← Книги сунны

Книги сунны · id 17063

كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح

الصدر المناوي

Полный текст (2 643 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

١٩٦٥ - احتجم النبي ﷺ وهو محرم. قلت: رواه الجماعة إلا ابن ماجه من حديث ابن عباس. (١) ١٩٦٦ - حدّث عن رسول الله ﷺ في الرجل إذا اشتكى عينيه، وهو محرم ضَمَّدهما بالصَّبر. قلت: رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه (٢) من حديث عثمان. وضمدها بالصبر: هو بتخفيف الميم وتشديدها يقال ضمد وضمد بالتخفيف والتشديد ومعناه اللطخ أي جعل الصبر عليهما، وأصل الضَّمْد بالإسكان: الشد بالعصابة، ثمَّ قيل لوضع الدواء على الجرح وغيره وإن لم يُشد. وأما الصبر: فبكسر الباء ويجوز إسكانها، واتفق العلماء على أن للمحرم أن يكتحل بكحل لا طيب فيه إذا احتاج إليه، ولا فدية عليه، وأما الاكتحال للزينة فمكروه عند الشافعي. ١٩٦٧ - رأيت أسامة وبلالًا، وأحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله ﷺ ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة. قلت: رواه مسلم وأبو داود والنسائيُّ مختصرًا من حديث أم الحصين. (٣) وفيه دليل على أنَّه لا بأس للمحرم أن يستظل، وهو قول عامة أهل العلم وكره مالك وأحمد للمحرم أن يستظل.

стр. 982

١٩٦٨ - أن النبي ﷺ مَرّ به وهو بالحديبية، قبل أن يدخل مكة وهو محرم، وهو يوقد تحت قدر والقمل يتهافت على وجهه، فقال: "أيؤذيك هوامك؟ قال: نعم. قال: فاحلق رأسك، وأطعم فَرَقا بين ستة مساكين -والفَرْق ثلاثة أصْوعُ- أوصم ثلاثة أيام، أو أنسك نسيكة". قلت: رواه الجماعة إلا ابن ماجه من حديث كعب بن عجرة. (١) والحديبية: قرية قريبة من مكة سميت ببئر هناك، وهي مخففة وكثير من المحدثين يشدّدونها وقد تقدم. قوله: والقمل يتهافت على وجهه: أي يتساقط، من الهفت وهو السقوط قطعة قطعة وأكثر ما يستعمل في الشر. والفرق: بفتح الراء وإسكانها، لغتان وهو مكيال يسع ستة عشر رطلًا، وهو اثنا عشر مدًّا. والنسيكة: شاة وشرطها أن يجزي في الأضحية، ويقال للشاة وغيرها مما يجزي في الأضحية نسيكة، ويقال: نسك ينسك وينسك بضم السين وكسرها في المضارع والضم أشهر. من الحسان ١٩٦٩ - أنَّه سمع رسول الله ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثباب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب: معصفر، أو خز، أو حلي، أو حلل، أو سراويل، أو قميص، أو خف.

стр. 983

قلت: رواه أبو داود من حديث ابن عمر بن الخطّاب، وفي إسناده محمَّد ابن إسحاق. (١) والقفاز: بضم القاف وتشديد الفاء وبالزاي بعد الألف، وهو شيء تلبسه نساء العرب في أيديهن، يغطي الأصابع والكف والساعد من البرد، ويكون فيه قطن محشو، وقيل: هو ضرب من الحلي، تتخذه المرأة ليديها. والنقاب: بكسر النون نقاب المرأة. ١٩٧٠ - كان الركبان يقرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه. قلت: رواه أبو داود وابن ماجه من حديث مجاهد عن عائشة، وذكر شعبة ويحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين أن مجاهدًا لم يسمع من عائشة، وقال أبو حاتم الرازي: مجاهد عن عائشة مرسل، وأخرج الشيخان من حديث مجاهد عن عائشة أحاديث، ومنها ما هو ظاهر في سماعه منها، وفي إسناد هذا الحديث أيضًا يزيد بن أبي زياد، تكلم فيه غير واحد وأخرج له مسلم في جماعة غير محتج به. (٢) ١٩٧١ - أنَّ النبي ﷺ كان يدَّهِن بالزيت وهو محرم غير المقتَّتِ، يعني غير المطيَّب. قلت: رواه أحمد والترمذي وابن ماجه (٣) من حديث ابن عمر وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث فرقد السَّبخي عن سعيد بن جبير.

стр. 984

وقد تكلم يحيى بن سعيد في فرقد، وقال الذهبي: ضعّفوه. والمقتت المطيب: وهو الذي يطبخ فيه الرياحين حتى يطيب ريحه، وهو بضم الميم وفتح القاف وبعدها ياء مشددة مثناه من فوق ثمَّ ياء ثانية. باب المحرم يجتنب الصيد من الصحاح ١٩٧٢ - أنَّه أهدى لرسول الله ﷺ حمارًا وحشيًّا وهو بالأبواء أو بودّان فرد عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرُم". قلت: رواه الشيخان وأحمد من حديث الصعب بن جثامة. (١) والصعب: بالصاد المهملة المفتوحة وبالعين المهملة الساكنة والباء الموحدة، وأما جثامة فبجيم مفتوحة ثمَّ ثاء مثلثة مشددة. قوله: وهو بالأبواء أو بودان، أما الأبواء (٢): فبفتح الهمزة وإسكان الموحدة وبالمد،

стр. 985

وودان (١): بفتح الواو وتشديد الدال المهملة، وهما مكانان بين مكة والمدينة، قوله ﷺ : إنا لم نردّه عليك إلا أنا حُرم، وحرم: بضم الحاء والراء، أي محرمون، قال القاضي عياض (٢): رواية المحدثين في هذا الحديث: "لم نرده" بفتح الدال، قال: وأنكره محققو شيوخنا من أهل العربية وقالوا: هذا غلط من الرواة، وصوابه: ضم الدال، قال: ووجدته بخط بعض الأشياخ بضم الدال، وهو الصواب عندهم على مذهب سيبويه في مثل هذا من المضاعف إذا دخلت عليه الهاء، أن يضم ما قبلها في الأمر ونحوه من المجزوم، مراعاة للواو التي توجبها ضمة الهاء بعدها، لخفاء الهاء، فكان ما قبلها ولي الواو، ولا يكون ما قبل الواو إلا مضمومًا، هذا في المذكر، وأما المؤنث مثل "ردها" فمفتوح الدال ونظائرها مراعاة للألف انتهى كلامه. فأما ردها ونظائرها: ففتحة الدال لازمة بالاتفاق، وأما رده ونحوه للمذكر ففيه ثلاثة أوجه: أصحها وجوب الضم كما ذكره، والثاني: الكسر، وهو ضعيف، والثالث: الفتح، وهو أضعف منه، وممن ذكره ثعلب في الفصيح لكن غلطوه، لكونه أوهم فصاحته. (٣) ١٩٧٣ - خرج مع رسول الله ﷺ فتخلف مع بعض أصحابه وهم محرمون، وهو غير محرم، فرأوا حمارًا وحشيًّا قبل أن يراه، فلما رأوه تركوه حتى رآه أبو قتادة، فركب فرسًا له، فسألهم أن يناولوه سوطه فأبوا، فتناوله فحمل عليه فعقره، ثمَّ أكل فأكلوا،

