← Книги сунны

Книги сунны · id 17063

كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح

الصدر المناوي

Полный текст (2 643 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

قلت: رواه أبو داود (١) هنا من حديث زياد بن الحارث الصدائي، وفي سنده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي وقد تكلم فيه غير واحد. باب من لا تحل له المسألة ومن تحل من الصحاح ١٣١١ - تحمّلت حمالةً فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: "أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها" ثم قال: "يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة، حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة، حتى يصيب قِوامًا من عيش، أو قال سدادًا من عيش، ورجل أصابته فاقة، حتى يقوم ثلاثة من ذوى الحجى من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة، حتى يصيب قوامًا من عيش -أو قال سدادًا من عيش- فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكله صاحبها سحتًا". قلت: رواه مسلم وأبو داود والنسائي كلهم في الزكاة من حديث قبيصة بن مخارق ولم يخرجه البخاري ولا أخرج في كتابه عن قبيصة شيئًا. (٢) والحمالة: بفتح الحاء المهملة وتخفيف الميم، هي الكفالة، والحميل والكفيل والضمين والزعيم واحد، وتفسيرها هو: أن يقع بين القوم تشاجر بسبب دم، أو مال، فيتحمل شخص مالًا لصاحب الدم أو المال، طلبًا لتسكين الثائرة، والإصلاح بين الناس. الجائحة: هي الآفات التي تستأصل المال كله، أو بعضه، من سيل أو حريق أو غير ذلك. والقوام: بكسر القاف أي ما يقوم به حاله، ويستغني به، والسداد: بالكسر كل شيء سددت به خللًا، ومنه سداد القارورة، وسداد الثغر، وبالفتح إصابة الفضل

стр. 667

والحجى: بكسر الحاء المهملة مقصور: العقل. قوله ﷺ : حتى تقوم ثلاثة، قال النووي (١): هكذا هو في جميع نسخ مسلم، "يقوم ثلاثة" وهو صحيح، أي يقومون بهذا الأمر، فيقولون: لقد أصابت فلانًا فاقة، وإنما قال ﷺ "من قومه" لأنهم أهل الخبرة بباطنه، والمال مما يخفى في العادة، فلا يعلم إلا من كان خبيرًا بصاحبه، وإنما شرط الحجى تنبيهًا على أنه يشترط في الشاهد التيقظ، فلا تقبل من مغفل، وأما اشتراط الثلاثة، فقال به بعض أصحابنا لظاهر الحديث، وقال الجمهور: يقبل من عدلين، وحملوا الحديث على الاستحباب، وهذا محمول على من عرف له مال فلا يقبل. قوله: في تلفه والإعسار إلا ببينة، وأما من لم يعرف له مال فالقول قوله في عدم المال. قوله ﷺ : فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتًا، قال النووي (٢): هكذا في النسخ من مسلم، ورواه غيره سحت، وهذا واضح، ورواية مسلم صحيحة، وفيه إضمار أي: اعتقده سحتًا أو يؤكل سحتًا. ١٣١٢ - قال ﷺ : "من سأل الناس أموالهم تكثرًا، فإنما يسأل جمرًا، فليستقل أو ليستكثر". قلت: رواه مسلم هنا من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري. (٣) قال عياض (٤): معناه يعاقب بالنار، ويحتمل: أن يكون على ظاهره، وأن الذي يأكله يصير جمرًا يكوى بها كما ثبت في مانع الزكاة. ١٣١٣ - قال ﷺ : "ما يزال الرجل يسأل الناس، حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم".

стр. 668

قلت: رواه الشيخان هنا من حديث ابن عمر. (١) ومزعة لحم: بضم الميم وإسكان الزاي المعجمة أي قطعة لحم، قال القاضي (٢): معناه يأتي يوم القيامة ذليلًا ساقطًا، لا وجه له عند الله تعالى، وقيل: هو على ظاهره فيحشر ووجهه عظم لا لحم عليه عقوبة له، وعلامة بذنبه حين طلب وسأل بوجهه، كما جاءت الأحاديث الأخرى بالعقوبات في الأعضاء التي كانت بها المعاصي، وهذا فيمن سأل لغير ضرورة، وسؤالًا منهيًا عنه. ١٣١٤ - قال ﷺ : "لا تُلحفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئًا فتخرج له مسألته مني شيئًا، وأنا له كاره، فيبارك له فيما أعطيته". قلت: رواه مسلم هنا من حديث معاوية ولم يخرجه البخاري. (٣) وتلحفوا: بضم التاء المثناة من فوق وبسكون اللام وكسر الحاء المهملة وبالفاء أي يلحوا. قوله في المسألة، قال النووي (٤): كذا هو في بعض نسخ مسلم بالفاء وفي بعضها بالباء وكلاهما صحيح. ١٣١٥ - قال ﷺ : "لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه". قلت: رواه البخاري في كتاب الزكاة من حديث الزبير (٥) ولم يخرج مسلم عن الزبير في هذا شيئًا، وخرج عن أبي هريرة مثل معناه.

стр. 669

فيه الحث على الأكل من عمل اليد، وعلى الاكتساب بالمباحات كالحطب والحشيش النابتين في الموات. ١٣١٦ - سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال لي: "يا حكيم! إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يُبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى". قال حكيم، فقلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق، لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا. قلت: رواه البخاري بهذا اللفظ هنا، وفي الوصايا من حديث حكيم بن حزام، ورواه مسلم أيضًا هنا مختصرًا إلى قوله: "واليد العليا خير من اليد السفلى". (١) قوله ﷺ : "إن هذا المال خضر" بفتح الخاء المعجمة وكسر الضاد المعجمة، أيضًا قوله: حلو: بضم الحاء المهملة وسكون اللام، وشبهه في الرغبة فيه، والميل إليه، بالأخضر الحلو المستلذ، فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده، والحلو كذلك، فاجتماعهما أشد، وفيه إشارة إلى عدم بقائه، فإن الأخضر أسرع الألوان استحالة وتغيرًا. والسخاوة: والسخاء، الجود يقال سخى يسخو وسخي يسخى، والسخاوة هنا يجوز أن تكون راجعة إلى الآخذ -وهو الأظهر- أي من أخذه في حال كون نفسه سخية به لا لكثرة، ويجوز أن يكون راجعة إلى الدافع أي من أخذه ممن يدفعه سخية به نفسه. قوله ﷺ : "كالذي يأكل ولا يشبع"، قيل: هو الذي به داء لا يشبع بسببه، وقيل: المراد تشبيهه بالبهيمة الراعية. وأرزأ: بفتح الهمزة وسكون الراء المهملة وفتح الزاي المعجمة ثم بالهمزة ومعنى لا أرزأ أحدًا بعدك أي لا آخذ منه شيئًا، قاله في المشارق (٢).

стр. 670

١٣١٧ - قال ﷺ : "اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا هي المنفقة، والسفلى هي السائلة". قلت: رواه الشيخان وأبو داود والنسائي أربعتهم (١) هنا بهذا اللفظ، وقد روى أبو داود (٢) أيضًا من حديث مالك بن نضلة بسند جيد، أن رسول الله ﷺ قال: الأيدي ثلاث: فيد الله العليا، ويد المعطي تليها ويد السائل السفلى، وروي عن الحسن البصري: أن السفلى الممسكة المانعة، وذهبت المتصوفة إلى أن اليد العليا هي الآخذة لأنها نائبة عن الله تعالى، وما جاء في الحديث الصحيح من التفسير مع فهم المقصد من الحث على الصدقة أولى، قال أبو داود: واختلف على أيوب عن نافع في هذا الحديث قال عبد الوارث: اليد العليا المتعففة، وقال أكثرهم عن حماد بن زيد عن أيوب: اليد العليا المنفقة، وقال واحد يعني حماد بن زيد المتعففة. (٣) وفي الحديث ندب إلى التعفف عن المسألة، وحض على معالي الأمور وترك دنيها. ١٣١٨ - إن أناسًا من الأنصار سألوا رسولَ الله ﷺ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفذ ما عنده، فقال: "ما يكون عندي من خير، فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يُعفه الله، ومن يستغن يُغنه الله، ومن يتصبّر يُصَبّره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر". قلت: رواه الشيخان (٤) هنا من حديث أبي سعيد الخدري، ووقع في بعض نسخ كتاب البخاري: ثم سألوه فأعطاهم ثلاث مرات، وفي بعضها: مرتان، كما في كتاب مسلم. ونفد بكسر الفاء وبالدال المهملة أي فني.

