← Книги сунны

Книги сунны · id 17063

كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح

الصدر المناوي

Полный текст (2 643 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مسلم في نسخة سماعنا ولا في النسخ التي وقفت عليها ببلادنا، ولا ذكره عبد الحق في جمعه بين الصحيحين، بل الذي في مسلم لفظ الحديث الذي قبله كما بينا، والله أعلم". وقوله: "ووقع في المصابيح: جابر بن سمرة في النسخ المسموعة على المصنف وهو وهم أو غلط من الناسخ .. " وقوله: "ولا هذا الحديث في نسخة سماعنا من أبي داود وذكره المزي في الأطراف فيما استدركه على أبي القاسم". وقال أيضًا: "فإني لم أرها في نسخة سماعي، وإن كان معناها صحيح". انظر: ٣٧، ١٠٩، ١٢٧، ٦٤٨، ٧٨٥، ١٠٦٤، ١١٣٨، ١٢٥٣، ٣٣٩٩، ٣٤٩٠، وغيرها. تعقبه للبغوي في إيراده بعض الأحاديث في قسم "الصحاح" أو "الحسان ": تعقب المؤلف البغوي كثيرا، فتراه يقول: "فكان من حق المصنف أن يذكره في الصحاح، ولهذا لما ذكره المنذري في مختصر سنن أبي داود عزاه للشيخين". وكقوله: "هذه الرواية لم أرها في الصحيحين ولا في أحدهما ورواها أبو داود .. إذا علمت ذلك فكان من حق الشيخ ألا يذكر هذه الرواية في الصحاح لأنها ليست في شيء من الصحيحين ولا صحت على شرط واحد منهما". وقال أحيانا: "فكان من حق المصنف أن يذكره في الصحاح لا في الحسان". وقال أيضا: "فركّب الشيخ من رواية الشيخين هذا اللفظ من حديثين لأنه قصد حكاية الواقعة .. ولم يضف إلى رواية صحابي بعينه فليتنبه لذلك فإنه مهم". وغيرها، انظر على سبيل المثال: ٢٦٠، ٢٩٣، ٣٦٧، ٥٧١، ٦٥٧، ٨٣٣، ١٠٣٠، ١٠٣٤، ١١٦٦، ١٢٠٠، ٢٨٤٦، ٣١٥٠، ٤٥٣٢، ٤٥٣٩، ٤٧٢٤، وغيرها. بيانه لبعض أوهام العلماء: لا شك أن المناوي وجد أمامه مكتبة حديثية هائلة اطلع عليها، وتظهر سعة اطلاعه وقابليته للنقد في بيان أوهام العلماء والمصنفين السابقين، فقد كشف في مواضع كثيرة عن أوهام وأخطاء وقع فيها علماء كبار ثم صححها، وأبرز العلماء الذين

стр. 37

استدرك عليهم أخطاءهم هم: الحاكم، وابن الأثير، وابن دقيق العيد، والمجد ابن تيمية، ومحب الدين الطبري، والمنذري، والذهبي، وغيرهم. فيقول كثيرا: "ذكر الحاكم هذا الحديث فيما استدركه على الصحيحين من حديث الليث وهو وهم، فإنه ثابت في مسلم كما بينته والعجب من تقرير الذهبي له على ذلك في تلخيصه". وكقوله كذلك: "وصححه الحاكم وأقره الذهبي، في مختصر المستدرك على تصحيحه، وفي ذلك نظر، فإن في سند أبي داود والحاكم فلانًا". وقوله: "ومن العجب استدراك الحاكم هذا الحديث في المستدرك بهذا السند، وأعجب منه سكوت الذهبي على ذلك". وكقوله: "ذكر الحاكم هذا الحديث في المستدرك وقال: على شرط مسلم، واعترض عليه الذهبي بأن العلاء بن خالد الكاهلي هو راويه عن .. قال: والعلاء كذبه أبو سلمة التبوذكي، انتهى، ثم قال: وهذا وهم من الإمامين، أما الحاكم فوهم فيما استدركه على مسلم، والحديث ثابت في صحيح مسلم، وأما الذهبي فأقره واعترض بطعنه في العلاء وقد رواه مسلم من حديث العلاء عن سفيان كما رواه الحاكم، والله أعلم". وقال أيضا: "ذكر الذهبي شعيب بن رزيق هذا في الكاشف وعلم عليه علامة أبي داود خاصة، وهو وهم فإن الترمذي روى له ولم يرو له أبو داود، إلا في كتاب الرد على القدرية .. ". انظر على سبيل المثال: ٤٥٧، ٦٢٥، ٧٤٣، ٢٩٥٩، ٤٢٠٨،٤٤٦٣، ٤٨١٦، وغيرها كثير. ويقول: "قال ابن الأثير في جامع الأصول: رواه الشيخان، وما قاله الظاهر أنه وهم، فإنني تصفحت عن أنس "كان ربعة من القوم" فلم أقف عليها في مسلم، بل هي رواية البخاري، ولذلك قال الإمام عبد الحق أن رواية: "كان ربعة من القوم" من زيادات البخاري على مسلم". وقوله: "وقد وهم ابن الأثير في جامع الأصول حين ذكر الحديث في باب الكبائر فجعل ... ". وأيضا: "وعزاه ابن الأثير لمسلم أيضا، والظاهر أنه وهم لأن الذي في مسلم من حديث سهل". انظر: ٣٣، ٢٩١، ٥٣١، ٦٩٠، ٢٩٢٠، ٤٥٣٢، ٤٥٧٢، وغيرها.

