← Книги сунны

Книги сунны · id 17063

كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح

الصدر المناوي

Полный текст (2 643 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

قلت: رواه مسلم في صفة النار من حديث سمرة بن جندب (١)، ولم يخرج البخاري هذا الحديث، وحجزته "بضم الحاء وإسكان الجيم وفتح الزاي المعجمة معقد إزاره وسراويله، والترقوة: بفتح التاء وضم القاف وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق. ٤٥٤٨ - قال ﷺ : "ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المُسرع". قلت: الصواب أن هذا الحديث رواه الشيخان (٢) في صفة النار من حديث فضيل بن غزوان عن أبي حازم عن أبي هريرة، وقد ذكره الحافظ عبد الحق فيما اتفق عليه الشيخان، وأسقطه الحميدي من كتابه الذي جمع فيه بين الصحيحين فلم يذكره، وعزاه ابن الأثير (٣) لمسلم خاصة. ٤٥٤٩ - وفي رواية أنه ﷺ قال: ضرس الكافر مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام" قلت: رواه مسلم في صفة النار، ولم يخرجه البخاري (٤)، وهذا الحديث والذي قبله يدل كل منهما على عظم جثة الكافر وإنما كان كذلك ليعظم عذابه ويتضاعف، وهذا إنما هو في بعض الكفار بدليل أنه قد جاءت أحاديث أخر تدل على أن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أمثال الذر في صفة الرجال، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، ولا شك أن الكفار في عذاب جهنم يتفاوتون كما قد علم من الكتاب والسنة، ولأنا نعلم على القطع أن من كفر بالله وقتل الأنبياء وفتك في المسلمين وأفسد في الأرض ليس عذابه مساويًا لعذاب من كفر بالله فقط وأحسن للأنبياء والمسلمين.

стр. 2312

من الحسان ٤٥٥٠ - عن النبي ﷺ قال: "أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة". قلت: رواه الترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعًا، ثم رواه موقوفًا على أبي هريرة قال: والموقوف أصح، ولا أعلم أحدًا رفعه غير يحيى بن أبي بكير عن شريك. (١) ٤٥٥١ - قال ﷺ : "ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد وفخذه مثل البيضاء، ومقعده من النار مسيرة ثلاث مثل الربذة". قلت: رواه الترمذي في صفة جهنم من حديث أبي هريرة، وقال: حديث حسن غريب ورواه ابن حبان من حديث أبي حازم عن أبي هريرة (٢)، مثل أحد، وغلظ، وجلده مسيره ثلاث "ومثل الربذة كما بين المدينة والربذة، والبيضاء: جبل، انتهى كلام الترمذي، ورجاله موثقون، والبيضاء: بالباء الموحدة المفتوحة والياء آخر الحروف وبالضاد المعجمة اسم جبل، والربذة: بالراء المهملة وبعدها باء موحدة مفتوحة وبعدها ذال معجمة، قرية معروفة قرب المدينة بها قبر أبي ذر منها إلى المدينة مسيرة ثلاثة أيام، ومثل الربذة" يجوز أن تنصب على نزع الخافض أي مثل الربذة من المدينة. ٤٥٥٢ - وقال ﷺ : "إن غلظ جلد الكافر ثنتان وأربعون ذراعًا، وإن ضرسه مثل أحد، وإن مجلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة". قلت: رواه الترمذي في صفة جهنم، قال: حسن صحيح، والحاكم في المستدرك آخر الكتاب، وابن حبان (٣)، ولم يذكر: مجلسه، وزاد بذراع الجبار ثم الجبار ملك باليمن يقال له: الجبار.

стр. 2313

٤٥٥٣ - أن النبي ﷺ قال: "إن الكافر ليسحب لسانه الفرسخ والفرسخين يتوطؤه الناس". (غريب). قلت: رواه الترمذي في صفة جهنم من حديث ابن عمر بن الخطاب، وقال: في سنده أبو المخارق: وليس بمعروف. (١) ٤٥٥٤ - قال ﷺ : "الصعود جبل في النار يتصعد فيه خمسين خريفًا ويهوي به كذلك فيه أبدًا". قلت: رواه الترمذي في صفة جهنم من حديث أبي سعيد يرفعه، وقال: غريب (٢) لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث ابن لهيعة، قلت: وعبد الله بن لهيعة القاضي: مجروح. ٤٥٥٥ - قال ﷺ : في قوله: ﴿كَالْمُهْلِ﴾: "أي: كعكر الزيت، فإذا قرب إلى وجهه سقطت فروة وجهه فيه". قلت: رواه الترمذي في صفة جهنم من حديث أبي سعيد يرفعه (٣)، وقال الترمذي هذا الحديث لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد، ورشدين قد تكلم فيه، انتهى. وفروة وجهه "أي جلدته"، والأصل فيه فروة الرأس وهي جلدتها بما عليها من الشعر فاستعارها من الرأس للوجه. ٤٥٥٦ - قال ﷺ : "إن الحميم ليصب على رؤوسهم، فينفُذُ الحميم حتى يخلص إلى جوفه، فيسلُت ما في جوفه، حتى يمرق من قدميه، وهو الصهر، ثم يعاد كما كان".

стр. 2314

قلت: رواه الترمذي في صفة جهنم من حديث أبي السمح (١) عن أبي حجيرة عن أبي هريرة يرفعه، وقال: حديث حسن صحيح غريب. وأبو حجيرة عبد الرحمن المصري. و"حتى يخلص إلى جوفه" أي حتى يصل إلى جوفه. والسلت: القطع أي يقطعه ويستأصله. ويمرق: أي يخرج. والصهر: بالصاد المهملة المفتوحة وبسكون الهاء وبالراء المهملة الإذابة، يقال: صهرت الشحم: إذا أذبته. ٤٥٥٧ - عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ، يَتَجَرَّعُهُ﴾ قال: "يقرب إلى فيه فيكرهه فإذا أدني منه، شَوَى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه، قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره، يقول الله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ ويقول: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ ". قلت: رواه الترمذي في صفة جهنم من حديث صفوان بن عمرو عن عبيد الله بن بسر عن أبي أمامة يرفعه، والنسائي في التفسير (٢)، وقال الترمذي: غريب وقال البخاري: إن عبيد الله بن بسر راوي الحديث عن أبي أمامة ولا نعرف عبيد الله بن بسر إلا في هذا الحديث، وقد روى صفوان بن عمرو عن عبد الله بن بسر صاحب رسول الله ﷺ غير هذا الحديث انتهى كلام الترمذي. قال المزي (٣): وعبيد الله بن بسر له أخ قد سمع من النبي وأخته قد سمعت من النبي ﷺ ، وعبيد الله بن بسر الذي روى عنه صفوان بن عمرو حديث أبي أمامة لعله أن يكون أخا عبد الله بن بسر، وقال الذهبي: عبيد الله ابن بسر حمصي عن أبي أمامة:

стр. 2315

لا يعرف، فيقال: هو عبد الله الضحاك، وقيل: عبد الله بن بسر الحبراني التابعي وهو أظهر (١). ٤٥٥٨ - عن النبي ﷺ أنه قال: "لِسرادق النار أربعة جدر، كِثَفُ كل جدار مسيرة أربعين سنة". قلت: رواه الترمذي في صفة جهنم من حديث أبي سعيد (٢) وفي سنده رشدين بن سعد، والسرادق: كل ما أحاط بشيء من حائط أو خباء، قال في شرح السنة (٣): يقال للحائط المشتمل على الشيء سرادق، قال الله تعالى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾. ٤٥٥٩ - قال ﷺ "لو أن دلوًا من غساق يُهراق في الدنيا، لأنتن أهل الدنيا". قلت: رواه الترمذي في صفة جهنم من حديث أبي سعيد بالإسناد الذي قبله، قال أبو عيسى: إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد وفي رشدين مقال، وقد تكلم فيه من قبل حفظه، انتهى. (٤) والغساق بفتح الغين المعجمة وبالسين المهملة، البارد المنتن تخفف وتشدد قرأ أبو عمرو حميمًا وغساقًا، بالتخفيف، وقرأ الكسائي بالتشديد. ٤٥٦٠ - أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ قال رسول الله ﷺ : "لو أن قطرة من الزقّوم قطرت في دار الدنيا، لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه؟ ". قلت: رواه الترمذي في صفة جهنم من حديث ابن عباس وقال: حديث حسن صحيح (٥) "والزقوم": بفتح الزاي المعجمة قال ابن عباس لما نزلت ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ

