← Книги сунны

Книги сунны · id 17063

كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح

الصدر المناوي

Полный текст (2 643 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

تابعي فالحديث مرسل. (١) والدحر: (بالدال والحاء والراء المهملات) هو: الدفع بعنف على سبيل الإهانة، ويزع الملائكة: أي يقودهم. ١٨٨٩ - قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم عرفة فإن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فيباهي بهم الملائكة، فيقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثًا غبرًا ضاجين من كل فج عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم، فتقول الملائكة: يا رب فلان كان يرهّق وفلان وفلانة، قال: يقول الله : قد غفرت لهم، قال رسول الله ﷺ : فما من يوم أكثر عتيقًا من النار من يوم عرفة". قلت: رواه النسائي وابن حبان كلاهما فيه والحافظ أبو بكر الإسماعيلي بألفاظ متقاربة من حديث جابر بن عبد الله. (٢) قوله: كان يُرهق: بضم المثناة من تحت وفتح الراء المهملة وتشديد الهاء أي: يظن به السوء.

стр. 947

باب الدفع من عرفة والمزدلفة من الصحاح ١٨٩٠ - هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: سئل أسامة: كيف كان رسول الله ﷺ يسير في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العَنَقَ، فإذا وجد فجوةً نص. قلت: رواه الجماعة في الحج إلا الترمذي من حديث أسامة بن زيد. (١) والعَنَقَ: بفتح العين المهملة، وفتح النون وبالقاف، سير رفيق. والنص: بالنون والصاد المهملة سرعة السير. والفجوة: بفتح الفاء وسكون الجيم المكان المتسع، ومعنى حين دفع أي: انصرف من عرفات، ويسمى ذلك دفعًا لأنهم يزدحمون إذا انصرفوا فيدفع بعضهم بعضًا ولأنهم يدفعون به أنفسهم إلى مزدلفة. ١٨٩١ - أنه دفع مع النبي ﷺ يوم عرفة، فسمع النبي ﷺ وراءه زجرًا شديدًا وضربًا للإبل، فأشار بسوطه إليهم، وقال: "أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع". قلت: رواه البخاري فيه من حديث ابن عباس. (٢) والإيضاع: حمل الركاب على سرعة السير، يقال: وضع البعير وغيره أي: أسرع في سيره، قال ورقة: يا ليتني فيها جَذَعْ ... أخُبّ فيها وأَضَعْ. (٣)

стр. 948

١٨٩٢ - أن أسامة بن زيد كان رِدْف النبي ﷺ من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: لم يزل النبي ﷺ يلَبِّي حتى رمى جمرة العَقَبة. قلت: رواه الشيخان والنسائي ثلاثتهم فيه من حديث ابن عباس عن أسامة والفضل. (١) ١٨٩٣ - جمع النبي ﷺ المغرب والعشاء بجَمْعٍ، كل واحدٍ منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما. قلت: رواه البخاري فيه من حديث ابن عمر ولم يخرجه مسلم. (٢) بهذا اللفظ وإن كان الحافظ عبد الغني (٣) ذكره في عمدته فيما اتفق عليه الشيخان، وقد أخرج مسلم مثل معناه من حديث ابن عمر أيضًا، فقال جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع ليس بينهما سجدة، وصلى المغرب ثلاث ركعات، وصلى العشاء ركعتين. قوله: ولم يسبح بينهما ولا على أثر. أي لم يفصل بين الصلاتين بنافلة، والسبحة: النافلة. ١٨٩٤ - قال ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها، إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها. قلت: رواه الشيخان وأبو داود ثلاثتهم فيه من حديث عبد الله بن مسعود. (٤) ١٨٩٥ - أنا ممن قدم النبي ﷺ : ليلة المزدلفة في ضَعَفَةِ أهله. قلت: رواه الشيخان وأبو داود والنسائي كلهم فيه من حديث ابن عباس. (٥)

стр. 949

١٨٩٦ - عن الفضل بن عباس وكان رديف النبي ﷺ ، أنه قال في عشية عرفة وغداة جَمْع للناس حين دفعوا: "عليكم بالسكينة"، وهو كافّ ناقته، حتى دخل محسرًا، وهو من منى، قال: "عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة". وقال: لم يزل رسول الله ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة. قلت: رواه مسلم فيه ولم يخرج البخاري هذا الحديث إلا ذكر التلبية (١) فإنَّه ذكره من حديث الفضل وحديث أسامة وقد تقدم وكذلك ذكر حديث السكينة من حديث ابن عباس المتقدم. ومحسر: بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة وادٍ من منى. وقال ابن الأثير: هو بين عرفات ومنى. (٢) ١٨٩٧ - أفّاض النبي ﷺ من جَمْع وعليه السكينة، وأمرهم بالسكينة وأوْضَعَ في وادي محسّر، وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف، وقال: "لعلِّي لا أراكم بعد عامي هذا". قلت: رواه أبو داود والنسائيّ وابن ماجه ثلاثتهم فيه من حديث أبي الزبير عن جابر، وذكره المصنف في "شرح السنة" غير مسند، فقال: وروي عن أبي الزبير عن جابر وساقه، ولم أر هذا الحديث في مسلم بهذا اللفظ، ولم يخرج البخاري في صحيحه لأبي الزبير عن جابر شيئًا. (٣) وأما قوله ﷺ : لعلي لا أراكم بعد عامي هذا، فليس في أبي داود وفي مسلم معناه، وسيأتي في أول الباب الذي بعد هذا، قوله: أفاض النبي ﷺ من جمع، يقال: أفاض

стр. 950

من المكان إذا أسرع منه إلى المكان الآخر، وجمع: المزدلفة وهو المشعر الحرام سميت بذلك لاجتماع آدم وحواء بها. من الحسان ١٨٩٨ - قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: "إن أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفة حين تكون الشمس كأنها عمائم الرجال في وجوههم قبل أن تغرب، ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس حن تكون كأنها عمائم الرجال في وجوههم، وإنا لا ندفع من عرفة حتى تغرب الشمس، وندفع من المزدلفة قبل أن تطلع الشمس، وهدينا مخالف لهدي أهل الأوثان والشرك". قلت: رواه البيهقي فيه من حديث عبد الوارث عن ابن جريج عن محمَّد ابن قيس عن المسور بن مخرمة قال: خطبنا رسول الله ﷺ الحديث بنحوه، قال: ورواه قيس مرسلًا أيضًا. (١) ١٨٩٩ - قدمنا رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب على حُمُرات، فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: "أبينيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس". قلت: رواه أبو داود والنسائيُّ وابن ماجه ثلاثتهم فيه (٢) من حديث الحسن العُرَني عن ابن عباس. وقال أبو داود: واللطح: الضرب اللين انتهى والحديث منقطع فإن الحسن العُرَني لم يسمع من ابن عباس شيئًا كذا قاله الإمام أحمد وابن معين. (٣)

стр. 951

والعرني: منسوب إلى عرينة بضم العين وفتح الراء المهملتين وسكون الياء آخر الحروف وبعدها نون مفتوحة وتاء تأنيث، بطن من بجيلة. (١) وأغيلمة: تصغير غلمة على غير مكبره، كأنهم صغروا أغلمه ولم يقولوه، ويريد بالأغيلمة الصبيان. وحمرات: بضمتين جمع حمار. واللطح: بفتح اللام وسكون الطاء المهملة بعدها حاء مهملة وتقدم تفسيره، وأُبيني: بضم الهمزة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وكسر النون وتشديد الياء، قال الأزهري: تصغير بنين. (٢) ١٩٠٠ - قالت: "أرسل النبي ﷺ بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثمَّ مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم اليوم الدي يكون رسول الله ﷺ عندها". قلت: رواه أبو داود فيه من حديث عائشة، وقال البيهقي: إسناده صحيح لا غبار عليه. (٣) ١٩٠١ - يلبي المعتمر حتى يفتتح الطواف.

