← Книги сунны

Книги сунны · id 17063

كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح

الصدر المناوي

Полный текст (2 643 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

١٨١٩ - قال وقال رجل: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت، فقال النبي ﷺ : "لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ " قال: نعم، قال: "فاقض دَيْن الله، فهو أحق بالقضاء". قلت: رواه الشيخان والنسائي هنا من حديث ابن عباس. (١) ١٨٢٠ - قال ﷺ : "لا يخلون رجل بامرأة، ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم، فقال رجل: يا رسول الله! اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وخرجت امرأتي حاجة، قال: "اذهب فاحجج مع امرأتك". قلت: رواه الشيخان هنا من حديث ابن عباس. (٢) وفي هذا الحديث دليل على: أن المرأة لا تسافر إلا ومعها محرم، أو زوج، سواء طال السفر أو قصر، وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المرأة إذا استطاعت، واختلفوا في اشتراط المحرم لها: فأبو حنيفة يشرطه في وجوب الحج عليها، ووافقه جماعات من العلماء، وذهب مالك والشافعي في المشهور عنه إلى عدم اشتراط المحرم، بل يشترط الأمن على نفسها، قال أصحاب الشافعي: يحصل الأمن بزوج أو محرم أو نسوة ثقات، ولا يلزمها الحج عندنا إلا بأحد هذه الأمور الثلاثة، فلو وجدت امرأة واحدة لم يلزمها، لكن يجوز لها الحج. واختلف أصحابنا في خروجها لحج التطوع وسفر التجارة وما ليس بسفر واجب، فقال الجمهور: لا يجوز إلا مع زوج أو محرم، ولا يجوز مع نسوة، واتفق العلماء على أنه يجوز لها أن تهاجر إلى دار الإسلام وإن لم يكن معها، قال بعض الفقهاء هذا عندي في الشابة، أما الكبيرة غير المشتهاة فتسافر كيف شاءت في كل الأسفار بلا زوج ولا

стр. 912

محرم، وهذا لا نوافق عليه لأن المرأة مظنة الطمع والشهوة ولو كانت كبيرة، ولكل ساقطة لاقطة. ١٨٢١ - استأذنت النبي ﷺ في الجهاد فقال: "جهادكن الحج". قلت: رواه الشيخان هنا من حديث عائشة. (١) ١٨٢٢ - قال رسول الله ﷺ : "لا تسافر امرأة مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم". قلت: رواه البخاري في تقصير الصلاة ومسلم في الحج كلاهما من حديث أبي هريرة وفي بعض روايات مسلم: مسيرة ليلة، وفي بعضها: أن تسافر ثلاثًا، ولم يخرج البخاري إلا حديث يوم وليلة وفي رواية لأبي داود: بريدًا، ورواها الحاكم في المستدرك. (٢) ١٨٢٣ - وقّت رسولُ الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجدٍ: قرن المنازل، ولأهل اليمن: يلملم، "فهنّ لهنّ ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهن، لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن، فمُهَلّه من أهله، وكذلك حتى أهل مكة يُهِلّون منها". قلت: رواه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي هنا من حديث ابن عباس. (٣) وذا الحليفة: بضم الحاء المهملة وفتح اللام وبالفاء على نحو ستة أميال من المدينة الشريفة، ومن مكة نحو عشرة مراحل.

стр. 913

والجحفة: بجيم مضمومة ثم حاء مهملة ساكنة ثم بالفاء، كانت قرية كبيرة على نحو سبع مراحل من المدينة، وثلاث من مكة، سميت الجحفة لأن السيل أجحفها وحمل أهلها، ويقال لها: مهيعة بفتح الميم وإسكان الهاء. وقرن المنازل: بفتح القاف وسكون الراء بلا خلاف، وغلطوا الجوهري (١) في فتحها وفي أن أويسًا القرني منسوب إليها، وإنما هو منسوب إلى بني قرن بطن من مراد وقرن المنازل على مرحلتين من مكة. ويلملم: بفتح الياء واللامين وإسكان الميم بينهما، وهو على نحو مرحلتين من مكة، قوله: فمهلة هو بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام أي موضع إهلاله، والإهلال: رفع الصوت بالتلبية، وإهلال الهلال واستهلاله: هو رفع الصوت بالتكبير عند رؤيته. قوله: فمن كان يريد الحج والعمرة، فيه دليل للمذهب الصحيح وهو أن من مر بالميقات لا يلزمه أن يحرم، إلا أن يكون أراد الحج أو العمرة، قوله ﷺ : فمن كان دونهن فمهلة من أهله، وقد ذكر أن هذا لفظ البخاري وأما لفظ مسلم فقال: وكذا فكذلك وكلاهما صحيح، ومعناه: وهكذا فهكذا من جاوز مسكنه الميقات حتى أهل مكة يهلون منها. وفي هذا الحديث دليل على: أن المكي يحرم من نفس مكة وهذا محمول على ميقات الحج، أما العمرة فيلزم المحرم به أن يخرج إلى أدنى الحل، لأن النبي ﷺ أمر عائشة حين أرادت أن تعتمر بعد التحلل من الحج أن تخرج إلى الحل فتحرم منه، والمعنى فيه: هو لأن يجمع المعتمر بين الحل والحرم، وأما الحاج فوقوفه بعرفة هو جامع بينهما إذ عرفة في الحل. ١٨٢٤ - عن رسول الله ﷺ قال: "مُهَلّ أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق، ومهل أهل نجد قرن، ومهل أهل اليمن

стр. 914

يلملم". قلت: رواه مسلم هنا من حديث أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المهل؟ فقال: سمعت أحسبه رفعه إلى النبي ﷺ ، ورواه أحمد وابن ماجه ورفعاه من غير شك، والنص بتوقيت ذات عرق ليس في القوة كغيره، فإن ثبت فليس ببعيد وقوع اجتهاد عمر على وقفه. (١) وهذا الحديث لما لم يثبت عند الشافعي، نص في الأم على أن عمر اجتهد فوقت لأهل العراق ذات عرق، فهو عنده ليس بنص من جهة النبي ﷺ ، وإنما هو من اجتهاد عمر كما جاء في صحيح البخاري. وذات عرق: بكسر العين المهملة على مرحلتين من مكة، قال الشافعي: ولو أهلو من العقيق كان أفضل. والعقيق: أبعد من ذات عرق بقليل، فاستحبه الشافعي لأثر فيه، ولأنه قيل: إن ذات عرق كانت أولًا في موضعه ثم حولت وقربت إلى مكة. ١٨٢٥ - اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي كانت مع حجته عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة، حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة وعمرة مع حجته. قلت: رواه الشيخان وأبو داود وكذلك الترمذي بمثل معناه، ولم يقل كلهن في ذي القعدة من حديث أنس بن مالك. (٢) قوله: في ذي القعدة، هو بفتح القاف وحكى فيها الكسر وسمي بذلك لأنهم يقعدون فيه عن القتال لكونه من الأشهر الحرم.