стр. 2316

طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ قال أبو جهل: التمر بالزبد يتزقمه فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾. ٤٥٦١ - عن النبي ﷺ قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ فقال: "تشويه النار، فتقلص شفته العليا، حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى، حتى تضرب سُرّته". قلت: رواه الترمذي في صفة جهنم من حديث أبي سعيد يرفعه وقال: حديث حسن صحيح غريب. (١) ٤٥٦٢ - عن النبي ﷺ : "يا أيها الناس ابكوا، فإن لم تستطيعوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون في النار، حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول، حتى تنقطع الدموع، فتسيل الدماءُ، فتقرح العيون، فلو أنّ سُفنًا أرخيت فيها لجرت". قلت: رواه المصنف في شرح السنة بسنده وفيه يزيد بن أبان الرقاشي قال الذهبي: ضعيف. (٢) ٤٥٦٣ - قال رسول الله ﷺ "يلقى على أهل النار الجوع، فيعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون، فيغاثون بطعام ﴿مِنْ ضَرِيعٍ، لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ فيستغيثون بالطعام، فيغاثون بطعام ذي ﴿غُصَّةٍ﴾، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغُصص في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب، فيرفع إليهم الحميم، بكلاليب الحديد، فإذا دنت من وجوههم، شوت وجوههم، فإذا دخلت بطونهم، قطعت ما في بطونهم، فيقولون ادعوا خزنة جهنم، فيقولون: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾. قال: فيقولون: ادعوا مالكًا، فيقولون: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ قال: فيجيبهم: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾، قال الأعمش: نبئت أن بين دعائهم وإجابة مالك إياهم ألف عام،

стр. 2317

قال: "فيقولون: ادعوا ربكم فلا أحد خير من ربكم، فيقولون: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ، رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ قال: فيجيبهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: فعند ذلك يئسوا من كل خير، وعند ذلك يأخذون في الزفير والحسرة والويل". ويروى هذا موقوفًا على أبي الدرداء. قلت: رواه الترمذي في صفة جهنم مرفوعًا عن أبي الدرداء (١) ثم قال: قال عبد الله بن عبد الرحمن يعني شيخه "والناس لا يرفعون هذا الحديث" معنى، بل يوقفونه على أبي الدراء، قال أبو عيسى: وقطبة بن عبد العريز رفعه وهو ثقة عند أهل الحديث (٢). "والضريع" نبت بالحجاز له شوك كبار. ٤٥٦٤ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنذرتكم النار، أنذرتكم النار، أنذرتكم النار"، فما زال يقولها، حتى لو كان في مكاني هذا سمعه أهل السوق، وحتى سقطت خميصة كانت عليه عند رجليه. قلت: رواه الدارمي في الرقائق عن عثمان بن عمر أنا شعبة عن سماك عن النعمان بن بشير يرفعه ولم يخرجه أصحاب السنن الأربعة، وروى أحمد نحوه من حديث النعمان. (٣) ٤٥٦٥ - عن النبي ﷺ قال: "إن في جهنم واديًا يقال له: هبهب، يسكنه كل جبار". (٤)

стр. 2318

٤٥٦٦ - قال رسول الله ﷺ : "لو أن رضراضة مثل هذه، وأشار إلى مثل الجمجمة، أرسلت من السماء إلى الأرض في مسيرة خمسمائة سنة، لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة، لسارت أربعين خريفًا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلَها أو قعرها". قلت: رواه الترمذي في صفة جهنم من حديث عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمر يرفعه (١) والرضراضة: برائين مهملتين مفتوحتين وضادين معجمين الأولى ساكنة والثانية مفتوحة قال في النهاية (٢): الرضراضة الحصى الصغار وكذا قاله الجوهري (٣). باب خلق الجنة والنار من الصحاح ٤٥٦٧ - قال رسول الله ﷺ : "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات". قلت: رواه مسلم قبل صفة الجنة من حديث أنس ومن طريق أبي هريرة وقال فيه نحوه، ولم يذكر لفظ أبي هريرة، ورواه البخاري في الرقائق من حديث أبي هريرة خاصة وقال: "احتجبت" في الموضعين بدل "حفت" والنسائي في النعوت كالبخاري والترمذي في صفة الجنة من حديث أنس بلفظ مسلم. (٤) ٤٥٦٨ - قال رسول الله ﷺ : "تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتجبرين والمتكبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وغرتهم؟

стр. 2319

قال: الله للجنة: إنما أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار، فلا تمتليءُ حتى يضع الله رجله فيها، تقول: قط قط قط، فهنالك تمتليءُ ويُزوى بعضها إلى بعض، فلا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة، فإن الله ينشىء لها خلقًا". قلت: رواه الشيخان: البخاري في التفسير ومسلم في صفة جهنم كلاهما من حديث همام بن منبه عن أبي هريرة (١) وهذا الحديث آخر حديث في شرح السنة (٢)، وبالكلام عليه ختم الكتاب ﵀، وقد أعاده البخاري في التوحيد مع بعض تغيير من حديث الأعرج عن أبي هريرة وكذلك رواه النسائي في النعوت. "وسقطهم": بفتح السين والقاف أي المحتقرون. وأما غرتهم: فروي على ثلاثة أوجه، إحداها: بغين معجمة مفتوحة وراء مفتوحة وثاء مثلثة وهي رواية الأكثرين، ومعناها أهل الحاجة والفاقة والجوع، والغرث: الجوع، وعجزتهم: بعين مهملة مفتوحة وجيم وزاي وتاء، جمع عاجز. وغرتهم: بغين معجمة مكسورة وراء مشددة وتاء مثناة فوق، وهي مشهورة في كثير من نسخ مسلم أي البله الغافلون الذين ليس بهم حذق في الدنيا. ووجه رابع أيضًا: وهو فتح العين المهملة والجيم من غير تاء جمع عاجز وهو قريب من الوجه الثاني. ومعنى: يضع الله رجله، رجل بعض مخلوقاته على حذف مضاف أو خلقًا لهم هذا الاسم أو الجماعة من الناس كما يقال: رجل من جراد أي قطعة منه (٣).

стр. 2320

وقط: معناه يكفيني، وفيه لغات: قط قط بإسكان الطاء فيهما، وبكسرها منونة وغير منونة (١). ٤٥٦٩ - عن النبي ﷺ قال: "لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط بعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل، حتى ينشيء الله لها خلقًا، فيسكنهم فضل الجنة". قلت: رواه الشيخان البخاري في التفسير ومسلم في صفة جهنم كلاهما من حديث قتادة (٢) عن أنس، والمراد بالقدم: قد تقدم في الرجل، ويجوز أن يكون هم القوم الذين قدمهم الله لها من أهلها. من الحسان ٤٥٧٠ - عن النبي ﷺ قال: "لما خلق الله الجنة، قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم حفها بالمكاره، ثم قال: يا جبريل! اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء، فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد، قال: فلما خلق الله النار، قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها، قال: فذهب فنظر إليها، فقال: أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات، ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها".

