤١٥٥ - قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا إن الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالمًا، أو متعلمًا".

стр. 2062

قلت: رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما في الزهد من حديث أبي هريرة يرفعه وقال الترمذي: حسن غريب انتهى. (١) وسند الترمذي وابن ماجه جيد، فإن الترمذي رواه: عن محمَّد بن حاتم المكتب قال: أخبرنا علي بن ثابت، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، قال: سمعت عطاء بن قرهّ قال: سمعت عبد الرحمن بن ضمرة قال: سمعت أبا هريرة يقول .. وساقه، ورواه ابن ماجه عن علي بن ميمون الرقي حدثنا عتبة بن حماد عن ابن ثوبان عن عطاء ابن قرة به. قوله: إلا ذكر الله وما والاه، قيل معناه: ما تابعه من اتباع أمره ونهيه، قيل: وسئل سهل عن هذا الحديث؟ فقال: المراد بذكر الله هنا: الزهد في الحرام وهو أنه إذا استقبله حرام يذكر الله تعالى ويعلم أنه مطلع عليه فيجتنب ذلك الحرام. قوله: عالم ومتعلم، في كثير من النسخ بالرفع والوجه النصب نسقًا على ذكر الله. ٤١٥٦ - قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربة ماء". قلت: رواه الترمذي في الزهد من حديث سهل بن سعد، وقال: صحيح غريب. (٢) ٤١٥٧ - قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا".

стр. 2063

قلت: رواه الترمذي في الزهد والحاكم في المستدرك في الرقائق (١) وفي سندهما شمر بن عطية عن المغيرة بن سعيد الأخرم عن أبيه عن ابن مسعود ولم يخرج أصحاب الكتب الستة عن هؤلاء الثلاثة شيئًا غير الترمذي وقد وثقوا. ٤١٥٨ - قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته، أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى". قلت: رواه الإِمام أحمد في مسنده بسند جيد من حديث المطلب بن عبد الله المخزومي عن أبي موسى يرفعه. (٢) قال الذهبي: المطلب يرسل عن كبار الصحابة، كأبي موسى وعائشة، قال أبو حاتم: عامة أحاديثه مراسيل، قال ابن سعد: كثير الحديث، وليس يحتج بحديثه، ووثقه أبو زرعة والدراقطني. ٤١٥٩ - قال: قال رسول الله ﷺ : "لعن عبد الدينار، وعبد الدرهم". قلت: رواه الترمذي في الزهد وقال: حسن غريب، انتهى، ورجاله رجال الصحيحبن إلا بشر بن هلال الصواف فإنه أخرج له مسلم ولم يخرج له البخاري. (٣) ٤١٦٠ - قال: قال رسول الله ﷺ : "ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم، بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه".

стр. 2064

قلت: رواه الترمذي في الزهد من حديث كعب بن مالك عن أبيه وقال: حسن صحيح، والتقدير: من إفساد الرجل لدينه: لحرصه على المال والشرف. (١) ٤١٦١ - عن رسول الله ﷺ قال: "ما أنفق المؤمن من نفقة إلا أجر فيها، إلا نفقته في هذا التراب". قلت: رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما في الزهد من حديث خباب ابن الأرت يرفعه، وقال الترمذي: حسن صحيح. (٢) ٤١٦٢ - قال: قال رسول الله ﷺ : "النفقة كلها في سبيل الله، إلا البناء، فلا خير فيه". قلت: رواه الترمذي في الزهد وقال: غريب. (٣) قلت: وسنده فيه محمد بن حميد الرازي وزافر بن سليمان وشبيب ابن بشر فأما محمَّد بن حميد فقال البخاري: فيه نظر، وكذبه أبو زرعة، وحدث عنه أحمد بن حنبل وابن معين، وأما زافر: ففيه ضعف، وأما شبيب: ففيه لين، ووثقه ابن معين. ٤١٦٣ - قال: قال رسول الله ﷺ : "إن كل بناء وبال على صاحبه، إلا ما لا .. إلا ما لا .. " يعني: إلا ما لا بد منه. قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث أنس بن مالك (٤) في حديث طويل وهو: أن رسول ﷺ خرج يومًا ونحن معه فرأى قبة مشرفة، فقال: ما هذه؟ قال أصحابه: هذه

