← Книги сунны

Книги сунны · id 17063

كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح

الصدر المناوي

Полный текст (2 643 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

فيه دعاء؟ قلنا: قال بعضهم: هذا ذكر يستفتح به الدعاء، ثم يدعوا بما شاء، وقد يجاب بما أجاب به سفيان بن عيينة حيث قال: أما علمت قوله "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين؟ " وقال الشاعر (١): إذا أثنى عليك المرء يومًا ... كَفاه مِنْ تعرضه الثناء ١٧٤٧ - قال: استبّ رجلان فأحدهما يسب صاحبه مغضبًا قد احمر وجهه، فقال النبي ﷺ : "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". قلت: رواه الشيخان وأبو داود ثلاثتهم في الأدب والنسائي في "اليوم والليلة" من حديث سليمان بن صرد. (٢) ١٧٤٨ - قال رسول الله ﷺ : "إذا سمعتم صياح الديكة فسلوا الله من فضله فإنها رأت ملكًا، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم فإنها رأت شيطانًا". قلت: رواه الجماعة إلا ابن ماجه: البخاري في بدء الخلق ومسلم والترمذي في الدعوات وأبو داود في الأدب والنسائي في "اليوم والليلة" من حديث أبي هريرة. (٣) قيل السبب في ذكر الله عند صياح الديكة: رجاء تأمين الملائكة على الدعاء واستغفارهم وشهادتهم له بالتضرع والإخلاص، وفيه الدعاء عند حضور الصالحين والتبرك بهم.

стр. 877

١٧٤٩ - أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى السفر كبر ثلاثًا، ثم قال: " ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ اللهم إنا، نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطوِ لنا بُعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل، وإذا: رجع قالهن، وزاد فيهن: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون". قلت: رواه مسلم في الحج وأبو داود في الجهاد والترمذي في الدعوات من حديث ابن عمر ولم يخرجه البخاري. (١) ومعنى مقرنين: مطيقين أي ما كنا نطيق قهره واستعماله لولا تسخير الله إياه لنا. قوله ﷺ : من وعثاء السفر بفتح الواو وسكون العين المهملة وبالثاء المثلثة والمد أي شدته ومشقته. قوله: كآبة المنظر بفتح الكاف وبالمد وهي: تغير النفس من الحزن فاستعاذ من أن ينصرف إلى أهله سيء المنظر من الحزن. والمنقلب: بفتح اللام المرجع، أي أن ينقلب إلى أهله كئيبًا حزينًا لم يقض حاجته أو مكروبًا قد ذهب ماله أو أصابته فاقة أو ما أشبه ذلك. ١٧٥٠ - قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر، يتعوذ من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، والحور بعد الكور، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في الأهل والمال". قلت: رواه مسلم في المناسك والترمذي وابن ماجه في الدعوات والنسائي في الاستعاذة كلهم من حديث عبد الله بن سرجس. (٢)

стр. 878

قوله: أعوذ بك من الحور بعد الكور، والحور بحاء وراء مهملتين، والكور، معظم نسخ مسلم بالنون، وكذا ضبطه الحفاظ، وروي أيضًا بالراء المهملة رواه العذري وللباقين الكون بالنون، ومعناه النقصان بعد الزيادة، وقيل من الشذوذ بعد الجماعة أو من الفساد بعد الصلاح أو من القلة بعد الكثرة كأنه من كار عمامته إذا لفها على رأسه، فاجتمعت وحارها إذا نقضها فافترقت، وبالنون قال أبو عبيد من قولهم: حار بعدما كان، أي أنه كان على حالة جميلة فرجع عنها، ووهّم بعضهم رواية النون، وقيل معناه: رجع إلى الفساد والنقص أي بعد أن كان على خير مما رجع إليه. (١) ١٧٥١ - قال رسول الله ﷺ : "من نزل منزلًا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك". قلت: رواه مسلم والترمذي كلاهما في الدعوات والنسائي في اليوم والليلة، وابن ماجه في الطب كلهم من حديث خولة بنت حكيم ولم يخرجه البخاري. (٢) ١٧٥٢ - جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة! قال: "أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرك". قلت: رواه مسلم في الدعوات والنسائي في "اليوم والليلة"، من حديث أبي هريرة، ولم يخرجه البخاري. (٣) ١٧٥٣ - أن رسول الله ﷺ كان إذا كان في سفر وأسحر يقول: "سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا، عائذًا بالله من النار".

стр. 879

قلت: رواه مسلم في الدعوات وأبو داود في الأدب والنسائي في السير من حديث أبي هريرة. (١) وأسحر: أي قام في السحر أو ركب أو انتهى في السحر وهو آخر الليل. وسمع سامع: بكسر الميم معناه: شهد شاهد أي ليستمع سامع، وليشهد الشاهد على ما حمدنا الله تعالى به، ورواه بعضهم بتشديد الميم وفتحها أي بلّغ سامع قولي لغيره، واختار صاحب المشارق وصاحب المطالع التشديد وادّعى أن أكثر رواة مسلم رووه كذلك. قوله: وحسن بلائه: أي: حسن نعمه، والبلاء يكون في الخير والشر، قوله: ربنا صاحبنا وأفضل علينا، أي: احفظنا وحطنا واكلانا وأفضل علينا بجزيل نعمك واصرف عنا كل مكروه، قوله: عائذًا بالله من النار منصوب على الحال أي أقول هذا حال إستعاذتي واستجارتي بالله من النار. ١٧٥٤ - كان رسول الله ﷺ إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شَرَف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". قلت: رواه الشيخان في الحج وأبو داود والنسائي كلاهما في الجهاد. (٢) وقفل: معناه رجع من الغزو وغيره، وآيبون، أي: راجعون، وصدق وعده في إظهار الدين، وكون العاقبة للمتقين وغير ذلك من وعده تعالى إن الله لا يخلف الميعاد، وهزم الأحزاب وحده: أي من غير قتال من الآدميين، والمراد: الأحزاب الذين اجتمعوا يوم الخندق وتحزبوا على رسول الله ﷺ فأرسل الله عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها وبهذا يرتبط قوله ﷺ صدق الله تكذيبًا لقول المنافقين، والذين في قلوبهم مرض: ما وعدنا الله