стр. 2321

قلت: رواه أبو داود في السنة والترمذي في صفة جهنم والنسائي في الإيمان والنذور كلهم من حديث أبي هريرة وقال الترمذي: حسن صحيح. وحفها بالمكاره: أي أحدقها بها. (١) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء ﵈ من الصحاح ٤٥٧١ - قال إني كنت عند النبي ﷺ إذ جاءه قوم من بني تميم، فقال: "اقبلوا البُشرى يا بني تميم"، قالوا: بشّرتناه فأعطنا، ندخل أناس من أهل اليمن، فقال: "اقبلوا البُشرى يا أهل اليمن! إذ لم يقبلها بنو تميم"، قالوا: قبلنا، جئناك لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر: ما كان؟ قال: "كان الله ولم يكن شيءٌ قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء". ثم أتاني رجل، فقال: يا عمران أدرك ناقتك فقد ذهبت، فانطلقت أطلبها، وايم الله، لوددت أنها قد ذهبت ولم أقم. قلت: رواه البخاري في مواضع منها المغازي والتوحيد بألفاظ متقاربة الترمذي في المناقب والنسائي في التفسير كلهم عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين يرفعه (٢) ومعنى الحديث: "إن الله تعالى هو الأول قبل كل شيء ولا شيء قبله وإن أول ما أبدعة من الأجسام: العرش، والماء وسائر الأجسام متأخرة عنها في الحدث والوجود".

стр. 2322

٤٥٧٢ - قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا، فأخبرنا عن بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه. قلت: رواه البخاري في بدء الوحي من حديث طارق بن شهاب عن عمر. (١) ٤٥٧٣ - قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق: أن رحمتي سبقت غضبي، فهو مكتوب عنده فوق العرش". قلت: رواه البخاري في التوحيد ومسلم في التوبة والنسائي في النعوت من حديث أبي هريرة (٢) واللفظ للبخاري. قال العلماء: غضب الله ورضاه يرجعان إلى معنى الإرادة، فإرادته الإثابة للمطيع، ومنفعة العبد تسمى رضا الله وإرادته، عقاب العاصي، وخذلانه يسمى غضبًا، وأراد به تعالى صفة له قديمة يريد بها جميع المرادات (٣)، قالوا: والمراد بالسبق هنا كثرة الرحمة وشمولها، كما يقال: غلب على فلان الكرم والشجاعة إذا كثر منه (٤).

стр. 2323

٤٥٧٤ - عن رسول الله ﷺ قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم". قلت: رواه مسلم في أواخر الكتاب ولم يخرجه البخاري (١) ولما خلقت الملائكة من نور كانوا خيرًا محضًا، والجان لما خلقوا من مارج من نار أي من شواظ ذي لهب وإيقاد ودخان كانوا شرًّا محضًا، والخير فيهم قليل، ومعنى قول ﷺ "مما وصف لكم" مما ذكره في كتابه أي من تراب صير طينًا كما أخبرنا به تعالى في غير موضع من كتابه، وفي الخبر أن الله تعالى لما أراد خلق آدم أمر من قبض قبضة من جميع أجزاء الأرض فأخذ من حزنها وسهلها وأحمرها وأسودها فجاء ولده كذلك. ٤٥٧٥ - أن رسول الله ﷺ قال: "لما صوّر الله آدم في الجنة، تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به، ينظر ما هو، فلما رآه أجوف، عرف أنه خلق خلقًا لا يتمالك". قلت: رواه مسلم في الأدب من حديث ثابت عن أنس بن مالك (٢). ويطيف به قال أهل اللغة: طاف بالشيء يطوف طوفًا وأطاف يطيف إذا استدار حوله، والأجوف: صاحب الجوف قوله ﷺ : لا يتمالك "أراد جنس بني آدم"، لا يملك دفع الوسواس عنه، وقيل غير ذلك، وآدم صلوات الله عليه معصوم، وإنما المراد ذريته إذ هم مخلوقون كهو. ٤٥٧٦ - قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا خير البرية، فقال: "ذاك إبراهيم". قلت: رواه مسلم في المناقب وأبو داود في السنة والترمذي في التفسير وكذلك النسائي في التفسير ولم يخرجه البخاري. (٣)

стр. 2324

والبرية: الخلق، قال العلماء: إنما قال ﷺ هذا تواضعًا واحترامًا لإبراهيم ﷺ لخلته وأبوته، وإلا فنبينا ﷺ أفضل، وقيل غير ذلك من التأويلات وهذا التأويل أحسن. ٤٥٧٧ - قال: قال رسول الله ﷺ : "اختتن إبراهيم النبي ﷺ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم". قلت: رواه الشيخان كلاهما في أحاديث الأنبياء من حديث المغيرة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. (١) والقدوم: اتفقت رواة مسلم على تخفيفه، ووقع في روايات البخاري الخلاف في تشديده وتخفيفه، قالوا: وآلة النجار يقال لها: قدوم بالتخفيف، وأما القدوم مكان بالشام ففيه التخفيف والتشديد فمن رواه بالتشديد أراد القرية، ورواية التخفيف تحتمل القرية والآلة، والأكثرون على التخفيف وإرادة الآلة، ورواية وهو ابن ثمانين سنة "هي الصحيحة، ووقع في الموطأ وهو ابن مائة وعشرين سنة" موقوفًا على أبي هريرة، قال النووي (٢): وهو متأول أو مردود. ٤٥٧٨ - قال رسول الله ﷺ : "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: ثنتين منهن في ذات الله، قوله: ﴿إني سقيم﴾ وقوله: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ وقال: بينما هو ذات يوم وسارة، إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إن ههنا رجلًا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه، فسأله عنها: من هذه؟ قال: أختي، فأتى سارة، فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي فإنك أختي في الإسلام، ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأرسل إليها، فأتى بها، وقام إبراهيم يصلي، فلما دخلت عليه، ذهب يتناولها بيده، فأخذ -ويُروى فغُظّ- حتى ركض برجله، فقال: أدعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق، ثم تناولها الثانية، فأخذ مثلها أو أشد، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك،

стр. 2325

فدعت الله فأطلق، فدعا بعض حجبته، فقال: إنك لم تأتني بإنسان، إنما أتيتني بشيطان، فأخدمها هاجر، فأتته وهو قائم يصلي، فأومأ بيده: مهيما؟ فقالت: ردّ الله كيد الكافر في نحره، وأخدم هاجر". قال أبو هريرة: "وتلك أمكم يا بني ماء السماء". قلت: رواه الشيخان: البخاري في أحاديث الأنبياء وفي باب شراء المملوك من الحربي وعتقه وهبته ومسلم في المناقب ولفظ المصابيح (١) إلى البخاري في أحاديث الأنبياء أقرب، والذي نعتقده ويجب اعتقاده أن الأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر لا يجوز عليهم الكذب فيما يتعلق بالتبليغ ولا في غيره، وإبراهيم صلوات الله عليه ورّى بما قاله، وسمي كذبًا باعتبار الظاهر الذي يسمعه ولا يفهم التورية، والكذب أيضًا قد يكون واجبًا بل قد يكون الكذب تركه كفر، كما إذا دلّ من يريد قتل نبي أو إتلاف مصحف على موضعهما. والغط: بالغين المعجمة والطاء المهملة هو العصر الشديد والكبس. "ومهيما" رواية البخاري ورواية مسلم مهيم بفتح الميم والياء وإسكان الهاء بينهما أي ما شأنك؟ وما خبرك؟. وهاجر: يقال فيها: آجر بمد الألف، والخادم: يقع على الذكر والأنثى. وبنو ماء السماء: قيل: هم العرب كلهم لخلوص نسبهم وصفائه، وقيل: لأن أكثرهم أصحاب مواش وعيشهم مما أنبتت من السماء وقيل: المراد الأنصار لأن في أجدادهم من يعرف بماء السماء (٢). ٤٥٧٩ - قال: سئل رسول الله ﷺ أي الناس أكرم؟ قال: "أكرمهم عند الله أتقاهم"، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: "فأكرم الناس: يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله"، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: "فعن معادن العرب

стр. 2326

تسألونني؟ ". قالوا: نعم، قال: "فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام، إذا فقهوا". قلت: رواه الشيخان والبخاري في أحاديث الأنبياء ومسلم في المناقب (١) وقد تقدم هذا الحديث في المفاخرة والعصبية. "وفقهوا" بضم القاف على المشهور وحكي كسرها أي صاروا فقهاء علماء عالمين بالأحكام الشرعية الفقهية. ٤٥٨٠ - عن النبي ﷺ قال: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم". قلت: رواه البخاري في سورة يوسف من حديث ابن عمر. (٢) ٤٥٨١ - وقال رسول الله ﷺ : "نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾ ويرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف، لأجبت الداعي". قلت: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ومسلم في المناقب من حديث أبي هريرة (٣) وقد اختلف العلماء في معنى قوله: نحن أحق بالشك من إبراهيم وأصحها: ما قاله أبو إبراهيم المزني صاحب الشافعي، وجماعات من العلماء: أن الشك مستحيل في حق إبراهيم: فإن الشك في إحياء الموتى لو كان متطرقًا إلى الأنبياء، لكنت أنا أحق به من إبراهيم، وقد علمتم أني لم أشك، فاعلموا أن إبراهيم لم يشك، وإنما خص إبراهيم ﵊ لأن الآية قد يسبق إلى بعض الأذهان الفاسدة منها احتمال الشك وإنما رجح إبراهيم ﵇ على نفسه ﷺ تواضعًا وأدبًا، أو قيل: إنه يعلم أنه ﷺ خير ولد آدم.