стр. 671

والخير: المال، قال تعالى ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ أي لحب المال. قوله ﷺ : ومن يستعفف يعفه الله، والاستعفاف: طلب العفاف، والتعفف: هو الكف عن الحرام، والسؤال من الناس أي من طلب العفة، وتكلفها أعطاه الله إياها ورزقه من حيث لا يحتسب. ويستغن: أي يطلب الغنى من الله، والغنى مقصور هو اليسار. قوله ﷺ : وما أعطى أحد عطاء خير وأوسع من الصبر، قال النووي (١): هكذا هو في نسخ مسلم خبر مرفوع، وتقديره: هو خير، كما وقع في رواية البخاري. وفي هذا الحديث: الحث على التعفف والقناعة والصبر على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا. ١٣١٩ - كان النبي ﷺ يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه مني، فقال: "خذه فتموله، وتصدق به، فما جاءك من هذا المال، وأنت غيرَ مُشرف ولا سائل، فخذه ومالًا، فلا تُتبعه نفسك". قلت: رواه الشيخان (٢) البخاري هنا، وفي الأحكام، ومسلم هنا من حديث عمر بن الخطاب. قوله ﷺ : فتموله، قال الجوهري (٣): يقال: تموّل الرجل إذا صار ذا مال. وفي الحديث منقبة لعمر ﵁ وبيان لفضله وزهده وإيثاره. والمشرف إلى الشيء: هو المتطلع إليه الحريص عليه، قوله: ومالا فلا تتبعه نفسك، معناه: ما لم يوجد فيه هذا الشرط فلا تعلق النفس به. واختلف العلماء فيمن جاءه مال، هل يجب عليه قبوله أم يندب؟ على ثلاثة

стр. 672

مذاهب: قال النووي (١): الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور: أنه يستحب في غير عطية السلطان، وأما عطية السلطان: فحرمها قوم، وأباحها قوم، وكرهها قوم، والصحيح أنه إن غلب الحرام على ما في يد السلطان حرمت، وكذا أن أعطى من لا يستحق، وإن لم يغلب الحرام فمباح، إن لم يكن في القابض مانع يمنعه من استحقاقه الأخذ، وقالت طائفة: الأخذ واجب من السلطان وغيره، وقال آخرون: هو مندوب في عطية السلطان دون غيره. من الحسان ١٣٢٠ - قال رسول الله ﷺ : "المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه بدًا". قلت: رواه أبو داود والترمذي والنسائي كلهم هنا من حديث سمرة، قال الترمذي (٢): صحيح. كدوح: بضم الكاف والدال المهملة وبالواو والحاء المهملة. هي الآثار من الخدش والعض ونحوه، وقيل: الكدح أكثر من الخدش. ١٣٢١ - قال رسول الله ﷺ : "من سأل الناس وله ما يغنيه، جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش، أو خدوش، أو كدوح، قيل: يا رسول الله وما يغنيه، قال: "خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب". قلت: رواه الأربعة (٣) هنا من حديث ابن مسعود، وقال الترمذي: حسن، وقد تكلم

стр. 673

شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث، وقال النسائي: لا يعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم بن جبير، وحكيم: ضعيف، وسئل شعبة عن حديث حكيم فقال: أخاف النار، وقد كان يروي عنه قديمًا، وقال الذهبي: حكيم بن جبير ضعفوه، وقال الدارقطنى: متروك. والخموش: هي الخدوش، وهو بضم الخاء المعجمة فيهما، وبالشين المعجمة في أحدهما، يقال: خمشت المرأة وجهها تخمشه إذا خدشته بظفر أو حديدة، وكدوح: تقدم تفسيره في الحديث قبله ورأى بعضهم هذا الحديث حدًّا في غني تحرم عليه الصدقة، وأبى ذلك آخرون وضعفوا الحديث. وقال مالك والشافعي: لا حد للغني معلومًا، وإنما يعتبر حال الإنسان. وقال الشافعي ﵁: قد يكون الرجل بالدرهم غنيًّا مع الكسب ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله. ١٣٢٢ - قال ﷺ : "من سأل وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من النار"، قالوا: يا رسول الله! وما يغنيه؟، قال: "قدر ما يغذيه ويعشّيه". قلت: رواه أبو داود (١) هنا من حديث سهل بن الحنظلية، قال: قدم على رسول الله ﷺ عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، فسألاه، فأمر لهما بما سألا، وأمر معاوية فكتب لهما بما سألا, فأما الأقرع فأخذ كتابه فلفه في عمامته وانطلق، وأما عينية فأخذ كتابه وأتى النبي ﷺ مكانه، فقال: يا محمد أتراني أحمل إلى قومي كتابًا لا أدري ما فيه؟ كصحيفة المتلمّس، فأخبر معاوية بقوله رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "من سأل وعنده ما يغنيه .. " الحديث. ولم يضعفه ولا المنذري. والمتلمس: هو جرير بن عبد المسيح الضبعي الشاعر المشهور، جاهلي، هجا هو

стр. 674

وطرفة، عمرو بن هند ملك الحيرة، فكتب له ولطرفة بن العبد كتابين، أوهمهما أنه أمر لهما بجوائز، وكتب له يأمره بقتلهما، والقصة مشهورة عند العرب وإن المتلمس لما علم ما فيها رمى بها وهرب، فضربت العرب المثل بصحيفته، وأما طرفة فوافى بصحيفته فقتل. وقد اختلف الناس في تأويل ما يغديه ويعشيه فقال بعضهم: من وجد غداء يومه وعشاه، لم تحل له المسألة وقال آخرون: من وجد غداء وعشاء دائم الأوقات. فإذا كان عنده ما يكفيه المدة الطويلة حرمت عليه المسألة، وقيل: هذا منسوخ بما تقدم من الأحاديث، ولا شك أنه يجوز لصاحب الغداء والعشاء أن يسأل الجبة والكساء. - وفي رواية: شِبَع ليلةٍ ويومٍ. قلت: رواها أبو داود أيضًا، رواية من الحديث قبلها. ١٣٢٣ - قال ﷺ : "من سأل منكم وله أوقية أو عدلها، فقد سأل إلحافًا". قلت: رواه أبو داود هنا (١) من حديث عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد أنه قال: نزلت أنا وأهلي ببقيع الغرقد. قال لي أهلي: اذهب إلى رسول الله ﷺ فسله لنا شيئًا نأكله فجعلوا يذكرون من حاجتهم فذهبت إلى رسول الله ﷺ فوجدت عنده رجلًا يسأله، ورسول الله ﷺ يقول: لا أجد ما أعطيك فتولى الرجل، وهو مغضب، وهو يقول: لعمري إنك لتعطي من شئت، فقال رسول الله ﷺ : "يغضب علي أن لا أجد ما أعطيه، من سأل منكم، وله أوقية أو عدلها، فقد سأل إلحافًا" قال الأسدي: فقلت: للقحة لنا خير من أوقية، والأوقية أربعون درهمًا، قال: فرجعت ولم أسأله، فقدم على رسول الله ﷺ بعد ذلك شعير وزبيب، فقسم لنا منه، أو كما قال، حتى أغنانا الله . وأخرجه النسائي ولم يضعفه أبو داود ولا المنذري. وبقيع الغرقد: بالباء الموحدة مدفن المدينة، والغرقد: من شجر العضاه، والعضاه

