← Книги сунны

Книги сунны · id 17063

كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح

الصدر المناوي

Полный текст (2 643 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

٤٦٨٤ - قالت: إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم، كان يحدث حديثًا، لو عده العاد لأحصاه. قلت: هذا الحديث قد روى القطعة الأولى منه وهي: لم يكن يسرد الحديث كسردكم، البخاري ومسلم وأبو داود (١) أما البخاري فغير متصل، قال فيه: وقال الليث: حدثني يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، ومسلم في فضائل أبي هريرة وأبو داود في العلم، وبقية الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود، البخاري في صفة النبي ﷺ ومسلم في آخر الكتاب وأبو داود في العلم كذا وقفت عليه، ولهذا المصنف في شرح السنة (٢) روى القطعة الأخيرة عن الشيخين، والقطعة الأولى روى معناها من طريق الترمذي. ٤٦٨٥ - سئلت عائشة ﵂ ما كان النبي ﷺ يصنع في ديته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله -تعني: خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة، خرج إلى الصلاة. قلت: رواه البخاري في الصلاة والترمذي في الزهد، والسائل لعائشة: الأسود بن يزيد. (٣) ٤٦٨٦ - قالت: ما خُيّر رسول الله ﷺ بين أمرين قط، إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكون إنّما، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها. قلت: رواه الشيخان وأبو داود، أما البخاري: ففي صفة النبي ﷺ وفي الأدب ومسلم في الفضائل وأبو داود في الأدب مختصرًا وسنده: مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، ومالك في الموطأ (٤).

стр. 2382

وفي هذا الاستحباب للأخذ بالأيسر والأرفق ما لم يكن حرامًا أو مكروهًا. قال عياض (١): ويحتمل أن يكون تخييره ﷺ هنا من الله تعالى فيخيره فيما فيه عقوبتان أو فيما بينه وبين الكفار عن القتال وأخذ الجزية أو في حق أمته من المجاهدة في العبادة أو الاقتصاد وكان يختار الأيسر في كل هذا. قال: وأما قولها: "ما لم يكن إثمًا" فيتصور إذا خيره الكفار والمنافقون، فأما إذا كان التخيير من الله تعالى أو من المسلمين فيكون الاستثناء منقطعًا. قولها: إلا أن تنتهك حرمة الله، استثناء منقطع، معناه: لكن إذا انتهكت حرمة الله انتصر لله تعالى وانتقم ممن ارتكب ذلك. وفي هذا الحديث الحث على الحلم والعفو واحتمال الأذى، والانتصار لدين الله ممن فعل محرمًا أو نحوه (٢). ٤٦٨٧ - قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ شيئًا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله. قلت: رواه مسلم في الفضائل والنسائي في عشرة النساء وابن ماجه في النكاح ولم يخرجه البخاري. (٣) ومعنى "وما نيل" وما أصيب بأذى من قول أو فعل، وفي الحديث أن ضرب الزوجة والخادم وإن كان مباحًا للتأديب فتركه أولى.

стр. 2383

من الحسان ٤٦٨٨ - قال: خدمت رسول الله ﷺ وأنا ابن ثمان سنين، خدمته عشر سنين، فما لامني على شيء قط أتي فيه على يديّ، فإن لامني لائم من أهله، قال: "دعوه، فإنه لو قُضي شيء كان". قلت: رواه البيهقي في شعب الإيمان في الباب الرابع في حسنه ﷺ من حديث أنس ورواه ابن حبان (١) مختصرًا، ولفظه: خدمت النبي ﷺ عشر سنين فما بعثني في حاجة لم تتهيأ إلا قال: لو قضي لكان أو لو قدر لكان. ٤٦٨٩ - قالت: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا، ولا متفحشًا، ولا سخابًا في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح. قلت: رواه الترمذي في البر والشمائل وقال: حسن صحيح (٢). ولا سخابًا: السَّخب والصَّخَب: بمعنى الصياح (٣). ٤٦٩٠ - عن النبي ﷺ : أنه كان يعود المريض، ويتبع الجنازة، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار، لقد رأيته يوم خيبر على حمار خطامه ليف. قلت: رواه الترمذي في الشمائل في باب تواضعه ﷺ وأبو القاسم عبد الله ابن محمد البغوي وأبو بكر البيهقي في دلائل النبوة في شمائله وأخلاقه ﷺ كلهم من حديث مسلم أبي عبد الله الأعور عن أنس (٤) "ومسلم الأعور" قال الذهبي: واه.

стр. 2384

٤٦٩١ - قالت: كان رسول الله ﷺ يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته. قلت: رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه والبيهقي في دلائل النبوة والمصنف في شرح السنة كلهم من حديث عروة عن عائشة. (١) ويخصف نعله: أي يطبق طاقة على طاقة، وأصل الخصف: الضم والجمع. ومنه قوله تعالى: ﴿وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ أي يطبقان ورقة ورقة على بدنهما (٢). ٤٦٩٢ - وقالت: كان رسول الله ﷺ بشرًا من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته ويخدم نفسه. قلت: رواه الترمذي في الشمائل في تواضعه ﷺ عن البخاري، وابن حبان في صحيحه والبيهقي في دلائل النبوة كلهم من حديث عائشة. (٣) ٤٦٩٣ - قيل لزيد بن ثابت: حدثنا أحاديث رسول الله ﷺ قال: كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي، بعث إلي فكتبته له، وكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، فكل هذا أحدثكم عن رسول الله ﷺ .

стр. 2385

قلت: رواه الترمذي في الشمائل عن عباس الدوري (١) عن القري عن ليث بن سعد، حدثني أبو عثمان الوليد بن أبي الوليد عن سليمان بن خارجة بن زيد ثابت عن أبيه خارجة قيل لزيد بن ثابت .. وساقه. ٤٦٩٤ - أن رسول الله ﷺ كان إذا صافح الرجل، لم ينزع يده حتى يكون هو الذي ينزع يده، ولا يصرف وجهه عن وجهه، حتى يكون هو الذي يصرف وجهه عن وجهه، ولم يُر مقدمًا ركبتيه بين يدي جليس له. قلت: رواه الترمذي في الزهد وابن ماجه في الأدب والبيهقي في دلائل النبوة في ذكر شمائل النبي (٢) ﷺ وأخلاقه، كلهم من حديث زيد العمي عن أنس، وزيد العمي قاضي هراة قال الذهبي: فيه ضعف، ويجوز أن يكون تقديم الركبتين كناية عن مد الرجلين أي لا يمد رجليه بحضرة جليسه. ٤٦٩٥ - أن النبي ﷺ كان لا يدخر شيئًا لغد. قلت: رواه الترمذي في الزهد بسند جيد (٣) وهو عن قتيبة بن سعيد عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس وقال: غريب، قال: وقد روي هذا عن جعفر عن ثابت عن النبي ﷺ مرسل. ٤٦٩٦ - قال: كان رسول الله ﷺ طويل الصمت.