стр. 2327

وأما سؤال إبراهيم: فذكر العلماء في سببه [أوجها:] أظهرها: على ما اختاره النووي وجماعة أنه أراد الطمأنينة بعلم كيفية الإحياء مشاهدة بعد العلم بها استدلالًا، والثاني: أنه أراد اختيار منزلته عند ربه في إجابة دعائه وعلى هذا معنى قوله: ﴿أو لم تؤمن﴾ أي تصدق بعظم منزلتك عندي، واصطفائك وخلتك. والثالث: سؤال زيادة اليقين وإن لم يكن الأول شكًّا، فسأل الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين. قوله: يرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، الركن الشديد: هو الله تعالى فإنه أشد الأركان وأقواها ومعنى الحديث: أن لوطًا لما خاف على أضيافه، ولم يكن له عشيرة تمنعهم من الظالمين، ضاق ذَرْعُه واشتد حزنه فقال في ذلك الحال: لو أن لي [بكم] قوة في الدفع بنفسي، أو آوي إلى عشيرة تمنع لمنعتكم، وقصد لوط ﷺ إظهار العذر عند أضيافه، ولم يكن ذلك إعراضًا منه ﷺ عن الاعتماد على الله تعالى. قوله: "لو لبثت في السجن" إلى آخره .. فيه بيان لفضيلة يوسف ﵇ وقوة نفسه في الخير، وكمال صبره وحسن نظره، وقال ﷺ عن نفسه ما قاله تواضعًا وإيثارًا للإبلاغ في كمال فضيلة يوسف ﷺ والله أعلم (١). ٤٥٨٢ - قال: "إن موسى كان رجلًا حييًّا ستيرًا، لا يُرى من جلده شيء استحياءً، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما بَرَص أو أدرة، وإن الله أراد أن يبرئه، فخلا يومًا وحده ليغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففرّ الحجر بثوبه فجَمَحَ موسى في إثره يقول: ثوبي يا حجر! ثوبي يا حجر! ثوبي يا حجر! حتى انتهى إلى ملإ من بني إسرائيل، فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله، وقالوا: والله ما بموسى من بأس! وأخذ ثوبه وطفق بالحجر ضربًا، فوالله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه: ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا".

стр. 2328

قلت: رواه الشيخان في أحاديث الأنبياء ومسلم في المناقب من حديث أبي هريرة (١) وبقية الحديث فذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهًا﴾. "والأدرة": بالضم نفخة بالخصية، يقال: رجل آدر بين الأدَر بفتح الهمزة المدودة والدال المهملة (٢). "وجمح" ذهب مسرعًا ومعنى " ثوبي حجر": دع ثوبي يا حجر، وطفق بالحجر ضربًا: أي جعل يضرب الحجر ضربًا وهو بفتح الفاء وكسرها. والندب: بفتح النون والدال وأصله أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد. ٤٥٨٣ - قال رسول الله ﷺ : "بينا أيوب يغتسل عريانًا فخر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحتثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك". قلت: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء والنسائي (٣) وعنده: بركاتك، كلاهما من حديث أبي هريرة ولم يخرجه مسلم. "وخر": قال في النهاية (٤): "خر" خر يخر بالضم وبالكسر إذا سقط من علو، وخر الماء يخر بالكسر. و"يحتثي في ثوبه" أي يصب فيه، يقال: حثا يحثو حثوًا ويحثي حثيًا. ٤٥٨٤ - قال: استبّ رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا على العالمين، وقال اليهودي والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده -عند ذلك- فلطم وجه اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ فأخبره بما

стр. 2329

كان من أمره وأمر المسلم، فدعا النبي ﷺ المسلم، فسأله عن ذلك؟ فأخبره، فقال النبي ﷺ : "لا تخيّروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأصعق معهم، فأكون أول من يُفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري: كان فيمن صَعِق فأفاق قبلي، أو كان فيمن استثنى الله". قلت: رواه الشيخان: البخاري في مواضع منها في كتاب الخصومات وفي التوحيد ومسلم في المناقب (١) ولم يقل مسلم: فأصعق معهم، إنما هي في البخاري، وروى الحديث أبو داود في السنة والنسائي في التفسير كلهم من حديث أبي هريرة، "والصعق": والصعقة الهلاك والموت: يقال: صعق الإنسان بفتح الصاد وحكي ضمها وهو ضعيف. قال القاضي (٢): وهذا من أشكل الأحاديث، لأن موسى صلوات الله وسلامه عليه قد مات فكيف تدركه الصعقة، وإنما تصعق الأحياء. وقوله ﷺ : "ممن استثنى الله" يدل على أنه كان حيًّا، ولم يأت أن موسى رجع إلى الحياة، ولا أنه حي كما جاء في عيسى ﵇، قال القاضي (٣): يحتمل أن تكون هذه الصعقة صعقة فزع بعد بعث حين تنشق السماء، ويؤيده قوله ﷺ : "فأفيق" لأنه إنما يقال: أفاق من الغشي، وإنما الموت فيقال: بعث منه، وصعقة الطور لم تكن موتًا، وباطش بجانب "العرش" أي متعلق به بقوة، والبطش الأخذ القوي الشديد. - وفي رواية: "فلا أدري أحوسب بصعقة يوم الطور، أو بعث قبلي؟ ولا أقول: إن أحدًا أفضل من يونس بن مَتّى". قلت: رواها الشيخان من حديث أبي هريرة (٤).

стр. 2330

- وفي رواية: "لا تخيروا بين الأنبياء". قلت: رواه البخاري في مواضع منها في التفسير وفي الديات ومسلم في الفضائل وأبو داود في السنة (١) كلهم من حديث يحيى بن عمارة عن أبي سعيد الخدري وكذا عزاه للصحيحين الحميدي والإمام عبد الحق وعزاه ابن الأثير في جامع الأصول (٢) في كتاب الفضائل لرواية أبي داود خاصة والظاهر أنه وهم. ٤٥٨٥ - وفي رواية: "لا تفضلوا بين أنبياء الله". قلت: رواها الشيخان من حديث أبي هريرة يرفعه في حديث لطمة اليهودي (٣). ٤٥٨٦ - قال ﷺ : "ما ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى". رواه الشيخان: البخاري في التوحيد في أواخر الصحيح، من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه قال: لا ينبغي لعبد أن يقول إنه خير من يونس بن متى، ونسبه إلى أبيه ورواه مسلم في المناقب ولم يذكر فيه فيما يروي عن ربه ورواه أبو داود في السنة. (٤) ٤٥٨٧ - قال ﷺ : "من قال: أنا خير من يونس بن متى، فقد كذب". قلت: رواه البخاري في الصدقات من حديث أبي هريرة (٥). قال العلماء: هذه الأحاديث تحتمل وجهين أحدهما: أنه ﷺ قال ذلك: قبل أن يعلم أنه أفضل ولد آدم، والثاني: أنه قال هذا زجرًا عن أن يتخيل أحد من الجاهلين شيئًا من حط مرتبة يونس ﵇، والضمير في قوله ﷺ "أنا خير من يونس" راجع إلى