стр. 675

شجر له شوك، وقيل: الطلح والسدر، وكان فيه غرقد فذهب، وهو بفتح الغين المعجمة وسكون الراء المهملة وبعدها قاف ودال مهملة، وقد تقدم تفسير الأوقية في أول باب ما تجب فيه الزكاة، قوله: أو عدلها: قال ابن الأثير: العِدْل، والعَدْل بالكسر والفتح بمعنى واحد، وهو المثل. وقيل هو بالفتح ما عادله من جنسه، وبالكسر ما ليس من جنسه، وقيل بالعكس، وإلحافًا: بكسر الهمزة وسكون اللام وبالحاء المهملة والفاء، يقال: ألحف في المسألة إذا بالغ فيها وألح. ١٣٢٤ - قال رسول الله ﷺ : "إن المسألة لا تحل لغني، ولا لذي مرة سوي، إلا لذي فقر مدقع، أو غرم مفظع، ومن سأل الناس ليثري به ماله، كان خموشًا في وجهه يوم القيامة، ورضفًا يأكله من جهنم، فمن شاء فليُقِلّ ومن شاء فليُكثر". قلت: رواه الترمذي (١) هنا من حديث حبشي بن جنادة السلولي، قال: سمعت رسول الله ﷺ في حجة الوداع، وهو واقف بعرفة، وقد أتاه أعرابي فأخذ بطرف ردائه، فسأله إياه فأعطاه وذهب، فعند ذلك حرمت المسألة فقال رسول الله ﷺ : "إن المسألة لا تحل .. " وساقه، وسنده رجاله موثقون. والمرة: بكسر الميم وبالراء المهملة وتاء التأنيث، هي القوة والشدة، والسوي: الصحيح الأعضاء. وفقر مدقع: أي شديد يفضي بصاحبه إلى الدقعاء أي إلى التراب، وقيل: هو سوء احتمال الفقر، ومفظع: بضم الميم وسكون الفاء وبالظاء المعجمة المشالة، وبالعين المهملة هو الشديد الشنيع، ويثري: بالثاء المثلثة أي يكثر به ماله، والرضف: بالضاد المعجمة، الحجارة المحماة. ١٣٢٥ - ويروى: "إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو ذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع".

стр. 676

قلت: رواه الأربعة هنا من حديث أنس مطولًا (١) وقال الترمذي: حسن، لا نعرفه إلا من حديث الأخضر بن عجلان، قال يحيى بن معين: صالح، وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه. والدم الموجع: هو ما يتحمله الإنسان من الدية فإن لم يتحملها وإلا قتل، فيوجعه القتل. ١٣٢٦ - قال ﷺ : "من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أوْشَك الله له بالغنى: إما بموت عاجل، أو غنى عاجل". قلت: رواه أبو داود والترمذي (٢) كلاهما هنا من حديث عبد الله بن مسعود وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. وأوشك بفتح الهمزة وفتح الشين المعجمة ومعناه عند الخليل: أسرع. باب الإنفاق وكراهية الإمساك من الصحاح ١٣٢٧ - قال رسول الله ﷺ : "لو كان لي مثل أحد ذهبًا، لسرّني أن لا يمر عليَّ ثلاث ليال وعندي منه شيء، إلا شيء، أرصده لِدَيْنٍ". قلت: رواه البخاري في الرقاق (٣) من حديث عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة ورواه

стр. 677

أيضًا في التمني، بمثل معناه، من حديث معمر عن همام عن أبي هريرة ومسلم في الزكاة من حديث أبي هريرة واللفظ للبخاري. وأرصده: بضم الهمزة، وكسر الصاد، أي: أعده. ١٣٢٨ - قال ﷺ : "ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا". قلت: رواه الشيخان (١) هنا، والنسائي في عشرة النساء، ثلاثتهم من حديث أبي الحباب واسمه سعيد بن يسار عن أبي هريرة، قال العلماء: وهذا في الإنفاق في الطاعات، ومكارم الأخلاق وعلى العيال والضيفان والصدقات، ونحو ذلك، بحيث لا يذم ولا يسمى سرفًا، والإمساك المذموم هو الإمساك عن هذا. ١٣٢٩ - قال ﷺ لها: "أنفقي، ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك، ارضخي ما استطعت". قلت: رواه الشيخان والنسائي ثلاثتهم في الزكاة وأعاده البخاري في الهبة أيضًا من حديث أسماء بنت أبي بكر. (٢) وارضخي: همزته همزة وصل، وبالراء المهملة وبالصاد والخاء المعجمتين، من الرضخ بسكون الضاد، وهو: العطية، وقيل: العطية القليلة. ومعنى الحديث: الحث على النفقة في الطاعة، والنهي عن الإمساك والبخل، وعن ادخار المال في الوعاء. قوله ﷺ : ولا تحصى فيحصي الله عليك، وتوعى عليك هو من باب مقابلة اللفظ باللفظ للتجنيس كما قال تعالى ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ ومعناه يمنعك كما منعت، ويقتر عليك كما قترت، ويمسك فضله عنك كما أمسكت وقيل معنى: ولا تحصي أي لا تعديه

стр. 678

فتستكثريه، فيكون سببًا لانقطاع إنفاقك، والإحصاء للشيء: معرفته قدرًا أو وزنًا أو عدًّا. ١٣٣٠ - قال ﷺ : "قال الله تعالى: أنفق يا ابن آدم أنفق عليك". قلت: رواه الشيخان: البخاري في التوحيد، ومسلم في الزكاة كلاهما من حديث أبي هريرة يرفعه. (١) ١٣٣١ - قال ﷺ : "يا ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول". قلت: رواه مسلم هنا من حديث أبي أمامة، ولم يخرجه البخاري بجملته، وأخرج: "ابدأ بمن تعول" من حديث ابن عمر وغيره. (٢) والفضل هو ما زاد على الحاجة، قوله ﷺ : لا تلام على كفاف، هو بفتح الكاف: القوت، أي لا تلام على طلب القوت أو تحصيله، وهو ما كف عن الناس أي أغنى. ١٣٣٢ - قال ﷺ : "مثل البخيل والمتصدق: كمثل رجلين عليهما جُنَّتان من حديد، قد اضطرت أيديهما إلى ثديّهما، وتراقيهما، فجعل المتصدق كما تصدق بصدقة انبسطت عنه، وجعل البخيل كما هم بصدقة قلصت، وأخذت كل حلقة بمكانها". قلت: رواه الشيخان: البخاري في اللباس ومسلم في الزكاة والنسائي فيه من حديث أبي هريرة يرفعه. (٣) قال النووي في شرح مسلم (٤): صوابه: جنتان بضم الجيم وبالنون، والجنة: الدرع، ومعنى قلصت: انقبضت، وجاء هذا الحديث على التمثيل لا على الخبر قيل: وإنما ضرب المثل بهما لأن المنفق يستره الله بنفقته، ويستر عوراته في الدنيا والآخرة، كستر

