← Книги сунны

Книги сунны · id 17063

كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح

الصدر المناوي

Полный текст (2 643 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

٤٤٣٨ - عن النبي ﷺ قال: "يقول الله: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك! والخير بيديك، قال: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة، وتسعة وتسعون، فعنده يشيب الصغير، ﴿وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾ قالوا: يا رسول الله وأينا ذلك الواحد؟ قال: "أبشروا، فإن رجلًا منكم، ومن يأجوج ومأجوج ألف", ثم قال: "والذي نفسي بيده إني أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة" فكبّرنا، فقال: "أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة"، فكبرنا، فقال: "أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة" فكبّرنا قال: "ما أنتم في الناس، إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود". قلت: رواه البخاري في الشفاعة وفي التفسير وفي الرقائق ومسلم في الإيمان والنسائي في التفسير ثلاثتهم من حديث أبي سعيد الخدري. (١) والبعث: هنا بمعنى المبعوث الموجه إليها، ومعناه ميز أهل النار من غيرهم. قوله ﷺ : فعنده يشيب الوليد إلى آخر الآية، وقد اختلف العلماء: في وقت وضع كل ذات حمل حملها وغيره من المذكورات، فقيل عند زلزلة الساعة قبل خروجهم من الدنيا، وقيل: هو قبل يوم القيامة، فعلى الأول هو على ظاهره، وعلى الثاني يكون مجازًا لأن القيامة ليس فيها حمل ولا ولادة، وتقديره تنتهي به الأهوال والشدائد على أنه لو تصورت الحوامل هناك لوضعن. وأما يأجوج ومأجوج: فهما غير مهموزين عند جميع القراء وأهل اللغة، وقرأ عاصم بالهمزة فيهما، وأصله: من أجيج النار وهو صوتها وشررها شبهوا بها لكثرتهم وشدتهم واضطرابهم، قال وهب ابن منبه: هم من ولد يافث بن نوح، وقيل: هم

стр. 2242

جيل من الترك، وقيل: هم من ولد آدم من غير حواء، وذلك أن آدم احتلم فامتزجت نطفته بالتراب فخلق الله منها يأجوج ومأجوج، نقله النووي عن كعب الأحبار (١). ٤٤٣٩ - قال رسول الله ﷺ : "يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقًا واحدًا". قلت: رواه البخاري في تفسير سورة "نون والقلم" من حديث أبي سعيد الخدري (٢) بهذا اللفظ، من غير زيادة، وروى مسلم معناه في حديث طويل في الإيمان. قال الجوهري (٣): والطبق: عظم رفيق يفصل بين الفَقارين. وقال ابن الأثير (٤): الطبق: فقار الظهر, واحدتها طبقة يريد أنه يصير فقاره كله، كالفقارة الواحدة، ولا يقدر على السجود، وأما الساق: وتفسيره فسيأتي في باب الشفاعة. ٤٤٤٠ - قال ﷺ : "ليأتين الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة"، وقال: "اقرؤوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ ". قلت: رواه البخاري في التفسير ومسلم في التوبة وذكر المنافقين. (٥) ومعنى الحديث: لا يعدل في القدر والمنزلة أي لا قدر له، وفيه: ذم السمن.

стр. 2243

من الحسان ٤٤٤١ - قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾، قال: "أتدرون ما أخبارها؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإن أخبارها: أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل علي كذا وكذا يوم كذا وكذا" قال: "فهذه أخبارها". (غريب). قلت: رواه الترمذي في أبواب الحشر وأعاده في التفسير من حديث أبي هريرة وقال: حسن صحيح غريب. (١) ٤٤٤٢ - قال رسول الله ﷺ : "ما من أحد يموت إلا ندم"، قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟ قال: إن كان محسنًا، ندم أن لا يكون ازداد برًّا، وإن كان مسيئًا، ندم أن لا يكون نزع". قلت: رواه الترمذي في الزهد من حديث يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب عن أبيه عن أبي هريرة وقال: إنما نعرفه من هذا الوجه انتهى. (٢) ويحيى بن عبيد الله: قال الذهبي: ضعفوه، وأما والده عبيد الله فقال الإمام أحمد: أحاديثه مناكير، وقال مرة: ليس بثقة.

стр. 2244

٤٤٤٣ - قال رسول الله ﷺ : "يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفًا مشاة، وصنفًا ركبانًا، وصنفًا على وجوههم", قيل: يا رسول الله! وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم، قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كل حَدَب وشوك". قلت: رواه الترمذي في التفسير من حديث أبي هريرة (١) وقد جاء في الصحيحين ما يشهد له. والحدب: بالحاء والدال المهملتين المفتوحتين، ما ارتفع من الأرض، والجمع الحداب وفي هذا الحديث بيان هَوان هذا الصنف وبلوغ هؤلاء القوم إلى حالة جعلوا فيها وجوههم مكان الأيدي والأرجل في التوقي عن كل مؤذيات المشي إلى المقصد عاقبهم الله تعالى بهذا في الآخرة لما لم يسجدوا لله تعالى. ٤٤٤٤ - قال رسول الله ﷺ : "من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين، فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. قلت: رواه الترمذي في التفسير وقال: حديث حسن انتهى، وسنده لم أر من تكلم في رجاله بما يضعفه. (٢)

стр. 2245

باب الحساب والقصاص والميزان من الصحاح ٤٤٤٥ - عن النبي ﷺ قال: "يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب". قلت: رواه البخاري في الرقائق ومسلم في الإيمان وقد تقوم في باب التوكل من حديث ابن عباس. (١) ٤٤٤٦ - أن رسول الله ﷺ قال: "ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك"، قلت: أو ليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ فقال: "إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش في الحساب يهلك". قلت: رواه الشيخان البخاري في التفسير وفي الرقائق ومسلم في صفة النار من حديث عبد الله بن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة. (٢) والمناقشة: الاستقصاء في الحساب بحيث لا يترك منه شيء. ٤٤٤٧ - قال ﷺ : "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، ولا حجاب يحجبه، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة". قلت: رواه البخاري في الرقائق وزاد فيه: فمن لم يجد فبكلمة طيبة، وفي التوحيد ومسلم في الزكاة والترمذي في الزهد وابن ماجه في السنة كلهم من حديث عدي بن حاتم الطائي سكن الكوفة وحديثه في أهلها. (٣)

стр. 2246

قوله ﷺ : ليس بينه وبينه ترجمان، هو بفتح التاء وضمها وهو المعبر عن لسان بلسان. وشق التمرة: بكسر الشين نصفها وجانبها، وفيه الحث على الصدقة وأنه لا يمتنع منها لقلتها وإن قليلها سبب للنجاة من النار. ٤٤٤٨ - قال ﷺ : "إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي رب! حتى إذا قرره بذنوبه، ورأي في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون، فينادى بهم على رؤوس الخلائق: "هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين". قلت: رواه البخاري في المظالم وفي التفسير وفي التوحيد ومسلم في التوبة والنسائي في التفسير وابن ماجه في السنة. (١) قوله ﷺ : "فيضع عليه كنفه هو بنون مفتوحة وهو ستره وعفوه والمراد بالدنو هنا دنو كرامه وإحسان لا دنو مسافة والله تعالى منزه عن المسافة". ٤٤٤٩ - قال ﷺ : "إذا كان يوم القيامة، دفع الله إلى كل مسلم يهوديًّا أو نصرانيًّا، فيقول: هذا فكاكك من النار". قلت: رواه مسلم في التوبة من حديث أبي موسى ولم يخرجه البخاري (٢) واسم أبي موسى: عبد الله بن قيس. قوله: فكاكك، هو بفتح الفاء وكسرها والفتح أصح وأشهر، والفكاك: الخلاص والفداء، ومعنى هذا الحديث ما جاء من حديث أبي هريرة: "لكل أحد منزل في الجنة ومنزل في النار، فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النار لاستحقاقه ذلك بكفره".