стр. 952

قلت: رواه الشافعي بسند جيد موقوف على ابن عباس ولم يرفعه. (١) - ويروى: حتى يستلم الحجر فرفعه بعضهم. قلت: رواه الشافعي وأبو داود والترمذي والبيهقيّ من حديث (٢) ابن عباس وقال: صحيح، وقال المصنف: رفعه بعضهم، وكذا قال أبو داود: وأخرجه تمام الرازي في "فوائده" ولفظه: أن النبي ﷺ لبّى في العمرة حتى استلم الحجر. باب رمي الجمار من الصحاح ١٩٠٢ - رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: "لتأخذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه". قلت: رواه مسلم وأبو داود والنسائيّ ثلاثتهم فيه من حديث جابر ولم يخرجه البخاري. (٣) ١٩٠٣ - رأيت النبي ﷺ رمى الجمرة بمثل حصى الخذف.

стр. 953

قلت: رواه مسلم والترمذي والنسائيّ من حديث جابر. (١) ١٩٠٤ - قال: رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى، فأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس. قلت: رواه الجماعة فيه إلا البخاري من حديث جابر، لكن معلقة. (٢) ١٩٠٥ - أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى فجعل البيت عن يساره ومِنى عن يمينه، ورمى بسبع حصيات بكبر مع كل حصاة، ثم قال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة. قلت: رواه الجماعة فيه من حديث عبد الله ابن مسعود. (٣) وإنما ذكر سورة البقرة لأنَّ معظم المناسك مذكور فيها، وقال ﷺ : خذوا عني مناسككم فتولى بيانها بنفسه. ١٩٠٦ - قال: قال رسول الله ﷺ : "الاستجمار توّ، ورمي الجمار توّ، والسعي بين الصفا والمروة توّ، وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتوّ". قلت: رواه مسلم فيه من حديث جابر، وفيه: والطواف تو، قبل قوله: "وإذا استجمر أحدكم" واختصر المصنف هذه اللفظة، وقد أخرج البخاري من هذا الحديث "الإستجمار" خاصة، من حديث أبي هريرة. (٤) وتو: بفتح التاء المثناة من فوق أي فرد.

стр. 954

من الحسان ١٩٠٧ - قال: رأيت النبي ﷺ : "يرمي الجمرة يوم النحر على ناقة صهباء، ليس ضرب ولا طرد، وليس قيل إليك إليك". قلت: رواه الترمذي والنسائيّ وابن ماجه ثلاثتهم فيه وقد تقدم التنبيه عليه وقال الترمذي: حسن صحيح. (١) قوله: على ناقة صهباء، والأصهب الذي يعلولونه صهبة، وهي كالشقرة، قاله الخطابي (٢)، قال ابن الأثير (٣): والمعروف أن الصهبة مختصة بالشعر وهي حُمرة يعلوها سَواد. ١٩٠٨ - عن النبي ﷺ قال: "إنما جُعل رمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله ". قلت: رواه أبو داود الترمذي كلاهما من حديث عائشة، وكذلك الحاكم وقال: على شرط مسلم، وقال الترمذي: حسن صحيح. (٤) ١٩٠٩ - قالت: قلنا: يا رسول الله ألا نبني لك بناء يظلك بمنى؟، قال: "لا، مني مناخ من سبق". قلت: رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ثلاثتهم فيه من حديث مُسَيْكة عن عائشة وحسنه الترمذي. (٥)

стр. 955

باب الهدي من الصحاح ١٩١٠ - قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم، وقلدها نعلين، ثمَّ ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهل بالحج. قلت: رواه الجماعة في الحج إلا البخاري من حديث ابن عباس. (١) وأما ذو الحليفة: فتقدم الكلام عليه في المواقيت، وأما الإشعار: فهو أن يجرحها في صفحة سنامها الأيمن بحربة أو سكين أو حديدة أو نحوها ثمَّ يسلت الدم عنها، وأصل الإشعار والشعور: الإعلام والعلامة. وإشعار الهدي مستحب. وصفحة السنام: هي جانبه، والصفحة مؤنثة، فقوله: الأيمن بلفظ التذكير يتأول على أنه وصف لمعنى الصفحة لا للفظها، ويكون المراد بالصفحة الجانب، فكأنه قال: جانب سنامها الأيمن، وذهب الشافعي وجماعات إلى استحباب هذه الهيئة، وقال الإمام أبو حنيفة: الإشعار بدعة، لأنه مُثلة، وقال مالك: باستحبابه لكنه في الصفحة اليسرى، وهذا الحديث يشهد لقولنا أنه في الصفحة اليمنى. قوله: ثمَّ سلت الدم عنه، قال الزمخشري: أي مسح، وأصل السلت: القطع والعسر وسلت القصعة: لحستها، وسلتت المرأة حملها أي أزالته، وقال ابن الأثير: معناه أماط الدم عنه. (٢)

стр. 956

قوله: ثم ركب راحلته، يعني غير التي أشعرها. ١٩١١ - أهدى النبي ﷺ مرة إلى البيت غنما فقلّدها. قلت: رواه الجماعة فيه إلا الترمذي من حديث الأسود عن عائشة (١). وهذا يدل على مشروعية تقليد الغنم، وقد قال باستحبابه العلماء كافة، إلا مالكًا وقال صاحبه القاضي عياض لعله لم يبلغه الحديث الثابت، واتفق العلماء على أنها لا تشعر، وقال الشافعي البقر تشعر كالإبل. ١٩١٢ - قال: ذبح رسول الله ﷺ عن عائشة بقرة يوم النحر. قلت: رواه مسلم من حديث جابر ولم يخرجه البخاري. (٢) ١٩١٣ - وعنه: نحر النبي ﷺ عن نسائه بقرة في حجته. قلت: رواه مسلم فيه من حديث جابر ولم يخرجه البخاري أيضًا. (٣) ١٩١٤ - قالت: فتلت قلائد بُدن النبي ﷺ بيدي، ثمَّ قلدها وأشعرها وأهداها فما حَرُم عليه شيء كان أُحِلَ له. قلت رواه الجماعة إلا الترمذي من حديث عائشة ﵂. (٤) ١٩١٥ - قالت: فتلت قلائدها من عِهْنٍ كان عندي ثمَّ بعث بها مع أبي.