стр. 986

فندموا، فلما أدركوا رسول الله ﷺ وسألوه قال: "هل معكم منه شيء؟ " قالوا: معنا رجله، فأخذها النبي ﷺ فأكلها. قلت: رواه الجماعة إلا ابن ماجه (١) من حديث أبي قتادة. - وفي رواية: فلما أتو رسول الله ﷺ قال: هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال: "فكلوا ما بقي من لحمها". قلت: رواه الشيخان. (٢) ١٩٧٤ - عن النبي ﷺ قال: "خمس لا جناح على من قتلهن في الحرم والإحرام: الفأرة والغراب والحدأة والعقرب والكلب العقور". قلت: أخرجه مسلم وأبو داود والنسائيُّ من حديث ابن عمر (٣) يرفعه إلى النبي ﷺ ولم يخرج البخاري سماع ابن عمر لهذا من النبي ﷺ ، ولكن أخرجه بمثل معناه هو ومسلم والنسائي من حديث ابن عمر عن حفصة عن النبي ﷺ . والفأرة: مهموزة، ويجوز ترك الهمز، والغراب: معروف، وجمعه: غربان، والحدأة: بكسر الحاء وفتح الدال وبعدها همزة على وزن عنبة والجماعة حدأ بكسر الحاء مهموز، ومقصور، كعنب، والعقربة والعقرب والعقربات: كله للأنثى، والذكر عقربان بضم العين والراء، واختلف العلماء في المراد بالكلب العقور، فقيل هو الكلب المعروف وقيل: كل ما يفترس، لأنَّ كل مفترس من السباع يسمى كلبًا عقورًا في اللغة.

стр. 987

١٩٧٥ - عن النبي ﷺ قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحُدَيّا". قلت: رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائيُّ من حديث عائشة. (١) والحية: للذكر والأنثى كالدجاجة والبطة. والغراب الأبقع: هو الذي في بطنه وظهره بياض، والحديا: بضم الحاء وفتح الدال وتشديد الياء مقصور على وزن الثريا. من الحسان ١٩٧٦ - أن رسول الله ﷺ قال: "لحم الصيد لكم في الإحرام حلال، ما لم تصيدوه أو يصاد لكم". قلت: رواه أبو داود والنسائي والترمذي من حديث المطلب بن عبد الله ابن حنطب عن جابر، قال الترمذي: والمطلب لا نعرف له سماعًا من جابر، وقال في موضع آخر: المطلب يقال أنه لم يسمع من جابر، وذكر أبو حاتم الرازي أنه لم يسمع من جابر وقال ابنه عبد الرحمن يشبه أن يكون أدركه. (٢) ١٩٧٧ - عن النبي ﷺ : "الجراد من صيد البحر". قلت: رواه أبو داود من حديث أبي هريرة وروى الترمذي (٣) وأبو داود أيضًا نحوه من حديث أبي المهزم عن أبي هريرة أيضًا، قال أبو داود: وأبو المهزم، ضعيف،

стр. 988

والحديثان جميعًا وَهْم، هذا آخر كلامه، وأبو المهزم اسمه يزيد بن سفيان بصري، متروك، وهو بضم الميم وفتح الهاء وكسر الزاي وتشديدها وبعدها ميم، والضعف في الحديث الأول من قبل ميمون بن جابان فإنه ضعيف، وجابان بفتح الجيم وبعد الألف باء بواحدة مفتوحة وبعدها ألف ونون، قال أبو بكر المعافري: ليس في هذا الباب حديث صحيح. قال بعضهم: إنما عده ﷺ من صيد البحر لأنه يتولد من الحيتان كالديدان. ١٩٧٨ - عن النبي ﷺ قال: "يقتل المحرم السَّبُع العادي". قلت: رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه كلهم (١) مطولًا بذكر الحية والعقرب والكلب العقور والفويسقة وهي الفأرة، من حديث أبي سعيد الخدري، ولم يذكر الترمذي: الحية، وقال: حديث حسن انتهى. وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، روى له الأربعة وخرج له مسلم مقرونًا بغيره قال الذهبي: صدوق رديء الحفظ ليّن ولم يترك، وقد تقدم ذكر يزيد. ١٩٧٩ - عبد الرحمن بن أبي عمّار قال: سألت جابر بن عبد الله عن الضَّبُع أصَيْد هي؟ فقال: نعم، فقلت: أتؤكل، قال: نعم، فقلت: سمعتَه من رسول الله ﷺ ؟، قال: نعم. (صح) قلت: رواه الشافعي والترمذي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن ابن أبي عمار أنَّه سأل جابر بن عبد الله، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٢)

стр. 989

١٩٨٠ - قال: سألت رسول الله ﷺ عن الضبع؟ فقال: "هو صيد، ويَجْعل فيه كَبْشًا إذا أصابه المحرم". قلت: رواه الأربعة: أبو داود في الأطعمة والترمذي في الحج وفي الأطعمة والنسائيُّ وابن ماجه كلاهما في الحج، كلهم من حديث جابر بن عبد الله يرفعه، وقال الترمذي: حسن صحيح. (١) ١٩٨١ - رُوي عن خزيمة بن جُزئي قال: سألت رسول الله ﷺ عن أكل الضبع؟ فقال: "أو يأكل الضَّبُعَ أحدٌ؟ " وسألته عن أكل الذئب؟ قال: "أو يأكل الذئبَ أحدٌ فيه خير؟ ". (ليس إسناده بالقوي). قلت: رواه الترمذي في الأطعمة وابن ماجه (٢) في الصيد مقطعًا كلاهما من حديث خزيمة بن جُزئي وقال الترمذي: ليس إسناده بالقوي، لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن مسلم عن عبد الكريم بن أبي المخارق، وقد تكلم بعض أهل الحديث في إسماعيل، وعبد الكريم وهو ابن قيس انتهى وإسماعيل ابن مسلم ضعفه ابن المبارك. قلت: وعبد الكريم بن أبي المخارق تابعي، ضعفه أحمد وغيره.