стр. 679

هذه الجنة لابسها، والبخيل كمن لبس جبة إلى ثدييه، فيبقى مكشوفًا بادي العورة مفتضحًا في الدنيا والآخرة. (١) ١٣٣٣ - قال ﷺ : "تصدقوا فإنه يأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها، يقول الرجل: لو جئت بها بالأمس لقبلتها، فأما اليوم فلا حاجة لي بها". قلت: رواه الشيخان والنسائي كلهم في الزكاة من حديث حارثة بن وهب (٢) يرفعه. وهذا الزمن الذي أشار إليه في الحديث يكون من مقدمات الساعة، وسبب عدم قبولهم الصدقة: كثرة الأموال وظهور كنوز الأرض، ووضع البركات فيها كما ثبت في الصحيح، وذلك بعد هلاك يأجوج ومأجوج، وقلة الناس، وقلة آمالهم، وقرب الساعة وعدم ادخارهم. ١٣٣٤ - قال رجل يا رسول الله: أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: "أن تصّدّق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تُمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان". قلت: رواه الشيخان: البخاري في الزكاة وفي الوصايا ومسلم في الزكاة وأبو داود والنسائي كلاهما في الوصايا والنسائي في الزكاة أيضًا. (٣) قال الخطابي (٤): الشح أعم من البخل، وكأن الشح جنس، والبخل نوع، وأكثر ما يقال البخل في أفراد الأموال، والشح عام كالوصف اللازم، وما هو من قبيل الطبع قال: فمعنى الحديث: أن الشح غالب في حال الصحة، فإذا سمح فيها وتصدق كان

стр. 680

أصدق في نيته، وأعظم لأجره، بخلاف من أشرف على الموت، وآيس من الحياة، ورأى مصير المال لغيره، فإن صدقته حينئذ ناقصة بالنسبة إلى حالة الصحة والشح ورجاء البقاء وخوف الفقر، وتأمل الغنى: بضم الميم أي تطمع به، ومعنى بلغت الحلقوم: أي قاربت الروح بلوغ الحلقوم، إذ لو بلغته حقيقة لم يصح وصية ولا صدقة، ولا شيء من تصرفاته باتفاق الفقهاء. قوله ﷺ لفلان كذا، ولفلان كذا، الأوقد كان لفلان، قال الخطابي: المراد به الوارث وقال غيره المراد به: سبق القضاء به للموصى له، ويحتمل أن يكون المعنى أنه قد خرج عن تصرفه، وكمال ملكه، واستقلاله بما شاء من التصرف، فليس له في وصيته كبير ثواب بالنسبة إلى صدقة الصحيح الشحيح، والله أعلم. ١٣٣٥ - انتهيت إلى النبي ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال: "هم الأخسرون ورب الكعبة" فقلت: فداك أبي وأمي من هم؟ قال: "الأكثرون أموالًا، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا وهكذا: من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، وقليل ما هم". قلت: رواه البخاري في الزكاة وفي النذور ومسلم والترمذي والنسائي ثلاثتهم في الزكاة من حديث أبي ذر. (١) وفيه الحث على الصدقة في وجوه الخير، وأنه لا يقتصر على نوع من وجوه البر، بل ينفق في كل وجه من وجوه الخير ممكنة. وفيه جواز الحلف من غير تحليف وقد كثر ذلك في الأحاديث الصحيحة فهو مستحب إذا كانت المصلحة فيه، كتوكيد أمر مهم ودفع توهم المجاز، وإنما خص الجهات الأربع ولم يذكر فوقه وتحته موافقة لقوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ الأعراف: ١٧.

стр. 681

من الحسان ١٣٣٦ - قال رسول الله ﷺ : "السخي: قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل: بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل". قلت: رواه الترمذي في الأدب (١) من حديث أبي هريرة، وفي سنده سعيد ابن محمد الوراق، قال الذهبي: ضعيف، وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه من حديث يحيى بن سعيد، عن الأعرج، عن أبي هريرة إلا من حديث سعيد بن محمد. والسخاء: الجود. (٢) ١٣٣٧ - قال ﷺ : "مثل الذي يتصدق عند موته أو يعتق، كالذي يهدي إذا شبع". (صح). قلت: رواه الدارمي في الوصايا والبيهقي (٣) في الزكاة، من حديث شعبة، عن أبي

стр. 682

إسحق عن أبي حبيبة عن أبي الدرداء يرفعه، ورواه أبو داود في العتق والترمذي أيضًا في الوصايا، كلاهما من حديث سفيان عن أبي إسحاق، ولم يذكرا لفظ "الصدقة" وقد اقتصرا المصنف في "شرح السنة" على رواية الترمذي بغير سند، ولا عزاه للترمذي، فقال: وروي وساقه، وفي المصابيح روى لفظ الدارمي. ١٣٣٨ - قال ﷺ : "خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق". قلت: رواه الترمذي (١) في البر من حديث أبي سعيد وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث صدقة بن موسى. قال الذهبي: صدقة بن موسى ضعيف. ١٣٣٩ - قال ﷺ : "لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدًا". قلت: رواه النسائي (٢) في الجهاد وابن حبان، كلاهما من حديث ابن اللجلاج عن أبي

стр. 683

هريرة يرفعه. ١٣٤٠ - قال ﷺ : "لا يدخل الجنة خِبّ، ولا بخيل، ولا مَنّان". قلت: رواه الترمذي في البر (١) من حديث أبي بكر الصديق ﵁ وقال: غريب. والخب: بفتح الخاء المعجمة وبالباء الوحدة، الخدّاع، وقد تكسر خاؤه، فأما المصدر فبالكسر لا غير، قاله في النهاية. (٢) ١٣٤١ - قال ﷺ : "شر ما في الرجل: شُحّ هالِع، وجبن خالع". قلت: رواه أبو داود في الجهاد (٣) من حديث موسى بن علي عن أبيه عن عبد العزيز بن مروان عن أبي هريرة، قال محمد بن طاهر: وهو إسناد متصل. والهلع: أشد الجزع والضجر. ومعنى جبن خالع: أي شديد، كأنه يخلع فؤاده. باب فضل الصدقة من الصحاح ١٣٤٢ - قال رسول الله ﷺ : "من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يُرَبِّيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فُلّوه، حتى

стр. 684

تكون مثل الجبل". قلت: رواه الشيخان: هنا وللبخاري في التوحيد في باب قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ مثل معناه، كلاهما من حديث أبي هريرة واللفظ للبخاري. (١) قوله ﷺ : "بعدل تمرة"، قال في النهاية (٢): العدل بكسر العين وفتحها بمعنى المثل، وقد تقدم، والفلو: بفتح الفاء وتشديد الواو، وهو المهر. ١٣٤٣ - قال ﷺ : "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عِزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله". قلت: رواه مسلم في الأدب والترمذي في البر كلاهما من حديث أبي هريرة. وأخرجه في الموطأ مرسلًا أنه سمع العلاء بن عبد الرحمن يقول: ما نقصت صدقة من مال: وذكر الحديث، وقال مالك في آخره: لا أدري أيرفع هذا الحديث إلى النبي ﷺ أم لا، ولم يخرج هذا الحديث البخاري. (٣) ١٣٤٤ - قال ﷺ : "من أنفق زوجين من شيء في سبيل الله، دعي من أبواب الجنة، وللجنة أبواب: فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد، دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة، دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام، دعي من باب الريان"، فقال أبو بكر: ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم". قلت: رواه البخاري في فضل أبي بكر الصديق، ومسلم هنا كلاهما من حديث أبي هريرة. (٤)

стр. 685

قوله ﷺ : "من أنفق زوجين في سبيل الله" قال القاضي (١): قال الهروي في تفسير هذا الحديث: قيل وما زوجان؟ قال: فرسان أو عبدان أو بعيران، قال بعضهم: كل شيء قرن بصاحبه فهو زوج، يقال: زوجت بين الإبل، إذا قرنت بعيرًا ببعير وقيل: درهم ودينار أو درهم وثوب، قال: والزوج يقع على الاثنين، ويقع على الواحد، وقيل: إنما يقع على الواحد إذا كان معه آخر، ويقع الزوج أيضًا على المصنف، وفسر به قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ وأما في سبيل الله: فقيل على عمومه في جميع وجوه الخير، وقيل: هو مخصوص بالجهاد، والأول أصح وأظهر. انتهى كلام القاضي. قوله ﷺ : "فمن كان من أهل الصلاة" إلى آخره أي: من كان الغالب عليه في عمله وطاعته ذلك. وقد جاء أن للجنة ثمانية أبواب، ذكر في هذا الحديث أربعة منها قال القاضي (٢): وقد جاء ذكر أبواب الجنة في حديث آخر: باب التوبة، وباب الكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، وباب الراضين، فهذه سبعة أبواب جاءت في الأحاديث، وجاء في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلونها بغير حساب أنهم يدخلونها من الباب الأيمن فلعله الثامن. ١٣٤٥ - قال رسول الله ﷺ : "من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ " قال أبو بكر: أنا، قال: "فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ "، قال أبو بكر: أنا، قال: "فمن أطعم اليوم منكم مسكينًا؟ "، قال أبو بكر: أنا، قال: "فمن عاد اليوم منكم مريضًا؟ " قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله ﷺ : "ما اجتمعن في امرىء إلا دخل الجنة". قلت: رواه مسلم هنا من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري. (٣) ١٣٤٦ - قال رسول الله ﷺ : "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة".