стр. 957

قلت: رواه الشيخان فيه من حديث عائشة. (١) والعِهْن: بكسر العين المهملة وسكون الهاء وبالنون هو الصوف، والقطعة منه عهنة والجمع عهون. ١٩١٦ - أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يسوق بَدَنة فقال: "اركبها"، فقال: إنها بَدَنة قال: "اركبها، ويلك، في الثانية أو الثالثة". قلت: رواه الشيخان وأبو داود والنسائيّ أربعتهم فيه من حديث أبي هريرة. (٢) ١٩١٧ - سُئل جابر بن عبد الله عن ركوب الهَدْي فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "اركبها بالمعروف إذا أُلجِئْت إليها، حتى تجد ظهرا". قلت: رواه مسلم وأبو داود والنسائيّ ثلاثتهم فيه من حديث أبي الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يُسأل .. وساقه، ولم يخرج البخاري عن جابر في هذا شيئًا. (٣) وقد استدل بهذا من يرى أنها لا تركب إلا عند الاضطرار إلى ذلك، والحديث الذي قبله يشهد لما قاله الشافعي ومالك وأحمد: من جواز ركوبها غير مضربها وله الحمل عليها. ١٩١٨ - بعث رسول الله ﷺ ست عشرة بدنة مع رجل، وأمَّرَهُ، فقال: يا رسول الله كيف أصنع بما أبدع عليّ منها؟ قال: "انحرها، ثمَّ اصبغ نعليها في دمها ثمَّ اجعلها على صفحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحد من رفقتك". قلت: رواه مسلم وأبو داود والنسائيّ ثلاثتهم فيه من حديث ابن عباس، وقال أبو داود: ثمان عشرة. (٤)

стр. 958

قوله: كيف أصنع بما أبدع عليّ منها، قال في المشارق (١): هو بضم الهمزة وكسر الدال وفتح العين، قال بعضهم: هكذا استعملت هذه اللفظة فيمن وقفت به دابته وأعيت كلالا، وقيل لا يكون الإبداع إلا مع ضلع. قوله: ثمَّ أصبغ نعلها في دمها أي النعل التي قلدها، وقد جاء في رواية الترمذي: ثمَّ ألق قلائدها في دمها، وخل بينها وبين المساكين يأكلون منها، وهذا الحكم في الهدي عند الشافعي إذا كان واجبًا، أما إذا كان تطوعًا، فقال له: أن يتموله ويأكله ولا شيء عليه، وذهب بعضهم إلى أن التقليد كالإيجاب فلا يحل له ولا لرفقته، فمن أكل شيئًا غرمه حيث كان الهدي واجبًا، فليس للمهدي ولا لرفقته الأكل منه إذا عطب قبل محله، وإن كانوا فقراء، لهذا الحديث، وإنما منعت الرفقة من ذلك سدًّا للذريعة، لئلا يتوصل بعض الناس إلى نحره أو تعييبه قبل أوانه. والرفقة: بضم الراء وكسرها لغتان مشهورتان. (٢) ١٩١٩ - نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة: عن سبعة والبقرة: عن سبعة. قلت: رواه الجماعة فيه إلا البخاري من حديث جابر بن عبد الله. (٣) ١٩٢٠ - أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها، فقال: ابعثها قيامًا مقيّدة سنة محمد ﷺ . قلت: رواه الشيخان وأبو داود والنسائي أربعتهم فيه من حديث ابن عمر. (٤)

стр. 959

قوله: قد أناخ بدنته: في موضع جرّ صفة لرجل، وينحرها: في موضع نصب، نعتًا لبدنته أو حالًا منها، والعامل أناخ، وقيامًا: نصب على الحال، وهو بمعنى قائمةً، والعامل فعل محذوف دلت عليه قرينة الحال أي انحرها قائمة مقيدة، ولا يجوز أن يكون العامل ابعثها لأنَّ البعث إنما يكون قبل القيام، فاجتماعهما في حالة واحدة غير ممكن. قوله: سنة رسول الله ﷺ ، مفعول بفعل مضمر أي مقتفيًا في نحرها سنة رسول الله ﷺ ويستحب نحر الإبل وهي قائمة، معقولة اليد اليسرى، لما صح في سنن أبي داود (١) من حديث جابر أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها، وإسناده على شرط مسلم. وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وقال الإمام أبو حنيفة والثوري يستوي نحرها قائمة وباركة في الفضيلة. ١٩٢١ - أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها، وأن لا أعطي الجزار منها، قال: "نحن نعطيه من عندنا". قلت: رواه الجماعة هنا إلا الترمذي من حديث علي بن أبي طالب ولم يقل البخاري نحن نعطيه من عندنا. (٢) قال أهل اللغة: سميت البدنة بدنة لعظمها وتطلق على الذكر والأنثى، وتطلق على الإبل والبقر والغنم، هذا قول أكثر أهل اللغة، ولكن معظم استعمالها في الأحاديث وفي كتب الفقه في الإبل خاصة، وفي الحديث دليل على أن ما ذبح قربةٌ إلى الله تعالى لا يجوز بيع شيء منه، ولهذا منع أن يعطى الجزار منها، لأنَّ عطيته عوض عن عمله، فيكون في معنى بيع جزء منها، ومذهبنا أنَّه لا يجوز بيع جلد الهدي، ولا الأضحية،

стр. 960

ولا شيء من أجزائها سواء كانا تطوعًا أو واجبتين، لكن إن كان تطوعًا فله الانتفاع بالجلد وغيره، ولا يجوز إعطاء الجزار منها شيئًا، بسبب جزارته، فأما إذا تصدق عليه فلا بأس. ١٩٢٢ - كنا لا نأكل من لحوم بُدننا فوق ثلاث، فرخّص لنا رسول الله ﷺ فقال: "كلوا وتزوّدوا، فأكلنا وتزوّدنا". قلت: رواه الشيخان والنسائيُّ هنا من حديث جابر. (١) وأعلم أنَّه إذا كان الهدي تطوعًا يجوز للمهدي أن يأكل منه وكذلك أضحية التطوع، فأما ما كان واجبًا مثل دم التمتع والقران وإفساد الحج ونحو ذلك، فلا يجوز للمهدي أن يأكل منها شيئًا عند الشافعي. من الحسان ١٩٢٣ - أن رسول الله ﷺ أَهدي عام الحديبية في هدايا رسول الله ﷺ جملا كان لأبي جهل، في رأسه بُرَة من فضة، يغيظ بذلك المشركين. - ويروى: بُرة من ذهب. قلت: رواه أبو داود هنا من حديث ابن عباس وفي إسناده: محمَّد بن إسحاق. (٢)

стр. 961

والبرة: بضم الباء الموحدة وبعدها راء مهملة مفتوحة مخففة وتاء تأنيث، حلقة تجعل في أنف البعير من صفر وغيره، وجمعها برون في حال الرفع وبرين في حال النصب والخفض، وفيه جواز استعمال اليسير من الذهب والفضة وكان هذا الجمل معروفًا فأخذه رسول الله ﷺ في سلبه. ١٩٢٤ - أن النبي ﷺ قال: "البدنة عن سبعة والجزور عن سبعة". قلت: رواه أبو داود في الأضاحي من حديث جابر ولم يضعفه فهو صالح. (١) والبدنة: تقدم الكلام عليها في الباب قبله، والجزور: بالجيم والزاي المعجمة والواو والراء المهملة، البعير ذكرًا كان أو أنثى إلا أن اللفظة مؤنثة تقول هذه الجزور وإن أردت ذكرا والجمع جزر وجزاير. ١٩٢٥ - كنا مع النبي ﷺ في سفر فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعة وفي الجزور عشرة. غريب. قلت: رواه أحمد والترمذي وابن ماجه كلهم في الأضاحي ورواه النسائي أيضًا من حديث ابن عباس (٢)، وقال الترمذي: حسن غريب انتهى، ورجاله رجال مسلم إلا عكرمة فإنَّه وإن كان لم يخرج له مسلم إلا مقرونًا، فقد أخرج له البخاري محتجًا به. تنبيه: وعزا المزي رواية الترمذي إلى الحج، وهو وهم، والصواب ما قلناه. ١٩٢٦ - قال: قلت: يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من البدن؟ قال: "انحرها ثمَّ اغمس فنعلها في دمها، ثمَّ خَلِّ بين الناس وبينها فيأكلونها". قلت: رواه الأربعة هنا من حديث ناجية الخزاعي وقال الترمذي: حسن صحيح. (٣)