стр. 2386

قلت: رواه المصنف في شرح السنة من حديث أبي القاسم البغوي عن علي بن الجعد عن قيس بن الربيع عن سماك بن حرب عن جابر ورواه البيهقي في دلائل النبوة في حديث (١) طويل من حديث وائل بن أبي هالة وقال فيه: كان النبي ﷺ طويل السكوت. ٤٦٩٧ - قال: كان في كلام رسول الله ﷺ ترتيل وترسيل. قلت: رواه أبو داود في الأدب وفي سنده مسعر بن كدام سمعت شيخًا من المسجد يقول سمعت جابرًا، والشيخ: مجهول. (٢) قال ابن الأثير (٣): ترسل القراءة التأني فيها والتمهل، وتبيين الحروف والحركات ويقال: ترسل الرجل في كلامه ومشيه إذا لم يعجل والترسيل والترسل سواء. ٤٦٩٨ - قالت: ما كان رسول الله ﷺ يسرد سردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام بينه فصل، يحفظه من جلس إليه. قلت: رواه الترمذي في المناقب وقال: حسن صحيح. (٤) ومعناه: ما كان يتابع الكلام ويستعجل فيه وهو قريب من معنى الحديث الذي قبله، وانتصب "سردكم" على أنه مفعول مطلق نوعي أي: مثل سردكم. ٤٦٩٩ - قال: ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله ﷺ . قلت: رواه الترمذي في المناقب عن عبد الله بن الحارث وفي سنده: عبد الله ابن لهيعة، ورواه أحمد أيضًا وفي لفظ له "ما رأيت النبي ﷺ قط إلا مبتسمًا". (٥)

стр. 2387

٤٧٠٠ - قال: "كان رسول الله ﷺ إذا جلس يتحدث، يكثر أن يرفع طَرْفه إلى السماء". قلت: رواه أبو داود في الأدب والبيهقي في الدلائل من حديث عبد الله بن سلام وفي سندهما: محمد بن إسحاق (١). وسلام: بفتح السين المهملة. وتخفيف اللام. باب المبعث وبدء الوحي من الصحاح ٤٧٠١ - قال: بعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة. قلت: رواه الشيخان: البخاري في الهجرة ومسلم في المناقب واللفظ للبخاري. (٢) قال النووي في شرح مسلم (٣): أصح الروايات وأشهرها في سِنّه ﷺ أنه ثلاث وستون. والثانية: ستون سنة، والثالثة: خمس وستون سنة، وهاتان الروايتان قد أولتا فرواية "ستين" اقتصر فيها على العقود، وترك الكسر ورواية "الخمس" متأولة أو حصل فيها اشتباه، وقد أنكر عروة على ابن عباس قوله "خمس وستون" ونسبه إلى الغلط، وهذا الحديث يؤيد ما اتفقوا عليه من كونه ﷺ كانت إقامته بالمدينة عشر سنين، وبمكة قبل النبوة أربعين سنة، وأن الصحيح أن إقامته ﷺ بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة، ورويت رواية شاذة أنه إنما بعث على رأس ثلاث وأربعين سنة، وولد ﷺ عام الفيل

стр. 2388

على الصحيح، واتفقوا على أنه يوم الإثنين في شهر ربيع الأول. واختلفوا [في يوم الولادة من الشهر] فقيل: ثانيه وقيل: ثامنه وقيل: عاشره وقيل: ثاني عشرة. ٤٧٠٢ - قال: أقام رسول الله ﷺ بمكة خمس عشرة سنة، يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين، ولا يرى شيئًا، وثماني سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشرًا. قلت: رواه مسلم في المناقب. (١) قال عبد الحق: ولم يخرج البخاري من هذا الحديث إلا: ذكر الإقامة بالمدينة. قوله: يسمع الصوت ويرى الضوء، قال عياض (٢): أي صوت الهاتف به من الملائكة. ويرى الضوء: أي نور الملائكة ونور آيات الله تعالى حتى رأى الملك بعينه وشافهه بآيات الله تعالى (٣). ٤٧٠٣ - ويُروى عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ توفي وهو ابن خمس وستين سنة. قلت: هذه الرواية من الحديث الأول رواها مسلم في المناقب. (٤) ٤٧٠٤ - ويُروى عن ربيعة عن أنس قال: توفّاه الله على رأس ستين سنة. قلت: روى الشيخان هذه الرواية في حديث طويل عن أنس البخاري في صفة النبي ﷺ ومسلم في المناقب. (٥) ٤٧٠٥ - قال: قبض رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة، وعمر وهو ابن ثلاث وستين سنة. قلت: رواه مسلم في المناقب ولم يخرجه البخاري. (٦)

стр. 2389

قال محمد بن إسماعيل: ثلاث وستين أكثر. ومحمد بن إسماعيل هو البخاري. ٤٧٠٦ - قالت: أول ما بُدِيءَ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنّث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: "ما أنا بقارئ" قال: "فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأ كرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة"، فقال: "زملوني زملوني" فزملوه حنى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة، وأخبرها الخبر: "لقد خشيت على نفسي" فقالت خديجة: كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا: إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل -ابن عم خديجة- فقالت له: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ "أو مخرجي هم؟ "، قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، كان يدركني يومك، أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي، حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا حزنًا، غدا منه مرارًا كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذِروة جبل لكي يلقي نفسه منه، تبدّى له جبريل، فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًّا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه.

стр. 2390

قلت: هذا الحديث من أوله إلى قوله "نصرًا مؤزرًا" رواه الشيخان: البخاري (١) في أول الكتاب، وفيه "ثم لم ينشب ورقة إلى أن توفي وفتر الوحي" ومسلم في كتاب الإيمان، وأعاده البخاري في الرؤيا وزاد في آخره "وفتر الوحي، حتى حزن النبي ﷺ " إلى آخر الحديث، وهذا الحديث من مراسيل الصحابة، فإن عائشة ﵂ لم تدرك هذه القصة فتكون سمعتها من النبي ﷺ أو من صحابي، ومراسيل الصحابة حجة عند جميع العلماء إلا ما انفرد به الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني. قولها "من" الوحي في "من" قولان أحدهما: أنها لبيان الجنس. والثاني: للتبعيض (٢). وفلق الصبح: بفتح الفاء واللام ضياؤه. والخلاء: بالخاء المعجمة ممدودة هي الخلوة وهي شأن الصالحين. قال الخطابي (٣): حبب إليه العزلة ﷺ لأن معها فراغ القلب وهي معينة على التفكر وبها تنقطع مألوفات النفس ويتخشع قلبه. والغار: الكهف في الجبل. وحراء: بكسر الحاء وتخفيف الراء وبالمد مصروف مذكر على الصحيح. وحكي فيه التأنيث فمن ذكره صَرَفه ومن أنثه لم يصرفه، وحكى بعضهم فيه فتح الحاء والقصر وهو ضعيف. والتحنث: بالحاء المهملة والنون والمثلثة التعبد وأصل الحنث: الإثم فمعنى يتحنث: يجتنب الإثم (٤).

стр. 2391

والليالي ذوات العدد: متعلق بيتحنث لا بالتعبد، ومعناه: يتحنث الليالي، ولو جعل متعلقًا بالتعبد فسد المعنى، فإن التعبد لا يشترط فيه الليالي بل يطلق على القليل والكثير، وهذا التفسير اعتراض بين كلام عائشة وإنما كلامها "فيتحنث الليالي ذوات العدد" (١). "وقبل أن ينزع": بفتح الياء آخر الحروف وكسر الزاي أي قبل أن يشتاق إلى أهله، يقال: "نزع بالفتح ينزع: بالكسر" إذا اشتاق ويتردد لذلك، يجوز أن تكون الإشارة إلى التحنث، وأن يكون إلى ينزع وأن يكون إلى الخلاء. قوله ﷺ : "ما أنا بقارئ" معناه: لا أحسن القراءة، فما نافية، ومنهم من جعلها استفهامية، وضعّفوه بإدخال الباء في الخبر. وغطني: بالغين المعجمة والطاء المهملة ومعناه: عصرني وضمني، يقال: غطه وعصره بمعنى واحد والجهد يجوز فيه فتح الجيم وضمها لغتان، وهو الغاية والمشقة، ويجوز نصب الدال ورفعها، فعلى النصب: بلغ جبريل مني الجهد، وعلى الرفع: بلغ الجهد مني مبلغه وغايته (٢). وأرسلني: أي أطلقني، وفيه دليل على أنه أول ما نزل من القرآن: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ وهذا هو الصحيح، وقيل: ﴿يا أيها المدثر﴾ (٣)، ويرجف: أي يرعد ويضطرب. وزملوني زملوني: كذا هو في الروايات مكرر مرتين، ومعناه: غطوني بالثياب ولفوني بها. والروع: بفتح الراء وهو الفزع.