стр. 38

وقال: "ذكر صاحب العمدة الحديث وذكر فيه لفظة "ثلاثا" ولم ينبه على أنها من أفراد مسلم عن البخاري، وكان من حقه أن ينبه على ذلك". انظر مثلا: ٢٦٥، وغيرها. وقال: "ذكر في المنتقي حديث ابن عمر هذا، وعزاه للجماعة كلهم، وهو وهم فإنه ليس في أبي داود". انظر: ٣٧١، وغيرها. وقال: "ذكر الشيخ محب الدين الطبري في "أحكامه" هذا الحديث من رواية أبي سعيد وقال فيه: أخرجه السبعة يعني أصحاب الكتب الستة وأحمد وهذا عجب منه، كيف يجعل الحديث في الصحيحين وليس هو كذلك، بل ولا هو حديث صحيح بل ضعيف كما بيناه، وهذا وهم فاحش نبهت عليه، لا يغتر به الناظر في كلامه، فاعلم ذلك". وقال أيضا: "وقد وهم الطبري فجعل حديث عائشة بهذا اللفظ رواه الشيخان وأصحاب السنن وليس كذلك، بل الذي رواه الجماعة حديث الأسود عن عائشة بمعناه". وكثيرا ما يقول: "ووهم الطبري فعزاه لمسلم أيضا". ويقول أيضا: وقد عزى الشيخ محب الدين الطبري هذا الحديث للنسائي خاصة، وهو قصور، فإن الحديث في الصحيحين بهذا اللفظ". انظر على سبيل المثال: ٢٤٠، ٣٢٥، ٥٧١، ٥٧٣، ٢٣١٨، ٢٣١٩، ٢٣٤٥، وغيرها. وقال: "وقد وهم الحافظ المنذري فنسب الحديث إلى رواية مسلم دون البخاري وليس كذلك". انظر مثلا: ٣٦٥٨، وغيرها. وسائر هؤلاء الأعلام من المتضلعين في الحديث ورجاله، وبالطبع فلن يقدح فيهم أن يخطئوا فحسبهم أن أخطائهم أمكن حصرها وعدها عليهم، لكن مما يعلي من شأن المناوي وعلمه أن يتفطن لهذه الأخطاء ويصححها، وهذا يدل على سعة اطلاعه، لأن معرفة ذلك تقتضي الإحاطة بسائر الروايات وألفاظها وأسانيدها ومخرجيها.

стр. 39

اهتمام العلماء بهذا الكتاب واستفادتهم منه: حوى هذا الكتاب كثيرا من الفوائد العلمية التي جعلت العلماء يهتمون به وينهلون منه ومن أبرزها أربع فوائد: ١ - شرح الغريب، حيث لا يكاد يخلو حديث من وجود شرح لغريب، ولذا صار مرجعا في شرح غريب كتاب المصابيح. حتى إن تلميذه الحافظ ابن حجر نقل عنه في الفتح (١١/ ٧١)، وعبد الرؤف المناوي في الفيض: ٢/ ٢٦٨. ٢ - ضبط وتحرير لفظ الحديث، فلقد عُني المؤلف بذلك عناية بالغة، فنقل عنه عبد الرؤف المناوي كثيرا في كتابه "فيض القدير شرح الجامع الصغير" فانظر مثلا: ٣/ ٢٥٥، ٦/ ٢٨٣. ٣ - الدقة في عزو الحديث، مما جعل عبد الرؤف المناوي يعتمد عليه كثيرا في عزو الحديث فانظر مثلا: ٢/ ٢٦٧: قال: فقد عزاه الصدر المناوي للأربعة، وفي: ٢/ ٣٦٠ قال عبد الرؤف: كلام المصنف صريح في أن الجماعة كلهم رووه، ورأيت الصدر المناوي استثنى منهم ابن ماجه. وانظر: ٢/ ٥٧٦، ٥/ ٧٤، ٥/ ١٤٤، ٥/ ١٩٥، ٦/ ٣٩٠، ٦/ ٤١٤، ٦/ ٤٦١ وغيرها. ٤ - ظهرت في الكتاب شخصية المؤلف من خلال كثرة أحكامه على الأحاديث، مما جعل المصنفين بعده ينقلون حكمه ويعتمدونه ومنهم الحافظ عبد الرؤف المناوي في فيض القدير، إذ بلغ عدد الأحاديث التي نقل فيها كلامه في فيض القدير أكثر من مائة حديث وجعل كلامه حجة في الحكم على الحديث أو على الرواة، انظر على سبيل المثال: ١/ ٨٩، ٣٢، ٢٦٩، ٢/ ١٥، ٢٥، ١٨٥، ٣٧٦، ٣/ ٤٣، ٣٣١، ٣٣٥، ٥٠٤، ٤/ ٢٢٢، ٤٣٣، ٥/ ٩٣، ١٠٠، ١٤٤، ١٩١، ٢٢٩، ٤٠١، ٤٦٧، ٤٩٥، ٥٠٩، ٦/ ٧، ٨٢، ١٠٥، ١٢٧، ٢٠٠، ٣٠٠، ٣٣٢، وغيرها من المواضع.