стр. 915

والحديبية: بضم الحاء وفتح الدال المهملتين ثم بالياء المثناة من تحت ثم بالباء الموحدة المكسورة وبعد ياء مثناة من تحت مفتوحة مخففة، وكثير من المحدثين يشددونها، وهي قرية قريبة من مكة سميت ببئر هناك. والجعرانة: بكسر الجيم وتسكين العين المهملة والتخفيف وقد تكسر وتشدد الراء وهي موضع قريب من مكة في الحل. ١٨٢٦ - اعتمر رسول الله ﷺ في ذي القعدة الحرام قبل أن يحج مرتين. قلت: رواه البخاري هنا من حديث البراء بن عازب ولم يخرج مسلم عن البراء في هذا شيئًا. (١) من الحسان ١٨٢٧ - قال رسول ﷺ : "يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج"، فقام الأقرع بن حابس، فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: "لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا، الحج مرة، فمن زاد فتطوع". قلت: رواه النسائي هنا من حديث ابن عباس وأبو داود بمثل معناه. (٢) ١٨٢٨ - قال رسول الله ﷺ : "من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا، وذلك أن الله ﵎ يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. قلت: رواه الترمذي هنا من حديث هلال بن عبد الله عن الحارث الأعور عن علي وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال مجهول، والحارث

стр. 916

ضعيف. (١) وقال ابن المديني: كذاب. قوله: من ملك زادًا وراحلة تبلغه، وحد الضمير في تبلغه والبلغ سيان لأنهما في معنى الاستطاعة فأعاد الضمير إليها ويجوز أن يكون أعاد الضمير على الراحلة وفي ذلك ما يدل على أنه حذف من الزاد مثله وهذا الحديث في المعنى مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] بعد قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. ١٨٢٩ - وقال ﷺ : "لا صرورة في الإسلام". قلت: رواه أبو داود، والحاكم وقال: صحيح، وأقره الذهبي، وليس كما قال ولا كما أقر، فإن في إسنادهما عمر بن عطاء وهو ضعيف واه. (٢) والصرورة: من لم يحج، وقيل: من لم يتزوج وترك النكاح، وهو بفتح الصاد وضم الراء الأولى وفتح الثانية المهملات. ١٨٣٠ - قال ﷺ : "من أراد الحج فليعجّل". قلت: رواه أبو داود والحاكم في المستدرك هنا من حديث ابن عباس، وفي إسنادهما: مهران أبو صفوان، قال أبو زرعة: لا أعرفه إلا من هذا الحديث، قال المزي: جُهِّل. (٣) ١٨٣١ - قال ﷺ : "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي

стр. 917

الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة". قلت: رواه الترمذي والنسائي هنا من حديث عبد الله بن مسعود وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. (١) ١٨٣٢ - جاء رجل فقال يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال: "الزاد والراحلة". قلت: رواه الترمذي وابن ماجه هنا من حديث ابن عمر وأعاده في التفسير وفي سنده: إبراهيم بن يزيد الخوزي، وقد تكلم فيه بعض أهل الحديث من قبل حفظه. (٢) ١٨٣٣ - سأل رجل رسولَ الله ﷺ : ما الحاج؟ قال: "الشَّعث التَّفل"، فقال آخر: أي الحج أفضل؟ قال: "العج والثج"، فقال آخر: ما السبيل؟ قال: "زاد وراحلة". قلت: رواه الترمذي في التفسير إلى قوله والثج، ورواه المصنف في "شرح السنة" بتمامه مسندًا، من حديث ابن عمر، وفي سندهما إبراهيم ابن يزيد وقد تقدم ذكره في الحديث (٣) قبله. والشعث: بفتح الشين المعجمة وكسر العين المهملة وبالثاء المثلثة، الذي يفرق شعر رأسه.

стр. 918

والتفل: بالتاء المثناة من فوق وبالفاء المكسورة، الذي لا يتطيب فيوجد منه رائحة كريهة، قاله الزمخشري (١) من تفل الشيء من فيه: إذا رمى به متكرِّهًا له. والعج: رفع الصوت بالتلبية وهو بفتح العين المهملة وبالجيم. والثج: نحر البدن وهو بفتح الثاء المثلثة وبالجيم. ١٨٣٤ - أنه أتى النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله ان أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن. قال: حُجّ عن أبيك واعتمِرْ". قلت: رواه الأربعة هنا من حديث أبي رزين العقيلي، وقال الترمذي: حسن صحيح. (٢) وقال الإمام أحمد: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أجود من هذا ولا أصح منه انتهى. (٣) واسم أبي رزين لقيط بن عامر. والظعن: بفتح الظاء المعجمة والعين المهملة هو السير. ١٨٣٥ - أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة. قال: "من شبرمة؟ " قال: أخ لي، أو قريب لي. قال: "حججت عن نفسك؟ " قال: لا. قال: "حُجّ عن نفسك ثم حج عن شبرمة". قلت: رواه أبو داود وابن ماجه هنا من حديث ابن عباس وقال البيهقي: هذا صحيح ليس في الباب أصح منه. (٤) ١٨٣٦ - أن النبي ﷺ "وقّت لأهل المشرق العقيق". قلت: رواه أبو داود والترمذي هنا من حديث ابن عباس، وفي إسناده

стр. 919

يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف، وذكر البيهقي أنه تفرد به. (١) والمراد بالمشرق: من منزله خارج الحرم من شرقي مكة إلى أقصى بلاد الشرق، وهم العراقيون، ولا منافاة بين هذا الحديث والحديث الذي بعده، فإن ذات عرق: هو ميقات المشرقي، لكن لو أحرم من العقيق فهو أفضل كما تقدم التنبيه عليه. ١٨٣٧ - أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق. قلت: رواه أبو داود والنسائي هنا من حديث أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة، وكان الإمام أحمد بن حنبل ينكر هذا الحديث مع غيره على أفلح بن حميد. ورواه أبو داود والنسائي أيضًا من حديث الحارث بن عمرو السهمي قال البيهقي: وفي إسناده من هو غير معروف. (٢) انتهى. وقد تقدم أن في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب ﵁ حدّ لهم ذات عرق. (٣) ١٨٣٨ - سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أو وجبت له الجنة".

стр. 920

قلت: رواه أبو داود هنا من حديث أم سلمة (١) قال المنذري (٢): وقد اختلف الرواة في متنه وإسناده اختلافًا كثيرًا. باب الإحرام والتلبية من الصحاح ١٨٣٩ - كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك، كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم". قلت: رواه الشيخان وأبو داود والنسائي كلهم في الحج من حديث عائشة ولم يذكر البخاري: "المسك". (٣) وبيص الطيب: بريقه وهو بالواو المفتوحة والباء الموحدة المكسورة والياء آخر الحروف والصاد المهملة. وفي هذا الحديث دليل لا ذهب إليه أبو حنيفة والشافعي وأحمد من استحباب الطيب للمحرم قبل إحرامه، وأنه لا يضر دوام الطيب عليه بعد الإحرام، إنما الممنوع ابتداء