стр. 2392

وكلا: هنا كلمة نفي وإبعاد، وهذا أحد معانيها، وقد تأتي كلا بمعنى حقًّا وبمعنى ألا التي للتنبيه يستفتح بها الكلام. ولا يخزيك: بضم الياء وبالخاء المعجمة، وفي رواية معمر يحزنك بالحاء المهملة والنون ويجوز فتح الياء في أوله وضمها، وكلاهما صحيح، والخزي: الفضيحة والهوان، وقد تقدم الكلام في صلة الأرحام في باب البر والصلة. والكل: بفتح الكاف أي الثقل. وتكسب المعدوم: بفتح التاء، هذا على الصحيح المشهور، ورواه بعضهم: بضمها قال ثعلب والخطابي وغيرهما (١): يقال: كسبت الرجل مالًا وأكسبته مالًا لغتان أفصحهما: كسبت بحذف الألف، ومعناه: على رواية الضم: تكسب غيرك المال المعدوم، أي تعطيه إياه تبرعًا فحذف أحد المفعولين، وقيل معناه: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد. وأما رواية الفتح فقيل معناها كمعنى الضم، وقيل معناها: تكسب المال المعدوم وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله (٢). "وتقري الضيف" هو بفتح التاء. و"نوائب الحق" جمع نائبة، وهي الحادثه، وإنما قالت نوائب الحق: لأن النائبة قد تكون في الخير وقد تكون في الشر. وورقة: هو ابن عم خديجة حقيقة، لأنه ورقة بن نوفل بن أسد، وهي خديجة بن خويلد بن أسد، وقد سمته في بعض الروايات عمًا مجازًا للإحترام، وهذه عادة العرب في آداب خطابهم، يخاطب الصغير الكبير بيا عم إكرامًا له ورفعًا لمرتبته (٣).

стр. 2393

والناموس (١): بالنون والسين المهملة وهو جبريل ﵇، وهو صاحب سر الخير، والجاسوس: صاحب سر الشر، واتفقوا على أن جبريل ﵇ يسمى الناموس، واتفقوا على أنه المراد هنا، قيل سمي بذلك لأن الله تعالى خصه بالغيب والوحي. وأما قوله: "الذي أنزل على موسى ﵇" فكذا هو في الصحيحين وغيرهما وهو المشهور، وقد جاء في غير الصحيحين على عيسى وكلاهما صحيح. قوله: يا ليتني فيها جذعًا، الضمير في "فيها" يعود إلى أيام النبوة ومدتها. وجذعًا: يعني شابًّا قويًّا حتى أبالغ في نصرتك، والأصل في الجذع للدواب، وهو هنا استعارة، والرواية المشهورة في الصحيحين وغيرهما جذعًا بالنصب، وفي بعض الروايات في الصحيحين أيضا جذع بالرفع، وهي ظاهرة الإعراب، وأما النصب فاختلفوا في وجهه: فقال الخطابي والمازري (٢): نصب على أنه خبر كان المحذوفة تقديره: يا ليتني أكون فيها جذعًا، وهذا على مذهب الكوفيين، وقال المحققون: الظاهر أنه منصوب على الحال، وخبر "ليت" فيها، وهو إعراب ظاهر. أو مخرجيّ هم: هو بفتح الواو وتشديد الياء هكذا الرواية، ويجوز تخفيف الياء والصحيح المشهور تشديدها، وهو جمع مخرج، فالياء الأولى ياء الجمع والثانية ضمير المتكلم، وفتحت للتخفيف لئلا يجتمع الكسرة والياءان بعد كسرتين. قوله: وإن يدركني يومك أنصرك: أي وقت خروجك، وإظهار الدعوة، أو وقت إرادة قومك إخراجك. قوله: "نصرًا مؤزرًا" بفتح الزاي وبهمزه قبلها أي قويًّا بالغًا.

стр. 2394

قولها: "ثم لم ينشب ورقة أن توفي" أي لم يعلق بشيء قبله ولم يشتغل بسواه، قال الجوهري (١): يقال: نشب بالكسر ينشب نشوبًا أي علق فيه، وأنشبته أنا أعلقته. وفتره الوحي احتباسه، وعدم تتابعه وتوليه في النزول. قولها: كلما أوفى، بذروة جبل أي أشرف واضطلع. ومعنى فيسكن لذلك جأشه: روع قلبه قال الجوهري (٢): جأش القلب: هو رُواعه إذا اضطرب عند الفزع (٣). ٤٧٠٧ - إنه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي،: "فبينا أنا أمشي، سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجئثت منه رعبًا، حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زملوني زملوني، فزملوني، فأنزل الله: ﴿يا أيها المدثر﴾ إلى قوله: ﴿فاهجر﴾ ثم حمي الوحي وتتابع". قلت: رواه البخاري في مواضع منها في التفسير وفي بدء الوحي ومسلم في الإيمان والترمذي والنسائي كلاهما في التفسير كلهم من حديث أبي سلمة عن جابر بن عبد الله. (٤) وجئثت: بجيم مضمومة ثم همزة مكسورة ثم مثلثة ساكنة ثم تاء الضمير، وفي رواية بعد الجيم مثلثتان أي فزعت وخفت، ورعبًا مفعول من أجله فإن الفزع انقباض يعتري الإنسان بسبب خوف أو إصابة.

стр. 2395

قوله ﷺ : حتى هويت إلى الأرض، هكذا في الرواية هويت وهو الصحيح، يقال: هوى إلى الأرض وأهوى إليها أي سقط، وقد غلط وجهل من أنكر هوى وزعم أنه لا يقال إلا أهوى. وحمي وتتابع: هما بمعنى، فأكد أحدهما بالآخر، ومعنى "حمي" أكثر نزوله وازداد، ومن قولهم: "حميت النار والشمس" أي كثرت حرارتها (١). ٤٧٠٨ - قالت: أن الحارث بن هشام ﵁ سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : "أحيانًا، يأتيني مثل صلصلة الجرس -وهو أشد عليّ- فيفصم عني، وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني، فأعي ما يقول"، قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصَّد عَرَقًا. قلت: رواه البخاري في أول الكتاب واللفظ له ومسلم في المناقب والترمذي ومالك في الموطأ كلهم من حديث عائشة. (٢) والأحيان: الأزمان، ويقع على القليل والكثير، ومثل صلصلة الجرس: هو بنصب مثل، وأما صلصلة: فبفتح الصادين، فهي الصوت المتدارك، قال الخطابي: معناه أنه صوت متدارك، يسمعه ولا يثَبته أول ما يقرع سمعه حتى يفهمه من بعد ذلك قال العلماء: والحكمة في ذلك أن يتفرغ سمعه ﷺ ولا يبقى فيه ولا في قلبه مكان لغير صوت الملك. "ووعيت": هو بفتح العين، معناه "جمعت وفهمت"، "ويفصم" بفتح الياء المثناة من تحت وإسكان الفاء وكسر الصاد المهملة أي يقلع وينجلي ما يتغشاه منه.

