← Книги сунны

Книги сунны · id 17063

كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح

الصدر المناوي

Полный текст (2 643 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

قلت: رواه الشيخان والنسائي كلهم في الصوم البخاري والنسائي من حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ومسلم من حديث الليث عن هشام به. (١) وهذا الحديث دليل لجماهير العلماء وجميع أهل الفتوى على جواز الصوم في السفر، وأنه يجزى ولا يجب مع الصوم القضاء، وخالف في ذلك بعض أهل الظاهر فقال: لا يصح صوم رمضان في السفر، فإن صامه وجب قضاؤه، ولم ينعقد فيه، واختلفوا في: أن الصوم أفضل من الفطر، أم الفطر، أم هما سواء، فقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك: أن الصوم أفضل لمن يطيقه بلا مشقة ظاهرة ولا ضرر، فإن تضرر به فالفطر، وقال جماعة: الفطر أفضل مطلقًا، وقال آخرون: الصوم والفطر سواء لتعادل الأحاديث الصحيحة في ذلك. ١٤٥٢ - غزونا مع رسول الله ﷺ لست عشرة ليلة مضت من رمضان، فمنا من صام ومنا من أفطر، فلم يعِبْ الصائم على المفطِر ولا المفطِر على الصائم". قلت: رواه مسلم هنا من حديث أبي سعيد ولم يخرجه البخاري. (٢) ١٤٥٣ - كان رسول الله ﷺ في سفر، فرأى زحامًا ورجلًا قد ظلل عليه، فقال: "ما هذا؟ " قالوا: صائم، قال: "ليس من البر الصوم في السفر". قلت: رواه الشيخان وأبو داود والنسائي هنا واللفظ للبخاري من حديث جابر. (٣) قال المنذري (٤) قوله ﷺ : "ليس من البر" كقوله: ليس البر، و"من" قد تكون زائدة، كقولهم: ما جاءني من أحد ومنع ذلك سيبويه، ورأى أن "من" في قوله: ما جاء من أحد، تأكيدًا للاستغراق، وعموم النفي.

стр. 737

وهذا الحديث محمول على من شق عليه الصوم، فتقديره: ليس من البر الصوم في السفر، إذا شق عليكم، وخفتم الضرر، وسياق الحديث يقتضي هذا التأويل، وبهذا يجمع بينه وبين الحديث المتقدم الدال على التخيير بين الصوم والفطر. ١٤٥٤ - كنا مع النبي ﷺ في السفر، فمنّا الصائم، ومنّا المفطر، فنزلنا منزلًا في يوم حار، فسقط الصوامون، وقام المفطرون، فضربوا الأبنبة وسقوا الركاب، فقال النبي ﷺ : "ذهب المفطرون اليوم بالأجر". قلت: رواه الشيخان هنا من حديث أنس. (١) والأبنية: هي البيوت التي يسكنها العرب في الصحاري، والركاب بكسر الراء: الإبل التي يسافر عليها. ١٤٥٥ - "خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصام، حتى بلغ عسفان، ثم دعا بماء فرفعه إلى يده ليراه الناس، فأفطر، حتى قدم مكة، وذلك في رمضان". قلت: رواه الشيخان وأبو داود والنسائي أربعتهم هنا من حديث ابن عباس. (٢) ١٤٥٦ - وروي: عن جابر: "أنه شرب بعد العصر". قلت: رواها مسلم من (٣) حديث جابر، ولم يخرجه البخاري. وعُسفان: بضم العين وسكون السين المهملتين وبعد السين فاء وألف ونون قرية جامعة على أربعة برد من مكة، وكل بريد: أربعة فراسخ، وكل فرسخ: ثلاثة أميال، فالجملة ثمانية وأربعون ميلًا هذا هو الصواب الذي قاله الجمهور، سميت عسفان لتعسف السيل بها. (٤)

стр. 738

من الحسان ١٤٥٧ - وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم عن المسافر وعن المرضع أو الحبلى". قلت: رواه الأربعة هنا من حديث أنس بن مالك (١) رجل من بني عبد الله ابن كعب، أخو بني قشير قال: أغارت خيلٌ لرسول الله ﷺ ، فانتهبت، فانطلقت إلى رسول الله ﷺ ، وهو يأكل، فقال: اجلس، فأصِبْ من طعامنا، فقلت: إني صائم، قال: اجلس، أحدثك عن الصلاة وعن الصيام: إن الله وضع شطر الصلاة أو نصف الصلاة، والصوم عن السافر، وعن المرضع، أو الحبلى، والله لقد قالهما جميعًا، أو أحدهما، قال: فتلهفتْ نفسي أن لا أكون أكلت من طعام رسول الله ﷺ : وقال الترمذي: حسن، ولا نعرف لأنس بن مالك هذا عن النبي ﷺ غير هذا الحديث الواحد. انتهى كلامه. ١٤٥٨ - قال ﷺ : "من كانت له حمولة تأوي إلى شبع، فليصم رمضان حيث أدركه". قلت: رواه أبو داود من حديث سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له حمولة تأوي إلى شبع ... " الحديث، وفي سنده عبد الصمد بن حبيب العوذي البصري، ضعفه أحمد، وقال البخاري: منكر الحديث،

стр. 739

ولم يعد البخاري هذا الحديث شيئًا، وذكر له أبو جعفر العقيلي هذا الحديث وقال: لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به. (١) والحمولة: بفتح الحاء المهملة: الإبل التي تحمل، وكذلك كل ما احتمل عليه من حمار وغيره، والشبع: بكسر الشين وسكون الباء الموحدة، اسم لما يشبع، وأما بفتح الباء فهو المصدر. باب القضاء من الصحاح ١٤٥٩ - " كان يكون عليّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان" تعني الشغل بالنبي ﷺ ". قلت: رواه مالك والجماعة في الصوم من حديث عائشة. (٢) قوله: تعني الشغل إلى آخره من كلام يحيى بن سعيد أحد رواته. قال العلماء: وإنما كانت تقتضي ما فات من رمضان في شعبان، لأن النبي ﷺ كان يصوم معظم شعبان، فلا حاجة له فيها حينئذ في النهار، ولأنه إذا جاء شعبان يضيق قضاء رمضان، فإنه لا يجوز تأخيره عنه، وذهب الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد وجماهير الخلف والسلف إلى أن قضاء رمضان في حق من أفطر بعذر لحيض وسفر،