стр. 2331

النبي ﷺ ، وقيل: يعود إلى القائل أي لا يقول ذلك بعض الجاهلين المجتهدين في عبادة أو علم أو غير ذلك (١). ٤٥٨٨ - قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الغلام الذي قتله الخضر، طبع كافرًا، ولو عاش، لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا". قلت: رواه البخاري في القدر وأبو داود في السنة والترمذي في التفسير وحديثهما أتم، كلهم من حديث أبي هريرة. (٢) ٤٥٨٩ - عن النبي ﷺ قال: "إنما سمي الخضر، لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء". قلت: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ولم يخرجه مسلم. (٣) والفروة: بالفاء والراء المهملة قال ابن الأثير (٤): هي الأرض اليابسة، وقيل: الهشيم اليابس من النبات، وخضراء: على وزن فعلاء ومنهم من رواه خضرًا بالتنوين أي نباتًا أخضر ناعمًا. ٤٥٩٠ - قال: جاء ملك الموت إلى موسى فقال له: أجب ربك، قال: فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع الملك إلى الله -تعالى- فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت، وقد فقأ عيني، قال: فرد الله تعالى عليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدي فقل: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة، فضع يدك على متن ثور، فما وارت يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة، قال: ثم مه؟ قال: ثم تموت، قال: فالآن من قريب، رب أدنني من الأرض المقدسة رمية بحجر، قال رسول الله ﷺ : " [والله] لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جنب الطريق عند الكثيب الأحمر".

стр. 2332

قلت: رواه الشيخان: واللفظ لمسلم من حديث أبي هريرة، البخاري في أحاديث الأنبياء ومسلم في (١) الفضائل، ولم يقل البخاري فقأ عينه، بل قال: فلما جاء، صكه فرجع إلى ربه ... الحديث. قوله: ثم مه، هي هاء السكت، وهو استفهام أي ماذا يكون: أحياة أم موت؟ والكثيب: الرمل المستطيل المحدودب، ومعنى أجب ربك: أي للموت، وأما سؤاله الإدناء من الأرض المقدسة، فلشرفها وفضيلة من فيها من المدفونين من الأنبياء وغيرهم، قال المازري (٢): وقد أنكر بعض الملاحدة هذا الحديث وأنكر تصوره، قالوا: كيف يجوز على موسى ذلك؟ وأجاب العلماء عن هذا بأجوبة منها: أنه لا يمتنع أن يكون قد أذن له في هذه اللطمة امتحانًا للملطوم، والثاني: هذا من أمر المجاز، والمراد أن موسى ناظره وحاجه فغلبه، والثالث: أنه لم يعلم أنه ملك من عند الله تعالى وظن أنه رجل قصده يريد نفسه، فدافعه عنها، فأدت المدافعة إلى ذلك، ثم جاءه ثانيًا بأمارة علمها فاستسلم. ٤٥٩١ - أن رسول الله ﷺ قال: "مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره". قلت: رواه البخاري في المناقب والنسائي في الصلاة كلاهما من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري. (٣) ٤٥٩٢ - أن رسول الله ﷺ قال: "عُرض عليّ الأنبياء، فإذا موسى ضرب من الرجال، كأنه من رجال أزد شُنوءة، ورأيت عيسى بن مريم، فإذا أقرب من رأيت به شبهًا: عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم، فإذا أقرب من رأيت به شبهًا صاحبكم -يعني: نفسه- ورأيت جبريل، فإذا أقرب، من رأيت به شبهًا دحية بن خليفة".

стр. 2333

قلت: رواه مسلم في الإيمان والترمذي في المناقب كلاهما من حديث أبي الزبير عن جابر (١) ولم يخرجه البخاري وقال الترمذي: حسن صحيح. وضرب من الرجال: هو بإسكان الراء قال ابن الأثير (٢): هو الخفيف اللحم المستدق. وشنوءة قبيلة من اليمن يقال لهم: أزد شنوءة بشين معجمة مفتوحة ثم نون ثم واو ثم همزة سموا لذلك لتباعدهم عن الأدناس لعلهم لقبوا بذلك لطهارة نسبهم وحسن مشربهم وأفعالهم (٣). ودحية بن خليفة هو أحد الصحابة وكان جميلًا حسن الصورة. ٤٥٩٣ - عن النبي ﷺ قال: "رأيت ليلة أسري بي موسى: رجلًا آدم طوالًا جعدًا، كأنه من رجال شنؤة، ورأيت عيسى: رجلًا مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، ورأيت مالكًا خازن النار، والدجال، في آيات أراهن الله إياه، ﴿فلا تكن في مرية من لقائه﴾ ". قلت: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ومسلم في الإيمان واللفظ للبخاري (٤) كلاهما من حديث أبي العالية عن ابن عباس. وآدم: قال ابن الأثير (٥): الآدم من الناس الأسمر الشديد السمرة، وبه سمي آدم ﵇، والطوال: بضم الطاء وتخفيف الواو والطويل ومربوع الخلق أي بين الطول والقصر، وسبط الرأس: قال الجوهري (٦): يقال: شعر سبط بكسر الباء وسكونها أي مترسل غير جعد، قوله: ورأيت مالكًا، هذه رواية البخاري في بعض

стр. 2334

النسخ، قال النووي (١): ووقع في أكثر الأصول "مالك" بالرفع، قال: وجوابه أنه منصوب ولكن أسقطت الألف في الكتابة وهذا يفعله المحدثون كثيرًا فيكتبون "سمعت أنس" بغير ألف ويقرؤونه بالنصب وكذا مالك ورواية مسلم فأري بضم الهمزة وكسر الراء ومالكًا بالنصب. ٤٥٩٤ - قال النبي ﷺ : "ليلة أسري بي، لقيت موسى فنعته، فإذا رجل مضطرب رجل الشعر، كأنه من رجال شنوءة، ولقيت عيسى: ربعة أحمر، كأنما خرج من ديماس، يعني: الحمام، ورأيت إبراهيم، وأنا أشبه ولده به، قال: وأتيت بإناءين، أحدهما فيه لبن، والآخر فيه خمر، فقيل لي: خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن فشربته، فقيل لي: هديت للفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر، غوت أمتك". قلت: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ومسلم في الإيمان بهذا اللفظ. (٢) "ومضطرب": أي طول غير الشديد، و"رجل الشعر": بكسر الجيم أي لم تكن جعودته شديدة ولا سبوطة بل بينهما، وديماس: بكسر الدال وإسكان الياء آخر الحروف والسين في آخره مهملة منكر (٣). ٤٥٩٥ - قال: سرنا مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة، فمررنا بواد، فقال: "أي واد هذا؟ " فقالوا: وادي الأزرق، قال: "كأني أنظر إلى موسى -فذكر من لونه وشعره شيئًا- واضعًا أصبعيه في أذنيه، له جؤار إلى الله تعالى بالتلبية، مارًّا بهذا الوادي"، قال: ثم سرنا حتى أتينا إلى ثنية، فقال: "أي ثنية هذه؟ "، قالوا: هَرْشى أو لِفْت، فقال: "كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء، عليه جبة صوف، خطام ناقته خُلْبة، مارًّا بهذا الوادي ملبيًّا".