стр. 880

ورسوله إلا غرورًا، وهذا هو المشهور، إن المراد أحزاب يوم الخندق، قال بعضهم: ويحتمل أن يكون المراد أحزاب الكفر في جميع الأيام والمواطن. (١) ١٧٥٥ - دعا رسول الله ﷺ يوم الأحزاب على المشركين ففال: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اللهم اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم". قلت: رواه البخاري في مواضع منها في الجهاد ومسلم في المغازي والترمذي في السير وابن ماجه في الجهاد من حديث عبد الله بن أبي أوفي (٢). ١٧٥٦ - نزل رسول الله ﷺ على أبي فقرّبنا إليه طعامًا ووطبة فأكل منها، ثم أتي بتمر فكان يأكله ويلقي النوى بين أصبعيه، ويجمع السبابة والوسطى -وفي رواية: فجعل يلقي النوى على ظهر أصبعيه السبابة والوسطى- ثم أُتِيَ بشراب فشربه، فقال أبي -وأخذ بلجام دابته-: ادع الله لنا، فقال: "اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم وارحمهم". قلت: رواه مسلم في الأطعمة والترمذي في الدعوات وأبو داود في الأشربة والنسائي في اليوم والليلة وليس في مسلم: "على ظهر أصبعيه" إنما هو في أبي داود رووه كلهم من حديث عبد الله بن بسر بضم الموحدة. (٣) والوطْبة: بالواو وإسكان الطاء وبعدها باء موحدة، وهو مجمع التمر البرني والأقط المدقوق والسمن، كما ضبطه في مسلم أبو مسعود الدمشقي وأبو بكر البرقاني، وكذا هو في معظم النسخ، وفي بعضها: رطبة براء مهملة مضمومة وفتح الطاء، وفي بعضها وطيئة: بفتح الواو وكسر الطاء وبعدها مثناة من تحت ثم همزة، وهو طعام يتخذ من التمر كالحيس، وقد قيل في كيفية أخذ النوى: أن يأخذه على ظهر الأصبعين ثم يلقي

стр. 881

به، والظاهر أن الحكمة في ذلك أنه لو مسك النوى بأصبعيه لتلوث الأصبعان من ريقه ثم يمسك بهما التمر. (١) من الحسان ١٧٥٧ - أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: "اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله". (غريب). قلت: رواه الترمذي في الدعوات من حديث طلحة بن عبيد الله وقال: حديث حسن غريب. (٢) قال بعضهم: الإهلال في الأصل، رفع الصوت، ثم منه رؤية الهلال، لأن الناس يرفعون أصواتهم إذا رأوه بالإخبار عنه، ثم نقل منه إلى طلوعه، لأنه سبب لرؤيته وهو في هذا الحديث بهذا المعنى أي أطلعه علينا وأرانا إياه مقرونًا بالأمن والإيمان والصحة والسلامة. ١٧٥٨ - قال رسول الله ﷺ : "ما من رجل رأى مبتلى فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا، إلا لم يصبه ذلك البلاء كائنًا ما كان". (غريب). قلت: رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما في الدعوات من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه وقال الترمذي: غريب، انتهى. وفي سندهما عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير

стр. 882

شيخ بصري ليس هو بالقوي في الحديث. (١) ١٧٥٩ - أن رسول الله ﷺ قال: "من قال في سوق جامع يباع فيه: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة، وبنى له بيتًا في الجنة". (غريب). قلت: رواه الترمذي وابن ماجه بسند الحديث الذي قبله، الترمذي في بابه وابن ماجه في التجارات من حديث ابن عمر عن أبيه عمر. (٢) - وفي رواية: ورفع له ألف ألف درجة. قلت: رواها الترمذي أيضًا. (٣) ١٧٦٠ - قال رسول الله ﷺ : "من جلس مجلسًا فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، إلا غُفر له ما كان في مجلسه ذلك". قلت: رواه الترمذي في الدعوات من حديث أبي هريرة وقال: حسن غريب. واللغط: بالغين المعجمة والطاء المهملة صوت

стр. 883

وضجة لا يفهم معناها. (١) ١٧٦١ - أنه أتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله، ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾، ثم قال: الحمد لله ثلاثًا، والله أكبر ثلاثًا، سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقيل من أي شيء ضحكت يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ صنع كما صنعت ثم ضحك، فقلت: من أي شيء ضحكت يا رسول الله؟ قال: إن ربك ليعجب من عبده إذا قال: "رب اغفر لي ذنوبي، يعلم أن الذنوب لا يغفرها أحدٌ غيري". قلت: رواه أبو داود في الجهاد والترمذي في الدعوات والنسائي في السير كلهم من حديث علي بن أبي طالب وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٢) ١٧٦٢ - كان النبي ﷺ إذا ودع رجلًا أخذ بيده، فلا يدعها حتى يكون الرجل هو يدع يد النبي ﷺ ويقول: "أستودع الله دينك وأمانتك وآخر عملك". قلت: رواه أبو داود مختصرًا في الجهاد من حديث قزعة عن ابن عمر يرفعه وكذلك النسائي في "اليوم والليلة". والترمذي من حديث نافع عن ابن عمر (٣) بلفظ المصنف. وإنما قيل للمسافر: أستودع الله دينك وأمانتك؛ لأن السفر يصيب الإنسان فيه المشقة والخوف، فيكون ذلك سببًا لإهمال بعض أمور الدين، فدعا له النبي ﷺ بالمعونة

стр. 884

والتوفيق وأراد بالأمانة ها هنا أهل الرجل وماله الذي يودعه ويستحفظه أمينه ووكيله قاله في النهاية. (١) - وفي رواية: "وخواتيم عملك". قلت: رواها أبو داود بدل قوله: "وآخر عملك". (٢) ١٧٦٣ - ورُوي: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يستودع الجيش قال: "أستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم". قلت: رواه أبو داود في الجهاد والنسائي في "اليوم والليلة" كلاهما من حديث عبيد الله بن يزيد الخطمي. (٣) ١٧٦٤ - قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أريد سفرًا فزوّدني قال: "زودك الله التقوى" قال: زدني، قال: "وغفر ذنبك"، قال: زدني بأبي أنت وأمي، قال: "وَيَسّر لك الخير حيثما كنت". (غريب). قلت: رواه الترمذي في الدعوات من حديث أنس بن مالك وقال: حسن غريب. (٤) ١٧٦٥ - أن رجلًا قال: يا رسول الله إني أريد أن أسافر فأوصني، قال: "عليك بتقوى الله والتكبير على كل شَرَف" فلما ولى الرجل قال: "اللهم اطو له البعد، وهوّن عليه السفر". قلت: رواه الترمذي أيضًا في الدعوات من حديث أبي هريرة وحَسَّنه. (٥)

стр. 885

١٧٦٦ - كان رسولُ الله ﷺ إذا سافر فأقبل الليل، قال: "يا أرض! ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك، وشر ما خُلق فيك، وشر ما يدب عليك، وأعوذ من أسَد وأسْوَد، ومن الحية والعقرب، ومن شر ساكن البلد، ومن والد وما ولد". قلت: رواه أبو داود في الجهاد والنسائي كلاهما من حديث ابن عمر وفي إسناده بقية بن الوليد. (١) والأسود: أخبث الحيات وأعظمها، وهي من الصفات الغالبة حتى استعمل استعمال الأسماء وجمع جمعها وهي الأساود، قال بعضهم: وهي من أخبث الحيات، وذكر أن من شأنها أن تعارض الركب وتتبع الصوت، ولهذا خصها بالذكر، وجعلها جنسًا آخر، ثم عطف عليها الحية، وساكن البلد: قيل هم الإنس لأنهم يسكنون البلدان، وقيل هم الجن، والبلد: الأرض، ويحتمل: أن يكون أراد بالوالد إبليس وما ولد الشياطين، ويحتمل أن يراد: جميع ما يوجد بالتوالد من الحيوانات أصولها وفروعها. ١٧٦٧ - كان رسول الله ﷺ إذا غزا قال: "اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أحول وبك أصول وبك أقاتل". قلت: رواه أبو داود في الجهاد والترمذي في الدعوات والنسائي في السير من حديث أنس بن مالك قال الترمذي: حسن غريب. (٢) قوله: بك أحول، بالحاء المهملة قال الزمخشري (٣): من حال يحول حيلة بمعنى احتال، والمراد: كيد العدو، وقيل من حال بمعنى تحرّك، وقيل: ادفع وامنع، من حال بين الشيئين إذا منع أحدهما عن الآخر، وفي حديث آخر: "بك أحاول".