стр. 740

يجب على التراخي، ولا يجب المبادرة في أول الإمكان، قالوا: ولا يجوز تأخيره عن شعبان الآتي لأنه يؤخره حينئذ إلى زمان لا تقبله وهو في رمضان الآتي، فصار كمن أخره إلى الموت، قال الجمهور: ويستحب المبادرة به للاحتياط فيه، فإن أخره فالصحيح عند المحققين من الفقهاء، وأهل الأصول أنه يجب العزم على فعله، وكذلك كل واجب موسع، وأجمعوا على: أنه إذا مات قبل خروج شعبان لزمته الفدية في تركه عن كل يوم مد، من طعام، ومن جوز الصوم عنه قال: يسقط الفدية بصوم الولي عنه، وهذا إذا تمكن من القضاء ولم يقض، أما إذا لم يتمكن فلا يطعم عنه ولا يقضى عنه. ١٤٦٠ - قال رسول الله ﷺ : "لا يحل للمرأة أن تصوم، وزوجها شاهد، إلا بإذنه ولا تأذن في بيته إلا بإذنه". قلت: رواه مسلم في الزكاة، والبخاري في النكاح، من حديث أبي هريرة (١) وزاد مسلم لفظة: وهو شاهد في الإذن، ولم يقل البخاري: وهو شاهد في الإذن، وأخرجه كاملًا أبو داود، وزاد فيه: غير رمضان. تنبيه: قد وهم الشيخ زكي الدين المنذري في مختصر السنن (٢): فنسب الحديث لمسلم ولأبي داود قال: وأخرج البخاري في فضل الصوم خاصة فنفى أن يكون في البخاري بقية الحديث، وليس كذلك بل الحديث بتمامه في البخاري في النكاح، وإنما أوقع الشيخ في ذلك، أن البخاري روى قصة الصوم في باب من أبواب النكاح مقتصرًا عليها، فتوهم أنه ليس في البخاري إلا ذلك، وقد وهم الطبري أيضًا، فجعل من زيادات البخاري على مسلم: ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه، وهذا في مسلم أيضًا بعينه، وليس في البخاري في الإذن وهو شاهد، فوهم في نفيه عن مسلم وفي نسبته

стр. 741

للبخاري وهو شاهد في الإذن، وقد اتفق العلماء على أن المراد: لا يحل لها صوم التطوع وزوجها حاضر إلا بإذنه. ١٤٦١ - وقالت معاذة لعائشة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: "كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة". قلت: رواه الجماعة في الطهارة من حديث معاذة عن عائشة. (١) ١٤٦٢ - إن رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صوم، صام عنه وليُّه". قلت: رواه الشيخان وأبو داود كلهم هنا من حديث عائشة (٢) ولم أقف في كتاب الصوم للثلاثة على "صوم" بل لفظهم "صيام" فقالوا: من مات وعليه صيام ... الحديث. وقد اختلف العلماء فيمن مات وعليه صوم واجب، فذهب الجمهور إلى أنه لا يصام عنه، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي في أصح قوليه، وتأولوا الحديث على أنه يطعم عنه وليّه، وقد أجاب الشافعي في "الأم" عن هذا الحديث وقد أوضحت ذلك في "فرائد الفوائد" ونقلت فيه ما قاله الشافعي، وذهب آخرون إلى أن الولي يصوم عنه، عملًا بظاهر الحديث، وبه قال أحمد، وهو أحد قولي الشافعي وصححه النووي، ونقله عن جماعات من محققي أصحاب الشافعي، وقال من يقول بالصيام يجوّز الإطعام، ويجعل الولي مخيرًا بين الصيام والإطعام، والمراد بالولي: القريب، سواء كان عصبة أو وارثًا أو غيرهما، هذا هو الصحيح، ولو صام أجنبي بإذن الولي صح، أو

стр. 742

دون إذنه فلا، ولا يجب على الولي الصوم عنه، لكن يستحب عند من جوز الصوم عنه والله أعلم. (١) من الحسان ١٤٦٣ - عن النبي ﷺ : "من مات وعليه صيام شهر رمضان، فليُطْعَم عنه، مكان كل يوم مسكين" (والصحيح أنه موقوف على ابن عمر). قلت: رواه الترمذي هنا من حديث ابن عمر يرفعه، وقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه والصحيح أنه موقوف على ابن عمر. (٢) قال النووي (٣): هذا الحديث ليس بثابت، ولو ثبت أمكن الجمع بينه وبين الحديث الذي قبله، بحمله على جواز الأمرين. باب صيام التطوع من الصحاح ١٤٦٤ - كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صيامًا في شعبان، كان يصوم شعبان إلا قليلًا.

стр. 743

قلت: رواه الشيخان وأبو داود والنسائي كلهم في الصوم من حديث أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة. (١) ١٤٦٥ - قالت: ما علمته صام شهرًا كله إلا رمضان، ولا أفطره كله حتى يصوم منه، حتى مضى لسبيله. قلت: رواه مسلم والنسائي كلاهما هنا من حديث كهمس عن عبد الله بن شقيق عن عائشة. (٢) ١٤٦٦ - قال ﷺ له أو لآخر: "أصمت من سرر شعبان؟ قال: لا، قال: فإذا أفطرت فصم يومين". قلت: رواه الشيخان وأبو داود والنسائي كلهم هنا من حديث مطرف عن عمران بن حصين ولم يصل البخاري سنده بلفظة: سرر شعبان، إنما قال: أما صمت سرر هذا الشهر، الحديث، ثم قال: وقال ثابت: عن مطرف عن عمران عن النبي ﷺ من سرر شعبان. (٣) قوله: من سرر شعبان، بسين ورائين مهملات، وروي بفتح السين وكسرها وحكى بعضهم فيها الضم، ويقال أيضًا: سَرار وسِرار بفتح السين وكسرها، قال جمهور العلماء: سرر الشهر آخره، سميت بذلك للاستقرار القمر فيها، وقال جماعة: سرر الشهر وسطه، وقال آخرون أوله، والصحيح الأول، وقد صحت الأحاديث في النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وقد أجاب المازري وغيره عن هذا الحديث: بأن هذا الرجل كان من عادته أن يصوم آخر الشهر، فتركه لخوف الوقوع في النهي عن تقدم رمضان، فبين له النبي ﷺ أن الصوم المعتاد لا يدخل في النهي وإنما نهي عن غير المعتاد.

стр. 744

١٤٦٧ - قال ﷺ : "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل". قلت: رواه مسلم وأبو داود هنا والترمذي والنسائي في الصلاة من حديث أبي هريرة، ولم يخرجه البخاري، ووهم الطبري فنسبه للبخاري أيضًا وليس كذلك. (١) وفي هذا الحديث تصريح بأن المحرم أفضل الأشهر للصوم، ويجاب عن إكثار النبي ﷺ صوم شعبان دونه، بأنه إنما علم فضله ﷺ في آخر حياته! ولعله كانت تعترض فيه أحوال من سفر أو غيره. وفيه دليل على أن تطوع الليل أفضل، وفيه: حجة لما قاله أبو إسحاق المروزي من أصحابنا أن صلاة الليل أفضل من الرواتب. ١٤٦٨ - ما رأيت رسول الله ﷺ يتحرى صيام يوم فضّله على غيره إلا هذا اليوم يومَ عاشوراء، وهذا الشهر، يعني شهر رمضان. قلت: رواه الشيخان والنسائي كلهم هنا من حديث عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس. (٢) وعاشوراء: اسم إسلامي، لا يعرف في الجاهلية، وهو ممدود، وحكى فيه القصر، والمشهور: أنه العاشر من المحرم، وقال ابن عباس وجماعة هو: التاسع، وقال أبو الليث السمرقندي: بعد أن ذكر القولين، وقال بعضهم: هو يوم الحادي عشر، وذكر الاختلاف في تسميته عاشوراء، فقال: قال بعضهم: لأنه عاشر المحرم، وقيل: لأن الله تعالى أكرم فيه عشرة من الأنبياء، بعشر كرامات، وقيل: أنه عاشر كرامة أكرم الله تعالى بها هذه الأمة، واختلفوا في حكمه أول الإسلام، حتى شرع صومه، قبل صوم