стр. 40

هذا ومن أبرز من اهتم بالكتاب تلميذه الحافظ ابن حجر فلخص هذا الكتاب الذي طبع أخيرا باسم: "هداية الرواة إلى تخريج أحاديث المصابيح والمشكاة". عملي في الكتاب: - قمت بعزو كل الأحاديث إلى مظانها من كتب الصحاح والسنن والمعاجم والمسانيد وغيرها التي يشير إليها المناوي، حيث قمت بذكر رقم الحديث فقط، ورقم الجزء والصفحة إن لم يوجد له رقم. - قمت بعزو النصوص والاقتباسات إلى الكتب التي نقل منها المؤلف، خاصة عند تصريح المؤلف بالصدر الذي نقل منه، فإن لم يصرح اجتهدت في معرفة ذلك. - ترجمت للرجال الواردين في النص، فإن كانوا من رجال الكتب الستة، فالاعتماد في ذلك على "تقريب التهذيب" للحافظ ابن حجر غالبا، وأضيف إليه "تهذيب الكمال" أحيانا، وإن لم يكونوا من رجال الكتب الستة فإنني أنقل أقوال العلماء فيهم من كتب الجرح والتعديل التي بين يدي، وأحيانا لا أترجم للبعض، استنادا إلى توسّع المؤلف في أقوال العلماء فيهم جرحا وتعديلا بل أَكتفي بذكر المراجع للترجمة. قمت بتخريج الأحاديث التي جاءت عرضا أثناء النص. - بالنسبة للأحاديث التي لم يحكم المناوي عليها، حاولت جاهدا أن أجد حكما عليها لعلماء هذا الشأن، واعتمدت غالبا كلام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ بل حاولت أن أذكر حكمه على جميع الأحاديث خاصة من قسم الحسان. - ما كان من زيادة ضرورية في النص مما أراه ساقطًا من الأصل جعلتها بين معقوفتين. - قمت بضبط الكلمات التي تحتاج إلى ضبط بالشكل.

стр. 41

- عرفت بالأماكن والبلدان الواردة في النص، تاركا من ذلك المشهور .. - تعقبت المؤلف فيما ذكره من تأويلات بعض النصوص العقدية التي قد لا يسلم له بها، مبينا فيها الحق والصواب من أقوال علماء السلف. كما في الحديث رقم: ٤٤٢٤، ٢٨٠٣، ٤٤٦٩، وغيرها. هذا وأسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن ينفعني بعملي هذا حيًّا وميتًا، وأن ينفع به عباده إنه سميع قريب، وصلى الله على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 42

صفحة العنوان من النسخة المعتمدة

стр. 43

الورقة الأولى من النسخة المعتمدة

стр. 44

الورقة الأخيرة من النسخة المعتمدة (الجزء الأول)

стр. 45

الورقة الأخيرة من النسخة المعتمدة (الجزء الثاني)

стр. 46

صفحة العنوان من النسخة الثانية

стр. 47

الورقة الأولى من النسخة الثانية

стр. 48

الورقة الأخيرة من النسخة الثانية

стр. 49

صفحة العنوان من النسخة الثالثة

стр. 50

الورقة الأخيرة من النسخة الثالثة

стр. 51

الورقة الأولى من النسخة الرابعة

стр. 52

الورقة الأخيرة من النسخة الرابعة

стр. 53

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله كاشف مصابيح الهدى، وجاعلها نجاة لمن استضاء بها واهتدى، الذي هدى قلوب أوليائه باقتفاء آثار نبيه المصطفى، ورسوله المجتبى صلى الله عليه وعلى آله أهل البر والوفاء، صلاة دائمة إلى يوم العرض والجزاء. أما بعد: فإن أجمع المصنفات المختصرات في الأخبار النبوية، وأحسن المؤلفات الجامعة للآثار المحمدية، كتاب "المصابيح" جمع العلامة الإمام أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي، شكر الله مسعاه، وجعل الجنة مثواه. وهو الكتاب الذي عكف عليه المتعبدون واشتغل بتدريسه الأئمة المعتبرون وأقر بفضله وتقديمه الفقهاء المحدثون وقال بتمييزه الموافقون والمخالفون. لكنه لطلب الاختصار لم يذكر كثيرًا من الصحابة رواة الآثار، ولا تعرض لتخريج تلك الأخبار، بل اصطلح على أن جعل الصحاح هو ما في الصحيحين أو أحدهما، والحسان ما ليس في واحد منهما. والتزم أن ما كان من ضعيف نبّه عليه، وأن ما كان منكرًا أو موضوعًا لم يذكره ولا يشير إليه، فوقع له بعد ذلك أن ذكر أحاديث من الصحاح وليست في واحد من الصحيحين، وأحاديث من الحسان وهي في أحد الصحيحين وأدخل في الحسان أحاديث ولم ينبه عليها وهي ضعيفة واهية، وربما ذكر أحاديث موضوعة في غاية السقوط متناهية. فجعلت موضوع كتابي هذا لتخريج أحاديثه ونسبة كل حديث إلى مخرجه من أصحاب الكتب الستة: صحيحي البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، إن كان فيها أو في شيء منها، وربما أضيف إليها غيرها،

стр. 54

فإن لم يكن الحديث في شيء من الكتب الستة خَرّجته من غيرها، كمسند الشافعي وموطأ مالك ومسند الإمام أحمد ومسند الدارمي وأبي يعلى الوصلي وسنن الدارقطني وسنن البيهقي. وشعب الإيمان له ودلائل النبوة له، وصحيح ابن حبان البستي ومستدرك الإمام أبي عبد الله الحاكم، وغير ذلك من مسانيد الأئمة المعتبرين والعلماء المتقدمين، وأبيّن الصحيح، والحسن، والضعيف، والمسند، والمتصل، والمرفوع، والموقوف، والمقطوع، والمنقطع، والمعضل، والمرسل، والشاذ، والمنكر، والغريب، والعزيز، والمشهور، والمعلل، والمضطرب، والموضوع، والناسخ، والمنسوخ. وأبيّن جرح رواته، وتعديلهم، من كلام أئمة الجرح والتعديل وأذكر اسم الصحابي الراوي وربما أذكر غيره من رواته لأمر اقتضى ذلك، وأضيف توثيق كل راو أو تجريحه، إلى من وثقه، أو جَرّحه، وكل حديث إلى من رواه، وفي أي باب أخرجه، ليسهل مراجعة أصوله، مع شريطة الاختصار، فإن الإطالة تورث السآمة. وإذا كان الحديث في الصحيحين، أو في أحدهما، عزوته إليه، وجعلت تخريج غيره كالنافلة عليه، وما ليس في واحد من الصحيحين، إن صححه إمام معتبر أو ضعفه اكتفيت بنقل تصحيحه أو تضعيفه عنه. وإن لم أقف على تصحيح لذلك الحديث ولا تضعيف، فإن كان في أبي داود وسكت عليه فهو صالح للاحتجاج فأنسبه إليه، وأقول أنه سكت عليه ليعلم الناظر أنه صالح للاحتجاج، لأنه قد جاء عنه أنه يذكر الصحيح وما يشبهه ويقاربه وما كان فيه وهن شديد بينه (١) وما لم يذكر فيه شيئًا فهو صالح.