стр. 2065

لفلان رجل من الأنصار، فسكت وحملها في نفسه حتى لما جاء صاحبها سلم عليه في الناس، فأعرض عنه، فعل ذلك مرارًا حتى عرف الرجل الغضب فيه، والإعراض عنه، فشكا ذلك إلى أصحابه، قال: والله إني لأنكر رسول الله ﷺ قالوا: خرج فرأي قبتك فرجع الرجل إلى قبته فهدمها حتى سواها بالأرض فخرج رسول الله ﷺ ذات يوم فلم يرها، قال: ما فعلت القبة؟ قالوا: شكا إلينا صاحبها إعراضك عنه فأخبرناه فهدمها، فقال: إن كل بناء .. إلى آخره، وسكت عليه أبو داود والمنذري. والوبال: في الأصل الثقل والمكروه، والمراد في الحديث: العذاب في الآخرة. ٤١٦٤ - قال: عهد إلى رسول ﷺ قال: "إنما يكفيك من جمع المال: خادم ومركب في سبيل الله". قلت: رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما في الزهد: بسند صحيح، والنسائي في آخر كتاب الزينة (١) وترجم عليه إتخاذ الخادم والمركب. ورواه من حديث أبي هاشم بن عتبة، وذكر قصة فقال: عن سمرة بن سهم قال: نزلت على أبي هاشم بن عتبة وهو طعين، فأتى معاوية يعوده، فبكى أبو هاشم، فقال له معاوية: ما يبكيك يا خالي؟ أوجَع يُشئزك أم على الدنيا، فقد ذهب صفوها، فقال: على كل لا, ولكن النبي ﷺ عهد إلي عهدًا وددت أني كنت تبعته، قال: إنك لعلك تدرك أموالًا تقسم بين أقوام، وإنما يكفيك من ذلك خادم ومركب في سبيل الله، فأدركت فجمعت.

стр. 2066

وأخرجه أبو حاتم والحافظ ابن عبد البر (١) بتغيير بعض الألفاظ، وقال: أبو هاشم هو ابن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي خال معاوية وأخو أبي حذيفة لأبيه، وأخو مصعب ابن عمير لأمه، قيل اسمه كنيته وقيل: هشيم وقيل: مهشم وقيل: شيبة أسلم يوم الفتح، وسكن الشام، وتوفي في خلافة عثمان، كان فاضلًا ﵀، كان أبو هريرة إذا ذكر أبا هاشم، قال: ذاك الرجل الصالح ولم يذكر أبو عمر في باب أبي هاشم غيره، وجده (٢)، ووقع في نسخ المصابيح المسموعة الصحيحة عن أبي هاشم بن عبيد، والصواب: عتبة كما بيناه. قوله: يشئزك بضم الياء آخر الحروف وسكون الشين المعجمة وبهمزة مكسورة وبالزاي المعجمة أي يقلقك. ٤١٦٥ - أن النبي ﷺ قال: "ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري به عورته، وجلف الخبز، والماء". قلت: رواه الترمذي في الزهد والحاكم في المستدرك كلاهما من حديث عثمان بن عفان، وقال الترمذي: حسن صحيح. (٣) قوله جلف الخبز: أي خشنه وغليظه، وقيل: ظرفه ووعاؤه، وقال النضر ابن شميل: الذي ليس معه إدام. قال ابن الأثير (٤): ويروى بفتح اللام جمع حِلْفة وهي الكسرة، وهذا التقييد يدل على أن الرواية المأثورة بتسكين اللام.

стр. 2067

وقال يحيى بن معاذ الرازي: للإنسان في ماله عند موته مصيبتان عظيمتان يؤخذ منه كله ويسأل عنه كله. ٤١٦٦ - قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله! دُلّني على عمل، إذا عملتة أحبني الله وأحبني الناس؟ قال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس. قلت: رواه ابن ماجه في الزهد من حديث خالد بن عمرو القرشي عن سفيان الثوري عن أبي حازم عن سهل بن سعد، وساقه. (١) قال العقيلي: ليس لهذا أصل من حديث الثوري، وقال ابن عدي: عندي أنه وضع هذا يعني خالد بن عمرو. ٤١٦٧ - أن رسول الله ﷺ نام على حصير، فقام وقد أثّر في جسده، فقال ابن مسعود: يا رسول الله لو أمرتنا أن نبسط لك ونعمل، فقال: "ما لي وللدنيا؟ وما أنا والدنيا، إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها". قلت: رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما في الزهد من حديث علقمة عن ابن مسعود، وقال الترمذي: حسن صحيح. (٢) ٤١٦٨ - عن النبي ﷺ أنه قال: "إن من أغبط أوليائي عندي: لمؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من الصلاة والصيام، أحسن عبادة ربه، وأطاعه في السر، وكان غامضًا في الناس