стр. 686

قلت: رواه البخاري مختصرًا ومطولًا في الأدب في الرقائق وفي صفة النار وفي التوحيد، ومسلم في الزكاة مطولًا كلاهما من حديث أبي هريرة، وأخرجه البخاري أيضًا في الرقاق ومسلم في الزكاة كلاهما من حديث عدي بن حاتم وكذا الترمذي في الزهد وابن ماجه في السنة. (١) وشق التمرة: بكسر الشين نصفها وجانبها. ١٣٤٧ - قال ﷺ : "يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارة لجارتها ولو فِرسِن شاة". قلت: رواه الشيخان البخاري في الأدب ومسلم هنا كلاهما من حديث الليث عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة ورواه البخاري أيضًا في الهبة من غير طريق الليث. (٢) قوله ﷺ : "يا نساء المسلمات": ذكر القاضي عياض (٣) في إعرابه ثلاث أوجه: أصحها وأشهرها نصب نساء، وجر المسلمات على الإضافة، قال الباجي: وبهذا رويناه عن جميع شيوخنا بالمشرق، وهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، والموصوف إلى صفته، والأعم إلى الأخص كمسجد الجامع، وجانب الغربي، ولدار الآخرة، وتقديره هنا يا نساء الأنفس المسلمات أو الجماعات المؤمنات، وقيل تقديره: يا فضلات المسلمات كما يقال هؤلاء رجال القوم أي سادتهم وأفاضلهم. والوجه الثاني: رفع النساء ورفع المسلمات، على معنى النداء أو الصفة قال الباجي: وهكذا يرويه أهل بلادنا. والوجه الثالث: رفع نساء، وكسر التاء من مسلمات على أنه منصوب على الصفة على الموضع، كما يقال: يا زيد العاقل، برفع زيد، ونصب العاقل.

стр. 687

والفرسن: بكسر الفاء والسين المهملة من البعير بمنزلة الحافر من الدابة وربما استعير في الشاة قاله الجوهري. وهذا النهي عن الاحتقار، نهي للمعطية المهدية، ومعناه: لا تمتنع جارة من الصدقة والهدية لجارتها، لاستقلالها واحتقارها الموجود عندها، بل تجود بما تيسر وإن كان قليلًا كفرسن شاة، وهو خير من العلم وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ وهذا التأويل هو الظاهر، وهو تأويل مالك لإدخاله هذا الحديث في باب الترغيب في الصدقة، ويحتمل أن يكون نهيًا للمعطاة عن الاحتقار. ١٣٤٨ - قال ﷺ : "كل معروف صدقة". قلت: رواه البخاري في الأدب من حديث محمد بن المنكدر عن جابر يرفعه ومسلم في الزكاة وأبو داود في الأدب من حديث ربعي بن حراش عن حذيفة. (١) ١٣٤٩ - قال ﷺ : "لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق". قلت: رواه مسلم في الأدب (٢) من حدبث أبي ذر، والترمذي في الأطعمة ضمن حديث ذكره. ١٣٥٠ - قال ﷺ : "على كل مسلم صدقة" قالوا: فإن لم يجد؟ قال: "فيعمل بيديه، فينفع نفسه ويتصدق"، قالوا: فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ قال: "فيعين ذا الحاجة الملهوف"، قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: "فيأمر بالخير" قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: "فيمسك عن الشر، فإنه له صدقة". قلت: رواه البخاري في الأدب وفي الزكاة ومسلم والنسائي كلاهما في الزكاة من حديث سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى. (٣)

стр. 688

والملهوف: عند أهل اللغة، يطلق على المتحير، وعلى المضطر، وعلى المظلوم. ١٣٥١ - قال ﷺ : "كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل على دابته فتحمل عليها أو ترفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة". قلت: رواه البخاري في كتاب الجهاد في باب من أخذ بالركاب ونحوه، وفي باب من حمل متاع صاحبه في السفر، ومسلم في الزكاة كلاهما من حديث أبي هريرة. (١) والسلامى: بضم السين المهملة هو تخفيف اللام، وهو المفصل وجمعه سلاميات بفتح الميم وتخفيف الياء. قوله ﷺ : "تعدل بين اثنين" أي: تصلح بينهما. ١٣٥٢ - قال ﷺ : "خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مَفْصِل، فمن كبر الله، وحمد الله، وهلّل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعزل حجرًا عن طريق الناس، أو شوكة، أو عظمًا، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، عدد تلك الستين والثلاثمائة فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسَه عن النار". قلت: رواه مسلم (٢) في الزكاة من حديث عائشة وقال فيه: وقال أبو توبة: ربما قال: يمسي، وأبو توبة هذا أحد رواة الحديث، واسمه: الربيع بن نافع ولم يخرج البخاري هذا الحديث. مَفصِل: هو بفتح الميم وكسر الصاد. ١٣٥٣ - قال ﷺ : "إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بُضْع

стр. 689

أحدكم صدقة"، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر". قلت: رواه مسلم في الزكاة من حديث أبي ذر (١) ولم يخرجه البخاري عنه وأخرج عن أبي هريرة في الصلاة مثلَ معناه، وفي هذا زيادة. قوله ﷺ : "في بضع أحدكم صدقة": هو بضم الباء ويطلق على الجماع، ويطلق على الفرج نفسه، وكلاهما تصح إرادته هنا. وفي هذا دليل على أن المباح يصير طاعة بالنية الصادقة، فالجماع يصير عبادة إذا نوى به قضاء حق الزوجة، وإعفاف نفسه وإعفاف الزوجة، وغير ذلك من المقاصد الصالحة. قوله: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته: إلى آخره، فيه جواز القياس وهو مذهب العلماء كافة ولم يخالف فيه إلا أهل الظاهر، ولا يعتد بهم، وهذا القياس المذكور في هذا الحديث هو قياس العكس، واختلف الأصوليون في العمل به، وهذا الحديث دليل لمن عمل به وهو الأصح. وفيه فضيلة التسبيح وسائر الأذكار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحضار النية في المباحات، وذكر العالم دليلًا لبعض المسائل التي تخفى، وجواز سؤال المستفتى عن بعض ما يخفى من الدليل إذا علم من حال المسئول أنه لا يكره ذلك ولم يكن فيه سوء أدب. قوله: كان له أجر، رويناه في مسلم أجرًا بالنصب وبالرفع، وهما ظاهران، والله أعلم. ١٣٥٤ - قال ﷺ : "نِعم الصدقة اللقحة الصفي منحة، والشاة الصفي منحة، تغدو بإناء وتروح بآخر".