стр. 886

قوله: وبك أصول بالصاد المهملة أي أستطيع أو أقهر. ١٧٦٨ - أن النبي ﷺ كان إذا خاف قومًا قال: "اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم". قلت: رواه أبو داود في الصلاة والنسائي في السير كلاهما عن أبي موسى ولم يضعفه أبو داود فهو صالح. (١) وإنما خص النبي ﷺ النحر بالذكر لأن العدو به يستقبل عند المناهضة للقتال أو للتفاؤل بنحرهم أي قتلهم، والمعنى: نسألك أن تصد صدورهم وتدفع شرورهم. ١٧٦٩ - أن النبي ﷺ كان إذا خرج من بيته، قال: "بسم الله توكلت على الله، اللهم إنا نعوذ بك من أن نزل أو نضل أو نظلم أو نظلم أو نجهل أو يجهل علينا". (صح). قلت: رواه الترمذي في الدعوات والنسائي في الاستعاذة وليس في لفظه: "توكلت على الله" من حديث أم سلمة، وقال الترمذي: حسن صحيح (٢). - وفي رواية: قالت أم سلمة: ما خرج رسول الله ﷺ من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: "اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي".

стр. 887

قلت: رواه أبو داود في الأدب (١) وزاد فيه بعد: أو أضل أو أزل أو أزل، وابن ماجه في الدعاء ولفظه: اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أزل أو أظلم، الحديث، كلاهما من حديث أم سلمة. ١٧٧٠ - قال رسول الله ﷺ : "من قال إذا خرج من بيته: بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هديت وكفيت ووقيت، فيتنحّى عنه الشيطان، ويقول شيطان آخر: كيف لك برجل هدي وكفي ووقي". قلت: رواه أبو داود في الأدب بطوله والترمذي في الدعوات من حديث أنس ولم يذكر قول الشيطان الآخر، وقال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. (٢) ١٧٧١ - قال رسول الله ﷺ : "إذا ولج الرجل بيته فليقل: اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج، بسم الله ولجنا، وبسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا، ثم يسلم على أهله". قلت: رواه أبو داود من حديث أبي مالك الأشعري، وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش وأبوه، وفيهما مقال (٣). وولج: بالجيم أي دخل، يقول ولج يلج وأولج غيره. ١٧٧٢ - أن النبي ﷺ كان إذا رَفأ الإنسان إذا تزوج قال: "بارك الله لك، وبارك عليكما وجمع بينكما في خير".

стр. 888

قلت: رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه جميعًا في النكاح والنسائي في "اليوم والليلة" من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي: حسن صحيح. (١) قوله: رفأ الإنسان: هو بالراء المهملة والفاء يعني: إذا أراد أن يدعو له عند تزويجه بالرفاء والبنين قال بدل ذلك: بارك الله لك إلى آخره، وكانت عادة العرب إذا تزوج الرجل منهم قالوا له: بالرفاء والبنين، فنهى الشرع عن ذلك، وأبدله بالدعاء في ذلك الحديث. ١٧٧٣ - عن النبي ﷺ قال: "إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادمًا، فليقل: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه، وإذا اشترى بعيرًا فليأخذ بذروة سنامه وليقل مثل ذلك". قلت: رواه أبو داود في النكاح والنسائي في الدعوات وابن ماجه في التجارات وفي النكاح كلهم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. (٢) - ويروى في المرأة والخادم: "ثم ليأخذ بناصيتها، وليدع بالبركة". قلت: رواها أبو داود في بعض طرق الحديث. وذروة سنامه: بكسر الذال المعجمة وضمها وبالراء المهملة الساكنة هي أعلى سنامه. ١٧٧٤ - أن النبي ﷺ قال: "إذا سمعتم نباح الكلب ونهيق الحمير بالليل، فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنهن يرين ما لا ترون". (صح). قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث

стр. 889

جابر بن عبد الله وفي إسناده محمد بن إسحاق. (١) ونباح: بضم النون وبالباء الموحدة والألف والحاء المهملة، صياحها قال الجوهري (٢) يقال: نبح الكلب بالفتح وينبح بالكسر نبحًا ونبيحًا ونباحًا بضم النون ونِباحًا بفتحها. ١٧٧٥ - عن رسول الله ﷺ قال: "دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت". قلت: رواه أبو داود في الأدب في حديث طويل من حديث أبي بكرة واسمه نفيع، وفي سنده جعفر بن ميمون وليس بالقوي. (٣) ١٧٧٦ - قال رجل: هموم لزمتني وديون يا رسول الله؟ فال: "أفلا أعلمك كلامًا إذا قلته أذهب الله همك وقضى عنك دينك؟ " قال: قلت: بلى، قال: "قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من البخل والجبن، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، قال: ففعلت ذلك فأذهب الله عني همي وقضى عني ديني". قلت: رواه أبو داود في الصلاة من حديث أبي سعيد الخدري وفي سنده غسان بن عوف بصري ضُعّف. (٤)

стр. 890

والهم والحزن: الأكثرون على أنهما متقاربان إلا أن الحزن يكون على أمر قد انقضى والهم فيما يتوقع، والكسل: هو عدم انبعاث النفس للخير، وقلة الرغبة فيه مع القدرة والداعية، والعجز: عدم القدرة عليه، وقيل: هو ترك ما يجب فعله والتسويف به. ١٧٧٧ - جاء مكاتب فقال: إني عجزت عن كتابتي فأعني قال: "ألا أعلمك كلمات علّمنيهن رسول الله ﷺ لو كان عليك مثل جبل كبير دينًا أدّاه الله عنك؟ قل: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك". قلت: رواه الترمذي في الدعوات من حديث علي وقال: حسن غريب. (١) باب الاستعاذة من الصحاح ١٧٧٨ - عن النبي ﷺ قال: "تعوذوا بالله من جهد البلاء ودَرَك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء". قلت: رواه البخاري في الدعوات وفي القدر ومسلم في الدعوات والنسائي في الاستعاذة من حديث أبي هريرة. (٢) وجهد البلاء: بفتح الجيم وضمها، والفتح أفصح وأشهر. قال في شرح السنة (٣): هي الحالة التي يمتحن بها الإنسان ويشق عليه بحيث يتمنى فيها الموت ويختاره عليها، عافانا الله من ذلك كله. والدرك: بفتح الراء اسم من الإدراك وذكر فيه بعضهم الإسكان والمعروف الأول. وسوء القضاء: يدخل فيها سوء القضاء في الدين والدنيا والبدن والمال والأهل، وقد