стр. 2247

ومعنى فكاكك من النار: أنك كنت معرضًا لدخول النار، وهذا فكاكك، لأن الله تعالى قدر لها عددًا يملؤها فإذا دخلها الكفار بكفرهم وذنوبهم صاروا في معنى الفكاك للمسلم. قلت: ولعل تخصيص اليهود والنصارى بذلك دون سائر الكفار لمشاركتهم لنا في كونهم أهل كتاب كما أننا أهل الكتاب فهو أعظم عليهم حسرة وعلينا منة والله أعلم (١). ٤٤٥٠ - قال ﷺ : "يجاء بنوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلّغت؟ فيقول: نعم يا رب! فتُسأل أمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيقال: من شهودك؟ فيقول: محمد وأمته"، فقال رسول الله ﷺ : "فيجاء بكم، فتشهدون أنه بلّغ"، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ". قلت: رواه البخاري في ذكر نوح ﵇ وفي التفسير وفي الاعتصام والترمذي والنسائي كلاهما في التفسير وابن ماجه في الزهد بمعناه، والبخاري أتم منهم كلهم من حديث أبي سعيد الخدري. (٢) والوسط: العدل والخيار. ٤٤٥١ - قال: كنا عند رسول الله ﷺ فضحك فقال: "هل تدرون مم أضحك؟ "، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال ﵇: "من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تُجرني من الظلم؟ قال: فيقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، قال: فيُختم على فيه، فيقال: لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، ثم يخلّى بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بعدًا لكُنّ وسُحقًا، لكن كنت أُناضِل".

стр. 2248

قلت: رواه مسلم في الزهد والنسائي في التفسير من حديث أنس ولم يخرجه البخاري (١). وسحقًا: أي بعدًا، وأناضل أي أجادل وأخاصم وأدافع. ٤٤٥٢ - قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة، ليست في سحابة؟ "، قالوا: لا، قال: "فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر، ليس في سحابة؟ "، قالوا: لا، قال: "فوالذي نفسي بيده، لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما"، قال: فيَلقى العبد فيقول: أي فُلُ ألم أكرمك وأسودك وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذَرْك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى، قال: فيقول: أظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإني قد أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني فذكر مثله، ثم يلقى الثالث فيقول له: مثل ذلك، فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك ويرسلك، وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع، فيقول: ههنا إذا، ثم يقال: الآن نبعث شاهدًا عليك، ويتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد عليّ؟ فيختم على فيه، ويقال: لفخذه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي سخط الله عليه". قلت: رواه مسلم في الزهد وليس هو في البخاري. (٢) قوله ﷺ : هل تضارون، قال في النهاية (٣): يروي بالتخفيف والتشديد بمعنى لا يتخالفون ويتجادلون في صحة النظر إليه، لوضوحه وظهوره، يقال: ضارّه يُضارُّه، مثل ضَره ويضُره، وأراد بالمضارة الاجتماع والازدحام عند النظر إليه، وأما بالتخفيف فهو من الضَّيْر، والمعنى فيه كالأول.

стр. 2249

قوله ﷺ : أي فل، قال النووي (١): هو بضم الفاء وإسكان اللام ومعناه يا فلان وهو ترخيم على خلاف القياس، وقيل: هي لغة بمعنى فلان، وقال ابن الأثير (٢): فل: ليس ترخيمًا لفلان، لأنه لا يقال إلا بالسكون، ولو كان ترخيمًا لفتحوا اللام أو ضموها، وبه قال سيبويه، وقال: ليست ترخيمًا، وإنما هي صيغة ارتجلت في باب النداء، وقد جاء في غير النداء قال: أمسك فلانًا عن فلِ بكسر اللام للقافية. قوله: وأذرك ترأس وتربع. أما ترأس، فبفتح التاء وإسكان الراء وبعدها همزة مفتوحة، ومعناه رئيس القوم وكبيرهم، وأما تربع: فبفتح التاء والباء الموحدة، قال النووي (٣): هكذا رواه الجمهور، وفي رواية: ترتع، بمثناة من فوق بعد الراء ومعناه: بالموحدة تأخذ المرباع التي كانت ملوك الجاهلية تأخذه من الغنيمة وهو ربعها، يقال: ربعتهم إذا أخذت ربع أموالهم، ومعناه: ألم أجعلك رئيسًا مطاعًا، ومعناه بالمثناة: تتنعم وقيل: تأكل، وقيل: تلهو، وقيل: تعيش في سعة. قوله تعالى: أنساك كما نسيتني أي أمنعك الرحمة كما امتنعت من طاعتي. قوله: ههنا، إذًا أي اثبت ههنا أي مكانك حتى تعرف أعمالك. قوله: وذلك ليعذر من نفسه، هذا كقوله ﷺ : لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم.

стр. 2250

من الحسان ٤٤٥٣ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا، لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفًا، وثلاث حثيات من حثيات ربي". قلت: رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما في الزهد من حديث أبي أمامة وقال الترمذي: حسن غريب، وفي سنده: إسماعيل بن عياش (١). قوله ﷺ : وثلاث حثيات من حثيات ربي، الحثوة والحثية: ما يحثيه الإنسان بيديه من ماء أو تراب أو غيرهما، وهو بالثاء المثلثة، والحثيات: هنا كناية عن المبالغة في الكثرة، ولا كفَّ ثَمَّ ولا حَثْيَ جلّ الله عن ذلك وعزّ (٢)، ويجوز في ثلاث حثيات الرفع عطفًا على المبتدأ الذي هو قوله سبعون ألفًا، وهو الأقرب، ويجوز النصب عطفًا على مفعول يدخل أي يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا، وثلاث حثيات من حثيات ربي، والكثرة في الرفع أكثر من النصب بسبعين مرة والله أعلم بمراد نبيه ﷺ . ٤٤٥٤ - قال رسول الله ﷺ : "يُعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان، فجدال ومعاذير، وأما العرضة الثالثة، فعند ذلك تطاير الصحف في الأيدي: فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله". (ضعيف). قلت: رواه أحمد والترمذي في الزهد من حديث أبي هريرة (٣) وقالا: لا يصح هذا الحديث، من قبل أنه روي من طريق الحسن عن أبي هريرة، والحسن لم يسمع من أبي هريرة وقد رواه بعضهم عن الحسن عن أبي موسى انتهى.

стр. 2251

وقد أخرج البخاري في صحيحه ثلاثة أحاديث من حديث الحسن عن أبي هريرة لكن لم يحتج به إنما يأتي به متابعة مع غيره، أحدها: أن موسى كان رجلًا حييًّا ما يرى من جسده شيء ... الحديث، أخرجه في التفسير من حديث عوف عن الحسن ومحمد وخلاس ثلاثتهم عن أبي هريرة (١). الثاني: غفر لامرأة مومسة مرت بكلب على ركيّ يلهث ... الحديث أخرجه في بدء الخلق عن الحسن وابن سيرين عنه (٢). والثالث: من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا وكان معها حتى يصلي عليها ... الحديث، في الإيمان من حديث الحسن وابن سيرين عنه (٣). وأخرج في بدء الخلق تعليقًا، وقال همام عن قتادة عن الحسن عنه أنه: رأي البيت يدخله كل يوم سبعون ألفًا، وليس في البخاري من حديث الحسن عن أبي هريرة غير ما ذكرناه ولم يخرج مسلم في صحيحه للحسن عن أبي هريرة شيئًا. ٤٤٥٥ - قال رسول الله ﷺ : "إن الله يستخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا، يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ أو حسنة؟ قال: لا، يا رب، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم؟ قال: فتوضع السجلات في كِفّة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء".