стр. 745

رمضان، فقال الإمام أبو حنيفة كان واجبًا، والصحيح عند الشافعية أنه لم يزل سنة، لكنه قبل رمضان كان متأكد الاستحباب، فلما نزل صوم رمضان صار مستحبًّا دون ذلك الاستحباب، وتظهر فائدة الخلاف في اشتراط نية الصوم الواجب من الليل، فأبو حنيفة لا يشترطها، ويقول: كان الناس مفطرين في أول يوم عاشوراء ثم أمرهم ﷺ بصيامه، كما جاء في الصحيح فكانت نيتهم في النهار من غير تبييت، ولم يؤمروا بقضائه بعد صومه، وأصحاب الشافعي يقولون كان مستحبًّا فصح نيته من النهار. ١٤٦٩ - حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله إنّه يوم تعظمه اليهود، فقال: "لئن بقيت إلى قابل لأصومَنّ التاسع". قلت: رواه مسلم وأبو داود هنا من حديث ابن عباس (١). وهذا دليل الحنفية على أنه كان واجبًا. ١٤٧٠ - "إن ناسًا تماروا يوم عرفة في صيام رسول الله ﷺ ، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشربه". قلت: رواه البخاري في الحج وفي الصوم وفي الأشربة، ومسلم وأبو داود في الصوم ثلاثتهم من حديث أم الفضل بنت الحارث، واسمها: لبابة بباءين موحدتين. وتماروا: بفتح التاء المثناة من فوق، وبميم وألف وراء مهملة مفتوحة: أي تجادلوا، والامتراء في الشيء: الشك فيه، وفيه دليل: لما ذهب إليه الشافعي وأبو حنيفة ومالك من استحباب فطر يوم عرفة بعرفة للحاج. ١٤٧١ - ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا في العشر قط. قلت: رواه مسلم وأبو داود والترمذي كلهم هنا من حديث عائشة

стр. 746

إلا أن أبا داود أسقط منه لفظة "في" ولم يخرجه البخاري. (١) قال العلماء: وهذا الحديث مما يوهم كراهية صوم العشر والمراد بالعشر هنا: الأيام التسعة، من أول ذي الحجة، قالوا: وهذا من ما يتأول وليس في صيام هذه التسعة كراهة، بل هي مستحبة متأكدة، لا سيما التاسع منها، وهو يوم عرفة، وثبت في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل منه في هذه يعني العشر الأول من ذي الحجة، فتناول قولها: لم يصم العشر أنه لم يصمه لعارض من مرض أو سفر أو غيرهما أو أنها لم تره صائمًا فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، وقد جاء في أبي داود عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر: أول الاثنين من الشهر والخميس. ١٤٧٢ - قال عمر: يا رسول الله! كيف من يصوم الدهر كله؟ قال: "لا صام ولا أفطر، ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله، صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبلها". قلت: رواه الجماعة إلا البخاري كلهم هنا من حديث أبي قتادة ولم يخرج البخاري عن أبي قتادة في هذا شيئًا. (٢) قوله ﷺ : "لا صام ولا أفطر" يحتمل أن يكون ذلك على وجه الدعاء عليه كراهية وزجرًا عن ذلك أو يكون: لا ها هنا كهي في قوله تعالى ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ أما أنه لم يفطر، فلأنه امتنع من الطعام والشراب في النهار، وأما أنه لم يصم، فلأنه لم يحصل له ثواب الصوم، وذهب جماهير العلماء إلى جواز صوم الدهر إذا لم يصم الأيام المنهي

стр. 747

عنها، ومنع أهل الظاهر من صيام الدهر، ومذهب الشافعي أنه إن خاف ضررًا أو موت به حقًّا كره له، وإلا فمستحب. ١٤٧٣ - سئل ﷺ عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: "فيه ولدت وفيه أنزل علي". قلت: رواه مسلم فقال من حديث أبي قتادة: وسئل عن صوم يوم الاثنين قال: ذاك يوم ولدت فيه، وفيه أنزل علي، وفي هذا الحديث من رواية شعبة: وسئل عن صوم يوم الاثنين والخميس، قال مسلم: فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وهمًا ولم يخرجه البخاري. (١) فائدة: هذا الحديث استدركه الحاكم على الشيخين وأفهم أنه ليس في واحد منهما وهو في مسلم من طرق متعددة. (٢) ١٤٧٤ - سئلَتْ: أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، فقيل: من أي أيام الشهر؟ قالت: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم. قلت: رواه مسلم والترمذي وأبو داود هنا من حديث معاذة أنها سألت عائشة ولم يخرجه البخاري. (٣) ١٤٧٥ - قال رسول الله ﷺ : "من صام رمضان، وأتبعه ستًّا من شوال، كان كصيام الدهر". قلت: رواه مسلم هنا والأربعة واللفظ لمسلم. (٤) والترمذي، وعند أبي داود: "فكأنما صام الدهر" من حديث أبي أيوب ولم يخرجه البخاري، وطعن فيه

стр. 748

من لا علم له وغره قول الترمذي فيه: أنه حسن، وبالكلام في راويه وهو سعد بن سعيد، واعتنى الحافظ شرف الدين الدمياطي بجمع طرقه فأسنده عن بضعة وعشرين رجلًا، رووه عن سعد ابن سعيد، أكثرهم حفاظ إثبات، وتابع سعدًا في روايته أخواه يحيى وعبد ربه وصفوان بن سليم وغيرهم، ورواه أيضًا عن النبي ﷺ ثوبان وأبو هريرة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس والبراء بن عازب وعائشة ولهذا لم يعتبر جمهور العلماء هذا الطعن، بل ذهبوا إلى العمل بالحديث، فذهب الشافعي ومن وافقه إلى استحباب صوم هذه الستة، وكرهها آخرون، قال مالك في الموطأ (١): ما رأيت أحدًا من أهل العلم يصومها، فتكره لئلا يظن وجوبها انتهى. قالت الشافعية: إذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس، أو أكثرهم، ولا يتصور بترك كلهم لها، لأنهم لا يجتمعون على ضلالة، وأما التعليل: فقد يظن وجوبها، فينتقض بسنن كثيرة، قال العلماء: وإنما كان ذلك كصيام الدهر، لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين، وقد جاء هذا في حديث مرفوع في كتاب النسائي. (٢) قوله ﷺ : ستًّا من شوال، صحيح، ولو قال: سته بالهاء جاز أيضًا قال أهل اللغة: يقال: صمنا ستًّا وخمسًا وسته وخمسه، وإنما يلتزمون إثبات الهاء في المذكر إذا ذكر والمعدود، فيقولون: ستة أيام، ولا يجوز حذفها، فإذا حذفوا الأيام جاز الوجهان. (٣) ١٤٧٦ - قال نهى النبي ﷺ عن: "صوم يوم الفطر والنحر".