стр. 690

قلت: رواه البخاري في الأشربة، من حديث شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وروى مسلم في الزكاة من حديث سفيان بن عيينة عن أبي الزناد بمثل معناه. (١) قوله ﷺ : "نعم الصدقة اللقحة" قال في النهاية (٢) اللقحة: بالكسر والفتح الناقة القريبة العهد بالولادة، والصفي: الكثيرة اللبن. ومنحة: منصوب على التمييز. والمنحة: الناقة التي يعطيها الرجل غيره ليشرب من لبنها مدة ثم يردها على صاحبها. ومعنى تغدو بإناء وتروح بإناء: أي تحلب من لبنها ما يملأ إناء بالغداة، وما يملأ إناء بالعشي. ١٣٥٥ - قال ﷺ : "ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه إنسان أو طير أو بهمية، إلا كانت له صدقة". قلت: رواه البخاري في المزارعة وفي الأدب، ومسلم في البيوع، والترمذي في الأحكام ثلاثتهم من حديث أنس (٣) يرفعه. ١٣٥٦ - ويروى: "ما سرق منه فهو له صدقة". قلت: رواه مسلم (٤) في البيوع من حديث عطاء عن جابر ولفظه: ما من مسلم يغرس غرسًا إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما أكل منه السبع له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة، ولم يخرجه البخاري. ١٣٥٧ - قال ﷺ : "غُفر لامرأة مومسة مرت بكلب على رأس ركي يلهث، كاد يقتله العطش، فنزعت خفها، فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء، فغفر لها بذلك" قيل: إن لنا في البهائم أجرًا؟ قال: "في كل ذات كبد رطبة أجر".

стр. 691

قلت: رواه الشيخان: البخاري في بدء الخلق من حديث الحسن وابن سيرين كلاهما. (١) عن أبي هريرة بهذا اللفظ، ومسلم في الحيوان بمثل معناه، من حديثا هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة. والمؤمسة: الزانية، والركي: البئر التي لم تُطْوَ. ١٣٥٨ - قال ﷺ : "عُذبت امرأة في هرة أمسكتها، حتى ماتت من الجوع، فلم تكن تطعمها، ولا ترسلها، فتأكل من خشاش الأرض". قلت: رواه الشيخان (٢) من طرق عن أبي هريرة وابن عمر، البخاري في باب بدأ الخلق ومسلم في الحيوان. وخشاش الأرض: قال في المشارق (٣): بفتح الخاء المعجمة وكسرها وبشينين معجمتين بينهما ألف وهو هوامها وحكى فيه ضم الخاء أيضًا. ١٣٥٩ - قال ﷺ : "مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: لأنّحين هذا عن طريق المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة". قلت: رواه الشيخان: البخاري في الصلاة وفي غيرها، ومسلم والترمذي كلاهما في البر من حديث أبي هريرة يرفعه. (٤) ١٣٦٠ - قال ﷺ : "لقد رأيت رجلًا يتقلب في الجنة، في شجرة قطعها من ظهر الطريق، كانت تؤذي الناس". قلت: رواه الشيخان: البخاري في كتاب المظالم ومسلم في البر كلاهما من حديث

стр. 692

أبي هريرة. (١) ومعنى يتقلب في الجنة: أي يتنعم فيها بملاذها. ١٣٦١ - قلت: يا نبي الله: علمني شيئًا أنتفع به، قال: "اعزل الأذى عن طريق المسلمين". قلت: رواه مسلم في البر من حديث أبي برزة ولم يخرجه البخاري. (٢) من الحسان ١٣٦٢ - لما قدم النبي ﷺ المدينة جئت فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما قال: "يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام". قلت: رواه الترمذي في الزهد وابن ماجه في الصلاة وفي الأطعمة كلاهما من حديث عبد الله بن سلام وقال الترمذي: حديث صحيح. (٣) ١٣٦٣ - قال رسول الله ﷺ : "اعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام". قلت: رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمر. (٤) ١٣٦٤ - قال رسول الله ﷺ : "إن الصدقة لتطفيء غضب الرب، وتدفع ميتة السوء". قلت: رواه الترمذي في الزكاة من حديث أنس، وقال: حسن غريب من هذا

стр. 693

الوجه. (١) وميتة السوء: بكسر الميم وسكون المثناة من تحت كالجِلْسَة والرِكْبَة للهيئة. ١٣٦٥ - قال ﷺ : "الصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار". قلت: رواه الترمذي من حديث معاذ مطولًا وصححه. (٢) ١٣٦٦ - قال ﷺ : "كل معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك". قلت: رواه الترمذي (٣) في البر من حديث محمد بن المنكدر عن جابر وقال: حسن صحيح، كذا نقله عنه المزي، والذي رأيته في كثير من النسخ الاقتصار على حسن، وليس في سنده غير المنكدر بن محمد بن المنكدر قال الذهبي: فيه لين، وثقه أحمد بن حنبل. وطلق: بفتح الطاء المهملة وسكون اللام يقال: طلُق بالضم طلاقة فهو طلْق وطليق أي منبسط الوجه متهلله. ١٣٦٧ - قال ﷺ : "تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن

стр. 694

المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، ونصرك الرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك صدقة". (غريب). قلت: رواه الترمذي (١) في البر من حديث مالك بن مرثد عن أبيه عن أبي ذر وقال: حسن غريب. والتبسم: دون الضحك، والدلو: بفتح الدال المهملة وسكون اللام واحد الدلاء التي يسقى بها. ١٣٦٨ - أنه قال: يا رسول الله إن أم سعد ماتت فأي الصدقة أفضل؟ قال: "الماء" قال: فحفر بئرًا، وقال: هذه لأم سعد. قلت: رواه أبو داود في الزكاة (٢) بهذا اللفظ من حديث أبي إسحق السبيعي عن رجل عن سعد بن عبادة، وروي عن سعيد بن المسيب أن سعدًا وهو ابن عبادة أتى النبي ﷺ فقال: أي الصدقة أعجب إليك؟ قال: "الماء" وفي رواية: عن سعيد بن المسيب والحسن عن سعد بن عبادة عن النبي ﷺ نحوه، وأخرجه ابن ماجه من حديث ابن المسيب، وهذا الحديث منقطع في رواية ابن المسيب والحسن فإنها لم يدركا سعد بن عبادة، فإن: مولد سعيد بن المسيب سنة خمس عشرة، ومولد الحسن البصري سنة إحدى وعشرين، وتوفي سعد بن عبادة بالشام سنة خمس عشرة، وقيل: سنة أربع عشرة وقيل: إحدى عشرة، فكيف يدركانه؟ وأما رواية السبيعي ففيها رجل مجهول. ١٣٦٩ - قال ﷺ : "أيما مسلم كسا مسلمًا ثوبًا على عري، كساه الله من خضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلمًا على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلمًا على ظمإ، سقاه الله من الرحيق المختوم".

стр. 695

قلت: رواه أبو داود في الزكاة من حديث أبي سعيد (١) وفي إسناده أبو خالد يزيد بن عبد الرحمن وثقه أبو حاتم، ولينه ابن عدي. ١٣٧٠ - قال ﷺ : "إن في المال لحقًّا سوى الزكاة" ثم تلا: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ البقرة: ١٧٧. قلت: رواه الترمذي في الزكاة (٢) من حديث شريك عن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس، قالت: سألت أو سئل النبي ﷺ عن الزكاة فقال: "إن في المال ... " الحديث، وأبو حمزة ميمون الأعور: يضعف، قال: وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث قولَه، وهو أصح، انتهى كلام الترمذي ورواه الدارمي (٣) من طريق شريك أيضًا، ولفظه: "إن في أموالكم حقًّا سوى الزكاة". تنبيه: قال المزي في الأطراف (٤): إن هذا الحديث أخرجه ابن ماجه عن علي بن محمد