стр. 990

باب الإحصار وفوت الحج من الصحاح ١٩٨٢ - قد أحصر رسول الله ﷺ فحلق وجامع نساءه ونحر هديه، حتى اعتمر عاما قابلًا. قلت: رواه البخاري هنا من حديث عكرمة عن ابن عباس ولم يخرجه مسلم. (١) والإحصار: المنع والحبس عن الوجه الذي يقصده، يقال: أحصره المرض والسلطان إذا منعه من مقصده فهو مُحصر، وحصره إذا حبسه فهو محصور. ١٩٨٣ - خرجنا مع رسول الله ﷺ فحال كفار قريش دون البيت، فنحر النبي ﷺ هداياه، وحلق، وقصّر أصحابه. قلت: رواه البخاري في الحديبية من حديث ابن عمر ولم يخرجه مسلم ولا أصحاب السنن. (٢) ١٩٨٤ - إِن رسول الله ﷺ نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك. قلت: رواه البخاري هنا في باب النحر قبل الحلق في الحصر من حديث المسور، ولم يخرج مسلم عن المسور في هذا شيئًا. (٣) ١٩٨٥ - أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ إنْ حُبِس أحدكم عن الحج، طاف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلّ من كل شيء، حتى يحج عامًا قابلًا، فيهدي، أو يصوم إن لم يجد هديًا.

стр. 991

قلت: رواه البخاري والترمذي والنسائيُّ ثلاثتهم هنا من حديث ابن عمر ابن الخطاب ولم يخرجه مسلم. (١) ١٩٨٦ - دخل رسول الله ﷺ على ضُباعة بنت الزبير فقال لها: "لعلك أردت الحج؟ " قالت: والله ما أجدني إلا وجعة، فقال لها: "حُجي واشترطي وقولي: اللهم مَحِلّي حيث حبستني". قلت: رواه البخاري في النكاح ومسلم هنا من حديث عائشة وفيه أنها كانت تحت المقداد. (٢) ورواه الجماعة كلهم إلا البخاري من حديث ابن عباس بمثل معناه. (٣) وضُباعة: بضم الضاد المعجمة وبعدها باء موحدة وبعد الألف عين مهملة وتاء تأنيث، لها صحبة وهي بنت الزبير بن عبد المطلب فهي بنت عمه ﷺ . ومحلي: بكسر الحاء. واختلف العلماء في هذا الاشتراط فمنهم من جوّزه، وبه قال جماعات من الصحابة والتابعين، ومنهم من منعه ولم يره نافعًا، وقال: هذه قضية عين خصت بها هذه المرأة، وتكلم بعضهم في إسناده، وما قاله ليس بمسلّم، فقد اتفق الشيخان على إخراجه من حديث عروة بن الزبير عن عائشة كما بيناه، وأخرجه مسلم من حديث ابن عباس كما تقدم، وقد ثبت عن ابن عمر أنَّه كان ينكر الاشتراط في الحج (٤).

стр. 992

قال البيهقي (١): ولو بلغه حديث رسول الله ﷺ في ضباعة لم ينكره كما لم ينكره أبوه فيما روينا عنه، والله أعلم. من الحسان ١٩٨٧ - أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن يُبدلوا الهَدْي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء. قلت: رواه أبو داود (٢) من حديث ابن عباس وفيه قصة، وفي إسناده محمَّد بن إسحاق، وقال البيهقي (٣): ولعله إن صح الحديث استحب الإبدال، وإن لم يكن واجبًا، كما استحب الإتيان بالعمرة، وإن لم يكن قضاء ما أحصر عنه واجبًا، والله أعلم. ١٩٨٨ - قال رسول الله ﷺ : "من كُسِر أو عَرِجَ أو مَرِض فقد حلّ، وعليه الحج من قابل". (ضعيف). قلت: رواه الأربعة من حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري، وقال الترمذي: حسن، ولم يضعفه أبو داود. (٤)

стр. 993

وقال المصنف في شرح السنة (١): وقد ضعف هذا الحديث بما ثبت عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو، وتأوله بعضهم على أنه إنما يحل بالعرج والكسر، إذا كان قد شرط ذلك في عقد إحرامه، على معنى حديث ضباعة المتقدم انتهى كلامه. وقوله: أو عرج، هو بفتح الراء، يقال: عرج بالفتح إذا أصابه شيء في رجله فخمع، ومشى مشية العرجان وليس بخلْقة، فإذا كان ذلك خلْقة، قيل عُرِج بالكسر. (٢) ١٩٨٩ - سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحج عرفة، من أدرك عرفة ليلة جمع قبل طلوع الفجر، فقد أدرك الحج، أيامُ مني ثلاثة، ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ". قلت: رواه الأربعة من حديث عبد الرحمن بن يعمر الدَّيْلي (٣) وفي الحديث قصة ولم يضعفه أبو داود. والديلي بكسر الدال وسكون الياء. آخر الحروف، ويعمر: بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة وفتح الميم وبعدها راء مهملة، وذكر ابن عبد البر: أنَّه لم يرو عنه غير هذا الحديث، وليس كذلك بل قد أخرج له الترمذي والنسائيُّ وابن ماجه حديثًا آخر في النهي عن الدباء والمزفّت، نبه على ذلك أبو القاسم البغوي. (٤)

стр. 994

ومعنى الحج عرفة: معظم الحج الوقوف بعرفة. باب حرم مكة حرسها الله من الصحاح ١٩٨٩ - قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "لا هجرة، ولكن جهاد ونية، فإذا استنفرتم فانفروا، وقال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها، ولا يختلى خلاه"، فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر، فإنَّه لَقِيْنِهِمْ ولبيوتهم؟ فقال: "إلا الإذخر". قلت: رواه الجماعة إلا ابن ماجه من حديث مجاهد عن طاوس عن ابن عباس يرفعه، الشيخان وأبو داود هنا وفي الجهاد والترمذي والنسائيُّ في السير. (١) ومعنى لا هجرة: أي أن الهجرة من مكة إلى المدينة، بعد أن فتحت مكة، انقطع وجوبها لأنها صارت دار إسلام، ومعنى ولكن جهاد ونية: ولكن لكم طريق إلى تحصيل الفضائل التي في معنى الهجرة، وذلك بالجهاد ونية الخير في كل شيء. والاستنفار: الاستنجاد، والاستنصار: أي إذا طلب منكم النصر فأجيبوا، وانفروا خارجين إلى الإعانة، وهذا حث على الجهاد وأمر بإجابة الداعي إليه.