стр. 962

١٩٢٧ - عن النبي ﷺ قال: "إن أفضل الأيام عند الله يوم النحر، ثمَّ يوم القَرّ". قال وأتي النبي ﷺ ببدنات خمس أو ست، فطفقن يزدلفن إليه، بأيتهن يبدأ، فلما وجبت جُنوبها، قال: فتكلم بكلمة خفية لم أفهمها، فسألت الذي يليه فقال: قال: "من شاء فليقتطع". قلت: رواه أبو داود والنسائي كلاهما هنا من حديث عبد الله بن قرط (١) وكان اسمه شيطان بن قرط فسماه رسول الله ﷺ عبد الله وهو بضم القاف وسكون الراء المهملة وبعدها طاء مهملة أيضًا. والقر: بفتح القاف، وهو اليوم الذي يلي يوم النحر، لأنَّ الناس يقرون فيه بمنى. وطفق يفعل كذا أي: جعل وهو بفتح الطاء وكسر الفاء، ويزدلفن: معناه يقتربن وهو يفتعلن من القرب. فأبدل التاء دالًا، ووجبت جنوبها: زهقت أنفسها فسقطت على جنوبها. باب الحلق من الصحاح ١٩٢٨ - أن رسول الله ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع، وأناس من أصحابه، وقصّر بعضهم. قلت: رواه الشيخان والترمذي ثلاثتهم في الحج من حديث ابن عمر ورواه أبو داود مختصرًا. (٢)

стр. 963

١٩٢٩ - قال: لي معاوية أني قصّرت من رأس النبي ﷺ عند المروة بمِشْقَص. قلت: رواه الشيخان وأبو داود والنسائيُّ كلهم فيه من حديث ابن عباس عن معاوية. (١) وهذا لا يعارض حديث ابن عمر الذي قبله، لأنَّ حديث ابن عمر في الحلق كان في حجة الوداع، وحديث معاوية كان في عمرة الجعرانة، التي اعتمرها النبي ﷺ لما فتح مكة سنة ثمان من الهجرة، وحديث ابن عمر قال فيه أنَّه كان في حجة الوداع وهي في العاشرة. ١٩٣٠ - أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: "اللهم ارحم المحلّقين"، قالوا: والمقصّرين يا رسول الله؟ قال: "اللهم ارحم المحلّقين"، قالوا: والمقصّرين يا رسول الله؟، قال: "والمقصرين". قلت: رواه الشيخان وأبو داود ثلاثتهم من حديث ابن عمر. (٢) قال ابن الأثير (٣): إنما خص المحلقين بالدعاء دون المقصرين، وهم الذين أخذوا من أطراف شعورهم، ولم يحلقوا، لأنَّ أكثر من أحرم مع النبي ﷺ لم يكن معهم هدي، وكان النبي ﷺ قد ساق الهدي، ومن معه هدي فإنه لا يحلق حتى ينحر هَدْيه، فلما أمر النبي ﷺ من ليس معه هدي أن يحلق ويُحل وجدوا في أنفسهم من ذلك، وأحبوا أن يأذن لهم في المُقام على إحرامهم حتى يُكملوا الحج، وكانت طاعة النبي ﷺ أولى لهم فلما لم يكن لهم بد من الإحلال كان التقصير في نفوسهم أخف من الحلق، فمال كثير

стр. 964

منهم إليه، وكان فيهم من بادر إلى الطاعة وحلق ولم يراجع، فلذلك قدم المحلقين وأخر المقصرين. ١٩٣١ - ويروى: أن النبي ﷺ في حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة. قلت: رواه مسلم فيه من حديث يحيى بن حصين عن جدته أنها سمعت النبي ﷺ وساقه. (١) ١٩٣٢ - أن رسول الله ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثمَّ أتى منزله بمنى ونحر نسكه، ثمَّ دعا بالحلّاق، وناول الحالق شقه الأيمن فحلقه، ثمَّ دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه، ثمَّ ناوله الشق الأيسر، فقال: "احلق"، فحلقه فأعطاه أبا طلحة، فقال: "اقسمه بين الناس". قلت: رواه الشيخان وأبو داود ثلاثتهم فيه وابن حبَّان من حديث أنس. (٢) وفي الحديث: استحباب البداءة بالرمي ثمَّ بالنحر ثمَّ بالحلق، وبهذا أخذ الشافعي فقال: يستحب في الحلق البداءة بالجانب الأيمن، وقال الإمام أبو حنيفة: يبدأ بالجانب الأيسر، واسم هذا الذي حلق لرسول الله ﷺ : معمر بن عبد الله العدوي، وفي صحيح البخاري قال: زعموا أنَّه معمر بن عبد الله. وقيل اسمه: خراش بكسر الخاء المعجمة وآخره شين معجمة، ابن أمية، واسم أبي طلحة: زيد بن سهل الأنصاري وهو الذي حفر قبره ﷺ ولحده. (٣) ١٩٣٣ - كنت أطيب رسول الله ﷺ قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت، بطيب فيه مسك.

стр. 965

قلت: رواه الجماعة فيه من حديث عائشة ولم يذكر البخاري ولا أبو داود المسك. (١) ١٩٣٤ - أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر، ثمَّ رجع فصلّى الظهر بمنى. قلت: رواه مسلم فيه من حديث ابن عمر يرفعه ولم يخرجه البخاري. (٢) من الحسان ١٩٣٥ - أن النبي ﷺ نهى أن تحلق امرأة رأسها. قلت: رواه الترمذي فيه من حديث علي ﵁، وقال: فيه اضطراب، قال: ورُوي هذا الحديث عن حماد بن سلمة عن قتادة. عن عائشة ترفعه، والعمل على هذا عند أهل العلم انتهى. (٣) ١٩٣٦ - قال رسول الله ﷺ : "ليس على النسائي الحلق إنما على النساء التقصير". قلت: رواه أبو داود فيه من حديث ابن عباس وسكت عليه فهو صالح للاحتجاج به. (٤)