стр. 2252

قلت: رواه الترمذي في الإيمان وابن ماجه في الزهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. (١) ورجاله موثقون. وقد وقع لنا هذا الحديث عاليًا فأخبرنا به الخطيب المسند الإمام أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم الصوفي قراءة عليه وأنا أسمع في السابع من شهر رمضان سنة سبع وأربعين بمنزله بشاطيء النيل بمصر المحروسة، أنا أبو عيسى عبد الله بن عبد الواحد بن محمد بن علاق المصري قراءة عليه وأنا أسمع، أبا القاسم هبة الله بن علي بن مسعود بن ثابت الأنصاري الخزرجي سماعًا سنة خمس وتسعين وخمس مائة، أنا أبو صادق مرشد ابن يحيى القاسم المديني بقراءة الحافظ أبي ظاهر السلفي في ذي الحجة سنة ست عشرة وخمسمائة، أنا أبو الحسن علي بن عمر بن محمد بن حمزة الحراني، ثنا أبو القاسم حمزة بن محمد الكتابي الحافظ، إملاء ثنا عمران بن موسى ابن حميد الطبيب ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثني الليث بن سعد عن عامر بن يحيى المعافري عن أبي عبد الرحمن الجيلي سمعت عبد الله بن عمرو. ورواه الترمذي: عن سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك عن الليث فوقع لنا هذا عاليًا بدرجتين فكأني سمعته من أبي حفص عمر بن طبرزد، فساويت فيه الحافظين أبي عمرو بن الصلاح وأبي محمد عبد العظيم المنذري. قوله ﷺ : فتوضع السجلات في كفة، هو جمع سجل: بالكسر والتشديد وهو الكتاب الكبير، والبطاقة: رقعة صغيرة يكتب فيها مقدار ما يجعل فيها إن كان عينًا فوزنه وعدده، وإن كان متاعًا فقيمته، قيل: سميت بذلك لأنها تسد بطاقة من الثوب فتكون التاء حينئذ زائدة، وطاشت السجلات: أي خفت، والطيش: الخفة (٢).

стр. 2253

٤٤٥٦ - أنها ذكرت النار فبكت، فقال رسول الله ﷺ : "ما يبكيك؟ " قالت: ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : "أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدًا: عند الميزان حنى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند الكتاب حين يقال: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ حتى يعلم أين يقع كتابه، أفي يمينه أم في شماله أم من وراء ظهره؟، وعند الصراط، إذا وضع بين ظهراني جهنم". قلت: رواه أبو داود في السنة من حديث الحسن البصري عن عائشة وسكت هو والمنذري عليه. (١) باب الحوض والشفاعة من الصحاح ٤٤٥٧ - قال رسول الله ﷺ : "بينا أنا أسير في الجنة، إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدرّ المجوّف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه مسك أذفر". قلت: رواه البخاري في التفسير من حديث أنس في الرقائق وتفرد به. (٢) ومسك إذفر: أي طيب الريح والأذفر: نبات، والذفر بالتحريك يقع على الطيب والحبيب ويفرق بينهما بما يضاف إليه. أعلم أن أحاديث الحوض صحيحة والإيمان به فرض والتصديق به من الإيمان وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة ولا يتأول ولا يختلف فيه، قال القاضي (٣):

стр. 2254

وحديثه متواتر النقل رواه خلائق من الصحابة، ذكره مسلم من رواية: ابن عمر، وأبي سعيد، وسهل بن سعد، وجندب، وعبد الله ابن عمرو، وعائشة، وأم سلمة، وعقبة، وابن مسعود، وحذيفة، وحارثة بن وهب، والمستورد، وأبي ذر، وثوبان، وأنس، وجابر بن سمرة، ورواه غير مسلم من رواية: أبي بكر وزيد ابن أرقم، وأبي أمامة، وعبد الله بن زيد، وأبي برزة، وسويد بن جبلة، وعبد الله الصنابحي، والبراء بن عازب، وأسماء بنت أبي بكر وخولة بنت قيس وغيرهم. قال النووي: (١) ورواه الشيخان من رواية أبي هريرة ورواه غيرهما من رواية عمر بن الخطاب وعائذ بن عمر وآخرين وقد جمع ذلك كله الإمام أبو بكر البيهقي في كتابه "البعث والنشور" بأسانيده وطرقه المتكاثرات قال القاضي عياض (٢): وفي بعض هذا ما يقتضي أن يكون الحديث متواترًا. ٤٤٥٨ - قال ﷺ : "حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من يشرب منها، فلا يظمأ أبدًا". قلت: رواه البخاري في الحوض ومسلم في المناقب (٣) وابن ماجه في الصيام كلهم من حديث ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو بن العاص ولم يذكر البخاري: وزواياه سواء ولا أبيض من اللبن. قوله ﷺ : كيزانه كنجوم السماء. وفي رواية: والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء.

стр. 2255

قال النووي (١): الصواب أن هذا العدد للآنية على ظاهره ولا مانع عقلي ولا شرعي يمنع من ذلك بل ورد الشرع به مؤكدًا بالقسم. وقال القاضي عياض: هذا إشارة إلى كثرة العدد وغايته الكثيرة من باب قوله ﷺ ؟ لا يضع العصا عن عاتقه، والظمأ مهموز مقصور: العطش. ٤٤٥٩ - قال ﷺ : "إن حوضي أبعد من أيلة من عدن، لهو أشد بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم، وإني لأصد الناس عنه كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه"، قالوا: يا رسول الله أتعرفنا يومئذ؟ قال: "نعم، لكم سيما ليست لأحد من الأمم، تردون عليّ غرًّا محجّلين من أثر الوضوء". قلت: رواه مسلم (٢) في كتاب الوضوء من حديث أبي هريرة ولم يخرج البخاري أول هذا الحديث إلى قوله: باللبن ولم يقل: أتعرفنا إلى قوله: من الأمم. قوله ﷺ : أبعد من أيلة: هو بفتح الهمزة وإسكان المثناة من تحت وفتح اللام وهو مدينة معروفة في طرف الشام على ساحل البحر، متوسطة بين مدينة رسول الله ﷺ ودمشق ومصر، بينها وبين المدينة خمسة عشر مرحلة، وبينها وبين دمشق نحو ثلثي عشر مرحلة، وبينها وبين مصر نحو ثمان مراحل، قال الحازمي: قيل هي آخر الحجاز وأول الشام (٣). وعدن بلد معروفة في طرف اليمن، مما يلي البحر، والمعنى أن بعد ما بين طرفي الحوض أزيد من بعد ما بين أيلة وعدن. والسيما: العلامة. ٤٤٦٠ - وروي: "ترى فيه أباريق الذهب والفضة، كعدد نجوم السماء".