стр. 2335

قلت: رواه مسلم في الإيمان من حديث ابن عباس (١) ولم يخرجه البخاري عن ابن عباس بهذا اللفظ ولا ذكر فيه يونس. و"والجؤار": بضم الجيم وبالهمزة وهو رفع الصوت. وهرشا: بفتح الهاء وإسكان الراء والشين المعجمة مقصورة الألف وهو جبل على طريق الشام والمدينة، قريب من الجحفة. قوله: "أو لفت" بكسر اللام وإسكان الفاء وبعدها مثناة من فوق ويجوز فتح اللام مع إسكان الفاء وفتحها جميعًا وهي ثنية بين مكة والمدينة (٢). و"الخلبة" بضم الخاء المعجمة وضم الباء الوحدة، بينهما لام فيها الضم والإسكان وهو الليف، والخطام: بكسر الخاء المعجمة وهو الحبل الذي يقاد به البعير، يجعل في خطمه. ٤٥٩٦ - عن النبي ﷺ قال: "خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه فتُسرج، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه، ولا يأكل إلا من عمل يده". قلت: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣) والمراد "بالقرآن" هذا: الزبور. ٤٥٩٧ - عن النبي ﷺ قال: "كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى". قلت: رواه البخاري في الفرائض وفي أحاديث الأنبياء ومسلم نحوه والنسائي في الفضائل مثله، ونحوه كلهم من حديث أبي هريرة. (٤)

стр. 2336

٤٥٩٨ - قال رسول الله ﷺ : "قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، -وفي رواية: بمائة امرأة- كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له الملك: قل إن شاء الله، فلم يقل ونسي، فطاف عليهن، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل، وأيم الذي نفس محمد بيده، لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون". قلت: رواه الشيخان: البخاري في كتاب النكاح عند آخره وهو أيضًا ومسلم في الأيمان والنذور من حديث أبي هريرة (١) ورواية: مائة امرأة، للبخاري وكذا فقال له الملك ولهما جميعًا فقال له صاحبه، وأخرجه النسائي في الأيمان والنذور. قوله: كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، هذا قاله على سبيل التمني للخير وقصد به الآخرة، والجهاد في سبيل الله. قوله: "ونسي" ضبطه بعض الأئمة بضم النون وتشديد السين وهو ظاهر حسن، قوله: شق رجل، قيل هو الجسد الذي ذكر الله تعالى أنه ألقى على كرسيه، قوله ﷺ وايم الذي نفسي بيده، فيه جواز اليمين بهذا اللفظ، وهو وأيم الله، واختلف العلماء في ذلك، فقال مالك وأبو حفيفة: هو يمين، وقال أصحابنا: إن نوى به اليمين فهو يمين وإلا فلا، قوله ﷺ لو قال: إن شاء الله لجاهدوا، فيه إن الاستثناء يكون بالقول ولا يكفي فيه النية، وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد والعلماء كافة إلا ما حكي عن بعض المالكية أن قياس قول مالك صحة الاستثناء بالنية من غير لفظ، وفي هذا الحديث جواز قول "لو" وقد جاء: ولولا في القرآن والسنة، وترجم البخاري على هذا باب ما يجوز من "لو" وأدخل فيه قول لوط ﵇ لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد. وقوله ﷺ : لو كنت راجمًا بغير بينة لرجمت هذه، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، وأمثال هذا، قال بعض العلماء: والذي يفهم من ترجمة البخاري، وما ذكره

стр. 2337

في الباب من القرآن والسنة، أنه يجوز استعمال لو، ولولا، فيما يكون للاستقبال، مما امتنع من فعله لامتناع غيره، وهو من باب الممتنع من فعله لوجود غيره، وهو من باب لولا، لأنه لم يدخل في الباب إلا ما هو للاستقبال، أو ما هو حق صحيح متيقين، كحديث: "لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، دون الماضي والمنقضي، أو ما فيه اعتراض على الغيب والقدر السابق، "وقد ثبت في صحيح مسلم" قوله ﷺ : "وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، وهذا إذا قاله على جهة الحتم والقطع بالغيب"، أنه لو كان كذا لكان كذا من غير ذكر مشيئة الله تعالى، والنظر إلى سابق قدره، وخفي علمه علينا، فأما من قاله على التسليم ورد الأمر إلى المشيئة فلا كراهة فيه. وأشار بعضهم إلى أن لولا تخالف، والظاهر أنهما سواء، إذا استعملنا فيما لم يحط به الإنسان علمًا، ولا هو داخل تحت مقدوره مما هو تحكم واعتراض على الغيب والقدر كقول المنافقين: ﴿لو أطاعونا ما قتلوا﴾ ﴿ولو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا﴾. ﴿ولَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ فمثل هذا هو المنهي عنه، وأما هذا الحديث الذي نحن فيه، فأخبر النبي ﷺ عن يقين بوحي، أن سليمان لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا، إذ ليس هذا مما يدرك بالظن والاجتهاد، وهو نحو قوله ﷺ "لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم" فلا تعارض بين هذا وبين حديث النهي عن لو، ولولا، قال الله تعالى: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ فكلما يكون من لو ولولا، مما يخبر به الإنسان عن علة امتناعه من فعله مما يكون فعله في قدرته، فلا كراهة فيه، لأنه إخبار حقيقة عن امتناع شيء لسبب شيء، أو حصول شيء لامتناع شيء (١). ٤٥٩٩ - أن رسول الله ﷺ قال: "كان زكريا نجارًا".

стр. 2338

قلت: رواه مسلم في المناقب وابن ماجه في التجارات من حديث أبي هريرة (١) ولم يخرجه البخاري، وفيه جواز الصناعة وأن النجارة لا تسقط المروءة، وأنها صنعة فاضلة، وفي زكريا خمس لغات: المد والقصر وزكرى بالتشديد والتخفيف وزكر كعلم. ٤٦٠٠ - قال رسول الله ﷺ : "أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الأولى والآخرة: الأنبياء إخوة من علّات، وأمهاتهم شتّى، ودينهم واحد، وليس بيننا نبيّ". قلت: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ومسلم في المناقب وأبو داود في السنة (٢). "وإخوة من علات": هو بفتح العين المهملة وتشديد اللام: أي أمهاتهم مختلفة وأبوهم واحد، أراد أن دينهم واحد وشرائعهم مختلفة، وأما الإخوة للأبوين فيقال لهم: أولاد الأعيان، ومعنى أولى الناس بعيسى: أخص به لما ذكره. ٤٦٠١ - عن النبي ﷺ قال: "كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعيه حين يولد، غير عيسى بن مريم، ذهب يطعن، فطعن في الحجاب". قلت: رواه البخاري بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة وفي مسلم معناه في المناقب. (٣) ٤٦٠٢ - عن النبي ﷺ قال: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء، إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام". قلت: رواه البخاري في مواضع منها أحاديث الأنبياء ومسلم والنسائي في المناقب والترمذي وابن ماجه في الأطعمة كلهم من حديث أبي موسى. (٤)

стр. 2339

من الحسان ٤٦٠٣ - قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: "كان في عماء، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، وخلق عرشه على الماء". قال يزيد بن هارون: العماء، أي ليس معه شيء. قلت: رواه الترمذي في التفسير وابن ماجه في السنة كلاهما (١) من حديث أبي رزين العقيلي وحسنه الترمذي، وسنده فيه متصل، وليس في رجاله إلا من روى له الشيخان أو مسلم خاصة، إلا وكيع بن عدس العقيلي، قال الذهبي: لا يعرف تفرد عنه يعلى بن عطاء، كذا قال في الميزان، وقال والكاشف: وثق، عدس: بضم العين والدال المهملتين (٢)، ويزيد بن هارون الذي نقل المصنف عنه هذا التفسير هو شيخ شيخ الترمذي أحد رواة هذا الحديث. قال ابن الأثير (٣): والعماء بالفتح والمد: هو السحاب. قال أبو عبيد (٤): لا ندري كيف كان ذلك العماء. وفي رواية "كان في عمى" بالقصر ومعناه ليس معه شيء، وقيل: هو كل أمر لا تدركه عقول بني آدم، ولا يبلغ كنهه الوصف والفطن، ولا بد في قوله "أين كان ربنا؟ " من مضاف محذوف كما حذف في قوله "هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ونحوه"، فيكون التقدير: "أين كان عرش ربنا؟ ". وقال الأزهري (٥): نحن