стр. 2396

قال الخطابي: قال العلماء: الفصم هو القطع من غير إبانة، وأما القصم بالقاف فقطع مع الإبانة والانفصال: ومعنى الحديث: أن الملك يفارق على أن يعود ولا يفارقه مفارقة قاطع لا يعود، وروي هذا الحرف أيضًا يفصم بضم الياء وفتح الصاد على ما لم يسم فاعله، وروي بضم الياء وكسر الصاد على أنه أفصم يفصم رباعي، وهي لغة قليلة، قال العلماء: ذكر في هذا الحديث حالين من أحوال الوحي هما: مثل صلصلة الجرس، وتمثل الملك رجلًا، ولم يذكر الرؤيا في النوم وهي من الوحي، لأن مقصود السائل بيان ما يختص به النبي ﷺ ويخفى، فلا يعرف إلا من جهته، وأما الرؤيا فمشتركة معروفة (١). "ويتفصد عرقًا" أي يسيل. ٤٧٠٩ - قال: كان رسول الله ﷺ إذا أنزل عليه الوحي، كُرب لذلك وتربَّد وجهه. قلت: رواه مسلم في المناقب من حديث عبادة بن الصامت ولم يخرجه البخاري (٢). وكرب: بضم الكاف وكسر الراء، وتربد: معناه: تغير وصار كلون الرماد. - وفي رواية: نكس رأسه، ونكس أصحابه رؤوسهم، فلما أتلي عنه رفع رأسه. قلت: رواها مسلم (٣) من حديث عبادة، ولم يخرجها البخاري. وأتلي عنه رفع رأسه: بمثناة من فوق ساكنة ولام وياء كذا هو في معظم نسخ مسلم ومعناه: ارتفع عنه الوحي ووقع في بعض نسخ مسلم "أجلي" بالجيم وفي بعضها "انجلى" ومعناهما أرسل عنه وزال عنه (٤). ٤٧١٠ - قال: لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، خرج النبي ﷺ حتى صعد الصفا، فجعل ينادي: "يا بني فهر يا بني عدي"، لبطون قريش حتى اجتمعوا،

стр. 2397

فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج، أرسل رسولًا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش، فقال: "أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلًا تخرج من سفح هذا الجبل -وفي رواية: أن خيلًا تخرج بالوادي- تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ " قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: "فإني نذير لكم بين يديْ عذاب شديد" قال أبو لهب: تبًّا لك ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾. قلت: الحديث والرواية رواهما الشيخان: البخاري في مناقب قريش واللفظ له ومسلم في الإيمان، ورواه البخاري أيضًا في التفسير في سورة سبأ والترمذي والنسائي في التفسير أيضًا. (١) وسفح الجبل: بفتح السين أسفله، وقيل: عرضه. ومصدقي: بتشديد الدال والياء، وأبو لهب: بفتح الهاء وإسكانها وقرىء بهما. ٤٧١١ - قال: بينما رسول الله ﷺ قائمًا يصلي عند الكعبة، وجمع قريش في مجالسهم، إذ قال قائل: أيكم يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى فَرْثها ودمها، وسلاها، ثم يمهله حتى إذا سجد، وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم، فلما سجد وضعه بين كتفيه، وثبت النبي ﷺ ساجدًا، فضحكوا حتى مال بعضهم على بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة ﵂ [فأخبرها]، فأقبلت تسعى، وثبت النبي ﷺ ساجدًا، حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: "اللهم عليك بقريش"، ثلاثًا، وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا، "اللهم عليك بعمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلاف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة ابن الوليد". قال عبد الله: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سُحبوا إلى القليب -قليب بدر- ثم قال رسول الله ﷺ : "وأتبع أصحاب القليب لعنة".

стр. 2398

قلت: رواه البخاري في مواضع منها: الطهارات والجزية، ومسلم في المغازي، والنسائي في الطهارة كلهم من حديث عبد الله بن مسعود. (١) والفرث: بالفاء المفتوحة وسكون الراء المهملة والثاء المثلثة: السرجين ما دام في الكرش، والسلا: بفتح السين المهملة وتخفيف اللام مقصور وهو الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن الناقة وسائر الحيوان، وهي في الآدمي المشيمة. وأشقاهم: هو عقبة بن أبي معيط كما جاء مصرحًا به في بعض الروايات. وفي هذا الحديث إشكال، فإنه يقال: كيف استمر في الصلاة مع وجود النجاسة على ظهره؟ وأجاب بعض المالكية بأن هذا ليس بنجس، قال: لأن الفرث ورطوبة البدن طاهران وهذا [السلا] من ذلك، وإنما النجس الدم، وهذا الجواب يجيء على مذهبهم ومن وافقهم: أن روث ما يؤكل لحمه طاهر، ومذهبنا ومذهب الحنفية نجاسته، وهذا الذي قاله: باطل، لأنه وإن كان الفرث طاهرًا فهو من ذبيحة عباد الأوثان، فجميع أجزاء هذا الجزور نجس من حيث أنه لا ينفك من الذم في العادة، ولأنه ذبيحة عباد الأوثان فهو نجس، وكذلك أجزاء هذا الجزور، وإنما الجواب المرضي: أنه ﷺ لم يعلم ما وضع على ظهره فاستمر [في سجوده] استصحابًا للطهارة. والقليب: هي البئر التي لم تطو، وإنما وضعوا في القليب تحقيرًا [لهم] ولئلا يتأذى الناس برائحتهم، واعترض بعضهم على هذا الحديث في قوله: رأيتهم صرعى ببدر، ومعلوم أن أهل السير قالوا إن عمارة بن الوليد وهو أحد السبعة كان عند النجاشي، فاتهمه في حرمه وكان جميلًا فنفخ في إحليله سحرًا، فهام مع الوحوش في بعض جزائر الحبشة [فهلك]. والجواب: أن المراد أنه رأى أكثرهم بدليل أن عقبة بن أبي معيط منهم ولم يقتل ببدر، بل حمل منها أسيرًا، وإنما قتله النبي ﷺ صبرًا بعد انصرافه من بدر (٢).

стр. 2399

٤٧١٢ - أنها قالت: يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، [فنظرت] فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال، وسلّم علي، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، إن شئت أن أُطْبق عليهم الأخشبين، فقال رسول الله ﷺ : "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا". قلت: رواه الشيخان: البخاري ومسلم في المغازي من حديث عائشة (١). قوله ﷺ : "فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب": أي لم أفطن لنفسي وأنتبه لحالي وللموضع الذي أنا ذاهب إليه، وفيه: إلا وأنا عند قرن الثعالب لكثرة الهم الذي كنت فيه. وقرن الثعالب: بسكون الراء وهو قرن المنازل ميقات أهل نجد، وهو على مرحلتين من مكة بين مكة والطائف. والقرن: الجبل الصغير. والأخشبين: هما بفتح الهمزة وبالخاء والشين المعجمتين تثنية الأخشب، وهو الجبل الغليظ، "وأخشبا مكة" جبلاها المطيفان بها، وهما: أبو قبيس والأحمر وهو جبل مشرف على قُعيقعان (٢). ٤٧١٣ - أن رسول الله ﷺ كُسرت رباعيته يوم أحد، وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه، ويقول كيف: "يفلح قوم شجوا نبيهم، وكسروا رباعيته".