стр. 2256

قلت: رواه الشيخان من حديث أنس: البخاري في الحوض ومسلم في المناقب ولم يذكر البخاري الذهب ولا الفضة. (١) ٤٤٦١ - وروي: "يَغُتّ فيه ميزابان، يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب، والآخر من ورق". قلت: رواه مسلم في المناقب من حديث ثوبان ولم يخرج البخاري في كتابه عن ثوبان شيئًا (٢). ويَغُتّ: بفتح الياء المثناة من تحت وبغين معجمة مضمومة ومكسورة ثم مثناة فوق مشددة، قال الهروي (٣): معناه يدفقان فيه الماء دفقًا متتابعًا شديدًا، قالوا: وأصله من اتباع الشيء الشيء، وقيل: يصبان فيه دائمًا صبًّا شديدًا، ووقع في بعض نسخ مسلم يعب: بضم العين المهملة وباء موحدة وهو بمعنى ما سبق، والعب: الشرب بسرعة في نفس واحد، وفي بعض الروايات يثعب بمثلثة وعين مهملة أي يتفجر. وأما قوله ﷺ : يمدانه فبفتح الياء وضم الميم أي يزيدانه ويكثرانه. ٤٤٦٢ - قوله ﷺ : "إني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، ليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم"، فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن غير بعدي. قلت: رواه الشيخان: البخاري في الحوض وفي الفتن ومسلم في فضل النبي ﷺ من حديث سهل بن سعد (٤) إلى قوله: ثم يحال بيني وبينهم، وتمام الحديث زاده أبو سعيد

стр. 2257

الخدري، ولفظ الشيخين: من ورد يشرب، وفي بعض طرق البخاري: من مر شرب وبها روى المصنف. قوله ﷺ : أنا فرطكم على الحوض، قال أهل اللغة: الفرط: بفتح الفاء والراء والفارط: هو الذي يتقدم الوارد ليصلح لهم الحوض والدلاء، ونحوها من أمور الاستسقاء، فمعنى فرطكم على الحوض سابقكم إليه كالمهيء له (١). قوله ﷺ : ومن شرب لم يظمأ أبدًا أي شرب منه، والظمأ مهموز مقصور كما تقدم، قال القاضي (٢): ظاهر هذا الحديث أن الشرب منه يكون بعد الحساب والنجاة من النار، فهذا هو الذي لا يظمأ بعده، قال: وقيل: ولا يشرب منه إلا من قدر له السلامة من النار، ويحتمل: أن من شرب منه من هذه الأمة وقدر عليه دخول النار لا يعذب فيها بالظمأ، بل يكون عذابه بغير ذلك، لأن ظاهر الحديث أن جميع الأمة تشرب منه إلا من ارتد وصار كافرًا قال: وقيل إن جميع المؤمنين من الأمم يأخذون كتبهم بأيمانهم ثم يعذب الله من شاء من عصاتهم، وقيل: إنما يأخذه بيمينه الناجون خاصة، قال القاضي (٣): وهذا مثله. قوله ﷺ : سحقًا سحقًا أي بعدًا بعدًا ونصبه على المصدر وكرر للتوكيد. ٤٤٦٣ - أن النبي ﷺ قال: "يحبس المؤمنون يوم القيامة، حتى يهموا بذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا، فيأتون آدم، فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسكنك جنّته، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، اشفع لنا عند ربك، حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هُناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب: وأكله من الشجرة وقد نهي عنها، ولكن ائتوا نوحًا: أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحًا، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب:

стр. 2258

بسؤاله ربه بغير علم، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن: قال: فيأتون إبراهيم، فيقول: إني لست هناكم، ويذكر ثلاث كذبات كذبهن، ولكن ائتوا موسى: عبدًا آتاه الله التوراة، وكلّمه، وقربه نجيًّا، قال: فيأتون موسى، فيقول: إني لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب: وقتله النفس، ولكن ائتوا عيسى: عبد الله ورسوله، وروح الله وكلمته، قال: فيأتون عيسى، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدًا: عبدًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: فيأتونني، فأستأذن على ربي في داره، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، فيقول: ارفع محمد! وقل يُسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه، قال: فأرفع رأسي، فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدًّا، فأخرج فأُخرجهم من النار، فأدخلهم الجنة، ثم أعود، فأستأذن على ربي في داره، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول: ارفع محمد، وقل يسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه، قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدًّا فأخرج فأدخلهم الجنة، ثم أعود فأستأذن على ربي في داره، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول: ارفع محمد، وقل يُسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه، قال: فأرفع رأسي، فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدًّا فأخرج فأدخلهم الجنة، حتى ما يبقى في النار إلا من قد حبسه القرآن" أي: وجب عليه الخلود، ثم تلا هذه الآية ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، وقال: "وهذا المقام المحمود الذى وعِدَه نبيكم ﷺ ". قلت: رواه البخاري في التفسير وفي التوحيد واللفظ له في التوحيد ومسلم في الإيمان والنسائي في التفسير. (١) قوله ﷺ : يهموا بذلك هو على البناء للمفعول من أهمه الأمر إذا أقلقه وأحزنه أي حتى يخرجك من الحبس.

стр. 2259

قوله ﷺ : لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا أي يخلصنا ويريحنا منصوب بأن مقدرة بعد الفاء في جواب التمني وهو "لو". وقول آدم ﵇: لست هناكم. قال النووي (١): معناه لست أهلًا لذلك، قوله ﷺ حكاية عن الأنبياء ﵈: لسنا هناكم، ويذكرون خطاياهم قد اختلف العلماء في جواز المعاصي على الأنبياء ولا خلاف في أن الكفر بعد النبوة ليس بجائز عليهم وكذا قبلها على الصحيح ولا خلاف أنهم معصمون من الكبائر، وكلما طريقه الإبلاغ في القول أو الفعل، وكذلك لا خلاف أنهم معصومون من الصغائر التي تزري صاحبها وتحط منزلته، واختلفوا في غيرها من الصغائر فذهب جماعات من المتكلمين والفقهاء المحققين إلى عصمتهم من ذلك أيضًا، وهذا هو الحق، واختلفوا في جواز السهو والنسيان عليهم، فنقل النووي (٢) عن معظم المحققين وجماهير العلماء أنهم ذهبوا إلى جواز ذلك، ووقوعه منهم، قال: وهذا هو الحق ثم لا بد من تنبيههم عليه وذكرهم إياه إما في الحين على قول جمهور المتكلمين وإما قبل وفاتهم على قول بعضهم. قوله في قول آدم: خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، هو من إضافة التشريف، قال ابن الأنباري: الخليل معناه المحب الكامل، والمحبوب الموفي بحقيقة المحبة واللذان ليس في حبهما نقص ولا خلل، وقيل: مأخوذ من الخلة وهي الحاجة، فسمى إبراهيم ﵇ بذلك لأنه قصر حاجته على ربه . قال الواحدي: والقول الأول هو الاختيار لأن الله تعالى خليل إبراهيم وإبراهيم خليل الله تعالى ولا يقال الله تعالى خليل إبراهيم من الخلة الذي هو الحاجة.