стр. 55

وإن لم يكن الحديث في أبي داود، ولم يصححه إمام، ولا ضعفه، اعتبرت سنده وتكلمت على رجاله وكشفت حال من يحتاج الحديث إلى كشفه، وحيث أقول رواه الثلاثة فهم: أبو داود والترمذي والنسائي، وحيث أقول رواه الأربعة فهم: مع ابن ماجه، وحيث أقول رواه الجماعة فهم: مع البخاري ومسلم وقد أتعرض إلى ضبط ألفاظ الحديث إذا كان يحتاج إلى ذلك، وكذلك اسم الراوي، وأتعرض أيضًا إلى ذكر فوائد مهمات وإلى تنبيهات كالتتمات، وإلى بيان أوهام وقعت لبعض أصحاب الروايات. وأرجو إن تم هذا الكتاب أن يكون كافيًا للمتعبدين في طلب الصواب، وعمدة للفقهاء في الاستدلال، وموصلًا لهم إلى أقصى الآمال وقد سميته: "كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح" والله يجعله أحسن زاد إلى المسير إليه، وأعظم عدة ليوم القدوم عليه فإنه تعالى بكل خير كفيل وهو حسبنا ونعم الوكيل. وها أنا أذكر مقدمة تشتمل على ثلاثة فصول: الفصل الأول: في ذكر ترجمة البغوي ليعرف قدر جلالته. الفصل الثاني: في ذكر طرف من بيان ألفاظ قدمنا ذكرها اصطلح عليها المحدثون لابد من معرفتها ليكون عونًا للناظر في هذا التأليف. الفصل الثالث: في نص خطبة المصابيح وما التزمه في غرة ديباجته ليعلم مضمون مراده ومكنون مصون أسراره حتى لا يخلو هذا الكتاب عن مجموع ما في المصابيح.

стр. 56

الفصل الأول: في ذكر طرف من أحواله: هو الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي إمام الأئمة بلا منازعة ومحيي السنة بلا مدافعة، صنف كتاب "شرح السنة" (١) والتفسير المسمى بـ "معالم التنزيل" (٢) و "التهذيب" الذي فاق به المصنفين واغترف من بحره جميع المتأخرين (٣) وله فتاوى مشهورة لنفسه غير فتاوى القاضي الحسين التي علقها هو عنه وكان إمامًا جليلًا ورعًا زاهدًا فقيهًا، محدثًا مفسرًا، جامعًا بين العلم والعمل، سالكًا سبيل السلف، له في الفقه اليد الباسطة، تفقه على القاضي الحسين (٤)، وهو أخص تلامذته

стр. 57

وكان رجلًا مخشوشنًا يأكل الخبز وحده، فعُذِلَ في ذلك فصار يأكله بالزيت، سمع الحديث من جماعات منهم: أبو عمر عبدالواحد المليجي وأبو الحسن عبد الرحمن محمد الداووري، وأبو بكر يعقوب بن أحمد الصيرفي وأبو الحسن على بن يوسف الجويني، وغيرهم، وروى عنه جماعات آخرهم: أبو المكارم فشضل الله بن محمد النُّوقانِي -روى عنه بالإجازة- وبقي إلى سنة ستمائة، وأجاز لقاضي القضاة أبي الفرج عبد الرحمن بن أبى عمر بن قدامة، ولأبي الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد بن البخاري، فروينا نحن تصانيفه عن جماعات من أصحاب ابن قدامة والفخر بن البخاري منهم الشيخ الإمام المعمر صدر الدين محمد ابن محمد بن إبراهيم الميدومي، فوقع لنا هذا الكتاب عاليًا عن الشيخ صدر الدين الميدومي عن قاضي القضاة ابن قدامة والفخر بن البخاري كتابة له، كلاهما عن أبي الكارم النُّوقانِي عن المصنف. تُوفي البغوي في شوال سنة ست عشرة وخمس مائة بمرو الرُّوذ، وبها كانت إقامته ودفن عند شيخه القاضي الحسين. قال الذهبي: ولم يحج وأظنه جاوز الثمانين ومن غرائب مسائله أنه قال في "مسائله" التي خَرَّجها: لو لم يكن من يصلي على الميت إلا النساء لم يجب عليهن. وقال في "فتاويه": من لا جمعةَ عليه إذا حضرها وأراد أن يصلي الظهر خلف الإمام فإن كان صبيًّا جاز، أو إن كان بالغًا لم يجز (١).