стр. 2068

لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافًا فصبر على ذلك ثم نفذ بيده، فقال: عجلت منبته، وقلّت بواكيه، وقلّ تراثه". قلت: رواه الترمذي في الزهد وفي سنده علي بن يزيد وهو ضعيف. (١) قوله: "خفيف الحاذ" بالحاء المهملة والذال المعجمة أي خفيف الحال قليل المال، وأصله قلة اللحم، والحاذ واحد، وهو ما وقع عليه اللبد من ظهر الفرس. وكان غامضًا: أي مستور الحال، وكان رزقه كفافًا، أي: لا يفضل عما لا بد منه، وقد تقدم معنى الكفاف. قوله: نقد بيده، أي ضرب من قولهم: نقدت رأسه بأصبعي أي ضربته وهو بالذال المعجمة وبالدال المهملة، يقال: نقد الطائر الحب إذا كان يلتقطه واحدًا بعد واحد، وأريد هنا ضرب الأنملة على الأنملة أو بضربها على الأرض كالمنقد للشيء قال ابن الأثير (٢): هو مثل النقر، ويروى بالراء، والتراث: الميراث. ٤١٦٩ - قال: قال رسول الله ﷺ : "عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبًا، فقلت: لا يا رب ولكن أشبع يومًا، وأجوع يومًا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك". قلت: رواه الترمذي في الزهد بالسند الذي قبله وفيه علي بن يزيد. (٣) ٤١٧٠ - قال: قال رسول لله ﷺ : "من أصبح منكم آمنًا في سِرْبه معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها". (غريب).

стр. 2069

قلت: رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما في الزهد والبخاري في غير الصحيح كلهم من حديث سلمة بن عبيد الله بن محصن عن أبيه، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث مروان بن معاوية انتهى. (١) قلت: وقد اختلفوا في اسمه فقيل: عبيد الله بن محصن، وقيل: عبد الله وكذلك اختلفوا في صحبته، وأما سلمة ولده: فقال أحمد: لا أعرفه، ولينه العقيلي، ولم يرو عن عبيد الله هذا من أصحاب السنن غير الترمذي وابن ماجه رويا له هذا الحديث خاصة. قال الذهبي: ويروى هذا الحديث عن النبي ﷺ من طريق أبي الدرداء بإسناد ليس يشبه هذا، وقال ابن عبد البر: منهم من يجعل هذا الحديث مرسلًا، وأكثرهم يصحح صحبة عبيد الله بن محصن فيجعله مسندًا (٢). والسرب هنا: بكسر السين وإسكان الراء نفس الإنسان أي آمنًا في نفسه وفلان واسع السرب أي رخي البال قاله الجوهري (٣). قال ابن الأثير (٤): ويروى بالفتح وهو المسلك والطريق، يقال: خل له سَرْبه: أي

стр. 2070

طريقه، وقال الجوهري (١): السرب بالفتح الإبل وما رَعَى من المال. وحيزت: بكسر الحاء المهملة أي جمعت، والحيازة الجمع والضم إلى النفس. وبحذافيرها: أي بجوانبها. ٤١٧١ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما ملأ آدمي وعاء شرًّا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة: فثلث طعام، وثلث شراب وثلث لنفسه. قلت: رواه الترمذي في الزهد والنسائي في الوليمة وابن ماجه في الأطعمةكلهم من حديث المقدام بن معد يكرب يرفعه، وقال الترمذي: حسن. وسند الترمذي فيه إسماعيل بن عياش عن أبي سلمة الحمصي وقد قال البخاري: إذا حدث إسماعيل عن أهل حمص فصحيح. (٢) قال أبو حاتم (٣): لين. قوله ﷺ : أُكلات هو بضم الهمزة جمع أهله بالضم وهي اللقمة من المأكول ويقمن: أي يكن قوامًا له. ٤١٧٢ - أن رسول الله ﷺ : سمع رجلًا يتجشأ فقال: "أقصِرْ من جُشائك، فإن أطول الناس جوعًا يوم القيامة: أطولهم شِبَعًا في الدنيا".
следующие страницы →