стр. 2400

قلت: رواه مسلم في المغازي (١) وبقية الحديث وهو "يدعوهم، فأنزل الله : ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ " والترمذي والنسائي في التفسير وابن ماجه في الفتن ولم يخرجه البخاري وكلهم رووه من حديث أنس. ورباعيته: بتخفيف الياء وهي السن التي تلي الثنية من كل جانب وللإنسان أربع رباعيات. ويسلت: بفتح الياء المثناة من تحت وسكون السين المهملة وضم اللام وبالتاء المثناة من فوق أي يلقي. ٤٧١٤ - قال: قال رسول الله ﷺ : "اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه -يشير إلى رباعيته- اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله". قلت: رواه الشيخان كلاهما في المغازي (٢) من حديث أبي هريرة، قيل: إن ذلك الرجل الذي قتله رسول الله ﷺ وهو في سبيل الله هو: أبي بن خلف. باب علامات النبوة من الصحاح ٤٧١٥ - إن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمهُ وأعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أُمّه -يعني:

стр. 2401

ظئره- فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس ﵁: فكنت أرى أثر المِخْيط في صدره. قلت: رواه مسلم في الإيمان من حديث أنس (١)، واختصره النسائي، ولم يخرجه البخاري، والطست: بفتح الطاء وإسكان السين، هي إناء معروف وهو مؤنثة وحكي كسر الطاء، ويقال فيها: طس بتشديد السين وحذف التاء، وطسة، وجمعها طساس وطسوس وطسات، ولأمه: بفتح اللام وبعدها همزة على وزن ضربه، ومعناه: جمعه وضم بعضه إلى بعض، وظئره: بكسر الظاء المعجمة وبعدها همزة ساكنة وهي المرضعة، ويقال أيضًا: لزوج المرضعة ظِئر. ومتنقع اللون: متغيره وهو بفتح القاف، قال أهل اللغة: امتقع لونه فهو ممتقع وانتقع فهو منتقع، وابتقع فهو مبتقع فيه ثلاث لغات، والقاف مفتوحة فيهن، قال الجوهري (٢): والميم أفصح والمخيط: بكسر الميم وإسكان الخاء وفتح الياء وهو الإبرة (٣). ٤٧١٦ - قال رسول الله ﷺ : "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن". قلت: رواه مسلم والترمذي كلاهما في المناقب من حديث جابر ولم يخرجه البخاري. (٤)

стр. 2402

٤٧١٧ - قال: إن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم القمر شِقّتين، حتى رأوا حراء بينهما. قلت: رواه البخاري في علامات النبوة ومسلم في التوبة كلاهما من حديث أنس (١) وانشقاق القمر: من أمهات معجزات نبينا ﷺ ، وقد رواه جماعة من الصحابة مع ظاهر الآية الكريمة وسياقها. ٤٧١٨ - قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله ﷺ : "اشهدوا". قلت: رواه الشيخان: البخاري في علامات النبوة، ومسلم في التوبة من حديث ابن مسعود. (٢) ٤٧١٩ - قال أبو جهل: هل يعفّر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي- زعم ليطأ على رقبته، فما فجئهم منه، إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار، وهولًا، وأجنحة فقال رسول الله ﷺ : "لو دنا لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا". قلت: رواه مسلم في التوبة من حديث أبي هريرة (٣) ولم يخرجه البخاري. قوله: زعم ليطأ: "هو بفتح اللام وهي لام تأكيد، قوله: فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه": أي: فما أتاهم فجأة إلا وهو يرجع القهقرى، والهول: الخوف والأمر الشديد، والخطف: استلاب الشيء وأخذه بسرعة (٤).

стр. 2403

٤٧٢٠ - قال: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتى إليه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: "يا عدي هل رأيت الحيرة؟ [قال: نعم، قال:] فإن طالت بك حياة، فلترينّ الظعينة ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدًا إلا الله، ولئن طالت بك حياة، لتفتحن كنوز كسرى، ولئن طالت بك حياة، لترى الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه، فلا يجد أحدًا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم [يوم القيامة] يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، فليقولن: ألم أبعث إليك رسولًا فيبلغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالًا وأُفضِل عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه، فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره، فلا يرى إلا جهنم، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد، فبكلمة طيبة". قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة، لترون ما قال النبي أبو القاسم ﷺ : "يخرج ملء كفه" (١). قلت: رواه البخاري في علامات النبوة من حديث عدي بن حاتم وليس في مسلم. والحيرة: بكسر الحاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحت وفتح الراء المهملة البلد القديم بظهر الكوفة. والظعينة: المرأة قيل لها ذلك لأنها تظعن مع الزوج حيثما ظعن. ٤٧٢١ - قال النبي ﷺ : "يهلك كسرى، ثم لا كسرى بعده، وقيصر ليهلكن، ثم لا يكون قيصر بعده، ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله". قلت: رواه البخاري في الجهاد ومسلم في الفتن والترمذي كلهم (٢) من حديث أبي هريرة، قال البغوي (٣): وقد روي أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام،

стр. 2404

فمزق كتابه، فقال النبي ﷺ : "تمزق ملكه، وكتب إلى قيصر، فأكرم كتابه، ووضعه في مسك"، فقال النبي ﷺ : "ثبت ملكه" (١)، ووجه الجمع بين الحديثين أن كسرى تمزّق ملكه فلم يبق له ملك، وأنفقت كنوزه في سبيل الله، وأورث الله المسلمين أرضه، وقيصر ثبت ملكه بالروم، وانقطع عن الشام، واستحلت خزائنه التي كانت بهما وأنفقت في سبيل الله، فمعنى قوله ﷺ "لا قيصر بعده" يعني بالشام. ٤٧٢٢ - وقال ﷺ : "ليفتتحن عصابة من المسلمين كنز آل كسرى الذي في الأبيض". قلت: رواه مسلم في الفتن (٢) من حديث جابر بن سمرة. والأبيض: قصر كان لكسرى. ٤٧٢٣ - قال: شكونا إلى النبي ﷺ وهو متوسّد بردة في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه، قال: "كان الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع فوق رأسه، فيشق باثنين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد، ما دون لحمه من عظم وعصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمّن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون". قلت: رواه البخاري في الإكراه وفي علامات النبوة وفي مبعث النبي ﷺ وأبو داود في الجهاد، والنسائي في العلم ثلاثتهم من حديث خباب بن الأرت ولم يخرجه مسلم. (٣) ٤٧٢٤ - قال: كان رسول الله ﷺ يدخل على أم حرام بنت ملحان، وكانت تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها يومًا، فأطعمته، ثم جلست تفلي رأسه، فنام رسول الله ﷺ ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: "

стр. 2405

ناس من أمتي، عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر، ملوك على الأسرّة أو مثل الملوك على الأسرة"، فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ وهو يضحك، فقلت: يا رسول الله وما يضحكك؟ قال: "ناس من أمتي، عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله"، كما قال في الأولى، فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: "أنت من الأولين"، فركبت أم حرام البحر في زمن معاوية، فصُرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت. قلت: رواه الشيخان والترمذي والنسائي وأبو داود كلهم في الجهاد، ورواه البخاري (١) أيضًا في غير الجهاد كلهم من حديث إسحاق بن عبد الله عن أنس قال أبو داود: وماتت بنت ملحان بقبرص، وأم حرام: بحاء مهملة مفتوحة وراء بعدها ألف ثم ميم، بنت ملحان: بحاء مهملة وهو من بني عدي بن النجار، وهي أخت أم سليم، وخالة أنس بن مالك، قال العلماء: وكانت محرمًا لسيدنا رسول الله ﷺ ، واختلفوا في كيفية ذلك، فقال ابن عبد البر (٢): كانت إحدى خالاته ﷺ من الرضاع، وقال آخرون: بل كانت خالة لأبيه أو لجده، لأن عبد المطلب كانت أمه من بني النجار. وثبج البحر: بثاء مثلثة ثم باء موحدة مفتوحتين ثم جيم وهو ظهره ووسطه، قوله ﷺ : "على الأسرة" قيل معناه في الآخرة، والصحيح في الدنيا أي يركبون مراكب الملوك لسعة حالهم. ٤٧٢٥ - قال: إن ضِمادًا قدم مكة -وكان من أزد شنوءة وكان يرقي من هذه الريح- فسمع سفهاء أهل مكة يقولون: إن محمدًا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل، لعل الله يشفيه على يديّ، قال: فلقيه، فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح فهل