стр. 891

يكون ذلك في الخاتمة وكذلك درك الشقاء يكون في أمور الآخرة والدنيا، وشماتة الأعداء: أعاذنا الله منها فرح العدو ببلية تنزل بمن يعاديه. ١٧٧٩ - كان النبي ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال". قلت: رواه البخاري في الدعوات بهذا اللفظ وأبو داود في الصلاة والترمذي في الدعوات والنسائي في الاستعاذة بألفاظ متقاربة من حديث أنس. (١) والهم والحزن: قد مضى تفسيرهما في الباب الذي قبله. ضَلَع الدين: بفتح الضاد واللام فهو شدته، وثقل همه، وغلبة الرجال: هو قهر الرجال. ١٧٨٠ - أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم، والمغرم والمأثم، اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار وفتنة النار، وفتنة القبر وعذاب القبر، وشر فتنة الغنى وشر فتنة الفقر، ومن شر فتنة المسيح الدجال، اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونَقِّ قلبي كما ينقَّى الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب". قلت: رواه الشيخان في الدعوات والترمذي بتقديم وتأخير وأبو داود والنسائي مختصرًا من حديث عائشة. (٢) وشر فتنة الغنى: لعل فتنة الغنى هي البطر والطغيان بالمال والتفاخر به، وصرفه في المعاصي إلى غير ذلك، وفتنة الفقر: هي عدم الرضا بما قسم الله والطمع في أموال الأغنياء والحسد، إلى غير ذلك.

стр. 892

١٧٨١ - قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل والهرم، وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها". قلت: رواه مسلم في الدعوات والنسائي في الاستعاذة والترمذي مختصرًا كلهم من حديث زيد بن أرقم. (١) والعجز والكسل سبق تفسيرهما في الباب قبله، وإنما استعاذ ﷺ من الجبن والبخل: فلما فيهما من التقصير عن أداء الواجبات، والقيام بحقوق الله تعالى، وإزالة المنكرات، ولأنه بشجاعة النفس وقوتها المعتدلة تتم العبادات، وتقوم بنصرة المظلوم والجهاد، وبالسلامة من البخل تقوم بحقوق المال، وتنبعث للإنفاق والجود، ومكارم الأخلاق، والهرم: المراد به الرد إلى أرذل العمر، قال بعض العلماء: ومعنى وآت نفسي تقواها: تقوى البدن الكف عما لا يتيقن حله، وتقوى القلب: الإعراض عما سوى الله تعالى، وعدم الالتفات إلى غيره، ومعنى وزكّها: طهرها، ولفظة "خير" ليست للتفضل بل معناه: لا مزكي لها إلا أنت، كما قال: أنت وليها ومولاها، ومعنى "نفس لا تشبع": إستعاذة من الحرص والطمع والشره، وتعلق النفس بالآمال البعيدة. وهذا الحديث وغيره من الأدعية المسجوعة دليل لما قاله كثير من العلماء أن السجع المذموم في الدعاء: هو المتكلف، فإنه يذهب الخشوع والخضوع والإخلاص، ويلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب، فأما ما حصل بلا تكلف ولا إعمال فكر لكمال الفصاحة ونحو ذلك، أو كان محفوظًا فلا بأس به. ١٧٨٢ - كان من دعاء النبي ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك".

стр. 893

قلت: رواه مسلم في الدعوات وأبو داود في الصلاة كلاهما من حديث ابن عمر ولم يخرجه البخاري (١). ١٧٨٣ - قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم إنى أعوذ بك من شر ما عملت، وشر ما لم أعمل". قلت: رواه مسلم في الدعوات وأبو داود والنسائي وابن ماجه كلهم في الصلاة من حديث عائشه ولم يخرجه البخاري. (٢) قيل ومعنى: "شر ما لم أعمل"، الاستعاذة من أن يعمل في المستقبل ما لا يرضاه الله ويجوز أن يكون إستعاذة المرء من شر ما يكتب عليه وينسب إليه ولم يعمله وكل هذا تعليم لنا. ١٧٨٤ - أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تُضلني، أنت الحي القيوم الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون". قلت: رواه البخاري في التوحيد ومسلم في الدعوات والنسائي في النعوت كلهم من حديث ابن عباس. (٣) ومعنى "لك أسلمت وبك آمنت": لك انقدت وبك صدقت، "وإليك أنبت": أي أقبلت بهمتي وأعرضت عما سواك، "وبك خاصمت": أي بك أحتج وأدافع وأقاتل. (٤)

стр. 894

من الحسان ١٧٨٥ - كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الأربع: من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع". قلت: رواه أبو داود في الصلاة والنسائي في الاستعاذة وابن ماجه في الدعوات ثلاثتهم من حديث عباد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة. ورواه الترمذي في الدعوات من حديث زهير بن الأرقم عن عبد الله بن عمرو بن العاص يرفعه، وقال: حسن غريب من هذا الوجه، وأخرج مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم عن رسول الله ﷺ بنحوه أتم منه وأطول، فلو اقتصر المصنف عليه كان أتم. (١) ١٧٨٦ - كان رسول الله ﷺ : "يتعوذ من خمس: من الجبن، والبخل، وسوء العمر، وفتنة الصدر، وعذاب القبر". قلت: رواه أبو داود في الصلاة والنسائي في الاستعاذة وابن ماجه في الدعاء من حديث عمر بن الخطاب وسكت عليه أبو داود. (٢) قوله ﷺ : وفتنة الصدر، هو بفتح الصاد وسكون الدال المهملتين قيل ما ينطوي عليه الصدر من حسد وغل وخلق سيء وعقيدة غير مرضية. ١٧٨٧ - أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقِلّة والذلة، وأعوذ بك من أن أظلم أو أظلم".

стр. 895

قلت: رواه أبو داود في الصلاة والنسائي في الاستعاذة كلاهما من حديث سعيد بن يسار عن أبي هريرة وسكت عليه أبو داود ولم يعترضه المنذري، ورواه ابن ماجه في الدعاء من حديث جعفر بن عياض عن أبي هريرة يرفعه بمثل معناه. (١) ١٧٨٨ - وعنه أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق". قلت: روه أبو داود في الصلاة والنسائي في الاستعاذة من حديث أبي هريرة وفي إسناده بقية بن الوليد ودويد بن نافع وفيهما مقال. (٢) والشقاق: المراد به الخلاف لأن كل واحد منهما يكون في شق أي ناحية، والشقاق: العداوة قال تعالى: ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ٢] قاله الهروي. (٣) ١٧٨٩ - وعنه أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الجوع وإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة". قلت: رواه أبو داود في الصلاة والنسائي في الاستعاذة من حديث أبي هريرة، وفي إسناده محمد بن عجلان وخرج له مسلم ثلاثة عشر حديثًا كلها في الشواهد. (٤)

стр. 896

والجوع: لما كان يلازم صاحبه في المضجع قيل له ضجيع، والخيانة ضد الأمانة. ١٧٩٠ - أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من البرص، والجذام، والجنون، ومن سيء الأسقام". قلت: رواه أبو داود في الصلاة والنسائي في الاستعاذة من حديث أنس ولم يضعفه أبو داود فهو صالح. (١) ١٧٩١ - كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء". قلت: رواه الترمذي في الدعوات من حديث قطبة بن مالك الثعلبي وقال: حسن غريب. (٢) ١٧٩٢ - قلت: يا نبي الله علمني تعويذًا أتعوّذ به، قال: "قل أعوذ بك من شر سمعي، وشر بصري، وشر لساني، وشر قلبي، وشر مَنّيي". قلت: رواه أبو داود في الصلاة والترمذي في الدعوات والنسائي في الاستعاذة من حديث شتير بن شكل عن أبيه، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٣)، انتهى كلامه. وشكل بن حميد له صحبة سكن الكوفة ولم يرو عنه غير ابنه شتير بن شكل وذكر له أبو القاسم البغوي هذا الحديث وقال: ولا أعلم له غيره.