стр. 921

الطيب بعد الإحرام، ومنع مالك إبتداء الطيب ودوامه، وتأول الحديث بما الظاهر خلافه. قوله: ولحله، قال في النهاية (١): وفي حديث آخر لإحلاله، حين أحل، يقال: حل المحرم يحل حلالًا، وأحل يُحِلّ إحْلَالًا: إذا حل له ما حرم عليه من محظورات الحج، ورجل حل من الإحرام أي حلال. ١٨٤٠ - سمعت رسول الله ﷺ يهل ملبدًا يقول: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"، لا يزيد على هولاء الكلمات". قلت: رواه الجماعة فيه من حديث ابن عمر (٢) ولم يقل أصحاب السنن لا يزيد على هؤلاء الكلمات. والتلبيد: أي يجعل في رأسه لزوقًا صمغًا أو غسلًا ليتلبد فلا تقمل قال الخطابي (٣): تلبيد الشعر قد يكون بالصمغ، وقد يكون بالغسل، وإنما يفعل ذلك بالشعر ليجتمع ويتلبد فلا يتخلله غبار ولا يقع فيه القمل. والتلبية: قال المازري (٤) وآخرون: هي مثناة للتكثير والمبالغة ومعناه: إجابة بعد إجابة، ولزومًا لطاعتك فتثنى للتوكيد لا تثنية حقيقة، بمنزلة قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] أي نعمتاه، على تأويل اليد بالنعمة هنا، ونعم الله لا تحصى، وقال آخرون: لبيك اسم مفرد لا مثنى، والأول قول سيبويه، قال ابن الأنباري: ثنوا "لبيك" كما ثنوا "حنانيك"، وقد قيل هذه إجابة لقوله تعالى

стр. 922

لإبراهيم ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧] وقوله: إن الحمد والنعمة، تروى بكسر الهمزة من "أن" وفتحها، وجهان مشهوران لأهل الحديث وأهل اللغة، قال الجمهور: الكسر أجود، قال الخطابي: الفتح رواية العامة، قوله: والنعمة لك، المشهور نصب النعمة، قال القاضي: ويجوز رفعها على الابتداء، ويكون الخبر محذوفًا، قال ابن الأنباري: وإن شئت جعلت خبر "إن" محذوفًا تقديره: إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك. (١) ١٨٤١ - أن النبي ﷺ : "كان إذا أدخل رجله في الغَرْز واستوت به ناقته قائمة أهلّ من عند مسجد ذي الحليفة". قلت: رواه الشيخان فيه من حديث ابن عمر. (٢) والغرز: بغين معجمة مفتوحة وراء مهملة ساكنة ثم زاء معجمة: ركاب الرحل -بالحاء المهملة- من جلد، قال الجوهري (٣): قال بعضهم: فإذا كان من خشب أو حديد فهو ركاب، وقد غرزت رجلي في الغَرْز أغرِزُ غَرْزًا، إذا وضعتها فيه لتركب. ١٨٤٢ - خرجنا مع رسول الله ﷺ : "نصرخ بالحج صُراخًا". قلت: رواه مسلم فيه من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد ولم يخرجه البخاري ولا أصحاب السنن. (٤) ١٨٤٣ - كنت رديف أبي طلحة وإنهم ليصرخون بهما جميعًا: الحج والعمرة. قلت: رواه البخاري في كتاب الجهاد في باب الارتداف في الغزو، من حديث أنس. (٥)

стр. 923

١٨٤٤ - خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فمنّا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحجة وعمرة، ومنا من أهلّ بالحج، وأهل رسول الله ﷺ بالحج، فأما من أهل بعمرة فحلّ، وأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة، فلم يحلوا حتى كان يوم النحر. قلت: رواه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه فيه مختصرًا ومطولًا كلهم من حديث عائشة. (١) ١٨٤٥ - تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج. قلت: رواه الشيخان فيه من حديث ابن عمر. (٢) من الحسان ١٨٤٦ - أنه رأى النبي ﷺ تجرَّد لإحرامه واغْتسل. قلت: رواه الترمذي من حديث زيد بن ثابت وقال: حسن غريب. (٣) ١٨٤٧ - أن رسول الله ﷺ لبّد رأسه بالغِسْل. قلت رواه: أبو داود والحاكم في المستدرك كلاهما فيه وقال: صحيح على شرط مسلم، من حديث ابن عمر، وفي سندهما محمد بن إسحاق. (٤)

стр. 924

وتلبيد رأس المحرم قد صح من رواية الشيخين وغيرهما من حديث ابن عمر وليس فيه بالغسل، وتلبيد الشعر قد تقدم ذكره. والغسل: بكسر الغين المعجمة ما يغسل به من خطمي وغيره. ١٨٤٨ - قال رسول الله ﷺ : "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإحرام والتلبية". قلت: رواه الأربعة فيه من حديث خلاد بن السائب الأنصاري عن أبيه وقال الترمذي: حسن صحيح. (١) قوله: أن يرفعوا أصواتهم بالإحرام والتلبية، هذا اللفظ ليس في السنن الأربعة بل الذي في أبي داود والترمذي: أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية، وفي ابن ماجه: أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال، وقد رواه المصنف في شرح السنة (٢) بلفظ أبي داود، فإن صحت رواية المصنف هنا من الجمع بين اللفظين ومعناهما واحد فهو لتأكيد المعنى المراد، ويحتمل أن يكون سقط من هذا اللفظ ألف. ١٨٤٩ - قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم يلبي، إلا لبّى من عن يمينه وشماله، من حجر أو شجر أو مدر، حتى تنقطع الأرض من ههنا وههنا". قلت: رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما من حديث سهل بن سعد الساعدي وفي سندهما: إسماعيل بن عياش وبقية رجاله موثقون. (٣)

стр. 925

١٨٥٠ - كان رسول الله ﷺ يركع بذي الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهلّ بهؤلاء الكلمات يعني التلبية. قلت: رواه الإمام أحمد من حديث ابن عمر، وروى البخاري معناه من حديث ابن عمر أيضًا مختصرًا أن ابن عمر كان يأتي مسجد ذي الحليفة فيصلي فيه ثم يركب، فإذا استوت به راحلته قائمة أحرم، ثم قال ﷺ : هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل. (١) ١٨٥١ - عن النبي ﷺ أنه كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله رضوانه والجنة، واستعفاه برحمته من النار. قلت: رواه الشافعي من حديث عمارة بن خزيمة بن ثابت عن أبيه عن النبي ﷺ وفي سنده إبراهيم بن أبي يحيى. (٢) قصة حجة الوداع من الصحاح ١٨٥٢ - قال: إن رسول الله ﷺ مكث بالمدينة تسع سنين لم يحج، ثم أذّن في الناس بالحج في العاشرة، فقدم المدينة بشر كثير، فخرجنا معه، حتى إذا أتينا ذا الحليفة، ولَدَتْ أسماءُ بنت عميس محمدَ بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: "اغتسلي واستثفِري بثوب وأحرمي، فصلى -يعني- رسول الله ﷺ ركعتين في المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء، أهلّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا

стр. 926

شريك لك" قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن وطاف سبعًا: رمل ثلاثًا ومشى أربعًا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فصلى ركعتين، جعل المقام بينه وبين البيت. - ويروى: أنه قرأ في الركعتين: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ: " ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، أبدأ بما بدأ الله به"، فبدأ بالصفا فرقِيَ عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، ثم دعا بين ذلك، وقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل فمشى إلى المروة، حتى انصَبّت قدماه في بطن الوادي سَعَى، حتى إذا صعدت قدماه مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة، نادى -وهو على المروة، والناس تحته- فقال: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت، لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة"، فقام سراقة بن جعشم، فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبّك رسول الله ﷺ أصابعه، وقال: "دخلت العمرة في الحج -مرتين-، لا، بل لأبدٍ أبدٍ"، وقدِم عَليُّ من اليمن ببُدْن النبي ﷺ فقال: "ماذا قلت حين فَرَضْت الحج؟ " قال: قلت: اللهم إني أهلّ بما أهلّ به رسولك ﷺ قال: فإن معي الهدي فقال: "فأهْد وامكثْ حرامًا فلا تحل"، قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به عَليّ من اليمن، والذي أتى به النبي ﷺ : مائة، قال: فحلّ الناس كلهم وقصّروا، إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية، توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، وركب النبي ﷺ ، فصلى بها الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس، وأمر بِقُبّة من شَعَر تضرب له

стр. 927

بنمرة فسار فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقصواء فرُحِلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس وقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قَدَمَيّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا: دم ابن ربيعة بن الحارث وكان مسترضعًا في بني سعد، فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربًا أضع من ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك، فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسلون عني، فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلّغت وأديت ونصحت، فقال: -بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس- "اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات، ثم أذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا، ثم ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وأردف أسامة خلفه، ودفع حتى أتى المزدلفة. فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسَبّح بينهما شيئًا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فحمد الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس حتى أتى بطن محسّر، فحرك قليلًا، ثم سلك طريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف، فرمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بيده، ثم أعطى عليًّا فنحر ما غَبَرَ، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل

стр. 928

بَدَنة ببضعة فجعلت في قِدر، فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: "انزعوا بني عبد المطلب! فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم، لنزعت معكم" فناولوه دلوًا فشرب منه. قلت: رواه مسلم وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه أربعتهم فيه من حديث جابر ولم يخرجه البخاري. (١) وقول المصنف في أثناء الحديث: ويروى أنه قرأ في الركعتين ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إنما عبّر بذلك وإن كانت ثابتة في مسلم لقول الراوي لا أعلمه إلا ذكره عن النبي ﷺ . قوله: ثم أذن في الناس في العاشرة، الأصح في الرواية فيه الفتح على إسناد الفعل إلى النبي ﷺ أي أعلم هو بذلك للحج معه، وليتعلموا المناسك والأذان الإعلام، يقال: أذن يؤذن إيذانًا، وأذن يؤذن تأذينًا والإعلام بوقت الصلاة مشدد لا غير، وكان حجه ﷺ في السنة العاشرة من الهجرة، وأما وقت فرضه فالصحيح أنه فرض في السنة السادسة، وقيل في الخامسة وقيل في التاسعة، وقيل قبل الهجرة، وهو أغربها. واستثفري: بسين مهملة وتاء مثناة من فوق مفتوحة وثاء مثلثة ساكنة ثم الفاء وبعدها راء مهملة، والاستثفار: هو أن يشد في وسطها شيئًا، ويأخذ خرقة عريضة يجعلها على محل الدم، ويشد طرفيها من قدامها ومن ورائها في ذلك المشدود في وسطها. وهو شبيه بثغر الدابة بفتح الفاء. والقصواء: بفتح القاف وبالمدّ قال ابن الأعرابي هي التي قطع طرف أذنها.

стр. 929

والبيداء: قال في النهاية (١) هي المفازة التي لا شيء بها، وهي ههنا اسم موضع بين مكة والمدينة. قوله: أهل بالتوحيد، يعني مخالفا للمشركين في قولهم، لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك. قوله: لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة، فيه دليل لترجيح قول من ذهب إلى أنه ﷺ كان مفردًا وأنه أفضل. والرمل: هو إسراع المشي مع تقارب الخطى، وهو الخبب، والصحيح عندنا أنه لا يستحب الرمل إلا في طواف يعقبه سعي، قوله: وهزم الأحزاب وحده، الأحزاب: الطوائف، والمراد بهم: الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ في غزوة الخندق. وانصبت قدماه: يعني انحدرت في المسعى، قوله: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة أي لو عن لي هذا الرائي الذي رأيته وأمرتكم به في أول أمري لما سقت الهدي، وإنما قال هذا من أجل فسخ الحج إلى العمرة الذي هو خاص بهم في تلك السنة لمخالفة الجاهلية، ولم يرد ﷺ بذلك التمتع، إنما أراد فسخ الحج إلى العمرة كما بيناه، وقال هذا القول لتطييب قلوب أصحابه، لأنه كان يشق عليهم التحلل وهو محرم، فقال ذلك لهم لئلا يجدوا في أنفسهم، وليعلموا أن الأفضل لهم قبول ما دعاهم إليه، وأنه لولا الهدي لفعله. قوله: فقام سراقة بن جعشم، أما سراقة: فبضم السين المهملة وبالراء المهملة أيضًا وبالقاف المفتوحة. وأما جعشم: فبضم الجيم والشين المعجمة المضمومة وفتحها، ذكرهما الجوهري. والأبد: هو الدهر، أي هي لآخر الدهر، قوله: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، قيل معناه: جاز فعلها في أشهر الحج، ونبه بقوله إلى يوم القيامة على أنه لا

стр. 930

ينسخ، وهذا رد لما كانوا يعتقدونه في الجاهلية من أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وقيل معناه أن عملها دخل في عمل الحج، فليس على القارن أكثر من عمل الحج، وقيل: دخلت في حكمه فتجب مرة في العمر، قوله: بل لأبد أبد، ويروى لأبد الأبد أي آخر الدهر، قوله: وقصروا، فيه دليل على استحباب التقصير للمتمتع، توفيرًا للشعر للحلق في الحج، قوله: فلما كان يوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة سمي بذلك لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء أي يسقون ويستقون، وقيل غير ذلك، وسميت منى لكثرة ما تمنى فيها من الدماء أي يصب ويهراق، وهو بكسر الميم مقصور، قال الجوهري: وهو مذكر يصرف، ونمرة: بفتح النون وكسر الميم هذا أصلها، ويجوز فيها إسكان الميم مع فتح النون وهي موضع جنب عرفات، وليست بعرفات. قوله: فرحلت: هو بتخفيف الحاء المهملة أي جعل عليها الرحل، قوله: فأتى بطن الوادي، وهو وادي عرنة بضم العين وفتح الراء وبعدها نون، وليست عرنة من أرض عرفات عند الشافعي والعلماء كافة، إلا مالكًا فقال: هي من عرفات. قوله: فخطب الناس، ذهبت الشافعية إلى أن في الحج أربع خطب مسنونة: إحداها: يوم السابع من ذي الحجة، عند الكعبة بعد صلاة الظهر، الثانية: هي التي بنمرة يوم عرفة، الثالثة: يوم النحر، الرابعة: يوم النفر، وهو اليوم الثاني من أيام التشريق، قالوا: وكل هذه الخطب أفراد، وبعد صلاة الظهر، إلا التي يوم عرفات، فإنها خطبتان، وقبل الصلاة. قوله: دم ابن ربيعة، قيل اسمه: إياس بن ربيعة، وقيل غير ذلك، وكان صبيًّا يحبو أمام البيوت فأصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد، وبني ليث بن بكر، ورواه بعض رواة مسلم: دم ربيعة، وكذلك رواه أبو داود وهو وهم وإنما هو دم ابن ربيعة. قوله: بكلمة الله، قيل هي قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وقيل: بإباحة الله المنزلة في كتابه من التزويج وإذنه فيه، وهو قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وهذا هو الصحيح، وبالأول أجاب الخطابي وغيره.