стр. 696

عن يحيى بن آدم عن شريك عن أبي حمزة به، وهذا خطأ، فإن ابن ماجه أخرج في باب ما أدى زكاته فليس بكنز بهذا السند، حديث: "ليس في المال حق سوى الزكاة" وهو ضد الحديث الذي أخرجه الترمذي بهذا السند وهو حديث: "إن في المال حقًّا سوى الزكاة" فهما إذًا حديثان مختلفان. ١٣٧١ - سئل رسول الله ﷺ ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الماء، قيل: ما الشيء: الذي لا يحل منعه؟ قال: "الملح". قلت: رواه أبو داود في الزكاة (١) وفي البيوع من حديث بُهيسة الفزارية عن أبيها، ولفظه: استأذن أبي النبي ﷺ فدخل بينه وبين قميصه، فجعل يقبل ويلتزم ثم قال: يا رسول الله ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الماء"، قال: يا نبي الله! ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الملح"، قال: يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: أن تفعل الخير، خير لك، ورواه النسائي في الزينة بعضه، ولم يضعفه أبو داود ولا اعترضه المنذري فالحديث حسن صالح للاحتجاج به. وبهيسة: بضم الباء الموحدة وفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف وبعدها سين مهملة مفتوحة وتاء تأنيث ولم نقف على اسم أبيها ورواه الدارمي في أبواب البيوع. ١٣٧٢ - قال ﷺ : "من أحيا أرضًا ميتة فله فيها أجر، وما أكلت العافية منه فهو له صدقة". قلت: رواه الدرامي والنسائي كلاهما في الإحياء من حديث هشام بن عروة عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع عن جابر يرفعه. والعافية: كل طالب رزق من إنسان أو بهيمة أو طير. (٢)

стр. 697

١٣٧٣ - قال ﷺ : "من منح مِنْحة وَرِق، أو هَدي زقاقًا، أو سقي لبنًا، كان له كعدل رقبة أو نسمة". قلت: رواه المصنف في "شرح السنة" (١) من حديث شعبة عن طلحة ابن مصرف عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء يرفعه، وقال: حسن صحيح، ورواه الترمذي في البر، من حديث أبي إسحق عن طلحة بن مصرف به ولفظه: "من منح منحة لبن أو ورق، أو هدي زقاقًا، كان له مثل عتق رقبة" وقال: حسن صحيح غريب من حديث أبي إسحاق عن طلحة. قوله: هدي زقاقًا: قال المصنف: أراد هداية الطريق، وقيل: أراد من هدَّي بالتشديد أهدي وتصدق بزقاق من النخل وهي السكة منها. - وفي رواية: "كان له مثل عتق رقبة". قلت: رواها الترمذي وقد تقدم ذكر لفظه، وقد أخرج البزار من حديث النعمان بن بشير يرفعه: "من منح منيحة أو هدي زقاقًا كان له صدقة". (٢) ١٣٧٤ - رأيت رجلًا يصدر الناس عن رأيه، قلت من هذا؟ قالوا: رسول الله ﷺ قلت: عليك السلام يا رسول الله! مرتين، قال: "لا تقل عليك السلام، عليك السلام تحية الميت! قل: السلام عليك"، قلت: السلام عليك، أنت رسول الله؟، قال: "أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوتَه كشف عنك، وإن أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلَّت راحلتك فدعوته ردها عليك"، قلت: اعهَدْ إليّ، قال: "لا تسبن أحدًا"، فما سببت بعده حرًّا، ولا عبدًا، ولا

стр. 698

بعيرًا، ولا شاة، قال: "ولا تحقرن شيئًا من المعروف، وأن تكلم أخاك، وأنت منبسط إليه وجهك، إن ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار، فإنها من المَخْيَلة، وإن الله لا يحب المخيلة، وإن امرؤ شتمك وعيَّرك بما يعلم منك، فلا تعيِّره بما تعلم منه، فإنما وبال ذلك عليه". قلت: رواه أبو داود في اللباس بهذا اللفظ، والترمذي في الاستئذان قطعة منه والنسائي في الزينة مختصرًا. وقال الترمذي: حسن صحيح. (١) قوله: عام سنة، أي عام الجدب والقحط قوله: اعهد إلي: أي أوصني، وفي رواية: فيكون لك أجر ذلك ووباله عليه. ١٣٧٥ - أنهم ذبحوا شاة، فقال رسول الله ﷺ : "ما بقي منها؟ "، فقالت: ما بقي إلا كتفها، قال: "بقي كلها غير كتفها" (صح). قلت: رواه الترمذي (٢) في الزهد في الباب الرابع عشر من الأبواب التي لا ترجمة لها، من حديث أبي ميسرة عن عائشة واسمه عمرو ابن شرحبيل، وقال: صحيح. ١٣٧٦ - سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم كسا مسلمًا ثوبًا، إلا كان في حفظ من الله، ما دام عليه منه خرقة". قلت: رواه الترمذي (٣) في أبواب الحوض، قبل صفة الجنة، من حديث حصين بن مالك، قال: جاء سائل إلى ابن عباس فقال ابن عباس: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، قال: وتصوم؟، قال: نعم، قال سألت وللسائل حق،

стр. 699

إنه لحق علينا أن نصلك فأعطاه ثوبًا، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم ... " الحديث، وقال: حسن غريب من هذا الوجه. ١٣٧٧ - قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة يحبهم الله: رجل قام من الليل يتلو كتاب الله، ورجل تصدق بصدقة بيمينه يخفيها -أراه قال- من شماله، ورجل كان في سرية فانهزم أصحابه فاستقبل العدو". (غريب). قلت: رواه الترمذي في صفة أهل الجنة (١) من حديث أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن منصور عن ربعي بن حراش عن ابن مسعود، قال: وهذا غريب، غير محفوظ، والصحيح ما روى شعبة وغيره، عن منصور، عن ربعي، عن زيد بن ظبيان، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ ، وأبو بكر بن عياش: كثير الغلط. انتهى كلام الترمذي وأشار بحديث شعبة إلى الحديث الذي بعد هذا. ١٣٧٨ - عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يبغضهم الله، فأما الذين يحبهم الله: فرجل أتى قومًا فسألهم بالله ولم يسألهم لقرابة بينه وبينهم، فمنعوه، فتخلّف رجل بأعيانهم فأعطاه سرًّا، لا يعلم بعطيته إلا الله، والذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به نزلوا فوضعوا رؤوسهم، فقام أحدهم يتملقني ويتلو آياتي، ورجل كان في سرية فلقي العدو فهزموا فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له، والثلاثة الذين يبغضهم الله: الشيخ الزاني، والفقير المختال، والغني الظلوم". قلت: رواه الترمذي في صفة الجنة في باب ما جاء في كلام الحور العين والنسائي في الزكاة (٢) كلاهما من حديث أبي ذر في باب ما جاء في كلام الحور العين، وكذلك

стр. 700

الحديث الذي قبله، ولا تعلق لهما بهذا التبويب، وقال: حديث أبي ذر هذا حديث صحيح. قوله: "فتخلف رجل بأعيانهم" كذا هو في النسخ المسموعة من المصابيح وكذا هو في الترمذي "بأعيانهم" بالعين المهملة وبعدها ياء آخر الحروف وألف ثم نون وفي صحيح ابن حبان "فتخلف رجل بأعقابهم" بالقاف وبالباء الموحده بعد الألف، وهو ظاهر، والظاهر أن الذي وقع في المصابيح تبعًا للترمذي تصحيف وإنما هو بأعقابهم كما هو في ابن حبان، والتملق معناه: التضرع. ١٣٧٩ - عن النبي ﷺ قال: "لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فقال بها عليها، فاستقرت فعجبت الملائكة من شدة الجبال"، فقالوا: يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم الحديد، فقالوا: يا رب هل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: "نعم النار"، فقالوا: يا رب هل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: "نعم الماء"، فقالوا: يا رب هل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: "نعم الريح" قالوا: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: "نعم ابن آدم تصدق بصدقة بيمينه يخفيها من شماله". (غريب). قلت: رواه الترمذي في آخر التفسير قبيل كتاب الدعاء من حديث سليمان (١) بن أبي سليمان عن أنس يرفعه، وقال: غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه انتهى. قلت: وسليمان بن أبي سليمان مجهول.