стр. 2406

لك؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد ... " فقال: أعد علي كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات، فقال: "لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء! ولقد بلغن قاموس البحر، هات يدك أبايعك على الإسلام، قال: فبايعه". قلت: رواه مسلم في الصلاة، وتمام الحديث: فلأبايعك على الإسلام، قال رسول الله ﷺ : "وعلى قومك"، قال: وعلى قومي، فبعث رسول الله ﷺ جيشًا بعد مقدمه المدينة، فمروا بتلك البلاد، فقال أميرهم: هل أصبتم شيئًا؟ قال رجل منهم: إداوة، قال: ردوها، هؤلاء قوم ضماد. ورواه ابن ماجه والنسائي في النكاح عن عمرو بن سعيد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال الحميدي (١): وليس لعمرو بن سعيد عن ابن جبير عن ابن عباس في الصحيح غير هذا الحديث انتهى. (٢) وضماد: هو ابن ثعلبة الأزدي من أزد شنوءة وكان صديقًا لرسول الله ﷺ في الجاهلية، وكان يتطبّب، ويطلب العلم، وأسلم أول الإسلام قاله أبو عمرو (٣)، ضبطه الحفاظ: ضِماد بالدال في آخره، وقيل: ضمام بالميم والمشهور الأول، وضمام بالميم هو ضمام بن ثعلبة السعدي أحد بني سعد ابن بكر له صحبة أيضًا. تنبيه: ذكر الشيخ محب الدين الطبري هذا الحديث في الأحكام في أوائل الكتاب وعزاه إلى أبي حاتم وأبي نعيم وهو ثابت في مسلم كما بيناه والله أعلم.

стр. 2407

قوله: يرقي هذا الريح: المراد بالريح هنا الجنون، ومس الجن، وقاموس البحر: هو وسطه، قال النووي (١): وضبطنا هذه اللفظة بوجهين أشهرهما في أكثر روايات الحديث، ونسخ بلادنا "ناعوس" بالنون والعين، والثاني وهو المشهور في غير صحيح مسلم "قاموس" بالقاف والميم، قال عياض: أكثر نسخ مسلم "قاعوس" بالقاف والعين، ووقع عند بعضهم بالتاء المثناة [من] فوق. قوله: هات يدك بكسر التاء. فصل في المعراج من الصحاح ٤٧٢٦ - عن مالك بن صعصعة: أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به: "بينما أنا في الحطيم -وربما قال: في الحجر- مضطجعًا، إذ أتاني آت، فشق ما بين هذه إلى هذه -يعني: من ثغرة نحره إلى شِعْرته- فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيمانًا، وحكمة، فغسل قلبي، ثم حشي، ثم أعيد، -وفي رواية: ثم غسل البطن بماء زمزم، ثم مليء إيمانًا وحكمة- ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض، يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه، فانطلق بي جبريل، حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبربل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت، فإذا فيها آدم، فقال: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي، حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟

стр. 2408

قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت، إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت، فردا، ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت، إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه، فردّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت، فإذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماه الخامسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت، فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي، حتى أتى السماء السادسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت، فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما جاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي، ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت، فإذا إبراهيم قال: هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها

стр. 2409

مثل قلال هَجَر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، قلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان: فنهران في الجنة، وأما الظاهران: فالنيل والفرات، ثم رفع لي البيت المعمور، ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال: هي الفطرة أنت عليها، وأمتك، ثم فرضت علي الصلاة، خمسين صلاة كل يوم، فرجعت، فمررت على موسى، فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت، فأمرت بعشر صلوات كل يوم وليلة، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى، فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، قال: سألت ربي حتى استحييت، ولكني أرضى وأسلم، قال: فلما جاوزت نادى مناد: أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي". قلت: رواه الشيخان بألفاظ متقاربة: البخاري مقطعًا في بدء الخلق وفي الأنبياء، ومسلم في الإيمان، والترمذي في التفسير والنسائي في الصلاة كلهم (١) عن قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة.

стр. 2410

واختلف الناس في كيفية الإسراء والصحيح الذي عليه عامة السلف أنه كان مرتين مرة في المنام وأخرى بجسده عند الله، قال الزهريّ: وكان بعد مبعثه ﷺ بخمس سنين، هذا هو الصحيح وقد غلط العلماء شريكًا في قوله كان قبل البعثة (١). والحطيم: بمكة بين الركن والباب، وقيل: هو الحجر المخرج من الكعبة، وسمي به لأن البيت رفع وترك هو محطومًا، قوله ﷺ : "ابنا خالة". قال ابن السكيت: يقال: هما ابنا عم ويقال: ابنا خال، ويقال: هما ابنا خالة، ولا يقال: ابنا عمة. وسدرة المنتهى: قال ابن عباس وغيره: سميت بذلك لأن علم الملائكة ينتهي إليها، ولم يجاوزها أحدٌ إلا رسول الله ﷺ ، وقال ابن مسعود: سميت بذلك لكونه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله تعالى. قوله ﷺ : "فإذا نبقها مثل قلال هجر" النبق: بفتح النون وكسر الباء وقد يسكن ثمر السدر، واحدته نبقة ونبقة، وأشبه شيء به العناب، قبل أن تشتد حمرته، والقلال: بكسر القاف جمع قلة، والقلة: جرة عظيمة تسع قربتين أو أكثر. قال في النهاية (٢): وهجر اسم بلد معروف بالبحرين وهو مذكر مصروف وأما هجر التي تنسب إليها القلال فهي قرية من قرى المدينة (٣). وأما قول "بواب السماء": وقد بعث إليه، فمراده، وقد بعث إليه للإسراء وصعود السموات، وليس مراده الاستفهام عن أصل البعثة، والرسالة، فإن ذلك لا يخفى عليه إلى هذه المدة، وهذا هو الصحيح والله أعلم. ذكر ذلك جماعات من العلماء. قوله ﷺ : "فرجعت فوضع عني عشرًا" أي فرجعت إلى الموضع الذي ناجيته منه، وقال: مقابل النهران الباطنان هما السلسبيل والكوثر.

стр. 2411

٤٧٢٧ - وروى ثابت عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يقع حافره عند منتهى طرفه، فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبربل بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء ... " وقال في السماء الثالثة: "فإذا أنا بيوسف وإذا هو قد أعطي شطر الحُسن، فرحّب بي، ودعا لي بخير ... " وقال في السماء السابعة: "فإذا أنا بإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهي، فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشي، تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، وأوحى إلي ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى، وقال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى، حتى قال: يا محمد! إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، من هَمّ بحسنة فلم يعملها، كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت سيئة واحدة". قلت: رواه مسلم من حديث ثابت عن أنس (١) وقد حذف المصنف منه جملًا تقدمت في حديث مالك بن صعصعة طلبًا للاختصار. والبراق: هو بضم الموحدة سمي به لصفائه وبريقه. وبيت المقدس: بفتح الميم وإسكان القاف، وكسر الدال المخففة، وبضم الميم وفتح القاف والدال المشددة، لغتان مشهورتان: فبالتخفيف إما مصدر كقوله تعالى: ﴿إليه مرجعكم﴾ وإما مكان فمعناه: بيت مكان الطهارة، أو الذي جعل فيه الطهارة من الذنوب وبالتشديد المطهر. والحلقة: بإسكان اللام على الفصيح وحكي فتحها.