стр. 931

قوله: غير مبرح، أي غير مؤثر، ولا شاق يعني ضربًا لا يظهر تأثيره، قوله: ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، معناه: أن لا يأذن لأحد من الرجال أن يدخل عليهن فيتحدث إليهن على عادة العرب لا يرون بذلك بأسًا، ولا يعدونه ريبة، ولو كان المراد بوطىء الفرش الزنا لما قيد بالكراهة، لأنه محرم على كل وجه، ولكان الضرب فيه مبرحًا شديدًا وهو الرجم. قوله: وينكتها إلى الناس، قال عياض (١): هكذا الرواية، وفي مسلم بالباء ثالثة الحروف، وصوابه: بالباء الموحدة أي يميلها إليهم، ليشهد الله عليهم، يقال: نكب الرجل كنانته: إذا كبها وقلبها، وقد روي في سنن أبي داود بالوجهين، ومعناه: يرددها ويقلبها إلى الناس مشيرًا إليهم. قوله: وجعل حبل المشاة بين يديه، روي بالحاء المهملة، وهو المشهور أي ضمهم ومجتمعهم في مشيهم، فكأنه عبر بجبل المشاة عن المشاة أنفسهم، وقيل: حيث تسلك الرجالة أي طريقهم، وهو أشبه، وقد ضبطه بعضهم بالجيم، وصححه أبو عمر وبن الصلاح وذكره كذلك في منسكه، قال ابن حزم: وهناك سقط الرجل المحرم وأمر ﷺ أن يكفن في ثوبيه، ولا يمس بطيب، وكان واقفًا مع رسول الله ﷺ في الحجيج، والمشعر الحرام: بفتح الميم، وأكثر كلام الرب بكسرها، وقيل: ولم يقرأ بها أحد، وقيل: قرأ بها في الشاذ ومحسر: بضم الميم وفتح الحاء المهملة، وتشديد السين المهملة وكسرها، واد بين المزدلفة ومنى، وجاء في الحديث: مزدلفة كلها موقف، إلا بطن محسر، وسمي بذلك لأنه يحسر سالكيه أي تتعبهم، قال الشافعي: وتحريكه الراحلة فيه يجوز أن يكون فعل ذلك لسعة الموضع وهذا دأب السائر أبدًا إذا خرج من مضيق إلى متسع ولو لم يقصده فعليه الراحلة، وقيل يجوز أن يكون فعله لأنه مأوى الشياطين، وقيل: لأنه كان موقفًا للنصارى، فاستحب ﷺ الإسراع فيه، وأهل مكة يسمون هذا الوادي وادي

стр. 932

النار، لأنه اصطاد فيه رجل فنزلت نار من السماء فأحرقته، والخذف بفتح الخاء وسكون الذال المعجمتين، قال الشافعي: حصى الخذف أصغر من الأنملة طولًا وعرضًا، قال الهروي (١): الخذف، هو رميك حصاة أو نواة تأخذها بين سبابتيك وترمي بها، قال أصحابنا: السنة في الرمي أن تضع حصاة قدر الباقلاء على بطن إبهامه وترميها برأس السبابة، فإن رمى بأصغر أو أكبر كره، وأجزأه، قوله: فنحر ثلاثًا وستين بيده، قال ابن حبان (٢): لعله ﷺ في نحره ثلاثًا وستين بيده إشارة إلى منتهى عمره، وكان له في ذلك اليوم ثلاث وستون سنة، فنحر بيده لكل سنة من سنينه بدنة. وما غبر: هو بالغين المعجمة وبالباء الموحدة المفتوحتين وبالراء المهملة، أي ما بقي، والبدنة: الناقة، تهدى إلى مكة، سميت بدنة لعظم بدنها، ولا يسمى في الغالب بذلك إلا الإبل، وقد يطلق على البقر، وفي الغنم خلاف، وببضعة بفتح الباء لا غير، وهي القطعة من اللحم، والإفاضة: الدفع في السير، وقيل: لا يكون إلا عن تفرق وجمع، قوله: فصلى بمكة الظهر، وقد ذكر مسلم في أحاديث طواف الإفاضة من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ أفاض يوم النحر، وصلى الظهر بمنى، ووجه الجمع بينهما: أنه ﷺ صلى ذلك اليوم الظهر مرتين، مرة بمكة في أول الوقت، وأخرى بمنى حين سأله أصحابه ذلك. قوله: انزعوا، معناه: استقوا بالدلاء، وزمزم: هي البئر المشهورة في المسجد الحرام، بينها وبين الكعبة ثمان وثلاثون ذراعًا. (٣) ١٨٥٣ - خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج ثم قدمنا مكة فقال رسول الله ﷺ : "منَ أهل بعمرة ولم يُهد، فليَحْلل، ومن

стр. 933

أحرم بعمرة وأهدى، فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما -وفي رواية: فلا يحل، حتى يحل بنحر هديه- ومن أهل بحج، فليتم حجه" قالت: فحِضْت، ولم أطَفْ بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فلم أزل حائضًا، حتى كان يوم عرفة، ولم أُهْلِلْ إلا بعمرة، فأمرني النبي ﷺ أن أنقض رأسي وأمتشط، وأُهِلّ بالحج، وأترك العمرة، ففعلت، حتى قضيت حجي، فبعث معي عبد الرحمن ابن أبي بكر, وأمرني أن أعتمر -مكان عمرتي- من التنعيم، قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا. قلت: رواه الشيخان فيه من حديث عروة عن عائشة. (١) ١٨٥٤ - تمتّع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ فأهلّ بالعمرة، ثم أهل بالحج، فتمتع الناس مع النبي ﷺ بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى، ومنهم من لم يهد فلما قدم النبي ﷺ مكة قال للناس: "من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرُم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصّر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد، فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، فطاف حين قدم مكة، واستلم الركن أول شيء، ثم خبّ ثلاثة أطواف، ومشى أربعًا، فركع -حين قضى طوافه بالبيت عند المقام- ركعتين ثم سلّم، فانصرف فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يحل من شيء حَرُمَ منه، حتى قضى حجّه، ونحر هديه يوم النحر، وأفاض، فطاف بالبيت، ثم حلّ من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ من ساق الهدي من الناس.

стр. 934

قلت: رواه الجماعة فيه إلا الترمذي من حديث ابن عمر. (١) ١٨٥٥ - قال رسول الله ﷺ : "هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنده الهدي فليحل الحل كله، فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة". قلت: رواه مسلم وأبو داود والنسائي ثلاثتهم فيه من حديث ابن عباس ولم يخرجه البخاري ولكن ذكر إباحة التمتع في غير ما حديث. (٢) باب دخول مكة والطواف من الصحاح ١٨٥٦ - إن ابن عمر ﵄ كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل ويدخل مكة نهارًا، وإذا نفر مر بذي طوى وبات بها حتى يصبح، ويذكر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك. قلت: رواه الشيخان وأبو داود والنسائي كلهم من حديث نافع عن ابن عمر (٣) بن الخطاب.