стр. 749

قلت: رواه الشيخان وأبو داود والترمذي كلهم هنا من حديث عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد، واللفظ للبخاري وأبي داود، ولفظ مسلم: صيام يومين، ولفظ الترمذي: صيامين. (١) ١٤٧٧ - قال ﷺ : "لا صوم في يومين: الفطر والأضحى". قلت: رواه البخاري في الصلاة في بيت المقدس، وفي الحج، وهنا، بلفظ المصنف، ومسلم في الصوم، ولفظه: لا يصلح الصوم في يومين، والنسائيُّ وابن ماجه هنا كلهم من حديث قزعة بن يحيى عن أبي سعيد. (٢) ١٤٧٨ - قال ﷺ : "أيام التشريق: أيام أكل وشرب وذكر لله". قلت: رواه مسلم هنا والنسائي في الحج من حديث نُبيشة، ولم يخرجه البخاري ولا أخرج في كتابه عن نبيشة شيئًا (٣)، ويقال له نبيشة الخير. وهو بضم النون وفتح الموحدة وبالياء آخر الحروف وبالسين المعجمة وتاء التأنيث. (٤) وفي الحديث دليل لمن قال: لا يصح صومها بحال، وبه قال الشافعي في أصح قوليه، وأبو حنيفة وآخرون، وقال آخرون: يجوز صيامها لكل أحد، وقال مالك: يجوز صومها للمتمتع إذا لم يجد هديًا ولا يجوز لغيره. ١٤٧٩ - قال ﷺ : "لا يصوم أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم قبله، أو يصوم بعد". قلت: رواه الشيخان هنا من حديث أبي هريرة. (٥)

стр. 750

١٤٨٠ - قال ﷺ : "لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم". قلت: رواه مسلم هنا من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري. (١) وفي هذا الحديث والذي قبله: دلالة ظاهرة لقول الشافعية ومن وافقهم أنَّه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن يوافق عادة له، أو يصله بما قبله، وأما قول مالك في الموطأ (٢): "لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يقتدي به، فينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه" قال جماعة من أهل العلم: وقد رأى غيره خلاف ما رأى هو، والسنة مقدمة، وقد ثبت النهي عن صوم الجمعة، قال الداوودي من أصحاب مالك: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث، ولو بلغه لم يخالفه، قال العلماء: والحكمة في النهي أن يوم الجمعة يوم دعاء، وذكر، وصلاة، واغتسال، وتبكير للصلاة، واستماع، فاستحب الفطر، ليكون أعون له على هذه الوظائف وأدائها بنشاط، وانشراح، وهو نظير الحاج يوم عرفة، فإن السنة له الفطر، فإن قيل: لو كان كذلك لم يزل النهي والكراهة بصوم قبله أو بعده لبقاء المعنى؟ فالجواب: أنَّه تحصل له بفضيلة الصوم الذي قبله أو بعده ما يجبر ما قد يحصل من فتور أو تقصير، كذا قالوا، وعندي في ذلك نظر: لأنَّ هذا التعليل يقتضي أن من لا جمعة عليه لا يكره له الصوم، وليس كذلك بل الذي أطلقوه الكراهة مطلقًا والله أعلم. ١٤٨١ - قال ﷺ : "من صام يومًا في سبيل الله، بعَّد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا".

стр. 751

قلت: رواه البخاري والترمذي كلاهما في الجهاد ومسلم والنسائيُّ وابن ماجه ثلاثتهم في الصوم من حديث أبي سعيد الخدري. (١) والخريف: السنة، والمراد سبعين سنة، وهذا محمول على من لا يتضرر به، ولا يفوت به حقًّا، ولا يختل به قتاله ولا غيره من مهمات غزوه. ومعنى المباعدة من النار: المعافاة منها، كذا قاله النوويّ (٢) وغيره، والذي يظهر أن سبيل الله تعالى هنا المراد به: التطوع لله واحتسابه عند الله، وليس المراد به حالة الغزو خاصة، والله أعلم. ١٤٨٢ - قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الله ألم أُخْبَر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ " فقلت: بلى يا رسول الله، قال: "فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا، وإن لزورك عليك حقًّا، لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام: صوم الدهر كله، صم كل شهر ثلاثة أيام، واقرأ القرآن في كل شهر". قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم أفضل الصوم صومَ داود: صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرة، ولا تزد على ذلك". قلت: رواه الجماعة هنا بألفاظ متقاربة المعنى مختلفة الألفاظ وذكره البخاري أيضًا في أحاديث الأنبياء، كلهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. (٣) وقد تقدم الكلام في صيام الدهر، وأما نهيه ﷺ عن قيام الليل كله: فمحمول على ظاهره، فيكره صلاة كل الليل دائمًا لكل أحد، وفرقوا بينه وبين صوم كل الدهر في حق من لم يتضرر به ولا يفوت حقًّا، بأن صلاة الليل كله لا بد فيها من الإضرار

стр. 752

بنفسه، وتفويت بعض الحقوق؛ لأنه إن لم ينم بالنهار فهو ضرر ظاهر، وإن نام يومًا يخلف سهره فوت بعض الحقوق، بخلاف من صلى بعض الليل فإنَّه يستغني بنوم باقيه، وإن نام معه شيئًا من النهار، كان يسيرًا لا يفوت حقًّا، وكذا من قام ليلة كاملة، كليلة القدر وغيرها، لا دائمًا، لا كراهية فيه، وقد تمسك بهذا الحديث من ذهب إلى أن: صوم يوم وفطر يوم، أفضل من سرد الصوم، وإليه ذهب المتولي وجماعة من أصحابنا وفي كلام غيرهم إشارة إلى تفضيل السرد وتخصيص هذا الحديث بعبد الله بن عمرو، ومن في معناه ممن لا يطيقه، وتقديره لا أفضل من هذا في حقك. قوله ﷺ : ولزورك عليك حقًّا، بالزاي المعجمة المفتوحة وسكون الواو وكسر الراء المهملة أي زائرك. قوله ﷺ : في قراءة القرآن في كل سبع ليال مرة ولا تزد على ذلك، فيه الإرشاد إلى الاقتصار في العبادة، والإرشاد إلى تدبر القرآن، وقد كان للسلف عادة مختلفة فيما يقرؤون كل يوم بحسب أحوالهم وأفهامهم ووظائفهم، قال النوويّ في كتاب "آداب القرآن (١) " وأكثر ما بلغنا من ذلك أن بعضهم كان يقرأ في كل يوم وليلة: ثمان ختمات، قال: والمختار أنَّه يستكثر منه ما يمكنه الدوام عليه، ولا يعتاد إلا ما يغلب على ظنه الدوام عليه في حال نشاطه وغيره، هذا إذا لم يكن له وظيفة عامة أو خاصة تتعطل، فإن كانت كولاية وتعليم ونحو ذلك، فليوظف لنفسه قراءة تمكنه المحافظة عليها من غير إخلال بشيء من كمال تلك الوظيفة والله أعلم. من الحسان ١٤٨٣ - كان رسول الله ﷺ : "يصوم يوم الإثنين والخميس".