стр. 897

وشتير: بضم الشين المعجمة وفتح التاء ثالثة الحروف وسكون الياء آخر الحروف وبعدها راء مهملة وشكل بفتح الشين المعجمة وبعدها كاف مفتوحة أيضًا ولام والحديث صالح. (١) ١٧٩٣ - أن رسول الله ﷺ كان يدعو: "اللهم إني أعوذ بك من الهدم، وأعوذ بك من التردّي، ومن الغرق والحرق والهرم، وأعوذ بك من أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك من أن أموت في سبيلك مدبرًا، وأعوذ بك من أن أموت لديغًا". وزيد في بعض الروايات: "والغم". قلت: رواه أبو داود في الصلاة والنسائي في الاستعاذة من حديث أبي اليسر (٢) واسمه كعب بن عمرو بن عباد أبو اليسر بفتح الياء آخر الحروف وبعدها شين مهملة مفتوحة وراء مهملة، والرواية التي أشار إليها الشيخ زادها في بعض الروايات. (٣) والإستعاذة من تخبط الشيطان عند الموت، هو أن يستولي الشيطان عليه عند قرب مفارقته للدنيا فيضله، ويحول بينه وبين التوبة، أو يعوقه عن الخروج من مظلمة تكون عنده، أو يؤسفه على الحياة فلا يرضى بما قضاه الله عليه، أو نحو ذلك فيختم له بسوء، أو يلقى الله وهو ساخط. واللديغ: بالدال المهملة والغين المعجمة هو الملدوغ فعيل بمعنى مفعول. ١٧٩٤ - عن النبي ﷺ قال: "استعيذوا بالله من طَمَع يهدي إلى طَبَع".

стр. 898

قلت: رواه الإمام أحمد من حديث الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير عن معاذ يرفعه ولفظه: "استعيذوا بالله من طمع يهدي إلى طبع، ومِنْ طمع يهدي إلى غير مَطْمَع، ومِنْ طَمَع حيث لا طَمَعَ". (١) قال في النهاية (٢): والطبع بالتحريك، الدنس، وأصله الوسخ والدنس السيف يقال طبع السيف مطبع طبعًا ثم استعمل فيما نسبه ذلك من الأوزار والآثام وغيرهما قوله: يهدي إلى طبع، أي يؤدي إلى شين وعيب، قال: وكأنهم يرون أن الطبع هو الران قال مجاهد (٣) الران أيسر من الطبع والطبع أيسر من الإقفال والإقفال أشد ذلك كله وهو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين: ١٣] وقوله تعالى ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨] وقوله تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. ١٧٩٥ - أخذ النبي ﷺ بيدي فنظر إلى القمر فقال: "يا عائشة استعيذي بالله ﴿مِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ هذا غاسق إذا وقب". قلت: رواه الترمذي في التفسير وفي الدعوات والنسائي في اليوم والليلة من حديث عائشة وقال الترمذي: حسن صحيح (٤). والغاسق: بالغين المعجمة والسين المهملة وهو القمر، ووقب: دخل، والوقوب: الدخول يريد القمر إذا دخل موضعه. ١٧٩٦ - قال النبي ﷺ لأبي: "يا حصين لو أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك" فلما أسلم قال، "قل: اللهم ألهمني رشدي، وأَعِذْني من شرّ نفسي".

стр. 899

قلت: رواه الترمذي في الدعوات من حديث عمران بن حصين وقال: حسن غريب. (١) والرشد: خلاف الغي. ١٧٩٧ - أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم من الفزع: "أعوذ بكلمات الله التامة، من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون". قلت: رواه أبو داود في الطب والترمذي في الدعوات والنسائي في "اليوم والليلة" جميعًا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وبقيته: وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عَقَل من بنيه، ومن لم يعقل كتبه وعلقه عليه، وقال الترمذي: حسن غريب، ورواه مالك في التعوذ، آخر الموطأ، عن يحيى بن سعيد بلغني أن خالد بن الوليد قال لرسول الله ﷺ : إني أروع في منامي، فقال: قل أعوذ بكلمات الله التامة ... الحديث. (٢) وهمزات الشياطين: أي نزغات الشياطين الشاغلة عن ذكر الله وهي خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان. ١٧٩٨ - قال: قال رسول الله ﷺ : "من سأل الله الجنة ثلاث مرات، قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استجار من النار ثلاث مرات، قالت النار: اللهم أجره من النار".

стр. 900

قلت: رواه الترمذي في صفة الجنة والنسائي في الاستعاذة وفي "اليوم والليلة" وابن ماجه في الزهد من حديث يزيد بن أبي مريم عن أنس يرفعه. (١) باب جامع الدعاء من الصحاح ١٧٩٩ - أن النبي ﷺ كان يدعو: "اللهم اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير". قلت: رواه الشيخان في الدعوات من حديث أبي موسى. (٢) قوله ﷺ : وكل ذلك عندي أي أنا متصف بهذه الأشياء فاغفر لها لي، قيل: قاله تواضعًا, وقيل: أراد ما كان سهوًا، وقيل: ما كان قبل النبوة، وعلى كل حال فهو ﷺ مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فدعا بهذا تواضعًا، ولأن الدعاء عبادة، والظاهر أن النبي ﷺ قال ذلك تعليمًا لنا. قوله: أنت المقدم وأنت المؤخر: يقدم من يشاء من خلقه إلى رحمته بتوفيقه ويؤخر من يشاء عن ذلك لخذلانه.

стр. 901

١٨٠٠ - كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر". قلت: رواه مسلم في الدعوات من حديث أبي صالح ولم يخرجه البخاري. (١) ١٨٠١ - عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى". قلت: رواه مسلم والترمذي وابن ماجه ثلاثتهم في الدعوات من حديث عبد الله بن مسعود. (٢) والعفاف: هو التنزه عما لا يباح، والكف والغنى هنا غنى النفس والاستغناء عن الناس وعما في أيديهم. ١٨٠٢ - قال لي رسول الله ﷺ : "قل اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى: هدايتك الطريق، والسداد: سداد السهم". قلت: رواه مسلم في الدعوات وأبو داود في الخاتم في حديث طويل والنسائي في الزينة كذلك ثلاثتهم من حديث علي بن أبي طالب. (٣) والسداد: سداد السهم هو بفتح السين، وسداد السهم تقويمه، والسداد: بالكسر اسم كل شيء، سددت به خللًا ومعنى سددني: وفقني واجعلني مصيبًا في جميع أموري. ومعنى اذكر بالهدى هدايتك الطريق والسداد سداد السهم: أي تذكر ذلك في حال دعائك بهذين اللفظين، لأن هادي الطريق لا يزيغ عنه ومسدد السهم يحافظ على تقويمه، ولا يستقيم رميه حتى يقومه، فكذا الداعي ينبغي أن يحرص على تسديد عمله وتقويمه ولزومه السنة، وقيل ليذكر بهذا اللفظ السداد والهدى لئلا ينساه.