стр. 995

قوله ﷺ : أن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض: وقد جاء في صحيح مسلم (١) أيضًا: أن إبراهيم حرم مكة. وقد اختلف العلماء في وقت تحريم مكة: فقيل بظاهر الحديث الأوّل، وتأويل الثاني: بأن إبراهيم ﵇ أظهره بعد اندراسه، وقيل بظاهر الحديث الثاني وتأول الأوّل: بأن الله كتب في اللوح المحفوظ أو في غيره يوم خلق السموات والأرض إن إبراهيم سيحرم مكة. وأما تحريم القتال في الحرم: فأوله الشافعي على القتال بما يعم كالمنجنيق وغيره، إذا أمكن إصلاح الحال بدون ذلك، بخلاف ما إذا تحصن الكفار في بلد آخر، فإنَّه يجوز قتالهم على كل وجه بكل شيء. (٢) والعضد: القطع. واللّقطة: بفتح القاف، ما يلتقط، والخلا: بفتح الخاء المعجمة مقصور، هو الرطب من الكلأ، قال أهل اللغة: الخلا والعشب: اسم للرطب منه، والحشيش والهشيم: اسم لليابس منه، والكلأ: مهموز يقع على الرطب واليابس. وعدوا من لحن العوام إطلاق اسم الحشيش على الرطب، ومعنى يختلى خلاه: يؤخذ ويقطع، والإذخر: نبت معروف طيب الرائحة، وهو بكسر الهمزة والخاء المعجمة. قوله: لقينهم وبيوتهم: هو بفتح القاف وهو الحداد والصائغ، ومعناه: يحتاج إليه القين لوقود النار، ويحتاج إليه في سقف البيوت، ويجعل فوق الخشب.

стр. 996

قوله: إلا الإذخر، محمول على أنَّه ﷺ أوحى إليه في الحال باستثناء الإذخر وتخصيصه من العموم، أو أوحى إليه قبل ذلك: أنَّه إن طلب أحد استثناء شيء فاستثنه، أو أنَّه اجتهد في الجميع ﷺ ، والأظهر عند أصحاب الشافعي: جواز قطع حشيش الحرم وهو اليابس من النبات للدواب، وكذا الشجر اليابس، ويكره نقل تراب الحرم وإخراج الحجارة عنه ليعلق حرمة الحرم بها، ولا يكره نقل ماء زمزم. - وفي رواية: "لا يعضد شجرها، ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد". قلت: رواه الشيخان من حديث أبي هريرة. (١) ١٩٩٠ - سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يحل لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح". قلت: رواه مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر ولم يخرجه البخاري (٢) وأخرج قول ابن عمر لم يكن السلاح يدخل الحرم. وهذا النهي محمول على ما إذا لم يكن حاجة فإن كانت حاجة جاز. ١٩٩١ - أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: "اقتله". قلت: رواه الجماعة: البخاري هنا وفي اللباس وفي المغازي، وهو أيضًا وأبو داود والترمذي وابن ماجه في الجهاد ومسلم والنسائيُّ هنا من حديث الزهري عن أنس (٣) ولفظ "اقتله" للبخاري في المغازي، والمشهور "اقتلوه" بالجمع. والمغفر: بكسر الميم وإسكان الغين المعجمة وفتح الفاء، زَرَد ينتج على قدر

стр. 997

الرأس. (١) وابن خطل: بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة ثمَّ باللام، قيل ارتد عن الإسلام، وفيه دليل على أن الحرم لا يعصم من إقامة عقوبة وجبت على إنسان، ولا يوجب تأخيرها، وذلك أن ابن خطل كان بعثه النبي ﷺ في وجه رجل من الأنصار، وأمر عليه الأنصاري، فلما كان ببعض الطريق وثب على الأنصاري فقتله وذهب بماله، فأمر النبي ﷺ بقتله لخيانته. (٢) ١٩٩٢ - أن رسول الله ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء، بغير إحرام. قلت: رواه مسلم هنا والترمذي في الجهاد والنسائيُّ في الزينة من حديث أبي الزبير عن جابر ولم يخرجه البخاري. (٣) ١٩٩٣ - قال رسول الله ﷺ : "يغزو جيشٌ الكعبةَ، فإذا كانوا ببيداء من الأرض، يخسف بأولهم وآخرهم"، قلت: يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم، وفيهم أسواقهم، ومن ليس منهم؟، قال: "يُخسَف بأولهم وآخرهم، ثمَّ يبعثون على نيَّاتهم". قلت: رواه البخاري في البيع بهذا اللفظ، ومسلم في الفتن بمعناه (٤)، من حديث عائشة ﵂. ١٩٩٤ - قال رسول الله ﷺ : "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة". قلت: رواه البخاري هنا ومسلم في الفتن من حديث أبي هريرة. (٥)

стр. 998

ذو السويقتين: تصغير الساق، صغّرهما لدقتهما وصِغرهما، وهي مؤنثة فلذلك صغرت بالهاء. (١) ١٩٩٥ - عن النبي ﷺ : "كأني به أسودَ أفحج يقلعها حجرًا حجرًا". قلت: رواه البخاري من حديث ابن عباس ولم يخرجه مسلم. (٢) الأفحج: بالفاء والحاء المهملة ثمَّ بالجيم، البعيد ما بين الرجلين وذلك من نعوت الحبشان. (٣) من الحسان ١٩٩٦ - أن رسول الله ﷺ قال: "احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه". قلت: رواه أبو داود من حديث يعلى بن أمية (٤) يرفعه، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير عن يعلى بن أمية أنَّه سمع عمر بن الخطّاب يقول: احتكار الطعام بمكة إلحاد، والظاهر أن البخاري علل المسند بهذا. ١٩٩٧ - قال رسول الله ﷺ لمكة: "ما أطيبكِ من بلد وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك". (صحيح). قلت: رواه الترمذي في فضل مكة في آخر جامعه من حديث ابن عباس.

стр. 999

وقال: حديث حسن صحيح. (١) ١٩٩٨ - رأيت رسول الله ﷺ واقفًا على الحَزوَرَةِ فقال: "والله إنكِ لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت". قلت: رواه الترمذي في آخر جامعه، والنسائيُّ وابن ماجه كلاهما هنا، كلهم من حديث عبد الله بن عديّ بن الحمراء، وليس له في الكتب الستة غيره، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٢) والحزورة: موضع بمكة عند باب الحناطين وهو بفتح الحاء المهملة وبالزاي المعجمة والواو ثمَّ بالراء المهملة وتاء التأنيث، وهو بوزن قَسْورة، قال الشافعي: الناس يشددون الحزورة والحديبية، وهما مخففان. باب حرم المدينة حرسها الله من الصحاح ١٩٩٩ - قال النبي ﷺ : "المدينة حرام، ما بين عَيْر إلى ثَوْر، فمن أحدث فيها حَدَثًا أو آوى مُحْدِثًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخْفَر مسلمًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، ومن والى قومًا بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل". قلت: رواه الجماعة إلا ابن ماجه كلهم هنا إلا الترمذي، فرواه في الهبة والولاء من حديث علي ﵁، ولم يقل البخاري إلى ثور، وإنما قال إلى كذا، في طرقه