стр. 2340

نؤمن به ولا نكيفه بصفة أي نجري اللفظ على ما جاء عليه من غير تأويل انتهى كلام ابن الأثير، وهو يقتضي أن ما نقله المصنف عن يزيد بن هارون إنما هو على رواية القصر. ٤٦٠٤ - [زعم] أنه كان جالسًا في البطحاء في عصابة، ورسول الله ﷺ جالس فيهم، فمرت سحابة، فنظروا إليها، فقال رسول الله ﷺ : "ما تسمون هذه؟ " قالوا: السحاب، قال: "والمزن؟ " [قالوا: والمزن] قال: "والعنان؟ " قالوا: والعنان، قال: "هل تدرون ما بعد ما بين السماء والأرض؟ " قالوا: لا ندري، قال: "إن بعد ما بينهما إما واحدة وإما اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، والسماء التي فوقها كذلك، حتى عدّ سبع سماوات، ثم فوق السماء السابعة بحر، بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهن العرش، بين أسفله وأعلاه ما بين سماء إلى سماء، ثم الله تعالى فوق ذلك". قلت: رواه أبو داود وابن ماجه كلاهما في السنة والترمذي في التفسير ثلاثتهم من حديث العباس بن عبد المطلب، وقال الترمذي: حسن غريب، وروى شريك بعض هذا الحديث عن سماك فوقفه انتهى كلامه (١)، قال المنذري (٢): وفي إسناده الوليد بن أبي ثور: ولا يحتج بحديثه، وضعفه أحمد وغيره، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: ليس بشيء، كذاب، فالحديث ضعيف من هذا الطريق، ورواه الإمام أبو بكر بن خزيمة في

стр. 2341

كتاب التوحيد (١) من غير طريق الوليد ابن أبي ثور وهو قد التزم أنه لا يذكر فيه إلا ما صح من الأحاديث، ولكن في سنده أيضًا عبد الله بن عميرة عن الأحنف، وقال البخاري: لا يعرف له سماع من الأحنف، وعلى تقدير صحته فليس هذا القدر الذي ذكره ﷺ وله حينئذ وأن مسيرة ذلك خمس مائة عام كما جاء في بعض الأحاديث. "والأوعال": تيوس الجبل، واحدها "وعل" بكسر العين أي ثمانية ملائكة على صورة الأوعال (٢)، ثم الله فوق ذلك: أي حكمه وعظمته فوق العرش (٣). ٤٦٠٥ - قال: أتى رسول الله ﷺ أعرابي، فقال: جهدت الأنفس، وجاع العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك، فقال النبي ﷺ : "سبحان الله، سبحان الله" فما زال يسبّح، حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: "ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد، شأن الله أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما الله؟ إن عرشه على سماواته لهكذا -وأشار بأصابعه مثل القبة عليه-، لأنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب". قلت: رواه أبو داود وابن خزيمة في كتاب التوحيد (٤) كلاهما من حديث جبير بن مطعم، قال الإمام أبو بكر البزار (٥): هذ الحديث لا نعلمه يروي عن رسول الله ﷺ من

стр. 2342

وجه من الوجوه إلا من هذا الوجه، ولم يقل فيه محمد بن إسحاق حدثني يعقوب بن عتبة انتهى كلامه. يشير بذلك إلى أن محمد بن إسحاق مدلس وإذا قال المدلس: عن فلان، ولم يقل: حدثنا أو سمعت أو أخبرنا، لم يحتج بحديثه قال المنذري (١): وقد رواه يحيى بن معين وغيره ولم يذكر فيه لفظة "به" وقال الحافظ أبو القاسم الدمشقي (٢): وقد تفرد به يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس الثقفي عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم القرشي، وليس لهما في صحيح البخاري ولا في صحيح مسلم رواية، وانفرد به محمد بن إسحاق ابن يسار عن يعقوب وابن إسحاق لا يحتج بحديثه، وقد طعن فيه غير واحد من الأئمة، وكذبه جماعة منهم، فقال أبو بكر البيهقي (٣): والتشبيه بالقبة إنما وقع للعرش وهذا حديث تفرد به محمد بن إسحاق بن يسار عن يعقوب بن عتبة، وصاحبا الصحيح لم يحتجا بهما انتهى كلامه، وقد تأوله الأئمة على تقدير صحته، قال الخطابي (٤): معنى قوله: "أتدري ما الله". معناه: أتدري ما عظمة الله وجلاله، وأشار إلى أن ظاهر الحديث فيه نوع من الكيفية، والكيفية عن الله وعن صفاته منتفية، وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله وجلاله تنزه عن الكيف. ومعنى: إنه ليئط به قال ابن الأثير (٥): يعجز عن حمله (٦).

стр. 2343

٤٦٠٦ - عن رسول الله ﷺ قال: "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنيه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام". قلت: رواه أبو داود في السنة من حديث جابر بن عبد الله وسكت عليه أبو داود والمنذري (١). ٤٦٠٧ - أن رسول الله ﷺ قال لجبربل: "هل رأيت ربك؟ "، فانتفض جبريل، وقال: يا محمد إن بيني وبينه سبعين حجابًا من نور، لو دنوت من بعضها لاحترقت. قلت: لم أره في شيء من الكتب الستة ورواه أبو نعيم صاحب الحلية من حديث زرارة (٢). ٤٦٠٨ - قال رسول الله ﷺ : "إن الله خلق إسرافيل -منذ يوم خلقه- صافًّا قدميه، لا يرفع بصره، بينه وبين الرب ﵎ سبعون نورًا، ما منها من نور يدنو منه إلا احترق" (صح). قلت: رواه الترمذي من حديث ابن عباس والبيهقي في شعب الإيمان (٣) في أوائله في باب الإيمان بالملائكة من حديث عبد الله بن أسامة الكلبي قال: ثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى قال: ثنا ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس وذكر حديثًا مطولًا، هذا قطعة منه ثم قال البيهقي: يحتمل أن يريد بينه وبين عرش الرب سبعون نورًا. ٤٦٠٩ - أن النبي ﷺ قال: "لما خلق الله آدم وذريته، قالت الملائكة: يا رب خلقتهم يأكلون، ويشربون، وينكحون، ويركبون، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، قال الله تعالى: لا أجعل من خلقته بيدي، ونفخت فيه من روحي، كمن قلت له: كن، فكان". قلت: رواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث جابر بن عبد الله. (٤)

стр. 2344

[كتاب الفضائل والشمائل (١)] باب فضائل سيد المرسلين صلوات الله عليه وعلى آله أجمعين من الصحاح ٤٦١٠ - عن رسول الله ﷺ قال: "بعثت من خير قرون بني آدم: قرنًا فقرنًا، حتى كنت من القرن الذي كنت منه". قلت: رواه البخاري في صفة النبي ﷺ (٢) من حديث عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة يرفعه ولم يخرجه مسلم وقد تقدم القول في القرن في باب الأقضية والشهادات. ٤٦١١ - قال ﷺ : "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم". قلت: رواه مسلم والترمذي في المناقب (٣) من حديث واثلة بن الأسقع ولم يخرجه البخاري، وقد استدل أصحابنا بهذا الحديث على أن غير قريش من العرب ليس بكفؤ لهم ولا غير بني هاشم كفؤًا لبني هاشم إلا بني المطلب فإنهم هم وبنو هاشم شيء واحد كما صرح به الحديث الصحيح. - ويروى أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة".