стр. 2260

قوله ﷺ : عبدًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اختلف العلماء في معناه قال القاضي عياض (١): المتقدم ما كان قبل النبوة، والمتأخر ما عصمه بعدها، قيل ما وقع عن سهو أو تأويل، وقيل مغفور لك غير مؤاخذ بذنب لو كان (٢). قوله ﷺ : فأستأذن عليه في داره، قال الخطابي (٣): أي في داره التي دورها لأنبيائه وأوليائه وهي الجنة، قال تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ﴾ وهذا كما يقال بيت الله أي البيت الذي جعله الله مثابة للناس وأمنًا. ٤٤٦٤ - قال ﷺ : "إذا كان يوم القيامة، ماج الناس بعضهم في بعض، فيأتون آدم فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن، فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى، فإنه كليم الله، فيأتون موسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى، فإنه روح الله وكلمته، فيأتون عيسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد، فيأتونني فأقول: أنا لها، فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، ويلهمني محامد فأحمده بها، لا تحضرني الأن، فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثال شعيرة من إيمان، فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال ذرة بخير أو خردلة من إيمان فانطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردلة من

стр. 2261

إيمان، فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل، ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله قال: ليس ذلك لك، ولكن وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي، لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله". قلت: رواه البخاري في كتاب التوحيد بهذا اللفظ ورواه مسلم في الإيمان وقال في الأول: مثقال حبة من خردل أو شعيرة من إيمان، وقال في الثانية: مثقال حبة من خردل، وقال في الثالثة: فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار. (١) قال عبد الحق في الجمع بين الصحيحين: وليس في رواية البخاري: ليس ذلك لك (٢)، إنما هو في رواية مسلم. وماج الناس: أي اختلط بعضهم ببعض مقبلين ومدبرين حيارى. ٤٤٦٥ - عن النبي ﷺ قال: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال: لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه أو نفسه". قلت: رواه البخاري في العلم وفي صفة الجنة والنسائي (٣) في العلم كلاهما من حديث أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال النبي ﷺ : "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث: أسعد الناس بشفاعتي ... " وساقه، ولم يخرجه مسلم. ٤٤٦٦ - قال: أُتي النبي ﷺ بلحم، فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة، ثم قال: "أنا سيد الناس يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين، وتدنو

стр. 2262

الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون، فيقول الناس ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيأتون آدم .. " وذكر حديث الشفاعة، وقال: "فأَنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، فقال: يا محمد! أدخل من أمتك مَنْ لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء للناس فيما سوى ذلك من الأبواب"، ثم قال: "والذي نفسي بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة، كما بين مكة وهجر". قلت: رواه الشيخان بألفاظ متقاربة: البخاري في التفسير في سورة بني إسرائيل وذكره في بدء الخلق ومسلم في الإيمان من حديث أبي هريرة. (١) قوله: فنهس منها نهسة قال عياض: أكثر الروايات رووه بالمهملة ووقع لابن ماهان. بالمعجمة وكلاهما صحيح وهو بالمهملة من أطراف الأسنان وبالمعجمة بالأضراس. والسيد: هو الذي يفوق قومه، ويفزع إليه في الحوائج، والنبي ﷺ سيدهم في الدنيا والآخرة، وإنما خص يوم القيامة لارتفاع السؤدد فيها وتسليم جميعهم له، ولكون آدم وجميع أولاده تحت لوائه ﷺ . والمصراعان: بكسر الميم جانبا الباب. وهجر: بفتح الهاء والجيم وهي مدينة عظيمة وهي قاعدة البحرين. قال الجوهري (٢): هجر اسم بلد مذكّر مصروف. قال أبو القاسم الزجاج في الجمل هجر يذكر ومؤنث. قال النووي (٣): وهجر هذه غير هجر المذكورة في حديث القلتين.

стр. 2263

٤٤٦٧ - عن رسول الله ﷺ قال: "وترسل الأمانة والرحم، فيقومان جَنَبتي الصراط، يمينًا وشمالًا". قلت: رواه مسلم في حديث طويل من حديث حذيفة وأبي هريرة (١) في الإيمان، ولم يخرج البخاري هذه القطعة منه التي اقتصر عليها المصنف في ذكر الأمانة والرحم، وجنبتا الصراط: ناحيتاه. قال ابن الأثير (٢): جنبة الوادي: بفتح النون جانبه وناحيته، والمعنى: أن الأمانة والرحم لعظم شأنهما وفخامة أمرهما تمثلان عند الصراط، وتقومان بقربه فإنه ممر الصالح والعاصي، وعليه يمر الداني والقاصي فيشهدان للأمين والواصل وعلى الخائن والقاطع (٣). ٤٤٦٨ - أن النبي ﷺ تلا قول الله تعالى في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ وقال عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ فرفع يديه، فقال: "اللهم أمتي أمتي، وبكى فقال الله : يا جبريل! اذهب إلى محمد -وربك أعلم- فسَلْه: ما يُبكيه، فأتاه جبربل، فسأله؟ فأخبره رسول الله ﷺ بما قال: فقال الله لجبريل: اذهب إلى محمد فقل: "إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءُك". قلت: رواه مسلم في الإيمان والنسائي في التفسير من حديث عبد الله بن عمرو ولم يخرجه البخاري. (٤) ٤٤٦٩ - أن ناسًا قالوا: يا رسول الله هل نوى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : "نعم، هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صَحْوًا، ليس معها سحاب؟ وهل

стр. 2264

تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوًا ليس فيها سحاب؟ قالوا: لا، يا رسول الله قال: "ما تضارون في رؤية الله يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب، إلا يتساقطون في النار، حتى لم يبق إلا من كان يعبد الله -من بر وفاجر-: أتاهم رب العالمين، قال: فماذا تتنظرون؟ يتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم". قلت: رواه البخاري في تفسير سورة النساء وفي التوحيد ومسلم في الإيمان من حديث أبي سعيد الخدري. (١) وتضارون: روي بتشديد الراء وتخفيفها والتاء مضمومة فيهما وقد تقدم تفسير ذلك في آخر أحاديث الصحاح في الباب الذي قبل هذا. - وفي رواية أبي هريرة: "فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه". وفي رواية أبي سعيد: "فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، ولا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه، إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً، إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد، خر على قفاه، ثم يُضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلّم سلّم، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل، والركاب: فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكردس في نار جهنم، حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده، ما من أحد منكم بأشد مناشدة في الحق -قد تبين لكم- من المؤمنين: لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا، ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها

стр. 2265

أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرًا، فيقول الله: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيُخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط، قد عادوا حُمَمًا فيُلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل، فيخرجون كاللؤلؤ، في رقابهم الخواتم، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدّموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه". قلت: حديث أبي سعيد هذا من قوله: أن ناسًا قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا إلى آخر الرواية الثالثة وهي قوله: لكم ما رأيتم ومثل معه، رواه الشيخان مع زيادة فيه اختصرها المصنف ﵃ واعترض الشيخ بين رواية أبي سعيد برواية أبي هريرة، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، وهي رواها الشيخان أيضًا في حديث طويل عن أبي هريرة بمثل معنى حديث أبي سعيد (١). قوله ﷺ : فيكشف عن ساق ضبط يكشف بضم الياء وفتحها، وفسر ابن عباس وجمهور أهل اللغة: الساق هنا بالشدة أي يكشف عن شدة وأمر مهول، قالوا: وهذا مثل تضربه العرب لشدة الأمر، ولهذا يقولون: قامت الحرب على ساق، وأصله أن الإنسان إذا وقع في شدة يقال: شمر ساعده، وكشف عن ساقه، للاهتمام به، وقيل:

стр. 2266

المراد بالساق هنا نور عظيم وورد ذلك في حديث عن النبي ﷺ قال ابن فورك (١): ومعنى ذلك ما يتجدد للمؤمنين عند رؤية الله تعالى من الفوائد والألطاف (٢). قال الخطابي (٣): وهذه الرؤية التي في هذا المقام يوم القيامة غير الرؤية التي في الجنة لكرامة أولياء الله تعالى وإنما هذه للامتحان وقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث وأنه تعالى أمرهم بالسجود وفيهم من لا يستطيعه على جواز تكليف ما لا يطاق. قال النووي (٤): وهذا باطل لأن هذا السجود إنما هو امتحان وليس بتكليف. وطبقة: بفتح الطاء والباء قال الروي وغيره: الطبق فقار الظهر أي صار فقاره طبقة واحدة كالصحفة فلا يقدر على السجود. قوله ﷺ : فناج مسلم إلى آخره، يعني أنهم ثلاثة أقسام، قسم يسلم ولا يناله شيء فيخلص، وقسم يكردس ويلقى فيسقط في جهنم. ومكردس هو بالسين المهملة قال القاضي عياض (٥): كذا هو عند أكثر الرواة أي الموثق الملقى في النار أو الملقى على غيره بعضهم على بعض في النار، قال: ورواه بعضهم بالشين المعجمة ومعناه السوق.