стр. 753

قلت: رواه الأربعة إلا أبا داود واللفظ للنسائي، وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، وقد روى أبو داود معنى حديث عائشة من حديث أسامة بن زيد بسند فيه: رجلان مجهولان. (١) ١٤٨٤ - قال ﷺ : "تعرض الأعمال يوم الإثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم". قلت: رواه أحمد والترمذي هنا وقال: حسن غريب، كلاهما من حديث أبي هريرة. (٢) ١٤٨٥ - قال رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر إذا صمت من الشهر فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة". قلت: رواه الترمذي والنسائيُّ هنا واللفظ للترمذي، وقال: حديث حسن. (٣) وهذا دليل على استحباب صوم أيام البيض، وأنها هذه المعدودات في الحديث، ويرد على من قال: هي الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر. ١٤٨٦ - كان رسول الله ﷺ يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام، وقَلَّما كان يفطر يوم الجمعة. قلت: رواه الثلاثة هنا من حديث عبد الله بن مسعود، وقال الترمذي: حسن غريب، وليس في أبي داود "وقَلَّما كان يفطر يوم الجمعة". (٤)

стр. 754

١٤٨٧ - كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر: السبت والأحد والإثنين، ومن الشهر الآخر: الثلاثاء والأربعاء والخميس. قلت: رواه الترمذي هنا من حديث خيثمة عن عائشة وقال: حديث حسن. (١) ١٤٨٨ - كان رسول الله ﷺ يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر، أولها الإثنين والخميس. قلت: رواه أبو داود والنسائيُّ كلاهما هنا من حديث أم سلمة ولم يضعفه أبو داود ولا المنذري. (٢) قوله: أولها الإثنين والخميس: لأنَّ الشهر إما أن يكون افتتاحه من الأسبوع في القسم الذي بعد الخميس، فتفتتح صومها من ذلك الشهر بالإثنين، وإما أن يكون في القسم الذي بعد الإثنين فتفتتح صومها في شهرها ذلك بالخميس. ١٤٨٩ - سئل النبي ﷺ عن صيام الدهر قال: "صم رمضان، والذي يليه، وكل أربعاء وخميس، فإذن أنت قد صمت الدهر". قلت: رواه أبو داود والترمذي والنسائيُّ كلهم في الصيام من حديث مسلم ابن عبيد الله القرشي ويقال عبيد الله بن مسلم وقال الترمذي: غريب ولم يضعفه أبو داود. (٣) ١٤٩٠ - أن رسول الله ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة. قلت: رواه الأربعة هنا إلا الترمذي، ورواه الحاكم كلهم من حديث مهدي بن حرب الهجري عن عكرمة عن أبي هريرة قال الحاكم: على شرط البخاري انتهى

стр. 755

كلام الحاكم، وكلامه مردود فإن مهدي الهجري ليس من رجال البخاري ولا مسلم، وقال ابن معين فيه: لا أعرفه، والعجب أن الذهبي أقر الحاكم على ما قال (١). وقال الخطابي (٢): هذا نهي كراهة لا نهي تحريم. ١٤٩١ - أن رسول الله ﷺ قال: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه". قلت: رواه الأربعة من حديث عبد الله بن بسر عن أخته (٣) الصماء وقال الترمذي: حديث حسن، وقال أبو داود: هذا الحديث منسوخ وروي هذا الحديث من حديث عبد الله بن بسر عن رسول الله ﷺ ومن حديث الصماء عن عائشة زوج النبي ﷺ قال النسائيُّ: وهذه أحاديث مضطربة. وقال مالك: هذا الحديث كذب، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، وله معارض، يعني الأحاديث الواردة في صومه، وذهب جمهور أصحاب الشافعي إلى كراهة إفراد في كيوم السبت بالصوم، قالوا ودعوى النسخ

стр. 756

غير مقبولة إلا بدليل، والأحاديث الواردة في صومه ليس فيها أنَّه أفرده بالصوم، فلا معارض، والمعنى فيه تعظيم اليهود له (١). واللحاء: بالحاء المهملة وضبطه الجوهري بكسر اللام وبالمد وهو قشر الشجر. ١٤٩٢ - قال ﷺ : "ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر". قلت: رواه الترمذي وابن ماجه من حديث قتادة عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة، وإسناده ضعيف، قال: وسألت محمدًا عن هذا الحديث فلم يعرفه من غير هذا الوجه. (٢) ١٤٩٣ - قال ﷺ : "من صام يومًا في سبيل الله، جعل الله بينه وبين النار خندقًا، كما بين السماء والأرض". قلت: رواه الترمذي في فضائل الجهاد وقال فيه: "خندقًا كما بين المشرق والمغرب" من حديث أبي أمامة. (٣) ١٤٩٤ - قال ﷺ : "الغنيمة الباردة الصوم في الشتاء" (مرسل).

стр. 757

قلت: رواه الترمذي هنا من حديث عامر بن مسعود يرفعه، وقال: هذا حديث مرسل؛ لأنَّ عامر بن مسعود لم يدرك النبي ﷺ ، وهو والد إبراهيم ابن عامر القرشي. (١) فصل من الصحاح ١٤٩٥ - دخل على النبي ﷺ ذات يوم فقال: "هل عندكم شيء؟ " فقلنا: لا، فقال: "فإني إذًا صائم" ثمَّ أتانا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حيس فقال: "أرينيه فلقد أصبحت صائمًا" "فأكل". قلت: رواه مسلم والثلاثة هنا من حديث عائشة ولم يخرجه البخاري. (٢) والحيس: بفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف والسين المهملة، هو تمر يخلط بسمن وأقط. وفيه دليل لمذهب الجمهور أن صوم النافلة يجوز بنية من النهار، قبل زوال الشمس، وتأوله من منع من ذلك على أن سؤاله ﷺ هل عندكم شيء لكونه ضعف عن الصوم، وكان نواه من الليل فأراد الفطر للضعف، وفيه دليل لمن قال أن صوم النافلة يجوز قطعه. ١٤٩٦ - دخل النبي ﷺ على أم سليم، فأتته بتمر وسمن، فقال: "أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه، فإني صائم، ثمَّ قام إلى ناحية البيت فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل بيتها".

стр. 758

قلت: رواه البخاري هنا من حديث خالد بن الحارث عن حميد عن أنس. (١) ١٤٩٧ - وقال رسول الله ﷺ : "إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم، فليقل: إني صائم". قلت: رواه مسلم والأربعة هنا من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري. (٢) وهذا محمول على أنَّه يقوله اعتذارًا له وإعلامًا بحاله فإن سمح له ولم يطالبه بالحضور سقط عنه الحضور فإن لم يسمح وطلب الحضور لزمه الحضور، ويسقط بأعذار مذكورة في كتب الفقه، وليس منها الصوم، وإذا حضر وهو صائم صوم تطوع، فإن كان يشق على صاحب الطعام صومه استحب الفطر وإلا فلا. ١٤٩٨ - قال ﷺ : "إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليصل، وإن كان مفطرًا فليطعم". قلت: رواه مسلم في النكاح وأبو داود والترمذي والنسائيُّ ثلاثتهم في الصوم وفي الوليمة كلهم من حديث هشام بن حسان عن محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة. (٣) في الحسان ١٤٩٩ - لما كان يوم فتح مكة جاءت فاطمة فجلست عن يسار رسول الله ﷺ ، وأم هانئ عن يمينه، فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب، فناولته، فشرب منه، ثمَّ ناولها أم هانئ فشرب، فقالت: يا رسول الله إني كنت صائمة فقال لها: "أكنت تقضين شيئًا؟ " قالت: لا، قال: "فلا يضرك إن كان تطوعًا".

стр. 759

قلت: رواه الثلاثة هنا من حديث أم هانئ، قال المنذري: وفي إسناده مقال ولا يثبت، وفي إسناده اختلاف كثير أشار إليه النسائيُّ، وقال الترمذي أيضًا: في إسناده مقال. (١) وفي رواية: "الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر". قلت: رواه الترمذي هنا من حديث أم هانئ وبينا ما في إسناده. (٢) ١٥٠٠ - قالت: كنت أنا وحفصة صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه، فأكلنا منه، فقالت حفصة: يا رسول الله! إنا كنا صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه، فأكلنا منه؟ قال: "اقضيا يومًا آخر مكانه".