стр. 966

فصل من الصحاح ١٩٣٧ - أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاءه رجل، فقال: لم أَشْعُر فحلفت قبل أن أذبح؟ فقال: "اذبح ولا حرج"، فجاءه آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال: "ارم ولا حرج"، فما سئل النبي ﷺ عن شيء قُدّم ولا أخّر، إلا قال: "افعل ولا حرج". قلت: رواه الجماعة في الحج من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. (١) واعلم أن الذي يُفعل يوم النحر أربعة: رمي جمرة العقبة، ثمَّ الذبح، ثمَّ الحلق، ثمَّ طواف الإفاضة، وترتيبها كذلك مستحب عند الشافعي، فلو قدّم وأخّر فلا شيء عليه، وقال الإمام أبو حنيفة ومالك أنَّه لو قدم الحلق على الرمي والطواف لزمه دم، وهو قول للشافعي ضعيف، بناه على قوله: أن الحلق ليس بنسك وهو ضعيف أيضًا. - وفي رواية: أتاه رجل فقال: حلقت قبل أن أرمي، قال: "ارم ولا حرج" وأتاه آخر فقال: أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، قال: "ارم ولا حرج". قلت: رواها الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. (٢) ١٩٣٨ - كان النبي ﷺ يُسأل يوم النحر بمنى فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: رميت بعد ما أمسيت؟ فقال: "لا حرج". قلت: رواه البخاري فيه من حديث ابن عباس. (٣)

стр. 967

من الحسان ١٩٣٩ - أتاه رجل فقال: يا رسول الله أني أفضت قبل أن أحلق؟ قال: "احلق أو قصّر ولا حرج"، وجاءه آخر، فقال: ذبحت قبل أن أرمي؟ قال: "ارم ولا حرج". قلت: رواه أحمد وأشار إليه الترمذي فيه من حديث علي ﵁. (١) باب خطبته يوم النحر ورمي أيام التشريق والتوديع من الصحاح ١٩٤٠ - خطبنا النبي ﷺ يوم النحر قال: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مُضَر الذي بين جمادى وشعبان، قال: أي شهر هذا؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى، قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: أليس البلدة؟ قلنا: بلى، قاله فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضُلّالًا، يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهدُ الغائبَ، فرب مبلغ أوعى من سامع".

стр. 968

قلت: رواه الشيخان: البخاري في مواضع منها: في التفسير وفي بدء الخلق وفي العلم وفي الحج وفي بعضها اخصار، ومسلم في الديات، والنسائيُّ في الحج من حديث أبي بكرة واسمه نفيع. (١) قوله ﷺ : الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، قال جمهور العلماء: معناه أنهم في الجاهلية كانوا يتمسكون بملة إبراهيم ﷺ في تحريم الأشهر الحرم، وكان يشق عليهم تحريم القتال ثلاثة أشهر متوالية، فكانوا إذا احتاجوا إلى قتال أخّروا المحرم إلى الشهر الذي بعده، وهو صفر، ثمَّ يؤخرونه في السنة الأخرى إلى شهر آخر وهكذا، يفعلون في سنة بعد سنة، حتى اختلط عليهم الأمر، فصادف حجة النبي ﷺ تحريمهم المطابق للشرع، وكانوا في تلك السنة قد حرموا ذا الحجة، لموافقة الحساب الذي ذكرناه، فأخبر ﷺ الاستدارات صادفت ما حكم الله به يوم خلق السموات والأرض. وقال أبو عبيد: كانوا ينسؤن أي يؤخرون وهو الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾، فربما احتاجوا إلى الحرب في المحرم، فيؤخرون تحريمه إلى صفر، ثمَّ يؤخرون صفر في سنة أخرى، فصادف في تلك السنة رجوع المحرم إلى موضعه، وأما ذو القعدة: فبفتح القاف، وذو الحجة: بكسر الحاء، على المشهور، ويجوز في لغة قليلة كسر القاف، وفتح الحاء. واختلفوا في الإذن المستحب في كيفية عد الأشهر الحرم، فقالت طائفة: تعد من سنة واحدة، فيقال: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة، وقال جماهير العلماء: هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، ثلاثة سرد، وواحد فرد، لهذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة.

стр. 969

قوله ﷺ : ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، إنما قيّد هذا التقييد مبالغة في إيضاحه، وقد كان بين مضر وبين بني ربيعة اختلاف في رجب، وكانت مضر تجعل رجبًا هذا الشهر المعروف، وهو الذي بين جمادى وشعبان، وكانت ربيعة تجعله رمضان، فلهذا أضافه النبي ﷺ إلى مضر، وقيل: لأنهم كانوا يعظمونه أكثر من غيرهم، قوله ﷺ : أليس البلدة، أي البلدة المحرمة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ وقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ ويقال: إن البلدة اسم خاص لمكة. قوله ﷺ : وأعراضكم، قال في النهاية (١): العرض موضع المدح والذم من الإنسان، سواء كان في نفسه أو في سَلَفه، أو من يلزمه أمره، وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحَسَبه، ويُحامِي عنه أن ينتقص، وقال ابن قتيبة: عِرض الرجل: نفسه وبدنه لا غير، واحتج بما روي عن النبي ﷺ في وصف أهل الجنة: لا يتغوطون ولا يبولون وإنما هو عرق تجري من أعراضهم مثل ريح المسك، يعني من أبدانهم، والأول أولى، ولو كان المراد من الأعراض النفوس، لكان ذكر الدماء كافيًا، لأنَّ المراد من الدماء النفوس. ١٩٤١ - قال: سألت ابن عمر متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى إمامُك فارمه، فأعدت عليه المسألة، فقال: كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا. قلت: رواه البخاري وأبو داود من حديث وبرة بن عبد الرحمن ولم يخرجه مسلم. (٢) قوله: كنا نتحين أي يتفعّل من الحين أي يطلب الحين وهو الزمان. ١٩٤٢ - سالم عن ابن عمر أنَّه كان يرمي جمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر على أثر كل حصاة، ثمَّ يتقدم حتى يُسهِل فيقوم مستقبل القبلة طويلًا، ويدعوا ويرفع يديه، ثمَّ

стр. 970

يرمي الوسطى بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثمَّ يأخذ بذات الشمال فيسهل ويقوم مستقبل القبلة، ثمَّ يدعو ويرفع يديه ويقوم طويلًا، ثمَّ يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات، يكبّر عند كل حصاة، ولا يقف عندها، ثمَّ ينصرف، فيقول: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعله. قلت: رواه البخاري والنسائيُّ كلاهما في الحج من حديث الزهري عن سالم عن ابن عمر. (١) قوله: الجمرة الدنيا، يعني التي تلي مسجد الخيف وهي تأنيث الأدنى، وإنما وصفت بالدنيا لأنها أقرب إلى الجبل، وإلى منازل النازلين عند مسجد الخيف وهناك مناخ النبي ﷺ . قوله: حتى يسهل، يقال أسهل يسهل إذا صار إلى السهل من الأرض وهو ضد الحزن أراد به صار إلى بطن الوادي. ١٩٤٣ - استأذن العباس بن عبد المطلب رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له. قلت: رواه الشيخان وأبو داود من حديث نافع عن ابن عمر. (٢) واتفق العلماء على أن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق مأمور به، واختلفوا هل هو واجب أم سنة؟ والأصح من مذهب الشافعي أنَّه واجب، وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة وآخرون: هو سنة، ومن أوجبه أوجب الدم بتركه، لكن يجوز لأهل السقاية أن يتركوا المبيت ويذهبوا إلى مكة ليسقوا الماء بالليل من زمزم، ويجعلوه في الحياض مسبلًا للشاربين، ولا يختص ذلك عند الشافعي بآل العباس ولا بسقايته، بل لو حدثت