стр. 2267

قوله ﷺ : ما من أحد منكم بأشد مناشدة في الحق وقد تبين لكم من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار. الحق: أي في الأمر الحق وقد تبين لكم حال من الحق أي في أمر حق مبينًا لكم، ومن المؤمنين متعلق بأشد، ولله متعلق بالمناشدة ولإخوانهم أي لأجل إخوانهم، فالمؤمنون هم المناشدون، والله تعالى هو المناشد معه، ولإخوانهم هم المناشد فيهم، ويوم القيامة ظرف لأشد تقديره ما من أحد ناشد مناشدة يوم من المؤمنين لله لأجل إخوانهم الذين هم في النار. وفيقبض قبضة من النار معناه يجمع جماعة. وعادوا: أي صاروا، وليس بلازم في عاد أن يصير إلى حال كان عليها قبل ذلك. والحمم: بضم الحاء وفتح الميم المخففة وهو الفحم الواحد حممة. والنهر: فيه لغتان بفتح الهاء وهو الأجود وإسكانها. والأفواه: جمع فوهة، قال النووي (١): بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة وهو جمع سمع من العرب على غير قياس، وأفواه الأنهار أولها. والخواتم: جمع خاتم بفتح التاء وكسرها. والحبة: بكسر الحاء المهملة بذور البقول وحب الرياحين، وقيل هو نبت صغير ينبت في الحشيش، فأما الحبة: بالفتح فهي الحنطة والشعير ونحوهما وليس بمراد هنا (٢). وحميل السيل: هو بفتح الحاء ما يجيء به السيل من طين أو غثاء أو غيره فعيل بمعنى مفعول، فإذا نقعت فيه حبة واستقرت على شط مجرى السيل، فإنها تنبت في يوم وليلة. ٤٤٧٠ - قال ﷺ : "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يقول الله تعالى: من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فأخرجوه، فيخرجون قد امتحشوا وعادوا

стр. 2268

حُممًا، فيُلْقَون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ألم تروا أنها تخرج صفراء ملتوية". قلت: رواه الشيخان كلاهما في الإيمان وترجم عليه البخاري باب تفاضل الإيمان. (١) وامتحشوا: قال في المشارق (٢): ضبطه أكثرهم بضم التاء وكسر الحاء المهملة على ما لم يسم فاعله وضبطه بعضهم بفتحهما أيضًا. قال: في شرح السنة (٣): أي احترقوا والمحش احتراق الجلد وظهر العظم. ٤٤٧١ - أن الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ ... فذكر معنى حديث أبي سعيد الخدري ﵁، غير كشف الساق، وقال: "ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلّم سلّم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبَق بعمله، ومنهم من يخردل ثم ينجو، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عبادة، وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرجه ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، أمر الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فكل ابن آدم تأكله النار، إلا أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ويبقى رجل بين الجنة والنار، وهو آخر أهل النار دخولًا الجنة، مقبل بوجهه قبل النار، فيقول: يا رب اصرف وجهي عن النار، قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فيقول: هل عسيت إن فعل ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا، وعزتك، فيعطي الله ما شاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل به إلى الجنة، رأي

стр. 2269

بهجتها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: يا رب قدمني عند باب الجنة، فيقول الله ﵎: أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب لا أكون أشقى خلقك، فيقول: فما عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره؟، فيقول: لا، وعزتك لا أسأل غير ذلك، فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق، فيقدمه إلى باب الجنة فإذا بلغ بابها، فرأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور، فسكت ما شاء الله أن يسكت، فيقول: يا رب أدخلني الجنة، فيقول الله ﵎: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي أعطيت؟! فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فلا يزال يدعو، حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك منه أذن له في دخول الجنة فيقول له: تمنّ، فيتمنى حتى إذا انقطع أمنيته قال الله تعالى: تمن من كذا وكذا أقبل يذكره ربه حتى إذا انتهت به الأماني، قال الله تعالى: لك ذلك ومثله معه". قلت: رواه البخاري في الصلاة في فضل السجود وفي التوحيد وفي غير موضع ومسلم في الإيمان وألفاظهما متقاربة المعنى من حديث أبي هريرة. (١) والكلاليب: جمع كلوب بفتح الكاف وضم اللام المشددة وهو حديدة معطوفة الرأس يعلق عليها اللحم ويرسل في التنور. والسعدان: بفتح السين وإسكان العين المهملتين وهو نبت له شوكة عظمية مثل الحسك من كل الجوانب. وتخطف الناس: هو بفتح الطاء ويجوز كسرها، يقال: خطف بفتح الطاء وكسرها وبالفتح أكثر، والكسر أفصح، ويجوز أن يكون معناه: تخطفهم بسبب أعمالهم القبيحة، ويجوز أن يكون معناها تتخطفهم على قدر أعمالهم. قوله ﷺ : فمنهم من يوبق بعمله هو بالباء الموحدة أي يهلك.

стр. 2270

وأما المخردل، فمعناه الذي يقطع الكلاليب لحمه، وهو بالخاء المعجمة والدال المهملة ويقال فيه بالمعجمة أيضًا ورواه بعضهم بالجيم عوض الحاء ومعناه المشرف على الهلاك. والحبة: وحميل السيل بكسر الحاء من الأول وفتحها من الثاني وقد تقدم تفسير ذلك قريبًا في هذا الباب. وقشبني ريحها: بقاف مفتوحة أي سمني بالسين المهملة وآذاني وأهلكني، وأحرقني ذكاؤها: بفتح الذال المعجمة وبالمد كذا وقع في جميع الروايات ومعناه لهبها وشدة وهجها. قال النووي: والأشهر في اللغة: القصر، وحكى جماعات فيه المد والقصر. وعسيت هو بفتح التاء على الخطاب وبفتح السين وكسرها لغتان (١). - وقال أبو سعيد: قال رسول الله ﷺ : "قال الله: لك ذلك وعشرة أمثاله". قلت: رواه الشيخان (٢)، ذكراه في الحديث الأول فقالا: وقال عطاء بن يزيد وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يرد عليه من حديثه شيئًا، حتى إذا حدث أبو هريرة: أن الله قال لذلك الرجل ومثله معه، قال أبو سعيد: وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة، قال أبو هريرة: ما حفظت من رسول الله ﷺ إلا قوله: ذلك لك ومثله معه، قال أبو سعيد: أشهد أني حفظت من رسول الله ﷺ قوله: ذلك له وعشرة أمثاله. ٤٤٧٢ - أن رسول الله ﷺ قال: "آخر من يدخل الجنة: رجل فهو يمشي مرة، ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، فإذا جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئًا ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين، فترفع له شجرة، فيقول: يا رب أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها، وأشرب من مائها، فيقول الله: يا ابن آدم لعلّي إن أعطيتكها تسألني غيرها؟ فيقول: لا يا رب، ويعاهده أن لا يسأله غيرها، فيدنيه