стр. 2412

قوله: اخترت الفطرة، فسروا الفطرة هنا بالإسلام، والاستقامة ومعناه: اخترت علامة الإسلام والاستقامة، وجعل اللبن علامة لكونه سهلًا طيبًا طاهرًا سائغًا للشاربين سليم العاقبة، وأما الخمر: فإنها أم الخبائث وجالبة لأنواع من الشرور في الحال وفي المآل. وعرج: بفتح العين والراء، صعد. قوله ﷺ : فإذا أنا بإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، فيه دليل على جواز الاستناد إلى القبلة وجعل الظهر إليها، وقد وقع في أصول مسلم المعتمدة: السدرة المنتهى، بالألف واللام كما رواه المصنف، وأما الرواية الأولى التي رواها مالك بن صعصعة فقال فيها سدرة المنتهى (١). ٤٧٢٨ - كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "فرج عني سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل، ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتليء حكمة، وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء، فلما جئت إلى السماء الدنيا، قال جبريل لخازن السماء: افتح، فلما فتح، علونا السماء الدنيا، إذا رجل قاعد على يمينه أسودة، وعلى يساره أسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نَسَم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى. وقال ابن شهاب ﵁: فأخبرني ابن حزم، أن ابن عباس ﵁ وأبا حية الأنصاري كانا يقولان: قال النبي ﷺ : "ثم عرج بي، حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام"، وقال ابن حزم، وأنس: قال النبي ﷺ : "ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت حتى مررت على موسى، فراجعني فوضع شطرها، وقال في

стр. 2413

الآخر: فراجعته، فقال: هي خمس، وهي خمسون، ما يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى: فقال: راجع ربك فقلت: استحييت من ربي، ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى السدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا أدري ما هي؟ ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك". قلت: رواه الشيخان: البخاري في أحاديث الأنبياء ومسلم في الإيمان من حديث أنس. (١) قال: كان أبو ذر يحدث وقد حذف المصنف منه جملًا طلبًا للاختصار وبين الشيخين اختلاف يسير. والنسم: بفتح النون والسين واحدته نسمة، وهي نفس الإنسان، والمراد: أرواح بني آدم، قال القاضي عياض ﵀ (٢): في هذا إنه ﷺ وجد آدم ونسم بنيه من أهل الجنة والنار، وقد جاء أن أرواح الكفار في سجين، قيل: في الأرض السابعة، وقيل: تحتها، وقيل: في سجن، وأرواح المؤمنين منعّمة في الجنة، فيحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتًا فوافق وقت عرضها مرور النبي ﷺ به، ويحتمل أن كونهم في النار والجنة، إنما هو أوقات دون أوقات، ويحتمل أن الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار عن يساره، وكلاهما حيث شاء الله، والأَسْوِدة: جمع سواد، وهو جمع قلة، وهو الشخص، لأنه يرى من بعيد أسود (٣). وظهرت: أي علوت وصعدت. والمستوى: بفتح الواو، المصعد، وقيل: المكان، وصريف الأقلام: بالصاد المهملة تصويتها حال الكتابة، قال الخطابي: هو صوت ما تكتبه الملائكة من أقضية الله ووحيه، وما ينسخونه من اللوح المحفوظ، أو ما شاء الله من ذلك أن يكتب، ويرفع لما أراده من أمره وتدبيره.

стр. 2414

جنابذ اللؤلؤ: بالجيم المفتوحة وبعدها نون مفتوحة ثم ألف ثم باء موحدة ثم ذال معجمة وهي القباب واحدتها جنبذة. اللؤلؤ: بهمزتين وبحذفهما وبإثبات الأول دون الثانية وبالعكس (١). ٤٧٢٩ - قال: "لما أسري برسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهي، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يُعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوتها، فيقبض منها"، قال: ﴿إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾ قال: فراش من ذهب، قال: فأعطي رسول الله ﷺ ثلاثًا، أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئًا المقحمات. قلت: رواه مسلم في كتاب الإيمان في الإسراء من حديث عبد الله بن مسعود ولم يخرجه البخاري ورواه النسائي أيضًا. (٢) قوله: انتهي به إلى سدرة المنتهي وهي في السماء السادسة، كذا هو في جميع أصول مسلم، -وتبعه في المصابيح- السادسة، وقد جاء من حديث أنس أنها في السماء السابعة، قال القاضي (٣): كونها في السابعة هو الأصح، وقول الأكثرين وهو الذي يقتضيه المعنى وتسميتها بالمنتهى، قلت: ويمكن أن يجمع بينهما فيكون أصلها في السادسة ومعظمها في السابعة، فقد علم أنها في نهاية من العظم، وقد قال الخليل ﵀: هي سدرة في السماء السابعة، قد أظلت السموات والجنة. والمقحمات: هو بضم الميم وإسكان القاف وكسر الحاء، ومعناه: الذنوب العظام الكبائر التي تقم صاحبها في النار أي تلقيهم فيها، والمراد: بغفرانها أنه لا يخلد في النار، وليس المراد أنه لا يعذب أصلًا، فقد تقررت نصوص الشرع وإجماع أهل السنة، على تعذيب بعض العصاة من الموحدين، والمراد بعض الأمة على مذهب من يرى أن

стр. 2415

من لا يفيد العموم مطلقًا، وعلى مذهب من يقول تفيده في الأمر والنهي لا في الخبر والله أعلم (١). ٤٧٣٠ - قال رسول الله ﷺ : "لقد رأيتني في الحجر، وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربًا ما كربت مثله، فرفعه الله تعالى لي أنظر إليه، ما يسألونني عن شيء إلا أنبأتهم، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب جعد، كأنه من رجال شنوءة وإذا عيسى قائم يصلي، أقرب الناس به شبهًا عروة ابن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم -يعني: نفسه- فحانت الصلاة، فأممتهم، فلما فرغت من الصلاة، قال لي قائل: يا محمد! هذا مالك خازن النار، فسلّم عليه، فالتفت إليه، فبدأني بالسلام". قلت: رواه مسلم في الإيمان من حديث أبي هريرة وخرج البخاري (٢) من هذا الحديث ذكر بيت المقدس من حديث جابر وصفة موسى وإبراهيم من حديث أبي هريرة وابن عباس ولم يذكر سائره. قوله ﷺ : "فكربت كربًا ما كربت مثله"، هو بضم الكافين من كربت، والضمير في مثله عائد على الكرب، وهو بفتح الكاف على وزن الضرب وهو الغم (٣). قال القاضي عياض (٤): فإن قيل كيف يصلون وهم في الدار الآخرة وليست بدار عمل؟ وللمشايخ فيما ظهر لنا عن هذا أجوبة: أحدها: أنهم كانوا كالشهداء، بل هم أفضل، والشهداء أحياء عند ربهم، فلا يبعد أن يصلوا ويحجوا كما ورد في الصحيح من حديث آخر، وأن يتقربوا إلى الله بما استطاعوا، لأنهم وإن كانوا قد توفوا فهم في

стр. 2416

هذه الدنيا التي هي دار العمل، حتى إذا انقضت مدتها وتعقبتها الآخرة التي هي دار الجزاء، انقطع العمل، الوجه الثاني: أن عمل الآخرة ذكر ودعاء، قال الله تعالى: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم﴾. الوجه الثالث: أن يكون هذه رؤية منام في غير ليلة الإسراء، أو في بعض ليلة الإسراء. الوجه الرابع: أنه ﷺ رأى حالهم، وما كانوا عليه في حال حياتهم، كما قال ﷺ : وكأني أنظر إلى موسى، وكأني أنظر إلى عيسى. الوجه الخامس: أن يكون أخبر عما أوحي إليه ﷺ من أمرهم وما كان منهم، وإن لم يرهم رؤية عين، انتهى كلامه. فصل في المعجزات من الصحاح ٤٧٣١ - أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر إلى قدمه أبصرنا، فقال: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ". قلت: رواه البخاري في فضل أبي بكر وفي الهجرة وفي التفسير ومسلم في الفضائل والترمذي في التفسير من حديث أنس. (١) ومعنى: الله ثالثهما: بالنصرة والمعونة والحفظ والسديدة وهو داخل في قول الله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾.