стр. 902

١٨٠٣ - كان الرجل إذا أسلم علمه النبي ﷺ الصلاة ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات: "اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني". قلت: رواه مسلم وابن ماجه كلاهما في الدعوات من حديث طارق بن أشيم والدأبي مالك ولم يخرجه البخاري، ولا أخرج في كتابه عن طارق شيئًا. (١) ١٨٠٤ - كان أكثر دعاء النبي ﷺ : "اللهم ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ". قلت: رواه البخاري في التفسير ومسلم في الدعوات والنسائي في "اليوم والليلة" وأبو داود في الصلاة من حديث أنس بن مالك. (٢) من الحسان ١٨٠٥ - كان النبي ﷺ يدعو يقول: "ربّ أعني ولا تعن عليّ، وانصرني ولا تنصر عليّ، وامكر لي ولا تمكر عليّ، واهدني ويسّر الهدى لي، وانصرني على من بغى عليّ، رب اجعلني لك شاكرًا، لك ذاكرًا، لك راهبًا، لك مطواعًا، لك مخبتًا، إليك أواهًا منيبًا رب تقبل توبتي، واغسل حَوْبتي، وأجب دعوتي، وثبّت حجتي، وسدد لساني، واهد قلبي، واسلل سخيمة صدري". قلت: رواه أبو داود في الصلاة والترمذي وابن ماجه كلاهما في الدعوات والنسائي في "اليوم والليلة" من حديث ابن عباس. (٣)

стр. 903

قال الأزهري (١): المكر من الخلائق خبّ وخداع، ومن الله تعالى مجازاة للماكر، ويجوز أن يكون إستدراجه إياه من حيث لا يعلم مكره وقال غيره: امكر لي ولا تمكر علي، مكر الله إيقاع بلائه بأعدائه دون أوليائه، وقيل: هو استدراج العبد بالطاعات فيتوهم أنها مقبولة وهي مردودة، المعنى الحق مكرك بأعدائي لا لي، قوله: لك راهبًا، يقال رهب -بكسر الهاء- فهو راهب أي خائف، والرهبة الخوف. والإخبات: بالخاء المعجمة والباء الموحدة وبالألف والمثناة من فوق، الخشوع والتواضع، وآواها: بتشديد الواو المفتوحة وهو المتأوه المتضرع، وقيل: هو الكثير البكاء، وقيل: الكثير الدعاء، ومنيبًا: بضم الميم، يقال: أناب إلى الله، أقبل وتاب. وحوبتي: بالحاء المهملة أي إثمي، ومنه الحديث: اغفر لنا حوبنا، قال في النهاية (٢): وتفتح الحاء وتضم وقيل الفتح لغة الحجاز والضم لغة تميم. ومعنى: وثبت حجتي، أي ثبت إيماني، وقولي في الدنيا وعند جواب الملكين في القبر، قوله ﷺ : واسلل سخيمة صدري، أما اسلل: فبسين مهملة ولامين ومعناه: أخرج، وأما سخيمة: فبفتح السين المهملة وكسر الخاء العجمة ثم بياء مثناة من تحت ساكنة وبعدها ميم مفتوحة وتاء تأنيث وهي الحقد والحسد، وإضافتها إلى الصدر إضافة الشيء إلى محله، والمعنى: أخرج من صدري ما ينشأ عنه ويستولي عليه من مساوئ الأخلاق، وهذا منه ﷺ تعليم لأمته وعبودية لله تعالى فإنه ﷺ مغفور له، مبرأ عن كل ذنب مطلقًا، من الصغائر والكبائر هذا معتقدنا والله أعلم. ١٨٠٦ - قام رسول الله ﷺ على المنبر ثم بكى فقال: "سلوا الله العفو والعافية فإن أحدًا لم يعط بعد اليقين خيرًا من العافية". (غريب). قلت: رواه الترمذي في الدعوات من حديث أبي بكر وقال: حديث حسن غريب. (٣)

стр. 904

١٨٠٧ - أن رجلًا قال: يا رسول الله أي الدعاء أفضل؟ قال: "سل ربك العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة، فإذا أعطيت العافية في الدنيا والآخرة فقد أفلحت". (غريب). قلت: رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما في الدعوات من حديث سلمة بن وردان عن أنس وقال الترمذي: حسن، إنما نعرفه من حديث سلمة بن (١) وردان انتهى. وسلمة بن ورد ضعفه أحمد. ١٨٠٨ - عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول في دعائه: "اللهم ارزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك، اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، اللهم ما زَوَيت عني مما أحب فاجعله فراغًا لي فيما تحب". قلت: رواه الترمذي في الدعوات من حديث عبد الله بن يزيد الخطمي -بالخاء المعجمة والطاء المهملة والميم المكسورة والياء آخر الحروف- وقال: حسن غريب. (٢) وزويت عني: أي صرفته عني وقبضته. ١٨٠٩ - قَلّما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: "اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا غاية رغبتنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا". (غريب).

стр. 905

قلت: رواه الترمذي في الدعوات والنسائي في "اليوم والليلة" وقال الترمذي: حسن انتهى (١) وفي سنده عبيد الله بن زحر الإفريقي مختلف فيه، وله مناكير ضعفه أحمد وقال النسائي: لا بأس به. (٢) قوله: واجعله الوارث منا، الضمير عائد على الامتاع أي اتق ذلك إلى الموت، وقيل: أراد استمرار الامتاع بذلك عند الكبر وإخلال القوي النفسانية. قوله: واجعل ثأرنا على من ظلمنا، هو بالثاء الثلثة، والأصل في الثأر الحقد والعداوة يقال: ثارت القتيل بالقتيل أي قتلت قاتله، ومعنى هذا: إجعل إدراك ثأرنا على من ظلمنا، فندرك منهم ثأرنا، قوله: وانصرنا على من عادانا، أفاد ما لم يفده، قوله: واجعل ثأرنا على من ظلمنا، لأن العدو قد يصل إلى الظلم وقد لا يصل إليه، ومن ظلم قد يكون عدوًا وقد لا يكون عدوًا. ١٨١٠ - كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا، الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار". (غريب). قلت: رواه الترمذي في الدعوات وابن ماجه في السنة (٣) وفي الدعاء، وقال الترمذي: غريب انتهى، وفي سنده موسى بن عبيدة عن محمد بن ثابت عن أبي