стр. 760

وهذا يروى مرسلًا -على الأصح- عن الزهري عن عائشة. قلت: رواه أبو داود والنسائيُّ هنا من حديث يزيد بن الهاد عن زُمَيْل عن عروة عن عائشة، قال البخاري: لا يعرف لزميل سماع من عروة ولا ليزيد عن زميل ولا تقوم به الحجة، وقال الخطابي: إسناده ضعيف، وزميل: مجهول، وزميل: بضم الزاي وفتح الميم وهو ابن عباس أو عياش مولى عروة بن الزبير، ولو صح الحديث حمل الأمر بالقضاء على الاستحباب. (١) ١٥٠١ - أن النبي ﷺ قال: "إن الصائم إذا أكل عنده صلت عليه الملائكة حتى يفرغوا". قلت: رواه الترمذي هنا من حديث حبيب بن زيد عن مولاة لهم يقال لها: ليلى عن جدته أم عمارة بنت كعب ترفعه، وقال: حديث حسن صحيح، وكذلك رواه ابن ماجه ورواه النسائيُّ عن حبيب بن زيد عن ليلى أن النبي ﷺ قال ... الحديث. (٢)

стр. 761

باب ليلة القدر في الصحاح ١٥٠٢ - قال رسول الله ﷺ : "تحروا ليلة القدر، في الوتر من العشر الأواخر من رمضان". قلت: رواه الشيخان هنا من حديث عائشة وليس في مسلم في الوتر. (١) وقد أجمع من يعتد بإجماعه، على وجودها ودوامها إلى آخر الدهر، للأحاديث المشهورة، واختلفوا في محلها: فقيل: هي متنقلة تكون في سنة في ليلة، وفي سنة أخرى في ليلة أخرى، قال هؤلاء: وإنما تنتقل في العشر الأواخر من رمضان، وقيل: في كله، وقيل: إنها معنية لا تنتقل أبدًا، بل هي في ليلة معنية في جميع السنين، لا يفارقها، وعلى هذا قيل: أنها في السنة كلها، ونقل ذلك عن الإمام أبي حنيفة وصاحبيه، وقيل: في رمضان كله، وقيل تختص بأوتار العشر، وقيل: با شفاعة، وهو باطل بهذا الحديث، وقيل: غير ذلك، ويميل الشافعي إلى أنها منحصرة في العشر الأواخر في ليلة معينة منه في نفس الأمر، لا تنتقل عنها، وإن كانت مبهمة علينا، وكل ليالي العشر محتملة لها، لكن ليالي الوتر أرجاها، وأرجى الأوتار ليلة الحادي أو الثالث والعشرين، وهي أفضل ليالي السنة، ومختصة بهذه الأمة، ويفرق فيها كل أمر حكيم على الصواب. (٢) ١٥٠٣ - إن رجالًا من أصحاب النبي ﷺ أُرُوا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ : "أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان منكم متحرِّيها فليتحرّها في السبع الأواخر".

стр. 762

قلت: رواه الشيخان هنا وأبو داود في الصلاة مختصرًا من حديث ابن عمر (١). ١٥٠٤ - أن النبي ﷺ قال: "التمسوا في العشر الأواخر في رمضان ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقي". قلت: رواه البخاري هنا وأبو داود في الصلاة كلاهما من حديث ابن عباس. (٢) ١٥٠٥ - أن رسول الله ﷺ اعتكف العشر الأوّل من رمضان، ثمَّ اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية، ثمَّ اطلع رأسه، فقال: "إني اعتكفت العشر الأوّل ألتمس هذه الليلة، ثمَّ اعتكفت العشر الأوسط، ثمَّ أُتيت فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، فقد أريت هذه الليلة ثمَّ أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر، قال: فمَطَرَت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد، فبصرتْ عيناي رسولَ الله ﷺ وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين". قلت: رواه مسلم وأصله في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري. (٣) ١٥٠٦ - قال: "ليلة ثلاث وعشرين". قلت: رواه مسلم هنا (٤) من حديث بسر بن سعيد عن عبد الله بن أنيس أن النبي ﷺ قال: أريت ليلة القدر ثمَّ أنسيتها، وأراني أسجد صبيحتها، أسجد في ماء وطين، قال: "فمُطِرْنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسول الله ﷺ وانصرف، وإن أثر الماء والطين

стр. 763

في جبهته وأنفه، قال: وكان عبد الله ابن أنيس يقول ثلاث وعشرين" لم يخرج البخاري عن عبد الله بن أنيس في ليلة القدر ولا في غيرها شيئًا. ١٥٠٧ - أنَّه حلف -لا يستثني- أنها ليلة سبع وعشرين، فقيل له: بأي شيء تقول ذلك؟ قال: بالعلامة التي أخبرنا رسول الله ﷺ : أن الشمس تطلع في صبيحة يومها بيضاء، لا شعاع لها. قلت: رواه مسلم هنا وفي الصلاة وأبو داود في الصلاة والترمذي هنا والنسائيُّ في الاعتكاف، وألفاظهم متقاربة كلهم من حديث أبي بن كعب ولم يخرجه البخاري. (١) ١٥٠٨ - كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر، ما لا يجتهد في غيره. قلت: رواه مسلم والترمذي وابن ماجه ثلاثتهم في الصوم والنسائيُّ في الاعتكاف كلهم من حديث عائشة ولم يخرج البخاري هذا اللفظ. (٢) ١٥٠٩ - كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله وأيقظ أهله. قلت: رواه الشيخان وابن ماجه في الصوم وأبو داود والنسائيُّ في الصلاة كلهم من حديث عائشة (٣).

стр. 764

من الحسان ١٥١٠ - قلت: يا رسول الله أرأيتَ إن علمتُ أي ليلةٍ ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" (هذا حديث صحيح). قلت: رواه الترمذي في الدعوات وصححه، والنسائيُّ في النعوت، وفي اليوم والليلة، وأحمد وابن ماجه، وقالا فيه: أرأيت إن وافقت ليلة القدر. (١) ١٥١١ - سمعت رسول الله ﷺ يقول: "التمسوها يعني ليلة القدر في تسع يبقين، أو سبع يبقين، أو في خمس يبقين، أو ثلاث، أو آخِرِ ليلة". قلت: رواه أحمد والترمذي هنا والنسائيُّ في الاعتكاف كلهم من حديث أبي بكر وقال الترمذي: حسن صحيح. (٢) ١٥١٢ - سئل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر فقال: "هي في كل رمضان" (ووقفه بعضهم على ابن عمر). قلت: رواه أبو داود في الصلاة من حديث موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وقال أبو داود: رواه سفيان وشعبة عن أبي إسحاق موقوفًا على ابن عمر ولم يرفعاه. (٣)

стр. 765

١٥١٣ - قلت: يا رسول الله إن لي بادية أكون فيها، وأنا أصلي فيها بحمد الله، فمرني بليلة أنزلها من هذا الشهر إلى المسجد، فقال: "أنزل ليلة ثلاث وعشرين" قال: فكان إذا صلى العصر دخل المسجد فلم يخرج إلا في حاجة حتى يصلي الصبح. قلت: رواه أبو داود في الصلاة من حديث ابن عبد الله بن أنيس عن أبيه (١) وقال فيه: فإذا صلى الصبح، وجد دابته على باب المسجد، فجلس عليها فلحق بباديته، وفي سنده: محمَّد بن إسحاق، وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث بسر بن سعيد عن عبد الله بن أنيس الحديث المتقدم. باب الاعتكاف من الصحاح ١٥١٤ - " أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله ثمَّ اعتكف أزواجه من بعده". قلت: رواه الجماعة إلا ابن ماجه، كلهم في الاعتكاف من حديث عائشة ولم يذكر الترمذي اعتكاف أزواجه من بعده ﷺ . (٢) قال الشافعي: الاعتكاف لزوم المرء الشيء، وحبس نفسه عليه برًّا كان أو إثمًا قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ وقوله ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾.