стр. 2417

٤٧٣٢ - قال لأبي بكر: يا أبا بكر حدثني كيف صنعتما حين سريت مع رسول الله ﷺ ؟ قال: أسرينا ليلتنا ومن الغد، حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق لا يمر فيه أحد، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل، لم تأت عليه الشمس، فنزلنا عنده، وسويت للنبي ﷺ مكانًا بيدي، فنام عليه، وشمطت عليه فروة، وقلت: نم يا رسول الله وأنا أنفض ما حولك، فنام، وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براع مقبل، فقلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم، قلت: أفتحلب؟ قال: نعم، فأخذ شاة، فحلب في قعب كثبة من لبن، ومعي إدواة، حملتها للنبي ﷺ يرتوي فيها، يشرب ويتوضأ، فأتيت النبي ﷺ فكرهت أن أوقظه، فوافقته حتى استيقظ، فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله، فقلت: اشرب يا رسول الله فشرب، حتى رضيت، ثم قال: "ألم يأن للرحيل؟ " قلت: بلى، قال: فارتحلنا بعد ما مالت الشمس، واتبعنا سراقة بن مالك، فقلت: أُتينا يا رسول الله، فقال: "لا تحزن، إن الله معنا"، فدعا عليه النبي ﷺ فارتطمت به فرسه إلى بطنها في جَلَد من الأرض، فقال: إني أراكما دعوتما علي، فادعوا لي، فالله لكما أن أرد عنكما الطلب، فدعا له النبي ﷺ فنجا، فجعل لا يلقى أحدًا إلا قال: كفيتم ما هنا، فلا يلقى أحدًا إلا رده. قلت: رواه البخاري (١) في علامات النبوة بطوله، وفي فضائل أبي بكر وفي الهجرة وفي الاستئذان قطعة منه، ومسلم في آخر الكتاب بطوله كلاهما عن البراء عن أبي بكر الصديق. ويسمى هذا الحديث حديث الرحل لأن أوله قال البراء: جاء أبو بكر ﵁ فاشترى من أبي رحلًا، وقال: ابعث ابنك يحمله معي، قال: فحملته معه، وخرج أبي ينتقد ثمنه، فقال له: يا أبا بكر حدثني كيف صنعتما حين سرت مع رسول الله ﷺ ، قال: نعم أسرينا ليلتنا ومن الغد ... وساق الحديث، وفي نسخ المصابيح: قال البراء ابن

стр. 2418

عازب لأبي بكر، والذي في الصحيحين أن والد البراء وهو عازب هو الذي سأل أبا بكر والبراء هو راوي الحديث لا أنه هو السائل، وكذا رواه المصنف في شرح السنة (١). وأنفض ما حولك: أي أحرسك وأطوف هل أرى طلبًا، يقال: أنفضت المكان واستنفضته إذا نظرت جميع ما فيه (٢). قوله: أفي غنمك لبن؟ هو بفتح اللام والباء يعني اللبن المعروف، هذه الرواية المعروفة، قال النووي (٣): وروي بضم اللام وإسكان الباء أي شياه ذات ألبان. والقعب: قدح من خشب، والكثبة: بضم الكاف وإسكان المثلثة، وهي قدر الحلبة وقيل: هي القليل منه. والإداوة: كالركوة. وارتوى: استقى. وبرد: بفتح الراء على المشهور، وقال الجوهري (٤): بضمها. قوله: فوافقته حتى استيقظ، قال بعضهم: اختلف رواة كتاب البخاري في هذين اللفظين فمنهم من يرويه "فوافقته حتى" بتقديم الفاء على القاف، وحين التي هي للطواف، والمعنى: فوافق إتياني إياه حين استيقظ، ومما يشهد لذلك ما جاء في بعض طرق مسلم فوافقته، وقد استيقظ، ومنهم من يرويه على ما ذكرنا من تقديم القاف. ومع حتى، أي فوافقته فيما اختاره من النوم، ومنهم: من يرويه بتقديم القاف على الفاء، من الوقوف، والمعنى: صبرت عليه، وتوقفت في المجيء إليه حتى استيقظ. فارتطمت به فرسه: أي ساخت قوائمها كما يسوخ في الوحل وهو بالراء المهملة وبالتاء المثناة من فوق وبالطاء المهملة وبالميم المفتوحتين. والجلد: بفتح الجيم واللام، الأرض الصلبة (٥).

стр. 2419

٤٧٣٣ - قال: سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله ﷺ وهو في أرض يخترف، فأتى النبي ﷺ فقال: إني سائلك عن ثلاث، لا يعلمهن إلا نبي: فما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه، أو إلى أمه؟ قال: "أخبرني بهن جبريل آنفًا: أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكه أهل الجنة، فزيادة كبد حوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة، نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة، نزعت"، قال: أشهد أن لا إلا الله وأن محمدًا رسول الله، يا رسول الله إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي من قبل أن تسألهم، يبهتوني، فجاءت اليهود، فقال: "أي رجل عبد الله فيكم؟ "قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال: "أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ " قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا، فانتقصوه، قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله. قلت: رواه البخاري في التفسير من حديث أنس. (١) ويخترف: بالخاء المعجمة أي يجتني الثمار. ٤٧٣٤ - قال: إن نبي الله ﷺ شاور حين بلغنا إقبال أبي سفيان، فقام سعد بن عبادة، فقال: يا رسول الله والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا، قال: فندب رسول الله ﷺ الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدرًا، فقال رسول الله ﷺ : "هذا مصرع فلان"، ويضع يده على الأرض ههنا، وها هنا، قال: فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله ﷺ . قلت: رواه مسلم في المغازي من حديث أنس ولم يخرجه البخاري. (٢) "وبرك الغماد": أكثر الرواة على فتح الباء الموحدة وإسكان الراء هذا هو المشهور المعروف في روايات المحدثين، وقال بعض أهل اللغة: صوابه كسر الراء، وكذا قيده

стр. 2420

بعض رواة البخاري، واتفق الجمهور على أن الراء ساكنة، وجوز بعضهم فيها الفتح، وهو ضعيف. والغماد: بغين معجمة مكسورة ومضمومة لغتان وهو موضع بأقصى هجر (١). قوله "فندب رسول الله ﷺ الناس" أي دعاهم. قوله "فما ماط" هو بالطاء المهملة أي ما تباعد (٢). ٤٧٣٥ - أن النبي ﷺ قال: وهو في قبة آدم يوم بدر: "اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد بعد اليوم"، فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك يا رسول الله ألححت على ربك، فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾. قلت: رواه البخاري في الجهاد وفي المغازي وفي التفسير والنسائي في التفسير من حديث ابن عباس ولم يخرجه مسلم. (٣) ٤٧٣٦ - أن النبي ﷺ قال يوم بدر: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب". قلت: رواه البخاري في المغازي ولم يخرجه مسلم. (٤) وأداة الحرب: آلته وأداة كل شيء آلته. ٤٧٣٧ - قال: بينما رجل من المسلمين -يومئذٍ- يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزرم، إذ نظر إلى المشرك أمامه خَرّ مستلقيًا، فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه كضربة
следующие страницы →