стр. 58

الفصل الثاني: في ذكر طرف من بيان ألفاظ -قدمنا ذكرها- اصطلح عليها المحدثون لابد من معرفتها . اعلم أنما الحديث الصحيح هو: "الحديث المسند المتصل بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه من غير شذوذ ولا عله". وفى هذه الأوصاف الاحتراز من المرسل، والمعضل، والشاذ، وما فيه علة قادحة، وما في رواته نوع جرح. (١) قال ابن الصلاح: هذا هو الحديث المحكوم له بالصحة بلا خلاف بين أهل العلم (٢). تنبيه: ما اختلف في صحته من الأحاديت قد يكون سبب اختلافهم انتفاء شرط من هذه الشروط وبينهم اختلاف في اشتراطه كما إذا كان بعض الرواة مستورًا أو كان الحديث مرسلًا، وقد يكون سبب اختلافهم أنه هل اجتمعت فيه هذه الشروط أو انتفى بعضها، وهذا هو الأغلب في ذلك كما إذا كان الحديث من رواية من اختلف في كونه من شرط الصحيح، فإذا كان الحديث رواته كلهم ثقات غير أن فيهم أبا الزبير المكي مثلًا، أو سهيل بن أبي صالح، أو العلاء بن عبد الرحمن، أو حماد بن سلمة، قالوا فيه هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وليس بصحيح على شرط البخاري، لأن هؤلاء عند مسلم ممن اجتمعت فيهم الشروط المعتبرة، ولم يثبت عند البخاري ذلك فيهم، وكذا حال البخاري فيما خرجه من حديث عكرمة مولى ابن عباس، وإسحق بن محمد الفروي، وعمرو بن ميمون، وغيرهم ممن احتج بهم البخاري ولم يحتج بهم مسلم. (٣)

стр. 59

قال الحافظ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري في كتاب "المدخل إلى معرفة المستدرك": عدد من أخرج لهم البخاري في الجامع الصحيح ولم يخرج لهم مسلم أربع مائة وأربعة وثلاثون شيخًا، وعدد من احتج بهم مسلم في المسند الصحيح ولم يحتج بهم البخاري في جامعه ست مائه وعشرون شيخًا، والله أعلم. (١) والحسن: قال الإمام أبو سليمان الخطابي (٢): ما عرف مَخْرَجُه، واشتهر رجالُه، قال: وعليه مدار أكثر الحديث وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامَّةُ الفقهاء، وروينا عن أبى عيسى الترمذي في كتاب "العلل" أنه يريد بالحسن أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون حديثًا شاذًا، ويروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حسن (٣)، قال بعض المحدثين: وهذا يشكل عليه بما يقال فيه: أنه حسن مع أنه ليس له مخرج إلا من وجه واحد (٤). والضعيف: هو ما لم يجتمع فيه صفات الحديث الصحيح، ولا صفات الحسن، وأطنب ابن حبان في تقسيمه فبلغ به خمسين قسمًا إلا واحدًا. (٥) والمسند: ما اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه، وأكثر ما يستعمل فيما جاء عن رسول الله ﷺ

стр. 60

دون ما جاء عن الصحابة وغيرهم. (١) قال ابن عبد البر (٢): المسند ما رفع إلى النبي ﷺ خاصة، وقد يكون متصلًا مثل: مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، وقد يكون منقطعًا، مثل: مالك عن الزهري عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، فهذا مسند لأنه قد أسند إلى رسول الله ﷺ وهو منقطع لأن الزهري لم يسمع من ابن عباس. والمتصل: وهو الموصول، وهو الذي اتصل إسناده فكان كل واحد من رواته قد سمعه ممن فوقه حتى انتهى إلى منتهاه. ويقع على المرفوع والوقوف. (٣) مثال المتصل المرفوع: مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي ﷺ . ومثال المتصل الموقوف: مالك عن نافع عن ابن عمر عن عمر قوله. والمرفوع: ما أضيف إلى رسول الله ﷺ خاصة قولًا أو فعلًا أو تقريرًا، ويدخل فيه المتصل والمنقطع والمرسل ونحوها. والموقوف: ما أضيف إلى صحابي كذلك. والمقطوع: ما أضيف إلى تابعي أو من دونه كذلك (٤). والمنقطع: ما لم يتصل سنده على أي وجه كان انقطاعه (٥) فإن سقط منه رجلان فأكثر سمي أيضًا معضلًا بفتح الضاد المعجمة.

стр. 61

والمرسل: مذهب الفقهاء وجماعة من المحدثين أنه ما انقطع سنده كالمنقطع، وقال جماعة من المحدثين أو أكثرهم: لا يسمى مرسلًا إلا ما أخبر التابعي فيه عن النبي ﷺ ، وذهب الشافعي وجماهير المحدثين إلى أن المرسل لا يحتج به، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وأكثر الفقهاء: يحتج به، ومذهب الشافعي أنه إذا انضم إلى المرسل ما يعضده احتج به، وبان بذلك صحته، وذلك بأن يروى مسندًا أو مرسلًا من جهة أخرى، أو يعمل به بعض الصحابة، أو أكثر العلماء، سواء في هذا مرسل سعيد بن المسيب وغيره. هذا هو الصحيح عنده، وهذا في مرسل غير مرسل الصحابي، أما مرسله وهو روايته ما لم يدركه أو يحضره، كقول عائشة ﵂: كان أول ما بدىء به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة. فمذهب الشافعي والجماهير أنه حجة، وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني: ليس بحجة إلا أن يقول لا أروي إلا عن صحابي لأنه قد يروي عن تابعي والصواب الأول. ولو روي الحديث متصلًا ومرسلًا أو مرفوعًا وموقوفًا فالذي عليه الفقهاء وأهل الأصول وجماعة من المحدثين أن الحكم للوصل والرفع، وقيل للإرسال والوقف ونقله الخطيب عن أكثر المحدثين (١). والشاذ: وفي تفسيره اختلاف، والصحيح ما لخصه ابن الصلاح وتبعه النووي، أنه ما انفرد به الراوي مخالفًا لما رواه من هو أحفظ منه، وأضبط، أو انفرد به ولم يخالفه غيره، لكن ليس عنده من الثقة والحفظ ما يجيز تفرده فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان: أحدهما: أنه الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يجيز تفرده.