стр. 906

هريرة، وموسى هذا قال النسائي وغيره: ضعيف وأما محمد بن ثابت فلم يرو عنه غير موسى بن عبيدة قال الذهبي: يُجهل. ١٨١١ - قال: كان النبي الله ﷺ إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه دويٌّ كدوي النحل، فأنزل الله إليه يومًا، فمكثنا ساعة فسُري عنه فاستقبل القبلة فرفع يديه وقال: "اللهم زدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا ثؤثر علينا، وارضنا وارض عنا، ثم قال: أنزل الله علي عشر آيات، من أقامهن دخل الجنة"، ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ [المؤمنون: ١] حتى ختم عشر آيات". قلت: رواه الترمذي في التفسير والنسائي في الصلاة (١) كلاهما من حديث عمر بن الخطاب ﵁، وقال النسائي: هذا حديث منكر لا نعلم أحدًا رواه غير يونس بن سليم ويونس لا نعرفه، انتهى. والحديث ضعيف. قوله: سمع عند وجهه دوي كدوي النحل: أي سمع من جانب وجهه صوت خفي كدوي النحل، قوله: فسُرّي عنه بضم السين وتشديد الراء المكسورة المهملتين أي كشف عنه وزال ما اعتراه من برحاء الوحي.

стр. 907

كتاب المناسك المناسك: جمع منسك، بفتح السين وكسرها وهو المتعَبّد ويقع على المصدر والزمان والمكان، ثم سميت أمور الحج كلها مناسك قاله ابن الأثير (١). من الصحاح ١٨١٢ - قال رسول الله ﷺ : "أيها الناس: قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم". قلت: رواه مسلم والنسائي هنا من حديث أبي هريرة. (٢) والحج بفتح الحاء وكسرها، وهو في اللغة: القصد، وفي الشرع: قصد البيت على الوجه المخصوص في الزمان المخصوص. وهذا الرجل السائل هو: الأقرع بن حابس جاء مبينًا في بعض طرق الحديث. وانتصب: كل عام، بفعل محذوف دل عليه حجوا، تقديره: الحج كل عام، وفيه دليل على أن مجرد الأمر لا يفيد التكرار ولا المرة، وإلا لما صح الاستفهام. وفي المسألة مذاهب: أحدها: هذا، وهو التوقف فيما زاد على المرة على البيان، والثاني: يقتضي التكرار، والثالث: وهو الصحيح عندنا لا يقتضيه له، وفي الحديث دليل على أنه كان له ﷺ الاجتهاد لقوله: لو قلت نعم لوجبت. (٣)

стр. 908

١٨١٣ - سئل رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"، قيل ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور". قلت: رواه الشيخان في الإيمان، وترجم عليه البخاري: باب من قال: أن الإيمان هو العمل لقول الله ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢]، والنسائي فيه مختصرًا كلهم من حديث أبي هريرة. (١) والحج المبرور: هو الذي لا يخالطه إثم، وقيل هو المقبول. ١٨١٤ - قال ﷺ : "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه". قلت: رواه الشيخان في الحج من حديث أبي هريرة. (٢) ويرفث: بضم الفاء وبالثاء المثلثة من الرفث، وهو التصريح بذكر الجماع والإعراب به، وقال الأزهري (٣): هو كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة، وقيل: لابن عباس حين أنشد شعرًا فيه ذكر النساء وهو محرم، أتقول الرفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ما روجع به النساء فكان ﵁ يرى الرفث المنهي عنه ما خوطبت به المرأة. ١٨١٥ - قال ﷺ : "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". قلت: رواه الجماعة إلا أبا داود، رووه في الحج من حديث أبي هريرة. (٤)

стр. 909

وفيه دليل على استحباب تكرار العمرة في السنة الواحدة مرارًا وقال مالك: يكره أن يعتمر في السنة الواحدة أكثر من مرة. وقد اختلفوا في وجوب العمرة: فذهب الشافعي والجمهور إلى وجوبها، وقال مالك وأبو حنيفة: هي سنة وليست بواجبة. (١) ١٨١٦ - قال ﷺ : "إن عمرة في رمضان تعدل حجة". قلت: رواه الشيخان والنسائي هنا من حديث ابن عباس. (٢) ١٨١٧ - إن النبي ﷺ لقي ركبًا بالروحاء فرفعت إليه امرأة صبيًّا فقالت: ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر". قلت: رواه الشافعي ومسلم وأبو داود والنسائي كلهم هنا من حديث ابن عباس. (٣) والروحاء: بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وبعدها حاء مهملة ثم ألف ممدودة مكان على ستة وثلاثين ميلًا من المدينة. (٤) وهذا الحديث حجة لمن ذهب إلى أن حج الصبي منعقد صحيح، يثاب عليه، وإن كان لا يجزئه عن حجة الإسلام، وأما الولي الذي يحرم عنه، فالصحيح عند أصحابنا أنه الذي يلي ماله هذا إذا كان غير مميز، فإن كان مميزًا، أذن له الولي فأحرم، فإن أحرم بغير إذن الولي، أو أحرم الولي عنه لم ينعقد على الأصح، وصفة إحرام الولي عن غير المميز أن يقول بقلبه جعلته محرمًا.

стр. 910

١٨١٨ - أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: "نعم"، وذلك في حجة الوداع. قلت: رواه الشافعي والشيخان وأبو داود والنسائي هنا من حديث ابن عباس يرفعه (١) وأخرجه أيضًا الشافعي والشيخان والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن عباس عن الفضل بن عباس عن النبي ﷺ (٢) قال الترمذي: ورُوي عن ابن عباس عن حصين بن عوف المزني عن النبي ﷺ (٣) وروي عن ابن عباس عن سنان بن عبد الله الجهني عن عمته عن النبي ﷺ (٤) وروي عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، قال البخاري: ويحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل وغيره، عن النبي ﷺ ثم روى هذا، عن النبي ﷺ وأرسله، ولم يذكر الذي سمعه منه، قال الترمذي: وقد صح عن النبي ﷺ في هذا غير حديث. وفي الحديث دليل على وجوب الحج على من هو عاجز بنفسه مستطيع بغيره لأنها قالت: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا لا يثبت على الراحلة.