стр. 2271

منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول: أي رب أدنني من هذه الشجرة، لأشرب من مائها، وأستظل بظلها، فيقول: يا ابن آدم ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا رب، فيقول: لعلّي إن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده ألا يسأله غيرها، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة، هي أحسن من الأوليين، فيقول: أي رب أدنني من هذه الشجرة، فلأستظل بظلها، وأشرب من مائها، فيقول: يا ابن آدم! ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا رب، هذه لا أسألك غيرها، وربّه يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة، فيقول: أي رب أدخلنيها، فيقول: يا ابن آدم ما يصريني منك؟ أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: أي رب أتستهزى مني وأنت رب العالمين؟ ". فضحك ابن مسعود، فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله ﷺ ، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: "من ضحك رب العالمين، حين قال: أتستهزىء مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزىء منك، ولكني على ما أشاء قدير". قلت: هذا الحديث رواه مسلم في الإيمان (١) وذكره الحميدي (٢) فيما انفرد به عن البخاري، وكذا عزاه عبد الحق لمسلم، وقال: لم يخرج البخاري هذا الحديث وأخرج نحو هذه القصة من حديث أبي هريرة كما خرجه مسلم من حديثه، ولم يذكر: الشجرة، وأراد عبد الحق حديث أبي هريرة الذي قبل هذا. ومعنى: يكبو أي يسقط على وجهه، وتسفعه: بفتح التاء وإسكان السين المهملة وفتح الفاء، ومعناه: تضرب وجهه وتسوده وتؤثر فيه أثرًا. وما يصريني منك: هو بفتح الياء وإسكان الصاد المهملة، ومعناه: يقطع مسئلتك مني.

стр. 2272

وضحك رب العالمين: معناه الرضى والرحمة، وإرادة الجنة لمن يشاء من عبادة (١). - وفي رواية: "ويذكّره الله: سل كذا وكذا، حتى إذا انقطعت به الأماني، قال الله: هو لك وعشرة أمثاله، قال: ثم يدخل بيته، فتدخل عليه زوجتاه من الحور العين، فتقولان: الحمد لله الذي أحياك لنا وأحيانا لك، قال: فيقول: ما أعطي أحد مثل ما أعطيت". قلت: هذه الرواية عزاها ابن الأثير (٢) إلى رواية مسلم من حديث أبي سعيد الخدري في حديث طويل ذكره مسلم عقيب حديث ابن مسعود، وقال الحميدي في كتابه إن مسلمًا لم يذكر في هذا الحديث هذه الزيادة، وهي قوله: ويذكره الله سل كذا وكذا إلى آخرها. قال ابن الأثير: ورأيت هذه الزيادة في مسلم ولعل ذلك لم يكن في كتاب الحميدي. قلت: والصواب والله أعلم ما قاله ابن الأثير فإن المصنف ذكرها في الصحاح وليست في البخاري باتفاق، وقد رواها ابن الأثير في مسلم وكذلك عبد الحق في الجمع بين الصحيحين لمسلم وقال: لم يخرجها البخاري وقد رأيتها في نسخة سماعنا على ابن عبد الهادي. ٤٤٧٣ - أن النبي ﷺ قال: "ليصيبن أقوامًا سفع من النار بذنوب أصابوها عقوبة، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، فيقال لهم: الجهنميون". قلت: رواه البخاري في التوحيد من حديث أنس ولم يخرجه مسلم. (٣) قوله ﷺ : سفع من النار أي علامة. قال ابن الأثير (٤): يريد ﷺ أثرًا من النار.

стр. 2273

٤٤٧٤ - عن النبي ﷺ قال: "يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ ، فيدخل الجنة، ويسمون الجهنميين". قلت: رواه البخاري في صفة الجنة وأبو داود في السنة والترمذي في صفة النار وابن ماجه في الزهد كلهم من حديث عمران بن حصين ولم يخرج في مسلم عن عمران في الشفاعة شيئًا. (١) ٤٤٧٥ - وفي رواية: "يخرج قوم من أمتي من النار بشفاعتي، يسمون الجهنميين". قلت: رواها البخاري من حديث عمران بن حصين. (٢) ٤٤٧٦ - قال النبي ﷺ : "إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولًا: رجل يخرج من النار حبوًا، فيقول الله: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيّل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى! فيقول الله: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، فيقول: أتسخر مني -أو تضحك مني- وأنت الملك؟ " ولقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك، حتى بدت نواجذه وكان يقال: "ذلك أدنى أهل الجنة منزلة". قلت: رواه الشيخان: البخاري في الرقائق ومسلم في الإيمان من حديث ابن مسعود. (٣) ٤٤٧٧ - قال رسول الله ﷺ : "إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولًا الجنة، وآخر أهل النار خروجًا منها: رجل يوتى به يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها، فيعرض عليه صغار ذنوبه، فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر، وهو

стр. 2274

مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: رب قد عملت أشياء لا أراها ههنا"، ولقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك، حتى بدت نواجذه. قلت: رواه مسلم في الإيمان من حديث أبي ذر ولم يخرجه البخاري. (١) والنواجذ: بالنون المفتوحة والجيم المكسورة والذال المعجمة جمع ناجذ وهو آخر الأضراس، وللإنسان أربعة نواجذ في أقصى الأسنان. ٤٤٧٨ - أن رسول الله ﷺ قال: "يخرج من النار أربعة، فيعرضون على الله تعالى ثم يؤمر بهم إلى النار، فيلتفت أحدهم، فيقول: أي رب لقد كنت أرجو -إذ أخرجتني منها- أن لا تعيدني فيها، قال: فينجيه الله منها". قلت: رواه مسلم في الإيمان من حديث حماد بن سلمة عن ثابت وأبي عمران الجوني عن أنس ولم أر في نسختي من مسلم لفظة: لقد كنت أرجو بل لفظهما: أي رب إذا أخرجتني منها فلا تعدني فيها، ولم يخرج البخاري هذا الحديث. (٢) ٤٤٧٩ - قال رسول الله ﷺ : "يخلص المؤمنون من النار، فيُحْبَسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونقّوا، أُذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا". قلت: رواه البخاري في المظالم وفي الرقائق من حديث أبي سعيد ولم يخرجه مسلم. (٣) ٤٤٨٠ - قال ﷺ : "لا يدخل أحد الجنة، إلا أُري مقعده من النار، لو أساء ليزداد شكرًا، ولا يدخل النار أحد، إلا أُري مقعده من الجنة، لو أحسن ليكون عليه حسرة".

стр. 2275

قلت: رواه البخاري في صفة الجنة فيما انفرد به عن مسلم عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. (١) ٤٤٨١ - قال ﷺ : "إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت، حتى يُجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم". قلت: رواه الشيخان كلاهما في صفة الجنة والنار من حديث عبد الله بن عمر. (٢) قال المازري (٣): الموت عند أهل السنة عرض من الأعراض يضاد الحياة، وقال بعض المعتزلة: ليس بعرض بل معناه: عدم الحياة، وهذا خطأ، لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ فأثبت الموت مخلوقًا، وقد جاء في بعض الروايات في الصحيح: يُجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش فيوقف بين الجنة والنار فيذبح، وهذا يدل على أن الموت جسم، وقد اتفق مذهب أهل السنة والمعتزلة على أن الموت ليس بجسم، فيتناول الحديث على أن الله تعالى يخلق هذا الجسم ثم يذبح مثالًا لأن الموت لا يطرأ على الآخرة. من الحسان ٤٤٨٢ - عن النبي ﷺ قال: "حوضي من عدن إلى عمّان البلقاء، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأكوابه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة، لم يظمأ بعدها أبدًا، أول الناس ورودًا: فقراء المهاجرين، الشعث رؤوسًا، الدُّنس ثيابًا، الذين لا ينكحون المتنعمات، ولا يفتح لهم السدد". (غريب).