стр. 971

سقاية أخرى كان حكمها كذلك، ورعاة الإبل كأهل السقاية، وعلى هذا القياس من له متاع يخشى عليه، أو مريض يريد تعهده جاز له ترك المبيت بها. ١٩٤٤ - إن رسول الله ﷺ جاء إلى السقاية فاستسقى، فقال العباس: يا فضل اذهب إلى أمك فات رسول الله بشراب من عندها، فقال: اسقني، فقال: يا رسول الله أنهم يجعلون أيديهم فيه، فقال: "اسقني"، فشرب منه، ثمَّ أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: "اعملوا فإنكم على عمل صالح"، ثمَّ قال: "لولا أن تُغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه وأشار إلى عانقه". قلت: رواه البخاري من حديث ابن عباس. (١) ١٩٤٥ - أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثمَّ رقد رقدة بالمحصّب، ثمَّ ركب إلى البيت فطاف به. قلت: رواه البخاري والنسائيُّ من حديث أنس. (٢) والمحصّب: بضم الميم وفتح الحاء والصاد المهملتين وتشديد الصاد، هو الشعب الذي مخرجه إلى الأبطح بين مكة ومنى، والتحصيب هو إذا نفر من منى إلى مكة للتوديع بعد الفراغ من الرمي أن يقيم بالشعب الذي يخرج منه إلى الأبطح حتى يرقد ساعة من الليل ثمَّ يدخل مكة، واستحب الشافعي ومالك النزول بالمحصب للحاج عملًا بهذا الحديث. قوله: بالمحصب تنازع فيه الفعلان وهما صلى ورقد. ١٩٤٦ - سئل أنس عن النبي ﷺ أين صلى الظهر والعصر يوم التروية؟ قال: بمنى، قبل: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح، ثمَّ قال: افعل كما يفعل أمراؤك.

стр. 972

قلت: رواه الجماعة إلا ابن ماجه من حديث عبد العزيز بن رفيع، قال: سألت أنس بن مالك، قلت: أخبرني بشيء عقلته عن رسول الله ﷺ أين صلى ... الحديث، وليس في مسلم: وكذا العصر يوم التروية. (١) ولما اتصل المحصب بالأبطح لم يفرق الراوي بينهما فذلك ذكر في الحديث الذي قبل هذا، أنَّه صلى العصر بالمحصب وفي هذا بالأبطح وكلاهما من حديث أنس. ١٩٤٧ - نزول الأبطح ليس بسنة، إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج. قلت: رواه مسلم بهذا اللفظ من حديث عائشة وأخرجه البخاري ولم يقل فيه: نزول الأبطح ليس بسنة، وكذلك بقية أصحاب السنن. (٢) تنبيه: قال المزي في الأطراف (٣): حديث نزول الأبطح ليس بسنة، رواه البخاري عن أبي نعيم عن سفيان عن هشام عن أبيه عن عائشة، وليس كما قال، إنما لفظه: إنما كان منزلًا نزله النبي ﷺ ليكون أسمح لخروجه يعني بالأبطح، ولهذا قال عبد الحق: تفرد مسلم بقول عائشة: نزول الأبطح ليس بسنة. ومعنى أسمح لخروجه: أي أسهل لأنه ﷺ كان ينزل بالأبطح فيترك به نعله ومتاعه، ثمَّ يدخل مكة ليكون خروجه منها أسهل.

стр. 973

١٩٤٨ - أحرمت من التنعيم بعمرة، فدخلت فقضيت عمرتي، وانتظرني رسول الله ﷺ بالأبطح حتى فرغت فأمر الناس بالرحيل، فخرج فمر بالبيت، فطاف به قبل صلاة الصبح، ثمَّ خرج إلى المدينة. قلت: لم أقف على هذا الحديث بجملته في شيء من الصحيحين إنما الذي في الصحيحين القطعة الأخيرة منه وهي قولها: فأمر الناس بالرحيل إلى آخره، وأول الحديث معناه في الصحيحين لا لفظه، ولفظه في أبي داود (١) هذا ما ظهر لي بعد الكشف. ١٩٤٩ - كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : "لا ينفرنّ أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت، إلا أنَّه خُفف عن الحائض". قلت: رواه مسلم في حديثين آخر الأوّل منهما: حتى يكون عهده بالبيت والحديث الثاني: عن ابن عباس قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنَّه خفف عن المرأة الحائض، وروى هذا الثاني البخاري أيضًا ورواه الشافعي في حديثين كمسلم، ورواهما المصنف في شرح السنة من طريق الشافعي ونبّه على أن الأوّل من إفراد مسلم. (٢) والطواف ثلاثة: طواف القدوم: وهو سنة لا شيء على من تركه، وطواف الإفاضة: وهو ركن لا يقوم شيء مقامه، وطواف الوداع: وهو واجب من تركه فعليه دم إلا الحائض والنفساء لا شيء عليهما.

стр. 974

١٩٥٠ - حاضت صفية ليلة النفر، فقالت: ما أراني إلا حابستكم، فقال النبي ﷺ : "عَقْرى حَلْقى، أطافت يوم النحر؟ " قيل: نعم. قال: "فانفِري". قلت: رواه الشيخان وأبو داود والنسائيُّ من حديث عائشة واللفظ للبخاري. (١) ومعنى الحديث: أن صفية أم المؤمنين حاضت قبل طواف الوداع، فلما أراد النبي ﷺ الرجوع إلى المدينة قالت: ما أراني إلا حابستكم، لانتظار طهري وطوافي للوداع، لأني لم أطف للوداع، وقد حضت، وظننت أن طواف الوداع لا يسقط عن الحائض، فقال النبي ﷺ : "أما كنت طفت طواف الإفاضة يوم النحر؟ قالت: بلى، قال: يكفيك ذلك" لأنه هو الركن لا يسقط بوجه. وأما عقرى حلقى: فهكذا رواه المحدثون بالألف التي هي ألف التأنيث ويكتبونه بالياء ولا ينوّنونه وهو فصيح صحيح، قال الأزهري (٢): قال أبو عبيد: معنى عقرى، عقرها الله، وحلقى: حلقها الله، قال يعني: عقر الله جسدها وأصابها يوجع في حلقها، وهذا على عادة العرب في الدعاء على الشيء من غير إرادة لوقوعه. من الحسان ١٩٥١ - سمعت رسول الله ﷺ يقول: "في حجة الوداع: أي يوم هذا؟ " قالوا: يوم الحج الأكبر، قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، ألا لا يجني جان إلا على نفسه، ألا لا يجني جان على ولده، ولا مولود على والده، ألا وإن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلدكم هذا أبدًا، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم فسيرضى به". (صحيح).