стр. 911

١٨١٩ - قال وقال رجل: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت، فقال النبي ﷺ : "لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ " قال: نعم، قال: "فاقض دَيْن الله، فهو أحق بالقضاء". قلت: رواه الشيخان والنسائي هنا من حديث ابن عباس. (١) ١٨٢٠ - قال ﷺ : "لا يخلون رجل بامرأة، ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم، فقال رجل: يا رسول الله! اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وخرجت امرأتي حاجة، قال: "اذهب فاحجج مع امرأتك". قلت: رواه الشيخان هنا من حديث ابن عباس. (٢) وفي هذا الحديث دليل على: أن المرأة لا تسافر إلا ومعها محرم، أو زوج، سواء طال السفر أو قصر، وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المرأة إذا استطاعت، واختلفوا في اشتراط المحرم لها: فأبو حنيفة يشرطه في وجوب الحج عليها، ووافقه جماعات من العلماء، وذهب مالك والشافعي في المشهور عنه إلى عدم اشتراط المحرم، بل يشترط الأمن على نفسها، قال أصحاب الشافعي: يحصل الأمن بزوج أو محرم أو نسوة ثقات، ولا يلزمها الحج عندنا إلا بأحد هذه الأمور الثلاثة، فلو وجدت امرأة واحدة لم يلزمها، لكن يجوز لها الحج. واختلف أصحابنا في خروجها لحج التطوع وسفر التجارة وما ليس بسفر واجب، فقال الجمهور: لا يجوز إلا مع زوج أو محرم، ولا يجوز مع نسوة، واتفق العلماء على أنه يجوز لها أن تهاجر إلى دار الإسلام وإن لم يكن معها، قال بعض الفقهاء هذا عندي في الشابة، أما الكبيرة غير المشتهاة فتسافر كيف شاءت في كل الأسفار بلا زوج ولا

стр. 912

محرم، وهذا لا نوافق عليه لأن المرأة مظنة الطمع والشهوة ولو كانت كبيرة، ولكل ساقطة لاقطة. ١٨٢١ - استأذنت النبي ﷺ في الجهاد فقال: "جهادكن الحج". قلت: رواه الشيخان هنا من حديث عائشة. (١) ١٨٢٢ - قال رسول الله ﷺ : "لا تسافر امرأة مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم". قلت: رواه البخاري في تقصير الصلاة ومسلم في الحج كلاهما من حديث أبي هريرة وفي بعض روايات مسلم: مسيرة ليلة، وفي بعضها: أن تسافر ثلاثًا، ولم يخرج البخاري إلا حديث يوم وليلة وفي رواية لأبي داود: بريدًا، ورواها الحاكم في المستدرك. (٢) ١٨٢٣ - وقّت رسولُ الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجدٍ: قرن المنازل، ولأهل اليمن: يلملم، "فهنّ لهنّ ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهن، لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن، فمُهَلّه من أهله، وكذلك حتى أهل مكة يُهِلّون منها". قلت: رواه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي هنا من حديث ابن عباس. (٣) وذا الحليفة: بضم الحاء المهملة وفتح اللام وبالفاء على نحو ستة أميال من المدينة الشريفة، ومن مكة نحو عشرة مراحل.

стр. 913

والجحفة: بجيم مضمومة ثم حاء مهملة ساكنة ثم بالفاء، كانت قرية كبيرة على نحو سبع مراحل من المدينة، وثلاث من مكة، سميت الجحفة لأن السيل أجحفها وحمل أهلها، ويقال لها: مهيعة بفتح الميم وإسكان الهاء. وقرن المنازل: بفتح القاف وسكون الراء بلا خلاف، وغلطوا الجوهري (١) في فتحها وفي أن أويسًا القرني منسوب إليها، وإنما هو منسوب إلى بني قرن بطن من مراد وقرن المنازل على مرحلتين من مكة. ويلملم: بفتح الياء واللامين وإسكان الميم بينهما، وهو على نحو مرحلتين من مكة، قوله: فمهلة هو بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام أي موضع إهلاله، والإهلال: رفع الصوت بالتلبية، وإهلال الهلال واستهلاله: هو رفع الصوت بالتكبير عند رؤيته. قوله: فمن كان يريد الحج والعمرة، فيه دليل للمذهب الصحيح وهو أن من مر بالميقات لا يلزمه أن يحرم، إلا أن يكون أراد الحج أو العمرة، قوله ﷺ : فمن كان دونهن فمهلة من أهله، وقد ذكر أن هذا لفظ البخاري وأما لفظ مسلم فقال: وكذا فكذلك وكلاهما صحيح، ومعناه: وهكذا فهكذا من جاوز مسكنه الميقات حتى أهل مكة يهلون منها. وفي هذا الحديث دليل على: أن المكي يحرم من نفس مكة وهذا محمول على ميقات الحج، أما العمرة فيلزم المحرم به أن يخرج إلى أدنى الحل، لأن النبي ﷺ أمر عائشة حين أرادت أن تعتمر بعد التحلل من الحج أن تخرج إلى الحل فتحرم منه، والمعنى فيه: هو لأن يجمع المعتمر بين الحل والحرم، وأما الحاج فوقوفه بعرفة هو جامع بينهما إذ عرفة في الحل. ١٨٢٤ - عن رسول الله ﷺ قال: "مُهَلّ أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق، ومهل أهل نجد قرن، ومهل أهل اليمن

стр. 914

يلملم". قلت: رواه مسلم هنا من حديث أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المهل؟ فقال: سمعت أحسبه رفعه إلى النبي ﷺ ، ورواه أحمد وابن ماجه ورفعاه من غير شك، والنص بتوقيت ذات عرق ليس في القوة كغيره، فإن ثبت فليس ببعيد وقوع اجتهاد عمر على وقفه. (١) وهذا الحديث لما لم يثبت عند الشافعي، نص في الأم على أن عمر اجتهد فوقت لأهل العراق ذات عرق، فهو عنده ليس بنص من جهة النبي ﷺ ، وإنما هو من اجتهاد عمر كما جاء في صحيح البخاري. وذات عرق: بكسر العين المهملة على مرحلتين من مكة، قال الشافعي: ولو أهلو من العقيق كان أفضل. والعقيق: أبعد من ذات عرق بقليل، فاستحبه الشافعي لأثر فيه، ولأنه قيل: إن ذات عرق كانت أولًا في موضعه ثم حولت وقربت إلى مكة. ١٨٢٥ - اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي كانت مع حجته عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة، حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة وعمرة مع حجته. قلت: رواه الشيخان وأبو داود وكذلك الترمذي بمثل معناه، ولم يقل كلهن في ذي القعدة من حديث أنس بن مالك. (٢) قوله: في ذي القعدة، هو بفتح القاف وحكى فيها الكسر وسمي بذلك لأنهم يقعدون فيه عن القتال لكونه من الأشهر الحرم.

стр. 915

والحديبية: بضم الحاء وفتح الدال المهملتين ثم بالياء المثناة من تحت ثم بالباء الموحدة المكسورة وبعد ياء مثناة من تحت مفتوحة مخففة، وكثير من المحدثين يشددونها، وهي قرية قريبة من مكة سميت ببئر هناك. والجعرانة: بكسر الجيم وتسكين العين المهملة والتخفيف وقد تكسر وتشدد الراء وهي موضع قريب من مكة في الحل. ١٨٢٦ - اعتمر رسول الله ﷺ في ذي القعدة الحرام قبل أن يحج مرتين. قلت: رواه البخاري هنا من حديث البراء بن عازب ولم يخرج مسلم عن البراء في هذا شيئًا. (١) من الحسان ١٨٢٧ - قال رسول ﷺ : "يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج"، فقام الأقرع بن حابس، فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: "لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا، الحج مرة، فمن زاد فتطوع". قلت: رواه النسائي هنا من حديث ابن عباس وأبو داود بمثل معناه. (٢) ١٨٢٨ - قال رسول الله ﷺ : "من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا، وذلك أن الله ﵎ يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. قلت: رواه الترمذي هنا من حديث هلال بن عبد الله عن الحارث الأعور عن علي وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال مجهول، والحارث
следующие страницы →