стр. 1000

كلها إلا في رواية الأصيلي أبي محمَّد في كتاب الجزية والموادعة، فإنَّه وقع له فيها إلى ثور، والله أعلم. (١) وعَيْر: بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها راء مهملة. ثور: بفتح الثاء المثلثة وسكون الواو وبعدها راء مهملة، جَبَلان، قال بعضهم: وليس بالمدينة، ولا على قربها جبل يسمى بواحد من هذين الاسمين، ولهذا ترك بعض الرواة موضع ثور بياضًا، وقال بعضهم: أما عَيْر فجبل معروف بالمدينة، وأما ثور: فالمعروف أنَّه بمكة، وفيه الغار الذي بات فيه رسول الله ﷺ لما هاجر، ورواه بعضهم إلى أُحد، وجعل إلى ثور غلطا من الراوي، وإن كان هو الأشهر، وقال بعضهم: عير جبل بمكة، والمراد أنَّه ﷺ حرم من المدينة قدر ما بين عور وثور بمكة، وقال الشيخ محب الدين الطبري (٢): أخبرني الثقة الصدوق الحافظ العالم المجاور لحرم رسول الله ﷺ أن حذا أحد عن يساره جانبا إلى ورائه جبل صغير يقال له: ثور وأخبر أنَّه تكرر سؤاله طوائف من العرب عنه كلهم يذكر أنَّه يسمى بثور، فصح بذلك أن الحديث على بابه، ولا يحتاج إلى تأويل والله أعلم. (٣)

стр. 1001

ومحدثًا: بكسر الدال أي أوى من أحدث فيها، ومن رواه بفتح الدال آوى بدعة أو رضي بها. والعدل: الفريضة، والصرف: النافلة، وقيل: العدل الفدية، والصرف: التوبة، ومعنى الفدية: أنَّه يعطى يوم القيامة من يفتدي به، وأخفرتَ الرجل: إذا غدرته، وخفرته إذا حفظته وآجرته. - وفي رواية: "من ادعى إلى غير أبيه أو تولّى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل". قلت: رواه الشيخان من حديث على واللفظ لمسلم ولم يقل البخاري: من ادعى إلى غير أبيه. (١) ٢٠٠٠ - قال رسول الله ﷺ : "إني أحرم ما بين لابتي المدبنة: أن يقطع عِضاهها، أو يقتل صيدها"، وقال: "لا يدعها أحد رغبة عنها، إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأَوائها وجهدها، إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة". قلت: رواه مسلم من حديث سعد ولم يخرجه البخاري. (٢) ولابتي المدينة: تثنية لابة، وهي الحرة، والحرة: هي الأرض ذات الحجارة السود. وعضاهها: بالقصر وكسر العين وتخفيف الضاد المعجمة واحدها عضاهة وعضهة وعضة بحذف الهاء الأصلية كما حذفت من الشفة: وهي شجر أم غيلان، وكل شجر عظيم له شوك.

стр. 1002

واللأَواء: بالمد، الشدة، والجوع. والجهد: هو المشقة وهو بفتح الجيم، وفي لغة قليلة بضمها، وأما الجهد: بمعنى الطاقة، فبضمها على المشهور، وحكي فتحها. قوله ﷺ إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا، قيل إن "أو" للشك من الراوي والأظهر أنها ليست للشك، لأنَّ الحديث رواه جابر وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبو سعيد وأبو هريرة وأسماء بنت عميس وصفية بنت أبي عبيد ﵃ عن النبي ﷺ بهذا اللفظ (١) ويبعد اتفاقهم على الشك، بل الأظهر أنَّه قاله ﷺ هكذا، فإما أن يكون أعلم بهذه الجملة هكذا، وإما أن يكون "أو" للتقسيم ويكون شهيدًا لبعض أهل المدينة، وشفيعًا لنا فيهم، أو شفيعًا للعاصين، وشهيدًا للمطيعين، وأما شهيدًا لمن مات في حياته وشفيعًا لمن مات بعده أو غير ذلك، وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين، أو للعالمين في القيامة، وعلى شهادته لجميع الأمة، وقد قال ﷺ في قتلى أحد: "أنا شهيد على هؤلاء"، فلهم بذلك مزية وزيادة منزلة. ٢٠٠١ - إن رسول الله ﷺ قال: "لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعًا يوم القيامة". قلت: رواه مسلم من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري. (٢) ٢٠٠٢ - كان الناس إذا رأوا أول الثمرة جاؤا به إلى النبي ﷺ ، فإذا أخذه قال: "اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة وإني

стр. 1003

أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه، قال: ثمَّ يدعوا أصغر وليد له فيعطيه ذلك الثمر". قلت: رواه مسلم هنا والترمذي في الدعوات والنسائيُّ في اليوم والليلة (١) من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري. ٢٠٠٣ - عن النبي ﷺ قال: "إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزِمَيْها أن لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا تخبط فيها شجرة إلا لعلف". قلت: رواه مسلم والنسائيُّ من حديث أبي سعيد الخدري ولم يخرجه البخاري. (٢) والمأزم: بهمزة بعد الميم وبكسر الزاي المعجمة، وهو الجبل، وقيل: المضيق بين الجبلين ومعناه: ما بين جبليها، وانتصب حرامًا على المصدر أي: حرمت المدينة، فحرمت حرامًا، ومثله قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ ويجوز نصبه بفعل محذوف تقديره: وجعلت حرامًا ما بين مأزميها، فما بين مأزميها مفعول أول، وحرامًا مفعول ثان، وقوله: ولا تخبط فيها شجر، الخبط: ضرب الشجر بالعصا ليتناثر ورقها. قوله: إلا لعلْف هو بإسكان اللام وهو مصدر علفت علفًا، وأما العلَف: بفتح اللام قاسم للحشيش والتبن والشعير ونحوها. ٢٠٠٤ - وروي: أن سعدًا وجد عبدًا يقطع شجرًا أو يخبطه، فسلبه، فجاءه أهل العبد، فكلموه أن يرد ما أخذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئًا نفّلنيه رسول الله ﷺ .

стр. 1004

قلت: رواه مسلم من حديث عامر بن سعد: أن سعدا ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبدا إلى آخره، ولم يخرجه البخاري وخرجه أبو داود، وزاد في آخره: ولكن إن شئتم دفعت لكم ثمنه. (١) وقد ذهب الشافعي ومالك وجماعة إلى تحريم صيد المدينة وشجرها، وجوّزه أبو حنيفة، مستدلًا بحديث: "يا أبا عمير ما فعل النغير" (٢)، والمشهور مذهب الشافعي، والجمهور: أنَّه لا ضمان في صيد المدينة وشجرها، وللشافعي قول قديم اختاره النوويّ: إنه يضمن، فيسلب الصائد وقاطع الشجر والكلأ، ويأخذ السلب السالب. (٣) ٢٠٠٥ - لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وُعِك أبو بكر وبلال، فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: "اللهم حبّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها لنا، وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حُمّاها فاجعلها بالجحفة". قلت: رواه الشيخان هنا والنسائيُّ في الطب من حديث عائشة. (٤) وأما الجحفة فقد تقدم ذكرها. ٢٠٠٦ - ابن عمر في رؤيا النبي ﷺ في المدينة: "رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس، خرجت من المدينة، حتى نزلت مهيعة، فتأولتها أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة -وهي الجحفة-".