стр. 62

والمنكر: الصواب فيه أنه بمعنى الشاذ. والغريب: ما انفرد به أو ببعضه رجل عن من يُجْمَعُ حديثه كالزهري وينقسم إلى غريب متنًا وإسنادًا، وإلى غريب إسنادًا، وإلى غريب متنًا. (١) والعريز: ما انفرد به اثنان أو ثلاثة عن من يجمع حديثه. (٢) والمشهور: قسمان: صحيح وغيره، ومشهور بين أهل الحديث خاصة وبينهم وبين غيرهم، ومنه المتواتر: -ولا يكاد يوجد في الحديث- وهو ما نقله جمع يحصل العلم بصدقهم مع استواء طرفيه والواسطة، وقد عد بعضهم حديث "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" متواترًا وهو في الصحيحين عن جماعة. (٣) وذكر البزار: أنه رواه عن النبي ﷺ نحو من أربعين رجلًا من الصحابة قال ابن الصلاح، وقال بعضهم: اثنان وستون نفسًا من الصحابة، فيهم العشرة المشهود لهم بالجنة قال: وليس في الدنيا حديث أجمع عليه العشرة غيره، ولا يُعرف حديث يُروى عن أكثر من ستين من الصحابة، وليس حديث إنما الأعمال بالنيات من ذلك. والمعلل: ولا يقال المعلول فإنه لحن، وهو عبارة عن سبب غامض قادح مع أن الظاهر السلامة منه، ويتطرق إلى الإسناد الجامع لشروط الصحة ظاهرًا، ويدرك بتفرد الراوى

стр. 63

ومخالفة غيره له، مع قرائن تنبه العارف على وهم بإرسال أو وقف أو غير ذلك. والطريق إلى معرفته مذكور في المبسوطات. (١) والمضطرب: هو الذي يُروى على أوجه مختلفة متفاوتة، فإن ترجحت إحدى الروايتين بكثرة الحفظ، وقدم صحبة الراوي، فالحكم للراجح وإلا اضطراب. (٢) والمدرج: هو الكلام الملحق بآخر كلام النبي ﷺ من كلام الراوي، أو يلحق متن بمتن بإسناد أحدهما، وهذا قد استعمله المصنف في المصابيح. (٣) والموضوع: هو المختلق، وهو شر الضعيف، ويحرم روايته مع العلم به في أي معنى كان إلا مبينًا، ويعرف الوضع بإقرار الواضع، أو قرينة في الراوي أو المروي. (٤) والناسخ والمنسوخ: المختار أن النسخ رفع الشارع حكمًا منه متقدمًا بحكم منه متأخر. (٥) فرع في معرفة الاعتبار والمتابعة والشاهد: فإذا روى حماد مثلًا حديثًا عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، ينظر هل رواه ثقة غير حماد

стр. 64

عن أيوب، أو عن ابن سيرين غير أيوب، أو عن أبي هريرة غير ابن سيرين، أو عن النبي ﷺ غير أبي هريرة، فأي ذلك وجد علم أن له أصلًا يرجع إليه، فهذا النظر والتفتيش يسمى اعتبارًا. وأما المتابعة: فأن يرويه عن أيوب غير حماد، أو عن ابن سيرين غير أيوب، أو عن أبي هريرة غير ابن سيرين، أو عن النبي ﷺ غير أبي هريرة، فكل واحد من هذه الأقسام يسمى متابعة، وأعلاها الأولى، وهي متابعة حماد في الرواية عن أيوب ثم ما بعدها على الترتيب. وأما الشاهد: فأن يروى حديث آخر بمعناه، ويسمى المتابعة شاهدًا ولا يسمى الشاهد متابعة، وإذا قالوا تفرد به أبو هريرة، أو ابن سيرين، أو أيوب، أو حماد، كان مشعرًا بانتفاء المتابعات كلها. الفصل الثالث: قال البغوي: الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، والصلاة التامة الدائمة على رسوله المجتبى، محمد سيد الورى، وعلى آله نجوم الهدى، أما بعد: فهذه ألفاظ صدرت عن صدر النبوة، وسنن سارت عن معدن الرسالة، وأحاديث جاءت عن سيد المرسلين، وخاتم النبيين، هن مصابيح الدجى خرجت عن مشكاة التقوى، مما أوردها الأئمة في كتبهم. جمعتها للمنقطعين إلى العبادة، لتكون لهم بعد كتاب الله حظًّا من السنن، وعونًا على ما هم فيه من الطاعة، وتركت ذكر أسانيدها حذرًا من الإطالة عليهم، واعتمادًا على نقل الأئمة، وربما سميت في بعضها الصحابي الذي يرويه عن رسول الله ﷺ لمعنى دعا إليه (١) وتجد أحاديث كل باب منها تنقسم إلى

стр. 65

صحاح وحسان، أعني بالصحاح: ما أخرجه الشيخان أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري، رحمهما الله، في جامعهما، أو أحدهما. وأعني بالحسان: ما أورده أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، وغيرهما من الأئمة في تصانيفهم ﵏، وأكثرها صحاح، بنقل العدل عن العدل، غير أنها لم تبلغ غاية شرط الشيخين في علو الدرجة من صحة الإسناد إذ أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن. وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرت إليه، وأعرضت عن ذكر ما كان منكرًا أو موضوعًا، والله المستعان، وعليه التكلان. روى عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه. قلت: رواه الجماعة: البخاري في سبعة مواضع: في بدء الوحي، وفي الإيمان، وفي العتق، وفي الهجرة، وفي النكاح، وفي النذور. وبلفظه فيه رواه المصنف، إلا أن البخاري قال: عن عمر سمعت رسول الله ﷺ وهو قريب من لفظ المصنف، وترك الحيل، ومسلم في الجهاد، وأبو داود في الطلاق، والترمذي في الحدود، والنسائي في مواضع منها في الأيمان والنذور، وابن ماجه في الزهد، كلهم من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي المدني عن عمر بن الخطاب القرشي العدوي أمير المؤمنين يرفعه إلى النبي ﷺ . (١)