стр. 975

قلت: رواه الترمذي من حديث عمرو بن الأحوص وقال: حديث حسن صحيح. ويوم الحج: هو يوم العيد الأكبر يوم الأضحى كذا جاء في الصحيحين. (١) ١٩٥٢ - رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء، وعليّ يعبّر عنه، والناس بين قائم وقاعد. قلت: رواه أبو داود والنسائيُّ من حديث رافع بن عمرو، ولم يضعفه أبو داود. (٢) والشهبة: البياض الذي غلب على السواد، قاله المنذري، وقال ابن الأثير (٣): الشهبة: البياض، وفي حديث حليمة "خرجت في سنة شهباء، أي ذات قحط وجَدْب، والشهباء: الأرض التي لا خضرة فيها لقلة المطر، فسميت سنة الجدب بها، واسم هذه البغلة الدلدل أهداها له المقوقس وكان يركبها ﷺ في الأسفار قيل هي أول شهباء كانت في الإسلام وقيل أول بغلة رئيت في الإسلام وعاشت إلى زمن معاوية وكانت لها الشعير. (٤) قوله: وعليّ يعبر عنه، أي يبلغ عنه. ١٩٥٣ - أن رسول الله ﷺ أخّر طواف الزيارة يوم النحر إلى الليل. قلت: رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي الزبير عن عائشة وابن عباس، وقال الترمذي: حديث حسن. (٥)

стр. 976

١٩٥٤ - أن النبي ﷺ لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه. قلت: رواه الترمذي والنسائيُّ وابن ماجه من حديث ابن عباس ولم يضعفه أبو داود. (١) ١٩٥٥ - عن النبي ﷺ قال: "إذا رمى أحدكم جمرة العقبة، فقد حل له كل شيء إلا النساء". (ضعيف منقطع). قلت: رواه أبو داود من حديث عائشة وقال فيه أبو داود: هذا حديث ضعيف يرويه الحجاج عن الزهري، والحجاج لم ير الزهري، ولم يسمع منه انتهي كلامه، والحجاج هو ابن أرطأة، قد ذكر غير واحد من الحفاظ أنَّه لا يحتج بحديثه، وذكر ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان أن الحجاج لم يسمع من الزهري شيئًا. (٢) ١٩٥٦ - أفاض رسول الله ﷺ من أخر يومه حين صلى الظهر، ثمَّ رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشربق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة فلا يقف عندها. قلت: رواه أبو داود من حديث القاسم عن عائشة، وفي إسناده: محمَّد بن إسحاق بن يسار. (٣)

стр. 977

١٩٥٧ - رخص رسول الله ﷺ لرِعاء الإبل في البيتوتة: أن يرموا يوم النحر، ثمَّ يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر، فيرموه في أحدهما. قلت: رواه الأربعة (١) من حديث أبي البداح بن عاصم بن عديّ عن أبيه وقال الترمذي: حسن صحيح. وأبو البداح: بفتح الباء الموحدة وتشديد الدال المهملة وفتحها وبعد الألف حاء مهملة. ويوم النفر هذا هو: يوم النفر الآخر وهو الثالث من أيام التشريق. باب ما يجتنبه المحرم من الصحاح ١٩٥٨ - أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: "لا تلبسوا القُمُص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخِفاف، إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسه زعفران ولا ورس". قلت: رواه الشيخان وأبو داود والنسائيُّ بنحوه هنا من حديث ابن عمر ابن الخطاب. (٢)

стр. 978

والبرانس: قال في النهاية (١): كل ثوب رأسه منه، ملتزق به من دُرّاعة أو جبة أو غيرهما قال الجوهري (٢): هو قلنسوة طويلة، كان النساك يلبسونها في صدر الإِسلام وهو من البِرس، بكسر الباء القطن، والنون زائدة. والورس (٣): نبت أصفر يصبغ به، وهو بالواو والراء والسين المهملتين. - وفي رواية: ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين. قلت: رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائيُّ من حديث ابن عمر، ولم يخرجه مسلم. (٤) ١٩٥٩ - سمعت رسول الله ﷺ يخطب وهو يقول: "إذا لم يجد المحرم نعلين لبس خفين، وإذا لم يجد إزارًا لبس سراويل". قلت: رواه الجماعة من حديث ابن عباس. (٥) ١٩٦٠ - كنا عند النبي ﷺ بالجعرانة إذ جاءه رجل أعرابي عليه جبة، وهو متضمخ بالخلوق، فقال: يا رسول الله إني أحرمت بالعمرة، وهذه عليّ، فقال: أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثمَّ اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك". قلت: رواه الجماعة إلا ابن ماجه من حديث يعلى بن أمية، وألفاظهم متقاربة. (٦)

стр. 979

والجعرانة (١): فيها لغتان مشهورتان، إسكان العين وتخفيف الراء وكسر العين وتشديد الراء، والأولى أفصح، وقد تقدم، وهي قريبة من مكة وهي في الحل، وميقات لإحرام العمرة، وفي الحديث دليل على أن المحرم إذا لبس أو تطيب جاهلًا لا شيء عليه، وبه قال الشافعي، والناسي كالجاهل. قوله ﷺ : ثمَّ اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك يريد به اجتناب النساء والطيب واللباس دون أعمال النسك. ١٩٦١ - قال رسول الله ﷺ : "لا ينكح المحرم، ولا يُنْكح، ولا يخطب". قلت: رواه الجماعة إلا البخاري من حديث عثمان بن عفان هنا إلا مسلمًا وابن ماجه فإنهما ذكراه في النكاح ولم يقل الترمذي: "ولا يخطب". (٢) ١٩٦٢ - وروي عن ابن عباس أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم. قلت: رواه الجماعة: من حديث ابن عباس الشيخان، وابن ماجه في النكاح والباقون هنا. (٣) ١٩٦٣ - أن رسول الله ﷺ : تزوجها وهو حلال. قلت: رواه الجماعة إلا البخاري من حديث يزيد بن الأصم عن ميمونة. (٤)

стр. 980

قال الشيخ الإمام الأجل ﵁ وعن والديه: والأكثرون على أنَّه تزوجها حلالًا. قلت: روى أبو داود عن سعيد بن المسيّب أنَّه قال: وهم ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرم، قال ابن عبد البر (١): والرواية أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال، عن ميمونة وعن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ وعن سليمان بن يسار مولاها، وعن يزيد بن الأصم وهو ابن أختها وهو قول سعيد بن المسيّب وسليمان بن يسار وأبي بكر بن عبد الرحمن وابن شهاب، وجمهور علماء المدينة أن رسول الله ﷺ لم ينكح ميمونة إلا وهو حلال، قبل أن يحرم، وما أعلم أحدًا من الصحابة روى أن رسول الله ﷺ نكح ميمونة وهو محرم إلا عبد الله بن عباس، ورواية من ذكرنا معارضة لروايته، والقلب إلى رواية الجماعة أميل، لأنَّ الواحد أقرب إلى الغلط، وأقرب أحوال حديث ابن عباس أن يجعل معارضًا مع رواية من ذكرنا، فإذا كان كذلك سقط الاحتجاج بجميعها، ووجب طلب الدليل على هذه المسألة من غيرها، فوجدنا عثمان بن عفان ﵁ روى عن النبي ﷺ أنَّه نهى عن نكاح المحرم، فوجب المصير إلى هذه الرواية التي لا معارض لها، والله أعلم. (٢) ١٩٦٤ - أن النبي ﷺ كان يغسل رأسه وهو محرم. قلت: رواه الجماعة إلا الترمذي من حديث أبي أيوب في قصة تنازع ابن عباس والمسور في غسل المحرم رأسه. (٣)