стр. 766

وفي الشرع: هو المكث في المسجد من شخص مخصوص، بصفة مخصوصة، وقد أجمع المسلمون على استحبابه، وأنه ليس بواجب، وعلى أنَّه متأكد في العشر الأواخر من رمضان، وقد قال بعض فقهاء الشافعية الاعتكاف في الشرع: اللبث في المسجد بقصد القربة من مسلم عاقل طاهر من الجنابة والحيض والنفاس صاح كافٍ نفسه عن قضاء شهوة الفرج مع التذكر، وشرط أبو حنيفة الصوم. ١٥١٥ - كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان، كان جبريل يلقاه كل ليلة في رمضان يعرض عليه النبي ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة. قلت: رواه البخاري في بدء الوحي وفي صفة النبي ﷺ ، وفي بدء الخلق وفي الصوم، وفي فضائل القرآن، ومسلم في فضائل النبي ﷺ والترمذي في الشمائل والنسائيُّ في الصوم وفي فضائل القرآن كلهم من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس (١). وفيه أن جبريل ﵇ كان يلقاه كل سنة في رمضان ﷺ ، حتى ينسلخ، فيعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن. قوله: وكان أجود ما يكون: روى برفع أجود ونصبه، والرفع أصح وأشهر، والريح المرسلة: بفتح السين والمراد: كالريح في إسراعها وعمومها. ١٥١٦ - كان يعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض.

стр. 767

قلت: رواه البخاري في فضائل القرآن والنسائيُّ فيه وابن ماجه في الصوم كلهم من حديث أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة (١) ورواه أيضًا البخاري في علامات النبوة وفي غيره، ومسلم في الفضائل، والنسائيُّ في الوفاة وفي غيره، وابن ماجه في الجنائز كلهم من حديث مسروق عن عائشة مطولًا وقالت فيه: إن النبي ﷺ أسر إلى فاطمة فبكت، ثمَّ سارها فضحكت، وأنها أخبرت أنَّه ﷺ أخبرها في المرّة الأولى أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين، وأنه عارضه الآن مرتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب .. الحديث بطوله. ١٥١٧ - كان يعتكف ﷺ كل عام عشرًا، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض. قلت: رواه البخاري هنا وفي فضائل القرآن وأبو داود والنسائيُّ كلاهما هنا وابن ماجه في الصوم كلهم، من حديث أبي هريرة ولم يخرجه مسلم. (٢) ١٥١٨ - كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف أدنى إليّ رأسه وهو في المسجد، فأرجّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان. قلت: رواه الجماعة: البخاري هنا ومسلم في الطهارة وأبو داود والترمذي وابن ماجه ثلاثتهم في الصوم والنسائيُّ في الطهارة وفي الاعتكاف كلهم من حديث عائشة. (٣) وفيه: جواز ترجيل المعتكف شعره، وفي معناه حلق الرأس، وتقليم الأظفار، وتنظيف البدن من الشعر، وفيه: أن بدن الحائض طاهر، وفيه: أن من حلف لا يدخل بيتًا فأدخل رأسه فيه وسائر جسده خارج لم يحنث.

стр. 768

١٥١٩ - أنَّه سأل رسول الله ﷺ قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: "فأوف بنذرك". قلت: رواه البخاري في الصوم ومسلم في النذور كلاهما من حديث نافع عن ابن عمر عن أبيه. (١) من الحسان ١٥٢٠ - أن النبي ﷺ كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عامًا، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين. قلت: رواه أحمد والأربعة: أما أحمد: فمن حديث أنس ومن حديث أبي بن كعب وأما الترمذي: فمن حديث أنس خاصة والباقون من حديث أبي خاصة كلهم هنا. وقال الترمذي: حسن صحيح. (٢) ١٥٢١ - كان رسول الله ﷺ وإذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثمَّ دخل في معتكفه. قلت: هذا الحديث رواه الشيخان وأصحاب السنن مطولًا هنا من حديث عائشة فكان من حق المصنف أن يذكر الحديث في الصحاح. (٣) ١٥٢٢ - قالت: "كان النبي ﷺ يعود المريض وهو معتكف، فيمر كما هو فلا يعرّج يسأل عنه".

стр. 769

قلت: رواه أبو داود من حديث عائشة. (١) وفي سنده ليث بن أبي سليم، روى له الأربعة ومسلم مقرونًا وفيه ضعف يسير من سوء حفظه، وكان ذا صلاة وصيام وعلم كثير وبعضهم يحتج به. ١٥٢٣ - قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس المرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجدٍ جامعٍ. قلت: رواه أبو داود هنا من حديث عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة، قال أبو داود: وغير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه: قالت: السنة، وأخرجه النسائيُّ من حديث يونس وليس فيه: قالت: السنة، ومن حديث الإمام مالك، وليس فيه أيضًا ذلك، وعبد الرحمن بن إسحاق هذا هو: القرشي المدني، يقال له: عباد، ووثقه يحيى بن معين، وقد زاد هذه الزيادة وهو ثقة والله أعلم. وقولها: السنة، قيل: إن كانت أرادت بذلك إضافة هذه الأمور إلى النبي ﷺ قولًا وفعلًا فهي نصوص لا يجوز خلافها، وإن كانت أرادت به الفتوى على معنى، ما عقلت من السنة، فقد خالفها بعض الصحابة في بعض هذه الأمور وقد بينا أن غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول: أنها قالت: السنة، فدلّ ذلك على احتمال أنها قالته فتوى منها ليس برواية عن النبي ﷺ . (٢)

стр. 770

كتاب فضائل القرآن من الصحاح ١٥٢٤ - قال رسول الله ﷺ : "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". قلت: رواه الجماعة إلا مسلمًا والبخاري والترمذي والنسائيُّ في فضائل القرآن وأبو داود في الصلاة وابن ماجه في السنة كلهم من حديث أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان يرفعه واسم أبي عبد الرحمن عبد الله. (١) ١٥٢٥ - قال ﷺ : "أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان، أو العقيق، فيأتي بناقتين كوماوَيْن في غير إثم، ولا قطع رحم؟ قالوا: يا رسول الله كلنا يحب ذلك، قال: فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل". قلت: رواه مسلم في فضائل القرآن من كتاب الصلاة وكذلك أبو داود كلاهما من حديث علي بن رباح عن عقبة ولم يخرجه البخاري. وبطحان: بضم الباء الموحدة وسكون الطاء المهملة اسم واد بالمدينة كذا قاله النوويّ (٢) وغيره وضبطه ابن الأثير (٣) بفتح الباء، قال: وأكثرهم بضمها ولعله الأصح. والعقيق بفتح العين المهملة وبقافين، الأولى مكسورة بينهما ياء آخر الحروف، المراد به العقيق الأصفر. (٤)