стр. 1005

قلت: رواه البخاري والترمذي والنسائيُّ وابن ماجه (١) كلهم في تعبير الرؤيا من حديث عبد الله بن عمر بن الخطّاب. والوباء: بالقصر والمد والهمز: الطاعون، والمرض العام. ومهيعة: هي الجحفة وأرض مهيعة أي مبسوطة فلما ذهب السيل بأهلها سميت جحفة. ٢٠٠٧ - قال رسول الله ﷺ : "يفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ويفتح الشأم فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم، ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ويفتح العراق فيأتي فوم يبسون فيتحملوا بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون". قلت: رواه مالك آخر الموطأ والشيخان والنسائيُّ ثلاثتهم في الحج كلهم من حديث سفيان بن أبي زهير (٢). ويبسون: بضم الباء الموحدة وبالسين المهملة المشددة، قال المصنف (٣): قيل البسُّ سرعة الذهاب، وقيل: السَّوْق اللين، وقال الزمخشري في "فائقة" (٤) أنَّه يخرج قوم من المدينة إلى العراق والشام يَبُسُّون، قال: والبسُّ: السَّوق والطرد، وبه فسر قوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾، والمعنى: يسوقون بهائمهم سائرين، ولا محل له من الإعراب، لأنه بدل من "يخرج قوم" ولا يجوز أن يقال: هو في محلّ النصب على الحال، لأنَّ الحال لا ينتصب عن النكرة، ويجوز أن يكون في محلّ رفع صفة لقوم.

стр. 1006

٢٠٠٨ - قال ﷺ : "أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب، وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد". قلت: رواه البخاري ومسلم والنسائيُّ ثلاثتهم في الحج من حديث أبي هريرة. (١) تنبيه: لا يغتر مغتر بقول الشيخ محب الدين الطبري في هذا الحديث: أخرجه أبو حاتم مقتصرًا على ذلك، فيظن الظان أنَّه ليس في شيء من الصحيحين وليس كذلك والله أعلم، قال ابن حبَّان (٢): ومعنى تأكل القرى: أن الإسلام يكون ابتداؤه منها، ثمَّ يغلب على سائر القُرى، ويعلو على سائر الملك، وقال بعضهم: يحتمل أن يراد أنها تجبى إليها الحقوق من القرى كأنها أكلتها بأكل مالها. ٢٠٠٩ - قال ﷺ : "إن الله تعالى سمّى المدينة طابة". قلت: رواه مسلم والنسائيُّ من حديث جابر بن سمرة (٣) ولم يخرج البخاري: إن الله سمى المدينة طابة، ولا أخرج عن جابر في هذا شيئًا. ٢٠١٠ - وقال ﷺ : "إنما المدينة كالكير تنفي خبثها، وينصع طيبُها". قلت: رواه الشيخان والنسائيُّ ثلاثتهم هنا والترمذي في آخر الجامع من حديث جابر بن عبد الله (٤). وينصع طيبها: قال النوويّ (٥): هو بفتح الياء والصاد المهملة، من يصفوا ويخلص ويتميز، والناصع: الصافي، ومنه قولهم: ناصع اللون أي صافيه وخالصه، ومعنى

стр. 1007

الحديث: أنَّه يخرج من المدينة من لم يخلص إيمانه، ويبقى فيها من خلص إيمانه، قال أهل اللغة: يقال نصع الشيء ينصع، بفتح الصاد فيهما نصوعًا إذا خلص ووضح انتهى كلام النوويّ. وذكر الزمخشري (١) هذه اللفظة في باب الباء الموحدة والصاد المعجمة والعين المهملة وقال: هو من أنصعته نصاعة إذا دفعتها إليه معنى أن المدينة تعطي طيبها ساكنها، قال ابن الأثير (٢): والمشهور بالصاد المهملة، قال: وقد روي بالضاد والخاء المعجمتين، وبالحاء المهملة من النصح. ٢٠١١ - قال ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد". قلت: رواه مسلم في (٣) حديث طويل أوله: يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه أو قريبه هلم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده! لا يخرج منها أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرًا منه، ألا إن المدينة كالكير تخرج الخبيث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارَها كما تنفي الكير خبث الحديد، من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري ولا هو في السنن الأربعة. ٢٠١٢ - قال رسول الله ﷺ : "على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال". قلت: رواه الشيخان هنا والنسائيُّ في الطب من حديث أبي هريرة. (٤) والنقب: بفتح النون على المشهور، وحكي ضمها هو الشعب، وقيل: هو الطريق في الجبل، قال الأخفش: أنقاب المدينة طرقها وفجاجها.

стр. 1008

٢٠١٣ - قال ﷺ : "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال، إلا مكة والمدينة، ليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، فينزل السبخة، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق". قلت: رواه مسلم في الفتن من حديث أنس. (١) ٢٠١٤ - قال ﷺ : "لا يكبد أهل المدينة أحد، إلا انماع كما ينماع الملح في الماء". قلت: رواه البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص ولمسلم (٢) بمعناه. وانماع: أي ذاب كما يذوب الملح ويسيل. ٢٠١٥ - أن النبي ﷺ طلع له أحد فقال: "هذا جبل يحبنا ونحبه، اللهم إن إبراهيم ﵇ حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها". قلت: رواه البخاري في غزوة أحد، ومسلم هنا والترمذي في آخر كتابه من حديث أنس. (٣) ٢٠١٦ - وروي: أن قال: "أحد جبل يحبنا ونحبه". قلت: رواه الشيخان والبخاري في المغازي ومسلم من حديث أنس أيضًا. (٤) من الحسان ٢٠١٧ - روي أن سعد بن أبي وقاص أخذ رجلًا يصيد في حرم المدينة، فسلبه ثيابه، فجاء مواليه فكلموه فيه، فقال: إن رسول الله ﷺ حرم هذا الحرم، وقال:

стр. 1009

"من أخذ أحدا يصيد فيه فليسلبه، فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله ﷺ ، ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه". قلت: رواه أبو داود في الحج من حديث سليمان بن أبي عبد الله، قال: رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلًا .. وساقه بلفظه، وسئل أبو حاتم الرازي عن سليمان بن أبي عبد الله، فقال: ليس بالمشهور، فيعتبر حديثه، وقال فيه المزي: وثق. (١) - ويروى: "من قطع منه شيئًا، فلمن أخذه سلبه". قلت: رواه أبو داود (٢) من حديث صالح مولى التوأمة عن مولى لسعد أن سعدا وجد عبيدا من عبيد المدينة، يقطعون من شجر المدينة، فأخذ متاعهم، وقال لمواليهم: سمعت رسول الله ﷺ ينهى أن يقطع من شجر المدينة شيء، وقال: من قطع منه شيئًا، فلمن أخذه سلبه وفي سنده صالح مولى التوأمة، قال أبو حاتم الرازي وغيره: ليس بقوي، وقال أحمد: صالح الحديث، ومولى سعد: مجهول. ٢٠١٨ - وروى الزبير عن رسول الله ﷺ "أن صيد وجّ وعضاهه حرْم محرم لله". (ووج ذكروا أنها من ناحية الطائف).