стр. 981

١٩٦٥ - احتجم النبي ﷺ وهو محرم. قلت: رواه الجماعة إلا ابن ماجه من حديث ابن عباس. (١) ١٩٦٦ - حدّث عن رسول الله ﷺ في الرجل إذا اشتكى عينيه، وهو محرم ضَمَّدهما بالصَّبر. قلت: رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه (٢) من حديث عثمان. وضمدها بالصبر: هو بتخفيف الميم وتشديدها يقال ضمد وضمد بالتخفيف والتشديد ومعناه اللطخ أي جعل الصبر عليهما، وأصل الضَّمْد بالإسكان: الشد بالعصابة، ثمَّ قيل لوضع الدواء على الجرح وغيره وإن لم يُشد. وأما الصبر: فبكسر الباء ويجوز إسكانها، واتفق العلماء على أن للمحرم أن يكتحل بكحل لا طيب فيه إذا احتاج إليه، ولا فدية عليه، وأما الاكتحال للزينة فمكروه عند الشافعي. ١٩٦٧ - رأيت أسامة وبلالًا، وأحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله ﷺ ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة. قلت: رواه مسلم وأبو داود والنسائيُّ مختصرًا من حديث أم الحصين. (٣) وفيه دليل على أنَّه لا بأس للمحرم أن يستظل، وهو قول عامة أهل العلم وكره مالك وأحمد للمحرم أن يستظل.

стр. 982

١٩٦٨ - أن النبي ﷺ مَرّ به وهو بالحديبية، قبل أن يدخل مكة وهو محرم، وهو يوقد تحت قدر والقمل يتهافت على وجهه، فقال: "أيؤذيك هوامك؟ قال: نعم. قال: فاحلق رأسك، وأطعم فَرَقا بين ستة مساكين -والفَرْق ثلاثة أصْوعُ- أوصم ثلاثة أيام، أو أنسك نسيكة". قلت: رواه الجماعة إلا ابن ماجه من حديث كعب بن عجرة. (١) والحديبية: قرية قريبة من مكة سميت ببئر هناك، وهي مخففة وكثير من المحدثين يشدّدونها وقد تقدم. قوله: والقمل يتهافت على وجهه: أي يتساقط، من الهفت وهو السقوط قطعة قطعة وأكثر ما يستعمل في الشر. والفرق: بفتح الراء وإسكانها، لغتان وهو مكيال يسع ستة عشر رطلًا، وهو اثنا عشر مدًّا. والنسيكة: شاة وشرطها أن يجزي في الأضحية، ويقال للشاة وغيرها مما يجزي في الأضحية نسيكة، ويقال: نسك ينسك وينسك بضم السين وكسرها في المضارع والضم أشهر. من الحسان ١٩٦٩ - أنَّه سمع رسول الله ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثباب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب: معصفر، أو خز، أو حلي، أو حلل، أو سراويل، أو قميص، أو خف.

стр. 983

قلت: رواه أبو داود من حديث ابن عمر بن الخطّاب، وفي إسناده محمَّد ابن إسحاق. (١) والقفاز: بضم القاف وتشديد الفاء وبالزاي بعد الألف، وهو شيء تلبسه نساء العرب في أيديهن، يغطي الأصابع والكف والساعد من البرد، ويكون فيه قطن محشو، وقيل: هو ضرب من الحلي، تتخذه المرأة ليديها. والنقاب: بكسر النون نقاب المرأة. ١٩٧٠ - كان الركبان يقرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه. قلت: رواه أبو داود وابن ماجه من حديث مجاهد عن عائشة، وذكر شعبة ويحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين أن مجاهدًا لم يسمع من عائشة، وقال أبو حاتم الرازي: مجاهد عن عائشة مرسل، وأخرج الشيخان من حديث مجاهد عن عائشة أحاديث، ومنها ما هو ظاهر في سماعه منها، وفي إسناد هذا الحديث أيضًا يزيد بن أبي زياد، تكلم فيه غير واحد وأخرج له مسلم في جماعة غير محتج به. (٢) ١٩٧١ - أنَّ النبي ﷺ كان يدَّهِن بالزيت وهو محرم غير المقتَّتِ، يعني غير المطيَّب. قلت: رواه أحمد والترمذي وابن ماجه (٣) من حديث ابن عمر وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث فرقد السَّبخي عن سعيد بن جبير.

стр. 984

وقد تكلم يحيى بن سعيد في فرقد، وقال الذهبي: ضعّفوه. والمقتت المطيب: وهو الذي يطبخ فيه الرياحين حتى يطيب ريحه، وهو بضم الميم وفتح القاف وبعدها ياء مشددة مثناه من فوق ثمَّ ياء ثانية. باب المحرم يجتنب الصيد من الصحاح ١٩٧٢ - أنَّه أهدى لرسول الله ﷺ حمارًا وحشيًّا وهو بالأبواء أو بودّان فرد عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرُم". قلت: رواه الشيخان وأحمد من حديث الصعب بن جثامة. (١) والصعب: بالصاد المهملة المفتوحة وبالعين المهملة الساكنة والباء الموحدة، وأما جثامة فبجيم مفتوحة ثمَّ ثاء مثلثة مشددة. قوله: وهو بالأبواء أو بودان، أما الأبواء (٢): فبفتح الهمزة وإسكان الموحدة وبالمد،

стр. 985

وودان (١): بفتح الواو وتشديد الدال المهملة، وهما مكانان بين مكة والمدينة، قوله ﷺ : إنا لم نردّه عليك إلا أنا حُرم، وحرم: بضم الحاء والراء، أي محرمون، قال القاضي عياض (٢): رواية المحدثين في هذا الحديث: "لم نرده" بفتح الدال، قال: وأنكره محققو شيوخنا من أهل العربية وقالوا: هذا غلط من الرواة، وصوابه: ضم الدال، قال: ووجدته بخط بعض الأشياخ بضم الدال، وهو الصواب عندهم على مذهب سيبويه في مثل هذا من المضاعف إذا دخلت عليه الهاء، أن يضم ما قبلها في الأمر ونحوه من المجزوم، مراعاة للواو التي توجبها ضمة الهاء بعدها، لخفاء الهاء، فكان ما قبلها ولي الواو، ولا يكون ما قبل الواو إلا مضمومًا، هذا في المذكر، وأما المؤنث مثل "ردها" فمفتوح الدال ونظائرها مراعاة للألف انتهى كلامه. فأما ردها ونظائرها: ففتحة الدال لازمة بالاتفاق، وأما رده ونحوه للمذكر ففيه ثلاثة أوجه: أصحها وجوب الضم كما ذكره، والثاني: الكسر، وهو ضعيف، والثالث: الفتح، وهو أضعف منه، وممن ذكره ثعلب في الفصيح لكن غلطوه، لكونه أوهم فصاحته. (٣) ١٩٧٣ - خرج مع رسول الله ﷺ فتخلف مع بعض أصحابه وهم محرمون، وهو غير محرم، فرأوا حمارًا وحشيًّا قبل أن يراه، فلما رأوه تركوه حتى رآه أبو قتادة، فركب فرسًا له، فسألهم أن يناولوه سوطه فأبوا، فتناوله فحمل عليه فعقره، ثمَّ أكل فأكلوا،
следующие страницы →