стр. 66

وهذا الحديث أحد الأحاديث الأربعة التي نقل عن أبي داود أنه قال: إنها تكفي الإنسان لدينه، نقل ذلك عنه صاحبه أبو بكر محمد بن بكر بن داسة قال: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله ﷺ خمس مائة ألف حديث انتخبت منها ما تضمنه هذا الكتاب يعني كتاب السنن جمعت فيه أربعة آلاف وثمان مائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه ويكفي الإنسان لدينه، من ذلك أربعة أحاديث أحدها: قوله ﷺ إنما الأعمال بالنيات، والثاني: قوله ﷺ من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، والثالث: قوله ﷺ لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه، والرابع: قوله ﷺ الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات. الحديث. قوله: وإنما لامرئ ما نوى، فائدة ذكره بعد ذكره إنما الأعمال بالنيات بيان أن تعيين المنوي شرط فلو كان على إنسان صلاة مقضية لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة بل يشترط أن ينوي كونها ظهرًا أو عصرًا، ولولا اللفظ الثاني لاقتضى الأول صحة النية بلا تعيين أو أوهم ذلك. والهجرة: أصلها الترك، والمراد هنا ترك الوطن، ومعناه: من قصد بهجرته وجه الله وقع أجره على الله ومن قصد دنيا، أو امرأة، فهي حظه ولا نصيب له في الآخرة، وهذا قيل إنه جاء على سبب وهو أن رجلًا هاجر ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس، فقيل: مهاجر أم قيس. والله أعلم. (١)

стр. 67

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الإيمان من الصحاح ١ - بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي ﷺ وأسند ركبتيه الى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه، فقال: يا محمد أخبرني عن الإيمان، فقال: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" فقال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإسلام، قال: "الإسلام أن تشهد أن لا إله الا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا" قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" قال: فأخبرني عن الساعة، قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: "أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة، رعاء الشاء يتطاولون في البنيان"، ثم انطلق فلبثت مليًّا ثم قال لي: "يا عمر أتدري من السائل؟ " قلت: الله ورسوله أعلم قال: "فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم". قلت: رواه مسلم في هذا الباب من حديث عمر بن الخطاب، قال الحميدي (١): وفي بعض الروايات زيادة ونقصان، ولم يخرج البخاري في هذا عن عمر شيئًا وروى

стр. 68

أبو داود في السنة حديث عمر هذا بكماله، ورواه النسائي والترمذي هنا، وفي الترمذي تقديم وتأخير. (١) و"بينما" بين كلمة معناها التوسط تقول: جلست بين القوم أي في وسطهم وزيدت "ما" فيها عوضًا عما يستحقه من المضاف إليه ولذلك لا يضاف والمعنى بين أوقات أو حالات نحن جالسون فيها زمان طلوع هذا الرجل. "لا يرى" بالياء المثناة من تحت المضمومة وضبطه بعضهم بالنون المفتوحة، "ووضع يديه على فخذيه" معناه الداخل وضع كفيه على فخِذَي نفسه. ومناداته له ﷺ باسمه، يجوز أن يكون قبل نزول قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ويجوز أن يكون ذلك لعدم دخول الملك في النهي، قلت: وهذا ضعيف، لأنه وإن لم يكن داخلًا فقد أتى ليعلمنا ديننا. "والقدر" قال: في "النهاية" (٢): هو التقدير، والقضاء للخلق، وهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن القدر بمنزلة الأساس، والقضاء بمنزلة البناء. "أماراتها" -بفتح الهمزة: وهي العلامات، "أن تلد الأمة ربتها" قال الأكثرون: هو إخبار عن كثرة السراري فإن ولدها من سيدها بمنزلة السيد. "العالة": الفقراء. "رعاء": بكسر الراء وبالمد. "فلبث" قلت: قال النووي (٣): ضبطناه فلبث، آخره ثاء مثلثة وفي كثير من نسخ مسلم بزيادة تاء المتكلم في آخره (يعني: فلبثتُ) والكل صحيح. مليًّا بتشديد الياء معناه: وقتًا طويلًا.

стр. 69

قوله ورواه أبو هريرة وفي روايته: وأن ترى الحفاة العراة، الصم البكم، ملوك الأرض في خمس لا يعلمهن إلا الله، إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث الآية. قلت: رواه الشيخان (١) هنا من حديث أبي هريرة وأعاده البخاري في تفسير سورة لقمان، وفي كلا الموضعين لم يقل: الصم البكم ملوك الأرض بل قال في التفسير: وإذا كان الحفاة العراة رؤوس الناس فذاك من أشراطها، وقال في الإيمان: وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان، وروى أبو داود والنسائي معناه. من حديث أبي هريرة، وأبي ذر. الحفاة العراة: المراد بهم الجهلة السفلة الرعاع، كما قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ أي لما لم ينتفعوا بجوارحهم فكأنهم عدموها. ٢ - قال رسول الله ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان". قلت: رواه الشيخان، والترمذي، والنسائي، أربعتهم (٢) هنا من حديث ابن عمر، وقد وقع في جامع الأصول (٣) إن هذا لفظ مسلم خاصة، وأن لفظ البخاري ومسلم: أن رجلًا قال لابن عمر: ألا تغزو، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الإسلام بني على خمس. وذكر الحديث، هذا كلامه، وليس كما قال، بل ما ذكره المصنف هو رواية الصحيحين، وما عزاه هو إلى الصحيحين ليس كذلك، بل هو في مسلم خاصة في الإيمان وقد نبه على ذلك الحافظ عبد الحق في الجمع بين الصحيحين (٤)