стр. 1010

قلت: رواه أبو داود (١) من حديث الزبير وفي الحديث قصة، وفي سنده محمَّد بن عبد الله بن إنسان الطائفي، وأبوه، فأما محمَّد: فسئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: ليس بالقوي، وفي حديثه نظر، وذكره البخاري في تاريخه الكبير، وذكر له هذا الحديث، وقال: لم يتابع عليه، وذكر أباه وأشار إلى هذا الحديث، وقال: لم يصح حديثه، وكذا قال ابن حبَّان أيضًا. ووج: بفتح الواو وتشديد الجيم قيل: هو أرض الطائف، وقيل: الطائف نفسه، وقيل: هو اسم الوادي، وسمي وجا بوج بن عبد الحي من العمالقة ويقال: وج واج بالهمز. قوله ﷺ : حرم أي حرام وهما لغتان، كحل وحلال، ومحرم جاء على وجه التأكيد لقوله حرم. ٢٠١٩ - قال رسول الله ﷺ : "من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها". (صح). قلت: رواه الترمذي في أواخر الجامع، وابن ماجه هنا من حديث ابن عمر وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. (٢) ٢٠٢٠ - قال رسول الله ﷺ : "آخر قرية من قرى الإسلام خرابا المدينة". (غريب). قلت: رواه الترمذي في أواخر جامعه من حديث أبي هريرة وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث جنادة بن سلم انتهى.

стр. 1011

وجنادة قال المزي: ضُعّف. (١) ٢٠٢١ - عن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى أوحى إليّ: أيّ هؤلاء الثلاثة نزلتَ فهي دار هجرتك: المدينة أو البحرين، أو قنسرين". قلت: رواه الترمذي في أواخر جامعه من حديث جرير (٢) بن عبد الله وقال: غريب. وقِنَّسرين: بلد بالشام بكسر القاف، والنون مشددة تكسر وتفتح. (٣)

стр. 1012

كتاب البيوع باب الكسب وطلب الحلال من الصحاح ٢٠٢٢ - قال رسول الله ﷺ : "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يديه، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يديه". قلت: رواه البخاري من حديث المقدام بن معدي كرب، في باب كسب الرجل وعمل يده، في البيوع ولم يخرجه مسلم. (١) ٢٠٢٣ - قال ﷺ : "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. ثمَّ ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ ". قلت: رواه مسلم في الزكاة والترمذي في التفسير من حديث أبي هريرة يرفعه. (٢) ويطيل السفر: جملة في محلّ نصب، صفة لرجل، وإن كان فيه الألف واللام فإن التعريف فيه غير مراد، كقوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني. وانتصب "أشعث أغبر"، على الحال، من فاعل يطيل، وكذا "يمد يديه إلى السماء". ٢٠٢٤ - قال ﷺ : "يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أَمِن الحلال أم من الحرام؟ ".

стр. 1013

قلت: رواه البخاري في باب قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ والدارميُّ هنا كلاهما من حديث أبي هريرة ولم يخرجه مسلم. (١) ٢٠٢٥ - قال ﷺ : "الحلال بيّن، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". قلت: رواه الجماعة كلهم هنا إلا ابن ماجه (٢) فإنَّه ذكره في الفتن كلهم من حديث العمان بن بشير وذكره البخاري في الإيمان أيضًا. قوله ﷺ : الحلال بين والحرام بين إلى آخره، أراد ﷺ أن الله تعالى بيّن الحلال وكشف القناع عن الحرام بتمهيد القواعد الشرعية، بحيث يميز أكثر الناس بين مسلكيهما ويفصل بين مأخذيهما فلا يشتبه أحدهما بالآخر، لكن بينهما ما يختص التميز بين حله وحرمه بالعلماء لوقوعه بين أصل الحل والحرمة. ومعنى استبرأ لدينه: أي احتاط لنفسه، وطلب البراءة لدينه، وصان عرضه عن أن يتهم بعدم المبالاة بالمعاصي. والعرض: فسره في النهاية (٣): بأنّه موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سَلَفه، أو من يلزمه أمره، وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحَسَبه، ويُحامي عنه أن ينقص.

стр. 1014

قوله: ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، أي من هون على نفسه حتى وقع في الشبهات، وتعود ذلك وقع في الحرام، لأنَّ الشيطان يستدرج الإنسان، والمضغة: القطعة من اللحم قدر ما يمضغ، وسمي القلب بها لأنه قطعة لحم من الجسد. ٢٠٢٦ - قال ﷺ : "ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث". قلت: رواه مسلم وأبو داود والترمذي في البيوع والنسائيُّ في الصيد من حديث رافع بن خديج يرفعه ولم يخرجه البخاري. (١) قوله ﷺ ثمن الكلب خبيث إلى آخره، الخبيث في الأصل: ما يكره لخسته ورداءته، ويستعمل للحرام من حيث أنه كرهه الشرع واستردأه، كما يستعمل الطيب للحلال، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾، أي الحرام بالحلال، والرديء من المال، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ أي لا تقصدوا الرديء من المال، ولما ثبت أن الزنا محرم، وعلمنا أن الخبيث من مهر البغي هو الحرام، لأن مهرها هو ما تأخذه عوضًا عن الزنا، وبذل العوض في الزنا ذريعة إلى التوصل إليه، وما هو ذريعة إلى الحرام حرام، ولما لم يكن كسب الحجام حرامًا لأنه قد ثبت في الصحيح أنَّه ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجرة، كان المراد من الخبيث في قوله ﷺ كسب الحجام خبيث المعنى الثاني، وأما خُبْث ثمن الكلب فالجمهور حملوه على المعنى الأوّل. (٢) ٢٠٢٧ - أن رسول الله ﷺ نهى عن: ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن.