стр. 2276

قلت: رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما في الزهد وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه انتهى (١) ورجاله نقل الذهبي توثيقهم. قوله ﷺ : قال في شرح السنة (٢): نقلًا عن الأزهري في قوله ﷺ في حديث مسلم: "من مقامي هذا إلى عمان". عمان: هو بنصب العين وتشديد الميم وهو بالشام انتهى. وقال البكري في معجم ما استعجم (٣): عمان على فعلان: قرية من عمل دمشق، سميت بعمان بن لوط ﵇. ويقال أيضًا: عمان بتخفيف الميم، ويروى في حديث النبي ﷺ : ما بين بُصْرى وعَمّان، وَعَمان، صحيحان ... قاله الخطابي يعنى بتشديد الميم وتخفيفها مع فتح العين فيهما، قال البكري: فأما عُمان التي هي فُرضة البحر، فمضمومة الأول، مخففة الثاني، وهي مدينة معروفة من العروض، إليها ينسب العُماني الراجز، سميت بعمان بن سنان بن إبراهيم كان أول من اختطها. والأكواب: جمع كوب وهو الكوز الذي لا عروة له. والسدد (٤): الأبواب أي لا تفتح لهم الأبواب لعدم الاكتراث بهم. ٤٤٨٣ - زيد بن أرقم قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فنزلنا منزلًا فقال: "ما أنتم جزء من مائة ألف جزء ممن يرد عليّ الحوض"، قيل: كم كنتم يومئذ؟ قال: سبعمائة أو ثمانمائة.

стр. 2277

قلت: رواه أبو داود في السنة من حديث زيد بن أرقم وسكت عليه هو والمنذري. (١) ٤٤٨٤ - قال رسول الله ﷺ : "إن لكل نبي حوضًا، وإنهم ليتباهون أيهم أكثر واردة، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم واردة". (غريب). قلت: رواه الترمذي في الزهد من حديث الحسن عن سمرة وقال: غريب وقد روى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن النبي ﷺ ولم يذكر سمرة، وهو أصح، وحيث قال: الحسن عن سمرة فالمراد به الحسن البصري. (٢) قوله ﷺ : ليتباهون التباهي التفاخر والمباهاة المفاخرة. ٤٤٨٥ - قال: سألت رسول الله ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: "أنا فاعل" قلت: يا رسول الله! فأين أطلبك؟ قال: "اطلبني أول ما تطلبني على الصراط"، قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟ قال: "فاطلبني عند الميزان"، قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: "فاطلبني عند الحوض، فإني لا أخطيء هذه الثلاثة المواطن". (غريب). قلت: رواه الترمذي في الحساب والقصاص من حديث أنس وقال: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه انتهى ورجاله موثقون. (٣) ٤٤٨٦ - عن النبي ﷺ : قيل له: ما المقام المحمود؟ قال: "ذلك يوم ينزل الله تعالى على كرسيه، فيئط كما يئط الرحل الجديد من تضايقه به، وهو يسعه ما بين السماء والأرض، ويجاء بكم حفاة عراة غرلًا، فيكون أول من يكسى إبراهيم، يقول الله

стр. 2278

تعالى: اكسوا خليلي، فيؤتى برَيْطَتين بيضاوين من رياط الجنة، ثم أكسى على إِثره، ثم أقوم عن يمين الله مقامًا يغبطني الأولون والآخرون". قلت: رواه الدارمي (١) في الرقائق عن محمد بن الفضل عن الصعق بن حزن عن علي بن الحكم عن عثمان بن عمير عن أبي وائل عن ابن مسعود يرفعه. والأطيط: صوت الأقتاب، وأطيط الإبل أصواتها، وأراد ﷺ بالرحل الجديد كور الناقة أي إنه ليعجز عن حمل عظمة الله تعالى على المعنى الذي أراده تقدس تعالى عن الحلول (٢). قوله ﷺ : وهو يسعه ما بين السماء والأرض الضمير في وهو عائد على الكرسي وأما الضمير في يسعه قال الله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. قوله ﷺ : فيؤتى بريطتين بيضاوين من رياط الجنة، هو بالراء المهملة وبعدها الياء آخر الحروف وبعدها الطاء الريطة الملاءة إذا كانت قطعة واحدة، ولم يكن بِلِفْقَين والجمع رَيْط ورياط (٣). ٤٤٨٧ - قال رسول الله ﷺ : "شعار المؤمنين يوم القيامة على الصراط: رب سلّم سلّم".

стр. 2279

قلت: رواه الترمذي في الحساب والقصاص من حديث المغيرة بن شعبة وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن إسحاق انتهى. (١) قال الذهبي: وعبد الرحمن ضعفوه، وقال النسائي وغيره: ضعيف. ٤٤٨٨ - أن النبي ﷺ قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". قلت: رواه أبو داود في السنة والترمذي في الشفاعة من أبواب الزهد كلاهما من حديث أنس وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه انتهى (٢). ورواه الترمذي أيضًا وابن ماجه عن جابر يرفعه (٣). ورواه البخاري في التاريخ الكبير عن أنس بالسند الذي رواه به أبو داود (٤). ٤٤٨٩ - قال رسول الله ﷺ : "أتاني آت من عند ربي، فخيّرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة، وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئًا". قلت: رواه الترمذي في الشفاعة من حديث عوف بن مالك بهذا اللفظ بسند رجاله ثقات، ورواه ابن ماجه في الزهد (٥) قال رسول الله ﷺ : تدرون ما خيرني ربي الليلة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه خيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة، وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة، قلنا: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلنا من أهلها قال: هي لكل مسلم. ٤٤٩٠ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم".

стр. 2280

قلت: رواه الترمذي في الشفاعة وابن ماجه في الزهد وقال الترمذي: حسن صحيح وإنما يعرف لعبد الله بن أبي الجدعاء هذا الحديث الواحد انتهى. (١) بل له حديث آخر سيأتي في فضائل النبي ﷺ . ٤٤٩١ - أن رسول الله ﷺ قال: "إن من أمتي يشفع للفئام، ومنهم من يشفع للقبيلة، ومنهم من يشفع للعصبة، ومنهم من يشفع للرجل حتى يدخلوا الجنة". قلت: رواه الترمذي في الشفاعة وقال: حديث حسن انتهى (٢) وفي سنده عطية بن سعد العوفي قال الذهبي: ضعفوه. والفئام: بكسر الفاء وبالهمزة الجماعة الكثيرة، ولا واحد لها من لفظها. قال الجوهري (٣): والعامة تقول فيام بلا همز. والعصبة: من الرجال ما بين العشرة إلى الأربعين ولا واحد لها من لفظها. ٤٤٩٢ - قال رسول الله ﷺ : "إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف"، فقال أبو بكر: زدنا يا رسول الله، قال: "وهكذا"، فحثا بكَفّيه وجمعهما، قال أبو بكر: زدنا يا رسول الله! قال: "وهكذا"، فقال عمر: دعنا يا أبا بكر! فقال أبو بكر: وما عليك أن يدخلنا الله كلنا الجنة؟ فقال عمر: إن الله إن شاء أن يدخل خلفه الجنة بكف واحد فعل، فقال النبي ﷺ : "صدق عمر". قلت: رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس يرفعه. (٤)
следующие страницы →