стр. 2345

قلت: هذه الرواية عزاها ابن الأثير إلى الترمذي (١) خاصة فذكر الشيخ لها في الصحاح وهم (٢)، وهذه الرواية لما كانت في الترمذي على شرط مسلم وبرجاله توهم المصنف أنها في مسلم فذكرها في الصحاح. ٤٦١٢ - قال ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع". قلت: رواه مسلم في المناقب من حديث أبي هريرة ورواه أبو داود في السنة (٣) ولم يقل أبو داود: "يوم القيامة" ولم يخرج البخاري هذا الحديث، قال الهروي (٤): السيد هو الذي يفوق قومه في الخير، وقال غيره: هو الذي يفزع إليه في النوائب والشدائد فيقوم بأمرهم ويتحمل عنهم مكارههم ويدفعها عنهم، وأما تقييده: بيوم القيامة: مع أنه سيدهم في الدنيا والآخرة فلأن يوم القيامة يظهر السؤدد عيانًا لكل أحد ولا يبقى منازع ولا معاند، وهذا قريب من قوله تعالى: ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾ مع أن الملك له قبل ذلك لكن كان في الدنيا من يدعى الملك أو من يضاف إليه الملك مجازًا فانقطع كل ذلك في الآخرة. وهذا الحديث دليل لفضله ﷺ على الخلق كلهم لأن مذهب أهل السنة أن الآدميين أفضل من الملائكة وهو ﷺ أفضل الآدميين لهذا الحديث وغيره، وأما حديث: "لا تفضلوا بين الأنبياء" فعنه أجوبة (٥) والله أعلم. ٤٦١٣ - قال ﷺ : "أنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة". قلت: رواه مسلم في الإيمان من حديث أنس ولم يخرجه البخاري. (٦)

стр. 2346

٤٦١٤ - قال ﷺ : "آتي باب الجنة يوم القيامة، فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت، لا أفتح لأحد قبلك". قلت: رواه مسلم في الإيمان من حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس يرفعه. (١) ٤٦١٥ - وقال ﷺ : "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة". قلت: رواه مسلم في الإيمان من حديث أبي هريرة (٢) وبقية الحديث: "بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فاختلفوا فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه، هدانا الله له (قال: يوم الجمعة) فاليوم لنا، وغدًا لليهود، وبعد غد للنصارى". وروى البخاري في الصلاة معناه وليس في شيء من طرق البخاري لهذا الحديث: نحن أول من يدخل الجنة، وقد قدمه المصنف في صلاة الجمعة، ونحن الآخرون: يعني في الزمان، الأولون في فصل القضاء يوم القيامة، وقد فسره الحديث الذي بعده. ٤٦١٦ - قال ﷺ : "نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق". قلت: رواه مسلم في الصلاة من حديث أبي هريرة وحذيفة. (٣) ٤٦١٧ - قال ﷺ : "أنا أول شفيع في الجنة، لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدّقت، وإن من الأنبياء نبيًّا ما صدقه من أمته إلا رجل واحد". قلت: رواه مسلم في الإيمان من حديث أنس ولم يخرجه البخاري. (٤)

стр. 2347

٤٦١٨ - قال ﷺ : "مثلي ومثل الأنبياء، كمثل قصر أحسن بنيانه، ترك منه موضع لبنة، فطاف به النظار يتعجبون من حسن بنيانه، إلا موضع تلك اللبنة، لا يعيبون سواها، فكنت أنا سددت موضع تلك اللبنة، فتمّ بي البنيان وخُتم بي الرسل". قلت: هذا الحديث رواه الشيخان من حديث أبي هريرة البخاري (١) في صفة النبي ﷺ في فضائله ﷺ لكن هذا اللفظ ذكره المصنف بحروفه ليس في الصحيحين ولا في أحدهما، ولا ذكره الإمام عبد الحق في الجمع بين الصحيحين، وقد رواه الشيخان أيضًا من حديث جابر (٢) ورواه مسلم (٣) أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري ولم يخرج البخاري عن أبي سعيد في هذا شيئًا ولم أر في هذه الروايات كلها: كمثل قصر، بل: كمثل رجل بنى دارًا، وفي بعضها: بنى بيتًا، وفي بعضها: بنيانًا وفي بعضها بيوتًا وأما ذكره القصر فلم أره. ٤٦١٩ - وفي رواية: "فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين". قلت: رواه الشيخان (٤). ٤٦٢٠ - قال ﷺ : "ما من الأنبياء من نبي، إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة". قلت: رواه الشيخان: البخاري في فضائل القرآن وفي الاعتصام ومسلم في الإيمان والنسائي في التفسير وفي فضائل القرآن كلهم من حديث الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة (٥) يرفعه. والآيات: المراد بها المعجزات.

стр. 2348

ما مثله آمن عليه البشر، قال النووي (١): آمن بالمد وفتح الميم، ومثله: مرفوع، قال: وقد اختلف في معنى الحديث فقيل: إن كل نبي أعطي من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله، فآمن به البشر، وأما معجزتي العظيمة الظاهرة فهي القرآن الذي لم يعط أحد مثله فلهذا أرجو أن أكون أكثرهم تابعًا. ٤٦٢١ - قال ﷺ : "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة". قلت: رواه البخاري في الطهارة وفي الصلاة وفي الخمس ومسلم في الصلاة والنسائي في الطهارة. (٢) والرعب: الفزع والخوف. قوله ﷺ : وجعلت لي الأرض مسجدًا، قال في شرح السنة (٣): أراد أن أهل الكتاب لم يبح لهم الصلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، وأبيحت لأمته الصلاة حيث كانوا تخفيفًا عليهم. - ويُروى: عن أبي هريرة أنه ﷺ قال: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت بجوامع الكلم"، وذكر هذه الأشياء إلا الشفاعة، وزاد: "وختم بي النبيون". قلت: رواه مسلم (٤) في الصلاة من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، إلا ما أخرج منه من حديث جابر المتقدم.

стр. 2349

٤٦٢٢ - قال ﷺ : "بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم، رأيتني أتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت في يدي". قلت: رواه البخاري في التعبير ومسلم في الصلاة كلاهما عنه (أبي هريرة) قال البخاري (١): وبلغني أن جوامع الكلم أن الله يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين أو نحو ذلك انتهى. ومفاتيح خزائن الأرض: هو ما سهل الله تعالى له ﷺ ولأمته من افتتاح البلاد واستخراج كنوزها. ٤٦٢٣ - قال ﷺ : "إن الله زَوَى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإنّ أمتي سيبلغ ملكها ما زُوِي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاءً، فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا". قلت: رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه كلهم في الفتن من حديث ثوبان ولم يخرجه البخاري. (٢) وزوى لي الأرض: أي جمعها وقرب أطرافها، وزوى لي منها: قال الخطابي كلامًا حاصله (٣): أن مِنْ ههنا ليست للتبعيض كما توهمه بعض الناس إنما هي بيانية تقديره: وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي التي هي الأرض.

стр. 2350

قال ابن الأثير (١): الأحمر: ملك الشام، والأبيض: ملك فارس لبياض ألوانهم، ولأن الغالب على أموالهم الفضة، والغالب على أهل الشام الذهب، وألوانهم الحمرة. وقيل: خزائن كسرى وقيصر لأن الغالب على خزائن كسرى الذهب وقيصر الفضة. والسنة: القحط والجدب، وبيضتهم: مجتمعهم وموضع سلطانهم أي يهلكهم جمعهم، ومعنى لا أهلكهم بسنة عامة: لا أهلكهم بقحط يعمهم بل إن وقع قحط يكون في ناحية يسيرة بالنسبة إلى بلاد الإسلام، فلله الحمد والشكر على جميع نعمه، والضمير في أقطارها راجع إلى الأرض أي: ولو اجتمع عليهم من بجوانب الأرض. قوله: حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا ظاهر، فيقتضي ظاهر هذا الكلام أنه لا يسلط عليهم عدوهم فيستبيحهم إلا إذا كان منهم إهلاك بعضهم لبعض وسبي بعضهم لبعض (٢). ٤٦٢٤ - أن رسول الله ﷺ مر بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلًا ثم انصرف، فقال: "سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة: سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة، فأعطانيها، وسألته أن لا يُهلك أمتي بالغرق، فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها". قلت: رواه مسلم في الفتن من حديث سعد بن أبي وقاص ولم يخرجه البخاري. (٣) ومعنى: أن لا يهلك أمتي بالغرق لا يهلكهم جميعهم بطوفان كطوفان نوح حتى يغرق جميعهم، قال بعضهم: وهذا فيه بعد، ولعل هذا اللفظ كان: أن لا يهلك أمتي بالعدو فتصحف على بعض الرواة لقرب ما بينهما في اللفظ، ويدل على صحة ذلك أن هذا
следующие страницы →