стр. 935

وذي طوى: موضع معروف، بقرب مكة يقال بفتح الطاء المهملة وكسرها وضمها، والفتح أفصح وأشهر، والواو مفتوحة ليس إلا وبالقصر، ويصرف ولا يصرف. ١٨٥٧ - أن النبي ﷺ لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها وخرج من أسفلها. قلت: رواه البخاري في المغازي وهو ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي كلهم في الحج من حديث عائشة. (١) ١٨٥٨ - حج النبي ﷺ فأخبرتني عائشة أنه أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ، ثم طاف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم حج أبو بكر، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم عمر، ثم عثمان، مثل ذلك. قلت: رواه البخاري بلفظه مطولًا وفيه بعد عثمان ذكر الزبير وعبد الله ابن عباس وعبد الله بن عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان وأسماء بنت أبي بكر والمهاجرين والأنصار ومسلم أطول منه وقال فيه بدل قول البخاري: ثم لم تكن عمرة، ثم لم يكن غيره، كلاهما فيه. (٢) ١٨٥٩ - كان رسول الله ﷺ إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم، سعى ثلاثة أطواف، ومشى أربعة، ثم سجد سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة. قلت: رواه الشيخان وأبو داود والنسائي أربعتهم فيه من حديث نافع عن ابن عمر. (٣) ١٨٦٠ - رَمَلَ رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر ثلاثًا، ومشى أربعًا، وكان يسعى بين الميلين بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة.

стр. 936

قلت: هذا الحديث رواه الشيخان في حديثين كلاهما هنا من حديث ابن عمر أحدهما: رمل رسول الله ﷺ الحجر إلى الحجر ثلاثًا، ومشى أربعًا، وبقيته في حديث آخر. (١) ١٨٦١ - إن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أتى الحَجَر فاستلمه، ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا. قلت: رواه مسلم هنا فيه من حديث جابر بن عبد الله. (٢) ١٨٦٢ - سئل ابن عمر عن استلام الحجر فاستلمه، وقال: "رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبّله". قلت: رواه البخاري والترمذي والنسائي ثلاثتهم فيه من حديث الزبير بن عدي، قال: سأل رجل ابنَ عمر وقال فيه: قال الرجل: أرأيت إن زوحمت؟ أرأيت إن غلبت؟ قال: اجعل " أرأيت" باليَمن، رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله. ولم يخرجه مسلم وخرج معناه. (٣) ١٨٦٣ - لم أر النبي ﷺ يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين. قلت: رواه الجماعة إلا الترمذي، كلهم من حديث ابن عمر. (٤)

стр. 937

قوله: إلا الركنين اليمانيين، اللغة الفصيحة المشهورة، تخفيف الياء من اليمانيين وحكى فيها لغة أخرى: بالتشديد، فمن خفف قال: هذه نسبة إلى اليمن، فالألف عوض عن إحدى ياي النسب، فتبقى الياء الأخرى مخففة، ولو شددناها لكان جمعًا بين العوض والمعوض، وذلك ممتنع، ومن شدد قال: الألف في اليماني زائدة، وأصله اليمني، فتبقى الياء مشددة وتكون الألف زائدة، ولبيت الله تعالى أربعة أركان: اثنان على يمين الداخل، وهما: العراقي والشامي، والحجر: بكسر الحاء بينهما وكذا الميزاب، واثنان على يساره وهما: الركن الذي فيه الحجر الأسود، والركن اليماني، ويسمى الأولان: الشاميين، والثانيان: اليمانيين، تغليبًا، فالركن الأسود فيه فضيلتان: كونه على قواعد إبراهيم، وفيه الحجر الأسود، والركن اليماني فيه فضيلة واحدة: وهي كونه على قواعد إبراهيم، والركنان الآخران: ليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين، فلهذا خص الحجر الأسود بشيئين: الاستلام والتقبيل، وأما اليماني فيستلمه ولا يقبله لأن فيه فضيلة واحدة. ١٨٦٤ - طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن. قلت: رواه الجماعة فيه إلا الترمذي من حديث ابن عباس. (١) والمحجن: بكسر الميم، عصا معوجة الرأس يتناول بها ما يسقط منه. ١٨٦٥ - وعنه أن رسول الله ﷺ طاف بالبيت على بعير كلما أتى الركن أشار إليه بشيء في يده وكبر. قلت: رواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث عكرمة عن ابن عباس. (٢) ١٨٦٦ - رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن.

стр. 938

قلت: رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه ثلاثتهم من حديث أبي الطفيل ولم يخرجه البخاري. (١) ١٨٦٧ - خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما كنا بسرف طمثت، فدخل النبي ﷺ وأنا أبكي، قال: "لعلك نفست؟ " قلت: نعم، قال: "فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري ". قلت: رواه البخاري في الطهارة ومسلم والنسائي وابن ماجه هنا من حديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة. (٢) وسَرِف: بكسر الراء موضع من مكة على عشرة أميال وقيل أقل وأكثر. ويروى: بالصرف وعدمه، على تأويل المكان والبقعة. وطمثت: هو بالطاء المهملة والميم المكسورة وبعدها ثاء مثلثة يقال: طمثت المرأة تطمث طمثًا إذا حاضت. قوله: لعلك نفست، قال في المشارق (٣): وكذا ضبطناه بضم النون وكسر الفاء، قال: وكذا سمعناه من غير واحد. ١٨٦٨ - بعثني أبو بكر في الحجة التي أمَّره النبيُّ ﷺ عليها قبل حجة الوداع، يوم النحر، في رهط تؤذن في الناس: "ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان". قلت: رواه البخاري في الجزية وفي المغازي وفي التفسير وهو ومسلم وأبو داود والنسائي هنا من حديث أبي هريرة عن أبي بكر الصديق. (٤)

стр. 939

من الحسان ١٨٦٩ - سئل جابر عن الرجل رأى البيت يرفع يديه؟ قال: قد حججنا مع رسول ﷺ فلم نكن نفعله. قلت: رواه الترمذي هنا بهذا اللفظ وأبو داود بنحوه كلاهما فيه من حديث المهاجر بن عكرمة المكي، قال: سئل جابر بن عبد الله. (١) وذكر الخطابي: أن سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ضعفوا هذا الحديث لأن مهاجرًا راويه عندهم مجهول انتهى. (٢) ١٨٧٠ - أقبل رسول الله ﷺ فدخل مكة، فأقبل إلى الحجر فاستلمه، ثم طاف بالبيت ثم أتى الصفا فعلاه حتى ينظر إلى البيت، فرفع يديه فجعل يذكر الله ما شاء ويدعو. قلت: هذا الحديث قطعة من حديث طويل أخرجه مسلم في المغازي، يتضمن قصة في فتح مكة من حديث عبد الله بن رباح عن أبي هريرة، ورواه أبو داود هنا مقتصرًا على هذه القطعة التي ذكرها المصنف، ولذلك ساقه الشيخ في الحسان وإن كان من حقه أن يذكره في الصحاح. (٣) ١٨٧١ - أن النبي ﷺ قال: "الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير"، ووقفه الأكثرون على ابن عباس. قلت: رواه الترمذي والحاكم في المستدرك كلاهما هنا، وقال: صحيح، وقال هو والترمذي: وقد روي موقوفًا على ابن عباس. (٤)