стр. 701

باب أفضل الصدقة من الصحاح ١٣٨٠ - قال رسول الله ﷺ : "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول". قلت: رواه البخاري (١) والنسائي كلاهما في الزكاة، وأعاده البخاري في النفقات من حديث الزهري عن سعيد عن أبي هريرة ولم يخرج مسلم منه إلا قوله: "وابدأ بمن تعول". قوله ﷺ : "ما كان عن ظهر غنى" قال في النهاية (٢): أي ما كان عفوا قد فضل عن غِنى، وقيل: أراد ما فضل عن العيال، والظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعًا للكلام وتمكينًا، كأنّ صدَقَته مُستَنِدة إلى ظَهْر قوي من المال. ومعنى: وابدأ بمن تعول، وهو بفتح التاء وضم العين المهملة، أي بمن تمون وتلزمك نفقته من عيالك، فإن فضل شيء فليكن للأجانب، يقال: عال الرجل يعول إذا أكثر عياله، قاله ابن الأثير، واللغة الجيدة: أعال يعيل. (٣) ١٣٨١ - قال ﷺ : "إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة". قلت: رواه الشيخان: البخاري في الإيمان. وفي المغازي وفي النفقات، ومسلم في الزكاة كلاهما من حديث عبد الله بن يزيد عن أبي مسعود، ورواه الدرامي في الاستئذان. (٤) ١٣٨٢ - قال ﷺ : "دينار أنفقتَه في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت

стр. 702

به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك". قلت: رواه مسلم في الزكاة من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري. (١) وفي الحديث دليل على أن النفقة على الأهل أعظم أجرًا من النفقة في سبيل الله ومن عتق الرقبة. ١٣٨٣ - قال ﷺ : "أفضل دينار ينفقه الرجل: دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله". قلت: رواه مسلم في الزكاة من حديث ثوبان، ولم يخرجه البخاري ولا أخرج عن ثوبان شيئًا. (٢) ١٣٨٤ - يا رسول الله ألي أجر أن أنفق على بني أبي سلمة؟ إنما هم بَنِيّ، فقال: "أنفقي عليهم فلك أجر ما أنفقت عليهم". قلت: رواه الشيخان: البخاري في الزكاة، وفي النفقات، ومسلم في الزكاة من حديث زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة واللفظ للبخاري. (٣) ١٣٨٥ - قالت: انطلقت إلى النبي ﷺ فوجدت امرأة من الأنصار على الباب حاجتها مثل حاجتي، وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة، فخرج علينا بلال فقلنا له: ائت رسول الله ﷺ فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما؟ وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن، فدخل فسأله، فقال: "من هما؟ ". قال: "زينب وامرأة أخرى"، قال: "أي الزيانب؟ " قال امرأة عبد الله، قال: "نعم، لهما أجران أجر القرابة وأجر الصدقة". قلت: رواه الجماعة إلا أبا داود، كلهم في الزكاة من حديث زينب الثقفية، واللفظ

стр. 703

لمسلم. (١) قوله: "أتجزئ الصدقة عنهما"، قال النووي (٢): هو بفتح التاء أي يكفي، قال الجوهري: جزى عني هذا الأمر أي قضا ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾. قولها: "على أزواجهما" هذه أفصح اللغات، وبها جاء القرآن، قال تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ ويقال: على زوجهما وعلى زوجيهما، وكذلك على أيتام في حجورهما، وشبه ذلك مما يكون لكل واحد من الاثنين منه واحد. وقولها: ولا تخبره من نحن، ثم أخبر بهما، ليس هذا من إفشاء السر المذموم، لأنه في جواب النبي ﷺ وجوابه واجب لا يجوز تأخيره، ولا يتقدم عليه غيره، وإذا تعارضت المصالح بدئ بأهمها. قوله ﷺ : "لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة" فيه الحث على الصدقة على الأقارب وصلة الرحم وأن فيها أجرين، والصدقة في هذا الحديث وفي الحديث قبله المراد بها صدقة التطوع وطرق الأحاديث تدل على ذلك. ١٣٨٦ - قالت: يا رسول الله اني أعتقت وَلِيدَتي، قال: "أما إنك لو أعطيتها أخوالك، كان أعظم لأجرك". قلت: رواه الشيخان: البخاري في الهبة في باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها، ومسلم في الزكاة كلاهما من حديث كريب عن ميمونة بنت الحارث، وأخرجه أبو داود في الزكاة والنسائي في العتق كلاهما من حديث سليمان بن يسار عن ميمونة. (٣) قال بعضهم ولم يكن لميمونة قرابة إلا من جهة الأم فلذلك خص الأخوال وإن كان

стр. 704

لها قرابة من جهة الأب فيحتمل أنه رآهم أولى، لأن الأم لما كانت أولى بالبر كانت قرابتها أولى بالصدقة، ويحتمل أنهم كانوا أحوج فخصهم لذلك. ١٣٨٧ - يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: "إلى أقربهما منك بابًا". قلت: رواه البخاري في الشفعة وفي الأدب وفي الهبة من حديث عائشة. (١) ١٣٨٨ - قال رسول الله ﷺ : "إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك". قلت: رواه مسلم في البر من حديث أبي ذر ولم يخرجه البخاري. (٢) من الحسان ١٣٨٩ - أنه قال: يا رسول الله أيّ الصدقة أفضل؟ قال: "جهد المقل، وابدأ بمن تعول". قلت: رواه أبو داود (٣) في الزكاة من حديث أبي هريرة وسكت عليه هو والمنذري. والجهد: بضم الجيم الطاقة، والمقل الفقير، وجمع كثيرٌ من الفقهاء بين هذا الحديث وبين حديث أبي هريرة الوارد في أول الباب: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" أن هذا الحديث محمول على من صبر على الإضاقة والجوع قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي جوع، وحديث: "ما كان عن ظهر غني" محمول على من لا يصبر على الجوع، والأفضل في حقه أن يترك قوته ثم يتصدق بما فضل. ١٣٩٠ - قال ﷺ : "الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة".

стр. 705

قلت: رواه الترمذي وابن ماجه والنسائي (١) كلهم في الزكاة من حديث سلمان بن عامر وقال الترمذي: حسن، ولفظه عن سلمان بن عامر أن النبي ﷺ قال: إذا كان أحدكم صائمًا فليفطر على تمر فإنه بركة، فإن لم يجد فالماء فإنه طهور وقال: الصدقة على المسكين صدقة ... الحديث. وفرقه ابن ماجه فروى ما يتعلق بالصوم في الصوم، وما يتعلق بالصدقة في الزكاة وأخرج أبو داود ما يتعلق بالصوم خاصة في الصوم. ١٣٩١ - جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: عندي دينار، فقال: "أنفقه على نفسك"، قال: عندي آخر، قال: "أنفقه على ولدك"، قال: عندي آخر، قال: "أنفقه على أهلك"، قال: عندي آخر، قال: "أنفقه على خادمك" قال: عندي آخر قال: "أنت أعلم". قلت: رواه أبو داود والنسائي كلاهما في الزكاة من حديث محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة يرفعه. (٢) ومحمد بن عجلان تكلم فيه بعضهم، وروى له أصحاب السنن وأخرج له مسلم ثلاثة عشر حديثًا كلها في الشواهد. ورتب النبي ﷺ الأولى فالأولى والأقرب فالأقرب، أمره أن يبدأ بنفسه ثم بولده لأنه كبعضه ثم ثلث بالزوجة، وأخّرها عن الولد لأنها إن لم يجد ما ينفقه عليها فسخت نكاحها منه، وكان لها زوج آخر يمونها، أو قريب تجب نفقتها عليه، ثم ذكر الخادم لأنه
следующие страницы →