стр. 771

وهو واد على ثلاثة أميال، وقيل: على ميلين من المدينة، وخصهما بالذكر لأنهما أقرب أسواق الإبل إلى المدينة. والكوما: من الإبل بفتح الكاف وبالمد العظيمة السنام. ١٥٢٦ - قال رسول الله ﷺ : "أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفات عظام سمان" قلنا: نعم، قال: "فثلاث آيات يقرؤ بهن أحدكم في صلاته، خير من ثلاث خلفات عظام سمان". قلت: رواه مسلم في الصلاة وابن ماجه في ثواب التسبيح كلاهما من حديث وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ولم يخرجه البخاري. (١) وخلفات: بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام الحوامل من الإبل إلى أن يمضي عليها نصف أمدها ثمَّ هي عشار والواحدة خلفة وعُشرا بضم العين بالمد. والفاء في قوله: فثلاث آيات، جزاء شرط محذوف والمعنى إذا تقرر ما زعمتنم أنكم تحبون ما ذكرت لكم فقد صح أن يتفصل عليه ما أذكره وهو كذا. ١٥٢٧ - قال ﷺ : "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق، له أجران". قلت: رواه الجماعة: البخاري في تفسير سورة عبس ومسلم وأبو داود في الصلاة والترمذي والنسائيُّ في فضائل القرآن وابن ماجه في ثواب القرآن كلهم من حديث سعد بن هشام عن عائشة ترفعه. (٢) والسفرة: جمع سافر ككاتب وكتبه: وهم الرسل لأنهم يسفرون إلى الناس برسالاتهم، وقيل: السفرة: الكتبة.

стр. 772

والبررة: المطيعون. قوله ﷺ : ويتتعتع فيه، أي يتردد في قراءته لضعف حفظه فله أجران، أجر قراءته وأجر تعتعته في تلاوته ومشقته، وليس معناه أن الذي يتتعتع فيه له من الأجر أكثر من الماهر، بل الماهر أفضل وأكثر أجرًا فإنَّه مع السفرة فله أجور كثيرة، لم تذكر هذه المنزلة لغيره. ١٥٢٨ - قال ﷺ : "لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا، فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار". قلت: رواه الجماعة إلا أبا داود والبخاري في التوحيد ومسلم في الصلاة والترمذي في البر والنسائيُّ في فضائل القرآن وابن ماجه في الزهد كلهم من حديث سالم عن ابن عمر بن الخطّاب (١). والحسد قسمان: حقيقي ومجازي، فالحقيقي: بمعنى زوال النعمة عن صاحبها وهذا حرام بإجماع المسلمين مع النصوص الصريحة الصحيحة، وأما المجاز: فهو الغبطة، وهو أن يتمنى مثل النعمة التي على غيره من غير زوالها عن صاحبها، فإن كانت من أمور الدنيا كانت مباحة، وإن كانت طاعة فهي مستحبة، والمراد في الحديث لا غبطة محبوبة إلا في هاتين الخصلتين. وآناء الليل: ساعاته واحدها إنًى مثل معًا وأنا وإنى وإنو أربع لغات. ١٥٢٩ - قال ﷺ : "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة، ريحها طيب، وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن، كمثل الحنظلة، ليس لها ريح، وطعمها مر، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب، وطعمها مر".

стр. 773

قلت: رواه الجماعة: البخاري في التوحيد وفي فضائل القرآن، ومسلم في الصلاة وأبو داود في الأدب والترمذي في الأمثال والنسائيُّ في الوليمة وابن ماجه في السنة كلهم من حديث أنس بن مالك عن أبي موسى يرفعه. (١) - وفي رواية: المؤمن الذي يقرأ القرآن، ويعمل به، كالأترجة، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة. قلت: رواها البخاري. (٢) والأترجة: بضم الهمزة وسكون التاء المثناة من فوق وضم الراء المهملة. وتشديد الجيم واحده الأترج، وحكى أبو زيد تُرنجة بغير همز مع ضم التاء وزيادة نون. والحنظلة: بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الظاء المعجمة، معروفة. ١٥٣٠ - قال ﷺ : "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين". قلت: رواه مسلم في الصلاة وابن ماجه في السنة كلاهما من حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة عن عمر ولم يخرجه البخاري. (٣) ١٥٣١ - أن أسيد بن حضير بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده، إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت، فسكت فسكنت، ثمَّ قرأ فجالت، فلما أصبح حدث النبي ﷺ ، قال: فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة، فيها أمثال المصابيح، عرجت في الجو حتى لا أراها؟ قال: "تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت، لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم".

стр. 774

قلت: رواه البخاري والنسائيُّ (١) كلاهما هنا في فضائل القرآن من حديث أسيد بن حضير واللفظ له ومسلم في الصلاة من حديث عبد الله ابن خَبَّاب عن أبي سعيد فذكره بمعناه. وأُسيد: بضم الهمزة وفتح السين وبالياء آخر الحروف والدال. وحُضير: بضم الحاء المهملة وفتح الضاد وبالياءآخر الحروف ثمَّ بالراء المهملة. (٢) وجالت الفرس بمعنى دارت. وتؤنثت وقال هنا: جالت ماتت الفرس، وفي بعض الروايات: وعنده فرس مربوط فذكره وهما صحيحان والفرس تقع على الذكر والأنثى. والظلة: سحابة تظل من تحتها. وعرجة: بعين وراء مهملتين وجيم مفتوحات أي ارتقت. والجو: بفتح الجيم وتشديد الواو ما بين السماء والأرض. ١٥٣٢ - كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين، فتغشّته سحابة، فجعلت تدنو وندنو، وجعل فرسه ينفر، فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: "تلك السكينة تنزلّت بالقرآن". قلت: رواه البخاري في علامات النبوة ومسلم في الصلاة والترمذي في فضائل القرآن كلهم من حديث أبي إسحاق عن البراء. (٣) والحصان: بكسر الحاء وبالصاد المهملتين هو الذكر من الخيل، وقوله: مربوط بشطنين هو بشين وطاء مهملة ونون تثنية شطن: وهو الحبل الطويل والجمع أشطان.

стр. 775

والسكينة: قال النوويّ (١): قد قيل في معنى السكينة أشياء، المختار منها: أنها شيء من مخلوقات الله تعالى فيه طمأنينة ورحمة ومعه الملائكة. ١٥٣٣ - كنت أصلي فدعاني النبي ﷺ فلم أجبه حتى صليت ثمَّ أتيت فقال: "ما منعك أن تأتي؟ " قلت: كنت أصلي فقال ألم يقل الله: "استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم؟ " ثمَّ قال: "ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن، قبل أن أخرج من المسجد؟ " فأخذ بيدي فلما أردنا أن نخرج. قلت: يا رسول الله إنك قلت: ألا أعلمك أعظم سورة من القرآن قال: "الحمد لله رب العالمين" هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته". قلت: رواه الجماعة إلا مسلمًا والترمذي والبخاري في التفسير وفي فضائل القرآن وأبو داود والنسائيُّ كلاهما في الصلاة وابن ماجه في ثواب التسبيح كلهم من حديث أبي سعيد بن المعَلّى. (٢) ١٥٣٤ - قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سور البقرة". قلت: رواه مسلم في الصلاة والنسائيُّ في فضائل القرآن كلاهما من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ولم يخرجه البخاري. (٣) ١٥٣٥ - قال ﷺ : "اقرؤا القرآن، فإنَّه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان -أو
следующие страницы →