стр. 70

حين ذكر رواية مسلم في الحديث أن البخاري لم يقل ما قيل لا بن عمر ألا تغزو انتهى. وأعاده البخاري في التفسير فقال من حديث نافع: أن رجلًا أتى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عامًا وتعتمر عامًا وتترك الجهاد في سبيل الله، وقد علمت ما رغب الله فيه، قال: يا ابن أخي بني الإسلام على خمس وساقه مطولًا بلفظ آخر. فاعتمد ما ذكرته ولا تغتر بما وقع في جامع الأصول فإنه وهم وهو أول حديث في جامع الأصول والله تعالى أعلم. قوله على خمس: أي خمس خصال أو دعائم، وقد صح أيضًا ثبوت الهاء أي: خمسة أركان أو أشياء. ٢ - قال رسول الله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان". قلت: رواه مسلم، والترمذي، والنسائي، في هذا الباب، وأبو داود، وابن ماجه في السنة (١)، كلهم من حديث عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة، وأسقط الترمذي من روايته: والحياء من الإيمان، قال عبد الحق (٢): ولم يخرج البخاري هذا الحديث إنما أخرج من حديث أبي هريرة: الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان (٣). قال: وفي رواية لأبي أحمد الجرجاني (٤) بضع وسبعون. قال النووي (٥): ورواية البخاري في أول كتابه بضع وستون من رواية العقدي يعني أبا عامر قال:

стр. 71

واختلف العلماء في الراجح من الروايتين فقال عياض: الصواب ما وقع في سائر الأحاديث ولسائر الرواة بضع وسبعون. (١) وقال ابن الصلاح: جاء في الصحيحين من رواية سليمان بن بلال عن عمرو بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة فيما عندنا في كتاب مسلم بضع وسبعون وفيما عندنا من كتاب البخاري بضع وستون وقد ثبتت كل واحدة منهما عن كل واحد من الكتابين ولا إشكال في أن كل واحدة منهما رواية معروفة في طرق هذا الحديث واختلفوا في الترجيح، قال: والأشبه بالإتقان والاحتياط ترجيح رواية الأقل، قال: وممَّن رجح رواية الأكثر واختارها أبو عبد الله الحليمي، وقال: الحكم لمن حفظ الزيادة جازمًا بها. (٢) البضع: بكسر الباء وفتحها وكذلك البضعة هذا في العدد، وأما بَضعة اللحم فبالفتح لا غير وهو في العدد ما بين الثلاث والعشرة وقيل غير ذلك (٣)، الشعبة: القطعة من الشيء فمعناه بضع وسبعون خصلة. ٤ - قال رسول الله ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه". قلت: رواه البخاري بهذا اللفظ هو والنسائي في الإيمان وأبو داود في الجهاد إلا أن النسائي قال: من هجر ما حرم الله عليه، كلهم من حديث عبد الله بن عمرو وليس هذا

стр. 72

الحديث في مسلم، لكن الذي في مسلم أن رجلا سأل النبي ﷺ أي المسلمين خير قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وليس هذا في البخاري كذا قاله عبد الحق. (١) ٥ - قال ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والد هو ولده والناس أجمعين". قلت: رواه الشيخان والنسائي ثلاثتهم في الإيمان وابن ماجه في السنة، كلهم من حديث أنس يرفعه (٢) قال ابن بطال (٣) وغيره: المحبة ثلاثة أقسام: محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد، ومحبة شفقة ورحمة كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة سائر الناس، فجمع ﷺ أصناف المحبة في محبته فمن استكمل الإيمان علم أن حق النبي ﷺ عليه آكد من حق أبيه وابنه والناس أجمعين، ومن محبته ﷺ نصرُ سنته والذبُ عن شريعته وامتثال أوامره ﷺ . ٦ - قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدًا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله، كما يكره أن يلقى في النار". قلت: رواه الشيخان والنسائي ثلاثتهم في الإيمان من حديث شعبة عن قتادة عن أنس يرفعه (٤)،

стр. 73

ونقل النووي (١) عن العلماء أن معنى حلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في رضى الله تعالى ورسوله ﷺ وإيثار ذلك على عَرَض الدنيا، ومحبة العبد ربه بفعل الطاعات، وترك مخالفته، وكذلك محبة رسوله ﷺ . ومعنى يعود إلى الكفر: أي يصير إليه، وقد جاء العود بمعنى الصيرورة. ٧ - قال ﷺ : "ذاق طعم الايمان من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا". قلت: رواه مسلم والترمذي في الإيمان كلاهما من حديث العباس بن عبد المطلب ولم يخرجه البخاري. (٢) ٨ - قال ﷺ : "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار". قلت: رواه مسلم في الإيمان من حديث عمرو بن الحارث عن أبي يونس عن أبي هريرة. (٣) قوله ﷺ : "لا يسمع بي أحد من هذه الأمة": أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلي يوم القيامة فكلهم ممن يجب عليه الدخول في طاعته ﷺ ، وخص اليهود والنصارى وإن كان الوجوب على الكل لأن اليهود والنصارى لهم كتاب، وإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابًا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى. ٩ - قال ﷺ : "ثلاثة لهم أجران رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه ورجل كانت عنده أمة يطوها فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران".

стр. 74

قلت: رواه البخاري في العلم، وفي العتق، وفي الجهاد، وفي أحاديث الأنبياء، وفي النكاح، ومسلم في الإيمان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ثلاثتهم في النكاح (١) من حديث أبي موسى الأشعري يرفعه. (٢)

стр. 75

١٠ - قال ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله". قلت: رواه الشيخان في الإيمان من حديث واقد بن محمد عن أبيه عن ابن عمر، إلا أن مسلمًا لم يذكر "إلا بحق الإسلام"، ورواه أيضًا النسائي في المحاربة وابن ماجه في الفتن كلاهما من حديث أبي سفيان عن جابر يرفعه. (١) ١١ - قال ﷺ : "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تخفروا الله في ذمته".
следующие страницы →