стр. 940

١٨٧٢ - قال رسول الله ﷺ : "نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضًا من اللبن فسودته خطايا بني آدم". قلت: رواه الترمذي والنسائي كلاهما في الحج من حديث ابن عباس وقال: حسن صحيح. (١) قال بعضهم: يحتمل أن يحمل الحديث على ظاهره، ويحتمل أن يؤل على ما يستقيم عليه المعنى من باب الاتساع، ومن المعلوم أن الجنة وما احتوت عليه من الجواهر خلقت خلقًا غير قابل للزوال والفناء، وهي مباينة لما خلق في هذه الدار الفانية التي هي في حكم الزوال والفناء، وقد كسر الحجر الأسود وذلك من أقوى أسباب الزوال. وتأويله أن الحجر الأسود لما فيه من الشرف والكرامة، وما فيه من اليمن والبركة، يشارك جواهر الجنة، فكأنه نزل منها، وإن خطايا بني آدم تكاد تؤثر في الجماد فتجعل المبيض مسودًا فكيف بقلوبكم. ١٨٧٣ - قال رسول الله ﷺ في الحجر: "والله ليبعثنه الله يوم القيامة، له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد لمن استلمه بحق وعلى من استلمه بغير حق". قلت: رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما فيه من حديث ابن عباس وقال الترمذي: حسن. (٢)

стр. 941

١٨٧٤ - سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولو لم يطمس نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب". قلت: رواه الترمذي من حديث مسافع الحجبي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ورواه الحاكم في المستدرك، قال الترمذي: وروي موقوفًا على عبد الله بن عمرو. (١) ١٨٧٥ - أنه كان يزاحم على الركنين، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن مسحهما كفارة للخطايا"، وسمعته يقول: "من طاف بهذا البيت أسبوعًا يحصيه، وصلى ركعتين، كان كعتق رقبة، وما وضع رجل قدمًا ولا رفعها إلا كتب الله له بها حسنة، ومحا عنه بها سيئة ورفع له بها درجة". قلت: رواه الترمذي فيه من حديث ابن عمر وقال: حديث حسن. (٢) ١٨٧٦ - أنه سمع النبي ﷺ يقول فيما بين ركن بني جُمَح والركن الأسود: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". قلت: رواه أبو داود والنسائي كلاهما فيه من حديث عبد الله بن السائب وهو حديث صالح الاحتجاج به. (٣) ١٨٧٧ - أخبرتني بنت أبي تجراة، قالت: "دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين ننظر إلى رسول الله ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة، فرأيته يسعى وإن مئزره ليدور من شدة السعي، سمعته يقول: "اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي".

стр. 942

قلت: رواه الإمام أحمد فيما انفرد به عن الكتب الستة من حديث حبيبة بنت أبي تجراة، وفي سنده عبد الله بن المؤمل، وحديثه منكر، وقال أبو حاتم: ليس بقوي. (١) ١٨٧٨ - رأيت رسول الله ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة على بعير، لا ضَرْب ولا طَرْد، ولا إليك إليك. قلت: رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان هنا من حديث قدامة بن عبد الله، ولكن قالوا فيه بدل: يسعى بين الصفا والمروة،: يرمي الجمار، وسيأتي في باب رمي الجمار، وقد رواه المصنف في "شرح السنة" مسندًا بلفظه في المصابيح وروى البيهقي اللفظين جميعًا من طريقين وقال: يحتمل أن يكونا صحيحين. (٢) ١٨٧٩ - أن النبي ﷺ طاف بالبيت مضطبعًا ببرد أخضر. قلت: رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ثلاثتهم فيه من حديث صفوان ابن يعلى بن أمية عن أبيه، وليس في حديث الترمذي وابن ماجه: أخضر، وقال الترمذي: حسن صحيح. (٣)

стр. 943

والاضطباع: أن يأخذ الإزار أو البرد فيجعل وسطه تحت إبطه الأيمن ويلقي طرفيه على كتفه الأيسر من جهتي صدره وظهره. ١٨٨٠ - أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت ثلاثًا، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى. قلت: رواه أبو داود هنا من حديث ابن عباس ولم يضعفه فهو صالح للاحتجاج. (١) والجعرانة: موضع قريب من مكة وهي في الحل، وميقات للإحرام، وهي بتسكين العين والتخفيف وقد تكسر وتشدد الراء وقد تقدم. باب الوقوف بعرفة من الصحاح ١٨٨١ - أنه سأل أنس بن مالك ﵁، وهما غاديان من منى إلى عرفة: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه. قلت: رواه الشيخان والنسائي وابن ماجه أربعتهم في الحج من حديث محمد بن أبي بكر الثقفي أنه سأل أنسًا به. (٢) ١٨٨٢ - أن رسول الله ﷺ قال: "نحرت ههنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ههنا وعرفة كلها موقف، ووقفت ههنا، وجمع كلها موقف". قلت: رواه مسلم من حديث جابر فيه ولم يخرجه البخاري. (٣)

стр. 944

١٨٨٣ - إن رسول الله ﷺ قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟ ". قلت: رواه مسلم من حديث عائشة ولم يخرجه البخاري. (١) من الحسان ١٨٨٤ - وعن عمرو بن عبد الله بن صفوان عن خال له يقال له يزيد بن شيبان قال: كنا في موقف لنا بعرفة يباعده عمرو من موقف الإمام جدًّا، فأتانا ابن مِربَع الأنصاري، فقال: إني رسولُ رسول الله ﷺ إليكم يقول لكم: "قفوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم ﵇". قلت: رواه الأربعة من حديث عمرو بن عبد الله بن صفوان عن يزيد بن شيبان قال: أتانا ابن مربع به، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٢) وابن مربع اسمه: يزيد بن مربع الأنصاري وإنما نعرف له هذا الحديث الواحد انتهى كلامه. ومربع بكسر الميم وسكون الراء المهملة وفتح الباء الموحدة وتخفيفها. (٣) ١٨٨٥ - أن رسول الله ﷺ قال: "كل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر". قلت: رواه أبو داود فيه من حديث جابر وسكت عليه. (٤)

стр. 945

والمزدلفة: من التزليف والازدلاف وهو التقرب، لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها أي: تقربوا ومضوا إليها، والفجاج: جمع فج وهو الطريق الواسع، وكل منحرف بين جبلين فهو فج. ١٨٨٦ - رأيت النبي ﷺ يخطب الناس يوم عرفة على بعير قائم في الركابين. قلت: رواه أبو داود فيه من حديث خالد بن هوذة ولم يضعفه. (١) ١٨٨٧ - أن النبي ﷺ قال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". قلت: رواه الترمذي في الدعوات من حديث حماد بن أبي حميد عن عمرو بن شعيب به، وقال: غريب، وفي إسناده: حماد بن حميد، قال: وليس هو بالقوي عند أهل الحديث انتهى. (٢) وقال الذهبي: ضعفوه. ١٨٨٨ - أن رسول الله ﷺ قال: "ما رؤي الشيطان يومًا هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما كان من يوم بدر، فقيل: وما رأى من يوم بدر؟ قال: إنه قد رأى جبريل وهو يزع الملائكة". (مرسل). قلت: رواه مالك من حديث طلحة بن عبيد الله بن كريز وطلحة ليس بصحابي بل هو