стр. 1015

قلت: رواه الجماعة هنا وأعاده الترمذي في النكاح والنسائيُّ في الصيد، ورواه البخاري في مواضع من حديث أبي مسعود الأنصاري واسمه عقبة ابن عمرو. (١) والبغي: بفتح الموحدة وكسر الغين المعجمة هي الزانية، ومهرها هو ما تعطاه في مقابلة الزنا. وحلوان الكاهن: هو ما يعطاه من الأجرة والرشوة على كهانته، قال في النهاية (٢): والحلوان: مصدر كالغفران ونونه زائدة، وأصله من الحلاوة، قال في الغريبين (٣): شبه بالشيء الحلو يقال: حلوت فلانًا إذا أطعمته الحلو، كما يقال عسلته: إذا أطعمته العسل. والكاهن: هو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار، وقد كان في العرب كهنة، فمنهم من يدعي أن له تابعًا من الجن وربنا يلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله وهذا يخصونه باسم العراف كالذي يدعي معرفة المسروق والضالة. ٢٠٢٨ - أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الدم، وثمن الكلب، وكسب البغي، ولعن آكل الربا، وموكله، والواشمة، والمستوشمة، والمصور.

стр. 1016

قلت: رواه البخاري منفردًا به في باب ثمن الكب من حديث أبي جحيفة ولم يخرجه غيره من أصحاب الكتب الستة (١)، لكن روى أبو داود منه "نهى عن ثمن الكلب" ولم يزد على ذلك. تنبيه: قد وهم صاحب المنتقى (٢) فعزاه لمسلم أيضًا وليس كذلك فلا يغتر به والله أعلم. قوله آكل الربا: آخذه، وموكله: معطيه. والواشمة: التي تغرز الجلد بالإبرة ثمَّ تجعل عليه الكحل أو النيل فيزرق أو يخضر. والمستوشمة: هي التي يفعل بها ذلك، والمصور: الذي يصور الحيوان، دون من يصور صور الأشجار والنبات. ٢٠٢٩ - أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة: "إن الله تعالى ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام"، فقيل: يا رسول الله! أرأيت شحوم الميتة، فإنَّه يطلى بها السفن، فيدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا، هو حرام" ثمَّ قال -عند ذلك-: "قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها، جملوه ثمَّ باعوه، فأكلوا ثمنه". قلت: رواه الجماعة (٣) هنا، وأعاده البخاري في مواضع من حديث جابر بن عبد الله. وقاتل الله اليهود: أي قتلهم، وقيل: لعنهم، والمحرم من الشحوم عليهم: شحم الكلى والكرش والأمعاء، وأما شحم الظهر والإلية فلا، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾. الآية.

стр. 1017

وجملوه: يقال جملت الشحم وأجملته إذا أذبته، واستخرجت دهنه، وجملت أفصح من أجملت. ٢٠٣٠ - أن رسول الله ﷺ قال: "قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها". قلت: رواه الشيخان هنا والنسائيُّ في الذبائح وابن ماجه في الأشربة كلهم من حديث عمر بن الخطّاب ﵁. (١) ٢٠٣١ - أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسنور. قلت: رواه مسلم هنا من حديث أبي الزبير عن جابر (٢)، ولم يذكر البخاري "السنور" ولا خرج عن جابر في هذا شيئًا، وذهب جمهور العلماء إلى جواز بيع السنور المنتفع به، وتأولوا الحديث على ما لا ينتفع به أو على أنَّه نهي تنزي. وأما ما ذكره الخطابي وابن عبد البر من أن الحديث في النهي عنه ضعيف، فليس كما قالا بل الحديث صحيح رواه مسلم وغيره، وقول ابن عبد البر لم يروه عن أبي الزبير غير حماد بن سلمة غلط منه أيضًا، لأنَّ مسلمًا رواه في صحيحه من حديث معقل بن عبيد الله عن أبي الزبير، فهذان ثقتان روياه عن أبي الزبير وهو ثقة أيضًا. (٣) ٢٠٣٢ - قال: حجم أبو طيبة رسول الله ﷺ ، فأمر له بصاع من تمر، وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه".

стр. 1018

قلت: رواه الشيخان وأبو داود والترمذي من حديث أنس واللفظ للبخاري (١)، وأبو طيبة (٢): بطاء مهملة مفتوحة ثمَّ ياء مثناة من تحت ثمَّ باء موحدة وهو عبد لبني بياضة، واسمه نافع وقيل غير ذلك. من الحسان ٢٠٣٣ - قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم". قلت: رواه الأربعة هنا إلا الترمذي ففي الأحكام من حديث عائشة واللفظ للترمذي، وقال: حسن. (٣) - وفي رواية: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه". قلت: هذه الرواية لفظ أبي داود وابن ماجه كلاهما من حديث عائشة أيضًا ورواه الدارمي ولفظه: "إن أحق ما يأكل الرجل من أطيب كسبه وإن ولده من أطيب كسبه". (٤) ٢٠٣٤ - عن رسول الله ﷺ : "لا يكسب عبد مال حرام فيتصدق منه فيقبل منه، ولا ينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث".

стр. 1019

قلت: رواه المصنف (١) من حديث الصباح بن محمَّد عن مرة الهمداني عن ابن مسعور يرفعه، والصباح بن محمَّد قال ابن حبَّان: يروي الموضوعات، وقال في الميزان (٢): له حديثان رفعهما وهما من قول ابن مسعود. (٣) ٢٠٣٥ - قال ﷺ : "لا يدخل الجنة لحم نبت من السحت، وكل لحم نبت من السحت كانت النار أولى به". قلت: روى القطعة الأولى منه الدارمي في الرقائق من حديث عبد الرحمن بن سابط عن جابر بن عبد الله يرفعه (٤)، ورواه بتمامه البيهقي في شعب الإيمان (٥) والسحت الحرام: الذي لا يحل كسبه، لأنه يسحت البركة أي يذهبها. ٢٠٣٦ - قال: حفظت من رسول الله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة". قلت: رواه الترمذي في الزهد والنسائيُّ في الأشربة والدارميُّ (٦) هنا من حديث الحسن بن علي وقال الترمذي: صحيح.

стр. 1020

ويريبك: قال في النهاية (١): يروى بفتح الياء من راب، وبضمها من أراب ومعناه الشك. ٢٠٣٧ - أن رسول الله ﷺ قال: "يا وابصة، جئت تسأل عن البر والإثم؟ " قلت: نعم، قال: فجمع أصابعه فضرب بها صدره، وقال: "استفت نفسك، استفت قلبك، ثلاثًا، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردّد في الصدر، وإن أفتاك الناس". قلت: رواه الدارمي (٢) هنا عن سليمان بن حرب ثنا حماد بن سلمة عن الزبير أبي عبد السلام عن أيوب بن عبد الله بن مكرز الفهري عن وابصة بن معبد الأسدي بلفظه. وحاك في النفس: بالحاء المهملة والكاف أي أثر فيها ورسخ، يقال ما يحيك كلامك في فلان أي يؤثر. قوله: وإن أفتاك الناس أي جعلوا لك رخصة، وهو بالفاء والتاء المثناة من فوق. ٢٠٣٨ - قال النبي ﷺ : "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به بأس". قلت: رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما في الزهد من حديث عطية السعدي وقال الترمذي:
следующие страницы →