стр. 946

تابعي فالحديث مرسل. (١) والدحر: (بالدال والحاء والراء المهملات) هو: الدفع بعنف على سبيل الإهانة، ويزع الملائكة: أي يقودهم. ١٨٨٩ - قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم عرفة فإن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فيباهي بهم الملائكة، فيقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثًا غبرًا ضاجين من كل فج عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم، فتقول الملائكة: يا رب فلان كان يرهّق وفلان وفلانة، قال: يقول الله : قد غفرت لهم، قال رسول الله ﷺ : فما من يوم أكثر عتيقًا من النار من يوم عرفة". قلت: رواه النسائي وابن حبان كلاهما فيه والحافظ أبو بكر الإسماعيلي بألفاظ متقاربة من حديث جابر بن عبد الله. (٢) قوله: كان يُرهق: بضم المثناة من تحت وفتح الراء المهملة وتشديد الهاء أي: يظن به السوء.

стр. 947

باب الدفع من عرفة والمزدلفة من الصحاح ١٨٩٠ - هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: سئل أسامة: كيف كان رسول الله ﷺ يسير في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العَنَقَ، فإذا وجد فجوةً نص. قلت: رواه الجماعة في الحج إلا الترمذي من حديث أسامة بن زيد. (١) والعَنَقَ: بفتح العين المهملة، وفتح النون وبالقاف، سير رفيق. والنص: بالنون والصاد المهملة سرعة السير. والفجوة: بفتح الفاء وسكون الجيم المكان المتسع، ومعنى حين دفع أي: انصرف من عرفات، ويسمى ذلك دفعًا لأنهم يزدحمون إذا انصرفوا فيدفع بعضهم بعضًا ولأنهم يدفعون به أنفسهم إلى مزدلفة. ١٨٩١ - أنه دفع مع النبي ﷺ يوم عرفة، فسمع النبي ﷺ وراءه زجرًا شديدًا وضربًا للإبل، فأشار بسوطه إليهم، وقال: "أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع". قلت: رواه البخاري فيه من حديث ابن عباس. (٢) والإيضاع: حمل الركاب على سرعة السير، يقال: وضع البعير وغيره أي: أسرع في سيره، قال ورقة: يا ليتني فيها جَذَعْ ... أخُبّ فيها وأَضَعْ. (٣)

стр. 948

١٨٩٢ - أن أسامة بن زيد كان رِدْف النبي ﷺ من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: لم يزل النبي ﷺ يلَبِّي حتى رمى جمرة العَقَبة. قلت: رواه الشيخان والنسائي ثلاثتهم فيه من حديث ابن عباس عن أسامة والفضل. (١) ١٨٩٣ - جمع النبي ﷺ المغرب والعشاء بجَمْعٍ، كل واحدٍ منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما. قلت: رواه البخاري فيه من حديث ابن عمر ولم يخرجه مسلم. (٢) بهذا اللفظ وإن كان الحافظ عبد الغني (٣) ذكره في عمدته فيما اتفق عليه الشيخان، وقد أخرج مسلم مثل معناه من حديث ابن عمر أيضًا، فقال جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع ليس بينهما سجدة، وصلى المغرب ثلاث ركعات، وصلى العشاء ركعتين. قوله: ولم يسبح بينهما ولا على أثر. أي لم يفصل بين الصلاتين بنافلة، والسبحة: النافلة. ١٨٩٤ - قال ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها، إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها. قلت: رواه الشيخان وأبو داود ثلاثتهم فيه من حديث عبد الله بن مسعود. (٤) ١٨٩٥ - أنا ممن قدم النبي ﷺ : ليلة المزدلفة في ضَعَفَةِ أهله. قلت: رواه الشيخان وأبو داود والنسائي كلهم فيه من حديث ابن عباس. (٥)

стр. 949

١٨٩٦ - عن الفضل بن عباس وكان رديف النبي ﷺ ، أنه قال في عشية عرفة وغداة جَمْع للناس حين دفعوا: "عليكم بالسكينة"، وهو كافّ ناقته، حتى دخل محسرًا، وهو من منى، قال: "عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة". وقال: لم يزل رسول الله ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة. قلت: رواه مسلم فيه ولم يخرج البخاري هذا الحديث إلا ذكر التلبية (١) فإنَّه ذكره من حديث الفضل وحديث أسامة وقد تقدم وكذلك ذكر حديث السكينة من حديث ابن عباس المتقدم. ومحسر: بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة وادٍ من منى. وقال ابن الأثير: هو بين عرفات ومنى. (٢) ١٨٩٧ - أفّاض النبي ﷺ من جَمْع وعليه السكينة، وأمرهم بالسكينة وأوْضَعَ في وادي محسّر، وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف، وقال: "لعلِّي لا أراكم بعد عامي هذا". قلت: رواه أبو داود والنسائيّ وابن ماجه ثلاثتهم فيه من حديث أبي الزبير عن جابر، وذكره المصنف في "شرح السنة" غير مسند، فقال: وروي عن أبي الزبير عن جابر وساقه، ولم أر هذا الحديث في مسلم بهذا اللفظ، ولم يخرج البخاري في صحيحه لأبي الزبير عن جابر شيئًا. (٣) وأما قوله ﷺ : لعلي لا أراكم بعد عامي هذا، فليس في أبي داود وفي مسلم معناه، وسيأتي في أول الباب الذي بعد هذا، قوله: أفاض النبي ﷺ من جمع، يقال: أفاض

стр. 950

من المكان إذا أسرع منه إلى المكان الآخر، وجمع: المزدلفة وهو المشعر الحرام سميت بذلك لاجتماع آدم وحواء بها. من الحسان ١٨٩٨ - قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: "إن أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفة حين تكون الشمس كأنها عمائم الرجال في وجوههم قبل أن تغرب، ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس حن تكون كأنها عمائم الرجال في وجوههم، وإنا لا ندفع من عرفة حتى تغرب الشمس، وندفع من المزدلفة قبل أن تطلع الشمس، وهدينا مخالف لهدي أهل الأوثان والشرك". قلت: رواه البيهقي فيه من حديث عبد الوارث عن ابن جريج عن محمَّد ابن قيس عن المسور بن مخرمة قال: خطبنا رسول الله ﷺ الحديث بنحوه، قال: ورواه قيس مرسلًا أيضًا. (١) ١٨٩٩ - قدمنا رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب على حُمُرات، فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: "أبينيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس". قلت: رواه أبو داود والنسائيُّ وابن ماجه ثلاثتهم فيه (٢) من حديث الحسن العُرَني عن ابن عباس. وقال أبو داود: واللطح: الضرب اللين انتهى والحديث منقطع فإن الحسن العُرَني لم يسمع من ابن عباس شيئًا كذا قاله الإمام أحمد وابن معين. (٣)
следующие страницы →